الحال الذي وصل إليه أهل الحشو والجهل بعلم التقديس والتنزيه
(1) الحشوية طائفة موجودة معروفة ولا سبيل إلى إنكار وجودها.
(2) أبرز صفات الحشوية: أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه.
(3) أخطر مشاكل الحشوية عدم احترام التخصص العلمي لعلوم الإسلام.
(4) تاريخ تسلسل ظهور الحشوية.
(5) رد الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي الحنبلي على الحشوية.
(6) أمثلة لما وصل إليه حال الحشوية من جناية على عقائد المسلمين.
(7) براءة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله من انتساب الحشوية إليه.
(8) تسرب أفكار الحشوية إلى الإمام ابن تيمية.
(9) الدعوة الوهابية وما تسرب إليها من أفكار الحشوية.
(10) خطورة تجديد أفكار الحشوية في الفكر الإسلامي المعاصر تحت مسمى السلفية.
(11) حال الجاهل بعلم التقديس .
[المفتاح الأول]: الحشوية طائفة موجودة معروفة ولا سبيل إلى إنكار وجودها: (الحشوية) لقب أطلق على طائفة من المبتدعة الذين يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم بقولهم ” بلا كيف “، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكني أراهم أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف (والسلف من زيغ عقائدهم براء)، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، يريدون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي، فكأنهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهل كان السلف إلا أهل تنزيه وتقديس لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالمتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية.
لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظواهرها على الله تعالى، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[المفتاح الثاني]: أبرز صفات الحشوية: أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى، ينسبون إلى الله تعالى الجوارح والأجزاء والأبعاض، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، والصعود والنزول، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، وهم أهل جهل لا يحترمون تخصص العلماء، ويهجمون على كل أبواب العلم، لا سيما الأصول، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا أرادوا ان يهدموه، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظواهر النصوص، ومن أبرز مشاكل هؤلاء، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة، وعلومهم القاصرة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين.
فهم لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك.
والغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر.
وإلى الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها، والغلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، وهم ينتسبون إلى السلف، والسلف برآء منهم، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيون – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم.
وبعد فتلك بعض مفردات مذهب الحشوية، والتي يسعى الحشوية في كل زمان إلى نسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث، وجعلها بديل لكافة التخصصات العلمية، وهم أهل الجفاء والغلظة والخيلاء، والقسوة وغمط المسلمين والجفاء عند معاملتهم، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا، تراهم دوماً في حروب وهمية مع من يظنونهم مبتدعون مارقون عن مذهب السلف الذي صنعوه بأيديهم ونسبوه إلى السلف، ويدافعون عنه ضد كل من تسول له نفسه مخالفته، ديدنهم الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق، يشنون حروبا لا داعي لها – بين الحين والآخر – على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وصقلت مدارسهم الفقهية على مر عصور الإسلام كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، فأيهما أجدى البناء على ما بنوه فيرتفع البناء عاليا، أم هدمه والتشكيك فيه، مع استحالة إتقان ما أتقنوه، واستيعاب ما استوعبوه، وبناء ما بنوه، ويشنون حروبا لا داعي لها على التصوف برمته، صالحه وطالحه، ويدّعون أن له أصل من اليهودية أو النصرانية أو البوذية، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين والأدعياء، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله، فهل جميع أولئك على ضلالة، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّ آثارها السيّئة، كانت ولا زالت تشكك في تخصصات الإسلام، وتنخرُ القلاع العلمية الحصينة، التي أسّسها الاسلام، وبناها علماء المسلمين طوال القرون، ولذلك فهم من شر الفرق، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف، ويحاولون بمعاولهم هدم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف.
[المفتاح الثالث]: أخطر مشاكل الحشوية عدم احترام التخصص العلمي لعلوم الإسلام:
على مر عصور الإسلام ظهرت المدارس المتخصصة في كل فن وعلم من علوم الدين وانتسب إليها الآلاف من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، فظهر المتخصصون في علم القرآن والقراءات والتفسير وكافة علوم القرآن التي بلغ بها السيوطي ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه: الاتقان في علوم القرآن، وظهر المتخصصون في علم الحديث، علم المتن وعلم السند وعلم مصطلح الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل، وعلم شرح الحديث وبيان معناه، وغيرها من علوم الحديث وقد بلغ بها ابن الصلاح خمسة وستين نوعا من علوم الحديث في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن الصلاح، وظهر المتخصصون في الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة، ومن ذهب مذهبهم من العلماء (مذاهب)، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام.ثم ظهرت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وانتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق.
وأكرم الله تعالى الأمة بثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه، و مع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية.
إنّ أخطر مشاكل الحشوية عدم احترام هذه المدارس العلمية التي تمثل التخصص العلمي الصحيح لعلوم الإسلام، فآل ذلك بهم إلى الفوضى العلمية، والفوضى الفكرية، والخطأ في تقييم المواقف واصدار الأحكام، كما أدى إلى فوضى التبديع الناشئة عن عدم احترام تخصصات الآخرين، والهجوم على أصحابها، كما أدى عدم احترام التخصص العلمي بهم إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى، وانتشار الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص، مع أنّ الحق حتما يكون مع أهل التخصص، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
[المفتاح الرابع]: تاريخ تسلسل ظهور الحشوية: لقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، في أقوال المحدثين ورواياتهم، حتى ظهر مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) حيث ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه، أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أحمد بن سيار أنه قال: (مقاتل متروك الحديث كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه) وأخرج بسنده عن الإمام أحمد أنه قال: مقاتل بن سليمان كانت له كتب ينظر فيها ، وقال الذهبي في ترجمته: (مقاتل بن سليمان.. متروك الحديث وقد لطخ بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلم بحراً في التفسير)، وقال ابن حبان: (كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث)، لقد أصبح التجسيم والتشبيه بعد هذا المفسر الضال المبتدع مدرسة متكاملة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده من جهلاء المفسرين والمحدثين، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية، ومقاتل هذا كان يزعم أنّ الله تعالى جسم وله جوارح وأعضاء من يد ورجل وعينين، وحكى عنه الإمام الأشعري أنه قال: إن الله جسم وله جثه وإنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم.. وهو مع ذلك لا يشبه غيره، ولا يشبهه غيره. ([1]).
و(الثاني) هشام بن سالم (ت 183 هـ)، واتباعه السالمية الذين اثنى ابن تيمية على عقيدتهم، وهشام هذا كان يعتقد في معبوده أنه على صورة إنسان: أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء، قال الإمام الأشعري: (الهشامية أصحاب هشام بن سالم الجواليقي يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان، وينكرون أن يكون لحماً ودماً، ويقولون: هو نور ساطع يتلألأ بياضاً وأنه ذو حواس خمس بحواس الإنسان، له يد ورجل وأنف وأذن وعين وفم، وأنه يسمع بغير ما يبصر به، وكذلك سائر حواسه عندهم متغايرة) ، وقال أيضا: (وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه وفرة سوداء وأن ذلك نور أسود) ([2]).
و(الثالث) محمد بن كرام السجزي المجسم (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه جسمٌ له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وأتباعه هم الكرامية المجسمة، جاء في الملل والنحل: (وأهم مقالاته تجسيم معبوده إذ زعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته وهي الجهة التي يلاقي منها العرش، وأن الله تعالى مماس لعرشه من الصفحة العليا) أهـ ([3]).
و(الرابع) وهو الذي أضر بابن تيمية أيما ضرر عندما وثق فيه وظنه من اتباع السلف وحذا حذوه في كل عقائده، وهو أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي: (ت 282 هــ) -وهو غير الإمام الدارمي صاحب السنن- ولعثمان هذا كتابان في الحشو والتجسيم ومعاداة أهل التخصص من الأشاعرة والماتريدية، (الكتاب الأول): كتاب الرد على الجهمية و(الكتاب الثاني): كتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد، أما (الكتاب الأول): كتاب الجهمية فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، وعقد فيه باباً في تكفير الجهمية، وباباً في قتلهم واستتابتهم من الكفر، ولا يخفى أن الجهمية مصطلح تشنيع لا يراد به إلا (أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية)، أما كتابه الثاني: كتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد، فهو مثل سابقه، وزاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وغير ذلك من الحشو والتجسيم.
و(الخامس) ابن أبي عاصم (ت 287 هــ) وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه (السنة) من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، يقصد بعض الرحمن، وكأن سورة الإخلاص لم تبلغه وفيها (الأحد)، تقديس عن الأبعاض والأجزاء، ومنها أن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش.
و(السادس) كتاب السنّة لعبد الله بن الإمام أحمد (ت 290 هــ) هذا إن صحت نسبة كتاب السنة إليه وهذا فيه شك كبير، لأنّ فيه أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، وأبوه الإمام أحمد كان يجل الإمام أبي حنيفة أيما إجلال، بل في بعضها نصوص تفيد تكفير الإمام ابي حنيفة، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع، ويا لله هل بعد هه العقائد يتبقى لنا من علم التقديس شىء.
و(السابع) الخلال (ت 311 هــ): كان يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق كافر، وهو صاحب عقيدة جلوس الرحمن على العرش، وعقيدة الشاب الأمرد.
و(الثامن) ابن خزيمة (ت 311 هــ) صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، باب الوجه باب العين باب اليد باب الساق، ومما فيه من نسبة المحال إلى الله، أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو، و(التاسع) البربهاري، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه معه على العرش، وأن من أنكر هذا القعود فهو جهمي كافر، ؟؟
و(العاشر) ابن بطة (ت 387 هــ) الوضاع الكذاب المتهم بوضع الأحاديث وسرقة الكتب، وكتابه الإبانة يعد موسوعة في عقيدة الحشو وهو من أوائل من تولى إثم نبذ الأشاعرة بالتجهم وكتابه مبني على التكفير للمخالفين له، أثبت لله صفات الضحك والتعجب وأنه على العرش بذاته وأنه خلق آدم على صورته، وأكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات وتكفير المعارضين له،.
و(الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر) ثلاثي الإفك والحشو الذين أدخلوا الحشو على مذهب الإمام أحمد وهو منه بريء، جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني: فأما (ابن حامد الورّاق) فهو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي الورّاق المتوفى (سنة 403 هجرية) له مصنفات وفيها طامات وقد أوردها الإمام ابن الجوزي ورد عليها في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، واما (القاضي أبو يعلى) فهو محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي (المتوفى سنة 458 هجرية)، وقد ألف كتابا سماه إبطال التأويلات وهو مرجع في الحشو والتجسيم، واما الثالث فهو (ابن الزاغوني) وهو أبو الحسن على بن الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527 هجرية، وهؤلاء أثبتوا لله صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وهؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد . وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة، وقد تأثر بهم كثير ممن جاء بعدهم كالحافظ عبد الغني المقدسي والشيخ ابن قدامة صاحب المغني وابن تيمية وتلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي والذهبي نسأل الله السلامة.
(الرابع عشر) الهروي (ت 481 هـ): له كتاب الأربعين في دلائل التوحيد: وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، أضف إلى وقيعته في السادة الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان يحكي تكفيرهم، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث،، فهؤلاء جميعا هم سلف ابن تيمية (ت 728 هــ) الذين يريد منا ان نتخذهم سلفا لنا، نسأل الله السلامة من البدعة والضلال ونسبة المحال إلى الرحمن.
[المفتاح الخامس]: رد الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي الحنبلي في كتاب الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب وهو يصف حال حشوية الحنابلة الذين استولوا على كرسي الإفتاء للمذهب الحنبلي في زمانه، وهم القاضي أبو يعلى الفراء -وهو غير المحدث صاحب المسند الحافظ أبو يعلى- وأبو حامد الورّاق وابن الزاغوني، فقال رحمه الله: (ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي، وابن الزاغوني ” فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم علي صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا وجهة هي السبحات ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم ويتنفس، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات وهي تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارمة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا لا نحملها علي توجيه اللغة مثل يد علي نعمة وقدرة ومجيء وإتيان علي معني بر ولطف، وساق علي شدة، بل قالوا نحملها علي ظواهرها، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يجعل علي حقيقته إذا أمكن، وهم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من اضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، وكلا منهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: ” كيف أقول ما لم يقل ” فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه، ثم قلتم في الأحاديث، تحمل علي ظاهرها، وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم ومن قال: استوي بذاته فقد أجراه مجري الحسيات، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنه به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم أحد، إنما حملكم إياها علي الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل الى يوم القيامة، [فصل]: قلت وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه: (أحدها): أنهم سموا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات، وليس كل مضاف صفة، فإنه قال سبحانه وتعالى: {ونفخت فيه من روحي}، وليس لله صفة تسمي روحا، فقد ابتدع من سمي المضاف صفة، (الثاني): أنهم قالوا: إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، ثم قالوا: نحملها علي ظواهرها، فواعجبا ما لا يعلمه إلا الله أي ظاهر له،؟ فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال، (الثالث): أنهم أثبتوا لله تعالى صفات، وصفات الحق لا تثبت إلا بما يثبت به الذات من الأدلة القطعية، وقال ابن حامد من رد ما يتعلق به بالأخبار الثابتة فهل يكفر ؟ علي وجهين، وقال: غالب أصحابنا علي تكفير من خالف الأخبار في الساق والقدم والأصابع والكف ونظائر ذلك وأن كانت أخبار آحاد لأنها عندنا توجب العلم، قلت: هذا قول ما لا يفهم الفقه ولا العقل، (الرابع): أنهم لم يفرقوا في الأحاديث بين خبر مشهور في قوله: (ينزل إلى السماء الدنيا)، وبين حديث لا يصح كقوله: (رأيت ربي في أحسن صورة)، بل أثبتوا هذا صفة وهذا صفة، (الخامس): أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبين حديث موقوف علي صحابي أو تابعي فأثبتوا بهذا ما أثبتوا هذا، (السادس): أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع ولم يتأولوها في آخر كقوله: (ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، قالوا هذا ضرب مثل الأنعام، و روي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: (إذا كان يوم القيامة جاء الله يمشي)، فقالوا نحمله علي ظاهره فواعجبا من تأول حديث رسول الله صلى الله عبيه وسلم، ولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز، (السابع): أنهم حملوا الأحاديث علي مقتضى الحس فقالوا: ينزل بذاته وينتقل ويتحرك، ثم قالوا: لا كما يعقل، فغالطوا من يسمع فكابروا الحس والعقل فحملوا الأحاديث علي الحسيات، فرأيت الرد عليهم لازما لئلا ينسب الإمام إلى ذلك، وإذا سكتُ نُسبت إلى اعتقاد ذلك، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس، لأن العمل علي الدليل، وخصوصا في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد) اهـ([4]).
[ المفتاح السادس]: أمثلة لما وصل إليه حال الحشوية من جناية على عقائد المسلمين: (من كتاب ابطال التأويلات لأخبار الصفات للقاضي أبي يعلى): تدلنا على الحال الذي وصل إليه أولئك الذين لم يطلبوا علم التقديس من اهله والمتخصصين فيه، ومصدر النقل: [كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات، أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (485هـ) تحقيق محمد بن حمد الحمود النجدي، مكتبة دار الإمام الذهبي، الكويت، طـ الأولى 1410هـ.]، احتوى الكتاب (إبطال التأويلات لأخبار الصفات) على عقائد اقل ما يقال عنها التجسيم المحض، منها على سبيل المثال:
(1) استدل برواية باطلة لإثبات أنه على صورة الإنسان: (.. غضب موسى على قومه في بعض ما كانوا يسألونه، فلما نزل الحَجَر قال: اشربوا يا حمير، فأوحى الله إليه: تعمد إلى عبيد من عبيدي خلقتهم على مثل صورتي فتقول اشربوا يا حمير، قال: فما برح حتى أصابته عقوبة) ([5]).
(2) ثم لم يهدأ حتى وصف الله تعالى بأنه في صورة (شاب، أمرد، له نور يتلألأ، جعد، قطط، يلبس نعلين)، وروى في ذلك أحاديث مكذوبة أقل ما يُقال عنها انها موضوعة، وسود في ذلك صفحات كثيرة من الكتاب ليثبت هذه الأوصاف لله تعالى وتقدس عن هذا الكذب والتجسيم، وكلها روايات موضوعة، والمشكلة انه يزعم أنّ من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة فهو: (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد) ، ثم قال: (وليس في قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفور إثبات تشبيه، لأننا نثبت ذلك تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتا ونفسا، ولأنه ليس في إثبات الفَرَاش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش..) اهـ ([6]).
(3) أثبت الذراعين والصدر برواية مكذوبة باطلة، نصها: (خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر) ثم قال: (الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في إثبات الذراعين والصدر، والثاني في خلق الملائكة من نوره) اهـ([7]). ، فأثبت الذراعين والصدر والنور صفات.
(4) لم يتورع أبو يعلى من إطلاق لفظ الشمال على الله،([8]).
(5) أثبت (الإبهام والخنصر والسبابة والتي تليها) بروايات لا يثبت بها شيء حتى في الوضوء، فأثبت الإبهام صفة لله مستدلا برواية منكرة باطلة: (أوحى الله إلى داود: ارفع رأسك فقد غفرت لك .. ومحوت خطيئتك بإبهام يميني) اهـ ، ثم قال أبو يعلى متحذلقا: (وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام) اهـ،، وقال في خبر إسرائيلي تالف باطل: (الخبر على ظاهره في إثبات الأصابعوالسبابة والتي تليها) اهـ، ، ويقول: (الخنصر وهو على ظاهره، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته) اهـ،([9]).
(6) أثبت (الفم) بأثر باطل (كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن عز وجل يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك) ثم قال: (اعلم أنه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه، وأنه: صفة قد ورد الخبر بها) اهـ([10]).
(7) أثبت (اللهوات والأضراس) صفاتا لله، حيث ذكر خبرا باطلا نصه: (يضحك الله .. حتى بدت لهواته وأضراسه) اهـ [1/214]، ثم يقول: (لا نثبت أضراسا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناها) اهـ([11]).
(8) اثبت الساق وأورد روايات موضوعة لا معنى لها إلا التجسيم، فأورد من طريق مقاتل بن سليمان المتهم بالتجسيم قال: (قال عبد الله بن مسعود في قوله عز وجل: (يوم يكشف عن ساق) يعني ساقه اليمين، فيضيء من نور ساقه الأرض، فذلك قوله: (وأشرقت الأرض بنور ربها)، يعني نور ساقه اليمين) اهـ ([12]).
(9) أثبت (القدم والأمام والخلف لله تعالى سبحانه عن حشو المجسمة) برواية باطلة: (إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له: كن أمامي، فيقول: رب ذنبي، فيقول الله: كن خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له خذ بقدمي) اهـ، [1/206] ثم يذكر الرواية الباطلة التالية: (إن الله عز وجل ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه يقول: ادن منا أزلفت لدينا) اهـ، ثم قال: (اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين … ولا نثبت أيضا أماما وخلفا على وجه الحد والجهة، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة ) اهـ ([13]). وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، جعل الفخذ صفة لله تعالى وتقدس، والفخذ من العورة في شريعة الإسلام، حسبنا الله ونعم الوكيل.
(10) أثبت (الجنب) صفة لله فقال: (وأما قوله تعالى: (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) فحكى شيخنا أبو عبدالله رحمه الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله سبحانه) اهـ([14]).
(11) أثبت (الهجو) من جملة الصفات وقال: (واعلم أنه غير ممتنع على أصولنا إطلاق الهجو عليه سبحانه) أهــ([15]).
(12) أثبت (الاستلقاء والاتكاء والقعود، ورفع إحدى الرجلين على الأخرى) وذكر في ذلك رواية موضوعة: (إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: إنها لا تصلح لبشر) ([16]).
(13) أثبت (قعود النبي صلى الله عليه وسلم على العرش مع الله) وأن هذا هو المقام المحمود الذي وعده به ربه، وأن من لم يؤمن بذلك فهو من الفرق الهالكة، وذكر في ذلك روايات، و كل تلك الروايات موضوعة، ثم قال أبو يعلى الفراء معتمدا على الروايات الموضوعة: (فلزمنا الإنكار على من رد هذه الفضيلة التي قالتها العلماء وتلقوها بالقبول، فمن ردها فهو من الفرق الهالكة) اهـ ([17]). ونقل أبو يعلى عن بعضهم تكفير منكر ذلك ..
(14) نقل عن كعب الأحبار أنه قال لمن سأله أين ربنا: (هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى) اهـ ، ثم قال: (اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء: منها جواز إطلاق الاستلقاء عليه، لا على وجه الاستراحة بل على صفة لا نعقل معناها، وأن له رجلين كما له يدان، وأنه يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقلها) اهـ ([18]).
(15) أثبت (التدلي) بقوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) على أن المتدلي هو الله فقال: (فعلم أن المتدلي هو الذي يوحي وهو الله تعالى) اهـ ([19]). يقول هذا مع أن أئمة اللغة قد أجمعوا على أن الضمائر تعود على ما يناسبها ولو بعدت.
(16) لم يتورع عن اثبات صفات بكلام اليهود، فذكر عن كعب الأحبار أنه قال: (إن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إني واط على بعضك، فانتسفت إليه الجبال فتضعضعت الصخرة فشكر الله لها ذلك فوضع عليها قدمه) اهـ،([20]).
(17) اثبت الدنو من الله، أورد رواية (إن الله يدني العبد يوم القيامة) فيقول: (المراد من دنوه الدنو من الذات) ، ويؤكد ذلك فيقول: الدنو دنو الذات([21]).
(18) اثبت النزول على انه نزول حقيقي، فقال (نزول ذاته) يستدل لذلك بخبر موضوع: (إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينـزل نزل بذاته) ، وفي الصفحة التالية يذكر: (هبوط الذات) ([22]).
(19) أثبت (الملل) صفة لله، برواية: (إن الله لا يمل حتى تملوا) ثم قال: (اعلم أنه غير ممتنع إطلاق وصفه تعالى بالملل لا على معنى السآمة والاستثقال ..) اهـ ([23]).
(20) ثم لم تورع حتى أسند رواية إلى الجن بأن الله تعالى قبل خلق السموات والأرض كان مستقرا على الحوت فقد أورد: (عن عبدالله بن الحسين المِصِّيصي قال: دخلت طَرَسُوسَ، فقيل لي ههنا امرأة قد رأت الجن الذين وفدوا إلى النبي e، فأتيتها، فإذا هي امرأة مستلقية على قفاها فقلت: رأيت أحدا من الجن الذين وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: نعم، حدثني عبدالله سمحج قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض ؟ قال: (على حوت من نور يتلجلج في النور) ..) اهـ ([24]).
فهذا بعض ما احتواه الكتاب، ومنه يتبين عقيدة أبو يعلى الفراء وانه على الحشو الصرف، ومذهبه كما جاء في كتابه: أن الله تعالى له الوجه وله الفم وفيه الضروس واللهوات وله العينان وله اليدان، وان يديه اليمين والشمال، وانّ له الذراعان والصدر، وأنّ له خمسة أصابع منها الابهام والخنصر والسبابة، وأنّ له الانامل والساق، وأنّ له الفخذ والقدمين، وأنه يجلس على العرش ويضع احدي رجليه على الأخرى وانه له ثقل يئط منه العرش وان العرش مكانه وانه ينزل على الحقيقة إلى السماء الدنيا، وانه على صورة الانسان وصحح رواية أنه على صورة شاب أمرد، ومحقق الكتاب واسمه: محمد بن حمد النجدي وهو حشوي جلد يزعم أنه كتاب فريد من نوعه تضمن الرد على تأويلات الأشاعرة والمعتزلة والجهمية لأخبار الصفات الإلهية وبيان مذهب السلف فيه، ثم قال موهما القارئ أنّ كتاب أبي يعلى من الكتب المعتمدة الرصينة وانّ كل ما فيه من جرائم في حق علم التقديس إنما هي هفوات: فقال: (والكتاب لا يخلو من هفوات كما هو شأن جميع الكتب فقد أبى الله أن يتم إلا كتابَه كما قال الشافعي رحمه الله) ([25]).
ولنا ان نتعجب من هذا المحقق حيث يرى ان نسبة هذه العظائم إلى الله من الهفوات، واذا كانت هذه هي الهفوات فما هي يا ترى التجاوزات العظيمات، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، والعجب كل العجب عندما يقولون: ليس هناك فرقة ضالة تسمى الحشوية، ويقولون ما نحن بمجسمة فمتى يكون الحشو والتجسيم اذن، لقد سجل الإمام المؤرخ ابن الأثير في كتابه الشهير (الكامل في التاريخ) 8/16 واقعة في أحداث سنة (429هـ) فقال: (وفيها أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله سبحانه وتعالى المشعرة بأنه يعتقد التجسيم،) اهـ، ثم قال ابن الأثير في أحداث سنة (459هـ) حيث كانت وفاة أبي يعلى: (وفي شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي.. وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك) أهــ ([26]).
وقال فيه معاصره أبو محمد رزق الله الحنبلي شيخ الحنابلة ورئيسهم في بغداد، ما لفظه: (لقد شان المذهب شينا قبيحا لا يغسل إلى يوم القيامة) أهـ ([27]).
[المفتاح السابع]: براءة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله من انتساب الحشوية إليه: اشتهر انتساب الحَشْويّة إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ)، ولا ريبَ أنّ الامامَ أحمد إمامٌ عظيمُ القدر، ومن أكبر أئمّة الاسلام، لكن قد انتسب إليه هؤلاء هو منهم بريء، وهذا الإمام ابن الجوزي، الذي لم يأت في الحنابلة بعد الإمام أحمد مثله، يُخاطب ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى وهم من كُبراء الحنابلة، بقوله: ” ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي وابن الزاغوني فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهواتٍ وأضراساً .. ويدين وأصابعَ وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا: يجوز أن يُمس وَيمس، ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم: ويتنفس، ثم يرضون العوام بقولهم: لا كما يعقل ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون: نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: ” كيف أقول ما لم يقل”، فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت ما أنكر عليكم أحد، إنما حمْلكم إياها على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم ..) ([28]).
وقال الشيخ الكوثري: بعنوان: محاولة ابن تَيْمِيَّة بعث الحَشْويّة عن مرقدها: قد استمرّت فتن المخدوعين من الرواة على طول القرون مجلبة لسخط الله تعالى ولاستخفاف العقلاء من غير أن يخطر ببال عاقل أن يناضل عن سخافات هؤلاء، إلى أن نبغ في أواخر القرن السابع بدمشق حرّانيٌّ تجرّد للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحَشْويّة السخفاء، متظاهراً بالجمع بين العقل والنقل على حسب فهمه من الكتب، من دون أستاذٍ يُرشده في مواطن الزلل، وحاشا العقل الناهض، والنقل الصحيح أن يتضافرا في الدفاع عن تخريف السخفاء، إلّا إذا كان العقل عقل صابئٍ، والنقل نقل صبيٍ، وكم انخدع بخزعبلاته أُناس ليسوا من التأمّل للجمع بين الرواية والدراية في شي ء، وله مع خلطائه هؤلاء موقف في يوم القيامة لا يُغبط عليه، ومَنْ درس حياته يجدها كلّها فتناً لا يُثيرها حاظٍ بعقله غيرُ مصابٍ في دينه ” أهـ ([29]).
[المفتاح الثامن]: تسرب أفكار الحشوية إلى الإمام ابن تيمية: الحقيقة المؤسفة التي يعلمها كل من درس الأصول وتخصص فيها أنّ الكثير من أفكار الحشوية قد تسربت إلى الإمام ابن تيمية، تسربت إليه من مؤلفات الحشو التي ظن أنّ لها من اسمها نصيب، وقد سماها أصحابها بكتب السنّة والشريعة والتوحيد، وفيها من الحشو ومحاربة الأصول وهدم الصروح العلمية والقواعد التقديسية والأصول التنزيهية الكثير والكثير مما أضر به، وبأتباعه من بعده، إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف جدد معها بناء المدرسة الحشوية بكل مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد.
إنّ المسلمين على زمان ابن تيمية كادوا يستقرون عقدياً، على مدارس الأصول من الأثرية اتباع السلف الحقيقيون، والأشعرىة والماتريدية، فحول الأصول، الذين هذبوا العقائد وصفوها من شوائب الاعتزال والتجسيم والحشو، وكادوا يستقرون فقهياً، على المذاهب الأربعة وقد نقوا الفقه وصفوه من شذوذات ابن حزم والظاهرية وأنصاف الفقهاء، وكادوا يستقرون في التزكية على أرقى وسائل التزكية والتصوف والإحسان، في مدارس التربية التي تلائم العامة والخاصة، والمسلمين والمحسنين، وآنذاك بزغ نجم ابن تيمية، فهاجم الأصول والفروع والوسائل، وأخذ يهوش على المتخصصين، فنصحوه ووعظوه، فلما خافوا من فتنته للعامة والجهلاء سجنوه وخافوا الله تعالى فيه فلم يقتلوه، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول، وهو والله لا يبلغ قطرة في بحور الأشعرية والماتريدية مصابيح الزمان، وحاملي لواء التقديس والتنزيه مفخرة عقائد الإسلام في كل مكان، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين، ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم بأن حرّم التبرك والتوسل به صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله، ثم أضحك الثكلى بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل الأعمال، فهل كانت الأمة في زمانه على ضلال مبين، حتى انتشلها من الظلام، ثم دخل هو في دهاليز الألغام بان تحدث عن ليث بني غالب وباب العلوم والمعارف أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، بما لا ينبغي، إذ لكل مقام مقال، وهل الرد على الروافض يُجيز له إساءة الادب مع والد السبطين سيدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، ثم تكلم عن الطاهر المطهر سيدنا الحسين، بكلام لا يليق بسيد شباب اهل الجنة وسبط الرسول صلى الله عليه وسلم، وهل التمحل في الدفاع عن يزيد يُجير سوء الأدب مع السادة الكرام، فهذه كلها من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية، فتعجل بتبنيها ونشرها، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة.
فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك، أحد قبل ابن تيمية، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه، وكيف تكون سلفية في مسالة نُخالف فيها السلف، إنّ السلف الصالح كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم، لما له من كرامة عند اللّه، ولم يخطر ببال أحد أن التوسل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم شرك أو ذريعة إلى الشرك، وكان هذا ديدن السلف في جميع العصور، فهل لمنكر التوسل أن يصف نفسه بالسلفية، ثم يتطاول على بقية المسلمين باللقب، فيرميهم بالشرك والضلالة والبدعة والكفران، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية.
لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
لقد ثار الرأي العلمي العام الإسلامي على الشيخ ابن تيمية من جانب الأصوليين المتخصصين في العقيدة، ومن جانب الفقهاء المتخصصين في الفقه، ومن جانب العارفين من الاولياء والصالحين، بل ومن جانب المحدثين كابن حجر وغيره، وهذا دليل على انحرافه عن صراط السلف المستقيم، إذ ليس من الحكمة تخطئة جمهور علماء المسلمين واتهامهم بالسوء والضلال، وتصويب رجل واحد، فمنذ نشر الرجل رأيه حول الصفات الخبرية، وضرورة الاخذ بظاهرها جاءت الاستنكارات عليه من علماء الأصول، وعندما تكلم في التوسل والاستغاثة والزيارة، استنكر ذلك عليه الفقهاء والربانيون، ثم عندما تكلم في الحد السفلي والجهة العدمية وعلم الكلام والمعقول والمنقول، وهو لا يعلم شيئا عن المعقول وضوابطه، قامت عليه السلفية والأثرية، فاجتمعت عليه طوائف العلماء والاولياء والفقهاء (من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) – خيرة أمّة النبي صلى الله عليه وسلم – وقرروا منعه من نشر أخطائه، فلما لم يسكت، أمروا بسجنه، ونفي من بلد إلى بلد، وتعرض لاعتقال بعد اعتقال، إلى أن منع من القرطاس والكتابة، حتّى مات في السجن ممنوعاً من كل شيء، ولو كان علمه صافياً لما تعرض لسخط كل هؤلاء العلماء، ولأنتصب له من الطوائف من ينصره في مظلمته، والجميع يعرفون أنّ مشاكله علمية وحسب، ولم تكن سياسية قط حتى نقول أنّ الحكام تمالئوا عليه، وظلموه، لقد كانت مشاكله علمية مع علماء عصره، فإنّ جماهير العلماء كانوا يخالفونه فيما يبديه من الآراء الشاذة، المخالفة لما هو المشهور المجمع عليه بين العلماء، في مجال الأُصول والفروع.
لقد ترجم للشيخ ابن تيمية مجموعة من تلامذته ممن تأثر به، ومن الطبيعي أن يزيد التلميذ في حق استاذه، فأسرفوا في الثناء عليه، وفي مقدمتهم الذهبي، لأنّه لاشك تلميذه وقد تأثر بأفكاره كثيرا، والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، وتابعهما عبد الحي بن عماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب، وابن رجب الحنبلي في الذيل على طبقات الحنابلة، والسيوطي في طبقات الحفاظ، ولا شك أنّهم ذكروا الجانب الحسن من علمه وحياته، لكنّهم تعاطفوا عليه لكونه قضي أكثر حياته في السجون، فلم يتوسعوا في ذكر الجانب السيء من علمه وحياته اكتفاءً بما لقيه من عقاب من الفقهاء والقضاة جراء أخطائه، أما الناظر الحصيف، فإنّه يعلم شذوذه في أقواله التي خالف فيها العلماء، لأنّه كان هناك اتفاق بين علماء وأكابر الفقهاء في عصره على أنّه يصدر عن عقائد وآراء في مجال العقائد والأحكام تخالف الرأي العام بين أهل السنة والجماعة، ولأجل ذلك كانوا يصدرون الحكم عليه بعد الحكم، ويعاقبونه مرة بعد أُخرى، حتى منعوه من الكتابة قبل وفاته خوفا من تأثر العامة به.
[المفتاح التاسع]: الدعوة الوهابية وما تسرب إليها من أفكار الحشوية: تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الإمام ابن تيمية بقوة السيف والسنان، ولكن أيضاً: كانت له كذلك اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا.
ففي مجال توحيد الألوهية: أخطأ في تفسير العبادة، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له الربوبية واتحقاق العبودية، فلما رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ ظنّ أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، فأدى ذلك إلى الغلط في تصور العبادة والشرك المقابل لها، وإنّ الغلط في تفسير العبادة، كان المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، الذي أُستحلت به دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، وتقاطعت فيه أرحام أمر اللّه بها أن توصل، نعوذ بالله من الفتن، و كما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الاكبر، والخطأ في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وقد أدى ذلك إلى أن استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام، نعلم كيف كانت (الغزوات) على أعراب نجد والحجاز، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان، لا مسلمين يقولون (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ويعتقدون أنّه لا إله ولا رب لهذا الكون إلا الله، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون به لله.
[المفتاح العاشر]: حال الجاهل بعلم التقديس : الجاهل بعلم التقديس وقواعده واصوله يخبط في العقيدة خبط عشواء وعمياء، فلا هو يعرف مقدمات الإلهيات ولا هو يعرف أسس التنزيه، وبالتالي فهو لا يعرف قيمة التخصص في هذا العلم ولا هو أيضا يحترم المتخصصين فيه، وقد يسول له الشيطان انه يدافع عن ظواهر بعض النصوص من الكتاب والسنّة وهو لا يعلم انها من المتشابهات التي يجب ردها إلى محكماتها، تلك المتشابهات التي لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ نسال الله السلامة، وأهل الحشو حالهم يُرثى له، فهم لم يكتفوا بالجهل بعلم التقديس وحسب، بل ناصبوا العداء اهل التخصص، ثم أضافوا إلى ذلك تتبع المتشابهات، فكان حالهم شر حال، ومما يدل على ذلك نظرة عابرة إلى معتقداتهم التي تنم على الجهل والحشو والتجسيم وسوء الاعتقاد.
فها هو مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) أحد رموز هذا التيار يزعم أنّ الله تعالى جسم وله جوارح وأعضاء من يد ورجل وعينين، وها هو هشام بن سالم (ت 183 هـ)، واتباعه السالمية، وهو الذي كان يعتقد في معبوده أنه على صورة إنسان، أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء، وها هو المجسم محمد بن كرام السجزي (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده جسم لا كالأجسام ،وانّه مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وأنّ الذات الإلهية محل للحوادث، وأن معنى الاستواء هو الجلوس، فهو مستو على العرش بمعنى أنه جالس عليه كما يجلس الواحد منا على الكرسي، وأتباعه هم الكرامية المجسمة، وها هو أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي: (ت 282 هــ) وهو الذي زعم أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وأن الله حي ودليل حياته الحركة والانتقال وأن الفرق بين الحي والميت هو الحركة، وها هو ابن أبي عاصم (ت 287 هــ) وكان ظاهريا حشوياً يابسا يزعم أن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، يقصد بعض الرحمن، وكأن سورة الإخلاص لم تبلغه وفيها الأحد تقديس عن الأبعاض والأجزاء، ومنها أن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش.
وكتاب السنّة لعبد الله بن الإمام أحمد (ت 290 هــ) هذا إن صحت نسبة كتاب السنة إليه وهذا فيه شك كبير، لأنّ فيه أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، وأبوه الإمام أحمد كان يجل الإمام أبي حنيفة أيما إجلال، بل في بعضها تكفيره، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع.
وها هو الخلال (ت 311 هــ): كان يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق كافر، وابن خزيمة (ت 311 هــ) صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، باب الوجه باب العين باب اليد باب الساق، ومما فيه من نسبة المحال إلى الله، أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وأن جنة عدن مسكنه، وأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو، وها هو البربهاري، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه معه على العرش، وأن من أنكر هذا القعود فهو جهمي كافر، وابن بطة الوضاع الكذاب المتهم بوضع الأحاديث وسرقة الكتب وكتابه الإبانة يعد موسوعة في عقيدة الحشو وهو من أوائل من تولى إثم نبذ الأشاعرة بالتجهم وكتابه مبني على التكفير للمخالفين له، أثبت لله صفات الضحك والتعجب على الحقيقة وأنه على العرش بذاته وأنه خلق آدم على صورته، وأكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات وتكفير المعارضين له، وها هو (القاضي أبو يعلى) وعقيدته كما جاءت في كتابه إبطال التأويلات: أن الله تعالى له الوجه وله الفم وفيه الضروس واللهوات وله العينان وله اليدان، وان يديه اليمين والشمال، وانّ له الذراعان والصدر، وأنّ له خمسة أصابع منها الابهام والخنصر والسبابة، وأنّ له الانامل والساق، وأنّ له الفخذ والقدمين، وأنه يجلس على العرش ويضع احدي رجليه على الأخرى وانه له ثقل يئط منه العرش وان العرش مكانه وانه ينزل على الحقيقة إلى السماء الدنيا، وانه على صورة الانسان وصحح رواية أنه على صورة شاب أمرد له فروة ، ومن بعدهم الهروي وكان يعتقد انّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وانّ الله عز وجل يضع قدميه على الكرسي، أضف إلى وقيعته في السادة الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان يحكي تكفيرهم، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث.
فانظر إلى الجهل بعلم التقديس كيف يفعل بأهله، (أولا) جهلوا الواجب والجائز والمستحيل في حق الجليل سبحانه، (ثانيا) ناصبوا العداء لهذا العلم ولأهله المتخصصين فيه، واتهموهم بأبشع الاتهامات، (ثالثا) كانوا حجر عثرة امام علم التقديس وحرموا الامة من صفاء هذا العلم بالتشغيب عليه، ولك ان تتعجب فهؤلاء هم سلف ابن تيمية في العلم، وإذا قال السلف فيقصد هؤلاء، وكانت النتيجة أن تبنى عقيدة الحشو، التي سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين، فعادى التقديس وعادى أهله وهو يحسب انه من المهتدين، ووقع في أخطاء أبرزها: تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة، وتورط في نسبة الحوادث إلى الله ، وقال عن صفات الله أنها قديمة النوع حادثة الآحاد، قوله على صفات الله كالعلم والسمع والبصر والكلام أنها قديمة النوع حادثة الآحاد، وهي بدعة غريبة يحتار لها اللبيب لأنها من المحالات والمستحيلات لأنه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل بالأصول، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، وبلغ به الجهل أن نسب علم (التقديس وقواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة) إلى علوم اليونان وفلسفتهم، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، قال تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 84]، ولأنهم متخصصون علموه، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين، وتورط في شن حملاته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا، وحارب تخصصاتهم، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة، تورط في معاداة أكابر علماء عصره، وهاجم الأكابر ولم يتحر الأدب الواجب مع أكابرهم، وصال عليهم وجال، واحتاطوا في تأديبه فلم يأمروا بقتله وإنما امروا بسجنه حتى يحفظونه من شر نفسه، ويحفظون الناس من غرائبه وتشدداته.
فهل يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات: أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن السلفية والسلف، وقد علمنا من هم سلف ابن تيمية الحقيقيون، نسأل الله السلامة من البدعة والضلال ونسبة المحال إلى الرحمن، لقد أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما زهدوا في هذا العلم (علم التقديس): الذي تعتبر مقدماته الأصول لفهم عقيدة أهل الإسلام، وأنه لا يجوز لاحد ان يتكلم في عقائد المسلمين قبل أن يدرس هذا العلم ويتقنه، إنّ علم التقديس والتنزيه هو من أشرف علوم الإسلام وأعلاها لأنّه يتعلق بالعلم بالله تعالى، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه، وما يجب له من صفات الكمال والجلال والإكرام، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم، وهو علم يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تمنع من الحشو والتجسيم والتمثيل والتعطيل، ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات، منزه عن كل ما يخطر بالبال.
إنّ قواعد التقديس والتنزيه لازمة لكل متكلم في عقيدة أهل الإسلام، حتى يصح له التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية، ذلك المنهاج الذي يمثل الميزان الرباني بين الإثبات والتنزيه ولأنه إيمان الراسخين في العلم الذين يؤمنون بالمتشابه ويردونه إلى محكمه ويقولون آمنا به كل من عند ربنا، ولأنه المنهج الأوحد المؤهل لجمع المسلمين وتوحيد كلمتهم بعيدا عن الانحراف، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب.
***
الخاتمة واهم التوصيات
(1) هذه الرسالة: مفاتيح (علم التقديس) [قسم توحيد الذات أعظم أقسام التوحيد] تهدف إلى تأصيل مباحث التقديس والتنزيه بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنّة، وبيان المفاتيح العلمية الرصينة لهذا العلم، وتحدثا بنعمة الله تعالى وفقني الله تبارك وتعالى إلى جمع أكثر من ثلاثمائة وخمسين مفتاحا يتعلق بهذا العلم الشريف، أشار إليها علماء أهل السنّة والجماعة الأصوليين المتخصصون في علم العقيدة، وهو من العلوم المفقودة لدى اهل الحشو والتجسيم تماما حتى زعم بعضهم أنها من علوم اليونان، وهي كما ترى لا تخرج عن ادلة الكتاب والسنّة قيد انملة فإنّا لله وإنا إليه راجعون، والذي اعتقده وأراه أنّ هذا العلم – علم التقديس والتنزيه – يمثل حلقة الوصل المفقودة في علم العقيدة التي من خلالها يمكن الوصول إلى ذروة الفقه لعقائد الإسلام العظيمة الصافية، والتي يمكن من خلالها تحقيق التقارب الشرعي الصحيح بين مختلف طوائف المسلمين، عن طريق تصحيح المفاهيم حول علم التقديس الذي يستمد ادلته من الكتاب والسنّة.
(2) أهمية علم التقديس والتنزيه ودوره في تصحيح مفاهيم علم التوحيد القاصرة لدى البعض، ودوره في تحقيق التقارب والتكامل بين المسلمين: إنّ علم التقديس والتنزيه هو أشرف علوم الإسلام وأعلاها لأنّه يتعلق بالعلم بجناب الذات الإلهي وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتمثيل والتجسيم، وإذا كان أعظم العلوم والمعارف في دين الله تعالى بعد الإيمان هو التوحيد، وإذا كان أجل أقسام التوحيد هو توحيد الذات، فإن علم (التقديس): هو العلم الراسخ بقسم توحيد الذات وما يجب له سبحانه من معاني التقديس والتنزيه، وتحدثا بنعمة الله الكريم أني ما إن استوعبت علم التنزيه وقواعده الرصينة حتى أحسست أنه العلم اللازم لتحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة وأنّ الإحاطة بعلم التقديس والتنزيه له أعظم الدور في تصحيح مفاهيم علم التوحيد، وأعظم الأثر في تحقيق التقارب بين المسلمين عامة، وبين طوائف أهل السنّة والجماعة خاصة، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
(3) خطورة التصدر للإفتاء في علم العقيدة قبل دراسة هذا العلم واستيعابه: إن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن ذات الله تعالى وعن صفاته وأفعاله، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يضبط مسائل هذا الباب، وأشد من ذلك خطرا أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة، من لا يعرف هذا العلم الراسخ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة.
(4) أهم القواعد المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمهد لفقه قواعد التقديس، (القاعدة الأولى): الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار: الله خالق كل شيء، ومن خلقه المكان والزمان والحد والمقدار، وهو الواحد القهار قهر الجميع بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، (القاعدة الثانية): الله تعالى هو الأول الآخر الظاهر الباطن، تلازم الاسمين (الأول الآخر): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان، وتلازم الاسمين (الظاهر الباطن): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، (القاعدة الثالثة): الله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، دلت الآية على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها فهو منتف عن ذات الله تعالى، وإذا كانت كل المخلوقات متماثلة في ذواتها بالجسمية، ولوازم الجسمية فوجب نفي الجسمية ولوازمها عن الله تعالى، (القاعدة الرابعة): الله تعالى هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وهي تشتمل على أربعة أصول عظيمة تقوم عليها عقيدة اهل الإسلام، (الأصل الأول): وصف الله تعالى بالأحدية، و(الأحدية) نفي الكثرة في ذات الله، فالله (واحد): لا شريك له، (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، و (الأصل الثاني): وصف الله تعالى بالصمدية ومعناها الغنى المطلق والكمال المطلق، له تمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، (الصمد) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج، و(الأصل الثالث) {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث فلا يكون منه شيء سبحانه ولا يكون هو من شيء، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وصف لله تعالى بالقدم الذاتي الأزلي {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، و(الأصل الرابع): {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}:تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق لأن له الكمال المطلق والغنى المطلق، ولها العجز والحاجة والفقر إليه، لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن، (القاعدة الخامسة): الله تعالى هو العني الحميد، الغني تقديس عن الحاجة لأنّ له الغنى الذاتي مقدس عن النقص والحاجة، والحميد كمال مطلق مستحق للحمد من كل جانب، في ذاته وصفاته وأفعاله، (القاعدة السادسة): الله تعالى هو الكبير المتعال، أكبر من كل تصور، وهو الكبير المتعال على الحدود والنهايات، الله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار، وكل محدود فإنه يجوز أن يكون ما هو أكبر منه، والله أكبر من كل تصور وهو الكبير المتعال الذي تعالى عن النهايات، (القاعدة السابعة): فقه العلم بالقرب مع الاستواء مع الإحاطة في حق ذات الله تعالى: عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة والكون في المكان، (الاستواء): استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، مفتاح الاستواء هو قوله تعالى {يدبر الامر}، فجرى مجرى تفسير الاستواء، كما أن (القرب): في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن (المعية): في قوله تعالى {وهو معكم أينما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، لقد ذكر الاستواء في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية، أما جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، (القاعدة الثامنة): فقه المراد بالوجه واليد والعين في القرآن الكريم: أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا: قال تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} [محمد: 38] ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق.
فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة، لا يمكن إنكارها ومثالها: قوله تعالى {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[البقرة: 112]، فهل المقصود إسلام الوجه، أم الذات كله، لا شك أن المقصود الذات، لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح.
والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما، كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله، وقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات.
والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التى تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، فقوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، منزه عن الجارحة والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
(5) أهم قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المتعلقة بذات الله تعالى: (القاعدة الأولى): تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق، (القاعدة الثانية): تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان، (القاعدة الثالثة): تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء، (القاعدة الرابعة): تنزيه ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، (القاعدة الخامسة): تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق، (القاعدة السادسة): تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال التي تتصف بها ذات المخلوق، (القاعدة السابعة): تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، (القاعدة الثامنة): تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق، (القاعدة التاسعة): تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق، (القاعدة العاشرة): تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق، (القاعدة الحادية عشرة): تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، (القاعدة الثانية عشرة): تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة، (القاعدة الثالثة عشرة): تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكف والمثيل، (القاعدة الرابعة عشرة): تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره، (القاعدة الخامسة عشرة): رؤية الله تعالى في الآخرة.
(6) أهم مدارس هذا العلم (علم التقديس) المتخصصة فيه ثلاثة (المدرسة الأولى هم: السادة الأثرية: الذين يفوضون علم المتشابه إلى الله تعالى وهم على وفاق تام مع السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية في علم التقديس والتنزيه، وأئمة الاثرية الأئمة الاكابر مالك والشافعي واحمد وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وأكرم بهم من أئمة في الدين، ومن أجمل المراجع العلمية لهذا الاتجاه، رسالة (الأسماء والصفات) لفخر الحديث وأهله الإمام البيهقي، وهي من أهم مراجع العقيدة الأثرية، وكتاب شرح النووي على صحيح مسلم، وقد تتبعت مباحث العقيدة في كتابه القيم المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، والمشهور بشرح النووي على صحيح مسلم، وهو أهم الشروح على صحيح مسلم، فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً لعقيدة أهل الأثر، وأمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني، صاحب كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري، وهو من أعظم كتب تفسير الحديث وأجمعها، لا يستغني عنه طالب علم، وهو يجمع فيه شروح العلماء قبله على صحيح البخاري، وينقل عن شراح كتب السنة الأخرى كشرح النووي على صحيح مسلم وشرح الخطابي لسنن أبي داود وكلام البغوي في شرح السنة وغيرهم، حتى صار بحق أحد أعظم دواوين الإسلام المعتبرة، ومصادره العلمية المهمة، وقد تتبعت مباحث العقيدة فيه فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً كاملاً لعقيدة أهل الأثر، والمعبرون عن الأثرية من الحنابلة: يعتبر أفضلهم بعد الإمام احمد رحمه الله، والذين تكلموا في العقيدة على منهاج المتخصصين الإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري، (ت 597 هـ) في كتابه الباز الأشهب في الرد على منتقضي المذهب، والمسمى كذلك دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، رد فيه على حشوية الحنابلة، الذين تكلموا في العقيدة بغير علم ولا هدى، وكان يُخاطب ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي وهم من كُبراء حشوية الحنابلة، وكتابه الباز الأشهب من خير الكتب التي ردت على بدعة الحشو والتجسيم، ومن الكتب المعبرة عن مذهب الأثرية كتاب أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشبهات) لمرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي (ت: 1033 هـ)، وكتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر لعبدالباقي بن عبدالباقي بن عبدالقادر، وكتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية وكلاهما للشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي.
(7) (المدرسة الثانية) من مدارس أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة هم (السادة الأشاعرة): وهم بحق وصدق المتخصصون في العقيدة، أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله (270 ه إلى 330 ه)، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة، نصر الحديث، وكسر هجمة المعتزلة والمجسمة على الدين، وهو يعد عند جمهور أهل التخصص في العقيدة المجدد الثالث للدين بعد عمر بن عبد العزيز الذي حفظ الله تعالى به السنّة ثاني مصادر الدين عند المسلمين، فامر بتدوينها، والشافعي الذي نصر الله تعالى به السنّة وربط الفقه بالسنّة وملأ علمه طباق الأرض، والثالث الأشعري الذي نصر الله تعالى به عقائد أهل السنّة فأظهرها وأصلها ونافح عنها ضد جميع أهل البدع، والأشاعرة: هم الذين وقفوا في وجه المعتزلة، فزيفوا أقوالهم، وأبطلوا شبههم، وأعادوا الحق إلى نصابه على طريق سلف هذه الأمة ومنهجهم، والإمام أبو الحسن الأشعري لم يؤسس في الإسلام مذهباً جديداً في العقيدة، يخالف مذهب سلف هذه الأمة، وإنما هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم، وإبطال شبههم، فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إظهار الحق والدفاع عنه، وعن اهل السنّة والجماعة وتثبيت مذهبهم.
كما أن عظماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة، كالباقلاني، والقشيري، وأبي إسحاق الشيرازي، وأبي محمد الجويني، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وفخر الدين الرازي، وابن عساكر، والعز بن عبد السلام، وأبناء الأثير، والرافعي، والنووي، والسبكي وابن السبكي، والمزي، والعراقي، وابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيتمي-، والسيوطي، والأنصاري، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس، ويضيق بعده القرطاس، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا، ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين.
والأشاعرة لم يبتدعوا مذهباً، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان، وفي فضل الأشاعرة قال الحافظ ابن عساكر: (وهم – يعني الأشاعرة – المتمسكون بالكتاب والسنة، التاركون للأسباب الجالبة للفتنة، الصابرون على دينهم عند الابتلاء والمحنة، الظاهرون على عدوهم مع اطراح الانتصار والإحنة، لا يتركون التمسك بالقرآن والحجج الأثرية، ولا يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة ويتنكبون طرق المعطلة، ويَطَّرِحون تفريط المجسمة المشبهة، ويفضحون بالبراهين عقائد الفرق المموهة، وينكرون مذاهب الجهمية وينفرون عن الكرامية والسالمية، ويبطلون مقـالات القدرية ويرذلون شُبَهَ الجبرية… فمذهبهم أوسط المذاهب، ومشربهم أعذب المشارب، ومنصبهم أكرم المناصب، ورتبتهم أعظم المراتب فلا يؤثر فيهم قدح قـادح، ولا يظهر فيهم جرح جارح) اهـ. [تبيين كذب المفتري، ص 397]، والأشاعرة مدرسة أصولية متكاملة: فمن فضل الله تعالى على أمة الإسلام، أن سخّر للأمة أعلام الأشاعرة علماء العقيدة الذين أنقذ الله تعالى بهم الأمة من التجسيم والحشو والاعتزال، صاغوا المنهج الحق، القائم على الكتاب والسنّة، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة، في باب الإيمان والكفر، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد، وباب السنّة والبدعة، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات، بما لا مزيد عليه، توسطاً واعتدالاً و، وصحة وبياناً.
وكان منهاج هؤلاء يقوم على محاور: أهمها: الأول: دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة، والمحور الثاني: الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة، الثالث: قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم، وقائمة أسمائهم طويلة، ومن أبرز هؤلاء الأئمة – على مر عصور الإسلام -: أبو بكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، و أبو منصور عبد القاهر البغدادي (ت ٤٢٩ هـ)، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ)، وحجة الإسلام الإمام الغزالي (ت ٥٠٥ هـ)، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (ت ٥٤٨ هـ)، وأبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)، وأبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي (ت ٦٣١ هـ)، والقاضي عبد الرحمن بن أحمد عضد الدين الإيجي (ت ٧٥٦ هـ)، ومسعود بن عمر بن عبد الله المعروف بسعد الدين التفتازاني (ت ٧٩١ هـ)، والسيد علي بن محمد بن علي الحسيني المعروف بالسيد الشريف شارح « المواقف » (ت ٨١٦ هـ)، وعلاء الدين علي بن محمد السمرقندي المعروف بالقوشجي (ت ٨٧٩ هـ)، والإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي (ت 895 هـ)، صاحب الرسائل المهمة في العقيدة، العقيدة الكبرى، مع شرحها، والعقيدة الوسطى، وشرحها والعقيدة الصغرى (أم البراهين)، وشرحها، وعقيدة صغرى الصّغرى، والإمام إبراهيم اللقاني المالكي (ت 1041 ه)، مؤلف متن جوهرة التوحيد، أحد أهم متون علم العقيدة والكلام عند أهل السنة والجماعة من الأشاعرة، والإمام شيخ الأزهر الشيخ إبراهيم بن محمد بن أحمد الشافعي الباجوري (ت 1276 هـ) أحد أبرز شّراح جوهرة التوحيد، فهؤلاء هم من أبرز أئمّة الأشاعرة الذين كان لهم دور بارز في إظهار عقائد أهل السنّة والجماعة على مذهب الأشاعرة.
(8) (المدرسة الثالثة) من مدارس أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة هم: (السادة الماتريدية): ينتسبون إلى الإمام أبو منصور الماتريدي ومدرسته هي توأم المدرسة الأشعرية، وهما بحق جناحا اهل السنة في التعبير عن عقائد الكتاب والسنة، وكلاهما يفضل مذهب الاثرية (الفويض): عند عدم الفتنة ويلجؤون إلى (التأويل) المنضبط بقواعد الشرع عند انتشار البدع العقائدية كالحشو والتشبيه والتجسيم والتجهم والاعتزال، والماتريدية هي المدرسة الثالثة من مدارس أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، أسسها إمام الهدى ابو منصور محمد بن محمد السمرقندي الماتريدي، وهو إمام المتكلمين في زمانه ورئيس أهل السنة والجماعة وناصر السنة وقامع البدعة محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي الأنصاري، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، مضيف النّبي الأكرم صلَّى الله عليه و سلَّم في دار الهجرة، وقد وصفه بذلك البياضي في “إشارات المرام”، ولقبه أبو منصور الماتريدي نسبة إلى ماتريد، وهي محلة بسمرقند فيما وراء النهر.
وتعتمد أسس الماتريدية على المذهب الحنفي في العقائد والفقه و الكلام حيث تلقَّى مؤسس الفرقة أبو منصور محمد بن محمد الماتريدي السمرقندي العلم والحديث على يد نصير بن يحيى البلخي وابي نصر أحمد بن العياضي ومحمد بن مقاتل الرازي وجميعهم من كبار علماء المذهب الحنفي، وكان لأنصار أبي منصور الماتريدي الدور المهم في انضاج المذهب ونصرته ونشره وإشاعته، فقد كافحوا المعتزلة والمجسمة والحشوية وكان على رأسهم في تحمل تلك المسؤولية الجسيمة كبار علمائهم ومفكريهم أمثال: أبي اليسر محمد بن محمد البزدوي وأبي المعين محمد بن محمد النسفي ونجم الدين عمر بن محمد الحنفي النسفي وغيرهم من العلماء، لهم كتب لا تحصى.
(9) الأشاعرة والماتريدية هم غالب علماء الأمة: مذهب الأشاعرة ومن وافقهم من أهل السنة هو المذهب الذي عليه سواد الأمة وأكابر أهل الفضل فيها: فأكابر مفسرى الأمة من الأشاعرة والماتريدية، وأكابر محدثي الأمة وحفاظها من الأشاعرة والماتريدية، وأكابر فقهاء الأمة من الأشاعرة والماتريدية، كما أن أكثر كتّاب سيرة المصطفي صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة والماتريدية، وكذلك من صنف في التواريخ من الأئمة غالبهم من الأشاعرة والماتريدية، والصروح الشامخة والمراكز العلمية التي كانت تنشر علوم الإسلام في بلاد المسلمين كانت تدرس المذهبين الأشعري والماتريدي، مثل الجامع الأزهر في مصر، وجامع القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس، والجامع الأموي في دمشق، وندوة العلماء في الهند، وغيرها من منارات العلوم المبثوثة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، كلها كانت تتبنى إما مذهب الأشاعرة أو الماتريدية.
(10) الحشوية طائفة موجودة معروفة ولا سبيل إلى إنكار وجودها، وهم أكبر خطراً على أمة الإسلام من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، يرومون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي، ينتسبون إلى السلف، والسلف برآء منهم، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيون – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم.
(11) من مفردات مذهب الحشوية: الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق، ويشنون حروبا لا داعي لها – بين الحين والآخر – على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وصقلت مدارسهم الفقهية على مر عصور الإسلام كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، فأيهما أجدى البناء على ما بنوه فيرتفع البناء عاليا، أم هدمه والتشكيك فيه، مع استحالة إتقان ما أتقنوه، واستيعاب ما استوعبوه، ويشنون حروبا لا داعي لها على التصوف برمته، صالحه وطالحه، ويدّعون أن له أصل من اليهودية أو النصرانية أو البوذية، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين والأدعياء، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله، فهل جميع أولئك على ضلالة، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّ آثارها السيّئة، كانت ولا زالت تهدم تخصصات الإسلام، وتنخرُ القلاع العلمية الحصينة، التي أسّسها الاسلام، وبناها علماء المسلمين طوال القرون.
(12) لماذا سماهم أهل العلم بالحشوية: قد سماهم أهل العلم بالحشوية:
(أ) لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة، في أبواب العقيدة وما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم والتشبيه والتمثيل ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف.
(ب) لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية، وبكل ما يخالف صريح العقل، وهم أبعد الناس عن العقل، فالشيعة على بدعهم، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف السفهاء، من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما.
(ت) لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات: لأنّهم أهل التناقض، فهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وذاك إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان، والملك والملكوت، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ويقولون ” لا يعقل ” وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات.
(ث) لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة،
(13) تاريخ تسلسل ظهور بدعة الحشوية: أمّا تاريخ تسلسل ظهور الحشوية: فقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، في أقوال المحدثين ورواياتهم، حتى ظهر مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) حيث ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه، لقد أصبح التجسيم والتشبيه بعد هذا المفسر الضال المبتدع مدرسة متكاملة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده من جهلاء المفسرين والمحدثين، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية، ثم ظهر محمد بن كرام السجزي (ت 255 هـ)، وأتباعه هم الكرامية، تمكنوا بتدثرهم بلباس الزهد أن يسربوا بدعهم إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية، ومن أتباع ابن كرام أبو عبد الله محمد بن الهيصم الذي اجتهد في ترميم مقالة ابن كرام حتى ردها من المحال الفاحش إلى نوع يُفهم بين العقلاء، فمن ذلك أنه عدل بإثبات الجسم إلى معنى زعم أنه المراد وهو القائم بالذات، وهذا هو الرأي الذي مال إليه ابن تيمية رحمه الله. ومنه أيضاً أنه زعم أن الفوقية بمعنى العلو مع إثبات البينونة غير المتناهية بينه وبين خلقه.
ثم تسربت مقالات التجسيم والحشو إلى كتب حديثية كُتبت على منهج أهل الحشو ونُسبت إلى أهل السنّة والجماعة، وهي إلى عقيدة الحشو والتجسيم أقرب، ومن ذلك:
(1) كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد: لعثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)، (2) كتاب السنة لابن أبي عاصم، (3) كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (290هـ)، (4) كتاب السنة للخلال، (5) كتاب التوحيد لا بن خزيمة، (6) كتاب الصفات المنسوب للدارقطني، (7) كتاب التوحيد لابن منده، (8) كتاب العرش وما روي فيه: لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة، (9) كتاب الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي (ت 481 هـ).
وأهم أغلاط هؤلاء المصنفين على وجه الإجمال أنّهم:
(أولاً): جمعوا فيها أخباراً متفرقة فأحدث هذا الجمع في دلالتها تقوية لظاهرها الموهم كما سبق في الكلام على التفويض.
(ثانياً): لم يفرقوا فيها بين النصوص التي تتفاوت دلالة وثبوتاً فمثلاً جعلوا قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) مع الأخبار المنكرة التي تتحدث عن القعود على العرش وأطيط العرش من ثقل الجبار فوقه، وجعلوا هذين المتفاوتين من أدلة الاستواء على العرش.
(ثالثاً): أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا، بل ربما عارضوا ما هو مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرويات عن أحد التابعين. ومثال ذلك تفسير المقام المحمود بالإقعاد على العرش. بل لم يفرقوا بين حديث نبوي وخبر إسرائيلي، فربما جعلوا ما لقول الرسول صلى الله عليه وسلم من القدسية والمكانة ثابتاً لقول أهل الكتاب. ومثال ذلك ما ذكروه في الاستلقاء على العرش ووضع إحدى رجليه على الأخرى وغير ذلك مما هو مبسوط في الشبه السمعية.
(رابعاً): أنهم لم يفرقوا بين منقول بالتواتر من الكتاب والسنة وخبر لم يصح سنده فأثبتوا بالثاني ما أثبتوه بالأول
(14) براءة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله من انتساب الحشوية إليه: اشتهر انتساب الحَشْويّة إلى مذهب أحمد بن حنبل (ت241هـ)، ولا ريبَ أنّ الامامَ أحمد إمامٌ أهل السنّة والجماعة في زمانه، ومن أكبر أئمّة الاسلام، لكن قد انتسب إليه هؤلاء لتمرير بدعتهم، وهو منهم بريء،، وقد تقدم مخاطبة الإمام ابن الجوزي الحنبلي، الذي لم يأت في الحنابلة بعد الإمام أحمد مثله، لحشوية الحنابلة ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي، ومن نظر في كتابه الباز الأشهب علم مدى الحشو الذي وصل إليه هؤلاء، حيث قال في خاتمة كتابه: (ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال، لم يعجبهم لأنهم أَلِفُوا كلام رؤسائهم المجسمة فقالوا: ليس هذا المذهب . قلت: ليس مذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم، فقد نزهت مذهب الإمام أحمد، ونفيت عنه كذب المنقولات، وهذيان المقولات) اهـ، ومن نظر في كتاب ابطال التأويلات للقاضي أبي يعلى علم ما وصل إليه القوم من الحشو والتجسيم وقلة الحياء في نسبة المحال إلى الله تعالى وتقدس.
(15) تسرب الأفكار الحشوية إلى الشيخ ابن تيمية: ابن تيمية: لم يكن يحترم تخصص العلماء، ولم يدع علماً من علوم الإسلام إلا تكلم فيه وخالف أهله بما يراه هو حقاً، ولكن كانت تنقصه دقة المتخصصين في العلم في كثير من الأحيان.
ففي مجال علوم العقيدة، وقع في أخطاء أبرزها: (أ) أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين. (ب) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك، ولو كان له معنى لما كان متشابها، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض – وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي – من شر مذاهب الفرق الضالة، (ت) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنّه متعذر في كل الصفات (ث) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض، (ج) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، (ح) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء، (خ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة، (د) نسب علم (التقديس وقواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة) إلى علوم اليونان وفلسفتهم، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، قال تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 84]، ولأنهم متخصصون علموه، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام علم العقيدة، الفقه الأكبر في الدين، (ذ) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا، ودمّر تخصصاتهم، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة، (ر) لم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير، (ز) لم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك، (س) لم يضبط مسائل البدعة والسنّة على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً وهوسا ووسوسة في التبديع والتضليل، (ش) انفرد عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة، ومن ذلك: إنكاره المجاز في القرآن واللغة مع أنّه معلوم من اللغة بالضرورة، ولا يمكن انكاره لا من اللغة ولا من القرآن بحال من الأحوال، فالمجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين، وليس يفيده بحال، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى أو وضع لفظ مكان آخر – وهذا في السنّة كثير -، ومع هذا الاحتمال، فلا يبلغ بحال ما يفيد المتواتر من مرتبة اليقين، لاشك أنّه يوجب العمل، ولكنّه لا يفيد اليقين ما كان في مرتبة الآحاد، وفي مجال الفقه: كان يشن بين الحين والآخر حروبا على أهله المتخصصين فيه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، واتباع الكتاب والسنّة، أضف إلى ذلك قيام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وكان من بركاتهم أن صقلت مدارسهم الفقهية – على مر عصور الإسلام – كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، وفي مجال التزكية والتصوف: أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف، مع أنّ الاولى كان ترشيدها بالنصح والإرشاد واللين والرفق لا محاربتها، وتجريح أكابرها، وفي مجال الموقف من آل البيت رضوان الله تعالى عليهم، أدى رده على الشيعة الضالة إلى الانحراف عن آل البيت، فخانته ألفاظه عند الحديث عن أمير المؤمنين خليفة المسلمين الرابع علي رضي الله عنه، وضعّف في فضائله أحاديثاً ليست بضعيفة، وحكم على أخرى بالوضع، ولا تبلغ هذا الحد، وخانته ألفاظه عند الحديث عن سيد شباب أهل الجنّة الحسين رضي الله عنه، وموقفه من أوضاع الأمة زمان يزيد، وفي مجال المعاملة مع أكابر علماء عصره، هاجم الأكابر ولم يتحر الأدب الواجب مع أكابرهم، وصال عليهم وجال، واحتاطوا في تأديبه فلم يأمروا بقتله وإنما امروا بسجنه حتى يحفظونه من شر نفسه، ويحفظون الناس من غرائبه وتشدداته، فهل يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات: أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن السلفية والسلف.
(16) تقييم دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب وما تسرب إليها من أفكار الحشوية: تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الإمام ابن تيمية بقوة السيف والسنان، ولكن أيضاً: كانت له كذلك اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، وقد أدى هذا الخلل إلى غلو الدعوة الوهابية في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم، ومرت على المسلمين سنوات عصيبة بسبب سلهم السيف على أغلب طوائف المسلمين، ولقد مرت تلك المحنة وانتهت والحمد لله، والجميع اليوم يأبى ذلك الغلو ويرفضه، ولكن لابد من تصفية المنهج واعتماد التخصص العلمي لأنّه ما أودى بهم إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة علمية واحدة غير متخصصة على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية الإسلامية، وتلك هي الحشوية في أرزل صورها، وهي كما ترى أبعد المذاهب عن السلفية الحقة الصافية الصحيحة.
(17) خطورة تجديد أفكار الحشوية في الفكر الإسلامي المعاصر تحت مسمى السلفية: الكثير من المعاصرين ممن تبنوا مذهب الحشو، أسرفوا في ذم جمهور أهل السنة وأكابرها من المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة من الأثرية والأشاعرة والماتريدية، واهتموا بإعادة نشر ما صنفه بعض المتقدمين من كتب الحشو التي جمعت الأخبار المتشابهة والمتون المنكرة في ما يسمونه كتبَ التوحيد والسنةَ والردَ على الجهمية، ويمكننا القول بيقين: أنّ متسلفة اليوم ليسوا على منهج السلف الصافي وأنّ انتساب الحشوية إلى السلف هي نسبة خاطئة.
(18) الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها وهو قد يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله، ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول، وقد أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق، وذلك بموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون، ثم هم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق، وأعظم به من منهاج، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة، ولهذا نراهم يجيزون على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان، ولو تواضعوا لهذا العلم (علم توحيد الذات) ودرسوه، ودرسوا معه قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا أدنى مرتبة من العوام، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين.
(19) علم التقديس والتنزيه من أشرف علوم الإسلام وأعلاها لأنّه يتعلق بالعلم بالله تعالى، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه، وما يجب له من صفات الكمال والجلال والإكرام، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم، ومن أهم أهداف دراسة هذا العلم: اعتقاد التنزيه، وفقه التسبيح والتقديس المتعلق بالله تعالى، واعتقاد اتصاف الذات بالكمال الذي ليس بعده كمال ونفي النقص والعجز والعيب والحاجة التي تناقض الكمال، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث، فكذلك فإن علم التقديس والتنزيه يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها العامة من الناس.
(20) التخصص في علم التقديس والتنزيه، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم، ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان ونفي تقيد الله تعالى بالزمان، والتقديس عن الحد والمقدار، لأنّ الحد تناهي والتناهي نقص يضاد الكمال، والخالق – سبحانه – لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك، وليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود، فالله تعالى أكبر من كل تصور، وأعظم من أن نحيط به علما، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، ومن ذلك نفي الحلول، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها،
وكذلك فإن من أهم أهداف دراسة هذا العلم هو: الاعتراف بالعجز عن الإدراك، وذلك بتصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله، ولو في دقائق الصفات، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التنزيه العقلي والقلبي مع التنزيه اللساني، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات، أمّا العامي ومن لم يطلب علم التنزيه وتوحيد الذات لأنه بمثابة العامي في علم الإلهيات – مهما بلغ من علوم الدين الأخرى – فقد يكيف المملكة بذهنه وهو يلوك بلسانه دون فهم {ليس كمثله شيء} وذهنه على التكييف بوجود حد ونهاية لذات الله تعالى تتمثل في حجم العرش، وقد يكون العرش المربوب في ذهنه أكبر من ذات الله، وهو يقول بلسانه في كل صلاة (الله أكبر)، إنّ قواعد التقديس والتنزيه لازمة لكل متكلم في عقيدة أهل الإسلام، حتى يصح له التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية.
كما أنّ من أهداف دراسة علم التقديس: معرفة ما يجب لذات الله تعالى وما يستحيل علي ذات الله تعالى، وما يجوز في حق ذات الله سبحانه وتعالى جل شأنه وتعالت صفاته، كما أنّ من أهداف دراسة علم التقديس: تصفية الاعتقاد من أدران التشبيه والتجسيم والتمثيل والتكييف، وذلك لان دراسة علم التقديس والتنزيه يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي، حيث جاء في [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 42]: (وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا) أهـ، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم علم التقديس والتنزيه والتسبيح.
ومن أجل بيان منهج أهل السنّة في باب التقديس والتنزيه: كان هذا الكتاب الأول: كتاب مفاتيح علم التقديس والتنزيه، وأحسب أن هذه الرسالة تعد من قبيل الاعتدال الشرعي في بيان مذهب أهل السنّة والجماعة الصحيح، ذلك المذهب الذي أراه الميزان الرباني بين الإثبات والتنزيه ولأنه يمثل إيمان الراسخين في العلم الذين يؤمنون بالمتشابه ويردونه إلى محكمه ويقولون آمنا به كل من عند ربنا، ولأنه المنهج الأوحد المؤهل لجمع المسلمين وتوحيد كلمتهم بعيدا عن أدنى انحراف في الباب، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب.
([1]) تاريخ بغداد 13: 162، تذكرة الحفاظ 1/174، المجروحون 2/15،مقالات الإسلاميين 251.
([2]) مقالات الإسلاميين ص 34و ص209.
([3]) الملل والنحل للشهرستاني 108.
([4]) من مقدمة كتابه الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب،
([5]) كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات، أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (485هـ) تحقيق محمد بن حمد الحمود النجدي، مكتبة دار الإمام الذهبي، الكويت، طـ الأولى 1410هـ. [1/97]
([6]) المصدر السابق 1/146:144.
([8]) المصدر السابق 1/178 و 2/328.
([9]) المصدر السابق 1/210و2/316و 2/335.
([13]) المصدر السابق 1/206 و 1/207.
([17]) المصدر السابق 2/85 ، ج2/ص476.
([21]) المصدر السابق 1/227و 2/297.
([22]) المصدر السابق 1/266و1/265.
([25]) مقدمة إبطال التأويلات4:1 و 1: 6.
([26]) الكامل في التاريخ 8/16.
([27]) مقدمة كتاب دفع شبه التشبيه، لابن الجوزي ص10.
([29]) السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل ص6