بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين، وبعد: واتناول في هذا الدرس: بيان الأخطاء الموجودة في نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ النجدي محمد بن عبد الوهاب، أسأل الله عز وجل ان يهدي قلبي وأن يسدد قولي وان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه، أقول وبالله التوفيق:
أولا لماذا كتب الشيخ محمد ابن عبد الوهاب تلك النواقض الشيخ محمد ابن عبد الوهاب اكتشف مفهوم جديد للإسلام واكتشف معنى جديد للتوحيد، لم يعرفه أحد قبله فقد جاء في [تاريخ نجد لابن غنام ] يقول الشيخ النجدي وهو يتحدث عن نفسه، على زعم ابن غنام وهو من اتباعه: ((الرسالة العاشرة للشيخ المجدد: من محمد بن عبد الوهاب إلى أهل الرياض و منفوحة: وأنا أخبركم عن نفسي: والله الذي لا إله إلا هو لقد طلبت العلم، واعتقد من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى “لا إله إلا الله” ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي مَنَّ الله به، وكذلك مشايخي – ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء “العارض” أنه عرف معنى “لا إله إلا الله” أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم عن مشايخه أن أحدا عرف ذلك – فقد كذب، وافترى، ولبّس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه)) ([1]) .
فالشيخ النجدي يزعم أنه المكتشف الوحيد لمعاني التوحيد، فليس أحد قبله حاز هذا السبق وكل من زعم أنه يعرف معاني التوحيد التي جاء بها الشيخ النجدي فقد كذب وافترى ولبّس على الناس ومدح نفسه بما ليس فيه، ومعنى كلامه أنه لم يكن أحد قبله على الإسلام وعلى العلم بالتوحيد منذ قرون مديدة، ولذلك بدأ يرسخ المفهوم الجديد للإسلام فوضع شروط لا إله إلا الله، كان المسلم منذ عهد النبي صلى الله عليه وإلى زمان محمد بن عبد الوهاب بمجرد ان يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله يدخل في الإسلام، لما جه ابن عبد الوهاب حط شروط جديدة للشهادتين، وحط نواقض الإسلام، عشان يتحكم في اللي داخل واللي خارج عنده مفاتيح لمن يدخله إلى الإسلام ولمن يخرجه من الإسلام، ولذلك كل من خالف فهم الشيخ النجدي للإسلام والتوحيد والدين، لم يفهم الدين ولذلك فهو عنده مشرك أشد شركا من المشركين زمان النبي jنص هو على ذلك، اتهمهم بالشرك واستحل دماءهم وكانوا يومئذ سادة المسلمين من العلماء والفقهاء والاولياء. حتى الذين توقفوا في تكفير الصوفية في زمانه اسنحدث لهم ناقض: [من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر]، وهكذا أثمرت نواقض الإسلام العشرة تكفير كل اهل الإسلام إلا محمد بن عبد الوهاب وجماعته الوهابية الشاهد نبدأ بإذن الله في بيان النواقض العشرة التي استعملها الشيخ محمد لتكفير كل من لم يكن وهابيا وما هو التطبيق العملي لها في زمان الشيخ النجدي.
[الناقض الأول وبيان ضابطه]: يقول امام الدعوة الوهابية: [[اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة: (الأول): الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وقال: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر] [قلت]: الشرك في عبادة الله تعالى كفر أكبر ولكن له عند الفقهاء أصل وله صور، فالأصل هو الاعتقاد، وهو أن يصرف العبد مفردات العبادة بنية العبادة لمن يرى له صفات الربوبية أو الألوهية، فهذا شرك أكبر لا مرية فيه، أما صرف الصور الخالية من الاعتقاد فهذه ليست من باب الشرك الأكبر أبدا، وإنما هي من باب شرك دون شرك، فلا يترتب عليها لا تكفير ولا استحلال حرمات المسلمين.وبيان ذلك: أنّ المشركين زمان النبي jكانوا يعتقدون في أصنامهم أنّها آلهة لها صفات الألوهية واستحقاق العبادة بما لها من مفردات الربوبية كالنصرة والعزة واجابة الدعاء والشفاعة قصراً على الله، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى – في حق مشركي قريش -: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ ص: 4 إلى 7 ]، كما اعتقدوا أنّها أنداد لله، والند هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير، ويدل عليه قوله تعالى:{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [ فصلت: 9 ]، وقوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ ابراهيم: 30 ].
كما اعتقدوا التسوية بين الله وبين معبوداتهم في الربوبية والألوهية: كما في قوله تعالى: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [ الشعراء: 96 إلى 98 ]، فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات الربوبية والألوهية، كما اعتقدوا شراكتها في الربوبية ومفرداتها من التصريف والتدبير والقدرة الذاتية على النفع والضر والإعزاز والنصر: كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [ مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [ يس: 74 ]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [ الأنبياء: 43 ]وقوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ} أنّهم كانوا يدعونهم ويعبدونهم وهم ينتظرون أن يغنوا عنهم من الاله شيئا، وقد كان الكفار يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36] قال البغوي في تفسير الآية:{وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ}: ” وذلك أنهم خوفوا النبي (j) معرة معاداة الأوثان، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ” أهـ ([2]) .
والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها لها صفات الألوهية والربوبية، وأنّها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون، والسؤال المهم الآن: هل كان الناس زمان الشيخ يعتقدون في الاولياء والصالحين نفس الاعتقاد، وهل كانوا إذا ذكرهم الشيخ بالشهادتين، يقولون كما قال كفار قريش للنبي j : {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ ص: 4 إلى 7 ]، هل كانوا كذلك ام كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وانّ محمدا رسول الله، هل زعم أحد منهم أنه يعبد يوسف أو شمسان أو تاج من دون الله كما ذكر هو في كشف الشبهات وكفر كل من يعتقد فيهم الصلاح والولاية، من دون الله أو يظن له شراكة مع الله في التدبير والتصريف مستقلا عن الله، كما يزعم مشركو قريش لآلهتهم.
(المصيبة الكبرى) أنّ الشيخ لم يجعل للعبادة ضابطا يجعلها عبادة، فليس مجرد صرف العمل العبادي خاليا عن الاعتقاد يعتبر عبادة، فإن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء:24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل توحيد العبادة وشرك العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو: ((الاعتقاد))، وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله j: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) [ أخرجه مسلم ]، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي.
والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، وخلاصة الأمر في التعريف الفقهي الصحيح للعبادة: هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل أو القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومثال ذلك: من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي، وما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الدعاء تبعاً للعقيدة، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية أو الإلهية فهذا من الشرك الاكبر، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله، وما قيل في السجود والدعاء يقال مثله في الذبح، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الذبح تبعاً للعقيدة، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو الإلهية فهذا من الشرك الاكبر، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام، أو بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له، فهذا من المحرمات ولكن لا يدخل في باب الشرك الاكبر، وما قيل العبادات السابقة يقال مثله في النذر، فمن نذر لمن يعتقد فيه الربوبية وصفاتها، والإلهية ومفرداتها فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة، وما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول j، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الشفاعة تبعاً للعقيدة، فمن صرفها لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها كالشراكة في التدبير أو الشفاعة لللازمة على الله تعالى، فهذا الشرك الاكبر، والآيات التي تثبت الشفاعة تستثني من شاء الله تعالى، كقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} [ طه: 109]، وما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية أو بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، وكما علمنا القرآن الكريم قصر للاستعانة بالله وحده، والقصد على وجه الاستقلال، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو، فقال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [ الفاتحة: 5 ]، كذلك علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [ البقرة: 45 ]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153}
وضابط الاستعانة، أنّ من اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله.
وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله، وصرفها لمن نعتقد فيه الربوبية والالوهية (لأنهما متلازمان) أو بعض صفاتهما فهو كفر وشرك بالله، وإن خلت من النية والاعتقاد، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب، وعلى ذلك: فالتعريف الصحيح الضابط لفهم معنى الشرك الأكبر المناقض لتوحيد الالوهية: إنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد الألوهية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء من الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في ألوهية الله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه.
(تنبيه): لا يصح بأي حال مقارنة حال المشركين زمان النبي jبحال المسلمين الناطقين للشهادتين المعتقدين لهما، فالمشركون زمان النبي jما كانوا يرضون بتوحيد الألوهية وكانوا يعترضون أشد الاعتراض على قول لا إله إلا الله، وقد وصفهم القرآن الكريم بقوله تعالى {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، وبقوله تعالى {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ ص: آية 4 إلى آية 8 ]، وكانوا يشركون أوثانهم مع الله تعالى حتى في الشفاعة فكانوا يجعلون لهم الحق الواجب من الشفاعة (الشفاعة الملزمة)، كأنهم شركاء لله عز وجل في ملكه وملكوته، فمن فعل ذلك من أهل القبلة كان من المشركين شركا لنا فيه من الله تعالى برهان، -وهذا لم يحدث ابدا من مسلم قط على مر عصور الإسلام- ومن استأنف أن ينسب عبادته لغير الله – وهذا هو الحاصل- وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وإذا قيل له أأنت تعبد هذا الميت، قال على الفور معاذ الله فإني لا أعبد إلا الله ولا اعتقد الإلهية ولا الربوبية ولا استحقاق العبودية إلا لله، فهذا الرجل لا تبلغ حاله الشرك الأكبر بحال، ما كان الإقرار على التوحيد واعتقاده صحيحين، وإلا فما من إنسان إلا وهو يصرف بعضا من مفردات العبودية لغير الله إلا ما رحم الله، فمن خشي غير الله فقد صرف الخشية لغير الله، ومن خاف من مخلوق كمن خاف من سبع مفترس فقد صرف مفردة من مفردات العبودية وهي الخوف لغير الله، ومن أحب غير الله فقد صرف مفردة من مفردات العبادة لغير الله، وهكذا لا يسلم التوحيد -على مذهب هؤلاء – لأحد. ولذلك كان لابد للمسألة من ضابط، فمن خاف من سبع مفترس نعلم أنه لم يصرف إليه الخوف العبادي، ومن خشي ملكا ظالما نعلم أنه لم يصرف إليه الخشية العبادية، ومن رجا غنيا أو ملكا نعلم أنه لم يصرف إليه الرجاء العبادي، وهكذا من ذبح للجن اتقاء شرهم فلم يقع في الشرك الأكبر لأنه لم يصرف إليهم مفردة العبودية بنية العبادة، وإنما ذبح على ظنه اتقاء شرهم كما يكذب المرء على الملك الظالم اتقاء شره، فهذا في عداد الكبائر وليس في عداد الشركيات، ويدخل في إطار المنكرات، ولكن أن ننسب ذلك إلى الردة والكفر الأكبر، فهذا لاشك غلو في فهم مسائل الشرك، وكذلك فمن دعا الميت وقع في مظهر من مظاهر الشرك لصرف مفردة من مفردات العبودية لغير الله بدون نية العبادة، فلا يكون من الشرك الأكبر لأن هذا الداعي تحيط به شبهات تمنع حتما من رميه بالكفر الأكبر المخرج من الملة، وهذه الشبهات منها أنه مقر بلا إله إلا الله، وأنه يزعم – والآثار تؤيده – أن المسلم في قبره يسمع من يناديه ويستأنس بمن يزوره، فهو من هذا الباب يناجي حيا يسمعه وليس ميتا، والآثار تدل على الحياة في البرزخ، وأن الموتى يردون السلام على من زارهم وسلم عليهم، ثم هو يتعلل بأنه يطلب من هذا الولي – على حد زعمه – أن يدعو الله له ليس إلا، وهو يعلم أن الضر والنفع بيد الله وحده، وهو مثل قول المسلم لأخيه لا تنساني من دعائك يا أخي، فهذا خطأ، ولكن أين هذا الخطأ أو الجهل من الشرك الأكبر المخرج من الملة، لأنه يعتقد أن الولي الصالح الذي يدعوه لا يملك من الأمر شيئا، بعكس حال المشركين الذين كانوا يزعمون أن لآلهتهم شراكة مع الله واستحقاق الوساطة في الشفاعة والنصرة والتدبير بدليل قوله تعالى: { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}
ولعل فيما سبق بيان ضابط الشرك الأكبر في مسألة الدعاء، وخلاصته أن الدعاء قسمان، دعاء عبادة لمن نظن فيه الربوبية والألوهية ونصرف له العبودية، ودعاء مسألة لمن نظن فيه قضاء الحاجة على سبيل السبب، إذ كل ما سوى الله تعالى سبب قدَّره مسبب الأسباب سبحانه لقضاء الحوائج، فالغريق يدعو من ينقذه دعاء مسألة لظنه فيه أنه سبب لإنقاذه من الغرق، والسائل المتعلم يدعو العالم دعاء مسألة لظنه أنه سبب لإدلاله على الصواب في المسألة، وهكذا كل دعاء ليس فيه صرف عبودية لمن يظن فيه الربوبية والألوهية فهو دعاء مسألة لا دعاء عبادة ودعاء المسألة لا يبلغ بصاحبه الكفر مهما كان حاله لأن الشرك الأكبر متعلق بدعاء العبادة الذي يصرف لمن يظن فيه الألوهية والربوبية.
وقد يقول قائل أن مناط المسألة هو التفريق بين دعاء من يقدر على الشيء ودعاء من لا يقدر عليه وأن ذلك هو مناط الكفر في المسألة، قلت: قال العلماء أن هذا المناط لا ينضبط، وذلك لأن قدرة العباد نسبية، ومثال ذلك الصحابي الذي سقطت عينه على خده ثم دعا رسول الله j أن يعيدها له، ومعلوم أن ذلك ليس في مقدور بشر، ولكنه سأل رسول الله j ليقينه أن الله على كل شيء قدير، وأنه يستجيب دعوة الرسول j، فقدرة العباد نسبية إلا أنها إذا اتصلت بقدرة الله انتفت النسبية، لأن الله على كل شيء قدير، فهذا المثال وغيره من الشواهد لا يتعلق السؤال فيه لمقدور البشر، وإنما تعلق بقدرة الله الذي هو على كل شيء قدير، ولهذا قال العلماء من ظن أن أحدا قادرا على أدنى شيء باستقلال قدرته فقد أتى ببهتان عظيم، لأنه لا حول ولا قوة لأحد إلا بالله، فلهذا لا ينضبط مناط الاستقلال في القدرة.
وعلماء الأصول لا يجيزون تعلق الحكم بمناط غير منضبط في الأحكام العملية، فما بالنا بالأحكام الاعتقادية وأخطرها الحكم على الناس بالكفر الأكبر والشرك الأكبر المخرج من الملة، ومثالها كذلك مسألة الاستغاثة بالأموات لأنه لا يُسّلم لك أنه ميت لا يسمع، بل يقول أنه يسمع نداءه، وأن المستغيث بمنزلة التائه أو الغريق الذي يستغيث بمن ينقذه من الغرق والموت، أو بمنزلة صاحب الحريق الذي يستغيث بمن يطفئ معه هذه النار، وهو مع ذلك لا يُسّلم أنه يستغيث بالميت على سبيل أن الميت يملك الضر والنفع استقلالا من دون الله، بل يقول أنه يطلب من الميت أن يدعو له الله لعل دعواه أن تكون مستجابة، كمثل من ذهب إلى الرسول j يستغيث به أن يرد عليه عينه وقد أصابها سهم فوقعت على خده، فهو لم يستغث بقدرة النبي j المستقلة، وإنما بما له من وجاهة عند الله، وأن دعاءه لله مستجاب بخلاف غيره، وهذه التأويلات – على وجه العموم – لا تزال في إطار التأويل المستساغ، فيبقى معذورا بالتأويل المانع من تكفيره اتهامه بالشرك الأكبر، ومثلها الذبح، فهو مفردة من مفردات العبودية لقوله تعالى (فصل لربك وانحر) والذبح أنواع، فمن الناس من يذبح لمجرد الطعام وهذا جائز، ومنهم من يذبح على سبيل العبادة وهذا صرفه لله توحيد وصرفه لغير الله شرك، وضابطه اصطحاب نية العبادة في الذبح، ومن الناس من يذبح للجن مثلا خوفا من ضرهم لا عبادة لهم، فهذا كبيرة من الكبائر ولم يقل أحد من علماء المسلمين المتقدمين أنه شرك أكبر ولا كفر أكبر إلا إن كان على سبيل العبودية للجن، أما لمجرد الخوف من إيذائهم فهذا بمنزلة الكبائر لا أكثر، ولا علاقة له بالشرك أبدا، ومن خالف في ذلك فليراجع أقوال علماء الأمة الفقهاء في هذه المسألة، وليرجع إلى مؤلفات الفقه المتخصصة ليعرف حكم الشرع في المسألة، وهناك من يذبح للولي والرجل الصالح والميت لا على سبيل العبودية يقينا ولكن على سبيل إهداء ثوابها إلى الميت، فهذا له الأجر والثواب، لأنه لا خلاف بين الفقهاء في جواز عمل العبادة والطاعة وإهداء ثوابها للميت، وهناك من يذبح للميت على سبيل الإكرام لحاله وشأنه كما يذبح الناس الذبائح عند مقدم الملوك والرؤساء على سبيل الإكرام، وهذا لا تصل إلى الشرك الأكبر بحال، وهناك من يذبح في تلك الأماكن تبركا بالصالحين، وإطعاما للمساكين، كما جاء في سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي: (وعن إبراهيم الحربي قال: قبر معروف الترياق المجرب يريد إجابة دعاء المضطر عنده لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء) ([3]) .، فهذه أمور لا تبلغ مبلغ الشرك، ولا علاقة لها بالشرك، لا أصلا ولا صورة.
وهكذا الطواف فهو مفردة من مفردات العبودية، ولكنه عبودية مخصوصة بمكان، وهو الكعبة المشرفة زادها الله تشريفا، فمن طاف بغير البيت الحرام ابتغاء مرضاة الله فهذه بدعة منشؤها الجهل أو الهوى، ومن طاف بغير البيت الحرام على سبيل العبودية لغير الله فهذا وقع في الشرك الأكبر ولا كرامة، ولكن أين من يطوف بهذه النبية، حتى المسلم يطوف حول الكعبة ولا يعبدها، إنما طوافه طاعة لله، ومن طاف بغير البيت الحرام على سبيل الاحترام والتبجيل لصاحب القبر مثلا، فهذا قد أتى كبيرة من الكبائر وبدعة ضلالة، ولكنه لا يبلغ الشرك الأكبر، ومثله مثل من سجد لغير الله على سبيل الاحترام والتكريم، وقد صحت قصة معاذ في السجود للنبي j على سبيل الاحترام ونهاه الرسول j عن ذلك، وأوضح له أن السجود على سبيل الاحترام لو كان جائزا لجاز للمرأة أن تسجد لزوجها احتراما، ولا يمكن أن يكون افتراض الجواز مبنيا على سبيل العبودية، لأن فعل ذلك على سبيل العبودية شرك أكبر بالله تعالى، والرسول j لا يضع الاستثناء أبدا في محل الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر، ويؤكده أن السجود على سبيل الاحترام كان جائزا في الأمم السابقة، وأصول الدين – وأهمها التوحيد – واحدة في جميع الملل لا تقبل النسخ، وهذا يؤكد أن السجود على سبيل الاحترام لا يكون صرفا للعبودية لغير الله إلا إذا كان بنية العبادة.
وحاصل الأمر أن هناك فرقا بين الشرك في أصل العبادة بحيث يعلم العابد أنه عابد لغير الله راضيا بذلك، وبين من صرف مفردة من مفردات العبودية لغير الله – في الظاهر – لا على سبيل العبودية ولكن على سبيل آخر، وعلى ذلك فالضابط الفقهي لهذا الناقض الأول هو أن يكون الفعل بنية العبادة وصاحبه مقر بعبادته لغير الله، فإن حامت الشبهات حول الفعل وظهرت التأويلات حوله، نزل من مرتبة الشرك الأكبر إلى مرتبة البدعة والضلالة، أو مرتبة المعصية أو مرتبة الجهل، وهذا هو الفقه في الدين ان ننزل كل واقعة على حكمها اللائق بها، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
وحاصل الفقه في المسألة السابقة أن هناك فرق بين الأعمال التي تصلح للعبادة وبين أصل العبادة نفسها، فمفردات العبادة لا تكون عبادة إلا باصطحاب نية العبادة، ومن فعلها بنية أخرى غير العبادة فلا يكون صرفها لغير الله من باب الشرك وإنما من أبواب أخرى كالمعصية والبدعة وغيرها، وقد دللنا على ذلك بالسجود والنذر والذبح وغيرها من مفردات العبادة.
(تنبيه ثان): إن الفرق عظيم بين ما يفعله جهلة المسلمين وبين ما كان يفعله مشركو العرب على زمان النبي j، فالمشركون على زمان النبي j كانوا يدعون الأوثان والأصنام، وكانوا يعتقدون في أصنامهم كشف الضر والتصريف والتدبير وكانوا يعتقدون أن لها القدرة على الضر، وكانوا يخوفون النبي j من ضرر آلهتهم، فمما سبق يتبين أن دعاء المشركين لأصنامهم كان دعاء عبادة يتضح فيه وجود نية العبادة ونية صرفها لغير الله من آلهتهم المزعومة، ويتضح فيه اعتقادهم لبعض الربوبية فيمن يدعونه، فيرجون منه النفع والضر والنصرة والإعزاز والغنى، ويتضح فيه كذلك اعتقادهم أن هذه آلهة مع الله شركاء لله على سبيل المقاسمة والشراكة الإلزامية في صفات الربوبية والألوهية، مع العلم بأن هؤلاء المشركين رفضوا شهادة التوحيد واستكبروا عنها وتعجبوا من جعل الآلهة إلها واحدا كما ذكر ذلك عنهم القرآن الكريم بقوله تعالى (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) وقوله تعالى حكاية عنهم (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب) وذلك لما رسخ في اعتقادهم من شرك التسوية الذي أشار الله تعالى إليه في قوله تعالى حكاية عن المشركين (قالوا تالله إن كنا في ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين).
أما الجهلاء من المسلمين فهؤلاء يدعون الأولياء الصالحين على سبيل أنهم صالحون لهم وجاهة عند الله في استجابة الدعاء، وهي طرف من وجاهة الأنبياء، كما قال الله تعالى عن نبيه عيسى عليه السلام (وكان عند الله وجيها) أي مستجاب الدعاء، وأنهم أحياء في قبورهم يسمعون من يزورهم ويأنسون به ويفرحون بقدومه، ثم هم يقرون بأنهم لا يعبدون إلا الله، ويعلمون أن الضر والنفع بيد الله وحده، وهذا يجعل الأمر كله في إطار مظاهر الجهل والابتداع.
و(الخلاصة): الشيخ النجدي طبق هذا الناقض: [الناقض الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وقال: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر]: على المسلمين وليس على المشركين، وصدق فيه قول الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، (إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين)، وهذا الأثر البخاري ذكره تعليقا بصيغة الجزم في صحيحة، فقال: (باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين)، قال ابن حجر عن أصل هذا الخبر: وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعا كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: كان يراهم شرار خلق الله، انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين) ([4]) .
وهذا والله ما حدث، انطلق إلى آيات نزلت في الكفار والمشركين الأصليين، فجعلها على المسلمين والموحدين والمؤمنين، فاستحل بمفاهيمه المغلوطة عن العبادة والشرك حرمات المسلمين، وكان يهاجمهم ويسمي ذلك غزوات على المشركين، يستبيح دماءهم وأموالهم وحرماتهم بفهم قاصر للعبادة يخلو من ضابطه الرصين، ألا وهو صرف العمل العبادي لمن يعتقد فيه الربوبية والإلهية من دون الله، واثبات ذلك على مسلمي زمانه دونه خرط القتاد.
[الناقض الثاني وبيان ضابطه]: [من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، ويسالهم الشفاعة، ويتوكل عليهم كفر إجماعاً] [قلت]: وهذا الناقض لا بد من التفصيل فيه، فإن ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول j، لقد وقع الشيخ النجدي في ثلاثة أخطاء، استحل بها دماء المسلمين المؤمنين الموحدين من أمة النبي j .الخطأ الأول: أنّه ظن أن اعتقاد الشفاعة يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر، وتلك مصيبة، لأنّ الشفاعة ثابتة للنبي jوالصالحين من امته، والخطأ الثاني: أنّه جعل ضابط الشرك الأكبر هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء، وتلك مصيبة أخرى لأنّ أصل الوسيلة جائز شرعا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [ المائدة: 35 ]، والآية عامة في إثبات أصل التوسل وفضيلته، وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [ الإسراء: 57 ].
والخطأ الثالث: أنّه لم يفرق بين التوسل المشروع الذي أجازه جمهور الفقهاء من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وبين الشرك الأكبر بالله، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فانفرط عقد التكفير والتشريك وسالت دماء المسلمين في زمانه في كل مكان بالحجاز ونجد،
(الخطأ الأول): ظنّ الشيخ النجدي أنّ الشفاعة يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر: واستدل لذلك بالآية: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [ الزمر: 43، 44] وهذا الاستدلال يكون في محله إذا كان اعتقاد الشفاعة المستقلة جبرا على الله، فإن هذا كان اعتقاد المشركين زمان النبي j ، ولم يكن عندهم: الشفاعة بمعنى الواسطة ولكن اعتقادهم كان بالشفاعة الجبرية بما لها من شراكة في الملك والتدبير، ولذلك أبوا ان يقولوا لا إله إلا الله، وكانوا يقولون رغبة عنها ورفضا لها: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، هؤلاء الذين استكبروا عن قول لا إله الا الله، واتهموا النبي jبالجنون هل هؤلاء يعتقدون في الشفاعة كما يعتقد سائر المسلمين ممن يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله عن قبول واعتقاد، سبحانك إن هذا إلا بهتان عظيم، بل ومن تدبر آية الأنعام علم ذلك، قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} فجمع الله تعالى بين اعتقادهم الشفاعة وزعمهم أن لها الشراكة في الربوبية والملك والتدبير {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}، فكيف هان على الشيخ أن يساوي بين هؤلاء وبين المسلمين بل ويصفهم بأنهم أشد كفرا من كفار قريش ومشركيهم ممن عبدوا الاوثان والأصنام.
(الخطأ الثاني): ظنّ الشيخ النجدي أنّ ضابط الشرك الأكبر في المسألة هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء دون عقيدة تدفعهم إلى ذلك، وحقيقة الامر أنّ المشركين الأصليين زمان النبي jكانوا يزعمون بالشفاعة الجبرية لآلهتهم التي عبدوها من دون الله، وأما المسلمون زمان الشيخ النجدي كانوا يعتقدون بأنّ الله تعالى أعطى النبي jلواء الشفاعة يوم القيامة، فعقيدتهم تختلف تماما عن عقيدة المشركين، المسلمون موحدون ينطقون الشهادتين ويعتقدون أنّ الشفاعة للنبي jليست استقلالا عن الله، بل ارتضى الله شفاعته كما دلت على ذلك أحاديث الصحاح، فيشفع في حق المقصرين من أمته، والمشركون عباد الاصنام والأوثان يعبدون آلهة من دون الله ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عن الإله الأكبر، بموجب شراكة في ما بين الآلهة في التدبير والتصريف، كما في قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}، فهم يعتقدون أنهم شركاء لله ولذلك أبوا ان يشهدوا بلا إله إلا الله، وكانوا يقولون أأنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون، فكيف هان على الشيخ ان يسوى بين هؤلاء وأولئك، وصدق الله تعالى حيث يقول: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28].
ولعل سبب المغالطة التي وقع فيها الشيخ النجدي، أنّه ظن أن اتخاذ الوسائط المجرد بدون أن يصاحبه اعتقاد ألوهية الوسيط هو الموجب لشرك العبادة الشرك الأكبر المخرج من الملة، وسبب هذا الخلل هو الفهم المغلوط لقوله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [ الزمر: 3 ]، فالآية تبدأ بذكر الدين الخالص الذي هو (التوحيد) ويشمل كافة أقسام التوحيد من توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال ويشمل توحيد الربوبية بكافة مفرداتها وتوحيد الإلوهية بكافة مفرداتها، ثم قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء}، الولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}[ مريم: 81 ]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها آلهة تحقق لهم العز، ولذلك عبدوها، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}[ يس: 74 ]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية (ما نعبدهم إلا)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته.
وسبب آخر لهذا الخلل ألا وهو الفهم المغلوط لقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فالمتدبر لها يفقه منها أمور ضرورية: الأول: الإقرار بعبادة غير الله {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، والثاني: اعتقاد شركاء مع الله في ألوهيته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، والثالث: تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم بأنهم يتخذون هذه الأصنام مجرد شفعاء لهم عند الله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، والرابع: ضابط الشرك الأكبر في الآيات هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، ومما سبق نعلم خطأ من جعل ضابط الشرك الأكبر في الآيتين هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء، ولما كان الشيخ النجدي لا يفهم المراد من الآيات فهم الفقيه الواعي، ولا يفهم حقائق الإيمان والكفر كما يفهمها أهل التخصص، ولا طبيعة التوحيد والشرك، ولم يستوعب الآيات التي توضح كيف كان الشر ك ومعتقداته عند المشركين، ولا يعرف ضابطا يرجع إليه في فهم الآيات انزلها على أهل القبلة، كما جاء في صحيح البخاري: (وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين)أهـ([5]) .
(الخطأ الثالث): لم يفرق الشيخ النجدي بين التوسل الذي أجازه جمهور الفقهاء وبين الشرك الأكبر بالله، فانفرط عنده عقد التكفير والتشريك واهدر دماء المسلمين في كل مكان بالحجاز ونجد، فـــ (التوسل): هو التقرب إلى الله، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل رضا الله، فالله عز وجل أمرنا بالتوسل بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، واعظم وسيلة إلى الله هي رسول الله j ، أقرب الخلق إلى الله، واعبد الخلق لله، والمسلمون المتوسلون به يتوسلون على انه رسول الله وليس شريكا مع الله، والشيخ النجدي واتباعه الوهابية يستدلون بأدلة أجنبية عن التوسل، حيث يستدلون بقوله تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} والآية تصرح بأنهم عبدوهم، وليس توسلوا بهم إلى الله، ويستدلون بقوله تعالى {فلا تدعوا مع الله أحداً} والمتوسل لم يدع إلا الله، فلا يدعو ولا يعبد إلا الله، ولكنه يبتغي الوسيلة إلى الله وليس وسيلة اعظم من النبي صلى الله عليه وسم والاولياء الصديقين من امته ويستدلون بقوله تعالى {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} فإن هؤلاء المشركين دعوا آلهتهم التي لا تستجيب لهم والمسلم المتوسل لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه، وقد جعل الله لرسوله j المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع
يا سادة: لا علاقة للتوسل بالشرك، الشرك اعتقاد آلهة مع الله والتوسل تقرب إلى الله بما يحبه الله، التوسل طاعة وليس شركا، وشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان، ويشهد بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، عن يقين واعتقاد، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان، ويزعم أن الرسول الأكرم j ساحر كذاب، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: آية 4 إلى آية 8].
فهل من العدل والإنصاف في دين الله تعالى أن نساوي بين توسل المسلم الذي أقر بالتوحيد والإسلام والإيمان، وبين اتخاذ المشرك وسائط يعبدهم مع الله ويتخذهم آلهة مع الله، ويزعم كاذبا انه ما عبدهم إلا ليقربوه على الله، وجمهور أهل السنة والجماعة من المدارس الفقهية المتخصصة (المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة يرون جواز التوسل بالصالحين أحياء وامواتا لأن المتوسل إنما يتوسل بهم إلى الله تعالى الحي الذي لا يموت، والتوسل قضية فقهية لا علاقة لها بالتوحيد والشرك، ولكن الشيخ النجدي أبى إلا أن يضع بصمته التكفيرية وسيفه المسلول على البسطاء من اهل التوحيد والإسلام فأباد خضراءهم واستحل دماءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
[الناقض الثالث وبيان ضابطه]: [من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر] [قلت]: القاعدة صحيحة: (من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر)، ولكنها تُطبق على الكفار الأصليين الذين لم يقبلوا بالشهادتين أصلا من عباد الاوثان والاصنام وعلى أهل الكتاب الذيم لم يقبلوا بالشهادتين، ولكن هذا الناقض لا يطبق على الموحدين البته، لأنهم يشهدون بالشهادتين، وإنما يطبق على عباد الاصنام والاوثان واليهود والنصارى الذين قال الله تعالى فيهم: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: آية 4 إلى آية 8]، ، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 30 و 31]، وفي النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72]، والذين قال الله تعالى فيهم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73]، أما الموحدون فهيهات هيهات أن يطبق عليهم هذا الناقض: [[من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر]، والشيخ النجدي يريد أن يكفر المسلمين من أهل زمانه، ثم يكفر من توقف عن تكفيرهم، والنتيجة الحتمية هي كفر أهل الإسلام قاطبة في مشارق الأرض ومغاربها إلا اتباعه من الوهابيين، نسأل الله السلامة فوالله ما بلغ الخوارج الاصليون معشار ما بلغه هؤلاء الوهابيون من تكفير الامة واستحلال حرماتها.واعود فأنبه: إن تعلق الأمر بالشرك الأكبر وفق ضوابطه التي قررها الفقهاء، فبه ونعم، فالناقض يُطبق على المرتدين، ولكن من كانت ردته بإجماع من علماء الامة لهم فيه من الله برهان، أما إن تعلق الامر بالشرك في إطار الملة، أو مجرد الذنوب والمعاصي فهذا لا يصح تطبيق هذه القاعدة عليه أبدا، وقد تقدم بيان خطأ مفاهيم الشيخ وأتباعه عن الشرك الأكبر وأنه شرك اعتقاد، وأن الشرك في إطار الملة هو ما تعلق بالعمل والعقد سليم، فهذ المبدأ صحيح في المشركين الاصلين وعبدة الأوثان.
أما أهل الإسلام فلا يطبق عليهم هذا الضابط لقرينة التوحيد وشهادة التوحيد وقبول الإسلام جملة وتفصيلا، لقد طبق الشيخ رحمه الله هذه القاعدة على مسلمين موحدين، بدعوى أنهم لم يكفروا صوفية زمانه، واهل التصوف على زمانه مسلمون موحدون، وكل من توقف عن تكفيرهم كان محقا، ولم يسلم لا هؤلاء ولا هؤلاء من تكفير الشيخ لهم واستحلال دماءهم واموالهم، ومرد ذلك كله إلى ذهول الشيخ عن حقيقة العبودية، وانها اعتقاد وعمل، وانها أصل وصور، وذهوله عن حقيقة الشرك الذي كان عليه المشركين، ظن انّ اعمال العبادات المجردة عن الاعتقاد هي الداعي إلى الوقوع في الشرك الاكبر وهيهات، هيهات فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[الناقض الرابع وبيان ضابطه]: [من اعتقد أن غير هدي النبي j، أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه – كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه – فهو كافر]، [قلت]: هذا ناقض اعتقادي لقوله: [ من اعتقد ]، ونحن نتفق معه في أنه ناقض اعتقادي ينقض دعوى الشهادتين، لأنه يدخل في معنى شهادة التوحيد اعتقاد أن الله تعالى أحسن الحاكمين، وأنه لا يشرك في حكمه أحدا، ولكن المصيبة عند الشيخ كانت في التطبيق المعكوس للقاعدة، فالشيخ النجدي كان يرى أنّ فهمه للتوحيد هو الذي كان عليه النبي j ، فكل من خالفه في فهمه المغلوط للتوحيد بل وأغلب جوانب الدين، طبق عليه القاعدة: [من اعتقد أن غير هدي النبي j، أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه – كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه – فهو كافر]، بمعنى [من اعتقد أن غير هدي محمد بن عبد الوهاب أكمل من هديه، فهو كافر، أو من اعتقد أنّ فهم غير محمد بن عبد الوهاب للدين أحسن من فهمه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر]، ولذلك كان يسمي علماء عصره من الفقهاء والأولياء بالطواغيت، وكان يرى أن من يسمع كلامهم عن الدعوة النجدية أو يتوقف في حالهم بأنّه كافر حلال الدم والعرض والمال، وهذا والله ما حدث وما يحدث، وكانت الفتنة التي اطل من خلالها قرن الشيطان الذي جاء في حديث البخاري في صحيحه: عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أن رسول الله j قَالَ:(اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا”، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: “هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) ([6]) . وأخرج البخاريُ ومسلم عن مُسَدَّدٌ عن يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عن قَيْسٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ j بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ ((الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلاَ إِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)) ([7]) .وليس القصد من ذلك التجريح في اهل نجد، ولكن المقصود الحذر ثم الحذر مما ينفرد به (الشيخ النجدي) ومن يتسمون بـ (علماء الدعوة النجدية) من علوم الدين لأنه آنذاك يكون يقينا من الباطل الذي نفخ فيه الشيطان بقرنه، فالحذر الحذر من مفاهيم هؤلاء المغلوطة المعكوسة عن الإسلام وعن الإيمان والكفر، وعن التوحيد وعن الشرك، وعن السنّة والبدعة وعن كل ما تفردوا به عن علماء المسلمين، آلا هل بلغت اللهم فاشهد، فإنهم كما كان يرى ابن عمر من يكفر المسلمين ويستحل حرماتهم، فقد جاء في صحيح البخاري: (وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين) ([8]) . نسأل الله السلامة
[الناقض الخامس وبيان ضابطه]: [من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول j – ولو عمل به – كفر]، [ قلت ]وها هنا لابد من معرفة ضابط البغض والكراهة، وذلك لأن الجنة حُفت بالمكاره، والله تعالى يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، ويقول: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، ففرق ما بين الكره الأول، والكره الثاني، فالكره الأول ليس ناشئا عن كراهة التشريع الرباني، وإنما لسبب آخر وهو ما جبلت عليه النفس من حب الدنيا وكراهية الموت مع إقراره بفضل القتال في الإسلام فهو لم يكره أمر الله، ولذلك كان لابد من معرفة نوع البغض، وأنه بغض الدين الناشئ عن انتفاء انقياد القلب وتعظيمه لأمر الله، فهذا الانقياد (عمل القلب)، وإقرار اللسان، فإن انتفى أحدها انتفى الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، وانتفى التوحيد وحل محله الشرك الأكبر، أما البغض الناشئ عن ثقل التكاليف الربانية ومعارضتها لرغبات الإنسان فهذا من ضعف الإيمان، ولا علاقة له بالتوحيد والشرك الأكبر، فإنك نادرا ما تجد امرأة لا تبغض تعدد الزوجات لأنه يضاد رغبتها في تملك الزوج، مع أنه شرع الله، ونادرا ما تجد رجلا يحب الجهاد في سبيل الله، لأنه قد يسلب منه الحياة، وإلا فإن من أعظم القربات إسباغ الوضوء على المكاره، ومما سبق نعلم أن ضابط البغض في الآية: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}، هو انتفاء انقياد القلب وتعظيمه لأمر الله.(تنبيه): الشيخ النجدي طبق هذه القاعدة وهذا الناقض: [من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول j – ولو عمل به – كفر]، على أهل القبلة (أهل لا إله إلا الله) وذلك بطريق ملتو فريد عجيب، ألا وهو: ما دام الشيخ النجدي هو الوحيد منذ قرون عديدة الذي فهم الدين كما أُنزل على النبي j ، فإنّ من أبغض ما جاء به الشيخ النجدي كان كمن أبغض شيئا مما جاء به النبي j ، وبالتالي صار الناقض في حقيقته هو (من أبغض شيئاً مما جاء به محمد ابن عبد الوهاب – ولو عمل به – كفر الكفر الأكبر الموجب لاستحلال دمه وماله في الدنيا والخلود الابدي في النار يوم القيامة]، فهذا هو التطبيق العملي الحقيقي لهذا الناقض عند الشيخ النجدي وعلماء الدعوة النجدية قاطبة.
[الناقض السادس وبيان ضابطه]: [من استهزأ بشيء من دين الرسول j، أو ثوابه، أو عقابه، والدليل قوله تعالى: {ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}]،: [قلت]: القاعدة صحيحة والناقض صحيح، و (الاستهزاء بالدين) لا يقع إلاّ من كافر لتعلق الاستهزاء بكفر القلب، من انتفاء التصديق أو الانقياد والتعظيم، ولا يكون الاستهزاء إلا مع زوال أصل الإيمان من القلب (قول القلب وعمله أو أحدهما)، وإذا زال أصل الإيمان حل محله الكفر، فهذه الأعمال لا تصدر إلا من كافر، أو زنديق متلاعب بالملة، زال من قلبه التصديق فصار منافقاً أو زال من قلبه الانقياد والمحبة فصار زنديقا كافراً، (تنبيه) تطبيق الشيخ النجدي للناقض يختلف عن تطبيق أهل العلم له، فالشيخ النجدي يرى أنّ الله تعالى آتاه -وحده- دونا عن امة النبي jالفهم الصحيح والوحيد للتوحيد، وانا لا اتجنى عليه فهذا كلامه لا يختلف على ذلك أحد، فقد جاء في [تاريخ نجد لابن غنام ] يقول الشيخ النجدي وهو يتحدث عن نفسه، على زعم ابن غنام وهو من اتباعه: ((الرسالة العاشرة للشيخ المجدد: من محمد بن عبد الوهاب إلى أهل الرياض و منفوحة: وأنا أخبركم عن نفسي: والله الذي لا إله إلا هو لقد طلبت العلم، واعتقد من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى “لا إله إلا الله” ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي مَنَّ الله به، وكذلك مشايخي – ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء “العارض” أنه عرف معنى “لا إله إلا الله” أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم عن مشايخه أن أحدا عرف ذلك – فقد كذب، وافترى، ولبّس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه)) ([9]) .وعلى نفسها جنت براقش، فالشيخ النجدي يزعم أنه المكتشف الوحيد لمعاني التوحيد، فليس أحد قبله حاز هذا السبق وكل من زعم أنه يعرف معاني التوحيد التي جاء بها الشيخ النجدي فقد كذب وافترى ولبّس على الناس ومدح نفسه بما ليس فيه، وقوله أخطر مما نتصور، إذ معناه أنه لم يكن أحد قبله على الإسلام وعلى العلم بالتوحيد منذ قرون مديدة وبالتحديد منذ القرن الثامن حيث كان يعيش شيخه الأوحد ابن تيمية والذي استوحى من كلامه بعض هذا الذي فهمه، ثم جاء بمزيد بيان عليه، وهكذا أُختزل الإسلام في ابن تيمية وابن عبد الوهاب، فمن خالف فهم الشيخ النجدي للإسلام والتوحيد والدين، تُطبق عليه فورا قاعدة التكفير والناقض السادس، ومنطوقه: [ من استهزأ بشيء من دين الرسول j، أو ثوابه، أو عقابه، والدليل قوله تعالى: {ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}]، وتطبيقه على أرض الواقع يكون كالآتي: [ من استهزأ بشيء من فهم محمد بن عبد الوهاب لدين الرسول j، كفر واتى بناقض للتوحيد، والدليل قوله تعالى: {ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}] فيا أمة التوحيد ويا خير امة أُخرجت للناس هل يُعقل أنّ الامة كلها كانت على الشرك والضلال قرونا عديدة حتى جاء الشيخ النجدي فأخرج لهم الفهم العجيب والدين الموازي الجديد للإسلام، هل هذا يُعقل يا أولى الالباب.
[الناقض السابع وبيان ضابطه]: [السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به، كفر، والدليل قوله تعلى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}]، أقول: (السحر) فيه الخلاف بين العلماء هل هو من المكفرات المخرجات من ملة الإسلام إلى الكفر الأكبر أم أنه من كبائر الكبائر، وقد عدّه النبي –j– من السبع الموبقات، كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي – j– قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) ([10]) .وقد اتفق علماء أهل السنة والجماعة على أن تعلم السحر وتعليمه وممارسته حرام، قال ابن قدامة – رحمه الله – في “المغني: (فإن تعلُم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم) أهــ([11]) . وقال الإمام النووي رحمه الله في “شرح مسلم”: ” وأما تعلمه – أي السحر – وتعليمه فحرام “([12]) .ورغم اتفاقهم على حرمة تعلم السحر وتعليمه وممارسته إلا أنهم اختلفوا في تكفير فاعله، فقد ذهب جمع من العلماء إلى تكفيره مستدلين على ذلك بقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}، وذهب الشافعي إلى التفصيل، فإن كان في عمل الساحر ما يوجب الكفر، كفر بذلك، وإلا لم يكفر، واستدل الشافعية بما رواه أبو هريرة أن رسول الله j، قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) ([13]) . قالوا: دل الحديث على أن السحر ليس من الشرك بإطلاق، ولكن منه ما هو معصية موبقة كقتل النفس وشبهها، واستدلوا أيضاً بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن مدبَّرة لها سحرتها استعجالاً لعتقها فباعتها عائشة ولم تقتلها “” ([14]) . رواه الشافعي والحاكم والبيهقي وصححه الحاكم على شرط الشيخين، قال ابن قدامة تعليقا على أثر عائشة: ” لو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها ولم يجز استرقاقها “” ([15]) . ، وقال الشيخ الشنقيطي: ” التحقيق في هذه المسألة – يعني تكفير الساحر – هو التفصيل، فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة ” البقرة ” فانه كفر بلا نزاع،.([16]) . وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو حرام حرمة شديدة ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر، هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى في هذه المسألة التي اختلف فيها العلماء، لكن ولع الشيخ النجدي واتباعه بالتكفير يجرى التكفير فيه مجرى الدم من العروق، لذلك اتخذ قراره ورجح -على اعتبار أنه من أهل الترجيح- أنه ناقض للتوحيد مخرج من الملة، وهو من اهون ترجيحاته في العلم وفي الدين، ولعل كل من تكلم بكلام غير مفهوم هو عنه من السحر الذي يكفر فاعله ويخرج من الملة وبالتالي نقوم بسفك دمه وتوزيع ماله على المجاهدين من اتباع طريقته. [الناقض الثامن وبيان ضابطه]: [مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}]، أقول: الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين هو من أوجب الفرائض وأعظم الواجبات، وأنّ المفرّط فيهما على خطر عظيم من دينه نسأل الله السلامة، ومع ذلك فالمفرّط فيهما ينطبق عليه الضابط الذي أجراه الله تعالى على لسان الحبر البحر عبد الله بن عباس من التفريق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة، فموالاة الكفّار ليست كفراً بإطلاقها وإنما لها مناطـات إذا توافـرت كـان الكفر الأكبر وإذا لم تتوفر كان الكفر في إطار الملة، وهذا هو الفقه الذي حبى به الله عز وجل أهل السنّة والجماعة الناجية فلا يكفّرون إلاّ المستحق للكفر بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً دون ضابط يمنع من التراشق بالكفر واللعن.ومناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة: (هو الموالاة القلبية الاعتقادية على الدين أو المعاداة القلبية الاعتقادية على الدين)، فموالاة الكافرين لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون موالاة قلبية متعلقة بكفرهم ودينهم، فمن والى الكفّار وشايعهم على الدُنيا لرحم أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فهذا كفر في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإذا وجد في المسلمين من يوالي الكافرين بنوع من أنواع الولاء ثم أعلن بلسانه أنّ عقده سليم وقلبه سليم وأنه بريء منهم ومن كفرهم وأنه ما والاهم إلاّ مداراة أو مصادفة لرحم عندهم أو حاجة أو مصلحة فهذا لا تبلغ به الموالاة إلى الكفر الأكبر لسلامة قلبه وعقده وموالاته كفر في إطار الملة.
وقد اتفق أهل العلم بالتفسير وبالحديث على أنّ سبب نزول آيات سورة الممتحنة، هو موالاة حاطب رضي الله عنه للمشركين، ولم تكن الموالاة على أساس الدين، وإنما كانت على أمر من أمور الدنيا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة:1]، وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والإمـام أحمـد قصة حاطب، وأخرج البخاري رحمه الله عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال (بعثني رسول الله jأنا والزبير والمقداد فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها) فذهبنا تعادى بنا خلينا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي jفإذا فيه: من حاطب ابن أبي بلتعه إلى أناس من المشركين ممن بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي jفقال النبي j(ما هذا يا حاطب؟) قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله إني كنت امرأ من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذا فاتني من النسب فيهم أنّ أصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال النبي j : (إنه قد صدقكم)، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال j(إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، ([17]) .
فهذه هي قصة حاطب رضي الله عنـه، والإلمام بهذه القصة ورواياتها المتعددة في الصحيحين والسنن تدلنا في مجموعها على أنّ الموالاة التي تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر هي الموالاة الباطنة على الكفر، دون الظاهرة، والموالاة الظاهرة فهي وإن كانت خطيرة وعظيمة إلاّ أنها كفر في إطار الملة، ولا تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإلاّ لاستتاب النبي jحاطباً من هذا الكفر بعدما أقسم له حاطب أنه مؤمن بالله ورسوله، وأنه ما فعل ذلك ردة عن دينه ولكن مصانعة للمشركين لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد، ولنـا هنــا وقفتــان:
(الأولى): أن النبي jصدقه في قوله ولم يستتبه من الكفر، فدلّ ذلك على أنّ الموالاة الظاهرة على الدُنيا ليست من قبيل الكفر الأكبر، وإنما هي من باب الكفر في إطار الملة، ومعلوم أنّ كل كفر أو ذنب في إطار الملة لا يحتاج إلى استتابة من الكفر، إذ الاستتابة على الكفر إنما هي تتعلق بالكفر الأكبر دون الأصغر.
(الثانية): وهي مؤكدة للأولى فقد أخبر النبي jأن الله قد غفر لأهل بدر، والله عز وجل لا يغفر أن يُشرك به، ومن المعلوم أنّ الآية تتعلق بالكفر الأكبر، وعليه أجمع العلماء، وعلى ذلك فأهل بدر عصمهم الله عز وجل من الكفر الأكبر، ولمّا كان حاطب بدريا فهو بعيد عن الكفر الأكبر، ولمّا كان النبي jلم يأمره بالتوبة من هذا الذنب ولم يوضح ما يدل على أنه ردّة مُخرج من الملة ويحتاج إلى تجديد إسلامه، دلّ ذلك كله على أنّ ما فعله حاطب ليس من إطار الكفر الأكبر، فالموالاة الظاهرة والتي وقع فيها حاطب رضي الله عنه ليست مخرجة من الملة بالكلية، بل هي في إطار الملة ولهذا أقال النبي jعثرته وأخبر بفضل أهل بدر وهو منهم، ولو تدبرنا قول حاطب رضي الله عنه ((والله يا نبي الله إني لمؤمن بالله ورسوله))، نعلم أنه يؤكد أنها موالاة ظاهرة لا تتعدى ذلك إلى القلب لأن القلب مؤمن بالله ورسوله وصدقه النبي jفي قوله وأمر المسلمين أن لا يقولوا له إلاّ خيراً، بمعنى لا يتهموه بكفر ولا نفاق، فاعتذار حاطب لدرء الكفر الأكبر هو اقتصار الموالاة على الظاهر دون الباطن، والرسول jيقبل بهذا الاعتذار لدرء الكفر الأكبر ويُبين لنا أن الرحمن بفضله ورحمته غفر لأهل بدر ذنوبهم فقد أعلمه الله تعالى أن الله غفر له ذلته العظيمة بما تقدم من صالح عمله عندما شهد بدراً، وقد يقال لعلّ الموالاة الظاهرة كفر أكبر وحاطب قد تاب منها فتاب الله عليه والله يقبل توبة الكافر والمشرك متى تاب.
(قلت) لو كانت الموالاة الظاهرة دون الباطنة كفر أكبر بذاتها لوضح النبي jذلك لحاطب لمّا اعتذر له بثبات الإيمان في قلبه وأنها مجرد موالاة ظاهرة، وبيّن له أن هذا العـذر لا يُفيد لأن الموالاة ظاهرها وباطنها سواء، وبيّن له ضرورة التوبة من الكفر الأكبر الذي وقع فيه، فهل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لاسيما والدواعي كلها تطلب ذلك والبيان ليس في أمر هين وإنما هو في أهم مسائل الدين [الإيمان والكفر] وإلاّ لكتم النبي jبعض العلم ومن ادعى ذلك كفر، ولم يأتنا أن النبي jقد أجلّ ذلك البيان ثم ذكره في موضع آخر، مما يدل يقيناً على أنّ الولاء قسمان ظاهر لأجل الدُنيا، وباطن لأجل الدين، فما كان منها من قبل الأول فهو كفر في إطار الملة، وما كان منها من قبيل الثاني فهو كفر وردّة عن دين الله، فكيف إذا جمع له القسمان فذاك الكافر الـذي فيـه قولـه تعالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، ومن تمت له الموالاة الظاهرة بمفردها لمداراة أو تقية فذاك الذي نزل فيه قول الله تعالى {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28]، وعلى ذلك فمناط التكفير في مسألة الموالاة والمعاداة: هو موالاة الكافر ظاهراً وباطناً على الكفر و معاداة المؤمن ظاهراً وباطنـاً على الإسـلام، فإذا تخلف هذا الضابط أو أحد شروطه وجوانبه كأن كانت الموالاة ظاهراً دون الباطن أو كانت لدُنيا وليست لدين فهي كفر في إطار الملة وليست بالردّة، والشيخ النجدي كالعادة ذهل عن هذا الضابط، وبالتالي كفّر الكثير والكثير من أهل القبلة بغير استحقاق بدعوى مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، بمنطوق الناقض الذي فصله لتكفير البقية الباقية من أهل القبلة سوى اتباعه فقال: [[الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}]، هذا هو المنطوق، اما التطبيق العملي له عنده وبين اتباعه [مظاهرة المشركين – يقصد بهم أهل التصوف والاشاعرة والفقهاء من هذه الامة الذين هم علماؤها وأولياؤه ا- ومعاونتهم على المسلمين -يقصد نفسه واتباعه ممن فهموا التوحيد الجديد-، والدليل عنده على كفر هؤلاء المسلمين الذين أمسكوا العصا من المنتصف فلم يكفروا الامة جمعاء ولم يتبعوا الشيخ النجدي في فهمه الجديد للدين وللتوحيد، فهؤلاء الذين امتنعوا عن تكفير الامة متمثلة في أهل التصوف واهل الأصول والعقيدة واهل الفقه فهؤلاء كفار لقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}]، فمن تولى غير الوهابيين فهم منهم ولما كان غير الوهابيون ليسوا على التوحيد فمن يتولهم فإنه منهم ولا كرامة فإن الله لا يهدي هؤلاء القوم الظالمين، هذا فهمهم للناقض وهذا تطبيقه له فإنا لله وإنا إليه راجعون وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، قال رسول الله j : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) ([18]) .
[الناقض التاسع وبيان ضابطه]: [من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد j – كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام – فهو كافر]، [قلت]: وهذا ناقض اعتقادي، ينقض دعوى شطر الشهادة ((محمد رسول الله))، وبعد بعثة الرسول j وإلى قيام الساعة لا تقبل شهادة التوحيد إلا بإضافة شهادة الإتباع وهي تعني إفراد الطريق إلى توحيد الله باتباع رسول الله j، والكلام على مجمله صحيح، ولكن تطبيق الشيخ له كان في غاية الغرابة، فإنه اعتبر فهمه للتوحيد، والذي لم يقل به احد قبله، اعتبره هو الدين الذي جاء به رسول الله jمن عند الله، وتلك طامة عظيمة لأنّه طبق القاعدة على كل من خالف فهمه للشهادتين وللتوحيد، وكانوا في زمانه كافة علماء الشريعة ولم يتبعه على فهمه إلا أوباش الاعراب الذين لا علم لهم ولا فهم ولا حلم، فكانت النتيجة تكفير بالجملة واستحلال بالجملة لقطاعات عريضة من امة النبي j ، وكانت فتنة ابيد فيها قبائل بأكملها بسبب الخلل في تطبيق القاعدة، [من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد j .. فهو كافر]، فكل من خالف فهم الشيخ النجدي للدين اعتبروه معتقدا انه يسعه الخروج على شريعة النبي j ، وطبقوا عليه القاعدة دون رحمة ولا هوادة، وكانت فتنة عظيمة بنجد ظهر منها قرن الشيطان متمثلا في استحلال حرمات المسلمين على أساس من الدين، وعمت شرارها وأكلت نيرانها أكثر المسلمين في ارجاء الأرض كلها في زمان الشيخ، ولا زالت آثارها العلمية والعملية موجودة حتى يومنا هذا. [الناقض العاشر وبيان ضابطه]: [الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه، ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون}] [قلت]: كل من قال (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) لا يسمى عند العلماء كفر إعراض البتة، يقصدون به الكفر الأكبر، لأن الاعراض الكلي ينتفي هاهنا لمن أتى بإقرار اللسان، فإذا أضاف إلى الإقرار اعتقاد القلب فقد اتى بأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، و(ضابط الكفر الأكبر في الاعراض)، هو الاعراض التام ويتناول بالدرجة الأولى إعراض القلب عن تصديق الرسالة والانقياد لها وإعراض اللسان عن الإقرار بها: وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [ الكهف: 57 ] يدل على أن كفر الإعراض يشتمل إعراض القلوب عن الاعتقاد {على قلوبهم أكنة} وإعراض الآذان عن السماع: {وفي آذانهم وقرا}، ومن باب الأولى إعراض اللسان عن الإقرار والجوارح عن الطاعة، ومثلها قوله تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [ فصلت: 3 – 5 ]، وكفر الإعراض في الآية يشمل إعراض القلوب عن قبول الحق وهو شهادة التوحيد وإعراض الآذان عن سماعها ومن باب الأولى معاندة اللسان بعدم الإقرار بها. والآيات التي تحكم بكفر الإعراض الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار كلها – دون استثناء – أتت في حق الكافر الأصلي الذي أعرض عن الإقرار بالشهادتين فلم يقل بها ولم يصدقها ولم ينقاد لها لا بقلبه ولا بجوارحه، وقد رأيت بعض علماء الدعوة النجدية يفهمون كفر الإعراض على غير هدي الكتاب الكريم فظنوا أن كفر الإعراض الأكبر يتناول من أقر بالشهادتين ثم أعرض عن العمل بموجبها، وظنوا أن ترك جنس عمل الجوارح كفر إعراض عن دين الله عز وجل لا يعمل به، ونسى هذا أن من أقر بالشهادتين ولو بلسانه فقد نجا من كفر الإعراض الأكبر لأنه انقاد بلسانه فلم يعرض، فإن صاحبه تصديق القلب وانقياده فقد صح له أصل إيمانه فله اسم الإيمان وحكمه، وإن صاحبه تكذيب القلب فهو كفر نفاق ولا يسمى عند العلماء كفر إعراض البتة، لأن الاعراض الكلي ينتفي هاهنا لمن أتى بإقرار اللسان، وهذا الناقض: [الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه، ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون}] طبقه الشيخ على أهل القبلة الذين يشهدون بالشهادتين فكل معرض عن دعوتهم الوهابية ومفاهيمهم المغلوطة عن التوحيد والشرك وعن الإيمان والكفر، اعتبروه معرضا عن دين الله، ووصفوه بأنه أشد اعراضا واشد كفرا واشد شركا من كفار قريش زمان النبي j ، واستحلوا بذلك دمه وقسموا ماله فيما بينهم فإنا لله وإنا إليه راجعون، (وبعد) كان هذا هو التعقيب على نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبيان الضوابط الفقهية الضرورية لتصحيح المفاهيم وبيان المراد الحقيقي من تلك النواقض وبيان مفاتيح العلم التي تحمي طلبة العلم الشرعي من الغلو في فهم تلك النواقض بما يؤول بهم إلى مذاهب الخوارج من الغلو في التكفير واستحلال حرمات المسلمين بآيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين كما تفطن لذلك الصحابي الجليل والعبد الصالح عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ذكر البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم: فقال: (باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين) أهـ ([19]) .(وبعد) كان هذا هو ما تيسر في بيان الأخطاء الموجودة في نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها شيخ الخوارج الشيخ النجدي محمد بن عبد الوهاب، وكيف ان امام الوهابية النجدية كان يطبق تلك النواقض على مسلمين يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ويصلون ويصومون ويؤدون الفرائض كلها ولكنهم لم يفهموا الدين والتوحيد على فهم ابن عبد الوهاب فكانت النتيجة تكفيرهم بتلك النواقض واستحلال دمائهم فإنا لله وإنا إليه راجعون، أسأل الله عز وجل ان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه،
**
([1]) تاريخ نجد ابن غنام ص 309.
([3]) سير أعلام النبلاء: ج 9: 343.
([9]) تاريخ نجد ابن غنام ص 309 .
([10]) صحيح البخاري 4/10 ح 2766، صحيح مسلم 1/92 ح 89.
([11]) المغني لابن قدامة 9/29.
([12]) شرح النووي علي مسلم 14/176.
([13]) صحيح البخاري 4/10 ح 2766، صحيح مسلم 1/92 ح 89.
([14]) مسند أحمد40/154 ح 24126،
([15]) المغني لابن قدامة 9/30.
([16]) اضواء البيان في ايضاح القران 4/50.
([17]) صحيح البخاري 6/149 ح 4890.
([18]) صحيح البخاري 8/29 ح 6720.