مفاتيح علم التقديس المستنبطة من قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]
[المفتاح الأول]: قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، هذه الآية، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بأنه السميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بأنه سميع بصير فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فثبت أن المراد بنفي المماثلة التامة من كل وجه إنما هو نفي المماثلة عن جناب الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يماثل الله تعالى في الذاتية، فتضمنت الآية نفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، وأن ذات الله تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقات، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها فهو منتف عن ذات الله تعالى، واخص هاهنا ما يتعلق بجناب الذات وليس الصفات، وإذا كانت كل المخلوقات متماثلة في الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى.
[المفتاح الثاني]: كل المخلوقات متماثلة في صفة الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، و(الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، ومن خصائص الأجسام كذلك انها تخضع لجريان الزمان، فيجري عليها الزمان بماضيه وحاضره ومستقبله لا انفكاك لها عن قهر الزمان، ومن خصائص الأجسام كذلك أنّ لها صورا وأشكالا خصها بها خالقها عز وجل، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها تقبل الانقسام، وانها تتكون من الجوارح والأجزاء والأعضاء، وتقبل التحيّز والاختصاص بالجهات، ويقهرها التغير والحدوث.
و(الجسمية) تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر في اثبات وجوده، والمحتاج فقير لا يكون إلها البتة، والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة.
و(الجسم) مادة، والمادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والزمان والمكان والصور والاشكال، والحركة والسكون وذات الله تعالى ليس كمثله شيء، لا تسري عليه قوانين المادة، هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام، ولا قوانين المواد، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها.
ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة قليلة هم أهل التجسيم، الجاهلون بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها، لأنه كما تقدس جناب ذاته عن الحد تقدس عن الكمية وعن الجسمية ولوازمها من الحجم والكتلة والوزن والمقدار والامتداد في الافاق وقبول الجهات الست والصور والأشكال تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا والعجز عن الادراك هو مقصود هذا العلم ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد.
[المفتاح الثالث]: الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل:60] قال المفسرون أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية، وقوله تعالى {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [سورة البقرة: 22]، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل.
[المفتاح الرابع]: الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، تقديس لله عن الجسمية وهي تقديس لله عن لوازم الجسمية كذلك، ولوازم الجسمية ما اكثرها وأبرزها التقيد بالمكان والزمان، والتقيد بالحدود والمقادير والتقيد بالصور والأشكال، والحدود والاركان والاعضاء والادوات ومن ولوازم الجسمية كذلك التجزؤ والانقسام، وقبول الكيفيات من الأطوال والأعراض والأحجام والصور والأشكال، ومن ولوازم الجسمية كذلك الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال، والحد والنهاية والتغير والحوث والله تعالى ليس كمثله شيء مقدس عن الحد والنهاية وعن التغير والحدوث فأني ان يتصل المحدود بالمقدس عن الحدود، وأنى أن يتصل المحدث بالقديم وانى أن يتصل الفاني بالذي له البقاء، وأنى أن يتصل الواجب الوجود الذي له الوجود الذاتي الازلي بممكن الوجود، الذي له العدم والفناء، ومن ولوازم الجسمية كذلك التجاور والتباين والتحيز والاجتماع والافتراق والدخول والخروج، والله تبارك وتعالى منزه عن كل لوازم الجسمية، وعن الحركة والسكون لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، لأن الحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان ثابت، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، تقدس عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات الأجسام المخلوقة، الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية، ومنها كل ما تقبله الاجسام من الصور والأشكال والأحجام والاوزان والألوان وكل ما تقبله الأجسام من الهيئات كالجلوس والاستقرار، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع، والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته، والندم والتردد على معنى التغير في ذاته، والله تعالى منزه عن أي معنى من معاني الجسمية ولوازمها التي لا انفاك لها عنها.
[المفتاح الخامس]: من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: قوله تعالى {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} فقوله تعالى (أحد) يدل على نفى الجسمية لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله {أحد} مبالغة في الواحدية كان قوله {أحد} منافي للجسمية وقوله تعالى {الله الصمد} فالصمد هو السيد الغني الكامل المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم لأن كل جسم مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً و لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً فعلم من ذلك تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازمها، وأما قوله تعالى {ولم يكن له كفواً أحد} فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم لأن الأجسام متماثلة، فلو كان تعالى جسما لكان مثلا لجميع الأجسام فكان كل واحد من الأجسام كفؤاً له فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى منزه عن الجسمية.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى {والله الغنى وأنتم الفقراء} دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان جسماً لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وقوله تعالى {لا إله إلا هو الحى القيوم}، والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره، فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى أجزائه، وحينئذ لا يكون قيوماً بإطلاق، وقوله تعالى {القدوس السلام} والقدوس عز وجل هو المنزه عن كل ما ينافي كماله سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله والقدوس هو المنزه عن النقائص والعيوب والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه القدوس سبحانه، وهي (الجسمية) ضد الكمال الذي يتصف به ذات القدوس، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، والسلام عز وجل هو الذي سلم من جميع النقائص والعيوب والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه السلام سبحانه، والسلام عز وجل هو الذي سلم ذاته عن المثل والسمي والشبيه، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام، والسلام هو الذي سلم ذاته عن أن يكون له مثيل أو شبيه.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {هو الله الخالق البارئ المصور} والخالق هو المقدِرُ المنزه في ذاته عن الحد والنهاية والمقدار، ولو كان تعالى جسماً سبحانه لكان مُقدَراً مُتناهياً محدوداً ولو كان متناهياً محدوداً لكان مخلوقا وليس خالقا، سبحانه هو وحده الخالق البارئ المصور، والبارئ أي المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، فوجود الأجسام المقدرة المخلوقة دليل على خالقها وباريها الذي قدرها وأخرجها من العدم إلى الوجود، وهو المصور الذي ركب الأجسام على الصورة التي شاءها وأرادها، قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تكون إلا للأجسام والصور من خصائص الاجسام، والصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، وجل المصور سبحانه أن يكون مُصَوَرا، وجل الخالق البارئ المصور ان يكون جسما مقدرا مُصَوَرا، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {هو الأول والأخر والظاهر والباطن}، (هو الأول والأخر) مع شرحه صلى الله عليه وسلم للآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([1]) . فهذا يقتضى أن يكون جناب الذات الإلهي منزها عن الجسمية لأن الجسم حادث مؤلف من أجزاء تسبق وجوده فلا يكون (الجسم) أولا بلا ابتداء أبدا، إذ لا بدل له من بداية، و (الظاهر والباطن) معنى الباطن الذي لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {ولا يحيطون به علماً} وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان العلم محيطاً به فإن قيل: لماذا لا يجوز أن يقال أنه وإن كان جسماً لكنه جسماً كبيراً فلهذا المعنى لا يحيط به العلم ؟ قلنا: لو كان الأمر كذلك لصح أن يقال بأن علوم الخلق وأبصارهم لا تحيط بالسموات ولا بالجبال ولا بالبحار فإن هذه الأشياء أجسام كبيرة والأبصار لا تحيط بأطرافها والعلو لا تصل الى تمام أجزائها ولو كان الأمر كذلك لما كان في تخصيص ذات الله تعالى بهذا الوصف فائدة، وقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان الإدراك بالأبصار محيطاً به حتى لو كان جسما كبيرا.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [سورة ق: 16] ولو كان تعالى جسما لما صح القول بأنه تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد إلا على سبيل الاتحاد والحلول بين الأجسام أو التنزيه عن الجسمية ولوازمها من التحيز والاتحاد والحلول، وقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب} ولو كان تعالى جسما لكان قربه حلولا واتحادا بمخلوقاته من سائر الأجسام حاشاه سبحانه من هذا الكفر ولا يبقى لنا سوى تنزيهه سبحانه عن الجسمية وهو الصحيح الذي لا مناص من اعتقاده.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: أنّ الجسم هو ما يشتمل على الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق، وعند إضافة البعد الزماني إلى الأبعاد الثلاثة المكانية، يكون الجسم مقهورا بالمكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، وهو ملازم للتركيب لا مفر له عن التركيب، والمركّب محتاج إلى أجزائه، والمحتاج ممكن الوجود لا واجبه، والممكن لا يكون إلها خالقا مدبّرا تنتهي إليه سلسلة الموجودات، وبالتالي يتقدس الله عن الجسمية، ومن أدلة التقديس عن الجسمية كذلك: أنّ كل جسم محتاج إلى الحيّز والمحل، والمحتاج إلى غيره ممكن لا واجب، والممكن لا يكون إلها، لأنّ الإله واجب الوجود لذاته، فوجب تقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازمها التي لا انفكاك للجسمية عنها.
[المفتاح السادس]: تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية: معناه تنزيه الله عن الصور والاشكال لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق.
(جناب الذات الإلهي) مقدس عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، و (الصور) لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور {ليس كمثله شيء}، و (الصورة) تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، وسيأتي في المفاتيح: حل الإشكالات المتعلقة بالصورة في (مبحث) تحقيق القول في حديث: (خلق الله آدم على صورته) ([2]) والرد على شبه المجسمة المتعلقة به، ما يدل على انّ المقصود بالصورة هو الصفة، والعرب تقول ما صورة الامر ويقصدون صفته.
[المفتاح السابع]: أكابر علماء الامة ينفون عن الله تعالى الجسمية ولوازم الجسمية:
- جاء في عقيدة الإمام أحمد بن حنبل: ” بسم الله الرحمن الرحيم، نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل: أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الطباخ البغدادي رحمه الله في الدنيا والآخرة إجازة قال حدثنا شيخنا الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن محمد بن علي البغدادي بها قال أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال أخبرنا عمي أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي بجميع هذا الاعتقاد وقال جملة اعتقاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه والذي كان يذهب إليه مجمل الاعتقاد …لا يجوز أن يسمى جسما، وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل ” ([3])
- وقال الإمام البيهقي في كتابه مناقب الإمام أحمد: (عن رئيس الحنابلة وابن رئيسها أبي الفضل أبي الفضل التميمي أنه قال: أنكر أحمد على من قال بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف، والله تعالى خارج عن ذلك كله، فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية، ولم يجئ في الشريعة ذاك فبطل) أهـ ([4]) .
- وقال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ” أهـ ([5]) .
- قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لحديث الرؤية: ” مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ” أهـ ([6]) .
- قال الحافظ بن عبد البر رحمه الله: ” قد قال الله عز وجل وجاء ربك والملك صفا صفا وليس مجيئه حركة ولا زوالا ولا انتقالا لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقلة ولو اعتبرت ذلك بقولهم جاءت فلانا قيامته وجاءه الموت وجاءه المرض وشبه ذلك مما هو موجود نازل به ولا مجيء لبان لك وبالله العصمة والتوفيق ” أهـ ([7]) .
- وقال الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في زاد المسير: ” ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة لأن ذلك يختص بالأجسام والله منزه عن ذلك ” أهـ ([8]) .
- وقال الإمام القرطبي رحمه الله: ” اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك ” أهـ ([9]) .
- وقال القاضي بن جماعة في إيضاح الدليل ” ” واتفق السلف وأهل التأويل على أن ما لا يليق من ذلك بجلال الرب تعالى غير مراد كالقعود والاعتدال واختلفوا في تعيين ما يليق بجلاله من المعاني المحتملة كالقصد والاستيلاء فسكت السلف عنه وأوله المؤولون على الاستيلاء والقهر لتعالي الرب عن سمات الأجسام من الحاجة إلى الحيز والمكان وكذلك لا يوصف بحركة أو سكون أو اجتماع وافتراق لأن ذلك كله من سمات المحدثات وعروض الأعراض والرب تعالى مقدس عنه ” أهـ ([10]) .
- وقال حافظ الدنيا الإمام ابن حجر رحمه الله: ” ” قال البيهقي صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول وعروج الملائكة هو الى منازلهم في السماء.. وقال بن بطال غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر وقد تقرر ان الله ليس بجسم فلا يحتاج الى مكان يستقر فيه فقد كان ولا مكان وانما أضاف المعارج اليه إضافة تشريف ومعنى الارتفاع اليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان انتهى “([11])
[المفتاح الثامن]: تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية معناه تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: فالله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث، فليس بمركب.
ومن الأدلة النقلية المجملة على تنزيه الله تعالى عن الجوارح والأعضاء والأجزاء كثيرة منها: (1) قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض.
(2) وقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، {ولم يكن له كفوا أحد}: نفي للمثلية ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح.
(3) وقوله تعالى: {والله الغنى وأنتم الفقراء} دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه.
(4) وقوله تعالى: {لا إله إلا هو الحي القيوم} والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف، ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً.
(5) وقوله تعالى {ليس كمثله شيء} ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، وأجمع أهل القبلة – عدا المجسمة والمشبهة – على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
([2]) صحيح البخاري 5/335 ح 6227، صحيح مسلم 8/149 ح 2841.
([3]) العقيدة الطحاوية ج: 1/111 .
([4]) مناقب الإمام أحمد للبيهقي ص42
([5]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر 1 /:34- 36.
([6]) شرح صحيح مسلم للنووى 3/ 19-20.
([7]) التمهيد لابن عبد البر 7/137.