أتناول في هذا الدرس إن شاء الله تعالى: احترام التخصص واعتماد المرجعية العلمية المتخصصة، فللعقيدة مدارسها المتخصصة وعلماؤها المتخصصون وللفقه مدارسه المتخصصة وعلماؤه المتخصصون وللتزكية كذلك مدارسها المتخصصة وعلماؤها المتخصصون، والشرع الحنيف يدعو إلى التخصص وإلى احترام التخصص: قال تعالى: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء: 83 ]، ومعنى الآية الرد إلى المتخصصين، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم لأنهم أهل المعرفة والخبرة به، قال تعالى: { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر: 14 ]، بل أمرنا الشرع بسؤال أهل التخصص لا غيرهم، قال تعالى: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل: 43 ]، إنّ احترام التخصص العلمي والرد إلى المدارس المتخصصة في علوم الإسلام واجب شرعي، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها وهكذا، ولتحديد المرجعية العلمية الصحيحة الواحدة التي تهدي إلى الحق والتي ترفع الخلاف بين طوائف المسلمين يلزمنا أمران: ( الاول ) تحديد الجماعة الناجية ابتداء من اهل الإسلام وذلك لان اهل الإسلام تفرقوا إلى العديد من الفرق، و ( الثاني ) تحديد المدارس العلمية التي تمثل المرجعية الصحيحة والدقيقة لتلك الجماعة، لأن تلك الجماعة تتنازعها دعاوى عديدة.
تحديد الفرقة الناجية من فرق المسلمين: صح الخبر عن رسول الله jبأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله j: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([1]) وأخرج الترمذي: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله j: ” ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ” ([2]) . وأخرج أبو داود: عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله – jقام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([3]) .
فهذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وقد صحح عموم روايات الافتراق جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي، إذن أهم مواصفات الجماعة الناجية أن تكون هي الجماعة التي تمثل الخط الواسع والسواد الأعظم لأن الفرق المتشعبة لا تصلح ان تكون هي الجماعة، الخط العام كان لأهل السنة والجماعة ولا يزال وانشق منه فرق عديدة تمثل التشيع والخروج والاعتزال والتجسيم، فاهم المواصفات أن تكون هي الجماعة التي تمثل الخط الواسع والسواد الأعظم، وثاني تلك المواصفات أن تكون على ما كان عليه الصحابة الكرام، قال j: ((وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله ؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ))
الحاصل: لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب سبعة عريضة:
[السبب الأول]: أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين إذ هم الذين حفظوه، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب كلها إلى قراء أهل السنة والجماعة.
[السبب الثاني]: أهل السنة والجماعة هم أهل الحديث وخاصته، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله j، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة ومعرفة السنّة.
[السبب الثالث]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين، هم أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع.
[السبب الرابع]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي، لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنة والجماعة، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: ( المدرسة الأثرية )، ( والمدرسة الأشعرية )، ( والمدرسة الماتريدية )، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان، فنشأ عنها ما عرف بـ ( مدارس التصوف )، القائمة على المعتقد الحق، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، إذن: الكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي، وبهذا التخصص العلمي الرصين: صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول j، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم.
[السبب الخامس]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين، قال تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا }، وأهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج وبين المرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض، ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون راية التجديد سوى راية أهل السنّة والجماعة، أهل التوسط والاعتدال.
[السبب السادس]: هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، فقد صح الخبر عن رسول الله jواشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، قال j: (( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله ؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي )) وقال j: (( وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة )) لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة)، ( فأهل السنة ): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي jوصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، ( وأهل الجماعة ): لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال.
[السبب السابع]: أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله j، يقول: ” إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم “، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله j: (( يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار ))، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى ( أهل السنة والجماعة )، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية الإصلاح والتجديد سوى راية أهل السنة والجماعة، إذن هذا ما تعلق بالأمر الاول اللازم لتحديد المرجعية العلمية الصحيحة الواحدة التي تهدي إلى الحق والتي ترفع الخلاف بين طوائف المسلمين يلزمنا أمران: ( الاول ) تحديد الجماعة الناجية ابتداء من اهل الإسلام وذلك لان اهل الإسلام تفرقوا إلى العديد من الفرق، و الامر ( الثاني ) هو تحديد المدارس العلمية التي تمثل المرجعية الصحيحة والدقيقة لتلك الجماعة، لأن تلك الجماعة تتنازعها دعاوى عديدة، وأقول على وجه الاختصار قبل التأصيل: يمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وهي ( المدرسة الأثرية )، ( والمدرسة الأشعرية )، ( والمدرسة الماتريدية )، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، وهذا الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار.
لقد تطرق القرآن الكريم إلى العلوم الإسلامية كلها ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات أو تعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات، ثم ترك جمع القواعد والأصول لكافة علوم الدين للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى، اتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص، فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه، ( احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه ): فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين: مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء، وتفرعت وتعددت مجالاتها، وظهرت داخلها علوم القراءات، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل، وصار للمسلمين في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – j، منها سبع قراءات مشهورة، ( ثم احتاج الناس إلى الحديث )، فظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وكافة علوم الحديث. ( ثم احتاج الناس إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام ) فظهرت مدرسة الفقه، وانتسب إليها طلاب العلم، وعرفوا باسم الفقهاء، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور مذاهب الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين المعروفين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، ثم أصبحت تلك المذاهب على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل الكتاب والسنّة، مع أنّها عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة، ( ثم استفحل أمر الفرق الضالة ) في القرن الثالث الهجري و كان أهم أسباب ظهور تلك الفرق الضالة بالعقيدة هو الجهل بالدين، وتتبع المتشابهات وعدم ردها إلى أمهاتها من المحكمات أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق، وأصول الفرق الضالة هم ( الخوارج ) و( الشيعة ) و( المعتزلة ) و( الحشوية ) و( المرجئة )، ولما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة، لبيان عقائد الفرقة الناجية، والرد على الفرق الضالة، فظهرت مدرستان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة هما ( الأشاعرة والماتريدية )، وبهما اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، والمذهبان يقدمان طريقة الأثر من تفويض علم المتشابهات إلى الله عند سلامة العقيدة وعدم وجود الآراء الضالة ولكن عند ظهور الضلالات العقدية ووجوب الرد عليها فإنهم يحملون المتشابهات على محكماتها ويردون الفروع إلى أمهاتها فتستقيم العقيدة، لقد اكرم الله تعالى الامة بالإمامين ( أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي ) تخصصا في علوم العقيدة وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والحشوية والجهمية والمرجئة وكافة الفرق الضالة والآراء المضلة، وصار المذهبان هما جناحا أهل السنة والجماعة في العقيدة، وعلماء المذهبين هم الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وهذه المدارس هي ( المدرسة الأثرية ) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، وهذه المدرسة لا تخوض في المتشابهات وإنما تكل العلم بمعانيها إلى الله، ولكن ابتليت هذه المدرسة بالأدعياء من اهل الحشو والتجسيم والزيغ فنازعوا منبرها وشغبوا على صفاء منهاجها فالحذر الحذر من مناهج هؤلاء ومنهم ابن تيمية وأتباعه، ومذهب هؤلاء هو الحشو والتجسيم، مهما أنكروا ذلك، ومذهبهم هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، وأن العالم المخلوق تحته، وانه موجود بذاته في مكان وفي جهة من جهات الكون، وأنه بذاته على عرشه حقيقة، وانه ينزل إلى السماء على الحقيقة، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن هؤلاء واكثروا حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، مع انها متشابهات تعارض الأحدية المطلقة التي تعدل ثلث القرآن، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها كما سبق ذكره، وهذه المعاني التقديسية هي ما قال به السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية المتخصصون في العقيدة على منهاج الكتاب والسنة جزاهم الله عن أمة النبي jخير الجزاء إذا لولاهم لسار المسلمون خلف الحشوية والمجسمة ولكانوا من الضالين، إن آفة هؤلاء الحشوية أنهم لم يدرسوا قواعد التقديس ولم يطلبوا علم العقيدة على يد المتخصصين، فالحذر الحذر أن نسير خلف هؤلاء لانهم ليسوا من ذوي التخصص في العقيدة، إذن الخلاصة في باب العقيدة: اكرم الله تعالى الامة الإسلامين بالإمامين ( أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي ) وصار المذهب الأشعري والمذهب الماتريدي هما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج اهل الحق، وصارا جناحا أهل السنة والجماعة في علوم العقيدة وتخصصا في تطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والحشوية والجهمية والمرجئة وكافة الفرق الضالة والآراء المضلة، هم الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، وهذه المدرسة لا تخوض في المتشابهات وإنما تكل العلم بمعانيها إلى الله، ولكن ابتليت هذه المدرسة بالأدعياء كما ذكرت من اهل الحشو والتجسيم والزيغ فنازعوا منبرها وشغبوا على صفاء منهاجها فالحذر الحذر من مناهج هؤلاء ومنهم ابن تيمية وأتباعه ومذهب هؤلاء هو الحشو والتجسيم، وإن أنكروا ذلك، وآفة هؤلاء أنهم لم يدرسوا قواعد التقديس ولم يطلبوا علم العقيدة على يد المتخصصين، والمدرسة الثالثة هي ( المدرسة الأشعرية ) وعليها فضلاء المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة الثالثة هي ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منها فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه.
ثم نأتي إلى التخصص الثالث التخصص في علم التزكية والسلوك والاخلاق: ( فمع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، مال المسلمون إلى الدنيا وركنوا إليها، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية ( التصوف )، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، وإذا كان أهل السنة والجماعة ( سواد المسلمين الأعظم ) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث ( الأثرية والأشعرية والماتريدية ) كمدارس متخصصة في العقيدة، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة ( الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ) كمدارس متخصصة في الفقه، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس: 9-10 ]، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: (( قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)) وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان.
وبالتصوف اكتملت أهم العلوم التي تتعلق بالإنسان وزكاة الإنسان، فإن الفقه يسعى إلى تزكية جسده وجوارحه والعقيدة تسعى إلى تزكية عقله وأفكاره والتصوف يسعى إلى تزكية قلبه وروحه، فإن التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، وعلى ذلك استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة: في العقيدة ثلاث مذاهب أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية، والثانية: الأشعرية، والثالثة: الماتريدية، واستقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) في الفقه مذاهب أربعة، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وقد تنوعت الطرق التربوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ ( الطرق الصوفية )، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، واهل التصوف تكلموا في فقه القلوب وبلوغ المنازل والسير إلى الله، وبهذا اكتملت علوم الاسلام التي يحتاج إليها كل مسلم ( العقيدة والفقه والتصوف ) وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل هؤلاء، وهم سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الجماعة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول j، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة، وخلاصة فإن احترام التخصص الإسلامي يتمثل في عودة الشرعية للمرجعية الإسلامية العلمية المتخصصة والمتمثلة في المذهبية الإسلامية، فللعقيدة مدارسها المتخصصة المعروفة، وللفقه مدارسه المتخصصة، وللتزكية كذلك مدارسها المتخصصة، وطلب العلم الصحيح لا يكون إلا من خلال احترام تلك المدارس ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف، لقد كان من ثمرة التخصص في العقيدة ظهور ثلاث مدارس متخصصة في الأصول على منهاج أهل السنّة والجماعة لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، ( والمدرسة الأشعرية ) وعليها فضلاء المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها فضلاء الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وصارت هذه المدارس هي المرجع الصحيح لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وكان من ثمرة التخصص في علم الفقه ظهور المذاهب الأربعة، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وصارت هذه المدارس هي المرجع الصحيح لكل مسلم يبتغي في الفقه وجه الصحة والصواب، وكان من ثمرة التخصص في علم التزكية ظهور مدارس التصوف، وصارت هذه المدارس هي المرجع الصحيح لكل مسلم يبتغي في التزكية وجه الطهارة والنقاء، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، والإسلام يدعو إلى احترام التخصص العلمي، قال تعالى: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء: 83 ]، وقال تعالى: { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر: 14 ]، وقال تعالى: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل: 43 ]، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة في كافة أبواب العلم، والواجب على كل مسلم أن يطلب علم الدين من خلال مدارسه المتخصصة فيه على منهاج أهل السنة الجماعة، اللهم بصرنا بديننا يا رب العالمين.
***
([1]) سنن الترمذي 5/25 ح 2640. مسند أحمد 14/124 ح 8396.