ثمرات علم التقديس
(1) فهم معاني الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي.
(2) فهم معاني الكمال المطلق لجناب الذات الإلهي.
(3) فهم معاني القدم الأزلي لجناب الذات الإلهي.
(4) فهم معاني التقديس المطلق لجناب الذات الإلهي.
(5) معرفة الواجب والجائز والمستحيل في حق جناب الذات تعالى وتقدس.
(6) معرفة المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي.
(7) رؤية الله تعالى في الآخرة.
(1) من ثمرات علم التقديس فهم معاني الوجود المطلق لله عز وجل
[المفتاح الأول]: الله عز وجل شيء لا كالأشياء: قال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون} [الانعام: 19]، وقال تعالى: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، والمقصود بالشيء (الوجود)، أي ان الله موجود، ولكن (موجود) اسم مفعول، والله فاعل وهو في الحقيقة واجد الوجود، وواجب الوجود، وجوده ذاتي لا يقبل العدم ولا الفناء، ولولاه لم يكن شيئا موجودا، فهو الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، فالله عز وجل شيء لا كالأشياء، أي موجود ليس كباقي الموجودات، وإذا جاز إطلاق لفظ شيء على الله جل وعلا فقط من باب الإخبار عن وجوده، ولكنه ليس من أسماء الله الحسنى، وهو من باب اثبات الوجود، وليس الإخبار، فالله واجب الوجود، وخالق كل موجود.
[المفتاح الثاني]: جناب الذات غيب عنا لا يدرك، ولا نحيط به علما، ولا نبلغ علم معرفة حقيقة وجوده، لأنه لا ذات في الوجود على الحقيقة إلا ذاته سبحانه، وكل الوجود خلقه وفعله، فنحن أفعال الله، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، والأفعال لا تدرك حقائق الصفات فضلا عن إدراك جناب الذات لأنها مراتب اعلى من الأفعال، وكل ما نقدر على قوله هو أنّ الله تعالى معنا بأسمائه وصفاته وأفعاله، لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء، وهو أقرب إلى كل شيء من نفسه وذاته، مقدس في وجوده عن الغايات والحدود، وعن الكون في المكان المحدود، وعن جريان الزمان المخلوق، استواؤه استواء صفات، صفات الربوبية والتدبير والتسخير والرحمة، وقربه قرب صفات، صفات العلم والسمع والبصر، وإحاطته إحاطة صفات، صفات العلم والقدرة والمشيئة والهيمنة والقهر، أما جناب الذات فهو الغيب المطلق والوجود الحقيقي المطلق، لولاه ما كان شيئا موجودا، الكون كله محتاج إليه في وجوده وبقائه لولاه لانتفى كل موجود، وجوده مطلق لا يتقيد بمكان دون مكان ولا بزمان دون زمان وهو الحي القيوم قام به كل موجود، {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الأنبياء:41].
[المفتاح الثالث]: هناك وجود مقيد يتقيد بالمكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، هذا الوجود هو وجود الكون بما فيه من مخلوقات وجميعها مقيد تحكمه قوانين كونيه قدرها الله تعالى عليها، من كونها لا انفكاك لها عن الكون في مكان دون مكان، والتحيز في جهة من جهات المكان، وهذا الوجود المقيد أصغر من المكان لان المكان يقهره ويحيط به ويحيزه، وهذا الوجود المقيد تحكمه أيضا قوانين الزمان من الماضي والحاضر والمستقبل، فهو لا يستطيع أن يعيد الماضي ولا أن يوقف الحاضر ولا أن يستعجل المستقبل، وهذا الوجود المقيد يتقيد بالحدود التي تحكم عليه بالتناهي من جميع الجهات، وهذا الوجود المقيد يتقيد بالصور والاشكال التي هو مقهور عليها لا انفكاك له عنها، وهذا الوجود المقيد هو صفة المخلوق مهما كبر أو صغر من العرش إلى الفرش، كل الخلائق محكومة بقوانين هذا الوجود المخلوق، مقهورة به لا انفكاك لها عنه، لا تخرج عن قوانين المكان فهي تخضع لقرب وبعد المسافات، قريبة من مكان وبعيدة عن الآخر، ويجري عليها الزمان قهرا، لا يمكنها التصرف في الزمان فلا توقف الحاضر ولا تعيد المستقبل، وهي مقهورة بالصور والاشكال.
أما الوجود الإلهي وجود الخالق فهو الوجود المطلق الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، ولا يقهره حد ولا مقدار ولا تحكمه الصور والأشكال، كل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود، أما الله عز وجل فهو الواحد القهار، لا يقهره شيء، هو الخالق لكل شيء، هو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال المطلق لا يقبل الزيادة أو النقصان، وإنما التغيير والزيادة والنقصان هي صفات المخلوق، والله منزه عن الحدوث والنقصان، الله تعالى له الوجود المطلق أزلا وأبدا، الوجود الأزلي معناه: (الأولية بلا ابتداء)، والله تبارك وتعالى لا ابتداءَ لوجودِهِ، والوجود الأبدي: معناه: أنّ الله تعالى ليس لوجوده انقضاء ولا انتهاء دائم الوجود لا يفنى ولا يبيد موصوف بصفاته كلها في الأزل وهو كذلك لا يزال عليها إلى الأبد، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 25]، (وجود الله تعالى) ذاتي لا يجوز عليه العدم أو الفناء.
[المفتاح الرابع]: وجود الله مطلق لا يمكن لنا ان نحيط بحقائقه: لانّ الوجود تابع للذات والذات غيب الغيوب لا نحيط به علما ولا تدركه الابصار، ولكن لنا أن نعود إلى الوراء، ونتخيل، كيف كان الحال قبل خلق الاكوان، وقبل جريان الزمان، كان الله ولا شيء غيره ولا شيء معه، آنذاك لم يكن هناك إلا الله، فلا مكان ولا زمان، ولا عرش ولا كرسي ولا أرض ولا سماء، آنذاك ألم يكن الله هو العلي؟، نعم كان هو العلي ولكن عليّ على ماذا؟، نقول عليّ بذاته، له العلو الذاتي بأسمائه وصفاته فلا يحتاج إلى عرش ليعلو عليه ولا لكون يكون تحته كما يتخيل أهل الحشو والتجسيم، (الله) جل جلاله له الكمال المطلق قبل خلق الخلق وبعد خلقهم، فلم يستفد الرحمن من مخلوقاته شيء، وحدوث الاكوان لا يزيد شيئا لا في الأسماء ولا في الصفات، لأن لها الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة أو النقصان.
(إذن) وجود العالَم أو زواله أو عدمه لن يغير من كمالات الله شيئا، لأنّ له الوجود المطلق وله الكمال المطلق وله العلو الذاتي المطلق، قال الإمام الطحاوي في عقيدته -معبرا عن عقيدة كل مسلم- : (ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان في صفاته أزليًّا كذلك لا يزال عليها أبديًّا)، ([1]). ولهذا فإننا عند التدبر سنجد انّ العالَم كله موجود كأثر للكمال الإلهي والرحمة الإلهية، وليس سببا في الكمال الإلهي، وفرق هائل بين الامرين، خلق الاكوان مِنّةُ من الرحمن على الخلائق وتفضل منه عليهم والله ذو الفضل العظيم.
والحاصل أنّ وجود الأكوان والعوالم والمخلوقات لا يزاحم وجود الرحمن، أهل الحشو يظنون أن الله في جهة من العالم وهي جهة العلو المكاني، وهذا باطل، لأنه إن كان حقيقة فقد، تزاحم الله ومخلوقاته في المكان، ولا بد -عندهم – من تخيل حد حسي للرحمن حتى لا يختلط بمخلوقاته وتختلط به، لأنّ الكون يحويه ويحويهم، ولهذا زعموا له الحد وزعموا له المكان وان العرش أكبر حجما من ذات الرحمن -استغفر الله- وإلا لما استراح على عرشه، هذا ما يتخيله أهل الحشو وهذا ما يعتقده أهل الحشو والتجسيم، ولكن اهل التقديس على عقيدة أخرى هي عقيدة التنزيه والتقديس للباري أن يشابه وجوده وجود خلقه، فلا هو تعالى وجل في علاه يزاحمهم ولا يشترك معهم أصلا في هذا الوجود المحدود، بل وجوده ليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج فيه إلى مكان ولا يجرى عليه فيه زمان لأنّه ببساطة هو الخالق لمنظومة المكان والزمان وهو المقدر لقوانين الزمان والمكان، فهو يحكمها ويقهرها ويملك تغييرها، وليست هي من تحكمه وتجري عليه ، كيف وهو الواحد القهار، الواحد فلا خالق إلا هو والقهار فالكل وفق مشيئته وإرادته، لا يكون في ملكه إلا ما يشاء وما يريد، ولو شاء طوى الزمان وافنى المكان فلا يكون إلا واجب الوجود المتعالي على الفناء، قال تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [ الرحمن: 26،27].
[المفتاح الخامس]: التقديس عن المكان والزمان وجود مطلق، لانّ المكان والزمان مخلوقان، وكل مخلوق محدود، والموجود في المكان محدود بالمكان مشمول بحيز المكان يخصه مكان دون مكان، والمقيد بالزمان إنما يوجد في زمان دون آخر، وهذا مقيد الوجود، اما صاحب الوجود المطلق فهو خارج عن محدودية المكان وخارج عن قهر الزمان لا يتقيد بزمان ولا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمعه وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء، أزلي لا ابتداء لوجوده، وأبدي لا انتهاء لوجوده، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، وأجراه، ولو شاء أوقفه وأفناه، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، ولا يتجدد له من جريان الزمان شيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، سبحانه، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان.
[المفتاح السادس]: التقديس عن الحد وجود مطلق، لأن لازم المحدودية الانعدام بعد الحد، وما هو كذلك لا يكون حقا مطلقا، بل يلابسه العدم بقدر المحدودية، والله تعالى هو الموجود المطلق الذي لا يلابسه عدم، وبالتالي لا يُتصور لوجوده حد ولا قيد، بل له الوجود المطلق المقدس عن عوامل المحدودية والتناهي، والله سبحانه لأجل كونه موجودا مطلقا غير محدود ولا متناه، يصف نفسه في القرآن الكريم ب {الْواحِدُ الْقَهَّارُ} [سورة الرعد: 16]، وما ذلك إلا لأن المحدود المتناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، فإذا كان الله تعالى قاهرا من كل الجهات لم تتحكم فيه الحدود، فالتقدس عن الحد يلازم وصف القاهرية، ومن كان قهارا من كل وجه كان واحدا، فإن القهار لكل ما حوله لا يكون إلا واحدا، {وهو الواحد القهار}، من أخص معانيه الوجود المطلق الذي لا يشاركه فيه شريك، ولا يشوبه فيه عدم، وهو الحي المطلق والعليم المطلق والقادر المطلق له سبحانه القدم الأزلي والغنى التام والتقديس المحض والوجود الأتم الأكمل، لا إله إلا هو الواحد القهار.
[المفتاح السابع]: الوجود المطلق لله عز وجل لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء وهو على كل شيء شهيد، قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سورة الحديد: 4]، والآية صريحة في بيان سعة وجوده سبحانه، وأنّه معنا أين ما نكون، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ}، مقدسا عن معاني الجسمية من الحد والمقدار ومن الكون في المكان ومن جريان الزمان ومقدسا عن أي معاني الحلول والاتحاد، ولهذا قال أهل العلم بالاصول بأنّ القرب قرب الصفات من العلم والسمع والبصر فإنّ جناب الذات غيب الغيوب لا يُدرك، وهذا القرب دليل على الوجود التام والحضور الكامل، مقدسا عن كل ما يخطر بالبال من معاني الاتحاد والحلول، وعن كل ما يخطر بالبال من معاني المشاركة في المكان وجريان الزمان، فلا يغيب سبحانه عن شيء ولا يغيب عنه شيء وهو على كل شيء شهيد، ويقول سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة المجادلة: 7]، والآية تُشير إلى الوجود المطلق لله عز وجل، لكن لا بمعنى الحلول بل بمعنى المعية، {مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا} معية الصفات فإنّ جناب الذات لا يُدرك، لا يغيب هو عن شيء ولا يغيب عنه شيء وهو على كل شيء شهيد.
[المفتاح الثامن]: الوجود المطلق لله يعني العجز عن الإدراك: لأنّ وجود الله تعالى هو الوجود الذاتي الحق، وكل الوجود مرتبط بوجوده، لا يغيب شيء من خلقه عنه، مقدس عن الاتحاد والحلول ومقدس عن الاتصال والانفصال، ومقدس عن الكون في المكان ومقدس عن جريان الزمان، فهو سبحانه موجود بلا كيف، موجود بلا حد، موجود بلا مكان، موجود لا يجرى على وجوده زمان، وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط ومن كل خلقه قريب، أقرب إليهم من حبل الوريد، أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، واكبر من كل بداية وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال، مقدس عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، {ليس كمثلِه شيء} {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} لا نظير له بوجه من الوجوه، وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والاكرام، ولذا فإنّ الوجود الإلهي فوق الإدراك، { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [ الانعام: 103].
[المفتاح التاسع]: الوجود المطلق لله يعني اطلاق الصفات، (الوحدانية المطلقة) يستحيل وجود الضد ويستحيل وجود الشريك ويستحيل وجود المثيل، واحد لا شريكَ لَه، ولا ند له، ولا كفو له، له (الحياة الكاملة)، هو الحي الذي لا يموت، وهو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، له كمال (القيومية) قائم بذاته، له الغنى المطلق، قائم على خلقه، فلا وجود لهم إلا به، لا يحتاج إلى أَحَد من خَلقه، وكلُّ شيء سواه مَحتاج إليه لا يَستغني عن الله طرفَة عَين، وله (كمال العلم) يعلم بعلمه الأزلي كلَّ شيء، كل العلم حاضر عنده، لا يضل ربي ولا ينسى، وله (كمال السمع)، يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات من الازل وإلى أبد الأبد ولا تختلط عليه الأصوات، وكل المسموعات عبر الزمان منكشفة على سمع الله القديم المطلق، لا تتجدد مسموعاته لأنّ له كمال السمع، وله (كمال البصر)، لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده لا يغيب عنه شيء، وكل المرئيات عبر الزمان منكشفة على بصر الله، وهو السميع البصير، له الخلق والامر، له صفة الكلام الأزلي الذي ليس له حد ولا غاية ولا بداية قديم ازلي ليس له ابتداء ولا انتهاء، وأمره وخلقه بين الكاف والنون، قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 82، 83]، وقـال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27].
[المفتاح العاشر]: الخلائق عاجزة عن معرفة حقيقة الوجود الإلهي المطلق، لأنها مخلوقة محدودة محدثة، والمخلوق لا يدرك الخالق، والمحدود لا يدرك المنزه عن الحدود، والمحدث لا يدرك كنه القديم، و (نحن) عاجزون عن إدراك وجود الروح التي لا تفارق جسد الإنسان، إلا بآثار تلك الروح، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، و (العقل) لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها، والله تعالى منزّه في وجوده المطلق عن الحدّود، تعالى على الحدود والبدايات والنهايات، والغايات، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.
ولذلك كان المنهج الصحيح السوي أن نتعامل مع صفات الله، هربا من التجسيم والتمثيل، فقرب الله في آيات القرب قرب صفاته من (العلم والسمع والبصر والقدرة والحفظ والرعاية )، وإحاطته في آيات الإحاطة إحاطة صفاته من (العلم والسمع والبصر والهيمنة والقدرة)، واستواؤه على العرش استواء صفاته من (التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية والقدرة )، أما جناب الذات غيب لا يدرك، تنزه وجوده عن الكيف، والكم والتصور والادراك، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، قريب من كل شيء، أقرب إلى أحدنا من حبل وريده، لا يغيب عنه شيء، ولا يغيب هو عن شيء، وهو بكل شيء محيط، غيب الغيوب لا يدرك، موجود بلا كيف، موجود بلا حد، موجود بلا مكان، موجود لا يجرى على وجوده زمان، غيب الغيوب لا يدرك، تقديس كامل، انقطع علم الخلق دونه، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والاكرام.
***
(2) من ثمرات علم التقديس فهم معاني الكمال المطلق لله عز وجل
[المفتاح الأول]: من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} [النحل:60]، وقال تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27]، المثل الأعلى: هو الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، تقدس الله عن المثل، فوجب له الكمال الأعلى، لأنّ التفرد بصفات الكمال المطلق يستحيل معها وجود المثل، وقال تعالى {الله الصمد} أي الذي له الكمال المطلق، فـ {الصَّمَدُ} هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، وهو الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، وهو َالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وصفاته.
والله تعالى قد سمى نفسه بأسماء الكمال، فمن أسمائه الحسنى: (القدوس) أي المنزه عن مظاهر النقص التي تنافي الكمال المطلق، ومن أسمائه الحسنى: (السّلام) أي المنزه عن كل آفة وعيب ينافي الكمال، ومما يدل على كماله المطلق اسمه (الغني) و اسمه (الحميد) لذا اقترنا في قوله تعالى: {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}، هو الغني الذي كمل في غناه، فلا يحتاج إلى أحد، وهو الحميد الذي استحق الحمد بجناب ذاته وعلو صفاته وكريم فعاله، له الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، والكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، الله تعالى له الكمال المطلق في أسمائه فلا حد ولا عد، وله الكمال في صفاته لا تتناهى، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لجناب ذاته، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته.
[المفتاح الثاني]: الكمال المطلق: يمنع من وجود الضد والند والشريك والمثيل، فلا خالق غيره، ولا قديم سواه ، خالق ومن عداه مخلوق، له العلم المطلق فلا يغيب عنه معلوم، والسمع المطلق فلا يغيب عنه مسموع، وله البصر المطلق فلا يغيب عنه شيء منظور، له القدرة التامة فلا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير، وله المشيئة المطلقة والإرادة النافذة، فلا يكون إلا ما يريد ، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الصمد المطلق والغني الذي كمل في غناه، تنزه وتقدس وتعالى عن صفات المخلوقين، منزه عن الحاجة فلا يأكل و لا يشرب، ولا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد، هو الكامل في جناب ذاته وصفاته وأفعاله، كماله مطلق فلا مزيد فيه ولا نقصان.
[المفتاح الثالث]: الكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان: لأنه لو قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ويتقدس الإله عن النقص، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية، لا رب سواه ولا معبود غيره، ولا إله سواه، والكمال المطلق: لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، ولو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، والكمال المطلق: لا يقبل الحوادث، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق، لأنه قبل التغير من حال إلى حال، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية، والكمال المطلق: أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لجناب ذاته، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته، لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو.
[المفتاح الرابع]: الكمال المطلق: يمنع من الإدراك: وذلك لأنّ الكمال المطلق المقدس عن التناهي لا يمكن ان يُحاط به، لأنه فوق الحدود والغايات، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى}: (المثل الأعلى): هو الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى {الله الصمد} أي الذي له الكمال المطلق، وقوله تعالى: {ولا يحيطون به علما}: يدل على الكمال المطلق، لان ما دون الكمال المطلق يمكن الاحاطة به، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يُحاط به، لأنه فوق الحدود والغايات، وقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} يدل على الكمال المطلق، لان ما دون الكمال المطلق يمكن إدراكه، أما الكمال المطلق المقدس عن التناهي فلا يمكن ان يدرك، لأنه فوق الحدود والغايات.
[المفتاح الخامس]: قولنا (الله أكبر) في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء يفيد الكمال المطلق، ومعناه: الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار، فدل ذلك على الكمال المطلق، لأن ما له نهاية فإن النهاية علامة نقصه، والقاعدة عند الأصوليين: أن كل ما يقبل النهاية يمكن ان يتصور ما هو أكبر منه، ويمكن أن يقبل الزيادة والنقصان، والله تعالى له الكمال المطلق، والكمال المطلق لله في جناب ذاته وفي صفاته يجعل قولنا (الله أكبر) كمالا مطلقا، (الله أكبر) من كل حد (وأعظم) من كل حصر (ومتعال) على كل نهاية ومقدار، له الكمال المطلق الذي لا يقبل ابتداء ولا انتهاء.
[المفتاح السادس]: قولنا (سبحان الله) يفيد الكمال المطلق، ومعناه: تقديس الله عن كل تصور، وعن كل ما يخطر بالبال، له الكمال المطلق الذي يستوجب التقديس والتنزيه، وما أكثر الآيات القرآنية الدالة على التسبيح، كما أن الصلاة لا تخلو من التسبيح في الركوع: (سبحان ربي العظيم)، وفي السجود: (سبحان ربي الاعلى)، ومن أعظم الأذكار قولنا: (سبحان الله)، ومعناه التنزيه لله، أنزه الله تعالى وأنفي عنه كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، وأنزه الله تعالى عن كل نقص وعيب وعجز، وأقدس الله تعالى عن كل وصف لا يليق بجلاله وعظمته.
[المفتاح السابع]: قولنا (الحمد الله) يفيد الكمال المطلق، لأنّ من أعظم أسباب استحقاق الحمد لله، ثبوت الكمال المطلق لله، فالله تعالى يحمد على ما اتصف به سبحانه من الكمال والجلال والجمال، كما يحمد على ما أنعم به من النعم والخيرات، له الحمد الذاتي كما له الكمال الذاتي، وقد امتلأ القرآن الكريم بصيغ الحمد لله، كما في الفاتحة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، والروم: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ}، وسبأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}، والقصص: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، والتغابن: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، والصافات: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، و(الحميد) اسم من أسماء الله جاء منفردا في سورة الحج، {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}، ومقترنا بالغني والعزيز والولي في مواضع عديدة من القرآن، {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}، {وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}، {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}، فلله الحمد لكمال ذاته وكمال صفاته وكريم فعاله.
[المفتاح التاسع]: كمال صفات الله من كمال جناب ذاته: كمال الله تعالى من ذاته، وما كان من ذاته فهو ملازم له، أبدا وأزلا، كماله سرمدي أزلي أبدي لأنه حي لا يموت قيوم لا ينام، سبحانه هو الحي القيوم مستغن عن كل شيء، وكل شيء مفتقر إليه، كماله ذاتي، يمتنع عليه النقص والعيب والعجز والجهل والظلم، بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو السميع البصير، سبحانه له الكمال في ذاته وصفاته، وهو سبحانه وتعالى ما زال ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال المطلق في الأزل والقدم الذي لا نهاية له، ولا يزال كذلك موصوفًا بصفاته، لم يزد وجودهم شيئًا من كماله لم يكن قبل خلقهم ووجودهم؛ بل ما زال موصوفًا بصفات الكمال المطلق، ولا يتوقف في شيءٍ من صفات الكمال على وجود شيء من المخلوقات، وما ذلك إلا لكون الكمال المطلق بلغ الغاية فلا يقبل زيادة ولا نقصان، وكما كان الكمال لجناب الذات، كان الكمال لصفاته القديمة، فحياة الله كاملة من كل وجه، وكمالها يستلزم نفي الموت والنوم والسنة عنه سبحانه، وعلم الله كامل من كل وجه، وكماله يستلزم نفي الجهل والنسيان والغفلة عنه جل شأنه، وقدرة الله كاملة من كل وجه، وكمالها يستلزم نفي العجز والضعف عنه، وله كمال المشيئة والإرادة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، وهكذا الحال في كل صفات الكمال الإلهي، لذا قال الإمام الطحاوي في عقيدته: وهو يعبر عن اتصاف الله عز وجل بالكمال المطلق: (ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان في صفاته أزليًّا كذلك لا يزال عليها أبديًّا)، [العقيدة الطحاوية]،. وكمال الصفات يستلزم كمال الأفعال، كلها عدل وحكمة يمتنع نسبة الظلم إليه، ومن كمال الذات والاسماء والصفات والافعال يظهر الكمال المطلق لله تعالى، في كونه وخلقه وتدبيره، يشهد على بعض ذلك ما في الكون من ابداع ودقة ونظام وخير وجمال وحكمة بالغة وقدرة نافذة وعلم كامل عظيم، لا إله إلا هو ولا مستحق للعبادة سواه.
(3) من ثمرات علم التقديس فهم معاني القدم الأزلي لله تعالى
[المفتاح الأول]: الأزل هو القدم الذاتي، وليس معناه قدم الزمان، لأنّ الزمان لا يكون قديما ً، لأنه يلزم منه قدم الحوادث وهو محال، لأنها من اسمها حوادث، وإنما معناه عدم افتتاح الوجود وعدم الحاجة إلى الموجد، وهذه الصفة لا تكون إلا لله وحده، و(الأزلية): صفة أجمع عليها علماء الأصول في هذه الامة ، وهي القدم الازلي لجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس وقدم صفاته، فلا يقبل الحوادث، ولا تتجدد له صفة، وكل ما تعلق بالله تعالى قديم وكل ما تعلق بخلقه محدث، (القدم الأزلي لجناب الذات الإلهي): معناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزمان، لأنه سابق لهما وهو خالقهما وهو قاهر لهما فلا تأثير لهما عليه سبحانه لأن الإله الرب له القدم الأزلي فلا يتغير، ولا تتغير صفاته.
[المفتاح الثاني]: الله عز وجل هو الأول الذي ليس قبله شيء، لقوله صلى الله عليه وسلم (كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شيءٌ قَبْلَهُ) وقوله صلى الله عليه وسلم (كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ) ، سبحانه له كمال الوجود لأنه الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء، كما في قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)، تلازم الاسمين (الأول الآخر): يدل على كمال الوجود القاهر للزمان، تقدس وتنزه عن جريان الزمان، وتلازم الاسمين (الظاهر الباطن): يدل على كمال الوجود القاهر للمكان، فإنّ المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن، والله هو الظاهرُ فليس فوقَه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، سبحانه هو الأزلي القديم بذاته، منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء.
[المفتاح الثالث]: اتصاف الله عز وجل بالقدم الازلي وتقدسه عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 76 إلى 79]، تماشى الخليل عليه السلام مع قومه ليقيم لهم الحجة بأنّ الكواكب والقمر والشمس لا تصلح للإلهية لأنها حادثة متغيرة علتها الافول، فعلة الكوكب الافول {رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}، وعلة القمر الافول {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}، وعلة الشمس الافول: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والشمس القمر لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إنّ من جوّز على ذات الله تعالى التغير والحدوث وقبول الحوادث فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].
[المفتاح الرابع]: (القدم الأزلي) يمنع من الحد والبداية والنهاية، لان ما له حد فهو محدث لقبوله الحد، وما له بداية فهو محدث لقبوله البداية، وما له نهاية فهو محدث لقبوله النهاية، و (القدم الأزلي) يمنع من الصور والأشكال لان ما له صورة فهو محدث لقبوله التركيب لان الصور لا تنشأ إلا من التركيب، قال تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك}، و (القدم الأزلي) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر، والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث، والله تعالى منزه عن التغير والأفول، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية، والحدوث لازم لها، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، (شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن يكون إلهاً.
[المفتاح الخامس]: (قدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات): القول في الصفات كالقول في جناب الذات، فكما أنّ ذات الله تعالى له القدم الأزلي، فكذلك الصفات: له قدم العلم، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، يقيسون الله على خلقه سبحانك هذا بهتان عظيم، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
[المفتاح السادس]: من أقوال ابن تيمية المخالفة لمنهاج اهل السنّة والجماعة قوله بقيام الحوادث بذات الله تعالى: وسلفه في هذه البدعة ابن كرام المجسم وفرقته الكرامية حيث كان يعتقد أن الحوادث تقوم بذات الله تعالى أي أن الله تعالى لم يكن متصفاً بصفة ثم اتصف بها والعياذ بالله من هذه البدع التي لا يعتقدها مسلم سوي عاقل، قال ابن تيمية في منهاج السنّة النبوية : (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ، قلنا لكـم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل) ([2]).
وقال في كتابه الموافقة: ” فمن أين في القرءان ما يدل دلالة ظاهرة على أن كل متحرك محدَث أو ممكن، وأن الحركة لا تقوم إلا بحادث أو ممكن، وأن ما قامت به الحوادث لم يخل منها، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ” أهــ([3]) .
وقال في موضع ءاخر منه: ” أما الشرع فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حق الله لا بنفي ولا إثبات، ولم ينطق أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى بذلك لا نفيًا ولا إثباتًا، بل قول القائل: إن الله جسم أو ليس بجسم، أو جوهر أو ليس بجوهر، أو متحيز أو ليس بمتحيز، أو في جهة أو ليس في جهة، أو تقوم به الأعراض والحوادث أو لا تقوم به ونحو ذلك كل هذه الأقوال محدثة بين أهل الكلام المحدث، لم يتكلم السلف والأئمة فيها لا بإطلاق النفي ولا بإطلاق الإثبات ” أهــ ([4])
وقال في المنهاج: ” فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض فما الدليل على بطلان قولنا ؟ أهــ([5]). ، وقال أيضا: ” ومن قال: إن الخلق حادث كالهشامية والكرّامية قال: نحن نقول بقيام الحوادث به، ولا دليل على بطلان ذلك، بل العقل والنقل والكتاب والسنة واجماع السلف يدل على تحقيق ذلك، كما قد بسط في موضعه، ولا يمكن القول بأن الله يدير هذا العالم إلا بذلك، كما اعترف بذلك أقرب الفلاسفة إلى الحق كأبي البركات صاحب ” المعتبر” وغيره” أهــ([6]). وقال أيضا: ” بخلاف ما إذا قيل: كان قبل هذا الكلام كلام وقبل هذا الفعل فعل جائز عند أكثر العقلاء أئمة السنة، أئمة الفلاسفة وغيرهم” أهــ ([7])، ثم قال: ” وأما إذا قيل: قال ” كن” وقبل ” كن” ” كن”، وقبل ” كن” ” كن”، فهذا ليس بممتنع، فإن هذا تسلسل في آحاد التأثير لا في جنسه، كما أنه في المستقبل يقول ” كن” بعد ” كن”، ويخلق شيئا بعد شيء إلى غير نهاية” أهــ([8]). وقال في المنهاج ما نصه: (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب، قلنا لكم: نعم وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع العقل” أهــ([9]) ، ثم قال: (وقد أخذنا بما في قول كل من الطائفتين من الصواب وعدلنا عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما، فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم، السلف الأئمة، ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل وهو قول لازم لجميع الطوائف، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه، ولفظ الحوادث مجمل فقد يراد به الأعراض والنقائص والله منزه عن ذلك، ولكن يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة” أهــ([10]). وقال أيضا: ” وأما قولهم: وجود ما لا يتناهى من الحوادث محال، فهذا بناء على دليلهم الذي استدلوا به على حدوث العالم وحدوث الأجسام، وهو أنها لا تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وهذا الدليل باطل عقلاً وشرعًا، وهو أصل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، وهو أصل قول الجهمية نفاة الصفات ” أهــ ([11]). ومعنى قوله قيام الحوادث بذات الله فهو أنه يعتقد أن الله تعالى تقوم به الحركة والسكون أي أنه متصف بالحركة والسكون ومحال أن يتصف بهما إلا الأجسام المخلوقة، ومن هنا يتضح قول الحافظ تقي الدين السبكي وغيره كما قدمنا أنه- أي ابن تيمية- جعل الحادث قديمًا والقديمُ حادثًا، ولم يوافق في قوله هذا أحدًا من أئمة الحديث إلا المجسمة، ومن العجب افتراء ابن تيمية هذا معرضا عن حجة إبراهيم المذكورة في القرءان من احتجاجه بقيام الحوادث بالقمر والكوكب والشمس على عدم ألوهيتهم، وبقيام دلائل الحدوث بهم وهو التحول من حال إلى حال.
[المفتاح السابع]: قد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه للأسف الكرّامية شبرًا بشبر، وقد ذكر ابن التلمساني شيئًا من معتقداتهم الفاسدة التي تبنّاها ابن تيمية، فقال الشيخ شرف الدين بن التلمساني في شرح لمع الأدلة للجويني ما نصه: ” وخالف إجماع الأمة طائفة نبغوا من سِجستان لقبوا بالكرامية نسبة إلى محمد بن كرّام، وزعموا أن الحوادث تطرأ يعني تتجدد على ذات الله، تعالى عن قولهم، وهذا المذهب نظير مذهب المجوس، ووجه مضاهاته لمذهب المجوس أن طائفة منهم تقول بقدم النور وحدوث الظلمة، وأن سبب حدوثها أن يَزْدَان فكَّر فكرة فَحَدَثَ منها شخص من أشخاص الظلمة فأبعده وأقصاه وهو هُرمز، وجميع الشر ينسب إليه، وكذلك الكرّامية تزعم أن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أوجد في ذاته كافًا ونونًا وإرادة حادثة، وعن ذلك تصدر سائر المخلوقات المباينة لذاته ” أهــ([12])
، وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني ما نصه: ” ومما ابتدعوه- أي الكرَّامية- من الضلالات مما لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم: بأن معبودهم محل الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وسموا ذلك سمعًا وتبصرًا، وكذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أن هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى الله عن قولهم ” أهــ([13]).
فتبين مما أوردناه أن ابن تيمية ليس له سلف إلا الكرامية ونحوهم، وليس كما يدعي أنه يتبع السلف الصالح، وقد أجاب الإمام الحجة الإسفراييني في دحض هذه الفرية بقوله: ” هو أن تعلم أن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلاً للحوادث لم يخل منها، وإذا لم يخل منها كان محدثًا مثلها، ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام: (لاَ أُحِبُّ الآَفِلينَ) (سورة الأنعام: 76)، بيَّن به أن من حلّ به من المعاني ما يغيره من حال إلى حال كان محدَثا لا يصح أن يكون إلهًا” أهــ([14])
[ المفتاح الثامن]: أجمع اهل العلم بالأصول على أن الله تعالى له القدم الذاتي الازلي (الاول بلا ابتداء) فيمتنع عليه قبول الحوادث، له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث، أخص صفات (القديم الذاتي) أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، شرط القديم: أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، هذا اجماع اهل الأصول.
ولكن جاء ابن تيمية فعارض هذا الاجماع بشبهات لها حلولها عند أهل التخصص، ولما لم يكن متخصصا وتكلم فيما لا يحسن فيه أخطأ، ولما كانت له جرأة على الله تجاسر القول بقيام الحوادث بذات الله تعالى، واتبع في عقيدته هذه الكرّامية المجسمة شبرًا بشبر، و(الكرامية) خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، تعالى عن قولهم، وليس لابن تيمية سلف في هذه المقولة إلا الكرامية ونحوهم، فإن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلاً للحوادث لم يخل منها، وإذا لم يخل منها كان محدثًا مثلها، ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام: (لاَ أُحِبُّ الآَفِلينَ)، أي لا يصلح المتغير أن يكون إلها، فيكون بهذا القول خارجا عن معتقد أهل السنة والجماعة، إلى قول الكرامية المجسمة.
وحجج ابن تيمية في تبنيه لهذه البدعة: أن العلم بالشيء يتجدد عند الله، فمثلا يزعم ان علم الله بعمل العبد يتجدد عندما يقوم العبد بهذا العمل، وان السمع والبصر يتجددان كذلك وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وكلها شبه زائفة أساسها الأول: ذهوله عن حجة الخليل وإبراهيم عليه السلام في سورة الأنعام، وأساسها الثاني قياس الله على البشر وهو ممتنع لأن الله ليس كمثله شيء متصف بالقدم الأزلي في جناب ذاته وصفاته، والانسان مخلوق محدث، فما تعلق بالقديم الأزلي قديم أزلي وما تعلق بالمخلوق المحدث مخلوق محدث، وإني لأتعجب كيف ذهل عن حجة الخليل إبراهيم عليه السلام في تقديس الله تعالى عن التغير والحدوث وعن قبول الحوادث، وتلك ملة إبراهيم التي امرنا باتباعها، فمن جوز التغير والحدوث وقبول الحوادث على ذات الله تعالى فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].
[المفتاح التاسع]: كل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و كل ما يقوله أهل الجهل والبدعة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، إنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وقد أجمع علماء الأصول المتخصصون في العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وقد نقل الإجماع في ذلك، الإمام النووي، والغزالي، والرازي، ومن السادة الحنابلة الإمام ابن الجوزي والامام عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي الأثري، قال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر) أهـ ([15]).
وكل متون العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية تنص على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وتذكر أن: القديم الذاتي لا يقبل الحدوث، وانه لو قبل الحدوث لم يكن قديما، وتذكر أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، وتذكر أن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، لان الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها إما أن توجب له زيادة أو نقصًا، و الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان،، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات.
[المفتاح العاشر]: مقولة (صفات الله قديمة النوع حادثة الآحاد) التي أحدثها ابن تيمية لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث؟، وهل آحاد الشيء تخالف جنسه ؟، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم يجهلون، وقد دخلت عليهم الشبهة من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟!
والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
***
(4) من ثمرات علم التقديس معرفة معاني التقديس المطلق لله
[المفتاح الأول]: الله تعالى هو القدوس : من أسمائه الحسنى: (القدوس) أي الطاهر المنزه المقدس عن كل معاني النقص والحاجة وعن العيوب والآفات، وعن مشابهة المخلوقات، ومن أسمائه الحسنى: (السّلام) أي السالم المنزه المقدس عن كل آفة وعيب وذم ونقص ينافي الكمال، ومن أسمائه الحسنى: (الغني) و اسمه (الحميد) لذا اقترنا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}، هو الغني الذي كمل في غناه، فلا يحتاج إلى أحد، تقدس عن الحاجة والاحتياج، وهو (الحميد) الذي استحق الحمد بكمال ذاته وعلو صفاته وكريم فعاله، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} والله تباركَ وتعالى ذَكَرَ لفظَ {شيء} في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه، لا يشبه شيئا من خلقه، ولا يشبهه شيء، ليس كمثله شيء، والتقديس لله هو شغل الملائكة الشاغل، فلا شيء يشغلهم عن التقديس، حيث قالوا كما ذكر القرآن الكريم عنهم: {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}.
[المفتاح الثاني]: المقصود بالتقديس المطلق لله جل جلاله: هو تقديس جناب الذات الإلهي عن الإدراك، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، ولا يحيطون به علما، وتقديس الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه، ليس كمثله شيء، وتقديس الله عن الكيف لأنّه خالق الكيفيات والهيئات، وتقديس الله عن الحد والنهاية لأنه الذي حد الحدود وأنهى كل محدود بنهاية اختصها له، جل المحدد ان يكون محددا، وجل المخصص ان يكون مخصصا وجل المصور ان يكون مصورا، وتقديس الله عن الزمان ، لأنه خالق الزمان فلا يتقيد به ولا تسري عليه قوانين الزمان بل الماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمعه وبصره ومشيئة وقدرته خاضع لأمره ونهيه، وتقديس الله عن المكان، لأنه خالق المكان فلا يتقيد بمكان دون مكان ولا يحيط به مكان كيف وهو المحيط بك شيء وتقديس الله عن التغير والحدوث، إذ هو القديم الازلي اول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء، لو قبل التغير والحدوث لم يكن أزليا ولا سرمديا، ولو قبل الحدوث لكان جزء منه محدث، فكيف وهو الاحد الذي لا تقبل ذاته التكثر والانقسام وهو الصمد الذي لا يقبل التركيب والانفصال، وتقديس الله عن الجسمية التي من اخص خصائصها التكثر والانقسام وتقبل الزيادة في الحجم والنقصان وتجري عليها سمات الاشكال والألوان والهيئات والكيفيات ، يمينها غير اليسار واعلاها غير أسفلها لأنها تقبل التكثر والانقسام والاجزاء والابعاض، فتلك بعض لوازم الأجسام، وتقديس الله عن لوازم الجسمية من الصور والاشكال والألوان والاحجام، وتقديس الله عن الأعراض والكيفيات الحسية لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال وتقديس الله عن الاتحاد والحلول لأنها من لوازم الاجسام، وتقديس الله عن الاتصال والانفصال لأنها من لوازم الاجسام، وتقديس الله عن الحركة وعن السكون لأن الحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين، و تقديس الله عن الوالد والولد والصاحبة، وتقديس الله عن الضد والكفء والند والشريك والوزير والمعين، وتقديس الصفات عن المحدودية والحدوث، وتقديس الأفعال عن اللهو واللعب والجور والظلم وسائر النقائص والعيوب، له التقديس المطلق عن كل آفة وعيب وذم ونقص ينافي الكمال سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
[المفتاح الثالث]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس جناب الذات الإلهي عن الإدراك، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، ولا يحيطون به علما، وهو ما يسميه علماء الأصول: العجز عن الإدراك، (اسم الله الأحد) يقدس الله عن الإدراك، (الاحدية): تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، و (اسم الله الصمد) يقدس الله عن الإدراك، لأنّ الصمدية المطلقة تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه سبحانه له تمام الغنى والحمد، وتعني تقديس الله عن قبول الأبعاض، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والصمدية المطلقة تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب، ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء، جل المصور أن يكون مضورا، ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} يمنع من الإدراك: نفي المثلية التي يمنع من التصور، والحاصل هو العجز عن درك الادراك، غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود،.
ولهذا كان من مسلمات عقيدة التقديس عند علماء الأصول ما قاله الحبر الطحاوي: (تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات) أهـ ـ وما قاله الحافظ ابن عساكر: (موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف كان، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان) اهـ ([16]). والحاصل جناب الذات الإلهي له التقديس المطلق لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار.
[المفتاح الرابع]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله عن الكيف لأنّه سبحانه خالق الكيفيات والهيئات، والأحدية المطلقة تنفي الكيف، ومن فهم معاني الاحدية يعرف ذلك تماما، ونحن لا نستطيع أن نكيف الوجود الإلهي وهو صفة من صفات الذات، فكيف بنا بجناب الذات، (الغيب المطلق) ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وأهل تكييف الوجود الإلهي متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى (والله بكل شيء محيط) وقوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطا) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى (فإني قريب) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وأهل التنزيه في هذه الأمة يفهمون العرش على أنه أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً للرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة، وهو جل شأنه القريب منا (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ولكنه قرب منزه عن الحلول والإتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير) كما أن الاستواء استواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه منزه عن ذلك كونه في السماء أو على العرش لأنها مخلوقاته، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد، هذا كله في العجز عن تكييف الوجود، فهل من طاقة لمخلوق لتكييف الذات، سبحانك هذا بهتان عظيم، الأحدية المطلقة تمنع من التكييف والصمدية المطلقة تمنع من التكييف ونفي المثلية يمنع من الكييف.
إنّ أهم معاني التقديس المطلق لله: تقديس الله تعالى عن الكيف، قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، وقال تعالى {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}، والحاصل هو العجز عن الادراك، غيب الغيوب، لا يدرك، و (الكيف): مخلوق والله خالق الكيف، تنزه وجوده عن الكيف، موجود بلا كيف، موجود بلا حد، موجود بلا مكان، موجود لا يجرى على وجوده زمان، (التقديس المطلق): لا كيف لا حد ولا صورة ولا شكل لا يدرك ولا يُكيف غيب مطلق انقطع علم الخلق دونه، لا يعجزه شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والاكرام.
[المفتاح الخامس]: من أهم معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه قال سبحانه {ليس كمثلِه شيء} [الشورى: 11]، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، وقال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء، سبحانه لا يشبهه شيء من المخلوقات، ولا هو يشبه شيئاً منها، لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً، وكلا الحالين على الله محال، وقوله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين،، وقوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه،، وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون، ومن أظهر الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي: قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، وفي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين جناب الذات الإلهي وبين خلقه بأي وجه من وجوه المماثلة، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يماثل الله تعالى في الذاتية، فتضمنت الآية نفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، وأن ذات الله تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقات، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها فهو منتف عن ذات الله تعالى، وإذا كانت كل المخلوقات متماثلة في الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، وبالتالي نفي كل لوازم الجسمية عن الله، من قبول الأجزاء والابعاض والكون في المكان وجريان الزمان والخضوع للصور والاشكال والحد والمقدار وغير ذلك من لوازم الجسمية التي لا انفكاك للجسمية عنها.
[المفتاح السادس]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله عن الحد والنهاية لأنه الذي حد الحدود وأنهى كل محدود بنهاية اختصها له، جل المحدد ان يكون محددا، وجل المخصص ان يكون مخصصا وجل المصور ان يكون مصورا، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، هو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية، وكل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية.
(الحد): معناه التناهي، لأنّ الشيء المحدود لابد له من نهاية تحده، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية، لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لجناب ذاته، وليس معنى ذلك أنه جل جلاله وتقدست ذاته ممتد إلى ما لا نهاية له في كل اتجاه، بل الامتداد في الجهات صفات الأجسام، والله مقدس عن الجسمية ولوازمها من الحجم والكمية والمقدار والامتداد في الجهات، لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق.
والحاصل أنّ الله تعالى موجود بلا حد وبلا كيف: تنزه وجوده عن الحد والكيف، ونفي الكيف معناه العجز عن ادراك الوجود، فنحن إذا قلنا انه منزه عن الحد فليس معناه أنّ له جسم ممتد لا ينتهي له حد لأنه منزه عن الجسمية وعن لوازمها أيضا من الطول والعرض والحجم والمقدار والصور والأشكال فلا انفكاك للأجسام عن تلك الأعراض كما لا انفكاك للأجسام عن الكون في المكان وجريان الزمان والله منزه عنها جميعا فنتج عن ذلك تقديس جناب الذات الإلهي عن الحد وعن الكيف والاعتراف بالعجز عن الإدراك، وقوله تعالى: {وهو الواحد القهار} [الرعد: 16]، جل عن أن يقهره حدٌ أو يحده مقدار، لأنّه قاهر الخلق بتلك الحدود والمقادير، تنزه عن الحد والمقدار، إنّ الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق والله منزه عنهما، وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أنه تعالى خلق الأشياء وخصصها بما هي عليه من قدر معين قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً}، وقال تعالى: {وكل شيء عنده بمقدار}، ومعنى هذه الآيات أن الله عز وجل خص كل مخلوق (بحد ومقدار) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما، والحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد دليل على انه مخلوق حادث، وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته فلا حد لذات الله تعالى وتقدس ولا حد لصفات الله عز وجل.
و(القاعدة الأصولية) تقول: كل ما يقبل الحد فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية ثم كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (الله أكبر) ومعناها: الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، وهو أكبر من كل مقدار، و (الحدود): مخلوقة والله عز وجل هو خالق الحدود فلا تجري الحدود على ذاته: والنهايات علامات المخلوقات أنهاها الخالق بعلمه الذي ليس له حد {وسع كل شيء علما} وبقدرته التي ليس لها فيها حد {وكان الله على كل شيء مقتدرا}، لا انتهاء لقدرته ولا حد لعلمه فكذلك ذاته المقدسة تنزهت عن الحد والحصر والمقدار، إنّ نسبة المحدود مهما كان كبيرا إلى اللامحدود هي نفسها نسبة الصفر الذي لا يساوي شيئا إلى الذي لا يتناهى من الأشياء: والكون جميعه من العرش إلى الفرش مهما اتسع محدود، فالسماوات السبع وما فيها وما بينها والكرسي والعرش وغير ذلك مما لا نعلم من ملك الله على اتساعه العظيم مخلوق محدود سمته النقص والنهاية لأنه محدث مخلوق، أما الخالق الذي له الكمال المطلق في ذاته المقدسة وأسمائه الحسنى وصفاته العلا فهو المنزه عن كل نهاية وحدود.
لقد اتفق المسلمون على تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات والنهايات ولم يخالف في ذلك إلا قلةٌ جاهلون بما يجب لله تعالى من التقديس والتعظيم، يعتقدون ان إلههم محدود بحد لا يعلمه إلا هو وأكثرهم على أن حده العرش، فحدوه بمخلوق مربوب مثلهم وقد اشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى {وهو رب العرش العظيم} كما أنه رب العالمين جميعا، فالله تعالى رب العرش ورب العالمين والجميع محفوف بعناية الله ومحفوظ بحفظه، وهل – أستغفر الله تعالى – الرب عز وجل محمول على عرش او كرسي، الرب الذي قال عن نفسه سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]، هل يحتاج إلى شيء يحمله، أو شيء يحيط به ويحويه، مهما بلغ اتساعه وحجمه، فأنى للمخلوق المربوب أن يحمل الخالق، وأنى للمحدود ان يحوي الذي تعالى عن الحد والمقدار، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بأن الله هو الغني الذي تحتاج إليه الخلائق بما فيها العرش، وهو الغني عنها، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بان الله هو الحي القيوم الذي يقوم على حاجة كل مخلوق وهو مستغنٍ عنها، سبحانك هذا بهتان عظيم.
[المفتاح السابع]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله عن الزمان والمكان، لأنه خالق الزمان فلا يتقيد به ولا تسري عليه قوانين الزمان بل الماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمعه وبصره ومشيئة وقدرته خاضع لأمره ونهيه، ولأنه خالق المكان فلا يتقيد بمكان دون مكان ولا يحيط به مكان كيف وهو المحيط بك شيء والمكان مخلوق محدود وهو الخالق المصور وهو الواحد القهار، تقديس الله تعالى عن المكان، فلا يتقيد بالمكان، لان المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وتقديس الله عن الزمان فلا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط ومن كل خلقه قريب، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، لا يقبل التغير ولا الحدوث، سبحانه كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان، عند تدبر قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ، نعلم يقيناً أن الله تعالى منزه عن أن يجري عليه زمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا (أي له بداية) فهو أبدي (أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة، ولو كان الزمان يجري عليه لما صح أن يوصف بأنه الآخر حتى يفني جنته وأهل جنته وناره وأهل ناره وملائكته وجميع خلقه وهذا لن يحدث لأنه سبحانه أخبر بخلود أهل الجنة والنار، فدل ذلك على أن المراد من قوله {الأول والآخر} هو التقديس أصلا عن الزمان فلا يجري عليه زمان، والماضي والحاضر والمستقبل عنده سواء لأن الزمان لا يجري عليه سبحانه، (علمه) قديم أزلي لأنه لا يجري عليه زمان، المعلومات كلها السابق منها واللاحق منكشفة على صفة علمه من غير سابق خفاء لأنه لا يجري الزمان على علمه، ولو جرى الزمان على علمه لتجدد العلم بتجدد المعلومات وكان قبل تجددها ناقصا بقدر تلك الزيادة وهذا ضد الكمال ومن قبل الزيادة كان قبلها ناقصا ومن قبل النقصان لم يكن إلها يستحق العبادة فتعالى الله عما يصفون، وسمعه سبحانه قديم وليس معنى قديم قدم الزمان لأنه لا يجري عليه زمان بل معناه الازل بلا قبل، منكشفه على صفة سمعه جميع المسموعات ولا تختلط عليه الأصوات، فيسمع ما كان وما يكون وما هو كائن من كلام أهل الجنة والنار مما لا انقضاء له لأن سمعه محيط بكل خلقه لا يجري عليه زمان، فلا يتجدد له سمع بتجدد المسموعات، وبصره قديم أزلي منكشفه على صفة بصره جميع المبصرات، وكلامه قديم أزلي لا يحتاج إلى ترتيب أو تقديم أو تأخير لأنه لا تعلق له بزمان دون زمان، مقدس عن الزمان، ولهذا جاء التعبير القرآني: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا} بلفظ الماضي مع أنه مستقبل، وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} بلفظ المستقبل مع أنه ماضي للدلالة على تقديس الله عن الزمان، وكذلك فإنّ أفعال الله تعالى كذلك خارجة عن أطار الزمان، فليس معنى أن الله خلق الجن قبل الأنس أن لذلك متعلق بجناب الله، بل الحق أن هذا الزمان يتعلق بالجن والإنس لأنهما يجري عليهما الزمان، أما أفعال الله فلا لأنه لا يجري عليها زمان، لأنه ليس كمثله شيء، في جناب ذاته وصفاته وأفعاله.
(قوله تعالى): {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}، إشارة إلى نفي الزمان في حق الله تعالى وعدم حاجة الله للوقت لكي يفعل ما يشاء، والحاصل أنّ الزمان من خلق الله جعله قاهرا لخلقه فيجري عليهم ولا يخرجون عنه قدر أنمله فهم مقهورون بالماضي والحاضر والمستقبل لا يملكون له تصرفا ولا تغييرا والزمان قاهر لهم، أما الله فهو القاهر فوق الزمان وهو المحيط بالزمان كما أنه بكل شيء محيط، وهو الذي يتصرف فيه كيف يشاء، وأنى للزمان أن يجري على خالقه ومصرفه سبحانه، والقاعدة الذهبية أنّ كل ما تعلق بالخالق لا يجري عليه زمان وكل ما تعلق بالمخلوق فإنه يجري عليه الزمان، فالله خلق السموات والأرض في ستة أيام أي في حق خلقه أما هو سبحانه فقد قال {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، والله تعالى يحاسب خلقه يوم القيامة وهم بالمليارات في آن واحد، لأنه سبحانه خارج عن اطار الزمن فلا يجري عليه زمان، أما خلقه فيجري عليهم الزمان لأنهم مقهورون بالزمان يمضي عليهم بماضيه وحاضره ومستقبله.
وكذلك فإن لله كمال الوجود المنزه من المكان، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فوجوده قبل المكان، إذ هو خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، وإذا لم يكن قبل [الله] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء، وهو بكل شيء محيط، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته، وعلى ذلك: فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه.
وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، ومن آثار تقديس الله عن المكان أن نقول أن كل الأماكن إليه سواء وسع المكان باسمه الواسع فلا شيء من خلقه بعيد عنه بل هو القريب إلى كل شيء أقرب من ذات الشيء إلى نفس الشيء، {فإني قريب}، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ}، وهو المحيط بكل شيء {والله بكل شيء محيط}، {وكان الله بكل شيء محيطا}، سبحانه خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان، والعرش إنما هو مظهر هيمنته وقدرته، وليس هو مكان لذاته، لأنه مقدس عن المكان فلا يحل في مكان دون مكان، وكذلك فلأنه سبحانه منزه عن المكان فلا يُقال إن الله داخل الكون بذاته لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود ولا يُقال إنه خارجه لأنه قريب من كل خلقه محيط بهم، ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأن الاتصال والانفصال من صفات الأجسام، وهو سبحانه ليس كمثله شيء لا يُقاس قربه بالمسافة، بل كل خلقه منه قريب تحيرت العقول في ذاته والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر، وهذا حد البشر نبذ التمثيل والتكييف والتشبيه وتنزيه الله عن المكان.
ولا تلتفت إلى القاصر عن علم العقيدة والتقديس حين يقول إذا قلنا أنه لا يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه فهذا هو التناقض، نقول: هو التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال ” لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل ” لعدم التماثل بين العلم والحجر، ولله المثل الأعلى، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق فالله تعالى موجود ولكن ليس كوجوده وجود وليس كمثل ذاته ذات، فلا تناقض يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق.
إنّ كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث، كان قبل خلقه عدما ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما، أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود ومن جملة خلقه المكان والزمان، فهل يحل الخالق في المخلوق أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان، هو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال المطلق لا يقبل الزيادة أو النقصان.
[المفتاح الثامن]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله عن التغير والحدوث، إذ هو القديم الازلي اول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء، لو قبل التغير والحدوث لم يكن أزليا ولا سرمديا، ولو قبل الحدوث لكان جزء منه محدث، فكيف وهو الاحد الذي لا تقبل ذاته التكثر والانقسام وهو الصمد الذي لا يقبل التركيب والانفصال، فهو سبحانه الأزلي القديم بذاته، منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء، منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من الذات حادثا وهذا محال: لأن الله تعالى أحدي الذات صمدي الصفات لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث والأول الأزلي منزه عن أي حادث وإلا كان حادثا، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات.
ودليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث الحوادث هو ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر، والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث، والله تعالى منزه عن التغير والأفول، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث.
وتنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، تماشى الخليل عليه السلام مع قومه ليقيم لهم الحجة بأنّ الكواكب والقمر والشمس لا تصلح للإلهية لأنها حادثة متغيرة علتها الافول، فعلة الكوكب الافول {رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}، وعلة القمر الافول {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}، وعلة الشمس الافول: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين.
لقد أجمع اهل العلم بالأصول على ان الله تعالى له القدم الذاتي الازلي (الاول بلا ابتداء) فيمتنع عليه قبول الحوادث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، شرط (القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، هذا اجماع اهل الأصول، ولكن جاء ابن تيمية فعارض هذا الاجماع بشبهات لها حلولها عند أهل التخصص، وليس لابن تيمية سلف في هذه المقولة إلا الكرامية ونحوهم، فإن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلاً للحوادث لم يخل منها، وإذا لم يخل منها كان محدثًا مثلها، وإنّ كل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و كل ما يقوله أهل الجهل والبدعة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها.
[المفتاح التاسع]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله عن الجسمية التي من اخص خصائصها التكثر والانقسام وتقبل الزيادة في الحجم والنقصان ويعتريها التغير والحدوث وتجري عليها سمات الاشكال والألوان والهيئات والكيفيات والكون في المكان وجريان الزمان، يمينها غير اليسار واعلاها غير أسفلها لأنها تقبل التكثر والانقسام والاجزاء والابعاض، فتلك بعض لوازم الأجسام، والله مقدس عن الجسمية ولوازمها من الصور والاشكال والألوان والاحجام، فالجسم: هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، والجسمية تناقض الأحدية والصمدية، الله تعالى [أحد] لا جزء له، [صمد] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، والجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، والأحدية المطلقة) تعني تقديس الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات، والصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل أن كل جسم فهو مركب وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا.
ومن أهم معاني التقديس المطلق لله: تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال، ومن أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الصور والأشكال قوله تعالى: {قل هو الله أحد}، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان له صورة أو جارحة، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال، (الأحدية المطلقة) تعني تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات، لأن الهيئة والصورة لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، والتركيب يستحيل على الله الأحد الصمد، الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية.
وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة التي تدل على الخلق والحدوث والتركيب {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، جلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، فكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، (الجسمية) تعني صفات وخصائص يستحيل نسبتها إلى الله منها: الحد والمقدار، وهذا مما تنزه الله تعالى عنه لان الحد نقص عن الكمال والله سبحانه منزه عن النقص، ومنها التحيز والكون في المكان، وهذا _ كما سبق بيانه _ مما تنزه الله تعالى عنه لأن خالق المكان منزه عنه مستغن عنه، كما أنّ المكان يحيط بمن داخله، والله تعالى لا يحيط به شيء، ألا إنه بكل شيء محيط، و(الجسمية) تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه، والجسمية تعني قابلية الانقسام والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث، و(الجسمية) تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، و(الجسم) مادة، وذات الله تعالى لا تسري عليه قوانين المادة، لأنّ المادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، فوجب تقديس الله تعالى عن الجسمية.
[المفتاح العاشر]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله عن عن الصور والاشكال لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: (جناب الذات الإلهي) مقدس عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، و (الصور) لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو (المصور) خالق الأجسام، وهو الذي قهرها بالصور والأشكال، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والإكرام.
[المفتاح الحادي عشر]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله عن الجوارح والأجزاء والأعضاء لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال تعالى: {قل هو الله أحد} مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، (الله الصمد) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا (إليه) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، (ولم يكن له كفوا أحد) نفي للمثلية كقوله تعالى (ليس كمثله شيء) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، وقوله تعالى: {والله الغنى وأنتم الفقراء} دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وقوله تعالى: {لا إله إلا هو الحي القيوم} والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف، ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً، وقوله تعالى {ليس كمثله شيء} ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح.
[المفتاح الثاني عشر]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله عن الأعراض والكيفيات الحسية، والمقصود بها: كل ما يقبل: الكم، أو الكيف، أو الشكل او الوصف أو الكون في الأماكن أو الخضوع للأزمان، أو التغير بالانفعال، والله تعالى أزلي قديم الذات والصفات منزه عن التغير والحدوث ومنزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية، ومنزه عن أي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث.
إنّ الصور والاشكال والاوصاف والأحجام والمقادير والأوزان والألوان والاصوات والملموسات وعامة المشاعر والاحاسيس وكل ما يفيد التغير والحدوث كالحركة والسكون والجلوس والقيام والذهاب والمجيء فكلها من خواص الاجسام والله تعالى منزّه عن الجسمانية ولوازمها واعراضها وكيفياتها، فالأعراض والكيفيات المحسوسة حادثة، والله تعالى أزلي قديم مقدس عن التغير والحدوث وقبول الحوادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للكيفيات الحسية لأنها آنذاك من المحدثات، والله تعالى صمد لا يقبل التغير والحدوث، إنّ الاعراض كلها والكيفيات المحسوسة إنما هي من خصائص الأجسام والله تعالى منزّه عن الجسمانية ولوازمها المحدثة.
وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا ننفي ما جاء عن الله في الكتاب والسنّة ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول، وإنّ الأساس في هذا التقديس هو حجة إمام المتكلمين إبراهيم عليه السلام على قومه، ومن جوز الحركة والنقلة والحركة والتغير والحدوث فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].
[المفتاح الثالث عشر]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله عن الاتحاد والحلول، والاتصال والانفصال والحركة والسكون، (الاتّحاد): هو عبارة عن صيرورة الشيئين شيئاً واحداً، وهذا لا يٌعقل إلا في الاجسام المحدودة المقدرة، وهو محال بين الخالق والمخلوق، وهو محال بين القديم والمحدث، وهو محال بين واجب الوجود وممكن الوجود، و(الحلول): عبارة عن قيام موجود بموجود على سبيل التبعية، و(الحلول): عبارة عن دخول شيء في محل يحويه، ويحلّ داخله على سبيل التبعية، كالصلة بين الجسم ومكانه، والحلول لا يُعقل إلا في الاجسام المحدودة المقدرة، التي تقبل الكون في المكان وجريان الزمان، والله تعالى منزه عن الجسمية ولوازمها، من الحد والمقدار ومن المكان والزمان، والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض حادث والحادث لا يليق بالله القديم الأزلي، فمحال أن يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني، ومحال أن يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر، وقد أجمعت الامة على تقديس الله تعالى عن الحلول والاتحاد، حتى الحشوية الجاهلون الذين يقولون باستواء الذات على العرش ينزهون الله عن معاني الاتحاد والحلول، فتعالى الله عما يصفون.
والله تبارك وتعالى منزه عن الاتصال والانفصال لأنها صفات الاجسام المخلوقة التي تقبل الحدود والأبعاد والأحجام والمقادير، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية، وقد أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها، والاتصال والانفصال إنما يقع بين الأشياء المحدودة المتماثلة، والله تعالى ليس كمثله شيء مقدس عن الحد والنهاية وعن التغير والحدوث فأني ان يتصل المحدود بالمقدس عن الحدود، وأنى أن يتصل المحدث بالقديم وانى أن يتصل الفاني بالذي له البقاء، وأنى أن يتصل الواجب الوجود الذي له الوجود الذاتي الازلي بممكن الوجود، الذي له العدم والفناء.
والله تبارك وتعالى منزه عن الحركة والسكون: لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وكلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، وقد كان دليل الخليل عليه السلام مع قومه ليقيم لهم الحجة بأنّ الكواكب والقمر والشمس لا تصلح للإلهية لأنها حادثة متغيرة علتها الافول، فعلة الكوكب الافول والافول هو الحركة من مكان إلى مكان، وهو التغير والزوال، وهو قبول الحركة والسكون، هذه بعص معاني الافول، ومن جوز على ذات الله تعالى التغير والحدوث والحركة والسكون وقبول الحوادث فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث والذي يقبل الحركة والسكون والزوال والافول لا يكون إلها البته، وانّ من يقبل تلك الأمور هو بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].
[المفتاح الرابع عشر]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله عن النقائص والعيوب: وقوله تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ} أصل في هذا التقديس والتنزيه:: فالله تعالى منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك، وكل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث، وهذا التقديس هو ما نطق به القرآن الكريم، ولا يخالف في ذلك مسلم أصلا، ومما يدل على نفي السنة والنوم قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255]، ومما يدل على نفي العجز والتعب، قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38]، ومما يدل على نفي النسيان قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64].
والقاعدة أنّ كل كمال نطق به الكتاب والسنّة فالله متصف به وكل نقص يضاد هذا الكمال فالله تعالى منزه عنه، فإذا تحققنا بأنّ الحد نقص نزهنا الله تعالى عنه لأنّه فوق الحدود والمقادير وهو الذي قدرها وحدها وجعلها علامة على نقص المخلوق وعجزه، لأنّ كل مقدر يمكن افتراض ما هو أكبر منه في المقدار، وكل محدود يمكن افتراض ما هو أكبر منه، فتنزيهه عن الحد يجعل نسبة المحدود إليه نسبة العدم إلى الوجود، لأنّ ما لا حد له لا يُقارن بالمحدود، كما لا تُقارن المخلوق بالخلاق، ولا المربوب برب العالمين، وإذا تحققنا بأنّ الكون في المكان نقص نزهنا الله تعالى عنه، لأنّ ذلك معناه أن المكان أكبر من شاغله، وأنّ المكان محيط بمن فيه، وأنّ المكان مستغن عن الذي فيه ومن فيه محتاج إليه لوجود ذاته فيه، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان، والله تعالى هو الكبير المتعال وهو بكل شيء محيط، وهو خالق المكان، وهو القيوم عليه وعلى من فيه، فوجب تنزيه الله تعالى عن الكون في المكان، وإذا تحققنا بأنّ (الجسمية) صفة نقص قدسنا الله عنها، لأنها تعني الحد والمقدار – إذ كل جسم محدود مقدر -، وتعني الكون في المكان وتعني تجمع الأبعاض وتألف الأجزاء، وتعني الحاجة إلى جميع أجزائه، فوجب تنزيه الله تعالى عن الجسمية لأنّه خالق المكان المنزه عن الكون فيه، ولأنّه الأحد المنزه عن الأبعاض والأجزاء، ولأنّه القيوم المنزه عن الحاجة إلى شيء غيره، والجسم محتاج إلى أجزائه وأبعاضه، وإذا كان التقيد بالزمان عجز ونقص، قدسنا الله عن جريان الزمان، لأنّ الزمان يصير حاكما على من تقيد به، فإن التنزيه عن الزمان لازم للملك القدوس خالق الزمان فلا يجري عليه شيء من مخلوقاته، ومن فقه العلم بالآية: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ}: نستفيد أنه يستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو الحاجة أو المشابهة للمخلوقات، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، ويستحيل عليه الحد والمقدار، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء، ويستحيل عليه المكان والزمان، ويستحيل عليه التغير والحدوث، ومن ذلك التقديس نفي الحلول، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق، ومن ذلك التقديس نفي الجوارح والابعاض ونفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية والصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد ليس كمثله شيء لا تحيط بكنه ذاته الأفهام ولا تبلغه الأوهام.
[المفتاح الخامس عشر]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله عن الوالد والولد والصاحبة، إنّ من الأشياء التي يستحيل نسبتها إلى الله تعالى (الوالد والصاحبة والولد) لأنّه تعالى خالق لكل موجود، هو القديم الأزلي ومن عداه محدث مخلوق، أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تقدس سبحانه عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص]، وقال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101].
والنصارى من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى، فزعموا له الولد سبحانه، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد، لأن الولد جزء من أبيه، فالوالد لا يخلق ولده، وإنما هو جزء منه، وند له، ومثيل لذاته، وشبيه بذاته، والله تعالى ليس كمثله شيء، أحد صمد منزه عن الجزء والكل، فلا يكون منه الولد، ولو كان منه الولد – سبحانه – لكان الولد قديماً، مثل أبيه، وكيف يكون قديماً وهو حادث، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً، فلا يجوز على الله تعالى الولد، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى – آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم – بقوله تعالى{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}[الزخرف: 81، 82] فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حقه سبحانه.
[المفتاح السادس عشر]: من معاني التقديس المطلق لله جل جلاله: تقديس الله عن الضد والشريك والوزير والمعين: يمتنع له الضد لأنه القديم الازلي ومن عداه محدث مخلوق، ويمتنع الضد لأنه الخالق ومن عداه مخلوق، فأين الضد وأين الشريك، ووجود الشريك معه محال: وقد عالج القرآن الكريم قضية الشريك بأوضح بيان، ومن ذلك قوله تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}[الأنبياء: 22] فإنه لو كان لله شريك في الملك والخلق والأمر وتدبير الكون لفسد النظام الكوني برمته، وقال تعالى {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون:91]، وقال تعالى {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء:42، 43]، ولهذا خاطب الله تعالى البشرية جمعاء بقوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الْأَنعام: 102].
وكما انه سبحانه مقدس عن الضد وعن الشريك فهو سبحانه مقدس عن الناصر والمعين لكمال غناه وقهره، قال تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} [الإسراء 111]، فالله تعالى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك، ثم قال تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ}، أي ولم يكن له ناصر ولا وزير ولا معين يعينه، ثم قال تعالى: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}، أي عظمه عظمة تامة عن اتخاذ الولد والشريك والوزير والمعين، لا إله إلا هو ولا رب سواه،.
[المفتاح السابع عشر]: الحاصل من معاني التقديس لله: أنه سبحانه غيب الغيوب لا يدرك، ليس له كيف ولا حد ولا صورة ولا بداية ولا نهاية ولا غاية، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال فالله بخلافه، لأن الخاطر مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية، غيب الغيوب لا يدرك، استواؤه على العرش استواء صفات لا استواء ذات، وقربه من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، وإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات، أما جناب الذات غيب لا يدرك، موجود بلا كيف، والعجز عن درك الادراك ادراك، {ليس كمثله شيء}، {ولم يكن له كفوا احد}.
***
(5) من ثمرات علم التقديس معرفة الواجب والجائز والمستحيل في حق جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس
فائدة: إنّ من أجل فوائد دراسة علم توحيد جناب الذات (علم التقديس) أو ما أطلق عليه علماء الأصول: (قسم الإلهيات من علم العقيدة) معرفة ما يجب لله تعالى وما يستحيل علي الله تعالى، وما يجوز في حق الله سبحانه وتعالى، فالواجب في حقه تعالى هو ما لا يتصور عدمه مثل وجود الله تعالى وبقائه، والمستحيل في حق الله تعالى هو ما لا تتصور ثبوته مثل وجود الشريك أو الصاحبة والولد، والجائز في حق الله تعالى هو كل ما يتصور وجوده أو عدمه كالخلق والرزق والإحياء والإماتة لمخلوقاته، فيكون الجائز في حقه تعالى: فعل كل ممكن أو تركه، (الواجب): لا يقبل العدم لذاته ومنه الوجود ولذلك قالوا واجب الوجود، والمستحيل ما لا يقبل الوجود لذاته مثل الشريك، والجائز يقبل الوجود ويقبل العدم مثل سائر المخلوقات، ومن خلال علم التقديس نعلم الواجب في حق جناب الذات الإلهي والجائز في حقه والمستحيل في حقه سبحانه، وإنّ أهم سبب لضلال الحشوية عن جناب الذات هو عدم معرفة الفرق بين الواجب والجائز والمستحيل في حق جناب الذات الإلهي.
لقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات – اهم وأصعب أقسام العقيدة – أنّ شرط التكلم في (الإلهيات) المسائل المتعلقة بجناب الذات الإلهي: معرفة الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، وتصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، (جناب الذات) تعالى وتقدس: غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، أما العلم بالله وتقديسه وتنزيه والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله وكماله المطلق، فهذا أشرف العلوم، وأحمد العلوم، واحسن العلوم، لأنه العلم المتعلق بالله، إذ هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومن معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات، وهذه المعرفة من اعظم العلم، أما(المعرفة المستحيلة): هي الإحاطة علما بالحق سبحانه، والإنسان مهما أوتي من علم، علمه محدود لأنه محدود، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود.
وإنّ أهم ما يتعلق ببحثنا هذا هو التوحيد المتعلق بجناب الذات، وماذا يتصف به جناب الذات الإلهي من الواجبات والجائزات وماذا يتقدس عنه من المستحيلات، فجناب الذات له الاحدية المطلقة تقدس عن قبول الأجزاء والابعاض وله الصمدية المطلق لا يقبل التركيب تقدس عن الجوارح والصور والأشكال وله القدم الازلي تقدس عن التغير والحدوث وعن ان تقبل ذاته الحوادث، وله الوجود المطلق تقدس عن البداية وعن النهاية وله الكمال المطلق تقدس عن الحد والمقدار وله الغنى المطلق تقدس عن النقص والحاجة، وكل صفة وجبت لله تعالى استحال ضدها، فكل ما وجب إجمالا يستحيل ضده إجمالا، وكل ما وجب تفصيلا يستحيل ضده تفصيلا، وقد وجب لله تعالى إجمالا: كل كمال يليق بذاته تعالى فيستحيل علية إجمالا كل نقص، فالصفات المستحيلة في حق الله سبحانه، تقابل الصفات الواجبة، ومن أمثلة ذلك: الوجود، صفة واجبة، ويقابلها العدم، وهي صفة مستحيلة في حق الله سبحانه، القدم، ويقابلها الحدوث، البقاء، ويقابلها الفناء، المخالفة للحوادث، يقابلها المماثلة والموافقة للحوادث، الغنى المطلق، يقابلها الافتقار، الحياة، يقابلها الموت، العلم، يقابلها الجهل، القدرة، يقابلها العجز، السمع يقابلها الصمم، الكلام، يقابلها البكم، ويستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو المشابهة للمخلوقات، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، ويستحيل عليه الحد والمقدار، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، ويستحيل عليه الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والجوارح والأجزاء والأعضاء، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات، ويستحيل عليه التغير والحدوث، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، ليس كمثله شيء: لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه.
[المفتاح الأول]: هناك أحكام عقلية دل عليها العقل الصريح، وهناك أحكام شرعية دل عليها الشرع الصحيح، وكلاهما يتوافقان ولا يتخالفان، لأنّ كليهما من عند الله، فالله تعالى خالق العقل، ومن عند الله تعالى جاء الشرع، وكل ما دل عليه العقل الصريح أيده الشرع الصحيح، وكل ما جاء به الشرع الصحيح وافقه العقل الصريح، وعند التعارض فإما أن يكون العقل سقيما، وأما أن تكون أدلة الشرع غير قطعية الثبوت كبعض ادلة السنّة الضعيفة السند، فهذه لا يصح أن تُعارض البراهين العقلية الصحيحة الصريحة، أو أن تكون الأدلة الشرعية غير قطعية الدلالة، ومثالها ظواهر المتشابهات التي توهم النقص او العجز فيما يتعلق بذات الله تعالى وتقدس، فهذه تُرد إلى محكماتها من الأدلة الشرعية وتُحمل عليها لتوافق الادلة العقلية القطعية، والأخذ بظواهر تلك النصوص ظاهرية مقيتة في دين الله تعالى وأصحابها ينسبون النقص – من حيث يجهلون – إلى ذات الله تعالى.
لقد أنزل الله تعالى الكتاب منه المحكم ومنه المتشابه، وقد أعلمنا الله تعالى أنّ المحكم أصل لابد من رد المتشابه إليه وإلا حدثت الفتنة وجاء الزيغ، وهذه وظيفة المتخصصين من العلماء يحملون المتشابه على المحكم فتزول الفتنة ويحدث الوئام، ودليل ذلك قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وأمر تعالى برد المتشابه إلى أهل العلم المتخصصين فيه والقادرين على حمل المتشابه على المحكم واستنباط الحكم السديد فقال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
(تنبيه): كيف يكون التقديم عند تعارض الأدلة: إنّه من المقرر عند أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة أن مصادر العقيدة الأساسية تتمثل في النصوص الشرعية من الكتاب والسنّة، ثم الدلائل العقلية الصريحة، والبراهين العقلية الصحيحة، والتعارض لا يتصور بين العقل والنص القطعي الثبوت القطعي الدلالة، لامتناع التعارض بين يقينيين، وإنما يتصور التعارض بين العقل والنص غير قطعي الثبوت أو غير قطعي الدلالة، فإن تعارض النقل والعقل الصريح، فلا بد وأن تكون أدله النقل غير صحيحة، بمعنى أما أن تكون غير قطعية الثبوت كبعض ادلة السنّة الضعيفة السند، أو أن تكون الأدلة الشرعية غير قطعية الدلالة، ومثالها ظواهر المتشابهات التي توهم النقص او العجز فيما يتعلق بذات الله تعالى وتقدس.
(تنبيه ثان): خطورة تقديم أدلة النقل الظنية الدلالة على أدلة العقل الصريحة: قال القرطبي رحمه الله – في درة من كلامه -: (اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته (المجسمة) الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك) أهـ([17]) .وكلامه غاية في الصواب: إذ هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ}، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، وقوله تعالى: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة: 14]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، قال القرطبي: ” نسوا الله فنسيهم أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب ” أهـ([18]).
، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه وإنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول القائل لمن يريد تهديده إذا أتفرغ لك أي أقصدك.
وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، وقوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، والمعنى: أنّ كل ذلك هين على الله، وليست للمفاضلة لأنه ليس شيء أيسر عليه من غيره.
وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ العالم كله محاط بالرحمن وأنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وسع ربي كل شيء علما.
وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه، ومنزه عن القرب الحسي بالذات، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود: 61] .. وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50] .. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى مستوٍ على عرشه بذاته، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن إذ لا يعقل حتى عند المجسمة أن يجلس الملك على عرش ضيق صغير لا يسعه، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن.
كما أنّ هناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم، وعلى الوجه الذي يدل على الكمال، مع تنزيه الله تعالى عن أوجه النقص فيها، ومثال ذلك (الوجه) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة.
وكذلك جاءت الآيات في العين مضافاً إلى الله تعالى: كمثل قوله تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا}، وقوله تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة اما نسبة العين إلى جناب الذات على الحقيقة فهو محال لانّ الله تعالى احد لا جزء له صمد مقدس عن الجارحة وكذلك جاءت الآيات في اليد مضافاً إلى الله تعالى: ولها مجازات معلومة من كلام العرب، فقوله تعالى {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}، قلت: فصحاء العرب وأهل البلاغة فيه يعلمون من قوله تعالى (لما خلقت بيدي) أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبعض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزئ يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد) وأيد جمع يد لقوله تعالى (ألهم أيد يبطشون بها) فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، ولا عبرة لمن اعترض على ذلك بأن إبليس كان بوسعه أن يقول وأنا خلقتني بيدك لأن الأمر بالسجود لم يكن بعلة تميز آدم بالخلق باليدين ولكن لتمحيص المطيع بالأمر من المتكبر عنه ولذلك جاء في الآية الأخرى في سورة الأعراف: { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [ الأعراف: 12]، ولا عبرة لمن قال: لو لم يكن لآدم مزية علي سائر الحيوانات باليد التي هي صفة لما عظمه بذكرها وأجله فقال (بيدي) ولو كانت القدرة لما كانت له مزية، وقولهم: ميزه بذلك عن الحيوان فقد قال عز وجل: {خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما} ولم يدل هذا علي تمييز الأنعام علي بقية الحيوان وقال الله تعالي {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} أي بقوة ولم يدل ذلك على تميز السماء على بقية المخلوقات، فإن قالوا: القدرة لا تثن، وقد قال {بيدي} قلنا بلي قال العربي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد} وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة} وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه، فإن أصروا وجادلوا قلنا: قال الله تعالي في محكم التنزيل {إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى {ثم قال له كن فيكون}، فسياق الآية يدل على أن المراد من قوله تعالى {لما خلقت بيدي} أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل.
[المفتاح الثاني]: الفرق بين الوجوب العقلي والوجوب السمعي:
[الحكم العقلي]: ينحصر في ثلاثة أقسام: الوجوب والاستحالة والجواز، ومعنى الوجوب العقلي: هو ما لا يُتصور في العقل عدمه، والمستحيل العقلي: هو ما لا يُتصور في العقل وجوده، والجائز العقلي هو ما يصح وجوده وعدمه.
و[الحكم السمعي]، قد يكون للوجوب إذا دل الشرع على وجوبه، وقد يكون للجواز إذا دل الشرع على جواز وجوده وعدمه، وقد يكون للاستحالة إذا دل الشرع على استحالته، وعند تطبيق تلك المصطلحات بدقة لن يكون هناك لبس في تعلم العلم، فإنّه إذا قيل واجب عقلي، فإنّ معناه الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وبالتالي فإنّ وجود الله تعالى واجب عقلي لأنّه لا يُتصور في العقل عدمه، إذ وجود جميع تلك المخلوقات والنظام الذي هي فيه يوجب في العقل وجود خالقها الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، أما (الرحمة) التي يتصف بها الرحمن سبحانه فإنّها واجب سمعي وليس شرعي، وتعريفه كما ذكرنا هو الذي دل الشرع على وجوبه، وقد أعلمنا الله تعالى بتلك الصفة بقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 98]، فليس الواجب السمعي ما لا يُتصور عدمه، فإنّ الله تعالى كما هو الرحمن الرحيم، فإنّه شديد العقاب، ولكن الواجب السمعي هو ما دل الشرع على وجوبه، ومن ذلك نعرف خطأ غير المتخصص عندما يخلط بين الواجب العقلي والواجب السمعي، ويتهم السادة الأشاعرة أو السادة الماتريدية المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة بأنّهم أثبتوا سبع صفات وألغوا بقيتها، وحاشاهم من ذلك، فإنّهم يتكلمون على الواجب العقلي الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وأما عند حديثهم على الواجب السمعي فإنّهم يجعلون جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات واجبة لله تعالى، والمشكلة تكمن في تشغيب الحشوي على تلك المدارس المؤصلة الراسخة في العلم.
[المفتاح الثالث]: الواجـــب في حق الله تعالى: قسم دل على وجوبه العقل وأيده الشرع، وقسم دل عليه الشرع، فوجب الإيمان به، وكمالات الله تعالى لا تتناهى، ولا يحصرها العد ولا يحيط بها علمنا المحدود، فيجب أن نؤمن بأن كل كمال يليق بذات الله تعالى واجب له، وأن كمالاته سبحانه لا تتناهى، (القسم الأول): دل على وجوبه العقل وأيده الشرع، ويشمل صفات الكمال التي اضدادها محال على الله، وقسم دل عليه الشرع، فوجب الإيمان بها لله، والقاعدة الجامعة في الباب أنّ كل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى دلّ على صفة من صفات الله تعالى فهي واجبة لله لأنّ الله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات الحسنى التي دلت عليها الأسماء الحسنى، أما الصفات الواجبة بالعقل ودل عليها الشرع: فتتمثل في الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام، وأضداد تلك الصفات مستحيلة في حق الله تعالى، ضد (الوجود) العدم، وضد (القدم) الحدوث وضد (البقاء) الفناء، وضد (المخالفة للحوادث) المماثلة للحوادث، وضد (الوحدانية) وجود الشريك، وضد (الحياة) الموت، وضد (القيام بالنفس) الاحتياج، وضد (القدرة) العجز، وضد (الإرادة) الاضطرار، وضد (العلم) الجهل، وضد (السمع) الصمم، وضد (البصر) العمى، وضد (الكلام) البكم، وأما القسم الثاني: فيشمل الصفات الواجبة لله تعالى بدلالة الشرع: ويدخل فيه جميع الصفات التي دلّت عليها الأسماء الحسنى: ف (الرحمن): يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله، و (الرحيم): يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي، و(الملك): يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي، و(القدوس): يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول، و(السلام): يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء، وهكذا فإن كل اسم من الأسماء الحسنى يدل على صفة واجبة لله تعالى بطريق الشرع.
[المفتاح الرابع]: الصفات الواجبة في حق الله تعالى، والتي دل عليها العقل الصريح: ذكرتها بالتفصيل -بحمد الله تعالى- في الفصل الثالث عشر، في مبحث مفاتيح علم التقديس المتعلقة بصفات الله تعالى، من المفتاح الرابع وحتى العشرين، وتجنبا للإعادة فإنها مفصلة هناك، وهذا اجمالها: (الصفات الواجبة لله بالحكم العقلي) تتمثل في: صفات الوجود والقدم والبقاء والوحدانية والمخالفة للحوادث، والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام، واجبة لله تعالى عقلا، لأن أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى، ضد صفة (الوجود) العدم، وضد (القدم) الحدوث، وضد صفة (البقاء) الفناء، وضد (المخالفة للحوادث) المشابهة للحوادث، وضد صفة (الوحدانية) وجود الشريك، وضد صفة (الحياة) الموت، وضد صفة (القيام بالنفس) الاحتياج، وضد صفة (القدرة) العجز،، وضد صفة (الإرادة) الاضطرار، وضد صفة (العلم) الجهل، وضد صفة (السمع) الصمم، وضد صفة (البصر) العمى، وضد صفة (الكلام) البكم.
[المفتاح الخامس]: الواجب السمعي في حق الله تعالى: إنّ جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات لله، (فالرحمن): يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله، و (الرحيم): يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي، و(الملك): يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي، و(القدوس): يدل على صفة التنزه من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول، و(السلام): يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء، و(المؤمن): يدل على صفة التأمين والصدق مع عباده فيما وعدهم به من الأجر والثواب، و(المهيمن): يدل على صفة الهيمنة والرعاية والوقاية والصيانة والرقابة والحفظ لكل خلقه، والقيام على خلقه بأعمالهم، وأرزاقهم، وآجالهم، و(العزيز): يدل على صفة العزة التي لا ترام والقوة التي لا تقهر، والغلبة على كل شيء، و (الجبار): يدل على صفات العظمة والجبروت والقهر ونفاذ المشيئة، و(المتكبر): يدل على صفة التفرد بالعظمة والكبرياء والتعالي عن مشابهة الخلق، و(الخالق): يدل على صفة التقدير والإيجاد لكل شيء والخلق لكل موجود سواه، و(البارئ): يدل على صفة إبراز خلقه إلى الوجود بقدرته لا عن مثال سابق، و(المصور): يدل على صفة التصوير، وأنه هو الذي صور جميع الموجودات، ورتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها، وهكذا فإنّ الاسماء الحسنى جميعها تدل على صفات الله تعالى التي تؤدي إلى المعرفة الصحيحة بالله تعالى، ومن عرف الله تعالى افرد له الربوبية والإلهية.
[المفتاح السادس]: يجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الكمال المطلق: من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} (المثل الأعلى): الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى {الله الصمد} أي الذي له الكمال المطلق، والكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان، ولا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، وإن تغير إلى نقصان، لم يكن إلها له الكمال المطلق، الكمال المطلق لا يقبل الحوادث، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق، والكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، والكمال المطلق لله في جناب ذاته وفي صفاته يجعل قولنا (الله اكبر) كمالا مطلقا، (الله اكبر) من كل كيف من كل حد من كل وهم، له الكمال المطلق الذي لا يقبل ابتداء ولا انتهاء، ولا يقبل التغير ولا الحدوث، ولا يقبل زيادة ولا نقصان.
[المفتاح السابع]: يجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الأحدية المطلقة: (الاحدية): محكمة لأنها جاءت في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، هناك فرق كبير في المعني بين اسم الله (الأحد) واسمه (الواحد)، الله واحد لا شريك له، والله احد لا جزء له لا يقبل الكثرة والانقسام، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل من كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا، وكل من يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، (الأحدية) محكمة لأنها تعدل ثلث القرآن وما خالفها وجب رده إلى معانيها حتى لا نقع في الزيغ الذي حذر منه القرآن الكريم في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، هناك آيات تفيد اثبات الوجه واليد والعين لله وهذه في اللغة أجزاء من ذات، فكيف نفهمها في اطار الاحدية، نقول الله تعالى {ليس كمثله شيء}، وهذه نفهمها على انها صفات مجردة عن الجزئية والبعضية، أو نفهمها وفق السياق بغير تتبع للمتشابهات، وقد ذكر في القرآن {وجه النهار} وليس للنهار وجه، و ذكر في القرآن {بين يدي رحمته} وليس للرحمة يدين، و ذكر في القرآن {بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ} وليس للنجوى يدين، و ذكر في القرآن {بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} وليس للعذاب يدين، و ذكر في القرآن {فإنك بأعيننا}، والمقصود أنك بحفظنا وعنايتنا.
[المفتاح الثامن]: يجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الصمدية المطلقة: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، (الصمدية المطلقة): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب، ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء، جل المصور أن يكون مضورا، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور.
[المفتاح التاسع]: يجب لجناب الذات الإلهي كل معاني نفي المثلية عن جناب الذات الإلهي: {ليس مثله شيء} الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هذه الآيةُ، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بالسميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بالسميع البصير، قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}،على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، ولذلك فإن هذه الآية تقضي على كل أوهام الحشو، أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لاننا جميعا نثبتها، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كانت أجزاء من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، لذا وجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، الاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، كما أن القرب في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن المعية في قوله تعالى {وهو معكم أسنما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}.
[المفتاح العاشر]: يجب لجناب الذات الإلهي كل معاني (القدم الأزلي) وتقديس الله تعالى عن قبول الحوادث، (الله جل جلاله) له القدم الأزلي: (أول بلا ابتداء)، (القـدم) هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء) [أخرجه مسلم]، (أول) لا ابتداء لوجوده تعالى لا يسبقه عدم، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزمان، فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما، وكذلك فإن من أظهر صفات (القديم الذاتي والأزلي لله) أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، (القديم الذاتي) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، فالعلة في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب هي الأفول، ونبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام ذكر لقومه (علة الأفول) للاستدلال على أن الكواكب والشمس والقمر لتغير حالها لا تصلح للإلهية، وتنبيها لهم أن التغير والحدوث نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية.
[المفتاح الحادي عشر]: الصفات المستحيل نسبتها إلى الله: كل صفة وجبت لموصوف استحال ضدها على ذلك الموصوف، فكل ما وجب إجمالا يستحيل ضده إجمالا، وكل ما وجب تفصيلا يستحيل ضده تفصيلا، وقد وجب لله تعالى إجمالا: كل كمال يليق بذاته تعالى فيستحيل علية إجمالا كل نقص، ووجب له تعالى تفصيلا الوجود، والقدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس، والوحدانية، والقدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام النفسي فيستحيل عليه تعالى تفصيلا: أضدادها وهى العدم، والحدوث، والفناء، والمماثلة للحوادث، وعدم القيام بالنفس، والتعدد، والعجز والكراهية بمعنى القهر وعدم الاختيار، والجهل، والموت، والصمم، والعمى، والبكم فيجب على المكلف أن يؤمن باستحالة هذه الأمور عليه تعالى، ويدل على استحالة هذه الأمور على الله تعالى أنها نقائص تنافي كمال صفات الله تعالى، ولأن الله تعالى قد وجب اتصافه بالصفات المضادة لهذه الأمور فتستحيل عليه تعالى تلك النقائص، ويستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو المشابهة للمخلوقات، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، ويستحيل عليه الحد والمقدار، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم، ويستحيل عليه العجز والضعف، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد، ويستحيل عليه السنة والنوم، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان .. ويستحيل عليه مماثلة المخلوقات، ومن ذلك نفي الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات، ويستحيل عليه التغير والحدوث، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق.. ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له لم يزل اولا سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الاحياء وانه القديم وحده لا قديم غيره ولا اله سواه ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ولا معين على انشاء ما انشأ وخلق ما خلق لم يخلق الخلق على مثال سبق وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء اخر ولا بأصعب عليه منه لا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضر ولا يصل اليه الاذى والآلام ليس بذي غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء.
[المفتاح الثاني عشر]: المستحيل في حق جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس: كل ما وجب إجمالا لجناب الله تعالى يستحيل ضده إجمالا، وكل ما وجب تفصيلا يستحيل ضده تفصيلا، وجب لله تعالى إجمالا: كل كمال يليق بذاته تعالى فيستحيل علية إجمالا كل نقص، وجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الكمال المطلق، والكمال المطلق لا يقبل زيادة ولا نقصان، ولا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، وإن تغير إلى نقصان، لم يكن إلها له الكمال المطلق، الكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، فيستحيل عليه التغير والحدوث والبدايات والنهايات والغايات.
كما وجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الوجود المطلق: (الوجود المطلق) لا يتقيد بالمكان، ولا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء، {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، فيستحيل عليه الحد والغاية والبداية والنهاية، ويستحيل عليه التقيد بالمكان والزمان، كما وجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الأحدية المطلقة: (الأحدية) معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة، فيستحيل عليه الجسمية ولوازم الجسمية من التجزؤ والانقسام، وقبول الكيفيات من الأطوال والأعراض والأحجام والصور والاشكال.
ووجب لجناب الذات الإلهي كل معاني الصمدية المطلقة: الصمدية المطلقة تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، فيستحيل عليه التركيب وقبول الأبعاض، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة ويستحيل عليه الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء، جل المصور أن يكون مضورا، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات، ووجب لجناب الذات الإلهي كل معاني نفي المثلية والتقديس عن كل مثيل: {ليس مثله شيء} هذه الآية تقضي على كل أوهام الحشو، والتكييف، أهل الحشو والتكييف يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كانت أجزاء من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض.
إنّ اهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، لذا وجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، الاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، كما أن القرب في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن المعية في قوله تعالى {وهو معكم أسنما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، ووجب لجناب الذات الإلهي كل معاني (القدم الأزلي) وتقديس الله تعالى عن قبول الحوادث، (القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما، أظهر صفات (القديم الذاتي) أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، (القديم الذاتي) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب، فالعلة في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب هي الأفول، ولا معنى للأفول سوى التغير والحدوث.
ووجب لله تعالى من صفات الكمال: الوجود، والقدم والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس والوحدانية والقدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام فيستحيل عليه تعالى تفصيلا: أضدادها المستحيلة على الله تعالى: هى العدم، والحدوث، والفناء، والمماثلة للحوادث، والحاجة، والشريك، والعجز والاضطرار، والجهل، والموت، والصمم، والعمى، والبكم، ويدل على استحالة هذه الأمور على الله تعالى أنها نقائص تنافي الكمال المطلق لصفات الله تعالى، ويستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو الحاجة أو المشابهة للمخلوقات، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، ويستحيل عليه الحد والمقدار، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم، ويستحيل عليه العجز والضعف، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد، ويستحيل عليه السنة والنوم، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان،، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات، ويستحيل عليه التغير والحدوث، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق،، ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، ليس كمثله شيء، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس.
[المفتاح الثالث عشر]: كل ما اوهم الاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه من الأحدية المطلقة، (الوجه واليد والعين والساق) في اللغة أجزاء وأبعاض من ذات، والأحدية المطلقة تمنع من الاجزاء والابعاض، فيجب فهمها في إطار المحكمات، وكذلك كل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، (الصور تنشأ عن تركيب أجزاء) {في أي صورة ما شاء ركبك}، الصور تنشأ عن تركيب أجزاء، و الأحدية المطلقة تمنع من التركيب لذا يجب ردها إلى المحكم، وهو الصفة وليس الصورة فإن العرب تقول صور لي المسألة والمقصود صف لي المسألة، و كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، من قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [الشورى: 11]، وكل ما اوهم الحركة او السكون أو التغير والحدوث فهي متشابهات يجب رده إلى محكماتها من القدم الازلي، ومن ذلك المجيء في قوله تعالى {وجاء ربك والملك صفا صفا} فالمجيء المعهود هو الانتقال من مكان إلى مكان، وهذا يستلزم كبر المكان الاول والثاني عن المتحرك فيهما، والله اكبر من كل شيء، وهو يستلزم التغير والله تعالى قديم بجناب ذاته وصفاته، إذن كل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي، وكل ما عارض الوجود المطلق لجناب الذات من الكون في مكان أن التقيد بالزمان أو الحد والمقدار متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما أوهم الفوقية الحسية والجهة المكانية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، كل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، فالله موجود بلا كيف ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد.
[المفتاح الرابع عشر]: الجائز العقلي في حقه تعالى: فعل كل ممكن أو تركه فهو متفضل بالخلق والإنعام والإمداد والإحسان لا عن وجوب ولا إيجاب فلا يجب عليه شيء مما ذكر، فهو المالك لكل شيء وللمالك أن يتصرف في ملكه بما يشاء كما يشاء، فهو وحده الخالق للإيمان والطاعة فضلا منه وإحسانا، وهو وحده الخالق للكفر والمعاصي عدلا منه سبحانه، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وهو الخالق للمرض والشفاء، وهو الخالق للصحة والمرض، وهو الخالق للغنى والفقر، يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء، {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج: 16]، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، فيكون الجائز في حقه تعالى: فعل كل ممكن أو تركه، له الاختيار المطلق في جميع شئونه، فيجوز منه تعالى فعل كل ممكن وتركه.
(6) من ثمرات علم التقديس معرفة المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي ومعرفة انّ كل ما يخالف المحكم القطعي فهو متشابه لابد وأن يرد إلى امهاته من المحكم
[المفتاح الأول]: المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام: هو الأدلة الشرعية الواضحة الدلالة التي لا لبس فيها، والتي تُعد أساسًا للعقيدة الإسلامية، وهذه المحكمات هي الأمهات التي يتم رد المتشابهات إليها لتفهم في اطارها، ويتم التعامل مع جميع المتشابهات من النصوص الشرعية بإرجاعها إلى تلك المحكمات لتبيين معناها الصحيح وتجنب الوقوع في الزيغ، عملا بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران:7]، وما أخرجه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) ([19]).
(المحكم القطعي): هو ما ثبت بدليل قاطع لا يحتمل الشك، وهو مما يتضح معناه ودلالته ولا يحتاج إلى تأويل، وبالتالي فإن المحكم القطعي هو تلك الأصول الثابتة التي لا تقبل الجدل أو الاختلاف، وتمثل جوهر العقيدة الإسلامية التي اتفق عليها المتخصصون في العقيدة من مدارس أهل السنة والجماعة المعتمدة المعروفة، و(المتشابه) هو ما خفي معناه واحتاج إلى بيان، أو احتمل أكثر من معنى، فلو ترك بدون تفسير وبيان، فإنه يؤدي إلى اللبس أو الشبهة في فهم المراد منه، وهذا المتشابه لا يتتبعه إلا الذين في قلويهم زيغ، أما الراسخون في العلم فيردوه إلى أمهاته من المجكم، فيعلمون منه المعنى المراد المتوافق مع المحكم الذي لا لبس فيه ولا شبهة، إلى المعنى الصحيح من الآيات.
[المفتاح الثاني]: من المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي: معاني سورة الإخلاص: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أربعة آيات تعدل ثلث القرآن، في كل آية أصل من أصول العقيدة، (الأصل الأول): وصف الله تعالى بالأحدية (الله أحد)، وهي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام، منزه عن الأجزاء والابعاض.
و(الأصل الثاني): وصف الله تعالى بالصمدية (الله الصمد)، ومعناه: هو السيد الذي قد كَمُلَ في سُؤْدُدِه، المستغني عن كلِ أحد، والمحتاج إليه كلُّ أحد، الغنى الذي له الغنى المطلق، والكامل الذي له الكمال المطلق، وتمام الغنى والحمد منزه عن الحاجة، (صمد) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج.
و(الأصل الثالث) وصف الله تعالى بالقدم الازلي وتنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث (لم يلد ولم يولد)، وصف الله تعالى بالقدم الأزلي وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث.
و(الأصل الرابع): تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن.
[المفتاح الثالث]: كل ما عارض المحكم القطعي من معاني سورة الإخلاص فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، فيجب تقديس جناب الذات الإلهي عن الأجزاء والابعاض لأنها تعارض معنى الاحدية، ويجب تقديس جناب الذات الإلهي عن التركيب والحاجة لأنها تعارض معنى الصمدية، ويجب تقديس جناب الذات الإلهي عن الحدوث وقبول المحدثات وعن الوالد والصاحبة والولد لأنها تعارض معاني {لم يلد ولم يولد}، ويجب تقديس جناب الذات الإلهي عن مشابهة الخلق لأنها تعارض معاني {ولم يكن له كفوا احد}، ويجب تقديس الله عن الجسمية ولوازم الجسمية، لأن أخص معاني الجسمية التركيب من الأجزاء، و(الأحدية) تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى، و (الصمدية) تنفي عن جناب الله تعالى التركيب، وسورة الإخلاص يجب أن تكون من المحكمات، فكل ما خالف مغاني التقديس التي دلت عليها سورة الإخلاص فهي متشابهات يجب ردها إلى محكماتها.
[المفتاح الرابع]: من المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي: أنّ الله تعالى خالق كل شيء هو الواحد القهار، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وقال تعالى: {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الزمر: 4]، هو خالق الزمان والمكان وهو خالق الظلمات والنور وهو خالق الكرسي والعرش، وهو خالق الحدود والمقادير وهو الخالق البارئ المصور، خلق الخلق أجمعين، وفي أي صورة ما شاء ركبهم، خالق الصور والأشكال والكيفيات والهيئات، ثم قهر جميع خلقه من العرش إلى الفرش بالحد والمقدار، والكون في المكان وأن يجري عليهم زمان، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار، لا تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه، وهو خالق الحدود والمقادير، لا يحده حد، ولا يقدره مقدار، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان، وهو القاهر فوق جميع خلقه، وهو القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً، وعليه حاكما، وهو سبحانه القاهر على الزمان، فلا يجري عليه زمان، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا، وعليه حاكما، ولكنه سبحانه الواحد القهار، فلا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان.
[المفتاح الخامس]: كل ما عارض المحكم القطعي من معاني الآية {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، فلا خالق إلا الله والجميع خلقه فمن زعم أن المكان قديم او أن الزمان قديم أو أن العالم قديم أو ان العرش قديم فقد ألحد، لأنه زعم أن ليس لهذه الموجودات خالق، ولا محدث وبالتالي ينتفي عنها صفة العبودية لأن أظهر معاني الرب هو الخلق، فإن كان العرش قديما فلا رب له، والله تعالى يقول: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129]، {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الزمر: 4]، تقديس عن الحد والمقدار وتقديس عن المكان والزمان، سبحانه قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار،، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار، لا تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه، وهو خالق الحدود والمقادير، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، لا يشوبه نقص، ولا يحده حد، ولا يقدره مقدار، فكل ما أوحى بحدود أو قيود بزمان او مكان متشابه يجب رده إلى محكمه من التقديس عن الحد والمكان والزمان.
[المفتاح السادس]: من المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وهذه الآية، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بأنه السميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بأنه سميع بصير فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فثبت أن المراد بنفي المماثلة التامة من كل وجه إنما هو نفي المماثلة عن جناب الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يماثل الله تعالى في الذاتية، فتضمنت الآية نفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، وأن ذات الله تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقات، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها فهو منتف عن ذات الله تعالى، واخص هاهنا ما يتعلق بجناب الذات وليس الصفات، وإذا كانت كل المخلوقات متماثلة في الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، ووجب نفي كل لوازم الجسمية الدالة على الخلق والعجز والنقص والقهر عن الله.
[المفتاح السابع]: كل ما عارض المحكم القطعي من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، ولما كانت كل المخلوقات متماثلة في صفة الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، و(الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، ومن خصائص الأجسام كذلك انها تخضع لجريان الزمان، فيجري عليها الزمان بماضيه وحاضره ومستقبله لا انفكاك لها عن قهر الزمان، ومن خصائص الأجسام كذلك أنّ لها صورا وأشكالا خصها بها خالقها عز وجل، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها تقبل الانقسام، وانها تتكون من الجوارح والأجزاء والأعضاء، وتقبل التحيّز والاختصاص بالجهات، ويقهرها التغير والحدوث، و(الجسمية) تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر في اثبات وجوده، والمحتاج فقير لا يكون إلها البتة، والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، فكل ما ثبت للأجسام من امارات الحدوث وعلامات الخلق فالله تعالى مقدس عنها، جناب الذات الإلهي ليس كمثله شيء، لا تسري عليه مفاهيم الأجسام، ولا قوانين المواد، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
تقديس لله عن الجسمية وهي تقديس لله عن لوازم الجسمية كذلك، والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية، وهي كل ما تقبله الاجسام من الصور والأشكال والأحجام والاوزان والألوان وكل ما تقبله الأجسام من الهيئات كالجلوس والاستقرار، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع، والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته، والندم والتردد على معنى التغير في ذاته، والله تعالى منزه عن أي معنى من معاني الجسمية ولوازمها التي لا انفاك لها عنها.
[المفتاح الثامن]:
من المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي: معاني قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3}، وقال نبيه صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([20]). وعند تدبر الآية والحديث نخرج بعلم جما وفوائد جليلة ومسائل علمية عظيمة، ومن ذلك: ان الله تعالى هو الأول بغير افتتاح وجود فهو الأول بلا ابتدأ وهو ما يسميه علماء الأصول: (أزلي)، وهو تعالى (الآخر) بلا انتهاء فلا يفنى ولا يبيد، وهو ما يسميه علماء الأصول: (أبدي)، ومن ذلك: أنّه (لا قديم أزلي إلا الله): والعالم كله مُحدَثٌ مخلوق أحدثه الله تعالى من العدم إلى الوجود، كان الله ولم يكن شيء معه ولا غيره فهو وحده الأول بلا بداية لوجوده، لا قديم أزلي سواه، وكل ما سواه من العالم محدث مخلوق، ومن اعتقد أن شيئًا من العالم بنوعه أو بأفراده لا بداية لوجوده فقد خالف الآية والحديث واجماع أهل الأصول، وقال بقول الفلاسفة والدهرية الذين قالوا بقدم العالم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ) ([21]). فلا شيء معه ولا شيء غيره لا بداية لوجوده، لا يشاركه في القدم الأزلي شيء من خلقه، فلا قديم أزلي إلا الله، وقدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات: له قدم العلم، والسمع والبصر وسائر الصفات، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما.
[المفتاح التاسع]: كل ما عارض المحكم القطعي من قوله تعالى: {{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، فإذا كان القدم الازلي صفته سبحانه، فإنّه مقدس عن التغير والحدوث، وعن حلول الحوادث بذاته تعالى، يستحيل قيام الحوادث بالله تعالى لأن مجرد قيام الحادث بالذات الإلهية يلزم عنه حدوث الذات الإلهية، وهذا باطل، فما يستلزمه لا يكون إلا باطلاً، فمطلق الحدوث مانع من القيام بالذات الإلهية، (جناب الذات الإلهي) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأنّه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق.
إنّ كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
[المفتاح العاشر]: (القاعدة العامة): كل ما عارض المحكم القطعي من عقائد السلمين فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وعليه فإنّ كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات من الصور والاجزاء والأبعاض متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض الوجود المطلق لجناب الذات من الكون في مكان أن التقيد بالزمان أو الحد والمقدار متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات من سمات النقص والحدوث ومشابهة الحوادث فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض القدم الازلي من موهمات الحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم التغير والحدوث متشابه يجب رده إلى محكمه من القدم الأزلي، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما أوهم الفوقية الحسية والجهة المكانية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، كل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، فالله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا مكان ولا زمان، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف.
(قد يتعلق أهل الحشو بالمتشابهات)، فيجب رد المتشابهات إلى أمهاتها من المحكم، لأنّ الله تعالى وصف المحكم بــ (الأم) أي الأصل الذي يجب الرد إليه، قال تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7]، وحذر من تتبع المتشابهات وأعلمنا انه لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ فقال تعالى: { وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} [آل عمران: 7]، ومن ذلك فهم أهل الحشو للاستواء، وانه سبحانه استوى بذاته، ([22]).، ولنا ان نتساءل من أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، قال الحافظ ابن الجوزي: (ومن قال: استوي بذاته فقد أجراه مجرى الحسيات) ([23]) . ولم لا يكون استواء تدبير لقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على القرب، كقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}، فلم لا تحمل على قرب الذات، قالوا: القرب قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على الاحاطة، كقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا}فلم لا تحمل على إحاطة الذات، قالوا: الاحاطة: إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة، قلنا: فما الاشكال أن نحمل الاستواء على استواء الصفات من صفات التدبير والتسخير والملك والقهر والهيمنة والربوبية للعالم.
إذن الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها أهل الحشو التجسيم على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، وقد تقدم بيانه.
(وقد يتعلق أهل الحشو بالمتشابهات)، في اثبات الفوقية الحسية من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}[النحل: 50]، وفي الآية مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}[الأعراف: 127]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وهو مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}[الملك: 16]، الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى المكانة والصفات لا الحيز والمكان، ولذا قال القاضي عياض: (لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله (ءأمنتم في السماء) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم) أهـ ([24]).
، ولكن ماذا نفعل وقد ابتليت الأمة بأهل الحشو الذين يدعون المحكم ويلهثون خلف المتشابه، (وقد يتعلق أهل الحشو بالمتشابهات)، من مثل حديث (أين الله) في صحيح مسلم، لإثبات المكان لله، وحديث الجارية له روايات عديدة مضطربة، فيها من الاختلاف الكثير، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة صحيحة، الأولى بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) والثانية بلفظ (من ربك) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ (أين الله) لإثبات الإيمان، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم: الامام الحافظ البيهقي، والحافظ ابن حجر العسقلاني: قال ” وفي اللفظ مخالفة كثيرة ” اه ([25]).
وخلاصة الأمر: أن الحديث جاء صحيحا بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين، وجاء بلفظ (من ربك) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان، أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان، والرواية الثالثة بلفظ (أين الله)، أخرجها الإمام مسلم، والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد تكون رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها، فقد يكون اللفظ (أين الله) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقينا فإنه إن صحت الرواية بلفظ (أين الله) فإنّه حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم.
(وقد يتعلق أهل الحشو بالمتشابهات)، بحديث (النزول) في صحيح البخاري]، لإثبات الحركة والسكون والنزول الحسي والصعود، ومما يدل على أنه عندهم نزول حفيفي من علو إلى السفل، اختلافهم هل عند النزول يخلو منه العرش او لا يخلو منه العرش،([26]).
وللرد على هؤلاء نقول: للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها: منها قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر]، ولم نر جملا نازلا من السماء، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}[سورة الحديد]، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء، وللنزول الحقيقي الذي يتبناه أهل الحشو لوازم فاسدة: من تلك اللوازم: (اللازم الأول) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول، (اللازم الثاني) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال، (اللازم الثالث) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، (اللازم الرابع) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة.
وأيسر حل لإشكالية حديث النزول: ما أخرجه النسائي بلفظ: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)، وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله، وإما أنه يأتي على معنى المجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر، وقد قال الشافعي حدثت أهل مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت حتى يفهموا كلامي، وليس معنى ذلك أنه نزل من مكان عال إلى مكان أسفل ولكنها البلاغة.
(وقد يتعلق أهل الحشو بالمتشابهات)، من مثل حديث (خلق الله آدم على صورته)، لإثبات الصورة الحسية لله، و(الصور الحسية): لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور.
ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث: (المفتاح الأول): قوله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا.
و(المفتاح الثاني): قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) معناه عدم اهانة الوجه، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام، وهذا قول الحافظين: ابن حجر وابن خزيمة.
و(المفتاح الثالث): إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}[ص: 71، 72]، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف.
(وقد يتعلق أهل الحشو بالمتشابهات)، وتعلو أصواتهم بتلاوة آيات الوجه واليد والعين في القرآن الكريم، يريدون اثبات الأبعاض لله والجوارح ويرسمون بها شكلا لله في أذهانهم، فهم يدلسون بقولهم صفات الوجه واليد والعين ، فنحن نقول صفات فلماذا يوقدون الحرب علينا، إلا إذا كان مقصدهم منها الجوارح والأعضاء والاجزاء، وكأن سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن لم تبلغهم وفيها (الأحد) تقديس عن الأبعاض والأجزاء، وفيها (الصمد) تقديس عن التركيب، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وللرد على جهل هؤلاء، أقول: أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال.
والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها وقد تقدم ذكرها وأهمها حمل الوجه على الذات، في قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه}، وقوله تعالى: {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام}، أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة وقد تقدم ذكرها واهمها : قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}[الفتح: 10]، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله، وقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ}الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات.
وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية {لما خلقت بيدي} أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين كذلك يستعمل فيه في مجازات متعددة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات،
**
(7) رؤية الله تعالى في الآخرة
[المفتاح الأول]: اتفق أهل السنّة والجماعة قاطبة على رؤية الله تعالى في الآخرة، وأنها رؤية بغير احاطة، وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة، وقولهم هو القول الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الصريح، وخالفهم في ذلك سائر الفرق الضالة من المعتزلة والشيعة والخوارج، ومن الأدلة على رؤية الله سبحانه من القرآن الكريم :
(أ) قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} [القيامة:22، 23]، قال ابن عباس في تفسير الآية: (تنظر إلى وجه ربها)، (ب) وقوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15]، قال الإمام الشافعي: (وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ)، بدليل لّما حجب الرؤية عن أعداءه في حال السخط دل على أن رؤية أولياءه في حال الرضا أمر حاصل إذ لو كان الحجب عن الجميع لما كان الحجب عقوبة للكافرين) أهـ، (ت) وقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]، و تفسير الزيادة ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرؤية، في الحديث الذي اخرجه مسلم وسياتي بيانه، (ث) وقوله تعالى: {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] فقد فسر المفسرون ومنهم الطبري والقرطبي وابن كثير وغيرهم: المزيد في هذه الآية بأنه النظر إلى الله تعالى، (ج) وقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143]، (ح) والدليل على جواز الرؤية أنّ نبي الله موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل، لأنّ الأنبياء أعلم الناس بما يجوز وما يمتنع على الله، ولا شك أنّ نبي الله موسى عليه السلام أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل في حقه من المعتزلة والإمامية والأباضية الذين أنكروا رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، كما أن الله تعالى أجابه بقوله {لَن تَرَانِي} وهذا دليل على الجواز، فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لقال: (لست بمرئي)، أو (لا تجوز رؤيتي) أو (إن الرؤية تستحيل في حقي) ولكان آنذاك تصحيحاً واجبا للعقيدة وللخطأ في طلب الرؤية التي لا تجوز في حق الإله، وكل هذا لم يحدث، فدل على جواز المبدأ (إمكانية رؤية الله)، كما أنّ الله تعالى علق الرؤية على أمر جائز، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية جائزة.
ومن الأدلة على رؤية الله سبحانه من السنّة النبوية المشرفة: (أ) ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، قالوا: لا، يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب، قالوا: لا، يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك) ([27]) .
(ب) وأخرج البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون ربكم عيانا) ([28]) .
(ت) وحديث مسلم السابق عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة})([29]) .
(ث) وما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) ([30]) .
(ج) وما أخرجه البخاري عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه) ([31]).
والأحاديث الواردة في رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة متواترة، ذكر هذا التواتر ابن حجر في فتح الباري، و العيني في عمدة القاري، وقد اتفقت كلمة مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة (المدرسة الأثرية والمدرسة الأشعرية والمدرسة الماتريدية) على رؤية الله تعالى في الآخرة، ومنع منها المعتزلة والإمامية والإباضية، وحججهم في الباب واهية لا تقوى على معارضة الأدلة.
[المفتاح الثاني]: إمكانية رؤية الله تعالى عقلاً: رؤية الله تعالى غير ممتنعة عقلاً للأسباب التالية:
(أ) الله تعالى موجود، وكل موجود تصح رؤيته، لأنّ المصحح للرؤية الوجود، وليس الجسم والشكل والصورة، وإذا كان الله تعالى منزها عن ذلك كله، لأنّه الخالق لها، فليس يعني ذلك انتفاء الرؤية لأنّ المصحح للرؤية هو الوجود، والله تعالى موجود، وكما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك للناس في قلوبهم يسمى العلم يتعلق به تعالى على ما هو عليه من غير جهة ولا مقابلة كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم في أعينهم يسمى ذلك الإدراك رؤية تتعلق به تعالى على ما يليق به، فهذه لا يحيلها العقل وقد جاء الشرع بإثباتها، فوجب اثباتها والايمان بها، مع ما يتعلق بها من تقديس وتنزيه.
(ب) المانعون من الرؤية عقلا كان دليلهم هو أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء منزه عن المكان وسائر الأمكنة والجهات إليه سواء، والرؤية لا تكون إلا في جهة ومكان، والمكان مستحيل على الله لأنّ الله تعالى خالق المكان، ولا يحل الخالق في المخلوق، نقول نعم للتنزيه، ولكن ما علاقة الرؤية بالمكان والجهة، لأننا نقول رؤيته – سبحانه – لا في جهة ولا في مكان، لأنّ جميع المؤمنين لا يضامون في رؤيته والمعنى لا يتزاحمون لرؤيته، فالكل يراه لا في جهة ولا في مكان، قال تعالى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115]، فالأماكن كلها عند الله تعالى سواء.
(ت) المانعون من الرؤية عقلا كان دليلهم هو أنّ الرؤية لا تكون إلا بشعاع متصل بين العين والشيء المرئي، وهذا محال على الله لأنّه منزه عن قوانين المادة والجسم، والشعاع المتصل يكون بين الأجسام المادية، ونقول نعم للتنزيه والتقديس، ولكن لا علاقة أيضاً لإمكانية الرؤية بالأجسام والمواد واتصال الأشعة البصرية، فالرؤية ممكنة بغير تلك الأسباب، والله تعالى خالق الأسباب والمسببات، وعلى ذلك نؤمن بالرؤية بلا مقابلة، ولا اتصال أشعة البصر، ولا إحاطة بصر.
(ث) المانعون من الرؤية كان دليلهم من الشرع هو قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، فقالوا ما لا تدركه الأبصار فليس بمرئي، وهذا فهم خاطئ للآية لأنّه لو كان المقصود نفي الرؤية لجاءت الآية (لا تراه الأبصار)، ولكن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} واهل السنّة والجماعة يقولون بجواز الرؤية ولكن بغير احاطة، وهو المنزه عن الحدود، لا تدركه الأبصار أكبر من كل تصور، وأعظم من أن تحيط به رؤية المحدود المخلوق.
[المفتاح الثالث]: تنزيهات متعلقة بالرؤية:
(أ) رؤيه الله لا تحيط بذات الله، وكيف يحيط المخلوق المحدود برؤية المنزه عن الحدود، وكيف يحيط المخلوق المحدث برؤية الخالق القديم، لا تدركه الأبصار لأنّه منزه عن الحد والمقدار، واسع لا حد ولا بداية ولا نهاية، أكبر من كل تصور، وأعظم من أن تحيط به رؤية المحدود المخلوق.
(ب) رؤية الله تعالى ليست في جهة ولا في مكان لأنّ ذات القدوس تنزه عن المكان، لا تحيط به الجهات والأركان، فهي رؤية منزهة عن الجهة والمكان والحد والمقدار، منزهة عن الوصف.
(ت) ورؤية الله ناشئة عن تجلى الرحمن الذي ليس كمثله شيء، وناشئة عن كشف الحجب عن الأبصار، لأنّ الحجب تحجب رؤيتنا للعلي الجبار، وهي تحجب المخلوق عن رؤية خالقه، و إلا فذات الله تعالى ظاهرة لا يحجبها شيء أبدا، إذ لا يحجب الحجاب المخلوق خالقة القاهر للحدود والواسع على كل محدود، وإنما هي حُجُب تحجب أبصار المخلوقين المحدودة عن رؤية الخالق الجليل الكبير المتعال، فإذا كانت الآخرة تجلى الرحمن للمؤمنين وقد أعطاهم قوة التحمل لرؤية الكريم، نسأل الله الكريم بوجهه الكريم أن يتفضل علينا برؤية وجهه الكريم في دار النعيم،
([12]) شرح لمع الأدلة ص: 80- 81
([13]) التبصير في الدين ص 113.
([14]) التبصير في الدين ص: 161.
([15]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر: 1 / 34 – 36
([22]) درء التعارض العقل والنقل ابن تيمية 6/276.
([23]) مقدمة كتابه الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب.
([25]) الاسماء والصفات للبيهقي ص 422، التلخيص الحبير 3/223.
([26]) (الفتاوى لابن تيمية : 5/ 242)، و (شرح حديث النزول لابن تيمية : ص161 وما بعدها)