مفاتيح علم التقديس المتعلقة بالأسماء والصفات والأفعال
(1) مفاتيح علم التقديس المتعلقة بأسماء الله تعالى
(2) مفاتيح علم التقديس المتعلقة بصفات الله تعالى
(3) مفاتيح علم التقديس المتعلقة بأفعال الله تعالى
(4) مفاهيم مغلوطة لدى علماء الدعوة النجدية عن توحيد الإلهية
(5) مفاتيح علم التقديس في الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية
(6) التقسيم الأمثل لعلم التوحيد
(1) مفاتيح علم التقديس المتعلقة بأسماء الله تعالى
[المفتاح الأول]: أسماءُ الله تعالى الحسنى ورد ذكرها في القرآن الكريم في أربعة مواضع من القرآن الكريم، هي: قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سورة طه: 8] و قوله تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الْأَعراف: 180] و قوله تعالى {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [سورة الإسراء: 110 إلى 111] وقوله تعالى {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة الحشر: 22 إلى 24].
وأسماءُ الله تعالى الحسنى بالغة الحسن لأنها أسماء الله تعالى، ولأنها تدل على صفات الكمال والجلال والإكرام لله تعالى، والعلم بأسماء الله تعالى الحسنى أشرفُ العلوم لأنها تتعلق بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته، والإيمان بأسماء الله تعالى الحسنى يكون بإثباتها لله وحده بما دلت عليه من صفات الكمال المطلق لله تعالى كما تليق بكمال الله تعالى وجلاله وإكرامه، سبحانه لا يقدره حق قدره إلا هو سبحانه لا نحصى ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه تعالت عظمته وتقدست ذاته وأسماؤه وصفاته.
وكل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة علية يتصف بها الله عز وجل فالرحيم سبحانه متصف بالرحمة التي يرحم بها عباده والقدير جل شأنه متصف بالقدرة التي يدبر بها ملكه فلا يعجزه شيء والغفور تبارك وتعالى متصف بالمغفرة التي بها يغفر للتائبين والمنيبين، لا إله إلا هو، العليم الذي له كمال العلم، العزيز الذي له العزة التي لا تضام، العظيم الذي له العظمة التي لا ترام، القدير الذي له القدرة المطلقة والمشيئة النافذة، الجبار الذي له الجبروت والانتقام وهو الرحمن الرحيم الذي سعت رحمته كل شيء وسبقت غضبه تعجز الكلمات عن حمد ذاته واحصاء اسمائه وعن وصف صفاته .
[المفتاح الثاني]: العدد الحقيقي للأسماء الحسنى لا يحصيه إلا الله تعالى، واتَّفَقَ أكثر علماءُ أهل السنة والجماعة على أنَّ أسماءَ الله تعالى غيرُ محصورة بعدد، وعلى أنها أكثرُ من تسعة وتسعين اسما، إذ أن صفاته تعالى لا حد لها وكمالاته لا تنتهي، لذا لا يجوز أن تكون أسماؤه محصورة بعدد محدد، كما أن لله تعالى أسماءً وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ) ([1])
والأسماء الحسنى جميعها تدل على صفات محكمة لله تعالى، فكل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى يدل على صفة محكمة من صفات الله تعالى، ولهذا يجوز أن يشتق من كل اسم من الأسماء الحسنى صفة لله عز وجل، (العليم) يشتق منه صفة العلم، والحكيم يشتق منه صفة الحكمة، والعظيم يدل على صفة العظمة، والقدير يدل على صفة القدرة، والغفور يدل على صفة المغفرة، والرحيم يدل على صفة الرحمة، وهكذا، فإن جميع الاسماء الحسنى تدل كلها على صفات كمال محكمة لله تعالى.
[المفتاح الثالث]:من أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة: لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) ([2]). ومقصود الحديث أن من أحصى هذا القدر من أسماء الله الحسنى (مائة إلا واحداً) دخل الجنة، وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في هذا العدد، وذلك لأن أسمائه الحسنى سبحانه كما جاء في الحديث السابق (أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ) لا يحصيها إلا الله عز وجل، كما أنّ أسماء الله الحسنى ثناء عليه، ولا يحصي الثناء على الله إلا الله . وقد جاء في الحديث (لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) ([3]).
أما الحكمة في الاقتصار على هذا العدد المخصوص، فربما كان والله تعالى أعلم أنّ الأسماء وإن كثرت إلاّ أنّ معانيها قد ترجع في أصلها إلى التّسعة والتّسعين اسماً التي من أحصاها دخل الجنة، والمقصود بإحصاء الاسماء الحسنى التسعة والتسعين: قد يكون (الحفظ)، وهو الاقرب لمقصد الحديث بدليل الرواية التي أخرجها مسلم وفيها بلفظ (مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)، وقد يكون المراد من الإحصاء (الفهم) أي فهم معانيها والمراد منها في بيان كمال أسماء الله وصفاته العلا.
[المفتاح الرابع]: أسماء الله الحسنى توقيفية لا مجال للاجتهاد إذ العقل قاصر عن الاجتهاد فيما لا يدركه لقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]، وقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33]، والمذهب عند أهل السنة والجماعة أن أسماءَ الله تعالى الحسنى توقيفية لا يجوز الاجتهاد فيها أو القياس، لأنها من الأمور الغيبية التي لا تُعلم إلا عن طريق الوحي.
[المفتاح الخامس]: الأسماء الحسنى نخلص بها الدعاء لله وحده قال تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) [الأعراف: 180]. والإلحاد في الأسماء الحسنى يكون بجحدها وانكارها أو انكار بعضها أو إثبات المشاركة لأحد من الخلق في هذه الأسماء أو بعضها بنفس معناها ومدلولها، ومن ذلك ما كان يفعله المشركون من تسمى المعبودات الباطلة بما تسمى به الله تعالى من الأسماء الحسنى، وذلك كتسميتهم اللات من الإله، والعزَّى من العزيز، ومنَاةَ من المنَّان، وتسميتهم للأصنام آلهة، يضاهئون بذلك أسماء الله تعالى الحسنى، ومنها اعتقادهم أن من أسماء آلهتهم العزيز والنصير، وأن من صفات آلهتهم النصرة والعزة، كما قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81].
ومن الإلحاد في أسماء الله تعالى الحسنى أيضاً أن يسمى الله تعالى بما لا يليق به من الاسماء، ومن ذلك تسميةُ النَّصارى له (الأب)، وتسميتهم له (الابن)، وهو تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
[المفتاح السادس]: الأسماء الحسنى على كثرتها ليست مترادفة، فإن كل منها يتضمن معنى لا يتضمنه غيره، لأنّ كل أسم منها يدل على صفة أو معنى خاص ومتميز يختلف عن الآخر، فهي أعلام وأوصاف، الله تعالى هو (الرحمن) (الرحيم)، ولكن (ـالرحمن) يختلف عن (الرحيم) في التفصيل، (الرحمن) ذو رحمة واسعة عامة، و(الرحيم) ذو رحمة خاصة دائمة لا تنقطع، (الرحمن) رحمته لجميع خلقه، (الرحيم) رحمته لعباده المؤمنين، (الرحمن) رحمته واسعة، و(الرحيم) رحمته دائمة، وكذلك (العفو) و(التواب) و(الغفور) و (الغفار) كلها تتعلق بالمغفرة، ولكن لكل منها معنى خاص، (الغفور): يغفر الذنوب العظام، و(الغفار): يغفر الذنوب الكثيرة والمتعددة، و(العفو): يمحو السيئات ويتجاوز عنها ويمحو أثرها بالكلية و(التواب) هو الذي يوفق عبده للتوبة فيقبلها منه ويغفر له، كلها مترابطة ولكنها متفاوتة في دلالتها: (التواب): يشمل التوفيق والقبول والمغفرة، و(الغفار): أعم في عدد الذنوب، و(الغفور): في عظائم الذنوب، و(العفو) في محو أثرها بالكلية، فكلها تصب في رحمة الله ومغفرته لكن بتفاصيل دقيقة، (التواب): هو الذي يقبل توبة عباده، ويعينهم عليها، ويغفر لهم بعد توبتهم. يجمع بين التوفيق للعمل الصالح والقبول والمغفرة مثل قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]، (الغفور): يغفر الذنوب العظيمة والكبيرة، ويسترها عن الناس مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4، 5] ، و(الغفار) الذي يغفر الذنوب الكثيرة المتعددة وإن بلغت عنان السماء، و(العفو): يمحو الذنوب المحو التام ويترك المؤاخذة عليها، كما جاء في الحديث: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) ([4]) ، و(الخالق) و (البارئ) و(المصور) كلها تتعلق بالخلق، (الخالق): هو الذي يوجد الشيء من عدم، و(البارئ): هو الذي يميزه عن غيره، و(المصور): هو الذي يعطيه الصورة التي هو عليها، وكلها تدل على الخلق، وهذا الاختلاف في المعاني يثرى فهم المسلم لصفات الله الكاملة، الدالة على الكمال المطلق، وليست مجرد أسماء مختلفة تحمل نفس المعاني، فالأسماء الحسنى كلها تدل على الله، وكل أسم منها يكشف عن جانب فريد من صفات الله العظيمة، وكل اسم له أثره الخاص في فهم كمال الله وجلاله وجماله وعظمته.
[المفتاح السابع]: تلازم الأسماء الحسنى بعطيها معان جديدة تدل على الكمال المطلق، فاقتران اسمه تعالى الحكيم باسمه تعالى العليم كما في قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 2]، (العليم): يعلم كل شيء، و(الحكيم): يضع كل شيء في موضعه اللائق به، فجمع الاسمين يدل على أن علم الله ليس مجرد معرفة، بل معرفة تامة مقرونة بالغاية والحكمة، كما في قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا} [النساء: 12]، فاسم الله (الحكيم)، بعد اسمه (العليم) يفيد أن علم الله ليس مجرد إحاطة بالأشياء، بل هو علم يقرنه الحكمة المطلقة، فيضع كل شيء في موضعه الصحيح، ويُعلل أفعاله وشرائعه بغايات محمودة، فالعليم يعلم السر والعلن، والحكيم يفعل ما هو الأكمل والأصلح، فالعلم بلا حكمة قد يكون عجزًا، لكن علم الله يقترن بالحكمة في خلقه وأمره، فيطمئن العبد لعلمه المطلق وتقديره، كما في قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 83]، واقتران اسم الله اللطيف باسمه الخبير، كما في قوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، (اللطيف): هو الذي يدرك دقائق الأمور ويوصل مصالح عباده بلطف وإحسان من طرق لا يعلمونها، و(الخبير): هو الذي الذي أحاط علمه بكل شيء، ظاهره وباطنه، وخفايا الأمور الدقيقة، واقتران الاسمين يفيد معنى جديدا، وهو أنّ الله تعالى يوصل مصالح عباده ويحقق لهم الخير من طرق خفية لا يدركونها، مستنداً إلى علمه التام بأسرار الأمور وبواطنها وخفاياها، فهو اللطيف الذي يوصل الخير بلطف، والخبير الذي يعلم أدق التفاصيل ليُوصل الخير ويحقق المصلحة بدقة لا تخطئ، (اللطيف الخبير): يعني أن الله يدرك الدقيق والخفي، ويوصل الخير لعباده من حيث لا يحتسبون، حتى لو كانت الأمور التي يكرهونها في ظاهرها، لأن علمه الخبير يدرك أن ما يكرهونه هو الأصلح لهم، وهكذا فإنّ اقتران الأسماء يزيدها معان جديدة، وبهذا يتضح معنى قول العلماء: أنّ لم الأسماء الحسنى لا يُدرك، ومعانيها فوق الحصر والفهم ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو أنزلتَه في كتابِك، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك، أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، و نورَ صدري، و جلاءَ حزني، و ذَهابَ همِّي([5]). فعلم الأسماء واسع لا يُدرك.
[المفتاح الثامن]: إحصاء الأسماء الحسنى: وردت ثلاث روايات في إحصاء الأسماء الحسنى، الرواية الأولى وهي الأشهر من رواية (الوليد بن مسلم) أخرجها التِّرْمذيُّ في سُنَنه، وهي أصح شيء في الباب، والرواية الثانية من رواية (عبد الملك بن محمد الصَّنعاني)، أخرجها: ابنُ ماجه في سننه، وإسناد طريق بن ماجه ضعيف لضعف عبد الملك بن محمد والرواية الثالثة من رواية (عبد العزيز بن الحصين)، أخرجها: الحاكم في المستدرك، وهي ضعيفة، ولذلك لم يعول عليها أحد من أهل العلم في شرح الأسماء الحسنى، وطريق الترمذي أصح شيء في الباب، أخرج الترمذي عَن أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ لله تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً غيرَ وَاحِدَةٍ مَنْ أَحْصَاها دَخَلَ الجَنَّة، هُوَ الله الَّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ الرَّحمنُ الرَّحيمُ المَلِك القُدُّوسُ السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّر الخَالِقُ البَارِىءُ المُصَوِّرُ الغَفَّارُ القَهَّارُ الوَهَّابُ الرَّزَّاقُ الفتَّاحُ العَلِيمُ القَابِضُ البَاسِطُ الخافضُ الرَّافِعُ المعزُّ المذِل السَّمِيعُ البَصِيرُ الحَكَمُ العَدْلُ اللّطِيفُ الخَبِيرُ الحَلِيمُ العَظِيمُ الغَفُورُ الشَّكُورُ العَلِيُّ الكَبِيرُ الحَفِيظُ المُقِيتُ الحَسِيبُ الجَلِيلُ الكَرِيمُ الرَّقِيبُ المُجِيبُ الْوَاسِعُ الحَكِيمُ الوَدُودُ المَجِيدُ البَاعِثُ الشَّهِيدُ الحَق الوَكِيلُ القَوِيُّ المَتِينُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ المُحْصِي المُبْدِيءُ المُعِيدُ المُحْيِي المُمِيتُ الحَيُّ القَيُّومُ الوَاجِدُ المَاجِدُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ القَادِرُ المُقْتَدِرُ المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ الأوَّلُ الآخِرُ الظَّاهِرُ البَاطِنُ الوَالِي المُتَعَالِي البَرُّ التَّوَّابُ المنتَقِمُ العَفُوُّ الرَّؤُوف مَالِكُ المُلْكِ ذُو الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ المُقْسِط الجَامِعُ الغَنِيُّ المُغْنِي المَانِعُ الضَّارُّ النَّافِعُ النُّورُ الهَادِي البَدِيعُ البَاقِي الوَارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُور) ([6]).
وهذه الرواية صححها ابن حبان والحاكم وحسنها النووي، وقد زعم البعض أن جمع الأسماء مدرجه، أدرجها بعض الرواة في الحديث، وهذا الأمر مستبعد، لأنّ الرواية قد تقبلها المتقدمون كالترمذي والحاكم وابن حبان، وتلقاها أهل العلم بالحديث وعوَّل عليها جميع من شرح الأسماء الحسنى، كابن مَنْدَهْ وابن العربي والبيهقي والغزالي والقرطبي والرازي وغيرهم، غاية الأمر قد يكون هناك اضطراب في ذكر بعض الاسماء، أو اسقاط بعضها سهواً، ولعل هذا الاضطراب هو ما دعا البخاري ومسلم إلى الاقتصار على أصل الحديث دون سرد الأسماء.
[المفتاح التاسع]: إحصاء ابن حجر: تتبّع ابن حجر ما ورد في القرآن بصيغة الاسم ممّا لم يذكر في رواية الترمذيّ، وهي سبعة وعشرون اسمًا، وضمّ إليها الأسماء الَّتي وقعت في رواية الترمذيّ ممّا ورد في القرآن بصيغة الاسم فصارت تسعة وتسعين اسمًا وكلّها في القرآن وهي: اللَّهُ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ، الْقُدُّوسُ، السَّلامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، التَّوَّابُ، الْوَهَّابُ، الخلاّقُ، الرَّزَّاقُ، الْفَتَّاحُ، الْعَلِيمُ، الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، الْعَلِيُّ، الْكَبِيرُ، المحيطُ، القديرُ، المولى، النّصيرُ، الْكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، القريبُ، الْمُجِيبُ، الْوَكِيلُ، الْحَسِيبُ، الْحَفِيظُ، الْمُقِيتُ، الْوَدُودُ، الْمَجِيدُ، الْوَارِثُ، الشَّهِيدُ، الْوَلِيُّ، الْحَمِيدُ، الْحَقُّ، المبينُ، الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْغَنِيُّ، المالكُ، الشّديدُ، الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ، القاهرُ، الكافي، الشّاكرُ، المستعانُ، الفاطرُ، الْبَدِيعُ، الغافرُ، الأَوَّلُ، الآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ، الكفيلُ، الغالبُ، الْحَكَمُ، العالِمُ، الرّفيعُ، الحافظُ، الْمُنْتَقِمُ، القائمُ، الْمُحْيِي، الْجَامِعُ، المليكُ، الْمُتَعَالِي، النُّورُ، الْهَادِي، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْعَفُوُّ، الرؤوف، الأكرمُ، الأعلى، الْبَرُّ، الحفيُّ، الربُّ، الإلهُ، الْوَاحِدُ، الأحدُ، الصَّمَدُ الَّذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد. ([7])
[ المفتاح العاشر]: اجتهدت في إحصاء الأسماء الحسنى معتمدا على الأسماء الحسنى الواردة في حديث الترمذي لأنه أصح ما في الباب، ثم أضفت إليها الأسماء الحسنى التي وردت في القرآن الكريم على سبيل الإطلاق كأسماء الله تعالى (الرب والإله والأحد والقريب والمولى والنصير)، ثم أحصيت الأسماء المقترنة على أنها مقترنة فلا ينبغي أن تفترق، فلم نر انسانا تسمى باسم الله الضار او المذل أو المميت، ولكنها مقترنه بما يقابلها ليكتمل المعنى، ومثال ذلك: (الضَّارُّ النَّافِعُ) و (القَابِضُ البَاسِطُ) و (الخافضُ الرَّافِعُ) و (المعزُّ المذِل) و (المُبْدِيءُ المُعِيدُ) و (المُحْيِي المُمِيتُ) و (المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ) و (المنتَقِمُ العَفُوُّ) و (المَانِعُ المعطي) ولهذا وجه قوي لان هذه الأسماء مقترنة، فالمانع يقرن بالمعطي، والضارّ بالنّافع، والمذلّ بالمعزّ، والمحيي بالمميت، والحُسن المطلق لهذه الأسماء الإلهية عندما يقترن كلّ اسم بما يكمله، لإظهار كمال القدرة، وأحصيت الأسماء المترادفة على أنها اسم واحد، ومثال ذلك (الملك – المليك – مالك الملك) و (العالم – العليم – علاّم الغيوب) و (القادر – القدير – المقتدر) و (العلي – الأعلى – المتعال) و (القاهر – القهار) و (الكريم – الأكرم) و (الوالي – الولي – المولى) و (الشاكر -الشكور)، ووجدت أنني إذا فعلت هذا وذاك كان بالإمكان الاستفادة من جهود السابقين واللاحقين من علماء اهل السنة والجماعة في احصاء الاسماء الحسنى، مع ادخال الأسماء الحسنى التي وردت على سبيل الإطلاق في السنة النبوية الصحيحة، وبهذا أكاد اجزم بحمد الله تعالى أنّ من أحصى هذا العدد الكبير من أسماء الله الحسنى أنّه قد أحصى أسماء الله تعالى الحسنى الواردة في الحديث (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) [متفق عليه]، والله تعالى أعلم، وجاء سرد الأسماء الحسنى من خلال اجتهادي في جمعها: كالتالي: [[(1) الله، (2) الرحمن الرحيم، (3) المالك – المليك – مالك الملك – الملك:، (4) القدوس، (5) السلام، (6) المؤمن،(7) المهيمن،(8) العزيز،(9) الجبار،(10) الكبير – المتكبر،(11) الخلاق – الخالق،(12) البارئ،(13) المصور،(14) الغفور – الغفار،(15) القاهر – القهار،(16) الوهاب،(17) الرازق – الرزاق،(18) الفتاح،(19) العليم،(20) القابض – الباسط،(21) الخافض – الرافع،(22) المعز – المذل،(23) السميع،(24) البصير،(25) الحكم – الحكيم،(26) العدل،(27) اللطيف،(28) الخبير،(29) الحليم،(30) العظيم،(31) الشاكر – الشكور،(32) الأعلى – المتعال- العلي،(33) الحافظ – الحفيظ،(34) المقيت،(35) الحسيب،(36) الجليل،(37) الأكرم – الكريم،(38) الرقيب،(39) المجيب،(40) الواسع،(41) الودود،(42) الماجد – المجيد،(43) الباعث،(44) الشهيد،(45) الحق،(46) الوكيل،(47) القوي،(48) المتين،(49) الوال – الولي،(50) الحميد،(51) المحصي،(52) المبدئ المعيد،(53) المحيي المميت،(54) الحي،(55) القيوم،(56) الواجد،(57) الواحد – الأحد،(58) الصمد،(59) القادر القدير المقتدر،(60) المقدم والمؤخر،(61) الأول – الآخر،(62) الظاهر- الباطن،(63) البر،(64) التواب،(65) المنتقم – العفو،(66) الرؤوف،(67) ذو الجلال والإكرام،(68) المقسط،(69) الجامع،(70) الغني المغني،(71) المانع – المعطي،(72) الضار النافع،(73) نور السموات والارض – النور،(74) الهادي،(75) بديع السموات والارض – البديع،(76) القديم – الباقي،(77) الوارث،(78) الرشيد،(79) الصبور،(80) الرب،(81) الإله،(82) القريب،(83) النصير،(84) الكافي، (85) المحيط،(86) الشافي،(87) المبين،(88) السيد،(89) الرفيق،(90) الوتر،(91) السبوح،(92) الطيب، (93) المنان،(94) المحسن،(95) الجميل، (96) المسعر، (97) الديان،(98) الحيي،(99) الستير].
[المفتاح الحادي عشر]: (شرح موجز لمعاني الأسماء الحسنى) الدالة على جناب الذات الإلهي: (الله): اسم دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها، وهو الاسم الذي تفرد به الحق سبحانه وخص به نفسه وجعله اول اسمائه، واضافها كلها اليه فهو علم على جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، سبحانه وهو الاسم الجامع لجميع صفات الإلهية والربوبية، واستحقاق العبودية، الإله الحق المعبود لا إله إلا هو ولا رب للعالمين سواه، المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلا، وهو الرب المعبود الذي له صفات الكمال، (لا إله إلا هو): نفي وإثبات: نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله، ونفي جميع صفات الربوبية والإلهية عما سوى الله، واعتقاد أنه لا معبود بحق إلا هو، ولهذا كان من معاني شهادة التوحيد (لا إله إلا الله): أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه لا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل لله، وإذا قال العبد (أشهد أن لا إله إلا الله) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله، ولا أعتقد كمالا مطلقا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وليس له شريك، جلّ عن أن تحيط به الافهام، وتعالى عن أن تدركه الابصار، أو تبلغه الأوهام، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهو (الرحمن): واسع الرحمة لخلقه مؤمنهم وكافرهم في معاشهم ومعادهم، وهو (الرحيم): دائم الرحمة المعطي من الثواب أضعاف العمل، ولا يضيع لعاملٍ عملاً، ولا يضيع أجر المحسنين، و(الرحمن الرحيم) ذو الرحمة الواسعة العظيمة الدائمة التي وسعت كل شيء, وعمت كل حي, وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها، وهو (الملك): المتصرف في ملكه كما يشاء، والمستغني بنفسه عما سواه، وهو (القدوس): المنزه عن كل وصف يدركه حس أو خيال الطاهر المطهر عن الآفات، وهو (السلام): السالم من العيوب والنقائص الناشر سلامته على خلقه، وهو (المؤمن): المصدق نفسه وكتبه ورسله فيما بلغوه عنه المؤمن عباده من الخوف، وهو (المهيمن): المسيطر على كل شيء بكمال قدرته، القائم على خلقه، وهو (العزيز): الغالب الذي لا نظير له وتشتد الحاجة إليه، وهو (الجبار): المنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل أحد، وهو (المتكبر): المتفرد بصفات العظمة والكبرياء، المتكبر عن النقص والحاجة، وهو (الخالق): المبدع لخلقه بإرادته على غير مثال سابق، وهو (البارئ): المميز لخلقه بالأشكال المختلفة بريئة من التفاوت وعدم التناسب، وهو (المصور): الذي أعطى لكل خلقٍ صورةً خاصة وهيئةً منفردة سبحانه هو وحده، الخالق البارئ المصور، وهو (الغفار): الذي يستر القبيح في الدنيا، ويتجاوز عنه في الآخرة، وهو (القهار): الذي يقهر الجبابرة بالإماتة والإذلال، ولا مرد لحكمه، وهو (الوهاب): المتفضل بالعطايا، المنعم بها دون استحقاق عليها، وهو (الرزاق): خالق الأرزاق، المتكفل بإيصالها إلى خلقه، وهو (الفتاح): الذي يفتح خزائن رحمته لعباده، ويعلي الحق ويخزي الباطل، وهو (العليم): المحيط علمه بكل شيء، ولا تخفي عليه خافيه، وهو (القابض): قابض بِرّهُ عمن يشاء من عباده حسب إرادته، و (الباسط): ناشر بِرّهُ على من يشاء من عباده حسب إرادته، وهو (الخافض): الذي يخفض الكفار في دركات الجحيم، وهو (الرافع): الرافع المُعلّي للأقدار، يرفع أولياءهُ بالتقريب في الدنيا والآخرة، وهو (المعز): المعز المؤمنين بطاعته، الغافر لهم برحمته المانح لهم دار كرامته، وهو (المذل): مذل الكافرين بعصيانهم، مبوأ لهم دار عقوبته، وهو (السميع): الذي لا يغيب عنه مسموع وإن خَفِيَ، يعلم السر وأخفى، وهو (البصير): الذي يشاهد جميع الموجودات ولا تخفى عليه خافيه، وهو (الحكم): الذي إليه الحكم ولا مرد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهو (العدل): الذي ليس في قوله أو ملكه خلل، الكامل في عدالته، وهو (اللطيف): البَرُّ بعباده، العالم بخفايا أُمورهم، ولا تدركُهُ حواسهم، وهو (الخبير): العالم بكل شيء ظاهره وباطنه، فلا يحدثُ شيء إلا بخبرته، وهو (الحليم): الذي لا يعجل الانتقام عجلةً وطيشاً مع غاية الاقتدار، وهو (العظيم): الذي لا تصل العقول إلى كُنْهِ ذاته وليس لعظمته بداية ولا نهاية، وهو (الغفور): الذي لا يؤاخذ على ذنوب التائبين، ويبدل السيئات حسنات، وهو (الشكور): المنعم على عباده بالثواب الجزيل على العمل القليل بلا حاجةٍ منه إليه.، وهو (العليُّ): الذي علا بذاته وصفاته على مدارك الخلق وحواسهم، وهو (الكبير): ذو الكبرياء والعظمة المتنزه عن أوهام خلقه ومداركهم، وهو (الحفيظ): حافظ الكون من الخلل وحافظ أعمال عباده للجزاء وحافظ كتابه.، وهو (المقيت): خالق الأقوات موصلها للأبدان، وإلى القلوب الحكمة المعرفة، وهو (الحسيب): الذي يكفي عباده حاجاتهم ويحاسبهم بأعمالهم يوم القيامة، وهو (الجليل): عظيم القدرة بجلاله وكماله في ذاته وجميع صفاته، و(الكريم): الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه وإذا وعد وفي، وهو (الرقيب): الملاحظ لما يرعاه ملاحظة تامة دائمة ولا يغفل عنه أبدا، وهو (المجيب): الذي يجيب الداعي إذا دعاهُ ويتفضل بقبول الدعاء، وهو (الواسع): الذي وسع كُرْسِيُّهُ ورحمتُهُ ورزقه جميع خلقه، وهو (الحكيم): المنزه عن فعل مالا ينبغي، ومالا يليق بجلاله وكماله، و(الودود): المتحبب إلى خلقه بمعرفته وعفوه ورحمته ورزقه وكفايته، وهو (المجيد): الشريف ذاته الجميل أفعاله الجزيل عطاؤه ونواله، وهو (الباعث): باعث الموتى للحساب والجزاء وباعث رسله إلى خلقه، وهو (الشهيد): العالم بالأمور الظاهرة والباطنة المُبيِّن وحدانيته بالدلائل الواضحة، وهو (الحق): خالق كل شيء بحكمة باعث من في القبور للجزاء والحساب، وهو (الوكيل): الموكولُ إليه الأمور والمصالح، المعتمد عليه عباده في حاجاتهم .، وهو (القوي): ذو القدرة التامة الكاملة، فلا يعجز عن شيء بحال، وهو (المتين): الثابت الذي لا يتزلزل، والعزيز الذي لا يغلب، فلا يعجز بحال، و(الولي): المحب أولياءه الناصر لهم، المذل أعداءهُ في الدنيا والآخرة، وهو (الحميد): المستحق للحمد والثناء لجلال ذاته وعلو صفاته وعظيم قدرته .، وهو (المحصي): الذي لا يفُوتُهُ دقيق ولا يعجزهُ جليل، ولا يشغله شيء عن شيء .، وهو (المبدئ): الذي بدأ الخلق وأوجده من العدم على غير مثال سابق، وهو (المعيد): الذي يعيد الخلق إلى الموت ثم يعيدهم للحياة للحساب، وهو (المحيي): الذي يحيي الأجسام بإيجاد الروح فيها، وهو (المميت): هو الذي يميت الأجسام بنزع الروح منها، وهو (الحي): المتصف بالحياة الأبدية، فهو الباقي أزلاً وأبداً، وهو (القيوم): القَيِّمُ على كل شيء بالرعاية له وتقوم الأشياء وتدوم به، وهو الذي قامت به السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات، وهو القائم على كل نفس يحفظها ويحاسبها ويجازيها، و هو المستغني بذاته عن كل شيء، ومنها استغناؤه عن المحل والمكان، وهو (الواجد): الذي يَجدُ كل ما يطلبه ويريده، ولا يضل عنه شيء، وهو (الماجد): كثير الإحسان والأفضال، ذو المجد والشرف التام الكامل، وهو (الواحد) له الواحدية وله الأحدية، [واحد] لا شريك ولا ند ولا كفء ولا مثيل له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، والله تعالى [أحد] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح، (الواحد): المتفرد ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً بالألوهية والربوبية، وهو (الاحد) المقدس عن الابعاض والاجزاء، المنفرد بالكمال المطلق والتقديس المطلق، لا نظير له ولا مثيل، وهو (الصمد): السيد المقصود بالحوائج على الدوام، له الكمال المطلق، الكامل في أوصافه، ينتهي إليه منتهى الغنى والحمد والسؤدد والكمال والجلال والإكرام، و(القادر): المتفرد باختراع الموجودات المستغني عن معونة غيره بلا عجز، وهو (المقتدر): الذي يقدر على ما يشاء، ولا يمتنع عليه شيء، لا يعجزه شيء، وهو على كل شيء قدير، وهو (المقدم): مقدم أنبِياءَهُ وأولياءه بتقريبهم وهدايتهم معطيهم عوالي الرتب، وهو (المؤخر): مؤخر أعداءه بإبعادهم وضرب الحجاب بينه وبينهم، وهو (الأول): السابق للأشياء كلها الموجود أولاً ولا شيء قبله، وهو (الآخر): الباقي بعد فناء خلقه جميعهم ولا نهاية له، وهو (الظاهر): الظاهر بآياته وعلامات قدرته، المطلع على ما ظهر من خلقه، وهو (الباطن): المحتجب عن أنظار الخلق المطلع على ما بطن من خلقه، تلازم الاسمين (الأول الآخر): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان، وتلازم الاسمين (الظاهر الباطن): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، وهو (الوالي): المتولي للأشياء المتصرف فيها بمشيئته وحكمته وينفذ فيها أمره، وهو (المتعالي): المتنزه عن صفات المخلوقين المرتفع عن صفات الناقصين، وهو (البَرُّ): الذي لا يصدر عنه القبيح العطوف على عباده المحسن إليهم، و هو (التواب): الذي يُيَسر للعصاه طريق التوبة ويقبلها منهم ويعفو عنهم، وهو (المنتقم): معاقب العصاة على أعمالهم وأقوالهم على قدر استحقاقهم، وهو (العفو): الذي يصفح عن الذنوب، ويترك مجازاة المسيئين إذا تابوا، وهو (الرؤوف): المنعم على عباده بالتوبة والمغفرة، العاطف عليهم برأفته ورحمته، وهو (مالك الملك): القادر تام القدرة، فلا مرد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهو (ذو الجلال والإكرام): صاحب الشرف والجلال والكمال في الصفات والأفعال، صَاحِب الْعَظَمَة وَالْمِنَّة، فالجلال له في ذاته والكرامة فائضة منه على خلقه وفنون إكرامه خلقه لا تكاد تنحصر وتتناهى، وهو (المقسط): العادل في حكمه، المنتصف للمظلومين من الظالم بلا حيف أو جور .، وهو (الجامع): جامع الخلق يوم القيامة للحساب والجزاء، وهو: (الغني): المستغني عن كل ما عداه، المفتقر إليه من سواه، وهو (المُغني): يُغني بفضله من يشاء من عباده، وكل غني يرجع إليه، وهو (المانع): الذي يمنع بفضله من استحق المنع ويمنع أولياءه من الكافرين، وهو (الضار): الذي يُنزل الضر على من يشاء من عباده بالعقاب وغيره، لا يكون في ملكه إلا ما يشاء وما يريد، وهو (النافع): الذي يعم جميع خلقه بالخير ويزيد لمن يشاء، وهو (النور): المنزه عن كل عيب المُنوِّر ذا العماية، المرشد الغاوين، وهو (الهادي): هادي القلوب إلى الحق وما فيه صلاحها ديناً ودُنيا، و (البديع): خالق الأشياء بلا مثالٍ سابق، ولا نظير له في ذاته وصفاته، وهو (الباقي): دائم الوجود بلا انتهاء، ولا يقبل الفناء، لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد، وهو (الوارث): الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء المُلاَّك، وهو (الرشيد): الذي أرشد الخلق وهداهم إلى مصالحهم ويُصَرَّفهم بحكمته، وهو (الصبور): الذي لا يُعاجل بالعقوبة، فيمهل ولا يهمل، ومن أسماء الله تعالى الحسنى التي جاءت في الكتاب والسنة ولم تُسرد في حديث الترمذي: (الرب) هو المربي الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وهو (القريب) قريب من كل عباده، بعلمه وسمعه وبصره، وهو قريبُ الإجابة للدُّعاء، قريبٌ من المحسنين، وهو قربٌ يقتضي المحبَّةَ والنُّصْرة والإجابة، وهو (الكافي) كافي لأوليائه وهو (النصير) نصير لأهل طاعته وولايته، وهو (الحيي، الستير)، مع كمال غناه وتمام قدرته على العبد يستحيي من هَتْك سَتره وفضيحته، و يستحيي ممَّن يَمُدُّ يديه إليه أن يردَّهما صفرًا، تقدست أسماء الله الحسنى عن العد والحصر، لأنها تابعة لجناب ذاته، كمال مطلق لا حد ولا عد، ولا ابتداء ولا انتهاء، ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) ([8]).
[المفتاح الثاني عشر]: أختم ببيان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى: فقد جاء ذكر اسم الله الأعظم في عدة أحاديث منها:
(الحديث الأول): حديث بريدة وهو أصح ما في الباب، روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن بريدة رضي الله عنه: (أن رسول الله سمع رجلاً يقول: اللهم إني اسالك بأني أشهد أنك انت الله لا اله الا انت الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً احد، فقال: لقد سالت الله تعالى باسمه الاعظم الذي اذا سئل به اعطى واذا دعي به اجاب) ([9]) . وقال ابن حجر: هذا الحديث ارجح ما ورد في الاسم الاعظم من حيث السند.
ومن هذا الحديث يتبين أن اسم الله الاعظم قد يكون (الله) وقد يكون كلمة التوحيد (لا اله الا انت)، وقد يكون (الاحد الصمد)، وقد تكون صيغة الحديث كلها.
و(الحديث الثاني): حديث أنس، أخرج أبوداود والترمذي وابن ماجة وأحمد في المسند عن انس رضي الله عنه انه كان مع رسول الله جالساً ورجل يصلي ثم دعا: اللهم إني أسالك بان لك الحمد لا اله الا انت المنان بديع السماوات و الارض يا ذا الجلال و الاكرام يا حي يا قيوم، فقال النبي: (لقد دعا الله تعالى باسمه العظيم الذي اذا دعي به اجاب واذا سئل به اعطى) ([10]). ومن هذا الحديث يتبين أن اسم الله الاعظم قد يكون (الله) وقد يكون كلمة التوحيد (لا اله الا انت)، وقد يكون: (المنان بديع السموات والارض)، وقد يكون: (يا ذا الجلال والإكرام)، وقد يكون: (يا حي يا قيوم)، وقد تكون صيغة الحديث كلها.
و(الحديث الثالث): حديث أسماء رضي الله عنها فعن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: سمعت رسول الله يقول في هاتين الآيتين (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) و (الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) إن فيهما اسم الله الأعظم) ([11]). ومن هذا الحديث يتبين أن اسم الله الاعظم قد يكون (الله) وقد يكون كلمة التوحيد (لا اله الا هو)، وقد يكون: (الحي القيوم)، وقد تكون صيغة الحديث كلها.
و(الحديث الرابع): حديث أبي أمامة: أخرج ابن ماجة عَنْ أَبي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اسْمُ اللهِ الأَعظَمُ الذي إِذَا دُعي به أَجَابَ في سُوَر ثَلاثَ البَقَرة وآلِ عِمْرَانَ وَطَهَ) ([12]). قد التمسها بعض العلماء في هذه السور فوجدها في البقرة: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255]، وفاتحة آل عمران: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [آل عمران: 2]، وفي طه: {وعنت الوجوه للحي القيوم} [طه: 111]،]، ومن هذا الحديث يتبين أن اسم الله الاعظم قد يكون (الله) وقد تكون كلمة التوحيد (لا إله إلا هو)، وقد يكون (الحي القيوم)، وقد تكون صيغة الحديث كلها.
وعموما فقد اختلف العلماء في تحديده اختلافا كبيرا، فقال أكثر العلماء الاسم الأعظم هو (الله): إذ هو الاسم الجامع لله تعالى الذي يدل على جميع أسمائه وصفاته تعالى، وهو اسم لم يُطلق على أحد غير الله تعالى، وكذلك فإنه ورد في جميع أحاديث الاسم الأعظم، واختلف الآخرون على أقوال أشهرها أنه: (الرحمن الرحيم)، أو (الحي القيوم) أو (الأحد الصمد) أو (الحنان المنان) أو (بديع السماوات والأرض) أو (ذو الجلال والإكرام) أو (الله لا إله إلا هو) أو (لا اله إلا أنت سبحانك) أو (هو مخفي في الأسماء الحسنى) وقالوا: إن الحكمة من إخفاء الاسم الأعظم هي تحفيز المؤمن على طلب كلِّ الأسماء الحسنى بالثَّناء والدُّعاء، والبحث عنه والاجتهاد في معرفته، ولعلها نفس الحكمة من إخفاء ليلة القدر وساعة الإجابة يوم الجمعة، و (الجمهور) والله أعلم على أنه (الله) جل جلاله وتعالت أسماؤه، لأنه الاسم الذي سمى به نفسه، وهو أخص أسمائه إليه، ولا يسمى أحد من خلقه به لا حقيقة ولا مجازاً بخلاف غيره من الأسماء، وكل الأسماء تابعة إليه، وهو الاسم الأكثر عدداً في القرآن الكريم من جميع الأسماء الحسنى، ولقد استفتح الله سبحانه وتعالى ثلاثاً وثلاثين آية من كتابه المجيد باسمه (الله)، ومن خصائصُ اسم الله تعالى (الله): أنَّه الأصلُ في أسماء الله، وسائر الأسماء مضافة إليه، {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}، ومن خاصية الاسم (الله) أنَّ الألفَ واللامَ من بنية هذا الاسم ولم تدخل عليه للتعريف عنه، والدليلُ أنَّها تبقى مع دخول حروف النداء (يا الله)، وحروفُ النداء لا تَجْتَمع مع ألف لام التعريف، فَتَسْقُط، كما في بقية الأسماء (يا رحمن)، حيث لا يُقال: (يا الرحمن). وقيل: بل إن عدمَ سقوط (أل) التعريف عنه دليلٌ على أنَّ هذه المعرفةَ أبديةٌ لا تَزول، ومن خاصية الاسم (الله) إذا حذفت الالف كان (لله) وإذا حذفت اللام كان (له) وإذا حذفت اللام الثانية كان (هو)، وكله يدل على الله، كما أنَّه أَوَّلُ اسم في أَوَّل آية في القرآن: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1، 2]، كما أنه آخر ما ذكر من الأسماء {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ}، كما أنّ الله تعالى خص (الله) و (الرحمن) بالذِّكْر عن غَيْرهما لشرفهما في قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} [الإسراء: 110]، وإن كان اسم (الله) أشرفَ، لتَقَدُّمه في الذِّكر عن الرحمن، كما أنّ كلمة الشهادة التي تنقل من الكفر للإسلام لم يذكر فيها إلا هذا الاسم: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله)، ولا تصحُّ الشَّهادةُ بغيره، ولعظم شَرَفه يَرْفَعُه اللهُ من الأرض في آخر الزمان إذا قبض روح المؤمنين، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تَقُومُ الساعةُ عَلى أَحد يَقُولُ اللهُ الله) ([13]) كما اختصَّ اسم الله تعالى (الله) بالأذان والتَّكْبير في الصلاة، كما اختصَّ اسم الله تعالى (الله): أن الكافر لو قال لا إله إلا هو لم يصح إسلامه، أما إذا قال لا إله إلا الله صح إسلامه، فوجب أن يكون هذا الاسم أشرف الأسماء، كما اختصَّ اسم الله تعالى (الله) بقوله تعالى: {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون}، فإن الله أمر عبده بالإعراض عن كل ما سوى الله والاقبال بالكلية على عبادته، بأن يذكر هذا الاسم، فدل على أن هذا الاسم أشرف الأسماء، والله تعالى أعلم.
(2) مفاتيح علم التقديس المتعلقة بصفات الله تعالى
[المفتاح الأول]: صفات الله تابعة لجناب ذاته، لها الكمال المطلق والقدم الازلي، (جناب الذات الإلهي): له الكمال المطلق والتقديس المطلق وله القدم الأزلي والبقاء الأبدي، وصفات الله تابعة لجناب ذاته، فهي قديمة كقدم الذات، لها الأولية بلا ابتداء، ولها البقاء بلا انتهاء، أزلية أبدية، فلا بداية ولا نهاية، ولا حد ولا غاية، صفات مطلقة لها غاية الكمال والقدم، و(صفات الحق سبحانه): ليست هي عين الذات ولا هي غير الذات، بل الصفات للذات، ولما كانت صفات المخلوق مكتسبة متغايرة، يكتسبها حينا ويفقدها حينا آخر، فهي غير الذات، ظن أهل الجهل بالله وصفاته أن صفاتِه غيرُه، وكيف تكون غيره وهي قديمة، ولا قديم إلا الواحد الأحد، وكيف تكون هي هو والصفات لا تقوم بنفسها وإنما بالذات، فـــ (القول الأمثل): أن نقول: الصفات لجناب الذات، فلا هي هو، ولا هي غيره، بل هي له، فليست هي عين الذات ولا هي غير الذات، بل الصفات للذات، تأخذ حكم الذات من حيث القدم والبقاء والكمال الذي لا يقبل أي زيادة ولا نقصان، والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان اعتقاد ذلك كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان.
وليس كثرة الصفات دليل على تعدد القدماء، بل الإله قديم واحد أحد بجناب ذاته، وجناب ذاته تتصف بكمال صفاته، (إن قلنا): صفاته عين ذاته فقد جعلنا الصفة عين الموصوف، وجعلنا الموصوف عين الصفة، وتصير الذات صفة والصفة ذات، ويصير الذات معنى والمعنى ذات، وهذا محال، و(إن قلنا): صفاته غير ذاته افترضنا وجود قدماء مع القديم وهذا تعدد للآلهة وهذا باطل محال، وافترضنا وجود أشياء قديمة منفصلة عن الذات او متصلة به، وهذا ايضا باطل محال لان الله تعالى أحد صمد له الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فلا أجزاء ولا ابعاض ولا تركيب ولا اتصال ولا انفصال، وعلى ذلك فــ (القول الأمثل): أن نقول: صفات الحق لا هي هو، ولا هي غيره، بل هي له، فليست هي عين الذات ولا هي غير الذات، بل الصفات للذات، تأخذ حكمها من حيث الكمال والإطلاق، و(القول الأمثل) أنّ نقول أنّ الصفات للذات، فــ (العليم) سبحانه: هو الذي ينكشف له كل معلوم من غير خفاء، فالعلم هي الصفة التي يتم بها الكشف والادراك، ولا يجوز أن نتوهم أنّ صفة العلم هي التي تكشف كل معلوم بل الذات هي التي تعلم وتدرك من حيث أنّ لها صفة العلم المطلق بكل شيء، فالله هو العليم الذي له صفة العلم، و(القدير) في حقيقته هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، فالقدرة هي التي يتم بها الفعل والترك، ولا يجوز أن تتوهم أن الصفة هي التي توجد وتعدم، بل الذات هي التي توجد وتعدم من حيث لها صفة القدرة فالله تعالى هو القادر وهو الموجد وهو المعدم، وهو المحيي وهو المميت.
[المفتاح الثاني]: جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات واجبة لله، ومعنى ذلك أنّ جميع الاسماء الحسنى تدل على صفات كمال وجلال وجمال تليق بجناب الذات الإلهي سبحانه، ليس كمثل جناب ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، (فالرحمن): يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله، و (الرحيم): يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي، وهكذا فكل اسم من الأسماء الحسنى يدل على صفة محكمة من صفات الله.
[المفتاح الثالث]: من العلم الراسخ بالله: العلم بصفات الله تعالى العلا: إذ أنّ معرفة صفات الله هي الطريق إلى معرفة الله، لأنّ الصفات عبارة عن سُبُل للتعبير عن الله، فصفة العلم تدل على أنّ الله تعالى لا يغيب عن علمه شيء، وصفة الرحمة تدل على أنّ رحمته وسعت كل خلقه ووسعت كل شيء.
والقول في الصفات كالقول في جناب الذات تماماً، فكما أنّ ذات الله تعالى وتقدس له الكمال المطلق منزه عن الكفء والمثيل، فكذلك الصفات تابعة للذات، ليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، لا ندرك من معانيها إلا ما تحتمله عقولنا، وأنى للعقول المحدودة والأفهام المخلوقة أن تحيط علماً بالصفات المنزهة عن التناهي والحدود، ولهذا كانت القاعدة التنزيهية أنّ الله تعالى أجلّ من أن تدرك صفاته، وإنّما نصفه على قدر إمكاناتنا المحدودة لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله علواً كبيراً عن أن يدرك المخلوق قدر صفاته، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 66]، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول (اللهم لا نحصي ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك).
[المفتاح الرابع]: الصفات الواجبة لله تعالى: منها ما هو واجب في الحكم العقلي، ومنها ما هو واجب بالشرع. (الصفات الواجبة من جهة العقل):
هي صفات الكمال التي أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى، ولا يمنع كون وجوبها عقلا ان الشرع قد اتى بها، ولهذا قال علماء الاصول أن: صفات الوجود والقدم والبقاء والوحدانية والمخالفة للحوادث، والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام، واجبة لله تعالى عقلا، لأن أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى، ضد صفة (الوجود) العدم، وضد (القدم) الحدوث، وضد صفة (البقاء) الفناء، وضد (المخالفة للحوادث) المشابهة للحوادث، وضد صفة (الوحدانية) وجود الشريك، وضد صفة (الحياة) الموت، وضد صفة (القيام بالنفس) الاحتياج، وضد صفة (القدرة) العجز،، وضد صفة (الإرادة) الاضطرار، وضد صفة (العلم) الجهل، وضد صفة (السمع) الصمم، وضد صفة (البصر) العمى، وضد صفة (الكلام) البكم.
ومنها ما هو واجب في الحكم الشرعي:
وهناك فرق في الاصطلاح بين الحكم العقلي والحكم السمعي، إذ الحكم السمعي هو ما كان إثباته عن طريق الشرع، ولا يلزم من اثباته استحالة ضده وانتفائه في حق الله تعالى، إذ أنّ الشرع دل على ثبوت صفة الرحمة لله وثبوت ضدها وهو شدة العقاب، وعند تطبيق تلك المصطلحات بدقة لن يكون هناك لبس في تعلم العلم، فإنّه إذا قيل واجب عقلي، فإنّ معناه الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وبالتالي فإنّ وجود الله تعالى واجب عقلي لأنّه لا يُتصور في العقل عدمه، إذ وجود جميع تلك المخلوقات والنظام الذي هي فيه يوجب في العقل وجود خالقها الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، أما (الرحمة) التي يتصف بها الرحمن سبحانه فإنّها واجب سمعي شرعي وليس عقلي، وتعريفه كما ذكرنا هو الذي دل الشرع على وجوبه، وقد أعلمنا الله تعالى بتلك الصفة بقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 98].
ومن ذلك نعرف خطأ غير المتخصص عندما يخلط بين الواجب العقلي والواجب السمعي، ويتهم السادة الأشاعرة أو السادة الماتريدية المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة بأنّهم أثبتوا ثلاث عشرة صفة، وألغوا بقيتها، وحاشاهم من ذلك، فإنّهم يتكلمون على الواجب العقلي الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وأما عند حديثهم على الواجب السمعي فإنّهم يجعلون جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات واجبة لله تعالى، والصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: تتمثل في صفات الوجود والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام وسيأتي بيانها بالتفصيل إن شاء الله عز وجل مع ذكر قواعد التنزيه المتعلقة بها، أما الصفات الواجبة لله في الحكم الشرعي فإنّ الأسماء الحسنى التي وردت في القرآن والسنّة جميعها يدل على صفات لله عز وجل وقد تقدم في المبحث السابق (التقديس والتنزيه والتوحيد في أسماء الله الحسنى) أسماء الله الحسنى الدالة على صفاته العلى.
[المفتاح الخامس]: الصفة الأولى من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الوجود: قال تعالى {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي أن وجود السماوات والأرض بما فيهما من عجيب صنع الله لا يدع مجالا للشك في وجود الله، وقديماً سُئل الأعرابي كيف عرفت ربك قال: البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير، الله موجود، وجوده ذاتي لا يقبل العدم، وهو الواجد كل موجود، كل موجود سواه فهو من خلقه محتاج إليه، والكل محفوف بعنايته ومحفوظ بحفظه، رب كل شيء وهو رب العرش العظيم، ملك الملوك وخالق كل مخلوق، ورازق كل موجود، لولا وجوده سبحانه ما وجد من العالم شيء، ولولا وجوده سبحانه ما تحرك ساكن ولا سكن متحرك، ولولا وجوده سبحانه ما بدأت حياة ولا انتهت أخرى، ولولا وجوده سبحانه ما انفلق عن الطين الضعيف شجر، ولا نبت في الشجر الجامد ثمر، ولا تعددت في البشر ألوانهم واختلفت ألسنتهم وتباينت آراؤهم وتنوعت أذواقهم وكلهم من جنس واحد وأفراد لنوع واحد، ولولا وجوده سبحانه ما كان من الطين نطفة ومن النطفة علقة ومن العلقة مضغة ومن المضغة عظاما ولحما ثم بشرا سميعا بصيرا عاقلا مريدا متكلما، وجعل من هذا البشر الزوجين الذكر والانثى، إن العقل ليقضي بأن أحق من يوصف بالوجود ويُنادى بالموجود هو من منح خلقه الوجود، أفاض على الممكنات من فيوضات وجوده، فأخرج ما شاء منها من العدم الخالص إلى الوجود، وخص كل موجود بصفات تخصه، وخص كل نوع بخصائص تميزه، ومنح كل فرد سماته الشخصية التي يتميز بها عن غيره، أفي الله شك؟ فاطر السموات والأرض، وخالق الجماد والنبات والطير والحيوان، وخالق الإنسان، إن وجود الله تعالى حقيقي لا شك فيه، ولكنه وجود مطلق، ليس كمثل وجوده وجود.
(الوجود): يدل الوصف به على جناب الذات دون معنى زائد، وإنما قدم الوجود على بقية الواجبات له تعالى لأنه أصل، وما عداه كالفرع، إذ الحكم بوجوب الواجبات في حقه تعالى لا يتعقل إلا بعد الحكم بوجوب الوجود، ومعنى كونه تعالى واجب الوجود أنه لا يجوز عليه العدم ولا يقبله لا أزلاً ولا أبداً، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]، وقال تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج:65]، فالدليل على أنّه واجب الوجود: أنّ العالم حادث، وكل حادث يفتقر إلى محدث، والمحدث للعالم هو الله تعالى، وكل من وجب افتقار العالم إليه فهو واجب الوجود، فوجب وجود الله تعالى.
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الوجود:
(أ) هناك فرق عظيم بين وجود الله ووجود المخلوقات وهي كل ما عدا الله سبحانه، فوجود الله ذاتي واجب لولاه لما وجد أي موجود ووجود جميع المخلوقات جائز يقبل الوجود والعدم ويطرأ عليها الفناء بعد الوجود.
(ب) وجود الله ذاتي ليس له ابتداء ولا انتهاء، فهو الأول ليس قبله شيء وهو الأخر فليس بعده شيء، ليس وجوده في إطار المكان لأنه خالق المكان وليس وجوده في إطار الزمان لأنه خالق الزمان، فهو سبحانه قبل الزمان والمكان.
(ت) الله موجود والخلائق موجودة ولكن وجودنا يسبقه عدم ويعقبه فناء وهو متعلق بإرادة الله يخلق ويعدم ويحي ويميت ويوجد ويفني أما وجوده سبحانه فهو ذاتي لا يقبل الحدوث ولا الفناء.
[المفتاح السادس]: الصفة الثانية من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة القدم: (الأول بلا ابتداء)، والمراد بالقدم في حقه تعالى: القدم الذاتي، وهو: عدم افتتاح الوجود، أو عدم الأولية للوجود. وأما القدم في حقنا فالمراد به الزماني، وهو طول المدة، وهذا مستحيل في حقه تعالى، لأنّه سبحانه لا يجري عيه زمان، فالقـدم هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى:{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ} [الحديد: 3]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء) ([14]). وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء قبله) ([15]). ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) وقال النـووي في الاذكار: حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد جيد”،([16]). وفيه وصف سلطان الله عز وجلَّ بالقِدَم وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم ذاته وأسماءه وصفاته.
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القدم:
(أ) القِدمُ معناهُ الأزلية فإذا قيل الله قديمٌ معناه لا ابتداءَ لوجودِهِ، هذا في حق الله أما في حق غيره إذا قيل قديم فمعناه مضى عليه زمانٌ طويلٌ.
(ب) الله تبارك وتعالى لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزمان، فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما.
(ت) قال أهلُ الحقّ: الموجوداتُ ثلاثةُ أقسامٍ: القسم الأول: أزليٌّ أبديٌّ وهو الله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلا، والقسمُ الثاني من الموجودِ: أبديٌّ لا أزليٌّ وهو الجنةُ وأهلها والنارُ وأهلها، والقسمُ الثالثُ: لا أزليٌّ ولا أبديٌّ وهو ما سوى الجنةِ والنارِ من المخلوقاتِ التي خلقها الله وكتب لها الفناء، وأما أزليٌّ لا أبديٌّ فهذا مستحيلٌ، الأزليُّ لا يكونُ إلا أبديًّا والله تعالى هو الأزليٌّ الأبديٌّ وحده.
[المفتاح السابع]: الصفة الثالثة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة البقاء: يجب وصف البقاء لله تعالى، والمراد بالبقاء في حقه تعالى عدم اختتام الوجود. ودليله: أنّ كل ما ثبت قدمه استحال عدمه، وقد ثبت له القدم، (البقاء): معناه أنه تعالى ليس لوجوده انقضاء ولا انتهاء دائم الوجود لا يفنى ولا يبيد موصوف بصفاته كلها في الأزل وهو كذلك لا يزال عليها إلى الأبد، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 25]، وقال تعالى:: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء) ([17]).
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة البقاء:
(أ) بقاء الله ذاتي لا يقبل الفناء ولا يقبل العدم، بقاء الجنة والنار وخلود أهل الجنة والنار، فبقاء الله ذاتي لا يجوز عليه العدم أو الفناء أما بقاء الجنة أو النار فهو بقاء متعلق بإبقاء الله تعالى لها، فهي باقية لأن الله أراد لها البقاء.
(ب) وكذلك فإن بقاء الله تعالى أبدي أزلي، وبقاء الجنة والنار أبدي غير أزلي، فالأزلي ما لم يزل، والأبدي ما لا يزال، والجنة والنار كائنتان بعد أن لم تكونا بإيجاد الله تعالى لهما.
[المفتاح الثامن]: الصفة الرابعة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة المخالفة للحوادث: ومعناها نفي المشابهة في جناب الذات، فليس جناب ذاته من جنس الأجسام والأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في البال فالله بخلاف ذلك. (المخالفة للحوادث): تقديس عن (الجسمية) وسماتها من (الجرمية) ولازمها (التحيز) و(العرضية) ولازمها (القيام بالغير) و(الكلية) ولازمها (الكبر) و(الجزئية) ولازمها (الصغر) إلى غير ذلك من سمات الأجسام كالفوقية والتحتية، والحركة والسكون، تقدس عن سمات الجسمية فهو سبحانه أحد صمد ليس بجسم، ولا بعرض، قال الله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} أي لم يكن له أحدا مكافئاً، مقدس عن المكان والزمان وعن الحد والمقدار تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، والدليل على ذلك: قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، ومن الأدلة من السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([18])، وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل.
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة المخالفة للحوادث:
(أ) لو كان القدوس يشبِهُ شيئًا من خلقِهِ لجازَ عليه ما يجوزُ على الخلقِ من التغيُّر والتطورِ والفناءِ، ولو جازَ عليهِ ذلك لاحتاج إلى من يُغَيّرُهُ والمحتاجُ إلى غيره لا يكونُ إلها فثبت أنه لا يشبِهُ شيئًا،.
(ب) قوله تعالى {ليس كمثله شيء} وهو أوضحُ دليلٍ نقليٍّ في ذلك جاء في القرءانِ لأنَّ هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ {شيء} في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة الخلق، لا يُشبِهُ شيئًا من ذلك، ولا يشبهه شيء.
(ت) ويشملُ هذا النفيُ {ليس كمثله شيء} تنزيهَهُ تعالى عن الكميةِ والكيفية، فالكميةُ هي مِقدارُ الجرم أي فهو تبارك وتعالى ليس كالجِرمِ الذي يدخُله المقدارُ والمِساحَةُ والحدُّ فهو ليس بمحدودٍ ذا مِقدارٍ ومَسَافَةٍ، ومن قال في الله تعالى إنَّ له حدًّا فقد شَبَّههُ بخلقِهِ، والله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدارٍ لاحتاج إلى من جَعَلَهُ على ذلك الحدّ والمقدارِ كما تحتاجُ الأجرامُ إلى من جَعَلَها بحدودها ومقاديرها لأن الشيء لا يخلقُ نفسَه بمقدارِهِ، فالله تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدارٍ كالأجرامِ لاحتاجَ إلى من جَعَلَهُ بذلكَ الحدّ لأنه لا يصحُّ في العقلِ أن يكونَ هو جَعَلَ نفسَه بذلك الحدّ، والمحتاجُ إلى غيرِهِ لا يكونُ إلها لأنَّ من شرطِ الألوهية الاستغناء عن كل شيء، فالله جل وعلا ليس كمثله شيء غيب الغيوب لا يدرك.
[المفتاح التاسع]: الصفة الخامسة: من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الوحدانية: إن معنى الوحدانية يرجع إلى أن البارئ جلّ وعلا واحد لا شريك له، أحد لا جزء له، فالله الواحد نفي للشريك، والله أحد تقديس عن الكثرة والانقسام والأبعاض والأجزاء، منزه عن التركيب، ولذلك قال الله تعالي عن نفسه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، فالشيء قد يكون واحدا ومع ذلك يكون مركبا من أجزاء أما الله تعالي فهو سبحانه واحد لا شريك له، أحد لا جزء له.
ومبحث (الوحدانية) أشرف المباحث، لذا سمي هذا العلم علم التوحيد. والله تعالى لما ثبت أنه لا خالق سواه، لزم أنه لا يستحق العبادة غيره، فمن اعتقد أنه لا رب ولا خالق إلا الله تعالى لم ير مستحقاً للعبادة إلا هو سبحانه، والقرآن كله يدور على هذا التوحيد وحقوق أهله والثناء عليهم، وفي شأن ذم الشرك وأهله وجزائهم، والتوحيد يشمل وحدة الذات والصفات والأفعال، أما وحدة الذات بمعنى عدم التركب من أجزاء، ووحدة الصفات بمعنى عدم تعددها من جنس واحد، كقدرتين فأكثر، وأما وحدة الأفعال بمعنى أنه لا تأثير لغيره سبحانه في فعل من الأفعال في الوجود كله.
ودليل (الوحدانية): أنه لو كان ثمة إلهان لما وجد شيء من الأكوان، لأنه لو كانا إلهين، فإما أن يتفقا أو يختلفا، ومحال أن يتفقا لأن مرتبة الألوهية تقتضي الغلبة المطلقة، كما يشير له قوله تعالى: {إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}، وعلى افتراض الاتفاق وهو محال فلا يمكن أن يوجداه معاً، لأنه إن أوجده الأول فالثاني لا محل له. ولا يمكن أن يختص أحدهما ببعضها والآخر ببعضها الآخر، لأنه إذا تعلقت قدرة الأول بشيء فمعناه انسداد الطريق أما قدرة الثاني للتعلق به، وهذا عجز يقضي بأنه ليس بإله، وإن اختلفا بأن أراد أحدهما إيجاد العالم، والآخر إعدامه، فلا يمكن أن ينفذ مرادهما معاً، لأنه يترتب عليه اجتماع الضدين، ولا يمكن أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، لأنه يعني عجز الذي لم ينفذ مراده، وهو بالتالي ليس بإله، إنما الذي نفذ مراده هو الإله، وإذا بطل التعدد لبطلان ما يترتب عليه ثبتت الوحدانية، وانتفى الشرك.
وقد ذكر الله سبحانه هذا الدليل في قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} أي لو كان فيهما آلهة مع الله -وهذا محال- لفسدتا بسبب التنازع، وأقسام التوحيد كثيرة ولا مشاحة في التقسيم إذ المقصود ان يشمل كافة أوجه التوحيد وأقسامه، فيجب اعتقاد وحدانية الذات من جهة نفي الشريك في الخارج ونفي الكثرة في جناب الذات، ويجب اعتقاد وحدانية الأسماء الحسنى فلا يشاركه سبحانه فيها كلها على حقائقها غيره، ووحدانية الصفات العلا لها الكمال المطلق لا حد لصفاته كما تقدس عن الحد ذاته، ووحدانية الأفعال فلا ثم إلا خلقه، ووحدانية الربوبية فلا رب سواه، ووحدانية العبودية فلا معبود بحق إلا هو، وكل هذه الأقسام يشملها توحيد الألوهية (لا إله إلا الله).
[المفتاح العاشر]: الصفة السادسة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الحياة: ويجب الإيمان بوجوب الحياة في حق الله عزّ وجلّ وهى صفة قديمـة قائمـة بذات الله تعالى، تصحح لموصوفها الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر، وما إلى ذلك من الصفات اللائقة به تعالى، والحياة صفة من صفات الله عَزَّ وجَلَّ الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، و(الحي) اسم من أسمائه تعالى، قال تعالى: {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]، وقال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت} [الفرقان: 58].
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الحياة:
(أ) حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 255].
(ب) وإذا كان كل حي حياتة قائمة بروح، فإن حياة الحي القيوم سبحانه ليست بروح، ودليل ذلك اقتران صفة الحياة مع صفة القيومية: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} فهو سبحانه القائم على صفاته بذاته، والمستغني بذاته عمّن سواه.
(ت) له سبحانه كمال الحياة، فهي حياة أزلية ليس لها ابتداء (الاول فليس قبلك شيء)، وهي حياة أبدية باقية ليس لها انتهاء (الآخر فليس بعدك شيء)، فهو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت، وهو الحي القيوم لا إله إلا هو، وكل حي فمحتاج إليه، مستمد حياته من فيض كرمه وجوده.
[المفتاح الحادي عشر]: الصفة السابعة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة القيام بالنفس: ومعناه أنه سبحانه قائم بنفسه مستغنٍ عمّن سواه، له كمال الغنى والقيومية، فهو سبحانه الغنيُ الحميد، والحي القيوم، فلا يحتاج إلى أحد والكل محتاج إليه، فقير إلى فضله وحمده وغناه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]، وقال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، والمراد من صفة (القيام بالنفس) عدم افتقاره تعالى إلى المحل والمخصص، فأما عدم افتقاره إلى المحل فيراد به عدم افتقاره إلى المكان، وأما المراد بالمخصص فيراد به عدم افتقاره إلى الموجد، ودليل عدم الافتقار إلى المخصص أنه لو افتقر إليه لكان حادثاً، كيف وقد سبق وجوب وجوده، وقدمه، وبقائه،.
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القيام بالنفس:
(أ) معنى قيامه تعالى بنفسه أنه تعالى منزه عن الحاجة، والحاجة نقص والمحتاج عاجز عما يحتاج إليه إلى أن يبلغـه، ويـدركه وللمحتاج إليه فضل بوجود ما ليس عند المحتاج فالنقص منفى عن القديم بكل حال والعجز غير جائز عليه.
(ب) القيام بالنفس هو غناه تعالى عن المحل، لذلك يستحيل أن يحتاج إلى مكان يؤويه أو زمان يحويه أو عرش يحمله، كان الله ولا شيء غيره أو قبله أو معه، وهو الواحد القهار.
(ت) الله تبارك وتعالى مستغنٍ عن كل شيء ومحتاجٌ إليه كلُّ شيء سِواهُ، والله تبارك وتعالى من كمال غناه وقيامه بنفسه لا ينتفعُ بطاعةِ الطَّائعينَ ولا يُضرُّ بعصيانِ العصاةِ، وكلُّ شيء سوى الله محتاجٌ إلى الله لا يستغني عن الله طرفةَ عينٍ، قال تعالى: {والله الغنيُّ وأنتم الفقراء} .
[المفتاح الثاني عشر]: الصفة الثامنة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة القدرة: وهي في حق الله عزّ وجلّ صفةٌ ذاتيةٌ وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجلَّ بالكتاب والسنة يتأتّى بها أيجاد الممكن وإعدامه، وهي تتعلّق بالممكن وهو كل ما يتعلق بالمخلوق، إما لإيجاده أو لإعدامه،، ولا تتعلّق بالواجب في حق الله تعالى أو المستحيل في حقة سبحانه، لأنها لو تعلّقت بالواجب في حق الله تعالى لإيجاده فهو موجود وجوباً، ولو تعلقت بالواجب في حق الله تعالى لإعدامه فهو لا يقبل العدم، ومثال ذلك تعلق قدرة الله تعالى بعلم الله تعالى، فلا يجوز، ولا يصح أن يقال: أن الله متى شاء أن يعلم فإنه يعلم، ومتى شاء أن لا يعلم فإنه لا يعلم، لأن العلم صفة واجبة لله تعالى، لا تعلق للقدرة بها، لأنه بكل شيء عليم، والجهل صفة مستحيلة في حق الله تعالى،، وبالتالي فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حقه سبحانه، لأنها لو تعلّقت بالمستحيل لإيجاده فهو لا يقبل الوجود لاستحالة وجوده، ولو تعلقت لإعدامه فهو معدوم أصلاً، والله تعالى على كل شيء قدير، بمعنى إيجاد الممكن – وهو كل ما يتعلق بالمخلوق – وإعدامه.
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة القدرة:
(أ) الفقه الصحيح لما تتعلق به القدرة: أن قدرة الله تعالى عامة لا يجوز تخصيصها، قال تعالى: {إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20]، ولكن في مجالها المتعلق بجميع الممكنات وجميع المخلوقات، فإن الله تعالى لو شاء أن يجعل العالم كله في حجم البيضة وأقل من ذلك لفعل لأنه على كل شيء قدير، ولكن قدرة الله تعالى لا تتعلق بالواجب في حق الله تعالى لأنه موجود لا يقبل الفناء، وكذلك فإن القدرة لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى لأنه معدوم لا يقبل الوجود.
(ب) قدرة الله لا تتعلق بالمستحيل في حق الله تعالى، كمثل شخص يقول: هل يكون الله تعالى قادراً على أن يخلق مثل نفسه؟، وهذا السؤال كفر والجواب عليه: لا نقول هو قادر ولا نقول غير قادر فالجوابان كفر والجواب الصحيح هو أن نقول أن قدرة الله لا تتعلق بإيجاد المستحيل في حق الله تعالى، والشيء المستحيل في حق الله تعالى لا يمكن أن يوجد، لأنه لو خلقه كان مخلوقاً، فلا يكون إلهاً، ولا خالقاً، ومثل ذلك تماماً، زعم النصارى أن لله تعالى الولد، وهذا مستحيل، لأن الولد جزء من أبيه، فالوالد لا يخلق ولده، وإنما هو جزء منه، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل، لأنه لا يُعرف بالحس، فلا يكون منه الولد، ولو كان منه الولد – سبحانه – لكان الولد قديماً، مثل أبيه، وكيف يكون قديماً وهو حادث، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد.
[المفتاح الثالث عشر]: الصفة التاسعة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الإرادة: وهي صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتة بالكتاب والسنة يتأتى بها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم كوجود المخلوق في زمن دون غيره وفى مكان دون آخر وعلى صفة أو هيئة دون غيرها وهكذا، لقوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]، وقوله تعالى:{فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج: 16]، وقوله تعالى:{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَم} [الأنعام: 25] وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أراد الله بقوم عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعثوا على أعمالهم). ([19]).
[المفتاح الرابع عشر]: الصفة العاشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة العلم:
العلم صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجلَّ بالكتاب والسنة وهي صفة أزلية متعلقة بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق انكشاف على وجه الإحاطة على ما هي به من غير سبق خفاء، فهو تعالى يعلم وجود ذاته وصفاته، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن كيف كان لو انه يكون، ويعلم في الأزل من يدخل الجنة ومن يدخل النار، ويعلم أفعال عباده، وكل ما يكون منهم. عالم بكل شيء، عليم بذات الصدور، لا تخفى عليه خافية، وعلم الله تعالى ذاتي لا يستفاد من المعلومات: قال تعالى:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14] وقال تعالى: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 98] وقال تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75].
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة العلم:
(أ) علم الله تعالى قديم كامل، ولهذا وجدت المخلوقات على هذه الدقة المتناهية لا خلل فيها ولا فطور، ووجد الكون على هذا الصنع البديع، قال تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88]، وقال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: 7].
(ب) علم الله تعـالى لا يقال عنه أنّه مكتسب لأن العلم المكتسب هو العلم الحاصل عن النظر والاستدلال، لأنه يلزم منه قيام الحوادث بذاته تعالى، ويلزم أيضاً سبق الجهل في حقه تعالى، وهو محال، فعلم الله قديم لا يوصف بانه كسبي ولا يوصف بكونه ضرورياً أو نظريا أو بديهياً أو يقينيا أو تصورياً أو تصديقياً، لأنه صفة أزلية تابعة لجناب الذات ليس لها نهاية ولا بداية، يعلم الله تبارك وتعالى جميع الأشياء، لا يضل ربي ولا ينسى.
(ت) صفة العلم صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا، لا يغيب عنه أي معلوم، وهو بكل شيء عليم.
(ث) علم الله قديم يعلم ما كان وما سيكون، وهناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا}، وقوله تعالى: {إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ}، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، والمراد ليظهر لهم متعلّق علمنا القديم، والمعنى: إلا لتعلموا أننا نعلم.
(ج) علم الله قديم كامل لا يتجدد له سبحانه علم بتجدد المعلومات عبر الزمان، لأنه لا يجري عليه زمان، ولا يكون الزمان فاعلا في علمه، ولان الكمال المطلق يمنع من ذلك، ولو تجدد له علم لكان علمه قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا، والإلهية لا تقبل النقصان، ولا عجب فالله يعلم كل أحوالنا وأحوال الكون كله قبل أن نوجد لأننا كنا جميعا في علم الله القديم، قال تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب:40].
[المفتاح الخامس عشر]: الصفة الحادية عشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة السمع: صفةٌ ذاتيةٌ قديمة قائمة بذاته تعالى ثابتةٌ لله عَزَّ وجَلَّ بالكتاب والسنة والإجماع ينكشف لله بها جميع المسموعات، فهو يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء، و(السميع) من أسمائه تعالى: قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقال تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]، وقال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1].
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة السمع:
(أ) سمع الله تعالى ليس كمثله شيء، فهو سمع منزه عن الأذن والصماخ، فهو يسمع بلا آلات كما أنه يتكلم بلا آلات، ولا يطرأ على سمعه ضعف ولا انقطاع، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
(ب) صفة السمع صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا، لا يغيب عنه أي مسموع مهما كان.
(ت) صفة (السمع) لا يجري عليها زمان، الله منكشف على سمعه جميع المسموعات ولا تختلط عليه الأصوات، فيسمع ما كان وما يكون وما هو كائن من كلام أهل الجنة والنار مما لا انقضاء له، لأن سمعه محيط بكل خلقه لا يجري عليه زمان، فلا يتجدد له سمع بتجدد المسموعات، ولا يكون الزمان فاعلا في علمه الأزلي ولا سمعه الازلي ولا بصره الازلي، لا يتجدد له سبحانه لا علم ولا سمع ولا بصر، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك، ولو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما.
ولا عجب من ذلك فالله يسمعنا ويرانا ويعلم كل أحوالنا قبل أن نوجد لأننا كنا في علم الله القديم، وسمعه القديم وبصره القديم، قال تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}[النساء:134].
[المفتاح السادس عشر]: الصفة الثانية عشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة البصر: صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه تحيط بجميع المبصرات وينكشف لله تعالى بها جميع الموجودات، و(البصير): اسم من أسمائه تعالى، قال تعالى: {إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصـِيراً} [النساء: 58]، وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقال تعالى: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: 56].
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة البصر:
(أ) الله تعالى ليس كمثله شيء في بصره ورؤيته، يرى سبحانه من غير احتياج لحدقة أو واسطة أخرى وإن رؤيته أزلية لا يطرأ عليها ضعف ولا انقطاع.
(ب) صفة البصر صفة واجبة قائمة بذات الله تعالى ليست تابعة للمشيئة بل هي تابعة للذات والله موصوف بها أزلا وأبدا، لا يغيب عنه أي مرئي مهما كان، {إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصـِيراً}.
(ت) الرؤية والبصر معنى واحد يشمله صفةٌ البصر:قال تعالى{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}[طه: 46].
(ث) البصر صفة واجبة لله تعالى لأنه تعالى لو لم يكن سميعاً بصيراً لكان ذلك نقص تنزه وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
(ج) صفة (البصر) لا يجري عليها زمان، الله منكشف على بصره جميع المبصرات، فلا يتجدد له بصر بتجدد المبصرات، ولا يكون الزمان فاعلا في بصره القديم، له الكمال المطلق في كل صفاته، لا تقبل الزيادة ولا القصان، ولا عجب من ذلك فالله يسمعنا ويرانا ويعلم كل أحوالنا قبل أن نوجد لأننا كنا في علم الله القديم، قال تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}[النساء:134].
[المفتاح السابع عشر]: الصفة الثالثة عشرة من الصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: صفة الكلام:
صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه، دليلها: قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، و (الكلام) صفة أزلية قديمة منزهة عن كل معاني الحدوث، كلام الله ليس كمثله كلام فهو أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن، وكلامه تعالى صفة واحدة، لا تعدد فيها، لكن لها أقسام اعتبارية، فمن حيث تعلقه بطلب فعل الصلاة (أمر)، ومن حيث تعلقه بطلب ترك الزنا (نهى)، ومن حيث تعلقه بأن فرعون فعل كذا (خبر)، ومن حيث تعلقه بأن الطائع له الجنة (وعد)، ومن حيث تعلقه بأن العاصي يدخل النار (وعيد)، إلى غير ذلك من الأقسام، و(الكلام) يطلق على الكلام النفسي القديم بمعنى: أنه صفة قائمة بذاته تعالى، ومع كون اللفظ الذي نقرأه حادثاً لا يجوز أن يقال: القرآن حادث، لربما يتوهم من إطلاق ذلك أن الصفة القائمة بذاته تعالى حادثة، وصفاته كلها قديمة، ومن نسب القرآن لغير الله تعالى فهو على خطر عظيم، قال الطحاوي: “من سمعها – أي آيات القرآن – فزعم أنها كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وأوعده بسقر حيث قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} فلما أوعده الله تعالى بسقر على قوله: {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ} “علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر” أهـ ([20]) .
ومن التنزيه والتقديس المتعلق بصفة الكلام:
(أ) القرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو كلام الله القديم، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله تعالى.
(ب) كلام الله ليس كمثله كلام فهو قائم بذات الله ليس بحرف ولا صوت ولا يتجدد ولا يطرأ عليه سكوت ولا يتصف بتقديم ولا تأخير ولا ابتداء ولا انتهاء ولا كل ولا بعض ويتعلق بكل ما يتعلق به العلم، ولا يقال عنه كما يقول اهل الحشو: أنه يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء ومن اعتقد ذلك فقد جعل الكلام محدودا مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان، وهذا كله عجز ونقص يتنزه الله تعالى عنه، ونحن لا نملك إلا أن نقول: العجز عن دَرَك الإدراك إدراكُ والكيف مخلوق، والكيف يستحيل على الله.
(ت) كلام الله تعالى ليس كمثله كلام، وليس كلامه تعالى من جنس كلام البشر بحرف وصوت، ولا يوصف كلام الله تعالى بتقديم ولا تأخير ولا وقف ولا سكوت ولا وصل ولا فصل، لأن هـذا كله من صفات الحوادث، وهى محالة عليه تعالى، وكلامه أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق.
(ث) كلام الله تعالى قديم لا يجري عليه زمان فليس هو تعاقب الحروف ولا الكلمات، فإن الله تعالى منزه عن جريان الزمان عن جناب ذاته وصفاته وأفعاله، وإنما يجري الزمان على خلقه ومتعلقات كلامه.
(ج) الكلام القديم الأزلي هو معنى وراء الأصوات والحروف، وهو المعنى القائم بذات الله تعالى، وهو غير العبارات واللغات إذ قد تختلف العبارات واللغات بالأزمنة والأمكنة والأقوام، وصفة الكلام غير صفة العلم، رغم أنّه عام التعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، مثل العلم، لكن تعلق العلم على سبيل الكشف، أما تعلق الكلام فعلى سبيل الدلالة، فالعلم كشف الشيء على حقيقته بغير سبق خفاء، والكلام دلالة على مراد الله بغير سبق سكوت، فصفة الكلام ليست هي صفة العلم، ولا هي صفة الإرادة، بل هي صفة ذاتية تدل على أوامر الله، و(الكلام) صفة قائمة بالنفس قديمة لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى، وكلامه سبحانه واحد وانقسامه إلى الأمر والنهي والاستفهام والخبر والنداء بحسب التعلق.
(خ) القرآن الكريم كلام الله تعالى، مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور ليس كمثل كلامه كلام، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41،42]، وتحدى جميع الخلق ان ياتوا بمثله، وأعلمهم انهم لن يفعلوا، فقال تعالى: { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [ البقرة: 23،24]، وقال تعالى: { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [ الإسراء: 88].
(د) أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة، فقالوا: صفة الكلام من صفات الفعل، فكأنما من لازم قولهم أنّ الله تعالى يخلق صفاته، لأنّ الكلام صفة لله، فكيف تكون من صفات الفعل كالخلق والرزق وهما متعلقان بالمخلوق محددان ومقدران، قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً}، وقال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، وقال تعالى: {قد جعل الله لكل شيء قدرا}، وقال تعالى: {وكل شيء عنده بمقدار}، ومعنى هذه الآيات أن الخلق والرزق محدد مقدر فهل الكلام كذلك، وكيف يكون كذلك وقد قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109].
واخطأوا عندما قالوا: أنه قديم النوع حادث الآحاد، بمعنى أنّ أصله قديم وأنّ آحاده محدثة، وأنه تعالى ينشئ الكلام متى شاء ويسكت عن الكلام متى شاء، وهم هكذا جعلوا الزمان فاعلا في كلام الله، وجعلوا كلام الله تعالى متعلق بالزمان ينشئ الكلام متى شاء ويسكت عنه متى شاء، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست مطلقة بل محدودة، والقرآن الكريم – على لازم قولهم – محدث لأنه كان بعد أن لم يكن، ويحدون الصفة في حال السكوت على ظنهم، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، صفة (الكلام) قديمة أزلية لا يجري عليها زمان، فلا يتجدد له كلام، ولا يكون الزمان فاعلا في كلامه القديم، له الكمال المطلق في كل صفاته، ومنها كلامه فلا يقبل الزيادة ولا القصان، لأنه إن قبل الزيادة كان قبلها ناقصا، وإن قبل النقصان لم يكن كاملا، وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان، ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أما مقولة (قديم النوع حادث الآحاد) فلا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، يقولون على الله جل جلاله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
[المفتاح الثامن عشر]: الصفات الثابتة لله تعالى من جهة الشرع: جميع الصفات التي دلّت عليها الأسماء الحسنى ثابتة لله تعالى من جهة الشرع: ف (الرحمن): يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله، و (الرحيم): يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي، و (الملك): يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي، و (القدوس): يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول، و (السلام): يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء، و (المؤمن): يدل على صفة التأمين والصدق مع عباده فيما وعدهم به من الأجر والثواب، و (المهيمن): يدل على صفة الهيمنة والرعاية والوقاية والصيانة والرقابة والحفظ لكل خلقه، والقيام على خلقه بأعمالهم، وأرزاقهم، وآجالهم، و (العزيز): يدل على صفة العزة التي لا ترام والقوة التي لا تقهر، والغلبة على كل شيء، و (الجبار): يدل على صفات العظمة والجبروت والقهر ونفاذ المشيئة، و (المتكبر): يدل على صفة التفرد بالعظمة والكبرياء والتعالي عن مشابهة الخلق، و(الخالق): يدل على صفة التقدير والإيجاد لكل شيء والخلق لكل موجود سواه، و (البارئ): يدل على صفة إبراز خلقه إلى الوجود بقدرته لا عن مثال سابق، و (المصور): يدل على صفة التصوير، وأنه هو الذي صور جميع الموجودات، ورتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها، وهكذا جميع الاسماء الحسنى تدل على صفات محكمة الله تعالى، وهذه الصفات التي تؤدي إلى المعرفة الصحيحة بالله تعالى، ومن عرف الله تعالى افرد له الربوبية والإلهية وكمال المحبة والتذلل والانقياد.
[المفتاح التاسع عشر]: المتشابهات أخبار لا تدل بالضرورة على صفات، وقد سماها بعض علماء أهل السنّة والجماعة الصفات الخبرية.
و(الصفات الخبرية): هي الصفات التي وردت بها الأخبار من الكتاب والسنة الثابتة، وهي تدخل في المتشابهات لأنها توحي بالمشابهة أوالجارحة أوالتغير والحدوث، ومن ذلك (الوجه) و(النفس) و (العين) و (اليد) و (الأصابع) و (القدم)، ومنها ما يوحي بالجلوس والاستقرار كالاستواء، ومنها مايوحي بالحركة والانتقال كالنزول والمجيء، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك، وهذه في حقيقة الأمر أخبار تتضمن عند اثباتها على ظواهرها نقصاً يتنزه الله تعالى عنه، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم، وعلى الوجه الذي يدل على الكمال، مع تنزيه الله تعالى عن أوجه النقص فيها، مع الاحتراس عن نفي ما أثبته الله تعالى.
ومثال ذلك (الوجه) اثباته على ظاهره قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، صمد لا تركيب فيه، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له.
فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها.
(الطريق الأول): اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة.
(والطريق الثاني): حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات.
(والطريق الثالث) تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها (الذي هو الجزء من الذات) مع تنزيه الله تعالى عن النقص، مع الحذر – كل الحذر – من اثبات الوجه على أنه جزء من الذات، فهذا تشبيه، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة، لما فيه من محاذير اثبات للحد والنهاية، واثبات للجزء والبعض والجارحة، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والجارحة ومنزه عن الحد والنهاية.
ومثال الصفات الخبرية أيضا (الاستواء) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالحد والنهاية لذات الله، وهذا وصف لذات الله تعالى بالنقص، لأنّ الحد يعني النهاية والله تعالى منزه عن النهاية لأنها سمة المخلوق المحدود، وكذلك فإنّ عقيدة المسلمين أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وهو أكبر من الحدود، وكل محدود فإنه يجوز أن يكون ما هو أكبر منه، والله أكبر من كل تصور فوجب أن يكون منزها عن الحدود، كما أنّه الواحد القهار الذي قهر الحدود، وهو الكبير المتعال الذي تعالى عن النهايات.
فإثبات الاستواء على معناه الظاهر (الجلوس)، قد يوحي بالمقابلة أو المحايثة بين الخالق والمخلوق وبين الرب والعرش المربوب، وهذا محال لأنّ الله تعالى قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم، وهي أحدى ثلاث طرق صحيحة لا رابع لها، إما اثبات الاستواء على سبيل الصفة لا سبيل الجلوس والاستقرار، وإما حمل الآية على المجاز المراد من الاستواء وهو علو الهيمنة والربوبية والتدبير، وإما تفويض علمه إلى الله، (استواء على مراد الله ومراد رسول الله) مع المنع من تفسيره على ظاهره (الذي هو الاستقرار والجلوس على العرش) مع تنزيه الله تعالى عن النقص المتمثل في الحد والنهاية والتكييف كجلوس الملك على كرسي عرشه، مع الحذر من اثبات الاستواء على أنه الجلوس، فهذا تشبيه، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة، ومع الحذر من نفي (الاستواء) كأن يقول: ليس للرحمن صفة الاستواء على العرش، فهذا تعطيل وخروج عن إطار أهل السنّة إلى الاعتزال.
ومسالك علماء أهل السنّة والجماعة في اثبات تلك الصفات الخبرية: ثلاثة مسالك معتمدة، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو :
المسلك (الاول): طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه.
والمسلك (الثاني): اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة منزهة عن الجارحة والحد والصورة، واثبات الاستواء صفة لله تعالى منزها عن الجلوس والتحيز والحد والجهة الحسية، واثبات الضحك والغضب صفات لله تعالى منزهة عن التغير والحدوث والانفعالات الحسية، وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف لقوله تعالى:ليس كمثله شيء}، وقوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} وقوله تعالى:{هل تعلم له سميا}.
والمسلك (الثالث): حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها، ومثاله حمل الوجه على الذات، وحمل اليد على مقتضي الآية، ففي قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} تحمل على الكرم والجود والعطاء، وفي قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى: {مما خلقت أيدينا أنعاما}، وقوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد}، وقوله تعالى: {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، وهكذا، وقد تقدم بيان ذلك، وحمل الضحك في حديث (يضحك ربنا) إلى علامة الرضا وإرادة الثواب، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة.
والفرق بين هذه المسالك: أن المسلك الأول: يعامل الآيات والأحاديث على أنها من المتشابه فلا يجزم بانه صفات أو أخبار، فلا يفسر ولا يخوض ويرويها كما جاءت على مراد الله ومراد رسوله، والمسلك الثاني: يعامل الآيات والأحاديث على أنها تدل على صفات منزهة عن مشابهة المخلوقين ومنزهة عن المستحيلات في حق الله تعالى، والمسلك الثالث يعاملها على انها أخبار تحمل معاني محكمة وأخرى متشابهة فيتم حمل المتشابه على المحكم عملاً بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} فيفسرون الآية او الحديث بما سيق لأجله دون التعرض لمتشابه أو حمل المتشابه على المحكم، فمثلاً حديث النزول سيق لبيان فضل الثلث الآخر من الليل وليس لبيان كيفية النزول، فنفسره بذلك، ولا نتعرض للنزول، أو نجعل المقصود من النزول هو نزول الرحمة وقبول الدعاء، مع عدم نفي خبر النزول، وبهذه الاقوال الثلاثة أقرّت وقَبِلت وأيدت مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة وهي مدارس الاثرية والأشعرية والماتريدبة، وقالوا يجوز لكل مسلم أن يسلك أحد تلك المسالك الجائزة ولا تثريب عليه بها، وإنما الخلل لمن مال إلى المشبهة والمجسمة وأبى إلا الظاهر المتبادر إلى الذهن مع رفضه التنزيه، أو مال إلى المعتزلة وغامر ونفى ما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة بحجة التنزيه.
ومن أقوال العلماء في بيان مذاهب أهل السنة والجماعة المعتمدة في باب الصفات الخبرية: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لحديث الرؤية: ” اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين: أحدهما وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق، وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم، والقول الثاني: وهو مذهب معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على حسب مواقعها، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله بأن يكون عارفاً بلسان العرب وقواعد الأصول الفروع ذا رياضة في العلم ” أهـ ([21])
وقال مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات: ” ومن المتشابه الاستواء في قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى}، وقوله: {ثم استوى على العرش} [الأعراف 54]، وهو مذكور في سبع آيات من القرآن، فأما السلف فإنهم لم يتكلموا في ذلك بشيء جريا على عادتهم في المتشابه من عدم الخوض فيه مع تفويض علمه إلى الله تعالى والإيمان به .. ويروى عن الشعبي أنه سئل عن الاستواء فقال: هذا من متشابه القرآن نؤمن به ولا نتعرض لمعناه وعن الشافعي أنه قال لما سئل عن الاستواء آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض غاية الإمساك وعن أحمد بن حنبل أنه قال استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر وكلام السلف مستفيض بمثل هذا ” أهـ([22]) .
(تنبيه): الخلاف بين أهل السنّة والجماعة وبين الحشوية يكمن في الصفات الخبرية، لأنّ الحشوية والمجسمة -وحدهم- مصرون على اعتماد ظواهر تلك المتشابهات، التي ترسم في أذهانهم شكل الذات، تعالى الله عما يصفون، وذلك لما ترسخ في أذهانهم من التشبيه والتجسيم، وهو داء عضال يشبه داء الكلب إذا تحكم في صاحبة فإنه يجري منه مجرى الدماء في العروق، ولهذا يمنعون التأويل ويحاربونه لأنه يعارض بدعتهم، كل الطوائف أقرت بالتاويل وقت الحاجة لضرورة التنزيه إلا هؤلاء، وقد قال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه القيم أساس التقديس: (جميع فرق الإسلام مقرون بأنه لابد من التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار، أما في القرآن: فبيانه من وجوه: (الأول): هو انه ورد في القرآن ذكر الوجه، وذكر العين، وذكر الجنب الواحد، وذكر الأيدي، وذكر الساق الواحدة، فلو أخذنا بالظاهر، يلزمنا اثبات شخص له وجه واحد، وعلى ذلك الوجه أعين كثيره وله جنب واحد وعليه أيد كثيره وله ساق واحده، ولا نرى في الدنيا شخصا اقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة، ولا اعتقد ان عاقلاً يرضى بأن يصف ربه بهذه الصفة، (الثاني): انه ورد في القرآن: أنه تعالى نور السماوات والأرض وان كل عاقل يعلم بالبديهة: أن إله العالم ليس هو هذا الشيء المنبسط على الجدران والحيطان، وليس هو هذا النور الفائض من جرم الشمس والقمر والنار فلابد لكل واحد منا، من أن يفسر قوله تعالى: {الله نور السماوات والارض} بأنه منور السماوات والارض أو بأنه هاد لأهل السماوات والارض، او بأنه مصلح السماوات والارض، وكل ذلك تأويل، (الثالث): قال الله تعال: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}، ومعلوم ان الحديد ما نزل جرمة من السماء الى الارض، وقال: {وأنزل لكم من الانعام ثمانية ازواج}، ومعلوم: أن الأنعام ما نزلت من السماء الى الارض، (الرابع): قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم}، وقوله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، وقوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم}، وكل عاقل يعلم: ان المراد منه القرب بالعلم والقدرة الإلهية، (الخامس): قوله تعالى: {وأسجد وأقترب}، فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فأما القرب بالجهة: فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود، (السادس): قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)، وقال تعالى: {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون}، (السابع): قال تعالى: {من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا} ؟ ولا شك أنه لا بد فيه من التأويل، (الثامن): قوله تعالى: (فأتى الله بنيانهم من القواعد)، ولا بد فيه من التـأويل، (التاسع): قال تعالى لموسى وهارون: { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [ طه: 46]، وهذه المعية ليست إلا بالحفظ والعلم والرحمة فهذه وأمثالها من الأمور التي لا بد لكل عاقل من الاعتراف بحملها على التأويل وبالله التوفيق، أما الأخبار: فهذا النوع فيه كثرة، (فالأول): قوله عليه السلام حكاية عن الله سبحانه وتعالى: (مرضت فلم تعدني، استطعمتك فما أطعمتني، أستسقيتك فما أسقيتني)، ولا يشك عاقلاً: أن المراد منه التمثيل فقط، و (الثاني): قوله صلى الله عليه وسلم (حكاية عن ربه) من أتاني يمشى أتيته هرولة، ولا يشك عاقلاً في أن المراد منه التمثيل والتصوير… فثبت بكل ما ذكرنا: إن المصير الى التأويل أمر لا بد منه لكل عاقل، وعند هذا قال المتكلمون: لما ثبت بالدليل أنه سبحانه وتعالى منزه عن الجهة والجسمية، وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار: محملاً صحيحاً، لئلا يصير ذلك سبباً للطعن فيه) أهــ ([23])
[ المفتاح العشرون]: موقف المسلم من متشابهات الأخبار التي تُعارض المحكم من عقيدة التقديس: الصفات الخبرية والتي في اثباتها على ظواهرها محاذير عظيمة، وتحتاج إلى الرسوخ في العلم، والفقه في الدين عند الحديث عنها، وهذه لها ثلاثة مسالك معتمدة عند أهل السنة والجماعة:
المسلك (الاول): إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه، وامراره على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
والمسلك (الثاني): اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد.
والمسلك (الثالث): حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها، وتسير الآية أو الحديث وفق السياق والسباق واللحاق ومثاله حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}، وحمل اليد على مقتضي الآية، ففي قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} تحمل على الكرم والجود والعطاء، وفي قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى: {مما خلقت أيدينا أنعاما}، وقوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد}، وقوله تعالى: {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة، وما سوى ذلك فهو ميل إلى الاعتزال، وفي المقابل ميل إلى الحشو والتشبيه، وكلاهما من البدع الضالة.
***
(3) مفاتيح علم التقديس المتعلقة بأفعال الله تعالى
[المفتاح الأول]: الكون كله خلق الله، وكل ما في الوجود خلقه، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود وكل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتى الافعال التي تصدر منا هي في الأساس من خلق الله تعالى، كما قال سبحانه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]،.
[المفتاح الثاني]: ذات الحق سبحانه لغاية الكمال استلزمت صفات الكمال وأفعال الكمال، لذا فإنّ لصفات الأفعال: تعلقان تعلق بالله وتعلق بالمخلوق، فما تعلق منها بالقديم قديم، وما تعلق بالمحدثات محدث، وبيان ذلك، أن أفعال الله تعالى تابعة لصفاته، وصفاته قديمة قائمة بذاته، وذاته قديمة أزلية لا تقبل الحدوث.
و(صفات الأفعال) كالخلق والرزق والإحياء والإماتة فهي تعلقات صفة القدرة، والقدرة صفة أزلية قائمة بذاته تعالى يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق الإرادة، لذا وجب أن يقال: أنّ الله سبحانه هو الخلاق منذ الازل، والخلق (أثر) لصفة الخلق عنده، لم يستفد من خلقهم اسم الخلاق، جميع الخلق قدماء الثبوت في علمه القديم الأزلي، وهم محدثون بإرادته القديمة، فما تعلق بالقديم الأزلي قديم أزلي، وما تعلق بالمحدثات محدث، سبحانه هو الخلاق منذ الأزل لثبوت صفة الخلق لديه، وكل مخلوق فهو قديم الثبوت في علم الله الواسع، حادث الوجود بقدرة الله القديمة الأزلية، وهو سبحانه الرزاق منذ الازل، كل الأرزاق قديمة الثبوت في علمه القديم الواسع، حادثة الوجود في أوقاتها بفيض كرم الرزاق، لم يستفد من رزقهم اسم الرزاق، فالأرزاق أثر لاسمه الرزاق وهو الرزاق منذ الازل.
قال الطحاوي رحمه الله – معبراً عن عقيدة أهل الإسلام -: (ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا، لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليا، كذلك لا يزال عليها أبديا، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق) أهـ ([24])
(إذن) صفات الله أزلية قديمة لها الكمال المطلق منذ الازل، وكل ما تنعم به الاكوان من نعم الايجاد والامداد إنما هي محض فضل من الله الكريم الوهاب منذ القدم في الأزل حيث الإرادة القديمة والمشيئة القديمة والعلم القديم والقدرة القديمة، وكل صفات الله تعالى قديمة وعاملة منذ الازل له سبحانه الكمال المطلق منذ الازل.
[المفتاح الثالث]: الكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث، ولا يقبل زيادة ولا نقصان، فهو الخلاق منذ الازل حيث اقتضت الارادة القديمة وجود الخلائق، ولا تناقض بين قدم الارادة وحدوث الأكوان في زمان دون زمان، لأن الإرادة حددت الزمان في الازل حيث كان الزمان معدما، ثم حدث الزمان بوجود الاكوان، وحدوث الحركة بين الأكوان، فكان على ما شاء الرحمن في علمه الأزلي القديم، والحاصل: أنّ كل مخلوق وكل حادث في الكون المنظور والغير منظور، له تعلقان تعلق بجناب الحق قديم، وتعلق بالمخلوق محدث، وكل موجود هو قديم الثبوت في علم الله، حادث في الكون بمشيئة الله، وقد أخطأ في هذا الأمر صنفان، من قال أنّ أفعال الله حادثة بإطلاق، ومن قال أن أفعال الله قديمة بإطلاق، والصواب إن شاء الله تعالى ان نقول: أنّ لها تعلقان، فما تعلق منها بالحق قديم أزلي، وما تعلق بالمخلوقات محدث مخلوق.
(تنبيه): أهل الحشو يظنون بقبول جناب ذات الله تعالى للحوادث وهذا جهل بالله عظيم، نص ابن تيمية وأتباعه على قيام الحوادث بجناب ذات الله، ولم يوافق في قوله هذا أحدًا إلا الكرامية المجسمة، ومن العجب أن يقول هذا معرضا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرآن الكريم في سورة الانعام {لا أحب الآفلين} أي لا يصلح المتغير ان يكون إلها، وهؤلاء خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، ويقولون بأن الحوادث التي تحدث في جناب ذاته هي أقواله وإراداته وتجدد معلوماته وتجدد إدراكه للمسموعات والمبصرات، ويزعمون ان علم الله يتجدد عندما يقوم عباده بما قدر عليهم من أعمال، وان السمع والبصر يتجددان كذلك برؤيته لعباده وسمعه لكلامهم، وأن الله تعالى يبتدئ الكلام بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وأن خلق الله يتوالى على الدوام وأن أرزاقه تتوالى على خلقه وأنه يغني هذا ويشفي هذا، وكلها شبه زائفة، وأساسها قياس الحق على الخلق، والقدم الأزلي لجناب الذات الإلهي يمنع من قبول الحوادث، لا سبيل للحدوث إليه، فليس في جناب ذاته شيء حادث ولا في صفاته شيء حادث، (شرط الإله) أن يكون منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}، ثم قال في حق الشمس: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، نفس العلة (الافول) أي التغير والحوث، لذلك قال لهم {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} تنبيها لقومه على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح شيء منها للإلهية.
مشكلة اهل الحشو أنهم دائما يقيسون الغائب على الحاضر مع انه ممتنع في حق الله تعالى لأنه ليس كمثله شيء فلا يصح القياس، قدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات: له قدم العلم، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، يقيسون الله على خلقه، والحاصل أنّ صفات الله أزلية قديمة لها الكمال المطلق منذ الازل، وكل ما تنعم به الاكوان من نعم الايجاد والامداد إنما هي محض فضل من الله الكريم الوهاب منذ القدم في الأزل حيث الإرادة القديمة والمشيئة القديمة والعلم القديم والقدرة القديمة، وكل صفات الله تعالى قديمة وعاملة منذ الازل لها الكمال المطلق منذ الازل.
[المفتاح الرابع]: جناب الذات الإلهي له الكمال المطلق، وإنما الاكوان والخلائق والأعمال ظهرت كأثر لتجليات جناب الذات بأسمائه وصفاته، والأكوان ظهرت كآثار لرحمة الله، كما في قوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50].
هوالعالم قبل أن توجد المعلومات، وهو الخالق قبل أن يخلق الخلق، وهو الرازق قبل أن يرزق الخلق، لان أسماءه قديمة والخلق محدثون، ويستحيل أن يستفيد القديم من المحدث، وإلا لم يكن قديما، وكذلك فإن وجود الاكوان والمخلوقات ليس أمرا حتميا على الله لان هذا يُبطل كمال الإرادة والمشيئة، فإن الله تعالى له المشيئة المطلقة والارادة النافذة، قال تعالى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}، وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.}.
فالله تعالى أراد الكون على هذه الحال وتلك الصورة، ولذلك قال المحققون من اهل العلم: أن ذاته ما كملت بالصفات بل ذاته لغاية الكمال استلزمت صفات الكمال، وصفات الكمال استلزمت كمال الأفعال، و(مثال ذلك): علم الله قديم، يعلم ما كان وما سيكون، وليس معنى ذلك: أنّ علم الله القديم بالمحدثات والمخلوقات يوجب وجودها أمرا حتميا يؤثر على مطلق الإرادة والمشيئة، لأن صفات الحق كلها قديمة، أولية بلا ابتداء، وكلها عاملة منذ الأزل، كانت قبل أن يجري الزمان، كل صفة تَعَلق بها ما اختصت به، فالمعلومات تعلقت بالعلم، والمقدورات تعلقت بالقدرة، والممكنات تعلقت بالمشيئة، والمسموعات تعلقت بالسمع، والمبصرات تعلقت بالبصر، وجميع صفاته قديمة لم تتدرج وفق زمان، بل كانت منذ الازل – قبل جريان الزمان – تامة كاملة لها الكمال المطلق فلا تزيد ولا تنقص عما هي عليه من الكمال، لأنها لو قبلت الزيادة لم تك قبل الزيادة كاملة ولو قبلت النقصان فليست بقديمة لها الكمال، فكل معلوم يتعلق بالعلم القديم وكل ممكن موجود يتعلق بالمشيئة القديمة والارادة الأزلية والقدرة النافذة.
وعلى ذلك فكل الافعال لها تعلقان تعلق بالله قديم وتعلق بالخلق محدث، ما تعلق بالله قديم لأنه القديم وما تعلق بالمخلوق محدث لأنه محدث، ووجود الاكوان والمخلوقات لم يكن وجودها حتما على الله، لأنها صدرت بمحض إرادة الإله الحق ووفق مشيئته، ومن لوازم المشيئة نفي الاضطرار.
(تنبيه): زعم البعض ان الله تعالى خلق العالم ليظهر ذاته وصفاته ويُعمل أسماءه، فصار حاصل كلامهم أن الحق استفاد من خلقه، ومعاذ الله من ذلك، لأنه يحمل معاني استكمال النقص بالغير، والإله تعالى له كمال الغنى عن الخلق، وانما كمال الذات استلزم كمال الصفات وكمال الصفات استلزم كمال الأفعال، وإنما الخلق أثر ونتيجة لتجليات الأسماء والصفات، فالكون كله بما فيه أثر لعمل الاسماء والصفات، فليس الهدف من خلق الخلق إظهار جناب الذات الإلهي والأسماء الحسنى والصفات العلا، وإلا كان المعنى انه لولا الخلق لما ظهرت الاسماء والصفات، وكأنّ للخلق منة – والعياذ بالله – على الرحمن، معاذ الله، بل هو الظاهر الذاتي، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الظاهر في الأزل والأبد، وليس خلق الخلق وسيلة إلى إظهار الذات والاسماء والصفات، بل كان الخلق نتيجة لتجليات الأسماء والصفات، وصارت المنة للرحمن على خلقه، أن خلقهم من عدم وتكرم عليهم بالإيجاد والامداد تفضلا منه ورحمة، وهو الغني عنهم أزلا وأبدا وهم الفقراء إليه، والله هو الغني الحميد.
(الخلاصة): حدوث الاكوان لا يغير شيئا ولا يضيف شيئا إلى جناب الذات الإلهي: لأن له الكمال المطلق قبل خلق الخلق وبعد خلقهم، فلم يستفد الرحمن من مخلوقاته شيء، وحدوث الاكوان لا يزيد شيئا لا في الأسماء ولا في الصفات، لأن لها الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة أو النقصان لأنه إن قبل الزيادة كان قبلها ناقصا، وإن قبل النقصان لم يكن كاملا، وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان، (إذن) العالَم موجود كأثر للكمال الإلهي وليس سببا في الكمال الإلهي، وفرق هائل بين الامرين، خلق الاكوان مِنّةُ من الرحمن على الخلائق وتفضل منه عليهم والله ذو الفضل العظيم.
(فائدة): الأكوان والخلائق بما فيها من عظمة وإبداع كانت أثر للكمال: الصفات تامة كاملة قديمة تابعة للذات عاملة بكمال الذات، فتجلى أثرها في خلق الأكوان، فكان الكون كله ومنه (الإنسان) أثر للكمال الإلهي والرحمة الواسعة، وظهرت الخلائق كتجليات وآثار لعمل الأسماء الحسنى والصفات العلا، فظهرت آثار الأسماء والصفات في كل شيء من الوجود، كل ما في الكون من خلق وإبداع إنما أثرا للكمال وليس سعيا من أجل الكمال، والعظمة، لو كان خلق الاكوان والانسان من اجل إضافة مجد أواستحداث كمال لكان من باب العبث واللهو واللعب، وهذا كله محال على الله العليم الحكيم، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الدخان: 38، 39]، ويقول: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الدخان: 16 إلى 18].
الكون وما فيه ظهر نتيجة للكمال وأثر لرحمة الله، وليس سعيا إلى الكمال، فاستلزم ذلك شكر نعمة الرب الديان، (الله) جل جلاله لم يخلق العالَم لعلة ولا لسبب، بل ظهر العالَم كنتيجة لكمالات ذاته وأسمائه وصفاته، تجلى على الأكوان بأسمائه وصفاته، وأعظم التجليات كانت في خلق جنس الإنسان، خلق الله تعالى آدم عليه السلام، وأورثه الله العلم والحكمة وجعله نبيا، وأورث ذريته جميع الأسماء والصفات، فكان هو الجامع لكل التجليات، خلقه الله تعالى في أحسن تقويم، وصوره في أحسن صورة، وأسجد له الملائكة أطهر المخلوقات، وسخر له الكون بما فيه، واصطفى من ذريته الرسل والأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء والصالحين، والمقدم من بني آدم، على الإطلاق هو من بلغ رتبة الكمال الإنساني الأعلى، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ليس لأحد من الانبياء ما له من الفضل والأخلاق، والباقون من الرسل والأنبياء عليهم السلام ملحقون به لحوق الكامل بالأكمل ومنتسبون إليه انتساب الفاضل إلى الأفضل، صلي الله وسلم وبارك عليه وآله وصحبه أجمعين.
[المفتاح الخامس]: (توحيد الافعال): المقصود منه الاعتقاد بأنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته، هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة، هو الخالق ولا خالق غيره، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، كما قال سبحانه:{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وأهل العلم بالأصول متفقون في توحيد الأفعال على أنّ كل ما يكون في الكون، وكل ما يقع في الكون، إنما هو من خلق الله تعالى.
(فائدة): هناك مسلكان في الأسباب والمسببات، أحدهما أصح من الآخر، وكلاهما لأهل السنة والجماعة:
القول الاول قال به السادة الماتريدية: أنّ الله تعالى خلق المسببات وجعل فيها القدرة الذاتية، ثم هي لا تفعل إلا بإذن الله، ومثال ذلك أنّ الله تعالى أودع في النار القوة على الإحراق، فهي تحرق بقوة ذاتية اودعها الله تعالى فيها، ثم هي لا تحرق إلا بمشيئة الله.
والقول الثاني وهو الاقرب إلى التوحيد المطلق لله في أفعاله وقال به السادة الأشاعرة: أنّ الله تعالى خلق الأشياء كلها، وهو خالق الآثار التي تظهر عندها، فلا يكون شيء في الكون إلا بخلق الله تعالى وقدره، ومثال ذلك، أنّ الله تعالى خلق النار، وخلق الإحراق عند ملامسة النار للشيء، وأنّه ليس للنار قوة ذاتية على الإحراق لأنه لا يوجد في الوجود كله من يملك القوة الذاتية على الفعل إلا الله، وإنما الجميع خلق الله، والإحراق الذي يحدث عند ملامسة النار ليس من النار، وإنما بما خلقه الله تعالى من الإحراق عند لمس النار، وكما هو واضح أنّ كلا القولين يلتقي عند مبدأ أصيل واحد يتمثل في توحيد الأفعال لله وحده، وأنه لا يكون في الكون إلا ما شاء الله، وليس في الكون شيء يخرج عن خلق الله تعالى، وقدره الذي قدره للجميع، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاء الله.
[المفتاح السادس]: مدى مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله؟: الاجابة لها شقان:
(الشق الأول): الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، ولكن ليس معنى ذلك، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره.
فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، وما أحسن ما قاله الطحاوي وهو يعبر عن عقيدة المسلمين في القضاء والقدر: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى في كتابه : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين) أهـ([25]).
فالخير والشر مقدران على العباد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
و(الشق الثاني للإجابة): نظرية الكسب:
التي وردت في القرآن وهي الحل الامثل لمتشابهات القضاء والقدر وتمثل التوسط ما بين بدعتي الجبر والقدر، وقد ورد الكسب في القرآن الكريم في أكثر من ستين آية، جميعها يشير إلى كسب الإنسان، وأنّه مسؤول عن كسبه، منها قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141]، وقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17].
عند التوفيق بين آيات الكسب، وآيات توحيد الأفعال، والتي منها: قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]، نجد أنّ توحيد الأفعال يستلزم اعتقاد أنّ كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الأفعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى.
و(الكسب) يستلزم مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله بدليل ترتب الثواب والعقاب على تلك الأعمال، إذن الكسب هو الاختيار، وهذه هي حدود قدرة الإنسان، أما الفعل في حد ذاته فهو مخلوق لله تعالى، وبمقتضى هذا الأصل فإن جميع أفعال الإنسان التي سيحاسب عليها إنما هي مخلوقة من الله مكسوبة من العبد، للعبد فيها الاختيار فإن شاء الله كانت لأنها خلقه، وإن لم يشأ لم تكن، فمن اختار طريق الهداية وسار فيه، فبفضل الله تعالى وتوفيقه، ومن اختار طريق الضلال وسار فيه فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، هذا هو الكسب وتلك هي حدوده.
وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه، وحاسبه الله تعالى على ما كسبت نفسه، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط بين مذهبي الجبرية والقدرية، فالإنسان قادر على كسبه واختياره وبالتالي هو مسؤول عن أعماله، ولكنه غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته، وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق، وبذلك ستصبح عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة المسلمين في القضاء والقدر.
[المفتاح السابع]: الكسب من القدر،وفي القدر أسرار تتعلق بالربوبية، لا يحق للعبيد تتبعها ولا السؤال عنها، فمن طلب في القدر ما وراء ما ذكرت من معاني الكسب، فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فهذا هو الكسب وتلك هي حدوده.
وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه، وحاسبه الله تعالى على ما كسبت نفسه، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه.
[المفتاح الثامن]:أهل السنة والجماعة ينصون على أن للعبد كسب بلا خلق لعمله ولا جبر عليه، وكل إنسان منصف يعرف الفرق بين الأفعال الجبرية كضربات القلب ونبضات الدم، وبين الافعال الاختيارية كأداء الصلاة أو تركها، وأهل السنة يصرحون بعدم الجبر، ردا على الجبرية، ويصرحون بعدم الخلق ردا على القدرية الذين زعموا أنّ الإنسان خالق لعمله، و أهل السنة والجماعة يقولون: أنه ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب، فليس مجبورا كما تقول الجَبرية، وليس خالقا لها كما تقول المعتزلة، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط الملائم لعقيدة التوحيد ونصوص القرآن التي تؤكد انفراده سبحانه بالخلق لقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96].
فلو قلنا بمشاركة الإنسان لله تعالى في خلق الفعل لانتهى بنا الأمر إلى إثبات خالق مع الله تعالى ضدا على أصل التوحيد، وهو قول القدرية المعتزلة، ولو قلنا بانتفاء الاختيار والكسب لانتهى بنا الأمر إلى الجبر وهو قول الجهمية الجبرية، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط بين مذهبي الجبرية والقدرية. فالإنسان قادر على كسبه واختياره وبالتالي هو مسؤول عن أعماله، ولكنه غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته، وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق.
وبذلك ستصبح عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر، وبها يبطل مذهب الجبرية القائم على أساس إنكار القدرة الحادثة، ويصبح التكليف لا معنى له في غياب إرادة وقدرة الانسان على الفعل، كما يسقط مذهب المعتزلة الذي يجعل العبد مخترعا لأفعاله ضدا على أصل التوحيد الذي يجعل الخالق سبحانه وتعالى متفردا بالوحدانية في خلق الأفعال.
وأهل السنّة والجماعة عند إقراراهم لمبدأ الكسب حققوا من خلاله مقصدين عقديين عظيمين: (الأول): إثبات اختيار العبد ومسؤوليته عن الأفعال الاختيارية، و(الثاني): الحفاظ على جوهر التوحيد وعدم جرحه كما فعل التيار الاعتزالي من قبل، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، كما قال تعالى في كتابه: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.
(4) مفاهيم مغلوطة لدى علماء الدعوة النجدية في باب توحيد الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية
[المفتاح الأول]: كما أهمل اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب (علم التقديس) أهم قسم من أقسام التوحيد، والمتمثل في: قسم توحيد جناب الذات مما آل بهم إلى الوقوع في بدعة التجسيم وإن زعموا غير ذلك، فقد وقع الخلل كذلك في باب توحيد الربوبية والإلهية والعبودية، ظهر الخلل في فهم توحيد الربوبية، حتى زعموا أن المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على توحيد الربوبية ولم يكونوا كذلك، وظهر الخلل في فهم توحيد الألوهية والعبودية حتى آل بهم الحال إلى تكفير عموم أهل القبلة – إلا أنفسهم- واستحلال حرماتهم ودمائهم وأموالهم بغير حق، وظهر الخلل أيضا عندما فرقوا بين الربوبية والألوهية مع أنّه لا يمكن الفصل بينهما أبدا، بل التلازم بينهما جعل معاني الرب تدخل في معاني الإله، فالرب هو الإله، والإله هو الرب، والرب هو المعبود والمعبود هو الرب، فمن أقر بأن الرب سبحانه لا يوجد معه رب سواه فلن يعبد غيره، ولن يتخذ إلها سواه، ولهذا جاء الخبر بانّ كل ميت سواء اكان مسلما ام كافرا سيسأل في قبره ثلاثة أسئلة، من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فلا فرق بين قول من ربك وقول من إلهك لأنهما متلازمان، وأدت تلك المفاهيم المغلوطة إلى غلو واضح في التكفير والتبديع والتفسيق، فلم تنج طائفة من طوائف المسلمين من هذا الغلو.
[المفتاح الثاني]: تبنى محمد ابن عبد الوهاب نشر أفكار ابن تيمية بقوة السيف والسنان، وقد تبين خطؤها، ولكن زاد الطين بلة بما أضاف إليها من اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، وكانت فتنة عظيمة عمت جزيرة العرب لسنوات عديدة استحلوا فيها دماء المسلمين، وهاجموا البلدان وقتلوا المسلمين دون تمييز بين رجل وامرأة وطفل، حتى انهم كانوا يذبحون الرضيع على صدر أمه، كما قتلوا من وجدوه في المساجد والبيوت وكانوا يلاحقون الفارين يضربون أعناقهم، وأرعبوا الصغير والكبير وبطشوا بالقبائل حتى أبيدت قبائل بأكملها، وما ذلك إلا بناء على عقيدتهم التي ترمي أهل ملة التوحيد بالشرك الأكبر لتستحل بذلك دماءهم وأموالهم، وكانت فتنة عظيمة وأحداث دامية ارتكبها الوهابيون في حق المسلمين لا تختلف أبدا عن تصرف الخوارج مع أهل القبلة، إذا تمكنوا منهم فاستحلوا دماءهم واموالهم، وباختصار شديد أُشير إلى بعض أخطائه الجسيمة في أبوب العلم والدين والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[المفتاح الثالث]: (من المفاهيم المغلوطة ففي مجال توحيد الألوهية): أخطأ في تفسير العبادة، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية، وقد كان المشركون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم يعبدون الاصنام ويعتقدون فيها بعض مفردات الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية من دون الله، وكانوا يعتقدون لأصنامهم بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله، وكنفوذ المشيئة لا محالة و لو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ خالق السموات والأرض، الّذي هو أكبر الآلهة في اعتقادهم ولهذا قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5 و 6]، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي} [الزمر: 3]، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم ودعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، وهو اعتقادهم ربوبية من خضعوا له، أو خاصة من خواصها كما سيأتيك تفصيله.
لا يصحّ أن يكون السجود لغير اللّه فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد، عبادة شرعاً (كسجود الملائكة لآدم)، (وكسجود يعقوب عليه السلام وأخوة يوسف عليه السلام ليوسف عليه السلام) {وخروا له سجدا}، فانّه حينئذٍ يكون كفراً، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع، ولا يأمر اللّه عزّ وجلّ به {قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ} [الاَعراف: 28]، {وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْر} [الزمر: 7]، وذلك ظاهر إن شاء اللّه، ولكن لما رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ ظنّ أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة , وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد , وإن وقعت لغيره فهي الشرك، فأدى ذلك إلى الغلط في تصور العبادة والشرك المقابل لها، وإنّ الغلط في تفسير العبادة، كان المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، الذي أُستحِلت به دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، عياذاً باللّه من المزالق والفتن.
[المفتاح الرابع]: (من المفاهيم المغلوطة ففي مجال توحيد الربوبية): قال في مجموعة التوحيد: ” وبعد فهذه أربع قواعد من قواعد الدين يميز بهن المسلم دينه من دين المشركين: القاعدة الأولى: أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية يشهدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور ولم يدخلهم ذلك في الإسلام والدليل قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون}” أهـ ([26]) .
والخطأ في هذا القول بين لأسباب عديدة، منها: أنّ توحيد الربوبية لله يعني اعتقاد أن الله أن الله تعالى هو وحده الخالق الرازق الهادي الشافي المحيي المميت المتعهد بالتربية لجميع خلقه إذ هو رب العالمين، واعتقاد أن مقادير كل شيء بيد الله يرفع من يشاء ويخفض ويعز من يشاء ويذل ويهدي من يشاء ويضل ويوسع الرزق على من يشاء ويضيق ويحيي من يشاء ويميت، له في ذلك كله المشيئة المطلقة والإرادة النـافذة لا حق لأحد في مراجعته وأمـره كله عدل وفضـل {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، واعتقاد حقه المطلق في التشريع والحكم والأمر {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}.
هذا هو توحيد الربوبية عند الموحدين، ومن اعتقد بأن هناك من يملك الضر أو النفع أو التصريف أو التدبير في حياة الناس وغيرهم من المخلوقات من دون الله فقد أشرك في ربوبية الله عز وجل شركاً أكبر، ومن اعتقد أن لأحد من دون الله حق مطلق في التشريع المطلق بالتحليل والتحريم والحظر والإباحة والحكم والأمر والنهي دون الرجوع إلى حكم الله وشرعه فقد اتخذه رباً من دون الله، ومن اعتقد أنه يجوز التحاكم إلى شرع غير شرع الله فقد كفر بربوبية الله عز وجل لخلقه، هذا هو توحيد الربوبية عند المسلمين.
أما مشركو العرب فقد اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا شرك في الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله، ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وكانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36].
والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون، وكذلك فإن اعتقاد المشركين كان يقوم على اعتقاد وجود الشريك الذي له تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير، وكذلك اعتقاد المشركين بوجود الند لله، والند كما جاء في معاجم اللغة هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير([27]).
والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله، والأدلة من القرآن الكريم على ذلك كثيرة منها: قوله تعالى:: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30]، وقوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9]، وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41]، كما أنّ المشركين كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم، كما في قوله تعالى – واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار-: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98].
فهذه الآيات ـ التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه، كما أنّ المشركين كانوا يلهجون بدعاء آلهتهم رجاء نصرتها لهم واعزازها لهم، إذ لا يعقل في تاريخ البشر أن يدعو أحد أحدا لا يرجوه لتحقيق منفعة أو رد ضر وإلا خرج من دائرة العقلاء، ورد الله تعالى عليهم اعتقادهم الباطل بقوله تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون * أمواتٌ غير أحياءٍ وما يشعرون أيّان يبعثون * إلهكم إلهٌ واحدٌ} [النحل: 20إلى 22]، وبقوله عز وجل {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب) [هود: 101]، وقوله تعالى: {وما يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [يونس: 66].
ويظهر جليا من هذه الآيات أن مشركي العرب كانوا يتخذون آلهة لهم من دون الله وكانوا يدعونهم عند الشدائد ويستغيثون بهم اعتقادا أنّها تسمع دعاءهم وتقدر على نصرهم وأنهم شركاء لله في ملكه العظيم، وبعد كل هذا الشرك الجلي في الربوبية يزعم الوهابيون أنّهم على توحيد الربوبية.
[المفتاح الخامس]: (من المفاهيم المغلوطة) خطأ المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين:
المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء، والموحد يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله، ويقول: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، والمسلم يعتقد أنّ: {اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، والمشرك ينسب إليه الولد والوالد والصاحبة والبنات، والمسلم يوحد الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، ولا يرى له مثيلاً ولا نظيراً في الأسماء والصفات والاَفعال فهو المتفرِّد في أسمائه وصفاته وأفعاله، والمشرك يلحد في أسمائه ويشتق منها أسماء لآلهته، كالعزى من العزيز، ويلحد في صفاته وأفعاله، وينسب إلى آلهته صفات القدرة والنفع والضر والإعزاز والإذلال، ويسوي الاَصنامَ بربّ العالمين كما في قوله تعالى – وهم يتعاتبون في النار -: {تَاللّه ِإِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين} [الشعراء: 97، 98]، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا، لقوله تعالى: {قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً}[الزمر: 44] وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله، وإنما لمن ارتضى، لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة – على اعتقادهم الباطل – مع الله، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94]، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى: {فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً} (فاطر: 10) والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى: {وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81]، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) معتقدين لها، والمشرك لا يؤمن بالرسول، ويقول – كما حكاه عنه القرآن الكريم -: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 4 إلى 8].
ولذلك لا يصح مقارنة أفعال جهلاء المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال، كالطواف حول القبور والتبرك بالصخور، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية والربوبية أو شيء من صورهما.
ومنه يتبين خطأ إمام الدعوة النجدية الشيخ محمد ابن عبدالوهاب عندما قال: (فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين: أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا}،،، الأمر الثاني: إن الأولين يدعون مع الله أناسا مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة أو يدعون أشجارا أو أحجارا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك “([28]).
ومن المعلوم أن شرك الاولين اعتقادي فهم يأبون الانقياد للإسلام ويأنفون من قول لا إله إلا الله ومن الاعتراف بالرسول صلى الله عليه وسلم وينكرون البعث والنشور فكيف نقارنهم بمن اتى بالشهادتين واعتقدهما وأقر بهما ورضي بالإسلام دينا، وقد أدى هذا الاعتقاد إلى تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر، واستحلال دمائهم وأموالهم، وما ذاك إلا بسبب عدم تحرير الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله، وهذا لا يكون من مسلم أبدا.
[المفتاح السادس]: (من المفاهيم المغلوطة) الخطأ في تقرير حقيقة الشرك الأكبر واتهام الأمة بالوقوع في الشرك الأكبر:
فكما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفرالاكبر.
ومن ذلك الخطأ في فهم آية الزمر، ومعرفة حقيقة اعتقاد المشركين بربوبية معبوداتهم: قال تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [سورة الزمر: 3]، والولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [سورة هود]. وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء.
وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي} ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية والألوهية (ما نعبدهم)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفي، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده، وفي الحديث (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك)، وقوله تعالى: {كَاذِبٌ كَفَّارٌ} صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته وكذبوا على الله ورسوله.
[المفتاح السابع]: (من المفاهيم المغلوطة) الخطأ في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك.
وليس المقصد من الدعاء إلى تحقيق تلك المسائل هو الانتصار لرأي فقهي على حساب آخر، وليس هو من قبيل تهوين ما فعله الجهلاء عند مقابر الصالحين، فإن المساجد بيوت الله تعالى في الأرض، وهي دور العبادة والطاعة والصلاة، ولابد من تنزيهها عن أفعال الجاهلين وغلو المغالين وتسيب المستهترين، وإنما المقصد الأساس من ذلك هو بيان أنّ هذه المسائل تتبع الفقه ولا تتبع التوحيد، وتتبع السنّة والبدعة ولا تتبع الشرك والتوحيد، وتتبع الصواب والخطأ ولا تتبع الإيمان والكفر لأنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – مهما بلغ الجهل من بعضهم مبلغه، فلم يعبدوا إلا الله ولم يصرفوا العبادة إلا إلى الله، كيف وشعارهم هو (لا إله إلا الله)، ومن ثم تهذيب مسائل التوحيد والشرك، فلا يشوبها شائبة الغلو والجفاء، واتهام المسلمين بالشرك الأكبر وهم منه برآء، فعلاج الخلل لا يكون بالخلل، وعلاج الخطأ لا يكون بالخطأ، وعلاج التفريط لا يكون بالإفراط، ودين الله تعالى عدل ووسط بين طرفين.
[المفتاح الثامن]: (من المفاهيم المغلوطة) الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، دون تفريق بين الاولياء والادعياء.
واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، وإخراجهم من دين المسلمين أو من اطار أهل السنّة والجماعة بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة.
وقد كان الإمام ابن تيمية يفصل في مسائل التصوف، وجعلهم طوائف منهم الصديقون والأولياء، ومنهم الأدعياء المرتزقة، ومنهم أهل الجهل والخرافة، ومنهم أهل البدعة والضلالة، ولكن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يفصّل وإنما اعتبر التصوف برمته ضلال ينبغي أن يُزال، مع أنّ السبب الاساسي الذي أُنشأ من أجله التصوف هو تزكية الباطن، وقد كان هو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وتخليته عن صفاته الذميمة، وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق.
وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد وغيرها من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، كما أنّه هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس.
وقد كان السادة الصوفية الحقة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، وبالتالي فإن إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على بعضهم، أو ألفاظ قالها بعضهم في ساعة ذهول لا يقصدها، أمر لا ينبغي.
إن كلمة (صوفي) مثلها مثل كلمة (سلفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة – منذ القرن الثالث الهجري وإلى يومنا هذا – كلمة ثناء، وصفة مدح، فلا يعقل أن ينادي اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى اقتلاع التصوف من جذوره، وابادة التصوف وأهله، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا من تنطع، وأين يذهب أكثرية أهل السنة والجماعة في العالم اليوم في مصر والسودان وبلاد الشام، ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين، وليس معنى ذلك أن نبرأ جميع الصوفية من الخطأ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف.
[المفتاح التاسع]: (من المفاهيم المغلوطة) استحلال دماء وأموال مخالفيه: فقد استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام، نعلم كيف كانت (الغزوات)! على أعراب نجد والحجاز، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان، لا مسلمين يقولون (لا إله إلا الله ، محمد رسول الله)، ويعتقدون أنّه لا إله ولا رب لهذا الكون إلا الله، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون لله به.
[المفتاح العاشر]: (من المفاهيم المغلوطة ) غلو الدعوة الوهابية في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم: هناك العديد من نصوص محمد بن عبد الوهاب والتي آلت به إلى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم.
ومن تلك النصوص، قوله: – وهو يتحدث عن أربع قواعد في التوحيد -:
(الأُولى): إنّ الكفار الذين قاتلهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مقرّون بأنّ اللّه هو الخالق الرازق المدبر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبصَارَ ..، فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس: الآية ٣١].
(الثانية): إنهم يقولون: ما دعونا الأصنام وما توجهنا إليهم الاّ لطلب القرب والشفاعة لقوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِياءَ مَا نَعْبُدُهُم اِلاّ لَيُقَرِّبُونا إلى اللّه زُلفي} [الزمر: الآية ٣]، وقوله: {وَيَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّه مَالا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُونَ هَؤلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨].
(الثالثة): إنّه ظهر صلى الله عليه وسلم على قوم متفرقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم الأنبياء والصالحين، وبعضهم الأشجار والأحجار، وبعضهم الشمس والقمر، فقاتلهم ولم يفرق بينهم.
(الرابعة): إنّ مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين، لأن أولئك يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة، وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: {فَإِذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُم إلَى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: الآية ٦٥]اهـ ([29]).
وهو يقصد بمشركي زمانه كافة المسلمين دون أتباعه، وذلك لأنهم يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في شدتهم ورخائهم، ولذلك صاروا عنده أغلظ من مشركي عهد الرسالة.
هذا مع أن التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم جائز عند جمهور الفقهاء، وقصاراه أنّه من المسائل الفقهية الخلافية وليس من مسائل التوحيد والشرك، كما أنّ هناك فرقاً جلياً بين المسلمين وعبدة الأوثان والأصنام، فإنّ المسلمين يعبدون اللّه وحده، ولا يتوجّهون إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ بقصد أن يدعو لهم عند اللّه، ويشفع لهم عنده، وأين هؤلاء من عبدة الطاغوت الذين كانوا يعبدون الأصنام ولا يعبدون اللّه، ويتوجهون إليها على أنها آلهة تملك ضرهم ونفعهم، وهذا الخطأ أدى به إلى استحلال دمائهم على أنّهم مشركون.
وقد تكرر هذا الخطأ في رسالته كشف الشبهات، حيث يقول في حق النبي صلى الله عليه وسلم: ” أرسله إلى أُناس يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات بينهم وبين اللّه، يقولون نريد منهم التقرب إلى اللّه، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأُناس غيرهم من الصالحين ” ([30])
فانظر كيف وصف المشركين بأنّهم يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، وهذه مغالطة فجة، فإنّ كفرهم كان في عبادة غير الله، وانكار رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم اتخاذهم واسطة على سبيل الشراكة، فالوساطة لم تكن قط سبب شركهم، وإنّما عبادة غير الله: {ما نعبدهم إلا}، فقد أقروا بعبادتهم، ثم الوساطة الجبرية على سبيل الشراكة مع الله، وهذه وتلك لم يفعلها مسلم قط، إذ المسلم لا يعبد إلا الله، وهو بريء عن عقيدة الواسطة الشركية التي تكون جبرا على الله، وقصاراه التوسل بمن لهم جاه عند الله لقبول الأعمال، دون أي اعتقاد في شفاعتهم الجبرية على الله، ويقول في موضع آخر ما نصه: ” إنّ التوحيد الّذي جحدوه هو توحيد العبادة، الّذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون اللّه سبحانه ليلا ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من اللّه ليشفعوا له، أو يدعو رجلا صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى ” ([31])
وهو هنا لا يفرق بين الدعاء وبين العبادة، مع أنّ الدعاء لا يكون عبادة حتى يصاحبه اعتقاد الإلهية أو الربوبية لمن يدعوه، ولو كان الدعاء لعبد صالح من عباد الله، لعل الله تعالى ان يستجيب دعوته، فلا تكون الدعوة لهذا العبد عبادة له، وإنّما توسل به إلى الله، ويقول أيضاً: ” تحققت أنّ رسول اللّه قاتلهم ليكون الدعاء كله للّه، والذبح كله للّه، والنذر كله للّه، والاستغاثة كلها باللّه ” أهـ، وهذه كما كلها مفردات للعبادة إن اشتملت على اعتقاد الإلهية والربوبية لمن تُصرف له كانت عبادة، وإن لم تشتمل على تلك العقيدة لم تكن عبادة، ويقول أيضاً: « إنّ المشركين يقرّون بالربوبية وإن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء ) أهـ، ([32]) وهذا خطأ، لأن كفرهم إنما كان لعبادتهم الملائكة والأنبياء لا لتعلقهم بها إذ ليس مجرد التعلق مع الاعتراف بعبوديتهم وعدم تفويض الأمر إليهم موجباً للتكفير.
ويقول أيضاً: « إنّ الذين قاتلهم رسول اللّه مقرّون بأن أوثانهم لا تدبّر شيئاً وإنما أرادوا منها الجاه والشفاعة »أهـــ ،([33])، وهذا أيضاً خطأ، لأنّ كفرهم لم يكن لأجل طلب الشفاعة، بل لعبادتهم قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُون هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨].
ويقول أيضا: ” إنّ اللّه كفّر من قصد الأصنام، وكفّر من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول اللّه ” أهـ،([34]) ، وهذا أيضاً خطأ، لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كفّر من عبد الصالحين، لا من قصدهم، فمن قصد الصالحين لطلب الدعاء لا يكون كافراً أبداً، ويقول أيضاً – وهو يعلّم أتباعه كيف يناظرون المخالف-: ” اقرأ عليه: {ادعوا ربّكم تضرعاً وخفيةً إنه لا يحبّ المعتدين} فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة للّه ؟ فلا بد أن يقول نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنها عبادة، ثم دعوت تلك الحاجة نبياً أو غيره، هل أشركت في عبادة اللّه غيره؟ فلابد أن يقول نعم ” أهـ، ([35])، وهذا أيضاٍ خطأ، لأنّ الدعاء بنية العبادة، والدعاء لمن يعتقده ربا وإلهاً، عبادة، وما خلا عن ذلك فليس بعبادة، والدعاء مخ العبادة لمن دعا من يعتقد أنه يدعو الرب الإله، فأين ذلك من دعوة الأنبياء والصالحين بمعنى التوسل بهم إلى الله. والذين يتكلم عنهم الشيخ مسلمون، لا يعبدون غير الله، ويعلمون أنّ هؤلاء عبادا صالحين لا يملكون شيئاً لأنفسهم ولا لغيرهم، إلا الشفاعة بفضل الله، فلا يجوز تشبيه دعاء الكافرين والمشركين لمن يظنون فيهم نوعا من الألوهية والربوبية، وبين دعاء المسلمين الموحدون، وبهذه القواعد المغلوطة توصل الوهابيون إلى تكفير المسلمين واستحلال محارمهم، بزعم انهم أشد كفراً من المشركين الأصليين.
[المفتاح الحادي عشر]: مآسي المسلمين من غلو الوهابيين: ترتب على غلو الوهابيين في فهم مسائل وأحكام التوحيد والشرك: استحلال دماء المسلمين، لغير سبب شرعي صحيح، وإليك الأمثلة:
(أ) هاجم الوهابية الطائف ليحرروها من الشرك!! وكانت تحت حكم الشريف غالب حاكم مكة، ودخلوها عنوة في ذي القعدة 1217هـ: 1802م فقتلوا الناس بدون تمييز بين رجل وامرأة وطفل، حتى انهم كانوا يذبحون الرضيع على صدر أمه، كما قتلوا من وجدوا في المساجد والبيوت ولاحقوا الفارين من المدينة فقتلوا أكثرهم، وأعطوا الأمان للبعض فلما استسلموا ضربوا أعناق فريق منهم، وأخرجوا فريقاً إلى أحد الأودية، واسمه وادي الوج، فتركوهم مكشوفي العورة ومعهم النساء، ويذكر المؤرخ الشهير عبدالرحمن الجبرتي – وهو ذو هوى وهابي – في كتابه (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار) أنهم (حاربوا الطائف وحاربهم أهلها ثلاثة أيام حتى غلبوا فأخذ البلدة الوهابيون، واستولوا عليها عنوة، وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال، وهذا رأيهم مع من يحاربهم) ([36])
(ب) احتلال مكة المكرمة: بعد إرعاب أهل الحجاز بقتل النساء والأطفال خلال احتلال الوهابية للطائف عام 1217 هـ: 1802 م، بدأوا بمهاجمة مكة المكرمة بعد استيلائهم على الطائف مباشرة فدخلوها سنة 1218هـ: 1803م كما ذكر ذلك عبدالله بن الشريف حسين في (صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر).
أما مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر الحنبلي النجدي فيذكر ذلك في أحداث سنة 1220هـ، ومن أحداث تلك الفترة المشؤومة في محرم 1220هـ: 1805م أن الوهابية راحوا يقتلون الحاج ويأسرون من يمر بهم، واشتدَّ الغلاء في مكة بشكل فاحش لم تشهده من قبل حتى باع أهل مكة أثاثهم وحلي نسائهم بعشر القيمة، ليشتروا أقوات أطفالهم بأضعاف أثمانها، ومات الكثير من أهل مكة جوعا وانتشرت جثث الأطفال في الأزقة، بل وكما يذكر مؤرخ الوهابية عثمان النجدي في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ( أن لحوم الحمير والجيف بيعت فيها بأغلى الأثمان، وأكلت الكلاب، وأخذ الناس يهجرونها نتيجة الخطر الجاثم على أطرافها، فلم يبق فيها إلا النادر من الناس) ([37]) .
(ت) منع الحجاج من الوصول إلى بيت الله الحرام: يذكر المؤرخ عثمان بن بشر الحنبلي في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد) من أحداث 1221 هـ الحادثة التالية ” فلما خرج سعود من الدرعية قاصداً مكة أرسل فرَّاج بن شرعان العتيبي، ورجالا معه … وذكر لهم أن يمنعوا الحواج التي تأتي من جهة الشام واسطنبول ونواحيهما، فلما أقبل على المدينة الحاج الشامي ومن تبعه، وأميره عبد الله العظم باشا الشام فأرسل إليه هؤلاء الأمراء أن لا يقدم وأن يرجع إلى أوطانه، ويقول مفتخرا( ولم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر والعراق والمغرب (أي بلاد المغرب العربي كله) وغيرهم إلا شرذمة قليلة من أهل المغرب لا اسم لهم ” أهـ،([38])
(ث) من مجازر الوهابية ضد الحجيج: في سنة 1341هـ: 1921م التقت سرية من الوهابيين بحوالي ألف من أبناء اليمن القادمين لأداء فريضة الحج، فلما وصل الفريقان إلى وادي (تنومة) والوهابيون في الجهة العليا بينما اليمنيون في الجهة الدنيا، انقض المسلحون على الحجاج بأسلحتهم فأبادوهم فلم ينج منهم إلا اثنان، وقد برر الوهابيون هذه الفعلة بأنّهم ظنوا أن مجموعة الحجاج مجموعة مسلحة من أهل الحجاز فاشتبكوا معها، وهو عذر أقبح من ذنب كما ترى،([39])
(ج) حرق المكتبة العربية بمكة المكرمة: أحرق الوهابية المكتبةَ العربية في مكة المكرمة وهي من أنفس مكتبات العالم، إذ كانت تحوي ستين ألفاً (60,000) من الكتب النادرة، وحوالي أربعين ألف (40,000) مخطوطة، بعضها مما أملاه النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها كتبه الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة، ومنها ما هو مكتوب على جلود الغزلان والعظام والألواح الخشبية والرقم الفخارية والطينية، كما كانت المكتبة تشكل في جانب منها متحفاً يحتوي على مجموعة من آثار ما قبل الإسلام وبعده.
(ح) استباحة دماء المسلمين في المساجد: جاء في كتاب تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام: ” يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (إن عثمان بن معمَّر – حاكم بلد عيينة – مشركٌ كافر، فلما تحقق المسلمون من ذلك تعاهدوا على قتله بعد انتهائه من صلاة الجمعة، وقتلناه وهو في مصلاه بالمسجد في رجب 1163 هـ، ولنا أن نتساءل كيف يكون مشركاً من قُتل في مصلاه بالمسجد يوم الجمعة، وهو يعبد الله، لقد نالت شدة وبطش الوهابية العديد من المسلمين، حتى أبيدت قبائل بأكملها ومواقفهم مع العجمان والخوالد وآل رشيد معروفة، وما ذلك إلا بناء على عقيدتهم التي ترمي أهل ملة التوحيد بالشرك الأكبر لتستحل بذلك دماءهم وأموالهم ونساءهم، ومن أراد أن يتتبع أحكامهم على المسلمين، وكيف أخرجوهم من الملة والدين، واعتقدوا فيهم أنهم مشركون، فليرجع إلى كتاب (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) فإنه سيجد في ذلك العجب العجاب، وكذلك كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) الذي ألفه أحد علماء الوهابية وهو عثمان بن بشر النجدي الحنبلي، ونشرته مكتبة الرياض الحديثة بالمملكة العربية السعودية، فإن في هذا الكتاب من التعسف ومعاملة المسلمين معاملة الكافرين الصرحاء ما تشيب منه الولدان، (وبعد) فهذه بعض الأحداث الدامية التي ارتكبها الوهابية في حق المسلمين في تلك الآونة، ولنا أن نقول: هل كانوا حقيقة يُقاتلون كفاراً مشركين، أم يُقاتلون أهل الإسلام والتوحيد، الذين يدينون بلا إله إلا الله ؟ وكيف بعد ذلك أنّ نصدق أنّهم السلفية على طريق السلف، اللهم اهد قومنا فإنهم لا يعلمون.
[المفتاح الثاني عشر]: حال نجد الحجاز التي خرج منها الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما وردت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: أخرج البخاريُ في صَحيحِه عن مُحَمَّدِ بْنُ الْمُثَنَّى عَن حُسَيْنِ بْنُ الْحَسَنِ عَن ابنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا”، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا ؟ قَالَ: “هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)) ([40]).
وأخرج البخاريُ ومسلم عن مُسَدَّدٌ عن يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عن قَيْسٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ ((الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلاَ إِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)) ([41])
ونجد الحجاز هي جهة المشرق تماما بالنسبة إلى أهل المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (الفتنة من قبل المشرق) من طريق معمر عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام على المنبر فقال: ((الفتنة هاهنا، الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال قرن الشمس))، ([42])
وأخرج البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (الفتنة من قبل المشرق)، ومسلم في كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان بنحوه كلاهما من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل المشرق يقول: ((ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان)) ([43]).
ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام (قرن الشيطان) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (قوله قرن الشمس ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال) ([44]).
وفي تحفة الأحوذي (قرن الشيطان: أي حزبه وأهل وقته وزمانه وأعوانه، وقيل يحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال) أهــ([45]).
قلت: ومن نظر إلى الخريطة وجد أنّ نجد تقع تماما في جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا يفند زعم البعض أنّ نجد المقصودة هي منطقة بالعراق، وآخرون أنّها منطقة بالشام، وكلامهم يفتقد إلى أدنى التحقيق والإنصاف، وذلك لأنّ نَجد الحِجاز كانت أرض الفَدّادين رِعاءِ الإبِل، والعراق كانت أرض زراعة وصناعة وتجارة وما كانت آنذاك أرضًا لرِعاء الإبل، كما أنّ “نجد” الحجاز هي بلاد ربيعة ومضر وليس نجد العِراق أو الشام ثم نحن لا نعلم نجدا معروفا إذا أطلق لفظ ” نجد ” سوى نجد الحجاز والتي ظهر منها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأتباعه من علماء الدعوة النجدية، التي ينتسبون إليها، وليس القصد من ذلك التجريح في اهل نجد، ولكن المقصود الحذر ثم الحذر مما ينفرد به أهل نجد من علوم الدين لأنه آنذاك يكون يقينا من الباطل الذي نفخ فيه الشيطان بقرنه، لأن الأحاديث دلت على التحذير من هذه المنطقة ومما يخرج منها من الضلال الذي يُخالف ما عليه عامة أهل السنة والجماعة من علوم الدين.
[المفتاح الثالث عشر]: ميزان نبوي لمعرفة الحق في هذه الامة: حتى نعرف الحق عند كثرة الاختلاف بين طوائف الامة، وضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم ميزانا دقيقا، أخرج ابن ماجة في سننه : عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: (إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ) ([46]) .
فقوله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ))، يدل على أن اجماع علماء الامة حق، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ)) يدل على أنه عند الاختلاف يكون الصواب والرشاد مع رأي الكثرة من العلماء، والمراد (بالسواد الأعظم) هم سواد علماء أمته صلى الله عليه وسلم لأن العلماء ورثة الانبياء وهم أهل الاستنباط والإفتاء، ولا يرد على ذلك استدلال البعض بقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، وقوله تعالى: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، فإن مورد تلك النصوص هو كثرة الكفار في الأرض وقلة المؤمنون فيها، ولم يزعم أحد أن الصواب يكون في جانب الكثرة المطلقة من كفار ومؤمنين، ولكن ندعي أن الصواب يكون في جانب السواد الأعظم من علماء الأمة, وأنّ الخطأ يكون فيمن شذ عنهم.
فالقاعدة النبوية ترشدنا إلى اتباع سواد علماء الامة الاعظم على مر عصور الإسلام، وقد كان المسلمون في أول أمرهم أمة واحدة يجمعها الإسلام، إلى أن ظهرت الآراء المفرقة والأهواء المهلكة، فانتظم السواد الاعظم من الامة على مفهوم (أهل السنة والجماعة) للتعبير عن آراء أهل الحق والنجاة في مقابل الفرق الضالة، ولا يستطيع أحد أن يكابر وينكر أن أهل السنة والجماعة هم سواد المسلمين الاكبر على مر عصور الإسلام، لاسيما وأن كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الكتاب والسنة والإجماع والتخصص العلمي الفريد.
لقد اصطلحت هذه الجماعة التي تمثل سواد الأمة الإسلامية الأعظم منذ أوائل ظهورها: على تسمية العلم الذي يشرح أركان الإسلام بعلم الفقه، والعلم الذي يشرح أركان الإيمان بالعقيدة، والعلم الذي يشرح مقام الإحسان بعلم التصوف.
ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة.
وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه.
وقد تنوعت طرق التزكية التي يسلكها الربانيون في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإحسان أعلى منازل الدين، وبهذا التخصص الفريد، صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ومدارسه العلمية والسلوكية الرصينة.
لقد حاولت الوهابية مزاحمة أهل السنة والجماعة في مسماها، بل وحاولت حين غفلة من أهل العلم سحب البساط من تحت أقدام أهل السنة والجماعة لتنسبه لنفسها، ولكن الميزان النبوي لا زال عاملا، اليوم وبالأمس وعلى مر عصور الإسلام واليوم إن شاء الله هم أهل السنة والجماعة الحقة أهل العلم والحلم، أهل التقديس والتنزيه، أهل التخصص العلمي الرصين، أهل احترام المدارس العلمية العقائدية والفقهية والسلوكية التي تُعد مفخرة التراث الإسلامي علة مر عصور الإسلام.
***
(1) توحيد الله تعالى في الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية
[المفتاح الأول]:(الإله): هو الرب المعبود الذي له صفات الكمال المطلق، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب المعبود الحق الذي له الكمال المطلق والتقديس المطلق، سوى كلمة (الإله)، ولهذا لا يصلح لشهادة التوحيد ولا يجزئ عن شهادة الموحد (لا إله إلا الله) شيء سواها، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا (لا رب إلا الله)، ولا قولنا (لا معبود إلا الله)، ولا قولنا (لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله)، لأنّ قول المسلم (لا إله إلا الله) يشمل ذلك كله، ويزيد عليه، فتوحيد الإلهية يدخل في معناه: توحيد جناب الذات تعالى وتقدس، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو، (لا إله إلا الله): نفي وإثبات: نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله، ونفي جميع صفات الربوبية والإلهية عما سوى الله، واعتقاد أنه لا معبود بحق إلا هو.
[المفتاح الثاني]: معنى شهادة أن لا إله إلا الله: أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه لا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل لله،، فإذا قال العبد (أشهد أن لا إله إلا الله) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وليس له شريك، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول، وتعالى عن أن تدركه الابصار، أو تبلغه الأوهام، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
[المفتاح الثالث]: الشهادتان (لا إله إلا الله، محمد رسول الله): هما باب الإسلام الأوحد، فلا دخول إلى دين الله تعالى إلا بهما، والشهادتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى، لأنه إذا كانت شهادة (لا إله إلا الله) تعني توحيد الله تعالى في إلهيته، فإن شهادة (محمد رسول الله) تعني بيان ذلك التوحيد والطريق إليه، ومعنى شهادة: (أنّ محمداً رسول الله): أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر، فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الأوحد إلى عبادة الله.
[المفتاح الرابع]: (توحيد الربوبية): (الربوبية): مصطلح واسع من أوسع مصطلحات الإلهيات، يحمل معاني الخلق والإيجاد والامداد لكافة الوجود بمن فيه وما فيه، والله تعالى هو رب العالمين.
و(الربوبية) تحمل كل معاني التربية من التنشئة والرعاية والتعهد والاستصلاح ثم كل معاني الملك والتصرف والتدبير والتصريف ثم كل معاني العلو والسيادة والحكم والأمر ثم كل معاني الهيمنة من العز والذل والنفع والضر فمن ذلك كله تنشأ معاني الربوبية، ولا تصح الربوبية إلا بإفراد الله تعالى بها.
و(توحيد الربوبية): مصطلح شامل يحمل اعتقاد افراد الرب تعالى بكل معاني الربوبية، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا، ويدخل فيها: اعتقاد أنه لا موجد ولا خالق لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا رازق على الحقيقة في الكون كله إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا مالك ولا متصرف ولا مدبر للكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا شريك للرب الواحد الأحد في شيء من تلك المعاني التي يشملها توحيد الربوبية.
و(هناك تلازم بين الربوبية والعبودية لا محالة): فلا يوجد عاقل يتعنى بصرف العبودية لإله ليست له صفات ربوبية من الإعزاز لعابديه ورزقهم، كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، هناك تلازم بين الربوبية والعبودية لا محالة، لذا جاء القرآن الكريم يذكر العباد بربهم وخالقهم وانه يجب عليهم ان يفردوه بالعبادة لأنه الرب الخالق، -: {إنَّ رَبَّكمُ اللّهُ الّذي خلقَ السَّمواتِ وَالارضَ في ستَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استوى على العَرشِ يُدَبِّرُ الامرَ ما مِن شَفيعٍ إلاّ مِن بَعدِ إذنِهِ ذلِكم اللّهُ رَبُّكم فاعبدوهُ أَفلا تَذَكّرون} [يونس: 3]، وقال تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الْأَنعام: 102].
وقد أشار القرآن الكريم إلى توحيد الربوبية في مواضع عديدة من القرآن الكريم: منها: قوله تعالى: {لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 38]، وقوله {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[يوسف: 39، 40]، وقوله {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}[الأنعام: 164]، وقوله {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 79، 80]، وقوله تعالى – مخاطبا اهل الكتاب – {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، وقوله تعالى {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}[التوبة: 30، 31].
[المفتاح الخامس]: أسس وركائز تمنع من الفهم الخاطئ لتوحيد الربوبية، وذلك لان بعض اهل الحشو يظنون ان البشرية كلها على توحيد الربوبية وان المشكلة تكمن في توحيد العبودية وهذا من الخلل.
ومن المفاهيم المغلوطة في باب التوحيد:
(أ) المشركون كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية: فقد كان المشركون على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الإلهية والربوبية في اعتقادهم، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله، كما لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الإلهية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة.
(ب) المشركون في كل زمان وفي زمان الرسول كانوا على الشرك في الربوبية: وذلك لأنهم ظنوا في آلهتهم التي عبدوها من دون الله النفع والضر والعز من دون الله واعتقدوا لها الشراكة مع الله في بعض أمر الكون واعتقدوا أنها تشفع لهم عند الله بما لها من شراكة جزئية في تدبير الكون، وبالتالي فهم قد صرفوا أكثر مفردات الربوبية لآلهتهم من دون الله، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، (إذن) المشركون كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون، ونستفيد منه أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً، وأنّ من ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن على صواب في ذلك.
[توحيد الربوبية] مصطلح عظيم لا يكون عليه إلا الموحدون الذين تبرؤا من كل شرك في الربوبية وتمثلوا قول الله تعالى { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الانعام: 164].
[المفتاح السادس]: لا يكفي في الربوبية الاعتراف بالخالق: قال تعالى – في حق المشركين – {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنْكبوت] و قال تعالى – في حق المشركين – {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف] وقوله تعالى {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس]، عند تدبر هذه الآيات التي تتحدث عن حال الكفار والمشركين نجد فيها إقرار بخالقية الله وتدبيره للكون ولكنه ليس بتوحيد الربوبية، لأنهم يعتقدون بوجود آلهة صغيرة تشارك الله في تدبير شئون الكون فالمشركون يقرون بأن الله هو الخالق والمدبر لكن لا على أنه الأوحد في ذلك بل هو الخالق والمدبر الأكبر باعتبار أن الله كبير الأرباب والآلهة في عقيدتهم، ولكن معه أرباب وآلهة آخرون لهم دخل في بعض شئون الخلق والتدبير، ولهم قدرة على النصر والاعزاز لمتبعيهم، كما قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، ولذلك كثيرا ما يعترض القرآن عليهم الحاجة لاختلاق أرباب متفرقين {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف].
[المفتاح السابع]: (توحيد الإلهية): علماء الدعوة النجدية خلطوا بين مصطلحي الإلهية والعبودية، ولذلك نجدهم يفسرون شهادة التوحيد {لا إله إلا الله} بمعنى لا معبود بحق سواه..
ولكن: من الفقه في الدين ملاحظة الفرق في الاصطلاح بين الألوهية وبين العبودية، وذلك لأنّ توحيد الألوهية يشمل جميع معاني التوحيد ويدخل فيه توحيد جناب الذات بالتقديس اللازم لله تعالى من اتصافه بالكمال المطلق والقدم الأزلي والأحدية المطلقة والصمدية المطلقة والمخالفة للمحدثات، وحاصل هذا التوحيد نفي المثلية عن الله وتقديس الله عن مشابهة خلقه، والعجز عن الادراك لمطلق الوجود ومطلق جناب الذات والصفات، ثم يأتي بعد ذلك توحيد الأسماء والصفات والأفعال وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية.
وليس في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب الذي له الكمال المطلق، والأسماء الحسنى والصفات العلا، والمنزه عن المثيل والند والشريك، سوى كلمة (الإله)، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد (لا إله إلا الله) شيء سواها، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا (لا رب إلا الله)، ولا قولنا (لا معبود إلا الله)، ولا قولنا (لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله)، وما ذاك إلا لأنّ، قول المسلم (لا إله إلا الله) يشمل ذلك كله، ويزيد عليه.
فتوحيد الألوهية يدخل في معناها لزاماً توحيد جناب الذات تعالى وتقدس، وتوحيد الأسماء الحسنى، وتوحيد الصفات العلى، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه.
[المفتاح الثامن]: الآيات الدالة على أنّ معنى (المعبود) هو (الإله): قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الْأَنْبياء: 25]، وقوله تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقوله تعالى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}[الْأَعراف: 59]، [] وقوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].
[المفتاح التاسع]: الآيات الدالة على دخول معنى (الرب) في (الإله): بمعنى الرب المتصرف المدبر الذي يعتقد استحقاقه للعبادة، قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22]: البرهان على نفي تعدد الآلهة لا يتم إلا ّإذا جعلنا «الإله» في الآية بمعنى المتصرف المدبر الذي بيده الأمر، إذ لو جعلنا الإله في الآية بمعنى المعبود لانتقض البرهان لتعدد المعبود في هذا العالم، مع عدم الفساد في النظام الكوني، {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22].
البرهان على نفي تعدد الآلهة لا يتم إلا ّإذا جعلنا «الإله» في الآية بمعنى المتصرف المدبر الذي بيده الأمر، وقوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91]، ولا يصح ها هنا حمل معنى الإله على المعبود فحسب، بل على معنى الرب الخالق المدبر القادر المتصرف ولو جعلناه بمعنى المعبود لم يصح الاستدلال، لأنه لا يلزم من تعدد المعبود أي اختلال في الكون.
وأدلّ دليل على ذلك أن ّفي العالم آلهة باطلة متعددة ولم يقع أيّ فساد و اختلال في الكون، {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} يجب حمل معنى الإله في الآية على معنى الرب الخالق المدبر القادر المتصرف، وقوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء: 98، 99]، والآية تستدل بورود الأصنام في النار على أنّها ليست آلهة إذ لو كانوا آلهة ما وردوا النار، والاستدلال إنّما يتم لو فسرنا الإله بالرب القادر المتصرف، {لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ}، ولا يصح حمل معنى الإله على المعبود إذ لا ملازمة بين كونها معبودات وعدم كونها حصبُ جهنم، الاستدلال يتم لو فسرنا الإله بالرب القادر المتصرف، لو كانوا أربابا لهم تصريف وتدبير ما وردوها، وقوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 42، 43]، فان ّابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدد الأرباب المدبّرون المتصرفون، وأمّا تعدد المعبود فلا يلزم ذلك.
[المفتاح العاشر]: الآيات الدالة على التلازم بين معاني الربوبية ومعاني الألوهية في القرآن الكريم: كثيرة جدا لان الرب هو الإله، والإله هو الرب، والرب هو المعبود والمعبود هو الرب، فمن أقر بأن الرب سبحانه لا يوجد معه رب سواه فلن يعبد غيره، ولن يتخذ إلها سواه، ومن أمثلة هذا التلازم: قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].
فالكلمة السواء كلمة التوحيد تشمل توحيد الألوهية (ألا نعبد إلا الله) وتوحيد الربوبية (ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله) الرب هو الإله والإله هو الرب، وفي قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: {قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء: 53 إلى 56].
فالرب هو المعبود والمعبود هو الرب لا انفكاك في ذلك، وفي ذكر محاجة سيدنا موسى لفرعون قال الله تعالى: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 26 إلى 29]، فالرب هو الإله ولا فرق في ذلك،
(فائدة): إذا قال العبد (أشهد أن لا إله إلا الله) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الحكيمة، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، ليس له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، والله أكبر من كل تصور، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول، وتعالى عن أن تدركه الابصار، أو تبلغه الأوهام، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
(إذن): توحيد الألوهية توحيد عام يشمل ضمن أقسامه العديدة توحيد العبودية، فإن ذكرنا توحيد الألوهية، وجب الحديث عن أقسامه جميعها، من توحيد الذات وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال، وتوحيد الربوبية والعبودية.
[المفتاح الحادي عشر]: [توحيد العبودية]: العبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق، أو المعبودات الباطلة من دون الله.
إنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء: 24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة.
(إذن) لابد من القول بأنّ (الاعتقاد) هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى) ([47]). ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي.
(تنبيه): خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة (اعتقاد الإلهية والربوبية للمعبود): من الفقه في فهم معنى العبادة: أن نعلم أن العبادة لها أصل وله صور، و(الأصل): هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، (وللعبادة صور): تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال.
[المفتاح الثاني عشر]: أسس وركائز تُعين على فهم توحيد العبودية: لأن (الوهابية) لا يفرق بين أصل العبادة وهو اعتقاد الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية لمن تصرف له العبادة وبين صور العبادة من السجود والدعاء وغيره.
(أ) الاعتقاد هو ضابط الحكم في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الحكم في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليلهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى) ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي.
(ب) الاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما في من تصرف إليه العبادة، العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة.
(ت) لكل مفردة من هذه العبادات ركنان: الركن الأول: الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة، والركن الثاني: العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
(ث) امثلة للفقه في هذا الباب: الفقه في مفهوم (السجود) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له – كأن فعله تكريماً أو تعظيماً فلا يكون عبادة، وقد مر بنا سجود الملائكة لآدم عليه السلام، ولو كان شركاً لما أمر الله تعالى به فإنّ الله تعالى لا يأمر بما هو شرك، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، ومر بنا أنّ إخوة نبي الله يوسف عليه السلام خروا له سجدا، وكان ذلك جائز في شريعتهم ولو كان شركاً لما جاز في أي شريعة ربانية.
(ج) التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة: هو إفراد الله تعالى باعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية وحده، وافراد الله تعالى بأفعال العبد من سائر مفردات العبادة من صلاة وصيام ودعاء وذبح، ومن سائر أعمال القلوب كالتوكل والاستعانة واليقين، وقد مر بنا مثال السجود لآدم عليه السلام، وأنّه لم يكن عبادة لأنّه خلا منه الاعتقاد بربوبية وألوهية المسجود له، والمقصود أن ليس كل ما صرف لغير الله تعالى مما يشبه العبادة يكون شركاً بالله تعالى حتى يصاحبه اعتقاد ربوبية وألوهية من يصرف إليه العبادة، فإن خلا من الاعتقاد كان شيئاً آخر غير الشرك بالله.
(ح) وعليه فيكون تعريف (الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية): هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في عبوديته لله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه.
***
(6) التقسيم الأمثل لعلم التوحيد
(تنبيه): تقسيمات العلوم اصطلاحية لتسهيل تحصيل العلوم، وهي ليست تعبدية ولذلك لا مشاحة من اختلاف التقسيمات شريطة عدم الاخلال بالعلوم وعدم تبني قضايا تخالف الصواب أو عدم اهمال أقسام تؤول إلى تحريف العلم،
[المفتاح الأول]: أقسام التوحيد عند السلفية والقصور الحاصل فيه: قامت السلفية المعاصرة تقليدا للشيخ ابن تيمية بتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام هي توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية (العبادة) وتوحيد الأسماء والصفات، ولا مشاحة في التقسيم كما ذكرت ولكن هناك خلل في هذا التقسيم، ويتمثل الخلل في خمسة نقاط رئيسة:
(النقطة الأولى): إهمال أهم قسم من أقسام التوحيد ألا وهو توحيد جناب الذات مما آل بهم إلى الوقوع في بدعة التجسيم وإن زعموا غير ذلك.
(النقطة الثانية): الخلل في فهم توحيد الربوبية، حتى زعموا أن المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على توحيد الربوبية ولم يكونوا كذلك.
(النقطة الثالثة): الخلل في فهم توحيد الألوهية (العبودية) فلم يحددوا أركان هذا التوحيد فآل بهم الحال إلى تكفير اهل القبلة واستحلال حرماتهم ودمائهم وأموالهم بغير حق.
(النقطة الرابعة): أنهم فرقوا بين الربوبية والألوهية مع أنّه لا يمكن الفصل بينهما أبدا، بل التلازم بينهما جعل معاني الرب تدخل في معاني الإله، فالرب هو الإله، والإله هو الرب، والرب هو المعبود والمعبود هو الرب، فمن أقر بأن الرب سبحانه لا يوجد معه رب سواه فلن يعبد غيره، ولن يتخذ إلها سواه، ولهذا جاء الحديث بانّ كل ميت سواء اكان مسلما ام كافرا سيسأل في قبره ثلاثة أسئلة، من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فلا فرق بين قول من ربك وقول من إلهك لأنهما متلازمان.
و(النقطة الخامسة): الخلل في فهم توحيد الأسماء والصفات، مما أدى بهم إلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس وأدى بهم إلى الغلو في التبديع وتبديع طوائف أهل السنة والجماعة القائمين على ثغور العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية.
(النقطة الأولى من نقاط القصور):
إهمال أهم قسم من أقسام التوحيد ألا وهو توحيد جناب الذات: مما آل بهم إلى الوقوع في بدعة التجسيم وإن زعموا غير ذلك، لقد أهملت السلفية المعاصرة قسم توحيد الذات بكامله من تقسيمات علم التوحيد فوقعوا في بدع التجسيم والتكييف وإن لم يشعروا بذلك، (توحيد الذات): وهو علم التقديس والتنزيه: وهو أعظم أقسام التوحيد،، وهو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد، والمقصود من (توحيد الذات) هو اعتقاد الكمال المطلق لله تعالى في ذاته، والتنزيه لجناب ذاته عن كل نقص، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد وتقديس ذات المعبود سبحانه، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد الذات، وقد حجب الله تعالى عن الخلق كنه ذاته ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد.
لذلك فإن (توحيد الذات) لا معنى له إلا تقديس الذات وتنزيه ذات الله تعالى عن كل مثيل أو ند او شريك والاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن معرفة الذات والتوقف عن التفكير في تكييف ذات الله تعالى، وإنما المقصود من هذا الباب _ بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها _ هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص لله تعالى، إنّ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه، لأنّه الأساس الذي يرجع إليه بقية اقسام التوحيد، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات، ومن هنا كان توحيد الذات هو أهم وأشرف أقسام التوحيد، كما أنّه أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد، وإنّ الذهول عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد، سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بجوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين الموحدين المقدسين.
والذهول عن هذا القسم (قسم توحيد الذات) يؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، ولذلك فإن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات الإلهي، أو أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة، وهو لا يعرف قواعد هذا العلم الراسخ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة، والفقه في التوحيد والتقديس، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به.
(النقطة الثانية من نقاط القصور):
الخلل في فهم توحيد الربوبية، حتى زعموا أن المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على توحيد الربوبية ولم يكونوا كذلك، لقد اعتقد هؤلاء أنّ مجرد اعتراف المشركين بأنّ الله خالقهم ورازقهم أنّهم هكذا على توحيد الربوبية، وهذا خطأ، لأنّ تخصيص الربوبية بالخالقية قصور في فهم معاني الربوبية التي تشمل كل خصائص الربوبية والإلهية وهي الصفات التي من أجلها استحق الرب أن يكون معبودا من خلق العالم وتدبيره وتصريفه وحق التشريع والغنى المطلق عن غيره، فـــ (الربوبية): مصطلح واسع من أوسع مصطلحات الإلهيات، يحمل معاني الخلق والإيجاد والامداد لكافة الوجود ثم كل معاني التربية من التنشئة والرعاية والتعهد والاستصلاح ثم كل معاني الملك والتصرف والتدبير والتصريف ثم كل معاني العلو والسيادة والحكم والأمر ثم كل معاني الهيمنة من العز والذل والنفع والضر فمن ذلك كله تنشأ معاني الربوبية، ولا تصح الربوبية إلا بإفراد الله تعالى بها.
و(توحيد الربوبية) مصطلح شامل يحمل اعتقاد افراد الرب تعالى بكل معاني الربوبية، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا، لقد ظن الوهابية أن البشرية كلها على توحيد الربوبية وان المشكلة تكمن في توحيد العبودية وهذا من القصور في فهم معاني توحيد الربوبية خاصة والتوحيد بصورة عامة.
فإنّ المشركون كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية، فقد كانوا على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الإلهية والربوبية في اعتقادهم، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله، كما لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الإلهية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة، والمشركون في كل زمان وفي زمان الرسول كانوا على الشرك في الربوبية كما كانوا على الشرك في الإلهية، وذلك لأنهم ظنوا في آلهتهم التي عبدوها من دون الله النفع والضر والعز من دون الله واعتقدوا لها الشراكة مع الله في بعض أمر الكون واعتقدوا أنها تشفع لهم عند الله بما لها من شراكة جزئية في تدبير الكون، وبالتالي فهم قد صرفوا أكثر مفردات الربوبية لآلهتهم من دون الله، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74].
(النقطة الثالثة من نقاط القصور):
الخلل في فهم توحيد الألوهية (العبودية) فلم يحددوا أركان هذا التوحيد ولم يفرقوا بين أصله وصوره فآل بهم الحال إلى تكفير اهل القبلة واستحلال حرماتهم ودمائهم وأموالهم بغير حق، وأصل (العبودية) هو الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق، أو المعبودات الباطلة من دون الله.
إنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء: 24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة، (إذن) لابد من القول بأنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وُفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى) ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي.
إنّ من الضروري في فهم معنى العبادة: أن نعلم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، و (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال، إنّ الذهول عن ضابط العبادة (اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود) آل بالوهابية إلى تكفير أهل القبلة واتهامهم بالشرك لمظاهر شركية عند بعض المسلمين تنم عن الجهل وليس الشرك واستحلوا بها دماءهم وأموالهم.
(النقطة الرابعة من نقاط القصور):
أنهم فرقوا بين الربوبية والألوهية مع أنّه لا يمكن الفصل بينهما أبدا، بل التلازم بينهما جعل معاني الرب ندخل في معاني الإله، فالرب هو الإله، والإله هو الرب، والرب هو المعبود والمعبود هو الرب، فمن أقر بأن الرب سبحانه لا يوجد معه رب سواه فلن يعبد غيره، ولن يتخذ إلها سواه، ولهذا جاء الخبر بانّ كل ميت سواء اكان مسلما ام كافرا سيسأل في قبره ثلاثة أسئلة، من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فلا فرق بين قول من ربك وقول من إلهك لأنهما متلازمان، وتوحيد الإلهية متفرع عن توحيد الربوبية وملازم له، فالناس إنما يعبدون من يعتقدون فيه الربوبية سواء اعتقدوا فيه ربوبية مطلقة، وهذا ما أثبته المسلمون لله تعالى، أم اعتقدوا فيه ربوبية محدودة صغيرة مستمدة من الرب الأكبر، وهذا ما كان يعتقده المشركون في معبوداتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، كانوا يعتقدون انهم شركاء لله في بعض خصائص الربوبية من النصرة والاعزاز، فكانوا يعبدونهم بناء على اعتقادهم أن الله تعالى قد فوض إليهم التصرف في بعض الأمور، بناء على شراكتهم لله في الربوبية والإلهية، فمن أجل أنهم اعتقدوا فيهم الربوبية وعبدوهم من دون الله.
(النقطة الخامسة من نقاط القصور):
الخلل في فهم توحيد الأسماء والصفات، فإنّ ما أطلقوا عليه (توحيد الأسماء والصفات): هو التشبيه والتجسيم عند جماهير العلماء الراسخين في العلم، قال تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هذه الآيةُ، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بالسميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بالسميع البصير، قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، يمكن أن تكون هناك مثلية في بعض معاني الصفات، ولكن النفي المطلق للمثلية إنما هو في جناب الذات، ولذلك فإن هذه الآية تقضي على كل أوهام اهل الحشو، فأهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لأننا جميعا نثبتها، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين والساق واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كانت أجزاء من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، لذا وجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، والاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، كما أن القرب في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن المعية في قوله تعالى {وهو معكم أينما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، فمن جوز الحركة والنقلة والسكون والانتقال ومن جوز الصور والأشكال ومن جوز التغير والحدوث ومن جوز الجسمية ولوازمها على الله فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130]، ولذلك أطبق الصحابة ومن بعدهم من محققي سلف الأمة وخلفها على أن ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة مما يوهم التشبيه بخلقه تعالى مصروف عن ظاهره الحسي المتعارف، فلا يفسر الاستواء بالجلوس والاستقرار على العرش، ولا يفسر الوجه والعين والقدم واليد والساق وسواها من الجوارح والأعضاء، وحسبك أنهم سموها صفات ولم يسموها أعضاء، ولا يفسر العلو والنزول والانتقال على المعنى الظاهر الحسي الذي هو من لوازم الأجسام، وبعد اتفاق سواد العلماء سلفهم وخلفهم على أن المعنى الظاهر الحسي الذي هو من لوازم الأجسام غير مراد فهذا يعني اتفاق السلف والخلف على التنزيه وعلى أنّ آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة التي توهم تشبيها مصروفات عن كل ما يخطر في أوهام الواهمين، وما يرد على قلوب أولي التشبيه والتجسيم، غير أن أغلب أحوال السلف بعد هذا التنزيه هو عدم تعيين المراد بل اكتفوا بقراءة ألفاظها كما وردت لا يبدلون لفظا بمقاربة ولا يتبعون ذلك بزيادة ولا تفسير، وذلك هو معنى قولهم: ” أمروها كما جاءت” وتسميتهما الوجه واليد ونحوهما صفات لا أجزاء ولا أعضاء مع ما أثر عنهم من قولهم، ” قراءتها تفسيرها ” صريح في براءة ساحة أئمة الدين مما ألصقه بهم أهل التشبيه والتجسيم، وتوقفهم في بيان المعنى المراد منها لم يكن عن جهل منهم بما يصح أن يراد بها في المعاني اللائقة به تعالى، وإنما لأن باب اللغة فقد يكون للفظ معنيان صحيحان فكان الحذر عندهم من تعيين المراد أسلم، على أنهم في كثير من الحالات قد أوضحوا فيها لمعاني اللائقة به تعالى دفعاً للتشبيه.
وهذا هو أحد منهجي السلف في معاملة المتشابهات، وهو ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: كتأويله للساق في قول الله تعالى {يوم يُكشف عن ساق} بالكرب شديـد، وتأويله للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا)، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة)، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
لكن الوهابية واهل الحشو عموما لا يقبلون بالتقديس، فأضافوا إلى صفات الله تعالى ما سموها الصفات الخبرية ومنها الوجه واليد والعين والساق، وسمها ابن تيمية صفات أعيان وليس للأعيان معنى سوى الأبعاض والأجزاء وكأنه لم يفهم مقصد الأحدية في قوله تعالى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فهي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، أما هؤلاء فلا علم ولا حلم، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس، ويتصدرون للحديث عن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، ويتمسكون بما يوحي بشكل الذات، الله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، واهل الحشو أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع لهذه للمتشابهات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، فهذا ما آل إليه معتقد الوهابية في قسم توحيد الأسماء والصفات، ألا وهو الحشو والتشبيه واعتقاد التجسيم، وإن أنكروا ذلك بألسنتهم، فالاعتقاد لا محالة هو الحشو والتجسيم.
[المفتاح الثاني]: تقسيم الأشاعرة للتوحيد هو التقسيم العلمي للتوحيد: قسَّم الأشاعرة التوحيد إلى ثلاثة أقسام إضافة إلى القسم الأساس وهو إفراد الله بالعبودية: قال الصاوي معرفا التوحيد الشرعي: (هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتا وصفاتا وأفعالا) ([48]).
فلا معبود بحق سواه ولا تصرف العبادات إلا إليه، مع توحيد الذات والصفات والافعال، ومعناها: أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، له الاحدية المطلقة فلا يصح انقسامه، ولا يقبل التركيب ولا التجزؤ ولا التبعض، وانّه واحد في صفاته له الكمال المطلق فلا شبيه له في حقائق صفاته، وأنه واحد في أفعاله لا شريك له، في الإيجاد والإمداد، وفي الخلق والتدبير والتصريف.
فأمّا توحيد الذات: فمأخوذ مِنْ قوله تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص:1]، وقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى:11]، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يماثل الله تعالى في الذاتية، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها فهو منتف عن ذات الله تعالى، وأخص ذلك الجسمية ولوازمها المخلوقة، فذات الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بأي وجه من الوجوه، فذات الله تعالى لا يسري عليه أي قانون من تلك القوانين التي تقهر عباده لأنه القاهر فوق عباده فلا يحتاج في وجوده إلى مكان ولا يجري عليه في وجوده زمان كما انه لا تسري عليه قوانين المادة والأجسام، والحاصل جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك هو غاية ما نقدر عليه من الإدراك، وأما توحيد الصفات فمأخوذ مما ما ثبت لله من صفات محكمة في القرآن الكريم أو في سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ومأخوذ من أسمائه الحسنى الدالة على صفاته، فكل اسم من أسماء الله، فإنه يتضمن صفة من صفاته؛ فالعليمُ يدل على العلم، والحكيم يدل على الحكمة، والسَّميعُ البصير يدلان على السمع والبصر، وهكذا كلُّ اسم من أسماء الله يدل على صفة من صفات الله تعالى.
وتوحيد الأفعال والمقصود: منه الاعتقاد بأنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته، هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة، ليس في الوجود خالق غيره، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء وعمدة هذا التوحيد: قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، وهذا التقسيم أقرب التقسيمات إلى الإحاطة بعلم التوحيد، والمقصود به القسم النظري الاعتقادي من أقسام التوحيد، أما القسم العملي فهو يشمل توحيد الربوبية والعبودية.
[المفتاح الثالث]: الملاحظ أن طوائف أهل السنة والجماعة، قد ركزت كل طائفة منها على قسم من التوحيد، مما يستدعي بالضرورة جمع تلك المباحث وإعادة صياغتها بحيث تستوعب جميع الاقسام دون أن نهمل أي قسم منها، ودون أن يكون هناك خلل بسبب إهمال أحد تلك الأقسام.
لقد ركزت الطائفة السنّية متمثلة في مدرستي الأشعرية والماتريدية على توحيد الذات وتوحيد الصفات والأفعال فأبدعت وأتت بما يفخر به أهل الإسلام من قواعد التقديس والتنزيه والتوحيد التي تمنع من الحشو والتجسيم، ولكن شاب هذا العلم بعض القصور بسبب التوسعات والتفريعات الكلامية التي فتحت باب الجدل والخلاف.
كما أن الطائفة الأثرية ركزت على توحيد الربوبية والعبودية وأتت بما يحمي جناب التوحيد من شوائب الشرك، ولكن شاب هذا العلم الكثير من القصور بسبب الذهول عن توحيد الذات بالكلية، وهو علم العلوم وأساس التوحيد ورأس التقديس والتنزيه الذي هو عمود التوحيد، ثم جاءت الطامة عندما اعتبر بعض رموز هذا التيار أن توحيد الذات من علوم اليونان وليس من علوم المسلمين، فقطع الطريق على أهل العلم من المتخصصين الربانيين الذين ضبطوا هذا العلم على هدي الكتاب والسنة، ولم تكتف المأساة حتى شابهم الغلو في توحيد الربوبية والإلهية بما يدخل في الغلو وتكفير المسلمين على أشياء لا تبلغ الكفر، واتهامهم بالشرك الاكبر على مسائل لا تبلغ بهم هذا الأمر.
كما أن الطائفة الصوفية ركزت في باب التوحيد على مقامات التوحيد القلبية التي تعد مفخرة اهل الإسلام في بيان منازل الموحدين من الصديقين والمقربين والمحسنين، والذي بلغ بأكابرهم أن عايشوا سنام التوحيد (وحدة الشهود)، فعبدوا الله تعالى كأنهم يرونه كما في الحديث عن مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين: (أن تعبد الله كأنك تراه)، ولكن شاب هذا العلم أيضا بعض القصور بسبب الدخلاء والأدعياء والجهلاء، فجاءت الأخطاء، وظهر القول بسقوط التكاليف، وجرح جناب التوحيد، وخدش صفاء التوحيد وظهر الخلل عندما تعلقت القلوب بالأولياء، بدلاً من تعلقها على رب العباد، والتصحيح الشامل لعلم التوحيد يأخذ من كل طائفة أحسن القول والعلم في مباحث التوحيد، ويتجنب الغلو والخطأ والقصور الذي شاب بعض تلك الطوائف في مباحث التوحيد، وبهذا نخرج بعلم راسخ للتوحيد يحيط بأهم جوانبه العظيمة.
[المفتاح الرابع]: التقسيم الواسع للتوحيد: التوحيد هو العلم الشارح لشهادة التوحيد: (لا إله إلا الله): و لا إله إلا الله توحيد للإلهية، وليس هناك في الوجود جملة تشمل كل اقسام التوحيد سوى شهادة التوحيد: (لا إله إلا الله)، فتوحيد الإلهية (لا إله إلا الله): يدخل في معناها لزاماً: توحيد الذات تعالى وتقدس، وتوحيد الأسماء الحسنى، وتوحيد الصفات العلا، وتوحيد الأفعال، وتوحيد الربوبية، وتوحيد العبودية، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو، وقد ذكرت في أول المبحث أنّ تقسيمات العلوم اصطلاحية لتسهيل تحصيل العلوم، وهي ليست تعبدية، ولذلك لا مشاحة من اختلاف التقسيمات شريطة عدم الاخلال بالعلوم أو عدم اهمال أقسام تؤول إلى تحريف العلم.
وعلى ذلك فإنّ مباحث التوحيد يمكن ان تؤول إلى سبعة اقسام عظيمة تتناول جميع مباحث التوحيد (توحيد الإلهية) وتتمثل هذه الاقسام في: (القسم الأول): توحيد الله تعالى في جناب ذاته، و(القسم الثاني): توحيد الله تعالى في أسمائه، و(القسم الثالث): توحيد الله تعالى في صفاته، و(القسم الرابع): توحيد الله تعالى في أفعاله، و(القسم الخامس): توحيد الله تعالى في الربوبية، و(القسم السادس): توحيد العبادة، أو ما يسميه البعض توحيد الألوهية، و(القسم السابع): البراءة من الشرك في كل تلك الأقسام الستة، وهناك تداخل لا يمكن فصله بين تلك الأقسام، وهذا التداخل لا يمنع من التقسيم لأن الغرض منه استيفاء مباحث العلم، وفي النهاية فإنّ هذه التقسيمات اصطلاحية وضعت لتسهيل العلم, فلا مشاحة في التقسيم شريطة سلامة العلم من التحريف.
([1]) مسند أحمد 4/215.ح 4316، المستدرك علي الصحيحين 1/690ح 1877.
([2]) صحيح البخاري 3/198 ح 2736، صحيح مسلم 4/2063 ح 2677.
([3]) سنن ابو داود2/185 ح 880.
([4]) سنن الترمذي 5/534 ح 3513.
([5]) مسند أحمد 4/215 ح 4316، المستدرك 1/690 ح 1877.
([6]) سنن الترمذي 5/530ح 3507، المستدرك 1/62 ح41، صحيح ابن حبان 1/380 ح 511.
([9]) مسند أحمد 38/64 ح 22965، سنن ابن ماجة 5/26 ح 3857.
([10]) مسند احمد 19/238 ح 12205، سنن ابو داود 2/612:613 ح 1494، سنن الترمذي 5/512 ح 3544.
([11]) سنن ابو داود 2/613 ح 1496، سنن الترمذي 5/464 ح3478.
([12]) سنن ابن ماجة 5/24 ح 3855.
([16]) سنن ابو داود 1/349 ح 466، الاذكار للنووي ص 31.
([19]) صحيح البخاري 9/56 ح7108.، صحيح مسلم4/2206 ح 2879.
([20]) العقيدة الطحاوية ص 128.
([21]) شرح صحيح مسلم للنووى 3/ 19-20.
([22]) أقاويل الثقات 1 / 120/121.
([25]) العقيدة الطحاوية ص 225.
([26]) مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان ص 365.
([29]) رسالة أربع قواعد ص ١ ـ ٤.
([36]) تاريخ عجائب الآثار للجبرتي 2/554.
([37]) المجد في تاريخ نجد عثمان النجدي 1 / 135.
([38]) عنوان المجد في تاريخ نجد ص 139و 143.
([39]) صفحات من تاريخ الجزيرة العربية، لمحمد عوض الخطيب، ص 198-199، عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي،ص 139.
([40]) صحيح البخاري 9/54 ح 7094.
([41]) صحيح البخاري 4/128 ح 3302، صحيح مسلم 1/71 ح 51.
([42]) صحيح البخاري9/53 ح 7092.
([43]) صحيح البخاري 9/53 ح 7093، صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([45]) وفي تحفة الأحوذي 10/ 315.