وفي هذا الدرس اتناول بيان أخطاء الشيخ ابن تيمية في فهم الدين، أقول وبالله التوفيق، لولا نشر الوهابية لبدع وأخطاء ابن تيمية لكان في طي النسيان ولكنه شؤم الحركة الوهابية النجدية على امة الإسلام، ان تقوم بتبني انحرافاته ونشرها، وله أخطاء جسيمة في كل أبواب العلم وإليك جوانب الخلل العلمي عند ابن تيمية، وقد جمعت ثلاثين خطأ جليا للشيخ ابن تيمية أقل خطا فيها يمثل بدعة مهلكة من بدع الضلالة، وقد آثرت ان اجعلها كلها في درس واحد اتماما للفائدة والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل:
(الخلل الاول): ابن تيمية كانت تنقصه دقة المتخصصين في كل علم إسلامي على حدة: فكل علم فيه المحكم والمتشابه ولا يعرف ذلك حق المعرفة إلا المتخصصين في هذا العلم او ذاك، ولم يكن هو مطالبا بجمع العلوم كلها بدقه أهلها ومتخصصيها وهذا غير متيسر إلا للأنبياء، وللأسف لم يدع علماً من علوم الإسلام إلا تكلم فيه وخالف أهله بما يراه هو حقاً، وهاجم أهل كل علم في تخصصهم، فلم يحترم التخصص العلمي ولا اهله القائمين عليه، مع انّ الله تعالى دعانا إلى احترام أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، فأهل الاستنباط لكل علم هم أهل الخبرة والتخصص ولا يمكن الهجوم على كل العلوم دفعة واحدة إلا بدراسة مقدماتها والتفريق بين محكمه ومتشابهها.
(الخلل الثاني): الخلل في فهم الايمان: كتب في مسائل الإيمان ولم يكن قد ضبط أحكامه وفرق بين أصوله وفروعه ومحكمه ومتشابهه وأعلم يقينا أنه ألف فيه ولم يكن يعرف عناصر الأصل المنجي من الخلود الأبدي في النار (أقل ما يصح به الإيمان)، ولم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب، وخلط بين عناصر الأصل والواجب، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير، وأورث أتباعه غلوا في مسائل الإيمان ليقترب فيه من مذاهب الخوارج.
عناصر الايمان عند أهل الأصول ثلاثة فلابد للإيمان منها هي التصديق والانقياد والاقرار، التصديق قول القلب والانقياد عمل القلب والاقرار قول جارحة اللسان وهو أقل لازم لما وقر في القلب من الايمان، هذا هو أصل الايمان عند علماء الأصول وهذا هو اصل الايمان عند فقهاء الامة، لابد له من التصديق، فإذا انتفى التصديق حل التكذيب، والنفاق، وهو كفر المكذبين وكفر المنافقين، الذين يصدقون باللسان ويكذبون بالقلب، قال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المنافقون: 1،2]، وإذا انتفى الانقياد والقبول حل الإباء والاستكبار وهو كفر إبليس الرجيم، قال تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، فإبليس الرجيم لم يكفر بسبب التكذيب وإنما كان كفره بسبب عدم الانقياد والخضوع لأمر الله تعالى، وعلى ذلك فالإيمان يشمل قول القلب: (التصديق) وعمل القلب: (الانقياد) وإذا انتفى قول القلب: (التصديق) انتفى الإيمان وحل محله الكفر الاكبر، وإذا انتفى عمل القلب (الانقياد)، انتفى الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فلا غنى للإيمان عن التصديق والانقياد، ولا غنى للتصيق والانقياد عن إقرار اللسان لأنه أقل أثر ممكن للإيمان، ابن تيمية قال بوجوب دخول عمل الجارحة في اصل الايمان وهذا ميل الى المعتزلة والخوارج من حيث لا يشعر، لأنه كان حشو يحشو الكلام سردا بغير فهم مئات الأوراق في قول السلف أن الايمان قول وعمل طيب الاصوليون قالوا بذلك ولكن هناك درجات أقلها الأصل وهو قول وعمل قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد، مئات الأوراق يسودها في وجود اللازم واللازم موجود وهو عمل جارحة اللسان، ولكونه حشوي غير متخصص ويهرف بما لا يفهم ويتكلم كثيرا ويعقل قليلا كتب في الايمان مجلدات الايمان الكبير والايمان الصغير ولم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب، وخلط بين عناصر الأصل والواجب، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير، وأورث أتباعه غلوا في مسائل الإيمان ليقترب فيه من مذاهب الخوارج.
(الخلل الثالث): ألف في التوحيد ولكنه لم يكن يفرق ما بين أصل العبادة وصورها ولم يكن يعرف أركانها، ولم يكن يحمل متشابه التوحيد ويرده إلى محكمه، ولم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك، وأورث أتباعه غلوا في باب التوحيد والشرك كما أورثهم من قبل غلوا في مسائل الأيمان.
(الخلل الرابع): عندما كتب في علم الاتباع والابتداع لم يحدد بدقة المتخصصين شروط البدعة الضالة ولم يفرق بين الحسنة والسيئة فأورث أتباعه غلوا في باب السنّة والبدعة كما أورثهم من قبل الغلو في باب الإيمان والكفر وباب التوحيد والشرك، وهكذا بدأ الخلل يظهر في باب الأسماء والأحكام عامة بما ينذر بظهور فهم موازي للإسلام يضاهي به فهم المدارس العلمية المتخصصة ويناطح كل مدرسة في تخصصها الذي قامت عليه وأحكمت أصوله وفروعه وفرقت بين محكمه ومتشابهه.
(الخلل الخامس): الطامة عندما بدأ يتكلم عن الذات الإلهي الأقدس بما لا يعرف ولم يتعلم عند علماء الأصول المتخصصين، ولم يكن قد درس مقدمات الإلهيات ولا قواعد التقديس التي تمنع من الزلل عند الحديث عن جناب الله الأقدس، كما أنه ذهل ذهولاً شديداً عن علم التقديس (قسم توحيد الذات)، ولم يستطع هضمه، ولا معرفة قواعده فآل به ذلك إلى عداوة قلبية للسادة الأشاعرة حماة العقيدة والمؤصلين بحق لكل أبوابها على منهاج أهل السنّة والجماعة، وأدت تلك العداوة إلى الانتقاص من قدرهم بمناسبة وغير مناسبة، كما أنّها سببت خللاً عميقاً عنده عند الحديث عن أهل السنّة والجماعة وأهم صفاتهم وأهم أعلامهم، فأدخل الحشوية في إطار أهل السنّة، وأثنى على مؤلفاتهم، وفي المقابل صال وجال على علماء الأشاعرة المتخصصين في العقيدة دون أن يفهم منطلقاتهم التي استقوها من الكتاب والسنّة، والتي أجبرتهم على تبني مذهبهم في شتى أبواب علم العقيدة، واكاد أجزم بأنه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث، وظن أنهم على مذهب السلف ولم يكونوا كذلك، وللأسف أفنى عمره في نصرة مذاهب الحشو والتجسيم وعدم التخصص على حساب أهل السنّة والجماعة أهل التخصص العلمي الدقيق في شتى علوم الدين، وبدأ يبني فهما للإسلام يخصه وحده يجاهد من اجل ترسيخه بين المسلمين بديلا عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية التي أفنى آلاف العلماء فيها أعمارهم.
(الخلل السادس): اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار الحشوية التي تسربت إليه من أئمة بدعة الحشو والتجسيم، فإنّ هؤلاء الذين استقى منهم ابن تيمية معتقده في جناب الذات، كلهم متهم بالحشو والجهل الفاضح في باب الإلهيات، لم يدرسوا قواعد تقديس ولا مقدمات إلهيات ولا يعلمون شيئا عن الاحدية والصمدية والقدم الازلي ونفي المثلية، نسال الله السلامة ومن هؤلاء: [مقاتل بن سليمان] (المتوفي سنة 150 ه) وهو الذي ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يدعم مذهبه في التجسيم والتشبيه، ومنهم [هشام بن سالم] (ت 183 هـ)، واتباعه السالمية الذين اثنى ابن تيمية على عقيدتهم، وهو الذي كان يعتقد في معبوده أنه على صورة إنسان: أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء، ومنهم [محمد بن كرام السجزي المجسم] (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه جسمٌ له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، ومنهم [عثمان بن سعيد الدارمي السجزي]: (ت 282 هــ) وهو غير الإمام الدارمي صاحب السنن، وعثمان الدارمي هذا أضر بابن تيمة أيما ضرر وله طوام في التجسيم، يستدل بالموضوعات والواهيات لاثبات صفات الرحمن بآثار واهية لا تصح ابدا، وهو الذي زعم أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وأن الله حي ودليل حياته الحركة والانتقال وأن الفرق بين الحي والميت هو الحركة، ومنهم [ابن أبي عاصم] (ت 287 هــ) وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه (السنة) من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، يقصد بعض الرحمن، وكأن سورة الإخلاص لم تبلغه وفيها الأحد تقديس عن الأبعاض والأجزاء، ومنها أن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً jمعه على العرش، ومنهم [الخلال] (ت 311 هــ): كان يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق كافر، وهو صاحب عقيدة جلوس الرحمن على العرش، وعقيدة الشاب الأمرد، ومنهم [ابن خزيمة] (ت 311 هــ) كان فقيها ولكنه صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، باب الوجه باب العين باب اليد باب الساق، ومما فيه من السب لله ونسبة المحال إلى الله، أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً jرآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو، ومنهم [البربهاري]، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد jيجلسه ربه معه على العرش، وأن من أنكر القعود فهو جهمي كافر، ومنهم [ابن بطة] (ت 387 هــ) الوضاع لكذاب المتهم بوضع الأحاديث وسرقة الكتب وكتابه الإبانة له يعد موسوعة في عقيدة الحشو وهو من أوائل من تولى إثم نبذ الأشاعرة زورا وبهتانا بالتجهم وكتابه مبني على التكفير للمخالفين له، وأكثر أبواب كتابه الإبانة في تكييف جناب الذات وتكفير المعارضين له، ومنهم [ثلاثي الإفك الذين أدخلوا الحشو على مذهب الإمام أحمد وهو منه بريء، جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني]، فأما (ابن حامد الورّاق) فقد رد عليه الإمام ابن الجوزي في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، واما (القاضي أبو يعلى) الفراء (المتوفى سنة 458 هجرية)، فقد ألف كتابا سماه إبطال التأويلات وهو من أحط كتب الحشو والتجسيم، واما الثالث فهو (ابن الزاغوني) والثلاثة أثبتوا لله صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وهؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة وإلى يومنا هذا إذ جروهم في العقيدة إلى بدعة الحشو جرا ودفعوهم إلى التجسيم دفعا فهؤلاء جميعا هم سلف ابن تيمية (ت 728 هــ) الذين يريد منا ان نتخذهم سلف لنا، نسأل الله السلامة من البدعة والضلال ونسبة المحال إلى الرحمن.
(الخلل السابع): بسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وهو علم عزير وبسبب عدم مقدرته على هضم مفرداته، هجم على النصوص الشرعية دون فهم حقيقي لمغزاها، ودون تفريق بين محكمه ومتشابهها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب السلف الصحيح، والذي ليس لهم مذهب سواه، وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من كل الجهات وانه متناه من جهة التحت يقينا، لمحاذاته للعرش وكأنه تصور الإله تعالى وتقدس جسما عظيما له طول وعرض وحجم وشكل وصورة وتخاطيط وانه يجلس على العرش، والكون كله تحته، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، فقد قال (وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته)، وعلى هذا المذهب فإنّه سبحانه يبقى نازلاً أبداً، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها، كما دلت الدراسات الجغرافية، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، كما دندن حول الجسمية والتجسيم، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، فقال في كتابه بيان تلبيس الجهمية: (وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم) أهـ [بيان تلبيس الجهمية: 1: 101)]، وهو على ذلك فهو لا يرى ما يمنع أن يكون الله جسماً، مع ان الله تعالى يقول {ليس كمثله شيء}، وكل ما حولنا اجسام تقبل الأجزاء والابعاض وتقبل الاحجام والاشكال وتقبل الحركة والسكون، وإجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية، ولذلك دندن كثيرا حول حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ الرحمن سبحانه على صورة آدم، أجزاء وابعاض، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، كما وصف لله تعالى بصفات الاجسام من الحد والنهاية والتغير والحدوث، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد.
(الخلل الثامن): أخطاء جسيمة ابن تيمية في مجال علم العقيدة، وقع في أخطاء أبرزها: (أ) أنه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين، (ب) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك، ولو كان له معنى لما كان متشابها، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض – وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي – من شر مذاهب الفرق الضالة، (ت) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنه متعذر في كل الصفات (ث) شنّ حرباً على التأويل مع أنه لا مناص منه عند التعارض، (ج) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، (ح) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء، (خ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة، (د) نسب علم (التقديس وقواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة) إلى علوم اليونان وفلسفتهم، مع أنه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، قال تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 84]، ولأنهم متخصصون علموه، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين، (ذ) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا، وحارب تخصصاتهم، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم أهل التجهيل، وأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة لعلم المتشابه، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة.
(الخلل التاسع): أنكر المجاز في القرآن الكرييم: ابن تيمية ينفرد عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة، ومن ذلك: إنكاره المجاز في القرآن، مع أنه ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، ولما كانت البلاغة هي ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز كا سيأتي في الدرس التاسع.
(الخلل العاشر) ابن تيمية يخالف جمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين، وليس يفيده بحال، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى أو وضع لفظ مكان آخر – وهذا في السنّة كثير -، ومع هذا الاحتمال، فلا يبلغ بحال ما يفيد المتواتر من مرتبة اليقين، لاشك أنه يوجب العمل، ولكنّه لا يفيد اليقين ما كان في مرتبة الآحاد.
(الخلل الحادي عشر) ابن تيمية يدندن كثيرا حول قدم بعض المخلوقات ووجودها مع الله كالعرش، وهذا يضاهي الفلاسفة بقدم العالم، وأجاز التسلسل إلى ما لا بداية، كما أجاز العقلاء التسلسل إلى ما لا نهاية، مع أنّ الفرق بينهما عظيم، والاول مستحيل لأنّه يؤول إلى قدم العالم، والثاني جائز كبقاء أهل الجنّة واهل النار إلى ما لا نهاية.
(الخلل الثاني عشر) ابن تيمية يصرح بقيام الحوادث بذات الله تعالى، حتى قال في منهاج السنّة النبوية (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ، قلنا لكـم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل) ([1]) . وقال بحدوث القرآن، وحدوث صفة الكلام، ووصف الله تعالى بالسكوت قياساً على صفة الكلام عند البشر، وقال بفدم نوع الكلام وحدوث آحاده، وهذه بدعة ابتدعها ابن تيمية لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف أهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث؟، وهل آحاد الشيء تخالف جنسه؟، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم يجهلون.
(الخلل الثالث عشر) ابن تيمية اخترع في صفات الله مقولة لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف أهل الأصول، مقولة (أنّ صفات الله قديمة النوع حادثة الآحاد)، وإذا كانت الآحاد على زعمه محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول، وقد دخل عليه الشيطان من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت باليقين القاطع أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلم أنّ من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عن ذلك علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم سوي أنّ الله تعالى علم الحوادث وسمعها وأبصرها وأرادها قبل حدوثها فلم يتغير بعد حدوثها عند الله شيء، ولم يزدد بكونها وحدوثها شيئا فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر،فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
(الخلل الرابع عشر) ابن تيمية يدندن حول بعض الأقوال الشاذة في العقيدة، ومن ذلك: يدعي فعل الأسباب بقوة جعلها الله تعالى في طبعها، وهو قول يجرح توحيد الأفعال عند من يفهم أبعاده، ومن ذلك أقواله حول الصلاح والعدل من مبادئ المعتزلة، وهي أقوالٌ لا يرضى بها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، كما حام حول عدم عصمة الانبياء من الذنوب، واقتراف بعضهم للذنوب والتوبة منها، ينقل في ذلك الخلاف بما لا ينبغي حفظا لمقام الأنبياء، كما دندن حول فناء عذاب أهل النار هو وتلميذه ابن القيم مع ورود الخلود فيها في قريب من أربعين آية من آيات الذكر الحكيم منها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 64، 65]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23].
(الخلل الخامس عشر): أخطاء ابن تيمية في مجال الفقه: كان يشن بين الحين والآخر حروبا على أهله المتخصصين فيه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله j ، وهل سيبل عشر معشار ما بلغه الائمة أبو حنيفة ومالك والشافعي واحمد في الفقه ومع ذلك خالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم.
(الخلل السادس عشر) أخطاء ابن تيمية في مجال التزكية والتصوف: أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف، مع أنّ الاولى كان ترشيدها بالنصح والإرشاد واللين والرفق لا محاربتها، وتجريح أكابرها، وهي القائمة على ثغر التزكية والإحسان، فبدلا من الثناء على دور الأولياء القائمين على ثغور التصوف الحق، وبيان أخطاء الادعياء فإن في كل علم وفي كل مجال الجهلاء والادعياء، بدلا من ذلك حارب التصوف وشنع عليه، مع انه في حقيقته علم راسخ، وعمل جاد دائب، لا محل فيه للهزل واللهو، أوله علم وأوسطه عمل ومجاهدة وأعلاه عطاء وموهبة، وهو أعلى مراتب الدين، وأهله الكُمل هم الصديقون وهم الأولياء المرشدون أهل الوراثة عن رسول الله j، وهم احق الناس بحديث الولاية، أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسم: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه) ([2]) . وقد علم القاصي والداني أن القوم أقرب الناس تحقيقاً لهذا الحديث.
(الخلل السابع عشر): أخطاء في مجال تعلق المسلمين بالرسول j :
أفتى بحرمة شد الرحال إلى زيارته j ، مع أنه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول j ، وزيارة المقابر كلها مسنونة، فكيف بالنبي j ، أمّا حديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) ([3]) . فالمعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضل الصلاة فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد، وهي المذكورة في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم، لا شيء فيها، بل جميع أهل العلم على مر عصور الإسلام، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد، كما أن شد الرحال للتجارة جائز، وشد الرحال للسفر والاستمتاع جائز، وشد الرحال لزيارة الإخوان في الله تعالى جائز، فهل كل ذلك جائز، وشد الرحال لزيارة الرسول jغير جائز، على أنه لم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات، والجمهور على ندبها، وقال بعض المالكية: إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله في هذه المسألة هو ابن تيمية.
(الخلل الثامن عشر): الموقف من آل البيت رضوان الله تعالى عليهم والوقوع في بدعة الجفاء والنصب،، فقد أدى رده على الشيعة الضالة إلى الانحراف قليلاً عن آل البيت، فخانته ألفاظه عند الحديث عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وضعّف في فضائله أحاديثاً ليست بضعيفة، وحكم على أخرى بالوضع، ولا تبلغ هذا الحد، حتى قال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: أن ابن تيمية خطأ أمير المؤمنين عليًا كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف فيها نص الكتاب، وأن العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في علي كرم الله وجهه، ولقوله أيضا فيه: أنه كان مخذولا، وأنه قاتل للرئاسة لا للديانة) ([4]) .كما خانته ألفاظه عند الحديث عن سيد شباب أهل الجنّة الحسين رضي الله عنه، وموقفه من أوضاع الأمة زمان يزيد.
(الخلل التاسع عشر) أخطاء في مجال المعاملة مع أكابر علماء عصره، هاجم الأكابر ولم يتحر الأدب الواجب مع أكابرهم كحجة الإسلام الغزالي والإمام الرازي وغيرهما من الأكابر، وتجرا في الرد على الإمام الرازي في كتابه أساس التقديس الذي يُعد مفخرة ما بلغه علماء الدنيا في علم التقديس والتنزيه، يتهمه بالبدعة ويرد عليه بكتاب (نقض أساس التقديس): ويسمونه أحيانا (كتاب تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) وأحياناً: (نقض تأسيس الجهمية)، والكتاب من أسوأ كتب ابن تيمية لأنه جعله خاصا بالرد على كتاب من أعظم كتب التنزيه والتقديس ويبدعه وهو لا يعلم ما عند الرازي من العلم الراسخ، وانه امام الدنيا في علم التنزيه والتقديس، وصال علي خيرة علماء عصره الاكابر ونال منهم، وانتقص منهم واحتاطوا في تأديبه فلم يأمروا بقتله وإنما امروا بسجنه من أجل أن يحفظوا الناس من أخطائه، ويا ويله منهم يوم القيامة.
(الخلل العشرون) أبشع انحرافات ابن تيمية قوله بقيام الحوادث بذات الله تعالى: حيث كان يعتقد أن الحوادث تقوم بذات الله تعالى أي أن الله تعالى لم يكن متصفاً بصفة ثم اتصف بها، قال ابن تيمية في منهاج السنّة النبوية: (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ، قلنا لكـم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل)، وقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية شبرًا بشبر، قال الإمام أبو المظفر الإسفراييني: (ومما ابتدعوه- أي الكرَّامية- من الضلالات مما لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم: بأن معبودهم محل الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وسموا ذلك سمعًا وتبصرًا، وكذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أن هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى الله عن قولهم) أه([5]) .
فتبين مما أوردناه أن ابن تيمية ليس له سلف إلا الكرامية ونحوهم، وليس كما يدعي أنه يتبع السلف الصالح، نسال الله السلامة
(الخلل الحادي والعشرون): [للأسف]: ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة: ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة، وهو لم يستوعب علمهم ولم يصل إلى شيء من رسوخهم في علم العقيدة والأصول.
ومن ذلك كتابه (العقيدة الحموية): وهي جواب لسؤال ورد من حماه حول آيات الصفات كالاستواء وأحاديث الصفات كالأصابع والقدم، فتتطاول على مذهب أهل السنّة والجماعة من الأشاعرة بما لم يفهمه ولم يفرق بين المحكمات والمتشابهات من الصفات ومال إلى مذهب الحشو والتجسيم، واستطال به على أهل التخصص، وتطاول على الأشاعرة بأنّهم يقولون: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، وهم لم يُطلقوا القول بذلك، وحاشاهم وهم أهل الرسوخ في العلم والحق، ولكنّهم خصوه بما يتعلق بالرد على أهل البدع كالمعتزلة والحشوية وبما يتعلق بتقرير مذهب الفرقة الناجية، والانتصار لمذهب التسبيح والتقديس مذهب أهل الحق على مذاهب أهل الباطل والفرق الضالة، وإلا فهم يقولون بالتفويض كما هو حال السلف، وهل كان يسع السلف السكوت على بدع الحشو التشبيه، وهم أرقى الناس تنزيها وتقديسا لله.
ومن ذلك أيضا كتابه: (نقض أساس التقديس): ويسمونه أحيانا (كتاب تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) وأحياناً: (نقض تأسيس الجهمية)، والكتاب من أسوأ كتب ابن تيمية لأنه جعله خاصا بالرد على كتاب من أعظم كتب التنزيه والتقديس وبيان مذهب أهل الحق تجاه المعتزلة والحشوية الذين مال إليهم ابن تيمية وهو لا يعلم ما عند الرازي من العلم الراسخ، ويا ويله منه ومن أهل السنّة – جميعا يوم القيامة- الأشاعرة.
ومن ذلك أيضا: كتاب (درء تعارض العقل والنقل)، ألفه وهو لا يعلم ما هو العقل الصريح ولا ما هو النقل الصحيح ومعناه المقصود في الشرع والذي فهمه أهل التخصص من الأشاعرة والأثرية والماتريدية، فما كان أغناه عن الحديث عن علم لا يعلم أسسه ولا قواعده، ومن أفتى بغير علم لازمه الخطأ وفتن الناس عن الصواب.
ومن ذلك ايضاً: (القاعدة المراكشية) ألفها لإثبات العلو الحسي، والرد على أهل الحق فيما أصلوه من قواعد التقديس التي تعصم من الحشو في مسائل: (العلو) و (الاستواء على العرش)، ومن ذلك ايضاً: (الرسالة التدمرية) دندن فيها حول المتشابه من الصفات بقصد إثباتها على ظاهرها، وخاض في القدر بما لا يعلم من عواقب ولوازم الفساد في قوله، وأقله نصرة مذاهب المعتزلة والاقتراب منها، وما ألجأه إلى الخوض في ذلك كله إلا الجدال والخصومة مع أهل السنّة الأشاعرة.
ومن ذلك ايضاً: (شرح الأصفهانية)، والاصفهانية متن في العقيدة مختصر لشمس الدين محمد بن محمود بن عباد الاصبهاني، على منهاج الأشاعرة، وهو لم يشرحها وإنما ألف شرح الأصفهانية بقصد الرد عليها، كما ألف تلميذه ابن أبي العز الطحاوية للرد على ما فيها من التقديس والتنزيه كقوله – أي الطحاوي – رحمه الله: (ومن لم يتوقَ النفيَ والتشبيهَ زلَّ ولم يصبِ التنزيهَ، فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات)([6]) . وها هنا رد ابن تيمية على الأصفهاني في كل مسائل التنزيه من كلامه في الصفات والإيمان والنبوات، وكأنّه لا يرضى عن الحشو بديلا.
ومن ذلك ايضاً: (المناظرة حول الواسطية)، وهي تسجيل لما جرى حول كتابه (الواسطية) من مجالس ناقشه فيها الأشاعرة وبينوا له الصواب فلم يفهمه، ثم حشا مناظرته بالحشو في مسائل التأويل، والحرف والصوت، والاستواء.
ومن ذلك ايضاً: (الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات) نفى فيها المجاز وهو شطر اللغة الحسن وكابر الجمهور في إثباتهم للمجاز، وآل به نفي المجاز إلى الحشو في باب المتشابهات، وإثبات ظاهر المتشابهات بما يؤول إلى الفتنة والبدعة والتجسيم، ووصف الله تعالى بما يُفيد العلو الحسي على العرش، وبالغ في رد التاويل مع أنه لا مناص منه، فإن أثبت العلو الحسي أول القرب والمعية لا محالة، وإن فهم المجاز في كليهما استراح وأراح.
ومن ذلك ايضاً: (التسعينية) خصصها للحديث عن أنّ كلام الله تعالى لابد ان يكون بحرف وصوت، وأن الكلام إن لم يكن بصوت فلا يسمى كلاما، وخصصها للرد على أهل الحق (الأشاعرة) في مسألة الكلام النفسي التي جاء بها أولاً القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، ولكن سمعهم الله السميع العليم، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر، ولو تدبر قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ أنه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، لعلم أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر بصوت يُسمع: {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا، وهذا القرآن ينطق بذلك، ولو تدبر قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، لعلم أنّ من القول قول السر: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ}، {قَالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقد، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، ومثله تماماً قوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، ولو تدبر قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص، ولكنّه بالغ في الرد على أهل الحق من تسعين وجها من حشو الكلام وهرطقته مما لا يفهم هو المقصود منه، ومما يُضحك المتخصصين على سوء فهمه ورداءة تصوره في كل ما يتعلق بالتقديس فإن قلبه أُشرب بالتشبيه، وهو لا يدرك أبعاد ذلكم التشبيه والذي لا يدركه إلا أهل التخصص الراسخين في علم التقديس.
ومن ذلك ايضاً: (النبوات): ما أتى فيه بشيء مفيد فالصواب فيه ما قاله المتخصصون من الأشاعرة وكل ما خالفهم فيه نصر فيه قول الحشوية ممن لا خلاق لهم ولا عقل ولا خلق، وبدلا من أن يشكر الأشاعرة على تقرير الحق في مسائل النبوات، (ومن لا يشكر الناس على المعروف لا يشكر الله) أخذ ينشر الزلات التي افتراها المغرضون على الباقلاني والغزالي مما يبرؤون من الفهم السقيم لها.
ومن ذلك ايضاً: كتابه (الإيمان): غالى فيه بما يُقربه من مذهب المعتزلة وهرف فيه بما يردده الحشوية، وهاجم فيه الأشاعرة وصنفهم فيه ضمن المرجئة والجهمية، وهو والله لا يعرف أصول الإيمان ولا حده الادنى ولا أصله الفاصل بين الإيمان والكفر، ولا يفهم مراد الأشاعرة ولا حتى الماتريدية من قولهم في الإيمان مع أنه الجمع العدل بين الآيات المتعددة، وهو الحمل المتقن للمتشابهات على محكماتها في باب الإيمان،، ولقد كلفت من جهة شرعية بتلخيص كتاب الإيمان له، فوجده – إحقاقا للحق – يتكلم في علم لم يضبط لأصوله وقواعده، وهي عنده مشوشة غير منضبطة، يصنف فيه الطوائف على خلفية أهل الحشو لا أهل الأصول، بما لا يعرف عقباه من الانحراف نحو الغلو في التكفير، وكان يكفيه أن يقرأ قراءة فهم دقائق معدودة لما كتبه علماء العقيدة الحقيقيون المتخصصون من الأشاعرة والماتريدية، ويفهمه على يد مبتدئ من تلامذتهم ليستريح وليريح الامة من اللجاج والفرقة والغلو في كل أبواب الإيمان.
ومن ذلك ايضاً: كلامه في (شرح حديث النزول) فسود الصفحات تلو الصفحات بالنزول الحسي وأنّه على حقيقته نزولا من العرش إلى السماء الدّنيا، وكأنّه يتكلم على ملك مجسم محدود ينزل ويصعد، وإن لم يكن كلامه في (شرح حديث النزول) من الحشو المرذول فليس في الدُنيا حشو ولا تحسيم، وما الفائدة من اثبات النزول على حقيقته، وحقيقته الهبوط من علو إلى سفل، فبالله هل تلك عقائد أهل السنّة المنزهين لله تعالى عن الشبيه والمثيل، أم عقائد المشبهين الذين يشبهون الله تعالى بخلقه في حركاتهم وسكناتهم ونزولهم وصعودهم، بالله عليك يا رجل إنّ الخالق لا يُشبه المخلوق في شيء، فالمخلوق محدود بالمكان يتحرك فيه ويصعد وينزل فيه، والله تعالى أن يحده حد او يوفيه مقدار مهما كبر، فالله اكبر وأعظم واجل أن تحده الحدود، قال الطحاوي في عقيدة المسلمين: (فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهـ، تنزه عن كل ما يخطر بأذهان البشر، ومنه النزول الحسي الذي يتوهمه أهل الحشو، وهل حديث النزول كان مراده تخيل النزول ومن ثم الصعود، أم مراده بيان فضيلة ثلث الليل والاستغفار فيه والتهجد فيه، لأنّ عبادة الليل أبعد ما تكون عن الرياء والنفاق، ولأنّ ثلث الليل يتوزع على انحاء الأرض كل لحظة، فلنا أن نتخيل النزول والصعود على مدار لحظات الليل والنهار، لأنّ الليل في الأمريكتين هو النهار في بلاد العرب، وثلث الليل في حق مسلمي امريكا كما هو في حق مسلمي البلاد العربية، فهل هذا هو ما يرمي إليه الحشو في شرح حديث النزول، وهل هذا هو الطريق الأمثل لشرح المتشابهات، التي كان السلف الصالح حقاً ينهون عن مجرد السؤال عنها، أن نشرح الحديث في قريب من مجلد نحشوه بالتشبيه والتجسيم.
(الخلل الثاني والعشرون): ابن تيمية يفني عمره في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه: لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث،، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب السلف الصحيح، والذي ليس لهم مذهب سواه، وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من جهة تحت، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، وعلى مذهبه فإنّه سبحانه يبقى – أستغفر الله – نازلاً أبداً، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها، كما دلت الدراسات الجغرافية، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، كما دندن حول الجسمية والتجسيم، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية، كما دندن حول حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ حتى أدركته المنية في سجن دمشق.
(الخلل الثالث والعشرون) تبني عقائد الحشو والتجسيم ومخالفة علماء الأصول المتخصصين في علم العقيدة: ومن رؤوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية وأصرّ عليها وخالف الرأي العام لجمهور علماء المسلمين، ولأجلها اعتقل مرات عديدة ونفي إلى مصر وسجن ومات بسجنه: واهم ذلك قوله بوجوب وصفه سبحانه بالصفات الخبرية المتشابهة كالوجه واليد والعين والمجيء والنزول والاستواء بنفس المعاني اللغوية الظاهرة المعروفة من اللغة من دون تصرّف، مع أنّها أمور متشابهة لابد من ردها إلى أمهاتها من المحكم، وقد قام بذلك علماء الأصول مفاخر الإسلام ومعاقد الإيمان، فضبطوا علمها وابن تيمية لا يعلم عن هذا العلم شيئاً.
(الخلل الرابع والعشرون): الجهل بمعاني التوسل، وانه جائز، والربط بينه وبين اتخاذ المشركين لآلهتهم وسائط، وشتان ما بين هذا وذاك، فإن الفارق عظيم بين التوسل وبين الشرك بالله، فالتوسل هو التقرب إلى الله، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، أما خطأ الشيخ في فهم المقصود من التوسل: هو ظنه أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك، وكل ما أورده من أدلة لإدخال التوسل في دائرة الشرك، إنما هي أدلة مغلوطة لم يدرك مفاتيحها، من مثل قوله تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، فإن قول المشركين: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} مصرح بأنهم عبدوهم لذلك، والمسلم المتوسل بالصالحين لم يعبدهم بل علم أن لهم مزية عند الله بصلاحهم فتوسل بهم إلى الله تعالى لذلك، والمسلم المتوسل بالصالحين لم يدع إلا الله، ولم يعبد إلا الله، ولم يعتقد لا ربوبية ولا إلهية ولا استحقاق عبودية إلا لله، هذا هو حال جمهور المتوسلين من المسلمين فكيف نقارن بينهم وبين من قال {هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} ولهذا لما فات عليه تأصيل المسألة قال بتحريم التوسّل بالأولياء والصالحين، وتحريم الاستغاثة بالأولياء ودعوتهم لأنّها شرك بالله، مع أنّ الشرك ضد التوحيد، والتوحيد هو افراد الله تعالى بالعبادة، وللعبادة جانب أهم وهو اعتقاد الإلهية والربوبية في المعبود، وجانب آخر هو العمل العبادي كالسجود والدعاء وغيرهما من مفردات العبادة، فمن صرفها باعتقادها كان عابدا، ومن صرفها بغير اعتقاد، فهي أبعد ما تكون عن العبادة ومنه سجود الملائكة لآدم، فأين كل هذا من التوسل بالصالحين إلى الله تعالى لنيل الشفاعة عند الله، ومع ذلك وعلى سبيل التنزل فقصاراها مسائل خلافية لا يجوز الاحتساب فيها، ولا الأمر والنهي فيما ومع ذلك أفنى ابن تيمية حياته في نصرتها في أوقات كانت الأمة تنزف دماءها بسبب ضعفها أمام التتار، فهل كان صوابا أن يشغب على الأمة بمفردات حشوية لا تمت إلى الأصول بنسب ولا صلة.
(الخلل الخامس والعشرون): تحريم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك، وهذا أطم الطامات، حيث انفرد به عن علماء الإسلام، وحمل حديث (لا تشد الرحال) على غير محامله، فقد سيق في بيان فضل المساجد الثلاث على غيرها، فادخل فيها زيارة النبي j ، ولا علاقة للزيارة بالحديث، بل علاقته أقرب إلى زيارة القبور، وهي جائزة باتفاق، وأولاها قبر سيد الأولين والآخرين الذي به jأخرجنا الله تعالى من الظلمات إلى النور، وما المانع أن يأتي بعده من يحرم شد الرحال للعمل أو طلب العلم، لأنّ مآخذها ومآخذ الزيارة سواء، وجميعها أجنبي عن فتوى تحريم شد الرحال، إنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – كانوا يحترمون قبر النبي ويزورونه، ولم تك الزيارة في تلك العصور أبداً ذريعة إلى الشرك، بل كان الهدف منها توقير النبي jوتعظيم قدره، وهو مطلب قرآني، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} الآية، ولكن ابن تيمية، يُخالف ذلك كله، ويحرّم شدّ الرحال إلى زيارته jتمسكاً بحديث غير دال على ما ذهب إليه، فما ذنب الإسلام إن كانت بعض الأفكار الحشوية والخاطئة قد تسربت إلى عقل ابن تيمية ومن ثم إلى أتباعه، والحقيقة المؤسفة أنّ ابن تيمية لم يكن سلفياً واعيا، بل تسربت إليه العديد من مفردات المذهب الحشوي، تسربت إليه من مؤلفات الحشو التي سماها أصحابها بكتب السنّة والشريعة والتوحيد، وظن هو أنّ لها من اسمها نصيب، مع أنّ فيها من الحشو ومحاربة الأصول وهدم الصروح العلمية والقواعد التقديسية والأصول التنزيهية الكثير والكثير مما أضر به، وبأتباعه من بعده.
[الخلل السادس والعشرن): ابن تيمية مجدد البدعة الحشوية وحامل لواءها في القرن الثامن: (للأسف) الموالون لابن تيمية والمخدوعون فيه، يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف لم يجدد سوى المدرسة الحشوية بجميع مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد، فلا يعلم شيئا عن قواعد التنزيه ولا يعلم شيئا عن معاني سورة الإخلاص التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، لا يعلم شيئا عن معاني الاحدية ومعاني الصمدية ومعاني القدم الازلي ونفي الحدوث ومعان ي نفي المثلية التي أشارت إليها سورة الإخلاص، ومذهبه حشو وتجسيم، ومذهبه: هو أنّ الله تعالى يقبل المكان والزمان والصور والاشكال، وان وجوده كمثل سائر الموجودات له مكان محدد، وانه موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه من كل الجهات وانه متناه من جهة التحت يقينا، لمحاذاته للعرش وكأنه تصور الإله تعالى وتقدس جسما عظيما له طول وعرض وحجم وشكل وصورة وتخاطيط وانه يجلس على العرش، والكون كله تحته، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، كما دندن حول الجسمية والتجسيم، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، فقال في كتابه بيان تلبيس الجهمية: (وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم) أهـ ([7]) . وهو على ذلك فهو لا يرى ما يمنع أن يكون الله جسماً، مع ان الله تعالى يقول {ليس كمثله شيء}، وكل ما حولنا اجسام تقبل الأجزاء والابعاض وتقبل الاحجام والاشكال وتقبل الحركة والسكون، فأي تقدبس يبقى له بعد كل تلك المفردات التي تنم عن الحشو والتجسيم والجهل المركب بقواعد علم التقديس.(الخلل السابع والعشرون): التشغيب على كل مدارس التخصص: اتهم جميع المتخصصين في العقيدة بالبدعة والضلالة ولم يسلم منه سوى الحشوية طائفته التي افنى عمره في نصرة بدعها، فهاجم السادة الاشاعرة حماة العقيدة والمؤصلون لقواعدها على هدي الكتاب والسنة وعلى مذهب اهل السنة والجماعة في كل أبواب العقيدة، وهم أكثر اهل العلم في امة النبي jوينتمي إليهم عامة المفسرين والمحدثين والأولياء فيما اصلوه من عقائد الدين، هاجمهم وبدعهم ويرد على صوابهم بخطئه وعلى هديهم بباطله الذي شربه من سلفه الطالح من اهل الحشو والتجسيم، وهاجم السادة الماتريدية أعلام الهدى القائمين على عقيدة اهل السنّة والجماعة، هاجمهم وبدعهم ويرد على صوابهم بخطئه وعلى هديهم بباطله الذي شربه من سلفه الطالح من اهل الحشو والتجسيم، وحتى السادة الاثرية اتباع الإمام احمد وهم فضلاء الحنابلة هاجمهم وبدعهم وجعلهم شر الفرق وشر الطوائف، هاجم الأصوليين والفقهاء والصوفية، ولم يسلم من لسانه أكابر علماء امة النبي jفي كل فن وفي كل علم وفي كل مجال، هاجم الأصول والفروع والوسائل، وأخذ يهوش على المتخصصين، فنصحوه ووعظوه، فلما خافوا من فتنته للعامة والجهلاء سجنوه وخافوا الله تعالى فيه فلم يقتلوه، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول، وهو لا يدرك المعقول ولم تتهيأ له الفرصة في تعلمه على يد المتخصصين، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى، مع أنه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله، ثم أضحك الثكلى بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل الأعمال، فهل كانت الأمة في زمانه على ضلال مبين، حتى انتشلها من الظلام، ثم دخل هو في دهاليز الألغام بان تحدث عن ليث بني غالب وباب العلوم والمعارف أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، بما لا ينبغي، إذ لكل مقام مقال، وهل الرد على الروافض يُجيز له رفع الحشمة والادب مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم تكلم عن الطاهر المطهر سيدنا الحسين، بكلام لا ينبغي، وهل التمحل في الدفاع عن يزيد يُجيز سوء الأدب مع السادة الكرام، فهذه كلها من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية، فتعجل بتبنيها ونشرها، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة، فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك، أحد قبل ابن تيمية، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه، وكيف تكون سلفية في مسالة نُخالف فيها السلف، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
(الخلل الثامن والعشرون): ابن تيمية ونفي التأويل وتبديع اهله: ابن تيمية كان جريئا على دين الإسلام اذا اعتنق عقيدة نسبها إلى السلف، وكان يجازف كثيرا بنقل اجماع السلف في أمور لا تصح ابدا، فقد زعم انه قرآ التفاسير كلها وانه لا يوجد أحد من السلف تأول شيئا من نصوص القرآن، وزعم ان التأويل شر أقوال اهل البدع وبدع القائلين به ايما تبديع، وهو لا يدري ان حبر الامة عبد الله ابن عباس وهو حبر القرآن وترجمان القرآن قامت مدرسته العلمية على تاويل المتشابهات بردها إلى المحكمات، ومن ذلك تأوله للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله([8])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([9])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([10])، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي([11])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد([12]) . فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل). ومن تأويلات التابعين: تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله. ([13])، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر. ([14])، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه)، في قوله تعالى (فأينما تولُّوا فثم وجه الله) بقبلة الله ([15])، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى (كلُّ شيء هالك إلا وجهه): أي إلا هو([16])، وتأويل الحسن البصري (المجيء) في قوله تعالى: (وجاء ربك): بمجيء أمره وقضاؤه([17])، وتأويله (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) قال: في طاعة الله. ([18])
ومن تأويلات تابعي التابعين: تأويل سفيان الثوري للاستواء في قوله تعالى (ثم استوي إلى السماء) بالقصد إليها ([19])، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول، بقوله: (ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ([20]) وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى، في قوله تعالى (وجاء ربك) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه ([21]) ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى (أو يأتى أمر ربك) ومثل هذا في القرآن (وجاء ربك) قال: إنما هو قدرته. ([22]) وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى (كلّ شـئ هالك إلا وجهه) (إلا ملكه) ([23]) وقد تأول الإمام الطبري: (العين) في قوله تعالى (ولتصنع على عيني) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ([24])، وتأول (الاستواء) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته….علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) ([25]). وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه، الأول تفويض المعنى المراد منه إلى الله ورسوله، والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز.
هناك أدلة شرعية تدل على جواز التأويل الصحيح وانه من باب الرسوخ في العلم، وتكاد ترجع إلى خمسة ادلة: هي: [الدليل الأول]: أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، دلت الآية على أنّ المحكم هو أصل الكتاب وهم بمثابة الأم للمتشابه، وينبغي رد المتشابه إلى أصله وأمّه، والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، دعا به الرسول jلحبر الأمة فقال (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، و[الدليل الثاني]: أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام، وهو أحد منهجي السلف في معاملة المتشابهات، وهو ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: و[الدليل الثالث]: أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر لذا فلا مناص من التأويل، هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الأزلية الكاملة، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للأجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، ومثال ذلك (الوجه) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، إنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر: ولذلك يضطر منكروا التأويل أنفسهم إلى التأويل، يؤولون عند التعارض، ولكن لا يسمونه تأويلا بل يسمونه تفسيرا، مع ذمهم للتأويل في كل حال لفظا، وهذا تلاعب لأن الحاصل هو التأويل، ومن ذلك اضطرار ابن تيمية نفسه لتأويل المعية في قوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} بالعلم، بقوله: (مطلع عليكم، عالم بكم)، وقال في شرح قوله jلصاحبه في الغار (لا تحزن إن الله معنا) فقد تأوله بالنصر والتأييد، زاعما أن هذا هو التفسير، والنتيجة واحدة وهي التأويل، (تأويل المعية)، فيكون ابن تيمية هنا قد اختار في الحقيقة مسلك التأويل، ومن الأمثلة على تأويل ابن تيمية قوله في الآية الكريمة: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، قال: (هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله) انتهى.، فما الفرق بين هذا وبين تأويل أهل السنة لقوله تعالى: {جاء ربك} أي جاء أمره؟، و[الدليل الرابع]: على جواز التأويل انه يلجأ إليه علماء الأصول عند الضرورة للرد على أهل البدع من المجسمة والمشبهة والحشوية الجاهلين بقواعد التقديس، أو عند انتشار التشبيه والتمثيل بين العامة الذين لا يفهمون البلاغة والمجاز في القرآن والسنّة، بل يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات، و[الدليل الخامس]: التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية: ليس تأويل بالهوى، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح عندهم تتمثل في: (أ) أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية، (ب) وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، مثال ذلك الأحدية في مقابل ذكر الوجه واليد والعين، (ت) وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه وإلاَّ كان التأويل فاسدًا، (ث) وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، وإلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر، (ج) أن يستحيل حمل اللفظ على ظاهره، وإلا أدى إلى وقوع الخلل والخطأ، (ح) أهلية الناظر للتأويل، وذلك بأن يكون متخصصاً صاحب دراية بالأصول والقواعد الأصولية والفقهية، وله ملكة فقهية تؤهله للنظر، و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم، و الله عز و جل يقول: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]، فتلك ضوابط التأويل عندهم، فأين هذا التأويل من تأويل أهل البدع الذين تجري الأهواء في نفوسهم كمجرى الدم في العروق، لقد أراد ابن تيمية أن ينصر مذهب السلف ولكنه لم يدرس الإلهيات على متخصص، ووثق بنفسه، وهجم على هذا العلم بغير مدرس فآل به الحال إلى اعتناق مذاهب الحشوية، و(المصيبة) أن هؤلاء يتدثرون بلباس أهل السنة وهم منها عراء، وينتسبون إلى السلف والسلف الكرام منهم براء، يرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بها على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، وهم -للأسف- قطاع طرق على الكتاب والسنة وعلى علوم الدين في صورة المدافعين عن الدين، يرومون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي القائمة على علوم الدين ، لقد تسربت إلى ابن تيمية مفردات الحشو القديمة، حتى لا تكاد ترى تابعا له إلا وهو متأثر ببدعة الحشو والتجسيم، نسأل الله السلامة.
(الخلل التاسع والعشرون): ابن تيمية ينسب كل أراءه التي يعتنقها إلى السلف، ويصف نفسه على انه حامل لواء السلفية وانه حامل لواء الكتاب والسنة وانه المجدد لما اندرس من علوم الدين، والتساؤل الآن: هل يصح بعد كل تلك المخالفات والمجازفات: التي خالف فيها السلف والمتخصصين ووضح لنا عيانا ان سلفه الحقيقي هم اهل الحشو والتجسيم ومحاربة التخصص العلمي في كل علوم الدين، وهل يصح أن نعتبر مذهبه الشاذ هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن الدين واهله، وعن السلفية والسلف، وعن العقيدة المنجية وأصولها، وعن الفقه وأدلته، وعن التزكية وأسرارها، نعم نقدر له سعة الاطلاع، ولكنّه ليس بالمتخصص في علم معين يُقتدى به فيه، ولا زلت أقول وأوقن أنّ ابن تيمية لو فهم علم التقديس وقواعد التنزيه على يد متخصص، لكان آية في العلم، ولتغيرت الكثير من موازين التقييم عنده، ولا يغرنّك رده على الأكابر في علم التقديس والتنزيه كالرازي وفحول الأشاعرة، فردوده خواء عن معرفة مقصود تنزيههم لأنّه ولج علما لا يتقن أصوله، فأخذ يحشو في الردود حشواً، وما أسوأ ردّه على كتاب تقديس الرازي، يرد الصواب بالخطأ ويجول ويصول ويجادل في اثبات خطأ الصواب وصواب الخطأ، ولا يغرنك محاولة اثباته عدم التعارض بين النقل والعقل، بجر ما توهمه معقولاً، إلى فهمه القاصر الذي فهمه بالخطأ من المنقول، فلا هو يدرك المعقول على وجهه لأنّه غير متخصص فيه، وهل أقل المعقول إلا معرفة ما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الخالق سبحانه، وهل أقل المعقول إلا التفريق الأصولي بين القديم والمحدث وهو لا يدركه، وهل أقل المعقول إلا معرفة قواعد التنزيه التي تمنع التمثيل والتشبيه والتجسيم والحشو عند الحديث عن ما يتعلق بالله تعالى، وهو يرحمه الله لا يدرك ذلك البته، وأنا لا أتجنى عليه، يرحمه الله فقد أمضيت ثلاثين سنة في دراسة كتبه ومعرفة مداركها ووجه المخالفة فيها لأكابر المتخصصين من علماء أهل السنّة والجماعة، وأعلم علم اليقين أنه لو درس المعقول على وجهه لما كان هذا حاله في التنزيه والتقديس، وإنما كان يجعل المحسوس مكان المعقول وهو يتحدث عن المعقول، ولا يتبين الفارق بينهما مع أنه فارق عظيم عند أهلا التخصص والعرفان، ثم ما يفهمه من المنقول ليس هو بفهم الاكابر الذين ضبطوا الأصول في العقيدة، لأنّه لا يمتلك أدواتهم ولا حواجزهم في منع الولوج في الفهم الممنوع، ولذلك وقع في بعض المخالفات التي حاول فيها سحب الأمة بعيدا عن وسطيتها إلى ناحية المجسمة، – وهو لا يدرك ذلك – كان يدعي أنه يريد سحبها إلى السلفية التي فهمها وعاش حياته من أجلها، ولم يتفطن انها الحشوية باعتى نعوتها واخص صفاتها، وهل كان السلف إلا أكابر المقدسين والمنزهين والمسبحين.
(الخطأ الثلاثون): بنى ابن تيمية مدرسته في الظلام ولذلك لم تنقح أفكاره وظلت على اخطائها، وهذا هو الفرق الجوهري بين مدارس المتخصصين في علوم الإسلام، وبين مدرسة ابن تيمية، أنّ مدارس المتخصصين في علوم الإسلام، سواء في العقيدة أو الفقه أو التزكية، أنّ كل واحدة منها تخصص في علم معين، ثم كان التمحيص والتأصيل والتهذيب في النور على أيدي مئات إن لم يكن آلاف المتخصصين المنتسبين إلى تلك المدارس، فصنعت في النور، وهذبت في النور، وانتشرت في النور، فكانت في مأمن من الخطأ الكبير والخلل الجسيم، وها هي مدارس العقيدة: الأثرية والأشعرية والماتريدية ملئت الأرض نوراً وانتسب إليها على مر العصور أكابر العلماء، وأساطين أهل العلم، وها هي مدارس الفقه عمت أرجاء الأرض وانتسب إليها سواد أهل السنّة والجماعة، وهكذا مدارس التربية والتزكية التي نشرت الإسلام شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، أمّا مدرسة ابن تيمية فبسبب مخالفة ابن تيمية لعلماء أهل عصره من شتى الطوائف، ولا يعقل فسادهم جميعا وصلاحه قد صُنعت في السجون والخفاء، ولم يطلع عليها سوى فئة قليلة من اتباعه، ولم تُؤصل في النور، ولم تهذب كما كان يفعل علماء المذاهب في تخصصهم، ثم اختفت كتبه ومعارفه حتى تبناها ونشرها شيخ الشؤم والتكفير قرن الشيطان، الشيخ محمد ابن عبد الوهاب بقوة السيف والسنان، وفي ظل هذا الجو الملبد بغيوم الارهاب الفكري بالتكفير والتبديع لمن يخالف هذه المنظومة الفكرية والعقدية، استكان من استكان ونشأ جيل لا يعرف إلا ما رأى، فلم تُؤصل الأفكار في أجواء حرية الفكر ودقة التخصص، كما حدث مع سائر مدارس التخصص الفكري الإسلامي، الخلاصة إن اردنا الحل فلا مناص من ردم التراب على تراث الشيخين، شيخ الحشوية المجدد لبدعها وضلالاتها ورافع لواءها في القرن الثامن، فلا مناص من ردم التراب على تراث الشيخ الثاني وهو شيخ الخوارج وقرن الشيطان الذي أشار إليه النبي jعندما قال: (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا، قال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) (وبعد) كان هذا ما تيسر في بيان أخطاء سيد اهل الحشو وشيخ الحشوية ورافع لواء التجسيم في القرن الثامن ابن تيمية الحراني، ولولا شؤم النجدي مؤسس الوهابية قرن الشيطان لكنا اليوم لم نسمع لا عن سيد اهل الحشو التجسيم ابن تيمية ولا سيد الخوارج وتاج رؤوس المبتدعة والمقدم فيهم قرن الشيطان الذي بزغ في القرن الثاني عشر صاحب الدين الموازي والبدع المضلة والدعاوى المهلكة المجدد لدين الخوارج محمد ابن عبد الوهاب، أسأل الله عز وجل ان يبصرنا بديننا وان يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه.
***
([1]) منهاج السنة النبوية 2/380.
([2]) صحيح البخاري 8/105 ح 6502.
([3]) صحيح البخاري 2/60 ح 1189.
([7]) بيان تلبيس الجهمية: 1/373.
([15]) تفسير الطبري 2/449: 450.
([17]) تفسير البغوي1/25و 5/252.
([18]) روح المعاني (تفسير الألوسي) 12/272.
([20]) التمهيد5/155، سير أعلام النبلاء 9/333، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص: 136، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص: 82.