مفاتيح المناهج المعتمدة في نظر علماء اهل السنّة والجماعة عند رد المتشابهات من الصفات الخبرية إلى المحكمات
[المفتاح الأول]: القرآن الكريم فيما يتعلق بصفات الله تعالى توجد نصوص محكمة وأخرى متشابهة، قال تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]، والمحكمة تأتي عادة بأسلوب التأكيد لأنها محكمة لا لبس في إثباتها، تفيد الكمال الواجب لله وتنفي عنه النقص والعيب، وهذه نثبتها لله بكل معاني الكمال، لأنها تفيد ثبوت صفات واجبة لله، ومنها (العلم) كما في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231]، و(القدرة) كما في قوله تعالى: {ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)} [البقرة: 106]، و(السمع والبصر) كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان:28].
وهناك نصوص متشابهة لابد وأن نردها إلى أمهاتها من المحكم، والمحكم هاهنا كل النصوص التي تفيد تنزيه الله تعالى عن كل عيب ونقيصة، والنصوص الواردة بمخالفته تعالى للمحدثات كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4].
[المفتاح الثاني]: النصوص المتشابهات تكون غالبا على ثلاثة أنواع:
(النوع الأول): ما يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، والصور والأشكال، كالوجه واليد والعين والساق، وهذه معارضة بالأحدية والصمدية في سورة الإخلاص المحكمة التي تعدل ثلث القرآن، لأن الأحدية تمنع من قبول الأعضاء والاجزاء والأبعاض والصمدية تمنع من التركيب، ولذلك كانت تلك النصوص متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ. و(النوع الثاني): ما يوهم الجسمية والحد والمكان والتغير والحدوث وحلول الحوادث والحركة والانتقال كالاستواء والنزول والمجيء والاتيان، وهذه معارضة بالقدم الأزلي والتقديس عن المكان والزمان والحد والمقدار.
و(النوع الثالث): ما يوهم التغير والانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك، وهذه معارضة بالقدم الازلي والتقدس عن التغير والحدوث، وعن قبول الحوادث لانّ من قبل الحوادث فهو حادث يستحيل عليه القدم، وهذه في حقيقة الأمر أخبار وليست نصوص، وهذه الاخبار يجب على اهل العلم بالله وتنزيهه وتقديسه نفي ما توهمه من النقص والمماثلة، وما توهمه من الأجزاء والابعاض أو ما توهمه من الحد والمقدار أو ما توهمه من الكون في المكان أو جريان الزمان أو ما توهمه من الحدوث أو قبول الحوادث، ثم بعد هذا النفي، أما أن يكون الامر بتفوض المعنى المراد منها إلى الله تعالى، أو تفسرها بمعان يصح نسبتها إلى الله تعالى وفق شروط التفسير والتأويل والمذهبان معروفان عند السلف وعند اهل التخصص العلمي العقدي من مدارس الاشعرية والماتريدية والاثرية.
[المفتاح الثالث]: تطبيقات أهل السنّة في باب الصفات الخبرية : مثال ذلك: [(الوجه)]: فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم:
(الطريق الأول) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة. (والطريق الثاني) حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات، (والطريق الثالث) تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها (الذي هو الجزء من الذات) مع تنزيه الله تعالى عن النقص، مع الحذر – كل الحذر – من اثبات الوجه على أنه جزء من الذات، فهذا تشبيه، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة، لما فيه من محاذير اثبات للحد والنهاية، واثبات للجزء والبعض والجارحة، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والجارحة ومنزه عن الحد والنهاية، والحذر أيضا من نفي الوجه كصفة لأنه يفتح بابا للاعتزال.
و(المثال الثاني: الاستواء): فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالحد والنهاية لذات الله، وهذا وصف لذات الله تعالى بالنقص، لأنّ الحد يعني النهاية والله تعالى منزه عن النهاية لأنها سمة المخلوق المحدود، وكذلك فإنّ عقيدة المسلمين أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وهو أكبر من الحدود، وكل محدود فإنه يجوز أن يكون ما هو أكبر منه، والله أكبر من كل تصور فوجب أن يكون منزها عن الحدود، كما أنّه الواحد القهار الذي قهر الحدود، وهو الكبير المتعال الذي تعالى عن النهايات، فإثبات الاستواء على معناه الظاهر (الجلوس)، قد يوحي بالمقابلة أو المحايثة بين الخالق والمخلوق وبين الرب والعرش المربوب، وهذا محال لأنّ الله تعالى قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له. فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها:
- إما اثبات (الاستواء) على سبيل الصفة لا سبيل الجلوس والاستقرار.
- وإما حمل الآية على المجاز المراد من الاستواء وهو الهيمنة والربوبية والتدبير.
- وإما تفويض علمه إلى الله، (استواء على مراد الله ومراد رسول الله).
- مع المنع من تفسيره على ظاهره (الذي هو الاستقرار والجلوس على العرش) مع تنزيه الله تعالى عن النقص المتمثل في الحد والنهاية والتكييف كجلوس الملك على كرسي عرشه، مع الحذر من اثبات الاستواء على أنه الجلوس، فهذا تشبيه، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة، ومع الحذر من نفي (الاستواء) كأن يقول: ليس للرحمن صفة الاستواء على العرش، فهذا خروج عن إطار أهل السنّة إلى الاعتزال.
[المفتاح الرابع]: طرق علماء أهل السنّة والجماعة في اثبات الصفات الخبرية: هناك ثلاث مسالك معتمدة عند مدارس أهل السنة والجماعة، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو،وعليه نص الأشاعرة والناتريدية جناحا اهل السنّة والجماعة في باب العقيدة:
المسلك (الاول): طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة – من الألفاظ المتشابهة – من غير تفسير مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه، وامراره على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، مع الجزم والقطع بتنزيه الله تعالى عن مشابهة الخلق ليس كمثله شي.
والمسلك (الثاني): اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة منزهة عن الجارحة والحد والصورة، واثبات الاستواء صفة لله تعالى منزها عن الجلوس والتحيز والحد والجهة الحسية، واثبات الضحك والغضب صفات لله تعالى منزهة عن التغير والحدوث والانفعالات الحسية، وملخصه أنّ الاستواء ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه استوى على العرش كما أخبر بلا كيف، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة، وأن نزوله ليس بنقلة، وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وقوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} وقوله تعالى: {هل تعلم له سميا}.
والمسلك (الثالث): حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها، ومثاله حمل الوجه على الذات، وحمل اليد على مقتضي الآية، ففي قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} تحمل على الكرم والجود والعطاء، وفي قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى: {مما خلقت أيدينا أنعاما}، وقوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد}، وقوله تعالى: {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، وهكذا، وقد تقدم بيان ذلك، وحمل الضحك في حديث (يضحك ربنا) إلى علامة الرضا وإرادة الثواب، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة، وما سوى ذلك فهو ميل إلى الاعتزال مثاله نفي الصفة، كأن يقول (ليس لله استواء) أو يقول (ليس لله وجه)، وفي المقابل ميل إلى الحشو والتشبيه، ومثاله حمل تلك المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها، فيقولون الوجه جزء من الذات، والاستواء صفة فعلية للذات على العرش، والضحك تغير في الذات، وانّ الوجه واليد والعين والساق صفات عينية.
[المفتاح الخامس]:آراء أهل السنّة والجماعة في المتشابهات كما ذكرنا ثلاثة، والفرق بين هذه الآراء:
أن الرأي الأول: يعامل الآيات والأحاديث على أنها من المتشابه فلا يجزم بانه صفات أو أخبار، فلا يفسر ولا يخوض ويرويها كما جاءت على مراد الله ومراد رسوله، مع التقديس المطلق لله عن مشابهة خلقه.
والرأي الثاني: يعامل الآيات والأحاديث على أنها تدل على صفات منزهة عن مشابهة المخلوقين ومنزهة عن المستحيلات في حق الله تعالى.
والرأي الثالث يعاملها على انها أخبار تحمل معاني محكمة وأخرى متشابهة فيتم حمل المتشابه على المحكم عملاً بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} فيفسرون الآية او الحديث بما سيق لأجله دون التعرض لمتشابه أو حمل المتشابه على المحكم، فمثلاً حديث النزول سيق لبيان فضل الثلث الآخر وليس لبيان كيفية النزول، فنفسره بذلك، ولا نتعرض للنزول، أو نجعل المقصود من النزول هو نزول الرحمة وقبول الدعاء، مع عدم نفي خبر النزول.
وبهذه الاقوال الثلاثة أقرّت وقَبِلت وأيدت مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة وهي مدارس الاثرية والأشعرية والماتريدبة، وقالوا يجوز لكل مسلم أن يسلك أحد تلك المسالك الجائزة ولا تثريب عليه بها، وإنما الخلل لمن مال إلى المشبهة والمجسمة وأبى إلا الظاهر المتبادر إلى الذهن مع رفضه التنزيه، أو مال إلى المعتزلة وغامر ونفى ما جاء نصا في الكتاب والسنة الصحيحة بحجة التنزيه.
[المفتاح السادس]: الفقهاء الراسخون في العلم والفقه دائما يمزجون بين هذه المسالك الثلاث، فيعاملون اللفظة المتشابهة برد علمها إلى الله ورسوله، ويعاملون الآية أو الحديث الصحيح ككل وفق السياق والسباق واللحاق وفهم المغزى من سياق الآية او الحديث، ومثال ذلك: قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}، الكلمة: {وَجْهَهُ} على مراد الله ورسوله بلا تفسير ولا خوض في جناب الذات، أو نقول أنها صفة مقدسة عن الجارحة، والجملة {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي يريدون رضاه، فاللفظة (الوجه) من المتشابه الذي علمه عند الله لأن الوجه في اللغة جزء من ذات وذات الله تعالى له الأحدية مقدس عن الجوارح والأجزاء والأبعاض، أما الجملة {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} معروف معناها، يريدون رضا الله، وهكذا تًحل جميع المعضلات في هذا الباب، لولا جهل البعض بما هو المتشابه وما هو المحكم، وكيف يُرد المتشابه إلى امهاته من المحكم.
[المفتاح السابع]: بعض متسلفة اليوم ليسوا على أي طريقة من طرق السلف والخلف المعتمدة، وذلك لانحرافهم عن معاني التنزيه وقواعد التقديس، وهم في حقيقة الامر يجسمون الصفة ثم يفوضون العلم بكيفية الصفة المجسمة، فهم يؤمنون بأن اليد والعين والوجه على الحقيقة وانها صفات أعيان، أي صفات ذات وليست صفات معاني، (أي أنها جوارح) ولكن بلفظ لطيف أستغفر الله وسبحان الله عما يصفون.
وهذا الشيخ ابن عثيمين يقول في معرض اثباته لليد على الحقيقة أنّ للفيل يد وللنملة يد ولكن شتان ما بين هذا وذاك، ونسي الشيخ أن النملة والفيل يشتركان في صفة التجسيم وانها اجسام تقبل التجزؤ والتبعض والانقسام والصور والاشكال والألوان وكل ذلك محال على الاحد الصمد الذي ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، أخص صفات الأحدية عدم قبول الكثرة والانقسام والتجزؤ والتبعض فالأحدية تضاد الجسمية من كل جهة.
وهؤلاء أبعد الناس عن معاني الأحدية والصمدية ومعاني التقديس المستمدة من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، لا يسيرون على أي طريقة من طرق السلف واهل السنّة والجماعة في باب (الصفات الخبرية) يعتقدون لوازم التجسيم، يجسمون الصفة في أذهانهم، ثم يفوضون العلم بكيفية الصفة المجسمة، ولو صحت طريقتهم لصح في الاذهان ان نقول عن كل إنسان ليس كمثله شيء، فله شكل لا يشاركه فيه احد وله بصمة يد وبصمة وجه وبصمة صوت لا يشاركه فيها أحد، إذن هذا الإنسان -على لازم كلامهم- ليس كمثله شيء، وهذا باطل لأنّه يشارك جميع المخلوقات في صفة الجسمية ولوازمها المتمثلة في قبول التجزؤ والانقسام، وقبول الكيفيات من الأطوال والأعراض والأحجام والصور والاشكال والالوان، وكالكون في المكان والحد والمقدار، والحركة السكون، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، فالله تعالى لا يوصف بالحركة ولا بالسكون، لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، والحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان ثابت، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، والله تبارك وتعالى مُتَعال عن الجسمية ولوازم الجسمية.
والحاصل أنّ هؤلاء إما مجسمة أو هم حشوية يحشون الكلام ويتفوهون بألفاظ لا يدركون معاني تلك الالفاظ ولا ما ينطوي عليه الكلام من تجسيم في حق الاحد الصمد المقدس عن الجسمية ولوازمها.
(فائدة): هؤلاء المتسلفة يزعمون أنه ما المانع أن نقول (لله وجه ليس كوجوهنا، ويد ليست كأيدينا)، كما نفول: (لله علم ليس كعلمنا، وقدرة ليست كقدرتنا)، و(الجواب): أنّ العلم صفة محكمة جاءت النصوص بإثباتها على سبيل التأكيد {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحج: 70]، وقال تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]، فنقول: (لله علم ليس كعلومنا)، علومنا محدثة وعلومنا محدودة وعلومنا مستفادة من المعلومات وعلومنا كسبية وفيها آفات كالنسيان والجهل والخطأ، أما علم الله فهو قديم أزلي محيط بكل شيء، ليس له نهاية ولا بداية، الله يعلم جميع الأشياء، الواجبات والممكنات والمستحيلات ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن كيف كان لو أنه يكون.
والحاصل (العلم) صفة محكمة تكرر اسمها في القرآن الكريم اكثر من مائة مرة والعليم من أسماء الله تعالى الحسنى، أما اليد فقد جاءت الاخبار بذكر اليد في آيات نعلم من السياق والسباق واللحاق أنها ليست مقصودة لذاتها بل مقصودة لغيرها لإظهار القدرة أو القوة أو الهيمنة او الكرم والسخاء.
و(اليد) في اللغة ليست صفة كالعلم فإن العلم صفة محكمة أما اليد فهي في اللغة جزء من ذات لها صورة ولها شكل وهي معارضة بالأحدية التي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، فلهذا لا يصح ان نعامل صفة (العلم) المحكمة كما نعامل صفة (اليد) التي هي من المتشابه، والمعارضة بصفات محكمة منها الاحدية والصمدية والغنى المطلق.
لقد أخطأ أهل الحشو عندما عاملوا أخبار الوجه واليد والعين كما عاملوا صفات العلم والقدرة والإرادة، فالوجه واليد والعين موضوعة أساسا في اللغة للأعضاء المعلومة من جسم الإنسان والله مقدس عن الجسمية ولوازمها من الأعضاء والاجزاء والابعاض، فقولنا (يد لا كأيدينا) كأننا أثبتنا العضو وفوضنا صورته وشكله وكيفيته، وهذا خطأ جسيم لأنّ العضو من الأساس منفي بالرد إلى محكمات العقيدة من الاحدية والصمدية والقدم الازلي ونفي المثلية، فصفة العلم الأصل مثبت عند الله وعند الإنسان ولكن ننزه الله أن يكون علمه الكامل كعلومنا القاصرة، ولكن خبر اليد الأصل منفي من الأساس لأنه معارض بالأحدية والصمدية ونفي المثلية فهيهات ثم هيهات.
[المفتاح الثامن]: درر من أقوال العلماء في بيان مذاهب أهل السنة والجماعة المعتمدة في باب الصفات الخبرية:
(1) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لحديث الرؤية: ” اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين: أحدهما وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق، وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم. والقول الثاني: وهو مذهب معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على حسب مواقعها، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله بأن يكون عارفاً بلسان العرب وقواعد الأصول الفروع ذا رياضة في العلم ” أهـ ([1])
(2) وقال مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات: ” ومن المتشابه الاستواء في قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}، وقوله: {ثم استوى على العرش}، وهو مذكور في سبع آيات من القرآن فأما السلف فإنهم لم يتكلموا في ذلك بشيء جريا على عادتهم في المتشابه من عدم الخوض فيه مع تفويض علمه إلى الله تعالى والإيمان به .. ويروى عن الشعبي أنه سئل عن الاستواء فقال: هذا من متشابه القرآن نؤمن به ولا نتعرض لمعناه وعن الشافعي أنه قال لما سئل عن الاستواء آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض غاية الإمساك وعن أحمد بن حنبل أنه قال استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر، وكلام السلف مستفيض بمثل هذا “([2])
(3) وقال عبد الباقي بن إبراهيم الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره كآية الاستواء وحديث النزول وغير ذلك من آيات الصفات إلا بصادر عن النبي أو بعض الصحابة وهذا مذهب السلف قاطبة ” أهـ،([3])
(4) وقال شيخ محدثي زمانه الإمام البيهقي: _ وهو يوضح مذهب السلف وأهل الحديث في الاستواء _ (وقوله عز وجل وهو معكم أينما كنتم إنما أراد به بعلمه لا بذاته ثم المذهب الصحيح في جميع ذلك الاقتصار على ما ورد به التوقيف دون التكييف وإلى هذا ذهب المتقدمون من أصحابنا ومن تبعهم من المتأخرين وقالوا الاستواء على العرش قد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز، أخبرنا .. سمعت يحيى بن يحيى يقول كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله، {الرحمن على العرش استوى}، كيف استوى فأطرق مالك رأسه ثم علاه الرحضاء ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا فأمر به أن يخرج، وعلى مثل هذا درج أكثر علمائنا في مسألة الاستواء وفي مسألة المجيء والإتيان والنزول.. وفي الجملة يجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف بلا أين بائن من جميع خلقه وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان وأن مجيئه ليس بحركة وأن نزوله ليس بنقلة وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة وأن يده ليست بجارحة وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف فقد قال {ليس كمثله شيء} وقال {ولم يكن له كفوا أحد} وقال {هل تعلم له سميا}، .. حدثنا الوليد بن مسلم قال: سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيفية، وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أخبرني محمد بن يزيد سمعت أبا يحيى البزار يقول سمعت العباس بن حمزة يقول سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول كل ما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه وإنما أراد به والله أعلم فيما تفسيره يؤدي إلى تكييف وتكييفه يقتضي تشبيهه له بخلقه في أوصاف الحدوث) أهـ ([4]) .
([1]) شرح صحيح مسلم للنووى 3/ 19-20
([3]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر ص 36.
([4]) الاعتقاد للبيهقي ج: 114- 118.