مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند دراسة بلاغة القرآن
[المفتاح الأول]: القرآن الكريم كتاب عربي نزل بلسان عربي مبين، قال تعالى: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103]، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 إلى 195]، وقال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44].
فما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز.
وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول: (ومن قدح في المجاز، وهم أن يصفه بغير الصدق، فقد خبط خبطا عظيما) أهـ ([1]) .
وقال الزركشي: (ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن) ([2]) .
وقال السيوطي: (ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها) أهـ ، ([3]) .
وقال الشوكاني: (المجاز واقع في لغة العرب عند جمهور أهل العلم .. وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة) ([4]) .
وقال الجرجاني في دلائل الاعجاز في علم المعاني: (ثم إِنه اتّفاقٌ منَ العقلاء أن الوصف الذي به تَنَاهى القرآنُ إِلى حَدٍّ عَجِزَ عنه المخلوقون هو الفصاحةُ والبلاغة، .. ودَعْ هذا وهَبْ أنه لا يلزمُ شيءٌ منه، فإِنه يكفي في الدَّلالة على سقوطهِ وقلَّةِ تمييز القائل به أن يقتضيَ إِسقاطَ الكناية والاستعارة والتمثيل والمجاز والإيجاز جملة واطِّراحَ جميعها رأساً مع أنها الأقطابُ التي تَدورُ البلاغةُ عليها والأَعضادُ التي تستند الفصاحةُ إِليها.. وهي التي نَوّه بذكرها البُلغاءُ ورفعَ من أقدارها العَلماءُ وصنَّفوا فيها الكتب ولم يتعاطَ أحدٌ من الناس القولَ في الإِعجاز إِلاّ ذكرَها وجعلَها العُمُدَ والأركانَ فيما يوجب الفضلَ والمزية وخصوصاً الاستعارة والإِيجاز، فإِنكَ تراهم يجعلونَهما عنوانَ ما يذكرون وأولَ ما يُوردون وتراهم يذكرونَ من الاستعارة قولَه عزَّ وجل: {واشْتَعَلَ الرأْسُ شيباً} وقولَه: {وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِم العِجْلَ} وقولَه عز و جل: {وآيةٌ لَهُمْ اللّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَار} وقوله عز و جل: {فاصْدَعْ بِمَا تُؤمَرُ} وقولَه: {فلما اسْتَيأسوا منه خَلَصوا نَجيَّاً} وقولَه تعالى: {حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا ؤ وقولَه: {فَما رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ}، ومن الإيجاز قولَه تعالى: {وإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قومٍ خِيانةً فانْبذْ إِليهم عَلى سَوَاءٍ} وقولَه تعالى: {ولا يُنْبِئُك مِثْلُ خَبِيرٍ} وقولَه: {فشرِّدْ بِهم مِنْ خَلْفَهُمْ}، وتراهم على لسانٍ واحدٍ في أن المجازَ والإِيجازَ من الأركانِ في أمرِ الإِعجاز) أهـ([5]) .
[المفتاح الثاني]: القرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها ومن ذلك: (أ) التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]، وقوله تعالى: {الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [ابراهيم: 1]، وقوله تعالى: {رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الطلاق: 11].
(ب) التعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة، كما في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية، كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174].
(ت) التعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما، وهذا كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81]، فسياق الآية يتناول الكفار الذين لا يهتدون، وقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72]، ومعلوم أنّ المقصود بالعمى هو عمى القلب عن سماع الحق ورؤية الحقيقة، وإلا فإنّ الآية لو أخذت على الحقيقة لا المجاز – كما ينكره من به عمى عن رؤية بلاغة اللغة العربية ومجازها – فإنّ كل أعمى البصر في الدنيا فإنه سيكون أعمى في الآخرة وأضل سبيلا، وهذا لا يقول به عاقل، فالآية عبّرت عن الكافر بالأعمى لأنّه لا يرى الهداية ولا يميزها عن الكفر والضلال.
(ث) التعبير عن الكفر الموجب لدخول النار بشفا الحفرة، كما في قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103]، وشفا الجرف الهار، كما في قوله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 109].
(ج) التعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، كما يعبر عن التواضع باللين، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159{.
(ح) التعبير بالأخذ تارة عن الهلاك، وتارة عن القبول والرضا، وتارة عن الجد والاجتهاد في التمسك، فمن التعبير عن الأخذ بالهلاك كما في قوله تعالى: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً} [الحاقة: 10]، وقوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [آل عمران: 11]،، وقوله تعالى: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} [غافر: 5]، ومن التعبير بالأخذ عن الجد والاجتهاد في التمسك، قوله تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12]، وقوله تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 63]، ومن التعبير بالأخذ عن القبول والرضا قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104]، وقوله تعالى: {فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144].
(خ) والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67} [التوبة: 67].
(د) والتعبير بالبسط تارة عن العدوان، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} [المائدة: 11]، وتارة عن الغنى كما في قوله تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26].
(ذ) كما يعبر بالقبض والبسط عن الغنى والفقر، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245} [البقرة: 245]، وقمة البلاغة والمجاز التعبير عن التوسط بالإنفاق في قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29].
(ر) والتعبير عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي غاية السخاء والكرم {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}.
[المفتاح الثالث]: القرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها، ومن ذلك أيضا: التعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]، وقوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [المؤمنون: 27]، وقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر: 13، 14]، والسفينة لا تجري في أعين الله، تعالى الله، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة، وقوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة.
والتعبير عن القهر والقدرة والغلبة والملك بلفظ اليد، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} [الأنفال: 70]، أي في قهركم واستيلائكم، لأنّ الكفار لم يكونوا في أيديهم، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5، 6]، ومعلوم أنّ ملكة اليمين ليست في اليمين ولكنه تعبير مجازي عن ما يملكه الإنسان، ومنه قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك: 1]، أي له القدرة التامة والقهر على عباده وخلقه، والتعبير عن الذات بالوجه، كما في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 ‘ 27]، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، سبحان الله وتعالى عما يصفون.
والتعبير عن الذات باليد، كما في قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]، وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، والمقصود به مطلق ذنوب الناس لا ذنوب اليدين فقط، كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج: 10].
والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، كقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص: 75، 76]، فقوله تعالى (لما خلقت بيدي) أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، ومعنى الآية (لما خلقت بيدي): لا يليق بالخالق أن يحتاج إلى أن يفعل بواسطة، لأن له الأحدية والغني المطلق بذاته منزه عن الأعضاء والاجزاء، فلا ينبغي أن نتشاغل بطلب تعظيم آدم مع الغفلة عما يستحقه البارئ سبحانه من التعظيم بإثبات الأحدية {قل هو الله أحد} ونفي المثلية {ليس كمثله شيء} وذلك بنفي الأجزاء و الأبعاض والجوارح، ونفي المماثلة في الأفعال بمس الطين ومعالجته حتى ظن بعض الجهلاء بما يجوز وما لا يجوز في حق الله تعالى أن الله تعالى مس طينة آدم بيد هي بعض ذاته، والمس قرين الاتحاد والحلول فما يقبل المس يقبلهما، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا، والحاصل أنّ المتشابه كاليد والوجه والعين ونحو ذلك ظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى.
***