مفاتيح معرفة مناهج السلف الكرام عند رد متشابهات القرآن إلى محكمات القرآن
[المفتاح الأول]: عصور السلف هي عصور القدوة المثلى لأهل الحق في باب العقيدة.
فقد ثبت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الفرقة الناجية من أمة الإسلام هي تلك التي تتمثل بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، فقد أخرج الترمذي وحسنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([1]) .
وأهل السنة والجماعة يعتبرون عصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم هو العصر الأمثل الذي ينبغي أن يقتدوا به ويتأسون بهديه، ويسيرون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم في كافة عرى الدين وجوانبه، وخير من سار على هدى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم هم التابعون وتابعوا التابعون رحمهم الله تعالى، ولذلك وقد جاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تصف هذه القرون الثلاثة بالخيرية العامة منها قوله صلى الله عليه وسلم: (خير أمتي قومي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ) ([2]) . وقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل أي الناس خير ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (القرن الذي بعثت فيه ثم الثاني ثم الثالث) ([3]) .
فهذه الأحاديث الكريمة تبين المدى الزمني والعمق المنهجي الذي ينبغي أن يتأسى به أهل السنة والجماعة في كافة جوانب دينهم، وإن من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي، فظهرت مدارس التخصص العلمي في شتى مجالات العلم ببركة اتباع أئمة السلف الكرام من الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم، ففي القرون التالية لعصور السلف ظهر التخصص في الحديث وكان من ثمرته أن حُفظت السنّة متمثلة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وعير ذلك من كتب السنن والمسانيد، وظهر التخصص في الفقه وكان من ثمرته أن دون الفقه وظهرت المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها مما يعد مفخرة أهل السنّة والجماعة في حفظ الشريعة.
ثم انتشرت البدع واحتاج الناس إلى انتصاب العلماء للرد عليها، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة وتفنيد أخطائهم، وتطهير عقائد المسلمين من بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة وغيرهم.
وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، وهي المدرسة الأثرية وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة الأشعرية وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة الماتريدية وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف.
[المفتاح الثاني]: المتشابهات التي حذر القرآن الكريم من تتبعها وجمعها واتباعها:
(أ) الدليل على وجود المحكم والمتشابه: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8.
(ب) خطورة ترك المحكم والاشتغال بالمتشابه: قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ}، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) ([4]). .
(ت) ماهي دائرة المتشابه: في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم، وعلى ذلك فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال.
(ث) من الذي يعلم المتشابه: قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة {الله} من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، قال: لا يعلم المتشابه إلا الله وحده، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ (أي المتشابه) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (أي المحكم والمتشابه) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} قال: إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين. ([5])
(ج) خلاصة القول في المتشابه: من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، وذلك لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس له مثال يُقاس عليه، وكل ما يحكم البشر والخلق من قوانين ونواميس فهي من خلق الله تعالى ووضعه، ومحال أن تسري هذه النواميس والقوانين على الله تعالى خالقها وخالق كل شيء، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه، وحمله ما أمكن على محكمه، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص، وحمل المتشابه على المحكم، ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على: لفظ الجلالة (الله) أو بالوقف على: (الراسخون في العلم)، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد والاستنباط.
(ح) آيات الصفات الخبرية التي توهم النقص من المتشابه وليست من المحكم: آيات الصفات عموما منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه، وهناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث إلى ذات الله تعالى وصفاته: فمن المحكم – على سبيل المثال – (صفة العلم) وهي صفة كمال من كل وجه، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى، و (صفة القدرة) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها (العجز)، وهو مستحيل على جناب الله تعالى، وما أكثر الصفات المحكمة التي تدل على وجوه الكمال والجلال والإكرام لله تعالى، كما أنّ جميع الأسماء الحسنى الثابتة في حق الله تعالى فهي تدل على صفات محكمة لله تعالى، أما المتشابهات فهي (الأخبار) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ولا يوحي إثباتها بإثبات الكمال من كل الوجوه، وتلك المتشابهات أقسام: فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى كالوجه والعين واليد، والله أحد له الأحدية المطلقة فيستحيل عليه قبول الأجزاء، فلابد من ردها إلى محكمها حتى لا تزيغ العقيدة، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء، والله تعالى قديم منزه عن الحدوث فيستحيل عليه قبول الحوادث والتغير من حال إلى حال، فهذه من المتشابه.
[المفتاح الثالث]: مناهج السلف الصالح في المتشابهات منهجان صحيحان:
للسلف الصالح في معاملة المتشابهات منهجان صحيحان واضحان: (المنهج الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات إلى علم الله، و(المنهج الثاني) حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، ولأهمية المنهجين أفرد لكل واحد منهما مفتاح يشمل أدلته من أقوال السلف الصالح، منهج السلف الصالح في المتشابهات.
للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، منهجان صحيحان:
المنهج الأول:هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات،لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله.
والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، والآية الكريمة في سورة آل عمران، {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].
الوقف محتمل عند قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، والواو من قوله تعالى {والراسخون}، واو الابتداء، وهذا يمثل المنهج الأول للسلف.
والوقف محتمل أيضا عند قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، فحرف الواو في قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ}، واو العطف، وقوله تعالى: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}، على الابتداء بعد الوقف أي انهم يعلمون التأويل ويفوضون حقائق التأويل إلى علم الله وانه كله -المحكم والمتشابه- من عند الله،، المحكم لنعمل به والمتشابه اختبار من الله للمؤمنين، فالصادقين في الإيمان يفوضون علمه إلى الله والذين في قلوبهم زيغ ومرض وشك ييتبعون المتشابه فيهلكون، وهنا تظهر قيمة العلم والعلماء فيردون المتشابه إلى امه من المحكم فيظهر المعنى المراد، وتزول الفتنة وينعدم الزيغ، وهذا يمثل المنهج الثاني للسلف وهو مذهب حبر الامة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
وغالب من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه:
فمن قال: أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة {الله} من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، قال: لا يعلم المتشابه إلا الله وحده، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ (أي المتشابه) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (أي المحكم والمتشابه) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله.
ومن قال: أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} قال: إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين([6]) .
والامر قريب جدا، فمن المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، وذلك لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس له مثال يُقاس عليه، وكل ما يحكم البشر والخلق من قوانين ونواميس فهي من خلق الله تعالى ووضعه، ومحال أن تسري هذه النواميس والقوانين على الله تعالى خالقها وخالق كل شيء، فلا يكون في مكان، ولا يحيط به مكان ولا يسري عليه زمان، ولا ينتقل من مكان إلى آخر، لأنه محال أن يحل في شيء من مخلوقاته ومن مخلوقاته الزمان والمكان والحركة والسكون، وهو بكل شيء محيط وهو من كل شيء قريب وهو على كل شيء قدير، ليس كمثله شيء، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه، وحمله ما أمكن على محكمه، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده. ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص، وحمل المتشابه على المحكم، ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله.
ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على: لفظ الجلالة (الله) أو بالوقف على: (الراسخون في العلم)، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد والاستنباط، ومنه نعلم أيضا جمال التشريع واعجاز القرآن في تعدد المذاهب الصحيحة وفق معايير الوقف والوصل في القرآن الكريم، ولا يقول قائل بأن القول الأول هو الصحيح او القول الثاني هو الصحيح، لأن الوقف محتمل أراد الله في كتابه ان يكون محتملا، ولأنّه قال بالقول الأول: وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم كثير من التابعين، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله، وقال بالقول الثاني: عمالقة الفهم في القرآن منهم ترجمان القرآن عبد الله ابن مسعود واعلم الناس بالقرآن أبي بن كعب وحبر القرآن عبد الله ابن عباس وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وكفى بها من أعلم الناس بالقرآن، وهو أيضا قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم كثير من التابعين.
والحاصل: هو صحة المذهبين عن السلف، المذهب الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله، والمذهب الثاني: حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ.
[المفتاح الرابع]: المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات: وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال.
ومذهب السلف الأول فيها: أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة، – حاش لله من هذا الظن السيئ بهم – بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس.
ومما يدل على مدى حرصهم الشديد على هذا المنهج: مقالاتهم التي نُقلت عنهم والتي تتركز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، وقولهم: ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله، وقولهم: أمروا الأحاديث كما جاءت، وقولهم: كانوا لا يفسرون شيئا، وقولهم: قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره، وقولهم: فتفسيره تلاوته والسكوت عليه، وقولهم: فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها، وقولهم: كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا: ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت، وقولهم: وما يعلم تأويله إلا الله، وقولهم: كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه، وقولهم: نكل علمه إلى الله، وقولهم: ونفوض علمه إلى الله، وقولهم: هذا من متشابه القرآن الذي نؤمن به ولا نتعرض لمعناه، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: المذهب في هذا وأمثاله السكوت عن الخوض في معناه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض معناها إلى الله، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، وقولهم: نكل علمه إلى الله تعالى، وقولهم: والسؤال عنه بدعة، وقولهم: من تكلم في معناها فقد ابتدع، (قلت): وهذه العبارات الممتلئة علماً وورعاً تدل على مدى حذر السلف من الخوض في المتشابه حذراً من قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7].
وفي بيان دقة هذا المنهج وتورعه وبيان أهم الأسس والضوابط التي يقوم عليها هذا المنهج العظيم، يقول الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه التفكير الفلسفي في الاسلام:
( نتساءل عن موقف السلف من الصورة واليد والنزول والاستواء وما يجرى مجراها مما ورد في الكتاب والسنه مما يوهم التشبيه ؟
1- إن أول موقف يقفه السلفي من هذه الاخبار: إنما هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها، فإذا سمع كلمة الصورة: مثلا في قوله صلى الله عليه وسلم (إني رأيت ربى في أحسن صوره) فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلق ويراد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفه، مرتبه ترتيبا مخصوصا، مثل الأنف، والعين، والفم، والخد التي هي أجسام، وهى لحوم العظام، وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئه في جسم، كما تقول: صورة هذه المسألة كذا وصورة الواقعة كذا، ولقد صورت للمسألة صوره في غاية الحسن، فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق الله لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذى هو جسم وهيئه، وإن خالق الاجسام ليتنزه عن مشابهتها وصفاتها: وإذا علم هذا يقينا فهو مؤمن، فإن خطر له أنه، عليه الصلاة والسلام، إن لم يرد هذا المعنى الجسم فأي معنى أراد ؟ فينبغي أن يعلم أن ذلك لم يؤمر به، بل أمر بأن لا يخوض فيه فإنه ليس على قدر طاقته، لكن ينبغي أن يعتقد أنه أريد به معنى يليق بجلال الله وعظمته ما ليس بجسم ولا عرض في جسم، وعلى هذا النمط يكون موقفه في بقية ما ورد: كالفوقية والنزول واليد والقدم يجب أن ينفي في كل ذلك المعنى المادي وأن يحدد معنى يخترعه هو.
2- ويجب عليه الايمان والتصديق: وهو أن يعلم قطعا أن هذه الألفاظ أريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته وأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم صادق في وصف الله تعالى به، فليؤمن بذلك وليوقن بأن ما قاله صدق، وما أخبر عنه حق لا ريب فيه ويقول آمنا وصدقنا وأن ما وصف الله، تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذى أراده، وعلى الوجه الذى قاله، وإن كان لا يقف على حقيقته.
3- ويجب أمام هذه الاخبار أن يعترف بالعجز فإن التصديق واجب وهو عن إدراك المعنى عاجز فإن ادعى المعرفة فقد كذب، وأوائل حقائق هذه المعاني بالإضافة الى عوام الخلق كأواخرها بالإضافة الى خواص الخلق.
4- وبالسؤال عن هذه الامور، يتعرض الإنسان لما لا يطيقه وقد ضرب عمر بالدرة من سأله عن المتشابهات ويرى الامام “الغزالي” أنه يحرم على الواعظ على رؤوس المنابر الجواب عن أسئلة المتشابهات وإنما يجب عليهم المبالغة في التقديس، ونفي التشبيه.
5- ولا يجوز تبديل لفظ من الالفاظ المتشابهة بلفظ آخر غير متشابه سواء كان بالعربية أو بالفارسية وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر إبهاما للباطل من البعض، فتفسيرها وترجمتها إذن ممنوعان ولا يجوز النطق إلا بالفظ الوارد.
6- ويجب الاحتراز عن التصرف: فلا تقول في قوله تعالى:(استوى) أنه (مستو) فاسم الفاعل يدل على كون المشتق ممكنا ومستقرا، أما لفظ الفعل فدلالته على هذا المعنى ضعيفة.
7- ولا يجوز الجمع بين هذه الألفاظ المتشابهة في مكان واحد: لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت كثرتها: أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل وكما لا يجوز الجمع بين متفرق لا يجوز التفريق بين مجتمع فإن ما يسبق الكلمة وما يلحقها له تأثير في تفهيم معناها، والله سبحانه وتعالى: لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينه من سابق أو لا حق تدل على زوال الوهم الباطل، فذكر العبودية، عند وصف الله تعالى بالفوقية في قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده}، يدل على أن المراد من تلك الفوقية شيء آخر غير الفوقية المكانية.
8- ولا يقاس على هذه الألفاظ فإذا ورد لفظ اليد فلا يجوز إثبات الساعد أو العضد أو الكف مصيرا الى أن هذا من لوازم اليد كل ذلك محال وكذلك زيادة قد يتجاسر عليها بعض الحمقى.
9- وكما يجب على الانسان إمساك اللسان عن التصرف فإنه يجب عليه كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور: وهذا ثقيل على النفس ولكن من الممكن أن يشغل الانسان نفسه عنه بمختلف أنواع العبادة أو بهواية من الهوايات العلمية أو العملية، ويرى الامام الغزالي أن الاشتغال بلعب أو لهو خير له من الخوض في هذا البحر البعيد غوره العظيم خطره بل لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية ربما كان أسلم له ن أن يخوض في البحث عن معرفة الله تعالى فإن ذلك غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
وأخيرا فإن حاصل هذا المذهب – كما يقول الرازي – هو: أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها الى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها ” أهـــ ([7])
المفتاح الخامس: تطبيقات السلف فيما يتعلق بالمنهج الأول (تفويض المعنى المُراد من المتشابهات) قال الإمام الترمذي رحمه الله في السنن: (قد قال غير واحد من أهل العلم في هذه الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، فإنهم قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم، ولا يقال كيف هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمرُّوها بلا كيف وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة) أهـ([8]).
وجاء في كتاب اعتقاد أهل السنة للحافظ هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي: ” … سمعت شداد بن حكيم يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ” أهـ([9]) .
، وجاء فيه أيضا: “ أخبرنا محمد بن رزق الله قال أخبرنا بن عثمان قال نا عيسى بن موسى بن إسحاق الأنصاري قال سمعت أبي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل) أهـ،([10])
وجاء فيه أيضا: ” سمعت محمد بن الحسن يقول اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له) أهـ([11])
وجاء فيه أيضا: ” أخبرنا أحمد أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا أبو علي الحسن بن يوسف بن يعقوب قال ثنا أبو محمد أحمد بن علي بن زيد الغجدواني قال ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي قال ثنا عمرو بن وهب يقول سمعت شداد بن حكيم، يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ” أهـ([12])
، وجاء فيه أيضا: ” أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القزويني قال ثنا محمد بن أحمد بن منصور القطان قال ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال ثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال ثنا الهيثم بن خارجة قال سمعت الوليد بن مسلم يقول: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا: أمروها بلا كيف ” أهـ([13])
وجاء في طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي: ” وسئل الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله فقال: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه ومن تقصى وفتش وبحث وجد أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والصدر الأول لم يكن دأبهم غير الإمساك عن الخوض في هذه الأمور وترك ذكرها في المشاهد ولم يكونوا يدسونها إلى العوام ولا يتكلمون بها على المنابر ولا يوقعون في قلوب الناس منها هواجس كالحريق المشعل وهذا معلوم بالضرورة من سيرهم” [] أهـ([14])
، وجاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد بن حنبل: (نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل: …… وسئل قبل موته بيوم عن أحاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منها شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير “ أهـ ([15])
[المفتاح السادس]: المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات، وذلك بتفسير النصوص وفق السياق القرآني مع مراعاة السباق واللحاق لتلك الآيات دون التعرض للخوض في جناب الذات، وهو ما اصطلح العلماء على تسميته بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم: والتأويل نوعان:
تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة. وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة، وهذا (تعطيل) وليس تأويل، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة، وهذا (التعطيل) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة.
أما (التأويل الصحيح بضوابطه)، فهذا قد ورد عن السلف الكرام، ومما يدل عليه أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله([16])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([17])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([18])، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي([19])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد([20]) .
فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
ومن تأويلات التابعين: تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله. ([21])، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر. ([22])، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه)، في قوله تعالى (فأينما تولُّوا فثم وجه الله) بقبلة الله ([23])، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى (كلُّ شيء هالك إلا وجهه): أي إلا هو([24])، وتأويل الحسن البصري (المجيء) في قوله تعالى: (وجاء ربك): بمجيء أمره وقضاؤه([25])، وتأويله (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) قال: في طاعة الله. ([26])
ومن تأويلات تابعي التابعين: تأويل سفيان الثوري للاستواء في قوله تعالى (ثم استوي إلى السماء) بالقصد إليها ([27])، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول، بقوله: (ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ([28])
وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى، في قوله تعالى (وجاء ربك) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه ([29])
، ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى (أو يأتى أمر ربك) ومثل هذا في القرآن (وجاء ربك) قال: إنما هو قدرته. ([30])
وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى (كلّ شـئ هالك إلا وجهه) (إلا ملكه) ([31])
وقد تأول الإمام الطبري: (العين) في قوله تعالى (ولتصنع على عيني) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ([32])، وتأول (الاستواء) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته….علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) ([33]) ، وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه، الأول تفويض المعنى المراد منه إلى الله ورسوله، والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز.
([1]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([2]) صحيح البخاري 3/171 ح 2652، صحيح مسلم 4/1963 ح 2533.
([3]) صحيح مسلم 4/1965 ح 2536.
([5]) تفسير القرطبي 4/9 والطبري 5/217 وابن كثير 2/10.
([6]) تفسير القرطبي 4/9 والطبري 5/217 وابن كثير 2/10.
([7]) التفكير الفلسفي في الاسلام صـ 134 الى 144. بتصرف.
([9]) اعتقاد أهل السنة 3 / 433
([14]) طبقات الشافعية الكبرى 9 / 40
([23]) تفسير الطبري 2/449: 450.
([25]) تفسير البغوي1/25و 5/252.
([26]) روح المعاني (تفسير الألوسي) 12/272.
([28]) التمهيد5/155، سير أعلام النبلاء 9/333، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص: 136، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص: 82.