مفاتيح علم التقديس المستنبطة من آية الكرسي أعظم آية في القرآن الكريم
[المفتاح الأول]: قال الله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، هذه الآية هي أعظم آية في القرآن، وذلك لما اشتملت عليه من معاني التوحيد والتقديس والتنزيه، ونفي النقائص عنه، ولما اشتملت عليه من الأسماء الحسنى والصفات العلا، وهي تضم الكلمة الحسنى وكلمة التقوى شهادة التوحيد: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}، وهي تضم خمسة أسماء جليلة من أسمائه تعالى منها اسم الله الأعظم، وهي، الله، الحي، القيوم، العلي، العظيم، ولقد تعددت الأحاديث التي تذكر فضائل آية الكرسي وفضائل قراءتها، وورد ذكر فضائل عظيمة على مداومة قراءتها دبر كل صلاة مكتوبة، ففي صحيح مسلم عن أبي بن كعب قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، قال: فضرب في صدري، وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر) ([1]) قال النووي: (قال العلماء: إنما تميزت آية الكرسي بكونها أعظم لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الإلهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة، وهذه السبعة أصول الأسماء والصفات)([2])
[المفتاح الثاني]:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}: {الله} عَلَمٌ على الذات، وهو الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا، وهو الاصل وكل الأسماء تابعة إليه على سبيل الوصف، قال الإمام الغزالي: (اعلم أن هذا الاسم أعظم أسماء الله عز وجل التسعة والتسعين لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها حتى لا يشذ منها شيء وسائر الأسماء لا يدل آحادها إلا على آحاد المعاني من علم أو قدرة أو فعل أو غيره ولأنه أخص الأسماء إذ لا يطلقه أحد على غيره لا حقيقة ولا مجازا وسائر الأسماء قد يسمى به غيره كالقادر والعليم والرحيم وغيره فلهذين الوجهين يشبه أن يكون هذا الاسم أعظم هذه الأسماء) أهـ،([3]) .
ومن خصائصُ اسم الله تعالى (الله) – كما ذكر الإمام الرازي – أنَّه اسمٌ علمٌ، وليس مشتقًّا كسائر الأسماء المشتقَّة من الأفعال والصِّفات، كالرحمن من الرحمة والعزيز من العزة، وأنَّه اسمٌ لم يطلق على غير الله تعالى، إذ قبض الله الألسنةَ عن التَّسَمِّي به، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وأنَّه الأصلُ في أسماء الله، وسائر الأسماء مضافة إليه، {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}، ولا ينسب هو إلى شيء منها، مثالُ ذلك يقال: العزيزُ من أسماء الله، ولا يقالُ: اللهُ من أسماء العزيز، وأنَّه دالٌّ على جميع الأسماء الحسنى، ومن خاصية الاسم أنَّ الألفَ واللامَ من بنية هذا الاسم ولم تدخل عليه للتعريف عنه، والدليلُ أنَّها تبقى مع دخول حروف النداء (يا الله)، وحروفُ النداء لا تَجْتَمع مع ألف لام التعريف، فَتَسْقُط، كما في بقية الأسماء (يا رحمن)، حيث لا يُقال: (يا الرحمن). وقيل: بل إن عدمَ سقوط (أل) التعريف عنه دليلٌ على أنَّ هذه المعرفةَ أبديةٌ لا تَزول، ولعظم شَرَفه يَرْفَعُه اللهُ من الأرض في آخر الزمان إذا قبض روح المؤمنين،([4]) . قال صلى الله عليه وسلم: (لا تَقُومُ الساعةُ عَلى أَحد يَقُولُ اللهُ الله) ([5]) كما اختصَّ اسم الله تعالى (الله) بالأذان والتَّكْبير في الصلاة، كما اختص في القسم بحالة لا تكون لغيره من الأسماء: تالله، أيمن الله، كما أنَّ أحبَّ الأسماء إلى الله “عبد الله” و”عبد الرحمن”، كما جاء في الحديث. ([6])
[المفتاح الثالث]: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}: يتضمن هذا الجزء أعظم صفة لله تعالى وهي الألوهية الحقة، فالله هو الإله الحق الذي يستحق العبودية والخضوع التام، لأنه هو خالق كل شيء والقادر على كل شيء، وكل شيء تحت تصرفه وسلطته وإرادته ومشيئته، وكل المخلوقات خاضعة له طوعا أو كرها، وليس هناك في اللغة العربية كلمة تصلح للاعتراف بوجود المعبود الحق المستحق لإفراد العبودية له، والاعتراف بوجود الرب الخالق القادر المدبر المتصرف المهيمن، والاعتراف بوجود الإله الذي له الكمال المطلق في كل شيء المنزه عن المثيل والند والشريك سوى كلمة (الإله)، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد (لا إله إلا الله) شيء سواها، وهي الشهادة الجامعة للتوحيد بكافة أقسامه، توحيد الذات والصفات والأفعال والربوبية والعبودية، وهذا التوحيد هو شهادة الله تعالى لنفسه، وهو شهادة الملائكة وأولي العلم لله كما في قوله تعالى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]، وهو الذي كلف الله تعالى به رسله كما في قوله تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19]، وقوله تعالى {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، وقوله تعالى {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، وما أرسلت الرسل إلا بهذا التوحيد كما في قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الْأَنْبياء: 25] وقوله تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36]، وما خلق الله تعالى الجن والإنس لا لتحقيق هذا التوحيد كما في قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، أي إنّ خلق الإنس والجنَّ ما جاء إلَّا لتوحيد الله بتوجيه العبادات له وحده، وهذا التوحيد هو أمر الله تعالى لعباده جميعا كما في قوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].
[المفتاح الرابع]: {إِلَّا هُوَ} {هو} ليس بضمير يعود على الغائب في حق الله تعالى، لأن الله تعالى ليس بغائب قال تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ} [الحديد:4]، ولكنه اسم يشير إلى جناب الذات تعالى وتقدس، حتى قال بعض المحققين هو الاسم الأعظم لأنه الاسم الموصل إلى الذات، وسائر الأسماء توصل إلى الصفات.
قال الإمام الرازي في ” شرح أسماء الله الحسنى” (اعلم أن هذا الاسم [هو] في غاية الشرف والجلالة في حق الله سبحانه وتعالى لأن الأسماء المشتقة دالة على الصفات، والصفات لا تعرف إلا بالإضافة إلى المخلوقات، فالقدرة هي الصفة التي يصح باعتبارها الإيجاد، والعلم هو الصفة التي يصح باعتبارها الإحكام والاتقان في الأفعال، فهذه الأسماء مشتقة لا يمكن معرفتها إلا مع معرفة المخلوقات .. أما لفظ (هو) يدل عليه من حيث هو (هو) ولا حاجة في معرفته إلى الالتفات إلى غيره فكان لفظ (هو) أشرف، والأسماء المشتقة دالة على صفات ولفظ (هو) دال على الموصوف والموصوف أشرف من الصفة لذلك قال المحققون أن ذاته ما كملت بالصفات بل ذاته لغاية الكمال استلزمت صفات الكمال، فلفظ (هو) يوصلك إلى الذات وسائر الألفاظ توصلك إلى الصفات) أهـ ([7]) .
ولله دره فإنّ {هو} يشير إلى جناب الذات تعالى وتقدس، بضمير الغائب لأنه الغيب المطلق، غيب الغيوب الذي لا يدرك، لأنه فوق الحدود.
[المفتاح الخامس]: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ}: اسمان جليلان من أسماء الله الحسنى حتى قيل في اقترانهما أنهما الاسم الأعظم لله، {الحي} سبحانه هو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت، له سبحانه كمال الحياة، حياةً أزليةً أبديةً، لم يسبقها عدم وليس بعدها فناء، كمال الحياة المستلزم لكمال الصِّفات من العلم والقدرة والسَّمْع والبَصَر والكلام وغيرها من صفات الله، وكمال الحياة المستلزم لكمال الأفعال من الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فالحي الكامل المطلق هو الله يندرج تحت إدراكه جميع المدركات ويندرج تحت فعله جميع الموجودات لا يشذ عن علمه مدرك ولا عن فعله مفعول، وكل حي سواه فحياته بقدر ما منّ عليه الحي المطلق سبحانه من علامات الإدراك والفعل، حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت والفناء، كما قال تعالى في هذه الآية: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 255].
و{القيوم} هو القائمُ بنفسه المقيمُ لغيره المستغني عن كل ما سواه من جميع مخلوقاته، و (القيوم) هو الذي قامت به السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات، و (القيوم) هو القائم على كل نفس يدبر أمرها ويحفظها ويحاسبها ويجازيها، كما في قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33]، و (القيوم) مبالغة في القيام بحاجات خلقه، وكل موجود سواه فهو من خلقه محتاج إليه، والكل محفوف بعنايته ومحفوظ بحفظه، رب كل شيء وهو رب العرش العظيم، ويظن الجهلاء بما لله تعالى من حقوق التقديس، أنّ الاستواء معناه الجلوس على العرش وأنّ العرش يحمله – سبحانه – وأنّ للعرش أطيط من ثقل الرحمن، وهذا جهل عظيم بما لله من حقوق التقديس، فإن القيوم له كمال الغنى، لا يحتاج إلى شيء يحمله، ومهما بلغ اتساع العرش وكبره وعظمته وسعته، فالله هو الكبير المتعال وهو أكبر من كل كبير، والله هو الواسع فوق كل واسع، والله بكل شيء محيط، فأنى للعرش المخلوق المربوب أن يحمل الخالق القيوم، وأنى للمحدود أن يحوي الذي تعالى عن الحدود، بل العرش محمول بقدرة الله، هو ربه وخالقه، كما قال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}
[المفتاح السادس]: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ} له الحياة الكاملة والقيومية التامة، قدوس منزه عن كل نقص أو عجز أو عيب، وقوله تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ} أصل في التقديس والتنزيه، فكما أنّنا بها ننفي عن الله النوم والنعاس، يجب علينا أن ننفي عنه سائر صفات النقص والعجز والعيب والحاجة، فإذا كان الحد نقص نزهنا الله تعالى عنه لأنّه فوق الحدود والمقادير وهو الذي قدرها وحدها وجعلها علامة على نقص المخلوق وعجزه، وإذا كان الكون في المكان نقص نزهنا الله تعالى عنه، لأنّ ذلك معناه أن المكان أكبر من شاغله، وأنّ المكان محيط بمن فيه، وأنّ المكان مستغن عن الذي فيه ومن فيه محتاج إليه لوجود ذاته فيه، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان، والله تعالى هو الكبير المتعال وهو بكل شيء محيط، وهو خالق المكان، وهو القيوم عليه وعلى من فيه، فوجب تنزيه الله تعالى عن الكون في المكان، وإذا كانت الجسمية صفة نقص قدسنا الله عنها، لأنها تعني الحد والمقدار – إذ كل جسم محدود مقدر -، وتعني الكون في المكان وتعني تجمع الأبعاض وتألف الأجزاء، وتعني الحاجة إلى جميع أجزائه، فوجب تنزيه الله تعالى عن الجسمية لأنّه خالق المكان المنزه عن الكون فيه، ولأنّه الأحد المنزه عن الأبعاض والأجزاء، ولأنّه القيوم المنزه عن الحاجة، والجسم محتاج إلى أجزائه وأبعاضه، وإذا كان التقيد بالزمان عجز ونقص، قدسنا الله عن جريان الزمان، لأنّ الزمان يصير حاكما على من تقيد به، فإن التنزيه عن الزمان لازم للملك القدوس خالق الزمان فلا يجري عليه الزمان.
ومن فقه العلم بالآية: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ}: نستفيد أنه يستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو الحاجة أو المشابهة للمخلوقات، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، ويستحيل عليه الحد والمقدار، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم، ويستحيل عليه العجز والضعف، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد، ويستحيل عليه السنة والنوم، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان،، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق، ويستحيل عليه التغير والحدوث لأنها صفات نقص وعجز تضاد القدم والبقاء وتناقض معاني الأولية بلا ابتداء والأخروية بلا انتهاء، وكذلك فإن المتغير إن تغير إلى كمال كان قبل الكمال ناقصاً، وهذا تنزه الله تعالى عنه، وإن تغير إلى نقص كان عجزاً يتنزه الله تعالى عنه، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق الدالة على نقصه وعجزه، لأنّه إن حل به كمال كان قبل الكمال ناقصا وإن حل به نقص كان عاجزا عن دفع النقص، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه الفناء والله تعالى هو الحي الباقي كل شيء هالك إلا وجهه.
ومن ذلك التقديس نفي الحلول، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات قبل الفناء لأنّ الفناء صفة المحدثات، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه، وقد اجمع علماء العقيدة من أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول، ومن ذلك التقديس نفي الجوارح والابعاض ونفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية والصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها، ليس كمثله شيء لا تحيط بكنه ذاته الأفهام ولا تبلغه الأوهام.
[المفتاح السابع]: {لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}: الكل خلقه والكل ملكه والكل مربوب بتدبيره وتصريفه وحفظه ورعايته، لا يشذ عن ذلك شيء، هو الملك المالك لكلِّ ذلك، كل شيء تحت تصرفه هو مالك الملك له ما في السماوات وما في الأرض، فمن تجليات قيومية الله تعالى واقتداره على تدبير خلقه أنه المالك للسماوات والأرض وما فيهن يدبرها بحكمته وعلمه وقدرته وعنايته، بلا كلل ولا ملل، ولا يشاركه في ذلك أحد، وهو الغني عن الشركاء، فهو رب العالمين ومالكها.
[المفتاح الثامن]: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}: له كمال الربوبية والإلهية، لا يشفع عنده أحدٌ إلا بإذنه، حتى الملائكة الأطهار الذين لا يعصون الله تعالى ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرن، هؤلاء، قال عنهم سبحانه: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28].
[المفتاح التاسع]: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}: العلم صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى، متعلقة بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات على وجه الاحاطة على ما هي به من غير سبق خفاء، وهي صفة أزلية يعلم بها ما كان وما يكون وما لم يكن كيف كان لو انه يكون، عالم بكل شيء، عليم بذات الصدور، لا تخفى عليه خافية، وعلم الله تعالى ذاتي لا يستفاد من المعلومات، وعلم الله تعالى قديم كامل مقدس عن تجدد المعلومات، وصفة العلم صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا، لا يغيب عنه أي معلوم، وهو بكل شيء عليم، يعلم سبحانه تفاصيل الامور، ودقائق الاشياء، وخفايا الضمائر، والنفوس، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة.
فعلمه يحيط بجميع الاشياء، أحاط بكل شيء علما ظاهره وباطنه دقيقه وجليله أوله وآخره عاقبته وفاتحته، ولما كان كل شيء يصلح أن يكون معلومًا تعلق علمه بكل شيء، فعلمه سبحانه له عموم التعلق: يتعلق بالخالق، والمخلوق، والموجود، والمعدوم، وعلم الله تعالى واحد لا يتعدد، وإنما التعدد من حيث تعلق العلم بالمعلومات، وهي لا نهاية لها ثم يكون العلم في ذاته من حيث الوضوح والكشف على أتم ما يمكن فيه بحيث لا يتصور مشاهدة وكشف أظهر منه ثم لا يكون مستفادا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة منه.
وعلمه سبحانه لا يجري عليه زمان فكل المعلومات الماضية والحاضرة والمستقبلة منكشفة على علمه الواسع المحيط الذي لا يجري عليه زمان، وإنما التعلق بالزمان في علومنا لأننا مقهورون بالزمان يجري علينا بماضيه وحاضره ومستقبله، أما خالق الزمان فلا يجري عليه زمان ولا يكون الزمان فاعلا في علمه القديم ولا سمعه القديم ولا بصره القديم ولا كلامه القديم، فالعلم قديم كامل لا يقبل التغير ولا يجري عليه زمان، فلا يتعدد بتعدد المعلومات، والمعلومات مخلوقة حادثة تتعلق بالزمان، ويجري عليها الزمان وتقبل التعدد والتغير والحدوث، والقاعدة أنّ كل ما تعلق بالقديم قديم لا يقبل التغير والحدوث، وما تعلق بالمخلوق حادث يقبل التعدد والحدوث، والله تعالى قد أحاط بكل شيء علما، ليس كمثل ذاته ذات ولا كمثل صفاته صفات، وهو بكل شيء عليم.
[ المفتاح العاشر]: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}: فلا تُحيط الخلائق بشيء من علمه إلا بما شاء، له العلم الكامل الأزلي القديم فلا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، ولا يحيطون به علماً لأنّه الذي لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا تبلغه الظنون والخيالات، ولا يمكن للخلائق أن يدركوا حقيقة ذات الرب تعالى وتقدس، قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} .
[المفتاح الحادي عشر]: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ}: هذا اشارة إلى سعة ملك الله وعظيم كونه، فإن الكرسيُّ خلق كبير عظيم خلقه الله تعالى يسع السماوات والأرض، لحديث أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما السمواتُ السبعُ في الكرسيِّ إلا كحَلْقةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وفضلُ العرشِ على الكرسيِّ كفضلِ تلك الفلاةِ على تلك الحلْقةِ) ([8])
وقد نقل المفسرون عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعن سعيد بن جبير أنّ المراد بالكرسي في الآية هو (العلم)، وممن رجح ذلك التفسير الطبري والقرطبي وغيرهما، واستدلوا له بتكملة الآية: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}، وهذا لا يمنع من وجود الكرسي الذي هو خلق عظيم من خلق الله تعالى، ونسبة السموات السبع إليه كنسبة الحلقة الملقاة في الصحراء([9])
[المفتاح الثاني عشر]: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}: أي لا يصعب عليه حفظ السموات والأرض ولا ما فيهما ولا ما بينهما، لأنّ الله عز وجل له القدرة التامة، لا شيء صعب عليه، لا يعجزه شيء، وهو على كل شيء قدير.
و(صفة القدرة): هي في حق الله عزّ وجلّ صفةٌ ذاتيةٌ وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى، يتأتّى بها إيجاد الممكن وإعدامه، وهي تتعلّق بالممكن ولا تتعلّق بالواجب والمستحيل، لأنها لو تعلّقت بالواجب في حق الله تعالى لإيجاده فهو موجود وجوباً، ولو تعلقت بالواجب في حق الله تعالى لإعدامه فهو لا يقبل العدم، والقدرة لا تتعلق بالمستحيل في حقه سبحانه، لأنها لو تعلّقت بالمستحيل لإيجاده فهو لا يقبل الوجود لاستحالة وجوده، ولو تعلقت لإعدامه فهو معدوم أصلاً، والله تعالى على كل شيء قدير، بمعنى إيجاد الممكن – وهو كل ما يتعلق بالمخلوق – وإعدامه.
وقدرة الله تعالى عامة لا يجوز تخصيصها، قال تعالى: {إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20]، ولكن في مجالها المتعلق بجميع الممكنات وجميع المخلوقات، فإن الله تعالى لو شاء أن يجعل العالم كله في حجم البيضة وأقل من ذلك لفعل لأنه على كل شيء قدير.
(قدرة الله) لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى، كمثل شخص يقول: هل يكون الله تعالى قادراً على أن يخلق مثل نفسه ؟، وهذا السؤال مغلوط لا يصح والجواب الصحيح هو أن نقول أن قدرة الله لا تتعلق بإيجاد المستحيل في حق الله تعالى، والشيء المستحيل في حق الله تعالى لا يمكن أن يوجد، لأنه لو خلقه كان مخلوقاً، فلا يكون إلهاً، ولا خالقاً، ومثل ذلك تماماً، زعم النصارى أن لله تعالى الولد، وهذا مستحيل، لأن الولد جزء من أبيه، فالوالد لا يخلق ولده، وإنما هو جزء منه، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل، فلا يكون منه الولد، ولو كان منه الولد – سبحانه – لكان الولد قديماً، مثل أبيه، وكيف يكون قديماً وهو حادث، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 81، 82]، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل.
[المفتاح الثالث عشر]:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}: ختمت هذه الآية الكريمة بذكر اسمين لله تعالى شاملين لكل معاني العلو والعظمة، (العلي) فوق كل شيء من خلقه لا يصل درجته أحد، ولا يشبهه ولا يماثله أحد، وهو مترفع عن كل عيب ونقصان، وهو فوق مخلوقاته بالرتبة المسيطر المهيمن عليها، الذي يتصرف فيها كيف ما شاء، (العظيم) ذو الجلال والمهابة والتقديس والفخامة والعظمة، هو الإله الواحد الحي القيوم الرب المالك القادر المقتدر القاهر العلي العظيم، واسم الله (العلي) مُشْتَقٌّ من العُلُوِّ، فهو العليُّ في ذاته ليس كمثله شيء، له عُلُوُّ القدر، وهو عُلُوُّ صفاته وعظمتُها، فلا يماثله صفةُ مخلوق، وله سبحانه عُلُوُّ القَهْر والغَلَبة: فهو القَهَّارُ الذي قَهَرَ الخَلْقَ كُلَّهم، فَنَواصيهم بيده، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وذلك لكمال اقتداره ونفوذ مشيئته وشدَّة افتقار المخلوقات كلِّها إليه من كُلِّ وَجْه.
وهو سبحانه (الأعلى) الذي له العُلُوُّ المطْلَقُ في ذاته دونَ إضافته إلى موجود من موجوداته، أي لا يقارن بغيره، لأنه الأعلى قبل خلق العرش وهو الأعلى قبل خلق السموات وهو الأعلى لأنّ كُلُّ شيء تحتَ قَهْره وسُلْطانه وعَظَمَته، وهو الأعلى من كل تصور، ليس كمثله شيء، وهو (المتعال) على جميع خلقه وهو المتعال عمَّا نسبه إليه أهلُ الضلال من الصاحبة والولد، وهو المتعال عن صفات النَّقْص والعيب والعجز سبحانه، له العلو الذاتي المطلق قبل خلق مخلوقاته، وقبل خلق العرش والسموات، هو العلي العظيم لم يستفد اسم العلي من نسبته إلى مخلوقاته، وهذا دليل آخر على تقديسه عن المكان، إذ هو العلي قبل خلق المكان، و(العظيم) ذو العظمة، ومعناه عظم شأنه وجلال قَدْره الذي جاوز حدودَ العقل، حتَّى لا تتصوَّر الإحاطة بكنهه وحقيقته، قال تعالى:{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، ولهذه المعاني العظيمة التي تحتوي عليها آية الكرسي كانت أعظم آية في كتاب الله تعالى.
([2]) شرح النووي على صحيح مسلم: ج 6، ص 94.
([3]) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى الغزالي ص 30 و31
([6]) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ، عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ .» صحيح مسلم 3/1682 ح 2132.
([7]) شرح أسماء الله الحسني للرازي………….
([8]) العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني المتوفي (369هـ) 2/569 السلسلة الصحيحة للألباني: ح: 109