(الفصل الأول) مفاتيح أساسية لفقه مسائـل وأحكـام الإيمـان
فيه سبعة مباحث:
(المبحث الاول): الإيمان قول وعمل وهو قول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح.
(المبحث الثاني): الفرق بين (مطلق الإيمان) وبين (الإيمان المطلق).
(المبحث الثالث): تقسيم الإيمان إلى (أصل) يصح به أقل الإيمان و(فرع) ينال به رضا الرحمن.
(المبحث الرابع): عناصر الأصل في الشرع ثلاثة هي: قول القلــب وعمل القلـب وإقرار اللسـان.
(المبحث الخامس): مفاتيح فهم معاني قول السلف الإيمان قول وعمل.
(المبحث السادس): الرد على من أدخل أعمال الجوارح في أصل الإيمان.
(المبحث السابع): فقه مسائل وأحكام الإيمان الكامل.
***
(المبحث الاول) الإيمان قول وعمل وهو قول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح
[المفتاح الأول]: معنى الإيمان في اللغة العربية: الإيمان جاء في اللغة العربية على معاني: التصديق وعلى معاني: الإقرار والقبول والخضوع:
(المعنى الأول: التصديق): وهو المعنى الأشهر والغالب على معنى الإيمان لا سيما إذا تعدى بالباء أو باللام، كما جاء في القرآن الكريم { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [سورة يوسف آية 17] ومعناه وما أنت بمصدق لنا، ولما جاء في القرآن الكريم {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} [سورة الدخان آية 21] ومعناه هاهنا مأخوذ من التصديق وضده التكذيب، ومنه قولهم: ” وما أؤمن بشيء مما يقول ” أي ما أصدق وما أثق بشيء مما يقول، فإذا علمنا أن أكثر الألفاظ التي جاءت في القرآن الكريم جاءت متعدية بالباء أو متعدية باللام، علمنا أن أكثر مقصود الإيمان في القرآن هو التصديق، والتصديق نفسه في اللغة يأتي على معنى تصديق القلب وتصديق اللسـان وتصديق الجوارح ومنه ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ((العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)) ([1]). فدل الحديث على أن الأفعال تسمى تصديقا، و(المعنى الثاني: الانقياد والقبول والخضوع): قال ابن منظور في لسان العرب: [وحد الزجاج (الإيمان) فقال: الإيمان إظهار الخضوع والقبول للشريعة ولما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم واعتقاده وتصديقه بالقلب] [ وقال الفيروز أبادي في القاموس المحيط: [والإيمان الثقة وإظهار الخضوع وقبول الشريعة] [وقال الزبيدي في تاج العروس: [قد يكون الإيمان إظهار الخضوع وأيضا قبول الشريعة وما أتي به النبي صلى الله عليه وسلم واعتقاده وتصديقه بالقلب] اهـ، ([2]).
وكلا المعنيين صحيح، (التصديق) و(الانقياد) وهما متلازمان في الشريعة، فلابد للإيمان من تصديق ولا بد للإيمان من انقياد واذعان وخضوع، فإذا انتفى التصديق حل التكذيب، والنفاق، وهو كفر المكذبين وكفر المنافقين، الذين يصدقون باللسان ويكذبون بالقلب، قال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المنافقون: 1،2]، وإذا انتفى الانقياد والقبول حل الإباء والاستكبار وهو كفر إبليس الرجيم، قال تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، وقال تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 34 إلى 40]، فإبليس الرجيم لم يكفر بسبب التكذيب وإنما كان كفره بسبب عدم الانقياد والخضوع لأمر الله تعالى، وعلى ذلك فالإيمان يشمل قول القلب: (التصديق) وعمل القلب: (الانقياد) وإذا انتفى قول القلب: (التصديق) انتفى الإيمان وحل محله الكفر الاكبر، وإذا انتفى عمل القلب (الانقياد)، انتفى الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فلا غنى للإيمان عن التصديق والانقياد.
[المفتاح الثاني]: الإيمان في الشرع (الكتاب والسنة) قول وعمل: فقد دلت آيات الكتاب الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة على أن الإيمان قول وعمل، قـول القلب: ويشمل معرفة القلب بالشهادتين وعلمه بهما وتصديقه إياهما، وعمل القلب: ويشمل كافة أعمال القلوب من الانقياد والخضوع والمحبة والخشية والإخلاص وغيرها من أعمال القلب، وقول اللسان: ويدخل فيه الإقرار بالشهادتين وتـلاوة القـرآن وذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من عبارات اللسان، وعمل الجوارح: ويدخل فيه كافة أعمال الجوارح من أداء الفـرائض والمندوبات والكف عن المحرمات والمكروهات.
فمن الأدلة على دخول قول القلب (التصديق) في الإيمان: قوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] وقوله تعالى: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7] وقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22] فهذه الآيات تدل على ما وقر في القلب من التصديق والعلم والمعرفة بالله ودينه الإسلام.
ومن الأدلة على دخول عمل القلب (الانقياد) في الإيمان: قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] وقوله تعالى: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 171] وقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران 160] وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات)) ([3]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ، (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ([4]) .
فالإذعان والانقياد والتسليم والرضا بحكـم الله ورسولـه صلى الله عليه وسلم و الخوف والخشية من الله والركون إليه والتوكل عليه وتعظيمه عز وجل محلها جميعا القلب، وجميع أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان.
ومن الأدلة على دخول قول اللسان في الإيمان: قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 136] وقوله تعالى: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ،} [العنكبوت: 46] وقوله تعالى: {فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] وقوله صلى الله عليه وسلم: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) ([5]) .وقوله صلى الله عليه وسلم – لوفد عبد القيس -: ((أتدرون ما الإيمان؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله،))([6]).فدلّت الاحاديث على أن الشهادتين من الإيمان وداخلة في مسماه الشرعي.
ومن الأدلة على دخول عمل الجوارح في الإيمان: قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15]، دلت الآية على أن السجود من الإيمان، وهو عمل من أعمال الجوارح وقوله تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 81]، دلت الآية على أن موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين من الإيمان، والموالاة هي إظهار النصرة والمتابعة وهي من أعمال الجوارح وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الأنفال: 2 – 3]،دلت الآية على دخول إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في مسمى الإيمان، وأن كلاهما من الإيمان، وهما من أعظم أعمال الجوارح وقـوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 134] والإيمان هنا بمعنى الصلاة، قال القرطبي: “اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس… فسمى الصلاة إيمانا لاشتمالها على نية وقول وعمل ” أهـ ([7]).
كما جاءت السنّة النبوية الصحيحة بما يدل على دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان ومنه: قوله صلى الله عليه وسلم – لوفد عبد القيس -: (أتدرون ما الإيمان؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن يعطوا من المغنم الخمس) ([8]).
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)) ([9]). دل الحديث على أن إماطة الأذى من شعب الإيمان وداخلة في مسماه الشرعي، و قوله صلى الله عليه وسلم: ((ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) ([10]).
فقد جمع الحديث عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجارحة، وجعل ذلك كله من مسمى الإيمان الشرعي، والشاهد له قوله صلى الله عليه وسلم (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن) وقوله صلى الله عليه وسلم ((فمن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن) وقوله صلى الله عليه وسلم ((فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن))، وبـعــد: فهذه هي الأدلة البينة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الدالة على أن الإيمان قـول وعمـل ((قول القلب وعمل القلب، وقول اللسان وعمل الجوارح))، وأن هذه العناصر الأربعة داخلة جميعا في مسمى الإيمان الشرعي الذي جاء به كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم،
***
(المبحث الثاني) من فقه أحكام الإيمان معرفة الفرق بين (مطلق الإيمان) وبين (الإيمان المطلق)
[المفتاح الأول]: الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان: هناك فرق بين الإيمان المطلق وبين مطلق الإيمان:
المصطلح الأول (الإيمان المطلق): وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها، والمنفي عنه هذا الإيمان (المطلق) ليس كافراً الكفر الأكبر، بل هو مسلم معه (مطلق الإيمان) أي أدنى ما يصح به الإيمان، وهو الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وعلماء أهل السنّة يعبرون عن (الإيمان المطلق): بعدة مصطلحات قد وردت في بيانهم لأقسام الإيمان، من ذلك (فرع الإيمان) و (الإيمان الواجب) و (الإيمان الكامل الكمال المأمور به)، وهذا الإيمان يسميه العلماء أيضاً (الإيمان الواجب).
(الإيمان المطلق): اسم ثناء يدخل صاحبه في مثل: قوله تعالى: { وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68]، و قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1]، وقـوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، [الأنفال: 2 إلى 4]، وهذا الإيمان المطلق يستحق أهله به الثواب بلا عقاب.
والمصطلح الثاني (مطلق الإيمان): وهو أدنى ما يصح به الإيمان، وهذا الإيمان لا يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء لتقصيره في حق (أعمال الإيمان المطلق)، لكنه يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين، وليس بعده إلا الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وهذا الإيمان يسميه العلماء أيضاً (أصل الإيمان) أو(الحد الأدنى من الإيمان)، أو إيمان أصحاب القبضة.
و(مطلق الإيمان): اسم يحفظ للمسلم حرمة الإسلام يدخــل صاحبه في مثل: قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، وقوله تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [الحجرات: 9]، فاثبت الإيمان مع وجود الاقتتال، وقوله تعالى عن القاتل: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178]، فجعل الاخوة قائمة بين القاتل والمقتول من المسلمين، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأَنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بكافِرٍ) ([11]). وأمثال ذلك مما يثبت مجرد الإيمان وإن استحق أهله الوعيد بالعقاب.
[المفتاح الثاني]: نفي الإيمان في الشرع، هو نفي للإيمان المطلق وليس نفي لمطلق الإيمان: قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 14]، فهل نفي الإيمان هنا معناه نفي أصل الإيمان (مطلق الإيمان) وبالتالي وصف المنفي عنه الإيمان بالكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، أم معناه نفي الإيمان الواجب الذي معناه نزول العبد من مرتبة الإيمان إلى مرتبة الإسلام وليس إلى الكفر الأكبر، الآية دلت على نفي الإيمان ودلت على اثبات مسمى الإسلام، وفقه الآية يوجب التفريق بين إيمانين:
الأول (الإيمان المطلق)، وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما هو مسلم معه مطلق الإيمان الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار.
والثاني هو (مطلق الإيمان): وهو أدنى ما يصح به الإيمان، وهذا الإيمان يعطي صاحبه مسمى الإسلام، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار، كذلك كثيراً ما نجد نفي الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان عن أشخاص مسلمين، كما في قوله صلى الله عليه وسلم ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)([12]). فالزاني وشارب الخمر والسارق مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الإيمان المطلق، ولا يسلب مطلق الإيمان، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا)، ([13]). وقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من حمل السلاح علينا)، ([14]).وقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا)، ([15]). وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعـض)، ([16]). وقوله صلى الله عليه وسلم: (من قال لصاحبه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما) ([17]).
، فهذا كله نفي للإيمان المطلق وليس نفيا لمطلق الإيمان.
(تنبيه): صاحب (مطلق الإيمان) يصح أن يقال: هو مؤمن باعتبار ما أتى به من أصل الإيمان، ويصح أن يقال ليس مؤمناً باعتبار تفريطه في الإيمان الواجب، ومعرفة هذا من الفقه الراسخ في دين الله تعالى، ولذلك أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على أنّ العاصي والفاسق من أهل القبلة لا ينفي عنه مطلق الإيمان بعصيانه وفسوقه ولا يوصف بالإيمان المطلق، ولكن هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم،
[المفتاح الثالث]: كثيراً ما نجد القرآن الكريم يفصل بين الإيمان والعمل وذلك بعطف العمل على الإيمان مع أن العمل من الإيمان، وذلك للتفريق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، وقد تكرر كثيرا في القرآن الكريم قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، وإذا كان الإيمان يشمل العمل فإن التفريق في الآيات بين الإيمان والعمل يوجب التفريق بين إيمانين، (مطلق الإيمان) و (الإيمان المطلق)، الأول: أصل لا يصح الإيمان بغيره، والثاني فرع يضاف إليه فيزيده، وقد فهم فقهاء أهل السنّة والجماعة من هذا الفصل (بين الإيمان والعمل الصالح) في الآية: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، أن المقصود بالإيمان هو الأصل المقتضي للعمل، وفي ذلك يقول البيهقي ” قوله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} لا يدل على أن عمل الصالحات ليس بإيمان، وإنما معناه أن الذين آمنوا مثل الإيمان الناقل عن الكفر ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضموا إليه الصالحات فعملوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل، أو نقول: إن المراد (بالذين آمنوا) الإيمان بالله (وبعمل الصالحات) الإيمان لله والإيمانان متغايران على ما بينا فلذلك سميا باسمين) أهــ ([18]).
(المبحث الثالث) من فقه أحكام الإيمان تقسيم الإيمان إلى (أصل) يصح به أقل الإيمان و(فرع) ينال به رضا الرحمن
[المفتاح الأول]: الإيمان أصل وفرع، والأصل لا يصح الإيمان إلا به، والفرع منه الإيمان الواجب ومنه الإيمان الكامل المستحب: من فقه أحكام ومسائل الإيمان عند علماء أهل السنّة والجماعة: أنهم قسموا الإيمان إلى أصل وفرع، وأصل الإيمان هو مطلق الإيمان وأقل ما يصح به الإيمان وضده الكفر الأكبر الموجب للخلود الابدي في النار، وفرع الإيمان وهو الإيمان المطلق، ويدخل فيه كافة شعب الإيمان وكافة شرائع الدين، ثم قسموا فرع الإيمان (الإيمان المطلق) إلى فرع واجب يتناول أداء الواجبات والكف عن المحرمات وهو ما يسمى (الإيمان الواجب) وفرع مستحب يتناول ما زاد على الواجب من السنن والمندوبات، وهو ما يسمى (الإيمان المستحب) أو (الإيمان الكامل).
[المفتاح الثاني]: أقسام الإيمان ثلاثة: (الأصل) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه، و (الواجب) الذي أوجبه الله تعالى على عباده وفرضه عليهم، وامرهم به، و (المستحب) الذي به كمال الإيمان، وهو الإيمان المستحب المندوب إليه:
(القسم الأول): أصل الإيمان ومطلق الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار، وضد الإيمان الأصل: الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومن أتى بأصل الإيمان وصح له هذا الأصل فهو في مأمن من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار.
و(القسم الثاني): وهو الإيمان الواجب المأمور به، وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها، وهذا الإيمان يسميه العلماء ” الإيمان الواجب ” وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها، و(الإيمان الواجب): يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء ويهي صاحبه لدخول الجنة ابتداء، أما المستحب فإنما يرفع درجة صاحبه في عِلِّيّين، وحدود الإيمان الواجب: أداء الفرائض والكف عن المحرمات والوقوف عند حدود الله دون تعد لها.
وضد الإيمان الواجب الكفر ولكن في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرب المتروك منه أو بعده عن الإيمان الأصل، فالأقرب للإيمان الأصل كالصلاة فإن تركها كفر ولكن دون الكفر الأكبر، وما كان بعيدا عن الأصل فإن ضده العصيان، فإن تكرر كان ضده الفسوق، وأياً كان المتروك من الإيمان الواجب، فلا يبلغ منه شيء أن يخرج من الملة بكفر أكبر حتى يأتي على أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد على وجه الإجمال حين الإجمال، والتفصيل حين التفصيل.
و(القسم الثالث): وهو الإيمان المستحب ويكون بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل ودرجات هذا الإيمان المستحب عديدة: تتمثل في أداء السنن والمستحبات والقربات والتنزه عن الشبهات والمكروهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح، وهذا الإيمان الكامل المستحب فليس له ضد، والمقصر فيه ينزل من مرتبة الإحسان إلى مرتبة الإيمان، وفي ذكر هذه الأقسام الثلاث، تشير الآية الكريمة، قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، فالمؤمنون ثلاثة مراتب أقلها مرتبة الظالم لنفسه، والمرتبة الوسط هي مرتبة المقتصد، والمرتبة العليا هي مرتبة السابقين بالخيرات.
ومن أهم الفوائد التي أشار إليها هذا المفتاح: أنّ من حقق أصل الإيمان (مطلق الإيمان) نجا من الكفر الأكبر ونجا من الخلود الأبدي في النار، وإذا زاد العبد عن الأصل فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرّم عليه فقد حقق الإيمان الواجب واستحق اسم الإيمان المطلق، وإذا مات العبد على الإيمان الواجب دخل الجنّة بلا عذاب، وإن زاد العبد على الواجب بأداء المستحبات والبعد عن الشبهات واجتناب المكروهات فقد دخل في دائرة الإيمان الكامل المستحب، وأهل الإيمان الكامل المستحب متفاوتون في المنازل والدرجات تفاوتاً شديداً وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، و (الإيمان) إذا أطلق في نصوص الشرع فإنه يدخل فيه الإيمان الواجب والمستحب، وإذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به الإيمان الواجب دون الأصل أو المستحب، وأنّ من قال من العلماء أن المنفي هو كمال الإيمان فالمراد به الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة، وأنّ الإيمان بهذا التقسيم ثلاثة مراتب: (الظالم لنفسه)، وأدناه الوقوف على (أصل الإيمان) لأنه ليس بعده إلاّ الكفر الأكبر، ثم المقتصد (الإيمان المطلق الواجب) وصاحبه هو المؤدي للواجبات والمبتعد عن المحرمات، ثم السابق بالخيرات بإذن الله وهو مرتبة (الإيمان المطلق المستحب).
[المفتاح الثالث]: معرفـة وتحديد (أصل الإيمان) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه هو أهم علوم الإيمان: لأنّه متى مُيز الأصل عن الواجب انضبطت أسماء الملة وأحكامها وعُرف الكافر المرتد من الكافر في إطار الملة من الفاسق وهكذا، وإذا تميز الأصل عن الواجب استطاع طالب العلم الشرعي فضلاً عن العالم أن يضع الضوابط الصحيحة لمسائل تكفير أهل القبلة والاحتياط الراسخ فيها وعدم الخطأ في هذه المسائل دون تمييز بين من صح له أصل إيمانه ومن لم يصح له هذا الأصل، ودون تمييز واضح بين نواقض الإيمان المخرجة من الملة إلى الكفر الأكبر وبين نواقص الإيمان التي تنقص من درجته ولا تنقضه بالكلية، ومن الفوائد العظيمة لتحديد أصل الإيمان ومعرفة عناصره وتمييزها عن عناصر الإيمان الواجب وعناصر الإيمان المستحب الكامل، هو إعطاء كل عنصر من عناصر الإيمان حقه الشرعي اللازم له، فعنصر يدخل في أصل الإيمان ليس كعنصر يدخل في الإيمان الواجب وهذا ليس كعنصر يدخل في الإيمان المستحب، فأهم عناصر الإيمان ما دخل في الأصل لأن نقصه يعني الكفر الأكبر ويليه ما دخل في الواجب لأن نقصه يعني الكفر دون الكفر أو الفسوق أو العصيان، واستحقاق الوعيد بالنار، ويليه ما دخل في المستحب، لأنّ نقصه يعني النزول من مرتبة الكمال إلى الواجب، وأما (الأصل) والإحاطة بأحكامه وتحديد عناصره فهذا من أهم الفقه في مسائل الإيمان لكون صاحبه له في الدنيا اسم الإسلام وحكمه، وفي الآخرة لا يخلد في النار خلود الجاحدين، ويليه ما دخل في الإيمان المستحب لأن نقصه يعني نقص الدرجة والمنزلة دون الدخول في إطار الوعيد بالنار، وليس مقصود فقهاء أهل السنّة والجماعة الراسخون في العلم والفقه بهذا الفصل بين أصل الإيمان وواجبه ومستحبه الاستهانة ببعض عناصر الإيمان – حاشا لله – بل هو الميزان الذي أنزل الله عز وجل به دينه وشرعه وملته الحنيفية السمحة.
[المفتاح الرابع]:الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يقسمون الأعمال إلى قسمين: (أعمال القلب)، و(وأعمال الجوارح):
وأعمال القلب منها ما هم أصل ومنها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب، فالأصل هو الانقياد القلبي والاذعان والخضوع لحكم الله، وهذا العمل القلبي هو حقيقة العبودية وإذا انتفى هذا القبول انتفى أصل الإيمان وانتفت العبودية لانّ العبودية حقيقتها الانقياد والاذعان والخضوع، وضدها الإباء والاستكبار، وهذا كفر الرجيم، قال تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، فأصل أعمال القلب الانقياد والاذعان والخضوع لأمر الله، ثم يلي ذلك أعمال القلب الواجبة من الإخلاص والخوف والرجاء والخشية والمحبة والصبر والشكر والتوكل، ثم اعمال القلب المستحبة كالرضا والانابة واليقين والتقوى، فأعمال القلب مراتب بعضها اهم من بعض، منها ما يؤسس للإيمان، ومنها ما يدخل في واجباته ومنها ما يدخل في مستحباته.
والقسم الثاني من الأعمال: (أعمال الجوارح): من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد، وأمر بمعروف ونهي عن منكر وسائر العبادات والطاعات، ولما كان أصل الإيمان ما وقر في القلب، كانت أعمال القلوب هي الأصل للإيمان، ولذلك أدخل علماء أهل السنّة والجماعة (عمل القلب الأساس وهو الانقياد)في أصل الإيمان، الذي لا يصح الإيمان إلا به، مع قول القلب الذي هو التصديق، فصار الأصل يتركب من ثلاثة عناصر هي التصديق القلبي والانقياد القلبي، ولازمهما الذي هو إقرار اللسان بالتوحيد، ثم أدخلوا أعمال القلوب الواجبة والمستحبة مع اعمال الجوارح الواجبة والمستحبة في شعب الإيمان الواجب والإيمان المستحب، حسب طبيعة العناصر الداخلة في أي منهما فما كان واجبا كالخشية والخوف والرجاء والمحبة والإخلاص والتوكل من اعمال القلوب وما كان واجبا من اعمال الجوارح كالصلاة والزكاة والصوم والحج والكف عن الكبائر كالزنا وشرب الخمر كل ذلك ادخلوه في الإيمان الواجب، وما كان من اعمال القلوب مستحبا زائدا عن الواجب كالإنابة والتدبر والتفكر والذكر والخشوع وغيرها من اعمال احسان القلوب، وما كان مستحبا من أعمال الجوارح كقيام الليل وكثرة الذكر والصدقة أدخلوه في الإيمان الكامل المستحب، وهذا الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يتميزون عن كافة الفرق الضالة في مسائل واحكام الإيمان سواء بالتفريط أو الافراط، فهم تميزوا عن المرجئة المفرطة في مسائل الإيمان لأنّ المرجئة لا يدخلون أي عمل في الإيمان الأصل، وأهل السنّة كذلك تميزوا عن الخوارج والمعتزلة الغالية في مسائل وأحكام الإيمان بإدخال عمل الجارحة في الأصل وبالتالي غالوا في تكفير المسلمين بغير حق، ولا علم ولا إنصاف.
[المفتاح الخامس]: الفقه في تقسيـم الإيمـان إلى أصـل وواجـب ومستحـب: الإيمان ثلاث مراتب يوضحها قول الله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 32] وأدنى هذه المراتب مرتبة الظالم لنفسه وأدنى هذه المرتبة (الظالم لنفسه) الأصل الذي من لم يأت به فليس له اسم الإيمان ولا حكمه بل هو كافر الكفر الأكبر وعناصر هذا الأصل ثلاثة: هي الإقرار باللسان والتصديق القلبي والانقياد القلبي، [وسيأتي في داخل الرسالة أقوال العلماء التي تتعلق ببيان أصل الإيمان وأنه قول اللسان (الإقرار) وقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وأن أعمال الجوارح خارجة عن أصل الإيمان داخله في فرعه الواجب وفرعه المستحب]، أما المرتبة الثانية فهي مرتبة المقتصد – مرتبة الإيمان الواجب – والإيمان الواجب هو ما زاد على أصل الإيمان من فعل الواجبات وترك المحرمات، والذين أدوا هذا الإيمان بتمامه ولم يقصروا فيه ولم يزيدوا عنه، فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للوعد السالم من الوعيد بمعنى: أنهم يستحقون دخول الجنة ابتداءً بلا سابقة عذاب بفضل الله تعالى وينطبق على هؤلاء ما جاء في حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – فيمن سأل عن شرائع الإسلام وفيه (فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام فقال: والذي أكرمك بالحق لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئاً فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق) ([19]) .
وصاحب هذه المرتبة قد يقصر فيما أوجبه الله تعالى عليه وذلك بترك واجب أو فعل محرم فينزل من مرتبة الإيمان الواجب إلى مرتبة الظالم لنفسه وهم العصاة من أهل التوحيد وما يعبر عنه علماء الاعتقاد بقولهم (الفاسق الملي) أي الذي لم يخرج من ملة الإسلام، ومن كان هذا حاله فهو من أهل الوعيد إن مات بلا توبة ولكنه إلى المشيئة فإن شاء الله غفر له وأدخله الجنة ابتداءً بلا سابقة عذاب، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يخرجه الله من النار ويدخله الجنة وأدنى هذه المرتبة من أتى بأصل الإيمان من الإقرار والتصديق والانقياد، ومن نقص عن هذا الأصل انتفى إيمانه من أصله وصار كافراً الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وكذلك فإن صاحب هذه المرتبة – مرتبة المقتصد – قد يؤدي الإيمان الواجب بتمامه ثم يزيد عليه فيدخل في المرتبة الثالثة، والمرتبة الثالثة هي مرتبة الإيمان المستحب الكامل وهو ما زاد على الإيمان الواجب من فعل المندوبات والمستحبات وترك المكروهات والمشتبهات فمن أتى بهذا الإيمان فهو من السابقين المحسنين أصحاب الدرجات العالية من السابقين المقربين في الجنة،
[المفتاح السادس]: بيان أصل الإيمان وأنّ محله القلب وهو قول وعمل ولا يصح أصل الإيمان الذي وقر في القلب حتى يظهر أثره على جارحة اللسان بالإقرار، وفي بيان تلك القاعدة، جاءت الآيات القرآنية الدالة على أن محل الإيمان هو القلب، كما يفهم من مثل قوله تعالى{حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7] وقوله تعالى {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22] وقوله تعالى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] وقوله صلى الله عليه وسلم ((ألا في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله))، ولا يصح أصل الإيمان الذي وقر في القلب، حتى يظهر أثره على جارحة اللسان بالإقرار، وهذه القاعدة منشؤها أصل عظيم عند أهل السنّة والجماعة ألا وهو تلازم الظاهر والباطن، وأهل السنّة والجماعة وسط في مسألة تلازم الظاهر والباطن بين الغلو متمثلاً في قول الخوارج والمعتزلة وبين التفريط متمثلاً في قول الجهمية والمرجئة.
فالخوارج والمعتزلة يقولون بالتلازم مطلقاً ولذلك يكفرون أهل المعاصي ويقولون بنفي إيمانهم من أصله وعلتهم في ذلك أنه لو كان الإيمان موجوداً لما وقع المؤمن على المعصية والكبيرة والمعتزلة ينفون عنهم أصل الإيمان في الدنيا ويخلدونهم في النار في الآخرة بالمعاصي، والجهمية والمرجئة يقولون بنفي التلازم مطلقاً وأنه قد يكون المرء مؤمناً كامل الإيمان وهو لا يؤدي فرائض الله ولا يرتدع عن معاصي الله.
أما أهل السنّة فالتلازم عندهم درجات وتلازم الأصل غير تلازم الفرع، وكلما قوي الإيمان قوي التلازم وكلما ضعف الإيمان ضعف التلازم إلا أنه ينبغي أن يكون موجوداً، وفي بيان التلازم واختلافه وفق ضعف الإيمان وقوته، يقول النووي: ” ومذهب أهل السنّة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع إحداهما ولا تنجي من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر على الشهادتين لأنه بلسانه أو لم تمهله المدة ليقولها بل اخترمته المنية ” ([20]).
ويقول كذلك: ” مذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق ولا النطق دون الاعتقاد بل لا بد من الجمع بينهما “([21]). ويقول كذلك: ” واتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصـلاً “([22]).
وجاء في حاشية العدوي على المذهب المالكي ” الإيمان الذي يكون صاحبه ناجيا من ذلك مع جريان الأحكام عليه في الدنيا لا يحصل بالتصديق وحده فلا بد من مصاحبة النطق له .. وباعتبار ما عندنا فلا نجري عليه أحكام الشرع ولا يحكم عليه بأنه مؤمن إلا إذا نطق بالشهادتين”([23]).
وجاء في الفواكه الدواني على مذهب المالكية: ” الإيمان مركب من التصديق بالقلب والنطق باللسان، الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وأما العمل بالجوارح فشرط في كماله، الأعمال إنما هي شرط كمال وأما المعتزلة ومن وافقهم فيجعلون الأعمال ركنا حقيقيا للإيمان كما نبه على ذلك شيخ شيوخنا اللقاني حيث قال: الأعمال عند السلف شرط لكمال الإيمان وعند المعتزلة ركن فيه، وأما النطق باللسان فالمشهور فيه عندهم أنه شرط لإجراء أحكام الدنيا في حق القادر عليه ومقابل المشهور يجعله شرطا في صحة الإيمان أو شطرا منه، ..
فتلخص أن: الإيمان هو التصديق وأما النطق باللسان فهو شرط لإجراء أحكام الدنيا وأما الأعمال الصالحة فهي شرط لكمال الإيمان، وعليه فمن صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه غير مؤمن في أحكام الشرع الدنيوية فلا يرث ولا يورث وأما الآبي من النطق فكافر في الدارين.. إلى أن قال: دفع ما يتوهم من إن الأعمال شرط في صحة الإيمان وليس كذلك بل اعتمد أن عمل الجوارح شرط في كمال الإيمان على كلام أهل السنة، فمن صدق بقلبه ونطق لسانه وترك الأعمال الواجبة كسلا كان إيمانه صحيحا إلا أنه ناقص والحاصل إن الأعمال جزء من الإيمان الكامل ” أهـ، ([24]).
[المفتاح السابع]: أصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل: مر بنا أن فقه الإيمان يحتم علينا تفصيل درجاته ومراتبه، وأنه ينقسم إلى مطلق (أصل) لا يصح الإيمان بدونه وإلى إيمان مطلق (فرع) تكتمل به شعب الإيمان، وعلمنا أن فرع الإيمان قسمان: فرع واجب يتناول أداء كافة الواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات وفرع مستحب يتناول أداء المستحبات والكف عن سائر المنهيات المحرمات من المكروهات وعلى ذلك فالعمل داخل في أصل الإيمان وفرعه، وإذا كان أصل الإيمان مقره القلب، كما في قوله تعالى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106]، والمكره يقول بلسانه كلمة الكفر، ولكن الإيمان الحقيقي مقره القلب فلا يضره الإكراه ما كان القلب مطمئنا بالإيمان، ولهذا جاء بعد ذلك قوله تعالى {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [ النحل: 106 إلى 109].
فرتب الكفر على حالة القلب، {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا}، فالإيمان والكفر أصلهما بالقلب، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، وقال تعالى: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا}، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ((ألا في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله))، وعليه فإنّ أصل الإيمان مقره القلب ويشمل قول القلب التصديق، وعمل القلب الانقياد، لا يجزئ أحدهما عن الآخر، لابد في أصل الإيمان من قول القلب التصديق وعمل القلب الانقياد، وضد الأول كفر المنافقين والمكذبين، وضد الثاني كفر الإباء والاستكبار وهو كفر إبليس الرجيم، ولازم إيمان القلب (من التصديق والانقياد) إقرار اللسان بالتوحيد وبالإسلام مجملا، وسيأتي في المفاتيح التالية بمشيئة الله تعالى تأصيل عناصر القول والعمل الداخل في أصل الإيمان ولازم ذلك الدال عليه، وتأصيل عناصر العمل الداخل في فرع الإيمان الواجب وأنه أداء المفروضات والكف عن المحرمات وتأصيل عناصر العمل الداخل في فرع الإيمان المستحب، وانه إضافة إلى ما سبق من عناصر الأصل والواجب، أداء السنن والنوافل والمستحبات والكف عن المكروهات وذلك كله من أهم مسائل واحكام فقه الإيمان والله المستعان.
[تنبيه]: من الضروري التفريق في كلام العلماء بين أصل الإيمان ومسمى الإيمان: فأصل الإيمان يقصدون به حدّ الإيمان الأقل الفاصل بين الإيمان والكفر الأكبر، أمّا مسمى الإيمان فيدخل فيه ـ في كلامهم ـ كافة مراتب الإيمان وكافة شعبه، فبعض العلماء يتكلم عن الإيمان وهو يقصد الأصل كالإمام أبي حنيفة رحمه الله على سبيل المثال، فيركز في حديثه على الإقرار والاعتقاد بشقيه: (التصديق والانقياد) ولا يشير إلى دخول أداء الواجبات والكف عن المحرمات فيه فإن لم يتفطن طالب العلم إلى مقصده وظنه يتحدث عن مسمى الإيمان يحدث له لبس، وربما يرميه بالإرجاء وذلك لأن المرجئة يخرجون الأعمال ـ أعمال الجوارح ـ عن مسمى الإيمان، أمّا أهل السنّة الفقهاء المحققون فهم يفرقون بين أصل الإيمان وواجبه وفي الأصل يركزون على عناصره من الإقرار والاعتقاد الذي يشمل قول القلب وعمله (التصديق والانقياد) وفي الواجب يركزون على عناصره من أداء الواجبات والكف عن المحرمات ولذلك ينبغي التفريق في كلام العلماء بين أن يكون حديثهم عن مسمى الإيمان وبين أن يكون مقصدهم حدّ الإيمان الأدنى الذي يصح به اسم الإسلام.
[فائـدة]: في بيان التلازم في المعاني بين الإسلام والإيمان، المعنى الأشهر للإيمان في اللغة وفي استعمالات العلماء هو (التصديق)، المعنى الأشهر للإسلام في اللغة وفي استعمالات العلماء هو (الإذعان والانقياد)، وعلى ذلك فلا انفكاك في المعاني بين أصل الإيمان وبين حد الإسلام، لأنه لا يصح إسلام بلا تصديق وإلا كان نفاقاً، ولا يصح إيمان بلا انقياد وإلا كان إباءً واستكباراً، وعلمنا أن الأصل الذي لا يصح به الإسلام على الحقيقة ولا الإيمان على الحقيقة هو تصديق القلب وانقياده، التصديق (قول القلب) و الانقياد (عمل القلب)، وإذا قلنا بقاعدة أهل السنّة والجماعة من تلازم الظاهر والباطن وأن ما وقر في القلب ظهر على الجارحة، فإنّ هذا الإيمان القلبي لابد وأن يظهر أثره، وأدنى هذا التلازم هو تلفظ اللسان – وهو جارحة – بالشهادتين، وبالإسلام إجمالا وتفصيلا.
وعلى ذلك تستقيم الأدلة جميعها: فمن قال من أهل السنّة والجماعة أن أصل الإيمان في القلب وفهم من مثل قوله تعالى{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89]، وقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 7]، وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7]، وقوله تعالى {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] وقوله صلى الله عليه وسلم ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) [أخرجه البخاري] أن أصل الإيمان في القلب لا يتعداه ويشمل قول القلب (التصديق) وعمله (الانقياد) مع اعمال القاعدة الأصيلة التي قال بها أهل السنّة وهي تلازم الظاهر والباطن وأدنى التلازم الحاصل لحد الإيمان الأدنى هو عمل جارحة اللسان وذلك بالإقرار بالشهادتين، ومن نظر إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على أن حد الإيمان الأدنى كما في أحاديث الشفاعة يشمل من قال لا إلا الله نقول له لا يصح الإقرار إلا بالتصديق وهو قول القلب والانقياد وهو عمل القلب وعلى ذلك تلتقي الأدلة وحاصلها أن عناصر حد الإيمان الأدنى ثلاثة هي الإقرار والتصديق والانقياد، وبهذا يتضح أن أدنى الإيمان قول وعمل، قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار).
وثمة أمر آخر: وهو أنه بهذا التفصيل نعلم مدى تلازم الإسلام والإيمان بل تلازم أصل الإيمان بأصل الإسلام حتى قال بعض علماء أهل السنّة والجماعة أن كلاهما شيء واحد، وما ذلك إلا لتلازمهما الشديد حيث لا يصح إيمان القلب بلا إسلامه – انقياده لله – ولا يصح إسلام المرء بلا إيمان قلبه – تصديقه-، ويصير كل مسلم عنده أصل الإيمان وإلا كان منافقاً، وكل مؤمن عنده إسلام القلب وإلا كان إيمانه كإيمان إبليس الرجيم واليهود والمشركين الذين أيقنوا بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ومع ذلك كان كفرهم سببه انتفاء عمل القلب وخلوه من الانقياد فكان كفرهم كفر إباء واستكبار وعناد وليس كفر تكذيب.
***
(المبحث الرابع) عناصر الإيمان الأصل في الشرع ثلاثة هي: قول القلــب (التصديق) وعمل القلـب (الانقياد) وإقرار اللسـان ما عمل الجوارح فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الواجب
[المفتاح الأول]: عناصر الإيمان الأصل في الشرع ثلاثة هي: قول القلــب (التصديق) وعمل القلـب (الانقياد) وإقرار اللسـان، أما عمل الجوارح فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الواجب وذلك للأسباب التالية:
[السبب الاول]: الإيمان جاء مقروناً بالعمل الصالح في أكثر من خمسين موضعاً في كتاب الله عز وجل: منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 82]، وقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} [آل عمران: 57]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً.. } [النساء: 57]، وقوله تعالى: {وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 9]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: 29]، وقوله تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الحج: 56]، وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3]، فهذه الآيات التي فيها عطف العمل على الإيمان، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما، ولا يُقال ها هنا أنّ العطف من باب عطف الخاص على العام، لأنّ ذلك خلاف الأصل، فالأصل أن العطف يقتضي المغايرة إلا أن توجد القرينة الصارفة ولا قرينة هنا على الخروج عن الأصل، بل كثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة، فدل ذلك الحرص على الفصل بين لفظ الإيمان ولفظ العمل الصالح في القرآن الكريم على التغاير بين دلالة الإيمان ودلالة العمل الصالح، فالإيمان هاهنا المقصود به الإيمان الأصل الذي يعطي لصاحبه اسم الإسلام وحكمه ويمنع من دخوله في الكفر الأكبر وأحكامه، والمقصود بالعمل الصالح هو الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات ذلك الإيمان الذي تتحقق به النجاة من الكفر في إطار الملة ومن لقب الفسوق ومن دخول النار ابتداء، ويستحق به صاحبه الحمد والثناء، ويؤكد ذلك ما قاله الحافظ البيهقي وهو ينقل كلام الحليمى عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 70] ” فقابل بين ما حببه إلينا وما كره إلينا، ثم أفرد الإيمان بالذكر فيما حبب وقابله بالكفر والفسوق فيما يكره، فدل ذلك على أن للإيمان ضدين أو أن من الإيمان ما ينقضه الكفر ومن الإيمان ما ينقضه الفسوق ” أهـ([25]).
فضد الكفر أصل الإيمان وهو إقرار واعتقاد ولا يدخل فيه عمل الجوارح وضد الفسوق الإيمان الواجب وهو قول واعتقاد وعمل بالجوارح، فإن انتفت أعمال الجوارح انتفى الإيمان الواجب وظل أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر وإن انتفى الإقرار أو التصديق فصاحبه كافر مخلد في النار أبداً خلود الجاحدين، ثم أكد مذهبه الصحيح الذي جمع بين أدلة الكتاب والسنّة جميعها بقولـه: ” قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} قال: ” معناه أن الذين آمنوا، الإيمان الناقل عن الكفر، ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضموا إليه الصالحـات فعلوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل ” أهـ، وكلامه وفق الأصل السابق واضح، فالإيمان الناقل من الكفر هو أصل الإيمان وهو الإقرار والتصديق كما صرح بذلك وأفرد باباً بلفظه، وما زاد على أصل الإيمان من عمل الصالحات فهو في إطار الإيمان الواجب حتى يصـل بالطاعـة التامـة إلى حد الكمال، (ملاحظة): زعم البعض أن عطف العمل الصالح على الإيمان عطف البعض على الكل وأنه لا فرق بين الإيمان والعمل الصالح وكلاهما شرط في صحة الإيمان واستدل لذلك بقوله تعالى: {ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى} [طه: 75]، أقول عطف العمل الصالح على الإيمان عطف الجزء على الكل من جهة أن المقصود بالإيمان أصله المنجي من الكفر الأكبر وأن المقصود بالعمل الصالح فرعه المنجي من الكفر في إطار الملة ومن الفسوق إلاّ أن الاستدلال بالآية في غير محله لأن الآية تتحدث عن أصحاب الدرجات العلى وأقل هؤلاء أصحاب الإيمان الواجب وقد شرطت لهم الآية مع الإيمان العمل الصالح أمّا إذا كان حديثنا عن الأصل المنجي من مجرد الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين فآنذاك يكون الاستدلال بالآية من باب الاستدلال بالدليل في غير موضعه.
[السبب الثاني]: الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وجل الدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب: كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}، وكقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، وقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، فدلت الآيات على أن مقر الإيمان هو القلب،
[السبب الثالث]: الاحاديث الكثيرة الدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب: وكقوله صلى الله عليه وسلم: ((التقوى هاهنا))، ويشير إلى صدره ثلاثاً، وكقوله صلى الله عليه وسلم، ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) وكقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله عز وجل: ((أخرجوا من النار من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) ([26]).
فهذه الأدلة من الكتاب والسنّة تدلنا على أن أهم الإيمان وأصله هو ما وقر في القلب وأن هذا الأصل هو الفاروق بين الخلود الأبدي في النار وعدم الخلود فيها.
[السبب الرابع]: الأدلة من الكتاب على أن أصل الكفر ومنبعه أيضاً هو القلب: ومن ذلك قوله تعالى: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى: {لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، إلى قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} فهذه الآيات تدلنا على أن محل الكفر الأكبر هو القلب وأنه ضد لأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر.
[السبب الخامس]: الإيمان جاء في كتاب الله عز وجل مقروناً بالعمل الصالح وجاء أيضاً مقروناً بضده: ومثاله قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] فعبر القرآن الكريم عن المقتتلين بلفظ الإيمان مع أن الحديث الصحيح مفاده (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) فعلينا عند الجمع بين الآية والحديث أن المقتتلين من المسلمين لهم مسمى الإيمان بما أتوا به من الأصل وأن كفرهم في إطار الملة وليس خارجها، ومثاله أيضاً قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ،} [البقرة: 178] فجاء التعبير القرآني بإثبات أخوة القاتل لولي الدم ولا شك أنه قد أتى بضد العمل الصالح الذي هو من قبيل الإيمان الواجب وهذا بخلاف من انتفى عنه التصديق ـ مثلاً ـ فأولئك قال عنهم الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8 – 9] وحكم عليهم القرآن الكريم بالنفاق وجعل الدرك الأسفل من النار مأواهم يوم القيامة.
[السبب السادس]: الأدلة من السنّة النبوية على صحة هذه القاعدة:
[1] ما أخرجه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة)) ([27]). والحديث يدل على أن الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما سبب لدخول الجنة وإن دخل النار بذنوبه فإنه لا يخلد فيهما خلود الجاحدين لأن مآله إلى الجنة.
[2] ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار)) ([28]).
[ فمن أقر بالشهادتين واعتقدهما حرم الله عز وجل عليه الخلود الأبدي في النار وهذا ما يجب حمل الحديث عليه إذ هو مذهب أهل السنّة والجماعة لا يعرفون غيره فيقولون بأن أصحاب الكبائر في المشيئة، وقد دلت الأخبار الصحيحة على أن بعضهم يدخل النار بقدر ذنوبه ثم يخرج بالشفاعة أو ضمن قبضة الرحمن الذين لم يعملوا خيراً قط، ولهذا وجدنا القرطبي الفقيه يقول عند شرحه لحديث مسلم ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة)): ” وظاهر هذا الحديث أن من لقي الله وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده دخل الجنة ولا يدخل النار وهذا صحيح فيمن لقي الله بريئاً من الكبائر، فأما من لقي الله وهو مرتكب كبيرة ولم يتب منها فهم في مشيئة الله تعالى التي دل عليها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ،} [النساء: 48]، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعي أن طائفة من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بالتفضل المعبر عنه بالقبضة في الحديث الصحيح أو بما شاء الله تعالى فدل ذلك على أن الحديث المتقدم ليس على ظاهره فتعين تأويله، ولأهل العلم فيه تأويلان، الأول: أن هذا العموم يراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من أهل الكبائر ممن يشاء الله أن يغفر له ابتداءً، وثانيهما أنهم لا يحجبون عن الجنة بعد الخروج من النار وتكون فائدته الإخبار بخلود كل من دخل الجنة فيها وأنه لا يحجب عنها ولا عن شيء من نعيمها والله تعالى أعلم “([29]).[3] ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة “([30]).، ففي الحديث دلالة على أن كل من شهد الشهادتين معتقداً لهما ومات على ذلك فإن مآله إلى الجنة ولهذا قال القرطبي في شرح الحديث: ” والمراد هم وكل من شاركهم في التلفظ بالشهادتين واستيقان القلب بهما. ” أهـ ([31]).
[4] ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار، قال (أي معاذ) يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا قال: ” إذا يتكلوا ” فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً)) ([32]).
[5] ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ” قلت – أي راوي الحديث وهو أبو ذر – رضي الله عنه – وإن زنى وإن سرق قال: (وإن زنى وإن سرق) ثلاثاً ثم قال في الرابعة (على رغم أنف أبي ذر) فخرج أبو ذر وهو يقول وإن رغم أنف أبي ذر)) “([33]).
وبعد فهذه بعض الأحاديث التي تدل على صحة أنّ أصل الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار الإقرار بالشهادة مع اعتقادها، واعتقادها يشمل قول القلب أي تصديقه وعمل القلب بالانقياد لها إذ لا تصح الشهادة إلا بذاك.
[السبب السابع]: أحاديث الشفاعة تؤكد عناصر الإيمان الأصل: إذا أردنا أن نصل إلى تحديد الحد الأدنى من الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه، علينا أن نبحث عن آخر أهل الجنة دخولاً للجنة، وعن صفة إيمان هذا العبد، وذلك لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، وما دام هذا العبد قد دخل الجنة فقد حاز مسمى الإيمان، ولما كان هذا العبد آخر أهل الجنة دخولاً للجنة كان عنده أدنى الإيمان الذي يأخذ به اسم الإيمان وحكمه وكان عنده أصل الإيمان الذي أتاح له دخول الجنة، لذلك إذا توجه البحث إلى أبواب الشفاعة وخروج الموحدين من النار لوضح لنا أصل الإيمان المنجي من الخلود في النار، وذلك لأن آخر أهل الجنة دخولاً للجنة هو يقيناً آخر أهل النار من الموحدين خروجا من النار، لذلك ذهب الفقهاء إلى جمع هذه الأحاديث من كتب الصحاح والسنن وتتبعها والتوفيق بينها لبيان الحد الواضح لأدنى الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار، وتبين يقيناً بعد الجمع لأحاديث هذا الباب ((باب الشفاعة وخروج الموحدين من النار)) أن غالب من أخطأ في مسائل الإيمان عامة، وفي تحديد حد الإيمان الأدنى المنجي من النار خاصة، إنما أوتى من قبل الجهل ببعض أحاديث هذا الباب، أو عدم تمكنه من التوفيق بين أحاديثه الكثيرة المتفرقة في أبواب الصحيحين على وجه الخصوص لأنهما شملا غالب أحاديث الباب والتي يتبين من خلال جمعها وفهمها ما هو حد الإيمان الأدنى المنجي من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين المكذبين.
وقد بينت هذه الأحاديث أن للشفاعة مراحل عدة:
(المرحلة الأولى): شفاعات المؤمنين وهذه للمصلين يعرفونهم بأثر السجود فالنار لا تأكل منهم أثر السجود.
و(المرحلة الثانية): شفاعات الملائكة لمن بقي من المصلين لا يعرفهم المؤمنون فيخرجونهم أيضاً ويعرفونهم بأثر السجود.
و(المرحلة الثالثة): شفاعات النبيين وهي ولا شك لمن كان حالهم أدنى وأسوأ من سابقيهم ممن أخرجهم المؤمنون والملائكة.
و(المرحلة الرابعة): شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم وهي ثلاث تنال آخرها من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجهم من النار.
و(المرحلة الأخيرة): وفيها يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل الشفاعة الرابعة له وهي في حق من اقتصر على قول لا إله إلا الله معتقداً لها مجردة عن الأعمال فيأبى الله عز وجل ذلك له لأنها شفاعة لا تنبغي إلا لله سبحانه أرحم الراحمين فيقـول الله عـز وجـل كما جاء في الحديث: ((لـيس ذاك إليـك وعزتي وكبريـائي وعظمـتي وجبريائي لأخرجـن مـن قال لا إله إلا الله)) ([34]).
فالذي يدل على شفاعات المؤمنين وأنها تنال المصلين: ما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه ((وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا فيقول الله تعالى اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ويحرم الله صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون من عرفوا،))([35]).
والذي يدل على شفاعات الملائكة وأنها تنال المصلين: ما أخرجه البخاري عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – الحديث وفيه ((… حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة السجود فيخرجونهم قد امتحشوا فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل …))([36]).
والذي يدل على شفاعات الأنبياء: ما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – الحديث وفيه (فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا) ([37]). ، والذي يدل على شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم الثلاث: ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله، فيأتون موسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد – صلى الله عليه وسلم فيأتوني فأقـول: أنا لها، فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجداً، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان، فانطلق فافعل ثم أعود فاخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان، فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً فيقال: يا محمد، ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار من النار من النار، فأنطلق فأفعل)) ([38]).
فدل الحديث على أن هناك ثلاث شفاعات للنبي صلى الله عليه وسلم: الأولى: لمن كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، والثانية: لمن كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان، والثالثة: لمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردلة من إيمان، والذي يدل على شفاعة الرحمن وأنها تعم كل من اقتصر على قول لا إله إلا الله المجردة عن الأعمال: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس في الشفاعة وفيه ” … ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله قال: ليس ذاك لك (أو قال ليس ذاك إليك) ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال: لا إله إلا الله “([39]).
وما أخرجه البخاري– رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه وفيه: ((يشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، إلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه)) ([40]).
وما أخرجه مسلم– رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أيضاً وفيه: ” فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومـاً لم يعملوا خـيراً قـط قد عادوا حمماً فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر ومـا يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية، قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحد من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا فيقولون يا ربنا أي شيء أفضل من هذا فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) ([41]).
فالشفاعة الرابعة لا تنبغي إلا لأرحم الراحمين لأنها تعم كل من اقتصر على قول لا إله إلا الله المجردة عن الأعمال كما دل على ذلك لفظ الحديث، والشاهد لهذه الشفاعة الرابعة وأنها لا تنبغي إلا لله ما جاء في حديث مسلم – رحمه الله –((فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال: ليس ذاك لك (أو قال ليس ذاك إليك) ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله)) ([42]).
والذي يؤكد يقيناً أن صاحب هذه الشفاعة الرابعة جاء بالإقرار المجرد عن الأعمال تماماً ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري والشاهد منه ((فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا … إلى قوله فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه)) فأهل الجنة يصفون أصحاب القبضة بأنهم دخلوا الجنة بغير أعمال عملوها ولا خيرات قدموها، وهو كما جاء بالحديث الأول، والأكثر دلالة منهما على خروج الأعمال عن حد إيمان أصحاب القبضة حديث مسلم رحمه الله: ((فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط)) ، فالحديث صريح الدلالة على أن إيمان أصحاب القبضة كان مجرداً عن الأعمال لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لم يعملوا خيراً قط)) وفيه نفي مؤكد بلفظ (قط) بمعنى لم يعملوا خيراً أبداً، ويؤيد ذلك ويؤكده مجموع الأدلة المأخوذة من الأحاديث السابقة لهذا الحديث، فكلها قد تضافرت على إثبات إيمان مجرد من الأعمال لأصحاب القبضة الذين هم أقل الخلق إيماناً وآخر أهل الجنة دخولاً.
(والاستدلال بهذه الأحاديث على هذا النحو ليس بدعاً من القول بل هو ما قاله العلماء عند تعرضهم لشرح أحاديث الشفاعة والاستدلال بها):
(1) قال العيني في عمدة القارئ شرح صحيح البخاري: “نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قوله: الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل فالمخل بالأول وحده منافق والمخل بالثاني وحده كافر والمخل بالثالث وحده فاسق ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنة ” ([43]).
(2) قال القاضي عياض: عند قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث عن رب العزة سبحانه ((لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله)) ” فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان، وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم، وإنما دلت الآثار على أنه أذن لمن عنده شيء زائد على مجرد الإيمان وجعل للشافعين من الملائكة والنبيين صلوات الله وسلامه عليهم دليلاً عليه وتفرد الله عز وجل بعلم ما تكنه القلوب والرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان “([44]).
(3) قال ابن حزم: ” من ضيع الأعمال كلها فهو مؤمن عاص ناقص الإيمان لا يكفر، حدثنا – بسنده إلى عطاء بن يزيد الليثي – أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل ” حتى إذا فرغ الله من قضائه بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله ” ([45]).
(4) قال ابن عبد البر ” وفي هذا الأصل ما يدلك على أن قوله في هذا الحديث لم يعمل حسنة قط أو لم يعمل خيرا قط لم يعذبه إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير ” ([46]).
(5) قال الزركشي: ” فيقول الله بقيت شفاعتي فيخرج من النار من لم يعمل خيراً.. المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإِقرار بالشهادتين، كما تدل عليه بقية الأحاديث “([47]). وقد أقره ابن حجر على ذلك الوجه.
(6) قال ابن رجب الحنبلي: ” والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم (لم يعملوا خيراً قط) من أعمال الجوارح وإن كان أصل التوحيد معهم، ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار أنه لم يعمل خيراً قط غير التوحيد([48]).
وخلاصة المستفاد من أحاديث الشفاعة: (1) أن آخر شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم تتناول من كان عنده أدنى الأعمال.
(2) أن صاحب الإيمان المجرد عن الأعمال (فلم يعمل خيراً قط) هو من أهل شفاعة الرحمن الذين يخرجهم الله عز وجل من النار (وهم أصحاب القبضة).
(3) أن صاحب الإيمان المجرد عن الأعمال يثبت له اسم الإيمان وحكمه لأنه سينجو من الخلود الأبدي في النار ومآله إلى الجنة وإن طال به الزمان في النار.
[تبقى بعد هذه الأحاديث وقفة تحتاج إلى فقه وبصيرة]: وهي هل النجاة من الخلود الأبدي في النار والمتحققة في الأحاديث السابقة تتناول من اقتصر على قول لا إله إلا الله فقط أم أنها تتناول القائل لها بلسانه والمعتقد لها بقلبه والاعتقاد يتناول قول القلب (التصديق) وعمله وهو (الانقياد)، والإجابة على هذا السؤال يسيرة واضحة وهي أنه لا يصح الإقرار إلا بالتصديق وإلا كان المنافقون مؤمنين، ولا يصح التصديق إلا بالانقياد و إلا كان إبليس الرجيم مؤمناً فقد كـان كفره كفر إباء وعناد واستكبار، فمما يدل على أنه لا يصح الإقرار إلا بالتصديق: قوله عز وجل: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] وقوله جل شأنه {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]، فهذه الآيات جميعها دلت على أن الإقرار لا يصح بلا تصديق وأن صاحبه منافق نفاق اعتقادي حاله في النار أسوأ من حال الكفار الأصليين لأنه في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لأحد منهم منقذاً من النار ولا نصيراً، ودخول التصديق (ومنه المعرفة والعلم) في أصل الإيمان أمر أجمع عليه أهل السنّة حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: ” وإن جحد وقال لا يحتاج (أي الإيمان) إلى المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيماً ولا أحسب أحداً يدفع المعرفة والتصديق ” نقله عنه ابن تيمية في كتابه الإيمان، وعلق عليه بقوله: ” وأحمد ذكر أنه لا بد من المعرفة والتصديق مع الإقرار وقال إن من جحد المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيماً، فإن فساد هذا القول معلوم من دين الإسلام ولهذا لم يذهب إليه أحد قبل الكرامية، مع أن الكرامية لا تنكر وجوب المعرفة والتصديق” أهــ ([49]).ومما يدل على أنه لا يصح الإقرار والتصديق إلا بالانقياد القلبي: ما جاء في كتاب الله تعالى عن كفر إبليس الرجيم مع أنه يقيناً كان مصدقاً وإنما أتى كفره من قبل عدم الانقياد وليس من قبل التكذيب كما ذكر ذلك المولى تعالى في سورة البقرة بقوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] وفي سورة الإسراء نجد قول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 61 – 62]، في الآيات دلالة واضحة على أن كفر إبليس إنما هو لمعاندة أمر الله تعالى وليس لتكذيبه والمعاندة واضحة في قوله (أأسجد لمن خلقت طيناً)، فهذا معاندة للأمر واستكبار عن اتباعه وليس هو من باب التكذيب أبداً، وفي سورة ص نجد قول الله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 71 – 85].
وفي هذه الآيات دلالات عديدة على تصديق إبليس وأنه إنما أتي من قبل انتفاء عمل القلب وهو انقياده وإذعانه لأمر الله، وبالتالي استكباره عن طاعة الله وهذا هو كفر إبليس الحقيقي، ومعصية إبليس لم تكن في ترك السجود وإلا فقد أكل آدم عليه السلام من الشجرة بعد أن نهاه الله تعالى عنها ولكنه عصى الله بجوارحه وقلبه منقاد لأمر الله يعلم أنه ما كان ينبغي له مخالفة أمر الله في شيء ولذلك لما تاب وأناب تاب الله تعالى عليه، أما إبليس فلم يكن تركه للسجود معصية جارحة وإنما هو استكبار القلب وعناده وخلوه عن الانقياد لأمر الله فاستحق الكفر والرجم، ولو نظرنا إلى الآيات لوجدناه يخاطب الله عز وجــل بقوله ” رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ” فهو مصدق بالله بربوبيته له وللعالمين أجمعين، ولم يكن مكذباً بشيء من ذلك أبداً بل هو يحلف بعزة الله ويعلم أنها صفة جليلة للرحمن سبحانه فيقول ” فبعزتك لأغوينهم أجمعين ” ومن ذلك كله نعلم يقيناً أن التصديق المجرد لا ينفع بشيء حتى يضاف إليه انقياد القلب وإذعانه وخضوعه لأمر الله.
وجاء في كتاب الله تعالى عن كفر فرعون وقومه، قال تعالى في حق فرعون وقومه: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 13 – 14] فقد ذكر القرآن الكريم أنهم استيقنوا بآيات الله، واليقين أعلى درجات التصديق القلبي، ومع ذلك فكان كفرهم الحقيقي هو كفر الجحود جحود اللسان عن الإقرار بما صدقه بقلبه، وجحود القلب عن الانقياد والإذعان والخضوع لما صدقه بقلبه.
وجاء في كتاب الله تعالى عن كفر اليهود قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أهل الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109]، وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة 89 – 90].
فدلت الآيات الكريمات على أن اليهود قد تبين لهم الحق وأنهم يعرفونه بقلوبهم معرفة لا شك فيها، بل قد جاء في السنّة ما يدل على أن بعضهم أقر برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأقر أنه يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي ولكن لما كان الإقرار والتصديق مجرداً خالياً من انقياد القلب وخضوعه وإذعانه لأمر الله ونهيه، دل ذلك على أنهم لم ينفعهم تصديقهم ولا إقرارهم بشيء إذ خلا قلبهم من عمله الداخل في أصل الإيمان ألا وهو الانقياد القلبي لدين الله والطاعة القلبية لأمر الله ونهيه، وعلى ذلك فإقرار أصحاب القبضة لا يصح إلا باعتقاد ما أقروا به من توحيد الله عز وجل، و(الاعتقاد): قول وعمل يتناول قول القلب (ومنه المعرفة والعلم والتصديق) وعمل القلب (ومنه الانقياد والخضوع والإذعـان)، وبهذا يتضح لنا أن أصل الإيمان قول وعمل ويدخل فيه قول القلب ومنه التصديق وعمل القلب ومنه الانقياد ولازمه الذي لا بد وأن يظهر على الجوارح وهو إقرار اللسان.
وعلى ذلك: فعناصر الأصل ثلاثة هي: (1) إقرار اللسان (2) قول القلب (التصديق) (3) عمل القلب (الانقياد)، وبالرجوع إلى الكتاب والسنّة نجد أنّ الكتاب والسنّة يؤكدان ذلك ويؤيدانه تمام التأكيد.
(فائدة جليلة): في بيان العناصر الأساسية التي يتركب منها أصل الإيمان): أول ما يدل على الإيمان هو إقرار اللسان، ولكن إقرار اللسان لا يكفي لان المنافق يقر بلسانه وهو مكذب بقلبه، فلا يصح إيمانه، فكان لابد من وجود التصديق، مع الإقرار، ولكن ابليس الرجيم كان مقرا بالوحدانية لله ومصدقا بقلبه أنه هو الله، ولكنه اكفر الخلق لأنه لم يكفر بسبب التكذيب ولكن بسبب العناد، فدل ذلك على انه لابد مع الإقرار والتصديق انقياد القلب، فظهرت أجزاء الأصل الذي به يصح ادنى الإيمان، ويتمثل في إقرار اللسان وتصديق القلب وانقياد القلب، فكيف نعمل إزاء اجماع السلف على ان الإيمان قول وعمل، نقول نعم أصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان الواجب قول وعمل وفرع الإيمان المستحب كذلك قول وعمل، فالأصل قول وعمل، قول القلب: التصديق وعمل القلب: الانقياد، والأثر المترتب على ايمان القلب هو إقرار اللسان، فظهر بذلك ان ادنى ما يصح به الإيمان عند المسلمين له ثلاثة عناصر لا يصح إلا بها، التصديق (قول القلب)، والانقياد (عمل القلب)، ولازمهما وهو إقرار اللسان، وما زاد دخل في الإيمان الواجب من أداء الأركان والفرائض والكف عن المحرمات، وما زاد دخل في الإيمان المستحب من أداء السنن والنوافل والكف عن المكروهات. وتحقيق الأصل ادنى ما يصح به الإيمان، وهو التصديق والانقياد والاقرار، وضد التصديق التكذيب، وضد الانقياد الاستكبار، وضد الإقرار الامتناع، وانتفاء شيء من عناصر الأصل كفر اكبر مخرج من الملة، أما اذا استقرت عناصر الأصل فهو أدنى ما يصح به الإيمان، أما ترك الأركان تكاسلا مع الإقرار بها، وأهمها: (الصلاة) كفر دون الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام، ولكنه أعظم من سائر الكبائر ولهذا نص الشرع على ان ترك الصلاة كفر، فإن كان جحودا لفرضيتها فهو الكفر الأكبر وإن كان تكاسلا فهو الكفر دون الكفر الأكبر وسمي كفرا لأنه أعظم من الكبائر لكونه يفتح بابا نحو سوء الخاتمة والكفر الأكبر نعوذ بالله من الخذلان، والخلاصة: عناصر أصل الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان ثلاثة هي: قول القلــب (التصديق) وعمل القلـب (الانقياد) وإقرار اللسـان، أما عمل الجوارح فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الفرع ويشمل: الواجب والمستحب.
(فائدة أخرى مهمة جدا): في بيان لماذا نحرص على خروج العمل من أصل الإيمان وندخله في الإيمان الواجب: تكمن قيمة اخراج عمل الجارحة عن أصل الإيمان في مخالفة الفرق الضالة كالمعتزلة والخوارج الذين أدخلوه في الأصل فكان سيفا لهم على تكفير أهل القبلة واستحلال حرماتهم، وهذا حال كل من وافقهم في ادخال عمل الجارحة في أصل الإيمان نجد فيه غلوا في تكفير المسلمين لا محالة.
وهذا الذي ذكرناه هو مذهب العلماء المحققين لمذهب أهل السنّة والجماعة في المسألة، وأدلتهم في ذلك تصعب على الإحصاء، ومنها أنّ الإيمان جاء مقروناً بالعمل الصالح في أكثر من خمسين موضعاً في كتاب الله عز وجل، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما، ولا يُقال ها هنا أنّ العطف من باب عطف الخاص على العام، لأنّ ذلك خلاف الأصل، فالأصل أن العطف يقتضي المغايرة إلا أن توجد القرينة الصارفة ولا قرينة هنا على الخروج عن الأصل بل كثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة، فدل ذلك الحرص على الفصل بين لفظ الإيمان ولفظ العمل الصالح في القرآن الكريم على التغاير بين دلالة الإيمان ودلالة العمل الصالح، فالإيمان هاهنا المقصود به. الإيمان الأصل الذي يعطي لصاحبه اسم الإسلام وحكمه ويمنع من دخوله في الكفر الأكبر وأحكامه.والمقصود بالعمل الصالح هو الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات ذلك الإيمان الذي تتحقق به النجاة من الكفر في إطار الملة ومن لقب الفسوق ومن دخول النار ابتداء، ويستحق به صاحبه الحمد والثناء، أضف إلى ذلك الآيات العديدة في كتاب الله عز وجل والدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب، ومثاله قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، والآيات العديدة في كتاب الله عز وجل والدالة على أن أصل الكفر ومنبعه هو القلب، ومن ذلك قوله تعالى: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ}، والأحاديث الكثيرة الدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب، منها قوله صلى الله عليه وسلم ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت.. الحديث))، كما أنّ معنى الإيمان في اللغة العربية التصديق ومعنى الإسلام في اللغة الانقياد فإذا علمنا أنه لا يصح إسلام بلا تصديق وإلا كان نفاقاً، ولا يصح إيمان بلا انقياد وإلا كان إباءً واستكباراً علمنا أن الأصل الذي لا يصح به الإسلام على الحقيقة ولا الإيمان على الحقيقة هو تصديق القلب وانقياده وعمله فإنه يظهر ولا بد على الجوارح، فإن أدنى هذا التلازم هو تلفظ اللسان – وهو جارحة –.
وإذا قلنا بقاعدة أهل السنّة والجماعة من تلازم الظاهر والباطن وأن ما وقر في القلب ظهر على الجارحة، وأن أدنى ذلك التلفظ بالشهادتين، وعلى ذلك تستقيم الأدلة جميعها، على أن أصل الإيمان في القلب لا يتعداه ويشمل قول القلب (التصديق) وعمله (الانقياد)، وهناك قاعدة أصيلة قال بها أهل السنّة وهي تلازم الظاهر والباطن وأدنى التلازم الحاصل لحد الإيمان الأدنى هو عمل جارحة اللسان وذلك بالإقرار بالشهادتين، ومن نظر إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على أن حد الإيمان الأدنى كما في أحاديث الشفاعة يشمل من قال لا إلا الله نقول له لا يصح الإقرار إلا بالتصديق وهو قول القلب والانقياد وهو عمل القلب وعلى ذلك تلتقي الأدلة وحاصلها أن عناصر حد الإيمان الأدنى ثلاثة هي الإقرار والتصديق والانقياد، وبهذا يتضح أن أدنى الإيمان قول وعمل، قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، والعمل خارج عن الأصل داخل في الفرع الواجب والمستحب.
وقد لخص هذه المقولة الإمام الشافعي بقوله: (الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل فالمخل بالأول وحده منافق والمخل بالثاني وحده كافر والمخل بالثالث وحده فاسق ينجو مـن الخلـود في النـار ويدخل الجنـة) ([50]) . ونقل الطحاوي عن مذهب أهل السنّة: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين) ([51]). وقد استفاد علماء أهل السنّة من هذه القاعدة أيما استفادة في تقعيد قواعد الإيمان والكفر بما يمنع الإسراف في التكفير، وتكفير أهل القبلة بترك الأعمال كما فعلت الخوارج وكما فعلت المعتزلة في سلب مسمى الإيمان عنهم.
فكانت تلك القاعدة صمام امن لأهل السنّة يمتنعون به من تكفير من لا يستحق الكفر، ومن أجمل القواعد التي بنوها على اخراج أعمال الجارحة عن اصل الإيمان، وادخاله في الواجب، قولهم: (أ) الكفر الأكبر كفر اعتقاد، وكفر العمل كفر أصغر، فلا يجوز تكفير المسلمين بترك الاعمال ما دام الاعتقاد صحيحا.
(ب) الكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان والكفر دون كفر ضد للإيمان الواجب، وبهذا تتوافق النصوص ويظهر فقه أهل السنّة والجماعة على سائر الفرق.
ومن قواعدهم الجليلة في الباب والمستفادة من هذه القاعدة.
(ث) التفريق بين الاعمال الكفرية التي تدل على كفر القلب وجحوده كإهانة المصاحف وسب الدين، وبين الاعمال التي يكون التفريط فيها بسبب التكاسل والضعف كترك الصلاة، وشرب الخمر والزنا، فالأولى لازمة للكفر الأكبر لأنها نابعة عن كفر القلب، والثانية لابد من التفريق فيها بين الجحود والاستحلال وهو عمل القلب، وبين التكاسل المحض مع سلامة الاعتقاد.
ومن قواعدهم الجليلة في الباب والمستفادة من هذه القاعدة أيضا:
(ث) أنّ التـولي عن الطاعـة: كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط، فكل ما امر الشرع الحكيم به، إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار ابتداء.
(ج) وضوح الرؤية في مسألة كفر تارك الحكم بما أنزل الله، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المنقاد بقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، وتفريطه في عمل الجارحة فقط.
(ح) كذلك تحقيق القول في كفر تارك الصلاة وبيان أن ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب {جحد الصلاة} وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة.
(خ) وكذلك تحقيق القول في مسألة كفر تولي الكافرين، وبيان أنّه كفر أكبر لمن كانت الموالاة على أساس الدين، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وكانت الموالاة على أساس الدنيا.
وكل هذه القواعد الجلية لم تكن لتؤصل لولا قاعدة التفريق بين أصل الإيمان وواجبه ومستحبه، وجعل عناصر الأصل ثلاثة هي: قول القلــب (التصديق)، وعمل القلـب (الانقياد)، وإقرار اللسـان، أما عمل الجوارح فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الواجب، وأنّ تحقيق الأصل ادنى ما يصح به الإيمان، وهو التصديق والانقياد والاقرار، وضد التصديق التكذيب، وضد الانقياد الاستكبار، وهو كفر ابليس الرجيم، قال تعالى: {إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين}، وضد الإقرار الامتناع، وانتفاء شيء من عناصر الأصل كفر اكبر مخرج من الملة، أما اذا استقرت عناصر الأصل فهو أدنى ما يصح به الإيمان، أما ترك الأركان تكاسلا مع الإقرار بها، وأهمها: (الصلاة) كفر دون الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام، ولكنه أعظم من سائر الكبائر ولهذا نص الشرع على ان ترك الصلاة كفر، فإن كان جحودا لفرضيتها فهو الكفر الأكبر وإن كان تكاسلا فهو الكفر دون الكفر الأكبر وسمي كفرا لأنه أعظم من الكبائر لكونه يفتح بابا نحو سوء الخاتمة نعوذ بالله من الخذلان، (الشاهد): انه لولا هذا التأصيل الراسخ لما استطاع علماء أهل السنّة والجماعة من تأصيل أغلب قواعد الإيمان والكفر على هدي من الكتاب والسنّة في توسط عجيب، ودقة متناهية، وفقه حكيم، وفي المبحث التالي تأصيل القاعدة بأدلة الكتاب والسنّة وأقوال علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم .
[المفتاح الثاني]: أقوال علماء أهل السنّة الدالة على أن عناصر أصل الإيمان ثلاثة: إقرار اللسان (قول اللســان)، وتصديق القلب (قول القلـب)، وانقياد القلب (عمل القلـب)، وأن أعمال الجوارح خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرع الإيمان: علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة المحققون اتفقوا على أن حد الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار هو قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، وقبل أن أذكر أقوال الأئمة العلماء أود أن أذكر تنبيها يعين على فهم مقصود هؤلاء عند الحديث عن الإيمان الأدنى.
(تنبيه): بعض علماء أهل السنّة يذكرون (التصديق) عند تعريف الإيمان ويقصدون به التصديق الانقيادي المستلزم لقول القلب وعمله، وكثير من علماء أهل السنّة والجماعة يذكرون (الاعتقاد) عند تعريف الإيمان ويقصدون به آنذاك قول القلب (تصديق الخبر) وعمل القلب (انقياده للأمر والنهي)، وعلماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء المحققون قد اتفقت كلمتهم على إدخال التصديق والانقياد والإقرار في حد الإيمان الأدنى وأصله الذي لا يصح بدونه، واتفقوا – كما سيأتي بيان ذلك – على إخراج عمل الجوارح من دائرة هذا الأصل إلى دائرة الواجب، وحتى الذين قالوا بكفر تارك الصلاة الكفر الأكبر – مع أنه قول مرجوح لقواعد الجمع والترجيح بين أدلة الشرع ومخالف لقول جماهير السلف والخلف وسيأتي بيان ذلك – فإن هؤلاء لم يدخلوا الصلاة في أصل الإيمان وإنما قالوا بالكفر ل]gmأدلة أخرى إضافية، وإلا فقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب ولم يوجب ذلك زوال اسم الإيمان عنهم بالكلية، وبعد فالعلماء الفقهاء المحققون الذين اجتهدت في جمع أقوالهم في هذه المسألة البالغة الأهمية والتي على أساسها مدار أسماء وأحكام الملة جميعها.
أولاً: ما جاء عن الإمام الشافعي– رحمه الله – (ت 204 هـ): قال البدر العيني في كتابه عمدة القارئ شرح صحيح البخاري: ” نقل عن الشافعي أنه قال: الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل فالمخل بالأول وحده منافق والمخل بالثاني وحده كافر والمخل بالثالث وحده فاسق ينجو مـن الخلـود في النـار ويدخل الجنـة ” ([52]).
وقال القسطلاني في كتابه إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري – عند شرحه لحديث الإيمان بضع وستون شعبة – ” الإيمان في اللغة التصديق وفي عرف الشارع تصديق القلب واللسان وتمامه وكماله بالطاعات، فحينئذ الإخبار عن الإيمان بأنه بضع وستون يكون من باب إطلاق الأصل على الفرع لأن الإيمان هو الأصل والأعمال فروع منه – إلى أن قال – ولا يخفى أن هذه الوجوه إنما تقوم حجة على من يجعل الطاعات ركناً من حقيقة الإيمان بحيث أن تاركها لا يكون مؤمناً كما هو رأي المعتزلة، لا على من ذهب إلى أنها ركن من الإيمان الكامـل بحيث لا يخـرج تاركهـا عن حقيقـة الإيمـان كمـا هـو مذهـب الشافعـي – رحمه الله تعـالى “([53]).
القسطلاني أشار إلى مذهب الشافعي في المسألة وأنه يرى أصل الإيمان (تصديق القلب واللسان) ويدخل فيه بالطبع انقياد القلب، وعبر عنه القسطلاني بــ (حقيقة الإيمان)، وعبر عن الأعمال بأنها داخلة في الإيمان الكامل (أي الكمال المأمور به) وهو الواجب، وأن المقصر في الأعمال لا يخرج عن أصل الإيمان فله اسمه وحكمه، وقال البدر العيني وهو يوضح مذهب السلف والإمام الشافعي في علاقة عمل الجوارح بمراتب الإيمان: الإيمان في كلام الشارع قد جاء: 1) بمعنى أصل الإيمان وهو الذي لا يعتبر فيه كونه مقروناً بالعمل، 2) قد جاء بمعنى الإيمان الكامل وهو المعروف بالعمل، كما في حديث وفد عبد القيس، 3) والإيمان بهذا المعنى هو المراد بالإيمان المنفي في قوله صلى الله عليه وسلم ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) وهكذا كل موضع جاء بمثله، 4) فإن الإيمان المنجي من دخول النار هو الثاني باتفاق جميع المسلمين، 5) والإيمان المنجي من الخلود في النار هو الأول باتفاق أهل السنّة خلافاً للمعتزلة والخوارج، ومما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت: وأن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق) الحديث، 6) فالحاصل أن السلف والشافعي إنما جعلوا العمل ركناً في الإيمان بالمعنى الثاني دون الأول، وحكموا مع فوات العمل ببقاء الإيمان بالمعنى الثاني، وبهذا يندفع الإشكال “([54]).
ثانياً: ما جاء عن الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ): جاء في طبقات الحنابلة: في وصية الإمام أحمد لتلميذه الحافظ مسدد بن مسرهد: “ولا يخرج الرجل من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحداً بها فإن تركها كسلاً أو تهاوناً كان في مشيئـة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه “([55]).
ومع تدبر هذه الرواية نجد أنها تدل على أن مذهب الإمام أحمد هو أن ترك أعمال الجـوارح المجردة عن الاعتقاد خارج عن أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر ويؤكد ما ذكرناه هذه الرواية ما جاء في كتاب السنّة للخلال: ” أخبرنا محمد بن علي قال حدثنا صالح قال سألت أبي ما زيادته ونقصانه، قال: زيادته العمل ونقصانه ترك العمل مثل ترك الصلاة والزكاة والحج وأداء الفرائض، فهذا يزيد وينقص بالعمل “([56]).
فدل كلامه رحمه الله على أن أعمال الجوارح تؤثر في زيادة الإيمان ونقصانه ولكنها لا تلغيه بالكلية [ومن فوائد ذكر هذه الرواية عن الإمام أحمد أنها تدعونا إلى فتح ملف حكم تارك الصلاة في المذهب الحنبلي إذ المعلوم أن المدارس الفقهية المعتمدة التي انضبطت أقوالها وتحققت، جميعها على القول بأن تارك الصلاة متكاسلاً في إطار الملة لا يكفر الكفر الأكبر ما كان معتقداً لها منقاداً لفرضيتها، عدا ما ينقله البعض عن الإمام أحمد أنه كفر أكبر مخرج من الملة، ولكننا إذا تتبعنا أقوال الإمام أحمد في المسألة وأقوال أئمة المذهب الحنبلي وجدنا أن الأمر يختلف تماماً، وأن الراجح عند الحنابلة أنه كفر في إطار الملة وأن الروايات المخالفة ضعيفة ومضطربة، ومع اضطرابها فليس في شيء منها التصريح بأن المسلم يكفر الكفر الأكبر وقد بسطنا البحث حول هذه المسألة الهامة في الباب الثالث]، ولعل هذا ما دعا ابن قدامة المقدسي الحنبلي – وهو من أكبر أئمة المذهب الذين لهم الترجيح داخله – أن يرجح الرواية القائلة بكفره في إطار الملة،
ثالثا: قول أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي ت 321 هـ: يقول الطحاوي – رحمه الله: ” ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين “([57]). ويقول في موضع آخر من عقيدته: ” والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان وجميع ما صح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الشرع والبيان كله حق ” (قلت): ففي كلا النقلين يتكلم الطحاوي عن أصل الإيمان وكونه يتناول الإقرار والتصديق، وعن أدنى ما يصح به اسم الإيمان وحكمه لشخص ما، وأن أدنى ذلك هو إقراره بالشهادتين وتصديقه لهما، وأحب أن أنبه إلى أن التصديق في كلام علماء أهل السنّة والجماعة إنما يتناول التصديق الانقيادي، وإلا فالتصديق المجرد عندهم كتصديق إبليس واليهود وغيرهم لا يكون إيماناً البتة، وعلى ذلك فأصل الإيمان كما ذكره الطحاوي يتناول على الحقيقة ثلاثة عناصر هي الإقرار والتصديق والانقياد.
رابعاً: قول أبي بكر بن الحسين البيهقي (شيخ المحدثين في زمانه ت 458 هـ): (قلت) قد تقدم قوله وهو درة من أقوال علماء الأمة الأئمة الفقهاء، وهو قوله عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 70]: ” فقابل بين ما حببه إلينا وما كره إلينا، ثم أفرد الإيمان بالذكر فيما حبب وقابله بالكفر والفسوق فيما يكره، فدل ذلك على أن للإيمان ضدين أو أن من الإيمان ما ينقضه الكفر ومن الإيمان ما ينقضه الفسوق ” أهـ ([58]).
، وأزيد ها هنا ما استدل به على قوله من أدلة الكتاب والسنّة، قال رحمه الله: ” باب الدليل على أن التصديق بالقلب والإقرار باللسان أصل الإيمان وأن كليهما شرط في النقل عن الكفر عند عدم العجز ـ ثم أورد الأدلة على ذلك من الكتاب والسنّة أذكر بعضها خشية الإطالة: (1) قال الله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [البقرة الآية: 136] فأمر المؤمنين أن يقولوا آمنا بالله، (2) وقال الله عز وجل: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] فأخبر ـ سبحانه ـ أن القول العاري عن الاعتقاد ليس بإيمان وأنه لو كان في قلوبهم إيمان لكانوا مؤمنين لجمعهم بين التصديق بالقلب والقول باللسان، (3) ودلت السنّة على مثل ما دل عليه الكتاب، ثم ذكر عدة أحاديث منها: عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((اذهب فمن لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة)) ([59]).
(4) وعن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قـال: ((من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صادقاً من قلبه دخل الجنة)) ([60]).
(5) وعن الحسن عن بعض أصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه))، ([61]).
(6) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)) من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذل بها لسانه واطمأن بها قلبه لم تطعمه النار((([62]).
ثم أورد رحمه الله آثاراً عن السلف منها عن مجاهد أنه قال في قول الله عز وجل: ((إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) [الزخرف: 86] قال شهد بالحق وهو يعلم أنه ربه “([63]).
(قلت) عند تدبر النقل السابق عن البيهقي نجده في أوله ذكر أن أصل الإيمان تصديق القلب وإقرار اللسان، وقد علمنا أن أهل السنّة مجمعون على أن المقصود بالتصديق عندهم التصديق الإذعاني المستلزم لقول القلب (التصديق) وعمله (الانقياد)، ويدلنا ـ رحمه الله على مذهب أهل السنّة والجماعة في أن عمل الجوارح داخل في الإيمان ولكن الإيمان الواجب الزائد على أصل الإيمان ذكر مباشرة بعد النقل السابق عنه، ” باب الدليل على أن الطاعات كلها إيمان قال الله عز وجل في وصف المؤمنين {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} إلى قـوله {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا.. } [الأنفال: 2 – 4] فأخبر أن المؤمنين هم الذين جمعوا هذه الأعمال فدل ذلك على أنها جوامع الإيمان “([64]). ثم ذكر ـ رحمه الله ـ الأدلة على دخول عمل الجوارح من الطاعات في الإيمان الواجب الزائد على أصل الإيمان وحده الأدنى المخرج من الكفر والمنجي من الخلود الأبدي في النار وأن أصل الإيمان إقرار وتصديق وما زاد على ذلك من فعل المأمورات والفرائض والكف عن المحرمات إنما هو في إطار الإيمان الواجب، وأن أصل الإيمان يضاده الكفر والإيمان الواجب يضاده الفسوق، فقال رحمه الله وهو ينقل قول الحليمي عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 70] ” فقابل بين ما حببه إلينا وما كره إلينا، ثم أفرد الإيمان بالذكر فيما حبب وقابله بالكفر والفسوق فيما يكره، فدل ذلك على أن للإيمان ضدين أو أن من الإيمان ما ينقضه الكفر ومن الإيمان ما ينقضه الفسوق “([65]).
وقال عند حديثه حول قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} قال: ” معناه أن الذين آمنوا، الإيمان الناقل عن الكفر، ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضموا إليه الصالحـات فعلوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل” ([66]).
وكلامه وفق الأصل السابق واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، فالإيمان الناقل من الكفر هو أصل الإيمان وهو الإقرار والتصديق كما صرح بذلك وأفرد باباً بلفظه، وما زاد على أصل الإيمان من عمل الصالحات فهو في إطار الإيمان الواجب حتى يصـل بالطاعـة التامـة إلى حد الكمال، وقال رحمه الله في كتاب الاعتقاد: وقد أجمل فيه ما سبق بيانه وأشـار إلى أنـه مذهـب أهل السنّة فقـال رحمـه الله: ” ذهب أكثر أصحاب الحديث إلى أن اسم الإيمان يجمع الطاعات فرضها ونفلها وأنها على ثلاثــة أقســام: (1) قسم يكفر بتركه وهو اعتقاد ما يحب اعتقاده والإقرار بما اعتقده، (2) وقسم يفسق بتركه أو يعصي ولا يكفر به إذا لم يجحده وهو مفروض الطاعات كالصلاة والزكاة والصيام والحج واجتناب المحارم، (3) وقسم يكون بتركه مخطئاً للأفضل غير فاسق ولا كافر وهو ما يكون من العبادات طوعاً ” ([67]).
خامساً: أقوال القاضي عياض رحمه الله (ت 544 هـ): ينقل لنا النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم أقوال القاضي عياض في بيان مطلق الإيمان وأنه يشمل الإقرار والاعتقاد وأن ما زاد على ذلك فهو داخل في الإيمان المطلق (الإيمان الكامل بشقيه الإيمان الواجب والإيمان المستحب)، (1) فعند شرحه لحديث الشفاعة: قوله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة سبحانه ((لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله)) ” قال القاضي عياض: فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان، وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم، وإنما دلت الآثار على أنه أذن لمن عنده شيء زائد على مجرد الإيمان، وجعل للشافعين من الملائكة والنبيين ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ دليلاً عليه، وتفرد الله عز وجل بعلم ما تكنه القلوب والرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان، وضرب بمثقال الذرة المثل لأقل الخير فإنها أقل المقادير، قال القاضي وقوله تعالى ((من كان في قلبه ذرة)) وكذا دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر له القلب وصحبته النية، وفيه دليل على زيادة الإيمان ونقصانه وهو مذهب أهل السنّة “([68]). (قلت) فالإيمان هو ((قول لا إله إلا الله)) للحديث، و (الاعتقاد لها بالقلب) بدليل قوله ((لا ينفع من العمل إلا ما حضر له القلـب وصحبتـه النية))، (2) وعند شرح النووي لحديث (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة): ” قـال القاضي عيـاض: اختلـف الناس فيمن عصـى الله تعـالى من أهل الشهادتين فقالت المرجئـة: لا تضـره المعصيـة مع الإيمـان وقالت الخوارج: تضره ويكفر بها وقالت المعتزلة: يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق، وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن وإن لم يغفر له عذب فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة، قال: (أي القاضي عياض) وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره (أي ظاهر الحديث) قلنا: محمله على أنه غفر له أو أخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم (دخل الجنة) أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب وهذا لا بد من تأويله لما جاء في ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة فلا بد من تأويل هذا إلى أن قال: وقد يحتج به أيضاً من يرى أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم، ومذهب أهل السنّة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع إحداهما ولا تنجي من النار دون الأخرى ” ([69]).
(3) عند شرح النووي لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ((الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)).. قال القاضي عياض ـ رحمه الله ـ: وقد تقدم أن أصل الإيمان في اللغة التصديق وفي الشرع تصديق القلب واللسان وظواهر الشرع تطلق على الأعمال كما وقع هنا (أفضلها لا إله إلا الله) وآخرها (إماطة الأذى عن الطريق) وقد قدمنا أن كمال الإيمان بالأعمال وتمامه بالطاعات، وأن التزام الطاعات وضم هذه الشعب من جملة التصديق ودلائل عليه وأنها خلق أهل التصديق فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعي ولا اللغوي وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على أن أفضلها التوحيد المتعين على كل أحد والذي لا يصح شيء من الشعب إلا بعد صحته” ([70]).
سادسا: قول حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله: قال في كتابه قواعد العقائد: ” الإيمان حاصل دون العمل وقد اشتهر عن السلف قولهم الإيمان عقد وقول وعمل فما معناه؟، قلنا لا يبعد أن يعد العمل من الإيمان لأنه مكمل له ومتمم كما يقال الرأس واليدان من الإنسان ومعلوم أنه يخرج عن كونه إنسانا بعدم الرأس ولا يخرج عنه بكونه مقطوع اليد، وكذلك يقال للتسبيحات والتكبيرات من الصلاة وإن كانت لا تبطل بفقدها، فالتصديق بالقلب من الإيمان كالرأس من وجود الإنسان إذ ينعدم بعدمه وبقية الطاعات كالأطراف بعضها أعلى من بعض وقد قال لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، والصحابة رضي الله عنهم ما اعتقدوا مذهب المعتزلة في الخروج عن الإيمان بالزنا ولكن معناه غير مؤمن حقا إيمانا تاما كاملا كما يقال للعاجز المقطوع الأطراف هذا ليس بإنسان أي ليس له الكمال الذي هو وراء حقيقة الإنسانية ” أهــ ([71]).
سابعا: قول أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي ـ رحمه الله ـ (ت 656 هـ): (القرطبي) من أعلام الأئمة الفقهاء الذين صرحوا بمذهب المحققين من أهل السنّة والجماعة في مسائل أصل الإيمان وفرعه ومن ذلك قوله: ” فإن من اعتقد الحق وصدق به تصديقاً جازماً لا شك فيه ولا ريب دخل الجنة كما قدمناه وكما دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة ((من لقي الله وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله غير شاك فيهما دخل الجنة)) ([72]). وقوله ـ رحمه الله في كتابه التذكرة عند شرحه لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار ونصف دينار وذرة من إيمان) ” فقوله (من إيمان) أي من أعمال الإيمان التي هي أعمال الجوارح.. إلى أن قال والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلنا ولم يرد مجرد الإيمان الذي هو التوحيد له ونفى الشركاء والإخلاص بقوله لا إله إلا الله ما في الحديث نفسه من قوله (أخرجوا أخرجوا) هو سبحانه بعـد ذلك يقبض قبضة فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط يريد التوحيد المجرد عن الأعمـال ” ([73]).
(2) ويؤكد هذا المعنى بقوله: ” فشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم والملائكة والنبيين والمؤمنين لمن كان له عمل زائد على مجرد التصديق ومن لم يكن معه من الإيمان خيراً كان من الذين يتفضل الله عليهم فيخرجهم من النار فضلاً وكرماً وعداً منه حقاً ولكنه صدقاً (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فسبحـانه الرؤوف بعبـاده الـوفي بعهـده ” ([74]).(قلت) ومعلوم أن التصديق عند أهل السنّة اعتقاد يشمل قول القلب (التصديق) المستلزم لعمله (الانقياد).
(3) وقوله رحمه الله عند شرحه لحديث ((من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)): ” ومن باب: من لقي الله عالماً به دخل الجنة قوله: ((من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)) حقيقة العلم هي وضوح أمر ما وانكشافه على غايته، بحيث لا يبقى له بعد ذلك غاية في الوضوح، ولا شك في أمر أن من كانت معرفته بالله تعالى ورسوله كذلك، كان في أعلى درجات الجنة، وهذه الحالة هي حالة النبيين والصديقين، ولا يلزم فيمن لم يكن كذلك ألا يدخل الجنة، فإن من اعتقد الحق، وصدق به تصديقاً جازمـاً لا شك فيه ولا ريب، دخل الجنة، كما قدمناه، وكما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: ((من لقي الله وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله غير شاك فيهما دخل الجنة)) وكما قال ((من كان آخر قوله لا إله إلا الله وأني رسول الله دخل الجنة))، فحاصل هذين الحديثين: أن من لقي الله تعالى وهو موصوف بالحالة الأولى والثانية دخل الجنة، غير أن هناك فرقاً بين الدرجتين كما بين الحالتين، كما صرحت به الآيات الواضحـات، كقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} “([75]).
(6) وقوله رحمه الله ـ عند شرحه لحديث “اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط تشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة ” والمراد: هم وكل من شاركهم في ذلك بالتلفظ بالشهادتين، واستيقان القلب بهما وحينئذ يرجع إلى التأصيل والتفصيل الذي ذكرناه في الباب قبل هذا، وفي دفع النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة بنعليه دليل على جواز عضد خبر المخبر الواحد بالقرائن، تقوية لخبره وإن كان لا يتهم، وفيه اعتبار القرائن والعلامات والعمل على ما يقتضيه من الأعمال والأحكام، واليقين: هو العلم الراسخ في القلب الثابت فيه، يقال منه: يقنت الأمر ـ بالكسر ـ معناه: أيقنت واستيقنت وتيقنت، كله بمعنى واحد ” ([76]).
(قلت) والتفصيل الذي أشار إليه هو أن الإيمان المنجي من الخلود في النار يشمل إقرار اللسان واعتقاد القلب وأنه لا يكفي أحدهما عن الآخر بل لا بد من إقرار اللسـان واعتقاد القـلب لصحة الإيمان، وقد سبق نقل قوله ” فإن من اعتقد الحق وصدق به تصديقاً جازماً لا شك فيه ولا ريب دخل الجنة “([77]).
وقوله رحمه الله ـ عند شرحه لحديث الشفاعة والذي فيه شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الأولى: ((لمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان)) والثانية ((لمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) والثالثة ((لمن كان في قلبه أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان)) والرابعة ((فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال: ليس ذاك لك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله)) ([78]). ، قال في شرحه: ” ومن باب: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن أدخل النار من الموحدين (قوله: فيقال: ” انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ” إلى أن قال: ((فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان) اختلف الناس في هذا الإيمان المقدر بهذه المقادير، فمنهم من قال: هو اليقين، ورأى أن العلم يصح أن يقال فيه: إنه يزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن، وباعتبار دوام حضوره، وأنه ينقص بتوالي الغفلات على قلب المؤمن، وهذا معقول، غير أن حمل هذا الحديث عليه فيه بعد، لما جاء من حديث أبي سعيد، حيث قال الشافعون: لم نذر فيها خيراً، مع أنه تعالى مخرج بعد ذلك جموعاً كثيرة ممن قال: لا إله إلا الله، وهم مؤمنون قطعاً، ولو لم يكونوا مؤمنين لما خرجوا بوجه من الوجوه، ولذلك قال تعالى: لأخرجن من قال لا إله إلا الله ” وعن إخراج هؤلاء عبر بقوله: فيقبض قبضة فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط ” فإذاً الأصح في تأويل هذا الحديث أن يكون الإيمان ـ هنا ـ أطلق على أعمال القلـوب، كالنيــة، والإخـلاص، والخـوف، والنصيحــة، وشبـه ذلــك (من أعمال القلـوب)، وسماها: إيماناً لكونها في محل الإيمان أو عن الإيمان، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، وإنما قلنـا: أراد به أعمال القلوب هنا دون أعمال الأبدان، لقوله: ” من كان في قلبه ” و” وجدتم في قلبه ” فخصه بالقلب، ولا جائز أن يكون التصديق على ما تقدم، فتعين ما قلناه [قوله ولا جائز أن يكون التصديق لأنه داخل في أصل الإيمان لا يصح الإيمان بدونه وقد علمنا أنه التصديق الانقيادي المستلزم لقول القلب وعمله، أما قوله بعد ذلك فتعين ما قلناه أي من نجاة صاحب الإقرار بالتوحيد واعتقاده وإن لم يعمل خيراً قط]، والله أعلم، وذكر الحبة ونصفها، والمثقال ونصفه،،وأدنى من ذلك، هي كلها عبارات عن كثرة تلك الأعمال وقلتها “([79]).
ثامنا: أقوال الإمام أبي زكريا محي الدين النووي (ت 676 هـ): (1) قال رحمه الله: وهو ينسب كلامه إلى اتفاق علماء أهل السنّة من أهل الفقه وأهل الحديث وغيرهم، وهو لا ينسب ذلك إلا بيقين عنده أن ذلك هو قولهم أو قول عامتهم على أدنى الأحوال ” واتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك، ونطق بالشهادتين فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً “([80]).
(2) وقال رحمه الله عند شرحه لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)) قال: وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقاداً جازماً لا تردد فيه كفاه ذلك وهو مؤمن من الموحدين … إلى أن قال: وفيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم” ([81]).
(3) قال رحمه الله: عند مقدمته لباب مسلم (باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً) قال:هذا الباب فيه أحاديث كثيرة.. واعلم أن مذهب أهل السنّة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحداً دخل الجنة قطعاً على كل حال … فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من الماضي ما عمل، كما إنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل، هذا مختصر جامع لمذهب الحق في هذه المسألة وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنّة وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلـم القطعي ([82]).
(4) وقال رحمه الله وهو يدلنا على أن الأعمال إنما هي في إطار الإيمان الكامل (الواجب) وليست داخله في أصل الإيمان ” وقد قدمنا أن كمال الإيمان بالأعمال وتمامه بالطاعات وأن التزام الطاعات وضع هذه الشعب من جملة التصديق ودلائل عليه، وأنها خلق أهل التصديق فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعي ولا اللغوي “([83]).
(5) وقال رحمه الله: وهو يشير إلى أن من أتى بأصل الإيمان (الاعتقاد والإقرار) فإنه لا يخلد في النار أبداً خلود الكافرين، وأنه لا بد له من دخول الجنة آخراً، (قال): ” فنقرر أولاً مذهب أهل السنّة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء والمتكلمين على مذهبهم: أن أهل الذنوب في مشيئة الله تعالى، وأن كل من مات على الإيمان وتشهد مخلصاً من قلبه بالشهادتين فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائباً أو سليماً من المعاصي دخل الجنة برحمة ربه وحرم على النار بالجملة، وإن كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله تعالى عليه أو بفعل ما حرم عليه فهو في المشيئة لا يقطع في أمره بتحريمه على النار ولا باستحقاق الجنة لأول وهلة، بل يقطع فإنه لا بد من دخوله الجنة آخراً، وحاله قبل ذلك في خطر المشيئة إن شاء الله تعالى عذبه بذنبه وإن شاء عفا عنه بفضله “([84]).
(6) ويبين رحمه الله أن للإيمان ركنان أصليان لا بد من الجمع بينهما حتى يصير العبد مؤمناً في أحكام الدنيا والآخرة فيقول عند شرح حديث (فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة) ” معناه أخبرهم أن من كانت هذه صفته فهم من أهل الجنة وإلا فأبو هريرة لا يعلم استيقان قلوبهم، وفي هذا دلالة لمذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق، ولا النطق دون الاعتقاد بل لا بد من الجمع بينهما ” ([85]).
(7) وقوله رحمه الله: وهو يشرح حديث الشفاعة ويبين أن من أقر بالشهادتين وصدق بهما واقتصر على ذلك فرحمة الله ستناله ومآله إلى الجنة بما أتى به من ركن الإيمان، (قال): وقوله صلى الله عليه وسلم ((إئذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله)) معناه لأتفضلن عليهم بإخراجهم من غير شفاعة كما تقدم في الحديث السابق: (شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين) ([86]).
وأخيراً: فالنقول عن الإمام النووي في تأصيل مذهب أهل السنّة والجماعة في مسائل الإيمان كثيرة جدا أكتفي ـ خشية الإطالة ـ بما سبق.
تاسعا: قول ابن رجب الحنبلي (ت 795 هـ): (1) قال: ” والمقصود بهذا الباب تقرير أن قول اللسان عمله، واستدل لذلك بقوله تعـالى (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) وقوله (لمثل هذا فليعمل العاملون) ومعلوم أن الجنة إنما يًستحق دخولها بالتصديق بالقلب مع شهادة اللسان، وبهما يخرج من يخرج من أهل النار فيدخل الجنة “([87]).
(2) وقال: ” المراد بقوله صلى الله عليه وسلم (لم يعملوا خيراً قط) من أعمال الجوارح وإن كان أصل التوحيد معهم، ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار أنه لم يعمل خيراً قط غير التوحيد ” ([88]).
عاشرا: قول الكرماني شارح صحيح البخاري، قال رحمه الله: عند شرحه لحديث (أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)، ” المراد بحبة الخردل زيادة على أصل التوحيد، وقد جاء في الصحيح بيان ذلك ففي رواية (أخرجوا من قال لا إله إلا الله وعمـل من الخير ما يزن كذا، ثم بعد هذا يًخرج منها من لم يعمل خيراً قط غير التوحيد ” ([89]).
(قلت) وقوله ” ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيراً قط غير التوحيد ” يقصد به من يخرجهم الله تعالى بعد شفاعات النبيين والملائكة والمؤمنين ممن أتى بلا إله إلا الله معتقداً له غير ناقض لها مجردة عن أعمال الجوارح،
الحادي عشر: قول الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله (ت 852 هـ): قال رحمه الله: وهو ينقل مذهب السلف في فقه الإيمان: ” السلف قالوا هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص.. والمرجئة قالوا هو اعتقاد ونطق فقط، والكرامية قالوا هو نطق فقط، والمعتزله قالوا هو العمل والنطق والاعتقاد، والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطاً في صحته والسلف جعلوها شرطاً في كماله، وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى، أما بالنظر إلى ما عندنا فالايمان هو الإقرار فقط فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر إلاً إذا اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم، فإن كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره ومن نفى عنه الإيمان فبالنظر إلى كمـالـه “([90]).
وهو رحمه الله ينسب إلى السلف صراحة أنهم يقولون أن أعمال الجوارح تدخل في كمال الإيمان، وهو ولا شك يقصد الكمال المأمور به والذي عرفه كثير من العلماء بالإيمان الواجب، وقد بين رحمه الله أن هذا التفصيل هو الفارق بين قول السلف وأهل السنّة وبين الخوارج والمعتزلة حيث أنهم أدخلوا أعمال الجوارح في أصل الإيمان لا كمالـه الواجب المأمور بـه، ولو أخذ الناس بهذا التعريف البليغ لابن حجر عن الايمان وهو ينقله عن السلف لوقفوا على معتقد السلف وفقههم الدقيق لمسائل الايمان وهم رضي الله عنهم أفقه الناس في دين الله تعالى وأقلهم تكلفاً فيه.
الثاني عشر: قول البدر العيني (ت 855 هـ) قال رحمه الله: ” “الإيمان في كلام الشارع قد جاء: (1) بمعنى أصل الإيمان وهو الذي لا يعتبر فيه كونه مقروناً بالعمل.
(2) وقد جاء بمعنى الإيمان الكامل وهو المقرون بالعمل، كما في حديث وفد عبد القيس والإيمان بهذا المعنى هو المراد بالإيمان المنفي في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) وهكذا كل موقع جاء بمثله.
(3) فإن الإيمان المنجي من دخول النار هو الثاني باتفاق جميع المسلمين.
(4) والإيمان المنجي من الخلود في النار هو الأول باتفاق أهل السنّة خلافاً للمعتزلة والخوارج ومما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر ((ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة قلت: وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق)) الحديث.
(5) فالحاصل أن السلف والشافعي إنما جعلوا العمل ركناً في الإيمان بالمعنى الثاني دون الأول، وحكموا مع فوات العمل ببقاء الإيمان بالمعنى الأول وبأنه ينجو من النار باعتبار وجوده، وإن فات الثاني، وبهذا يندفع الإشكال” ([91]).
وقال أيضاً: وهو يشير إلى ما قاله النووي وقد سبق ونقلناه عنه: ” اتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على ما قاله النووي أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلاّ من اعتقد بقبله دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ونطق مع ذلك بالشهادتين قال: فإن اقتصر على اعتقادها لم يكن من أهل القبلة أصلاً بل يخلد في النار إلاّ أن يعجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية أو لغير ذلك فإنه حينئذ يكون مؤمناً بالاعتقاد من غير لفظ “([92]).
الثالث عشر: قول القسطلاني شارح صحيح البخاري: قال رحمه الله: ” الإيمان في اللغة التصديق وفي عرف الشارع تصديق القلب واللسان، وتمامه وكماله بالطاعات، فحينئذ الإخبار عن الإيمان بأنه بضع وستون يكـون من باب إطلاق الأصل على الفرع لأن الإيمان هو الأصل والأعمال فروع منه ـ إلى أن قال ـ ولا يخفى أن هذه الوجوه إنما تقوم حُجة على من يجعل الطاعات ركناً من حقيقة الإيمان بحيث أن تاركها لا يكون مؤمناً كما هو رأي المعتزلة لا على مذهب أنها ركن من الإيمان الكامل [المقصود بالكامل ها هنا هو الكمال المأمور به وهو الإيمان الواجب] بحيث لا يخرج تاركها عن حقيقة الإيمان كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى “([93]).
وكلامه على نفس الفقه الذي تحدث به البدر العيني، إلاّ أنه أشار إلى أن إدخال أعمال الجوارح كركن في أصل الإيمان إنما هو قول المعتزلة وليس أبداً قول علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة الفقهاء، وأشار إلى أن مذهب الشافعي هو جعل أعمال الجوارح ركناً في الإيمان الواجب وليس في أصل الإيمان كما قالت المعتزلة،
الرابع عشر: قول السفاريني (ت 1188 هـ): قال: ” القول بخلود أهل التوحيد في النار يُعد من المحن والوبال وهو من شعار أهل البدع والضلال، والصواب اجتناب اعتقاده وعدم الالتفات إلى من تمادى في جهله وعناده، والتعويل على مذهب أهل الحق ووجوب اعتقاده وبالله التوفيق ” ([94]).
أما مذهب أهل الحق فهو ما نقله رحمه الله عن الحافظ ابن حجر بقوله ” والفرق بين المعتزلة وبين السلف أن المعتزلة جعلوا الأعمال شرطاً في صحته والسلف جعلوها شرطاً في كماله، وهذا بالنظر إلى ما عند الله تعالى “([95]).
(قلت) ومن هذا التفصيل يتبين أنه لا يحكم على أهل التوحيد بالخلود في النار لترك الفرائض أو ارتكاب الكبائر سوى الخوارج والمعتزلة أعاذنا الله من الابتداع والضلال.
[المفتاح الثالث]: القول بان الإيمـان قول وعمل وأن له أصل يدخل فيه قول القلب (التصديق)، وعمل القلب (الانقياد) ولازمه (إقرار اللسان)، وأنّ للإيمان فروع واجبة ومستحبة يدخل فيه كافة شعب الإيمان هو التحقيق العلمي الذي قال به السادة الأشاعرة وقريب منه قول السادة الماتريدية، وهما جناحا أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة،
(أ) هذا التحقيق هو قول السادة الأشاعرة:
[1] قال الإمام الأشعري رحمه الله في كتابه اللمع – في بيان أصل الإيمان -: (إن قال قائل: ما الإيمان عندكم بالله تعالى؟ قيل له: هو التصديق بالله، وعلى ذلك إجماع أهل اللغة التي نزل بها القرآن، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] وقال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء: 195]، فلما كان الإيمان في اللغة التي أنزل الله تعالى بها القرآن هو التصديق، وقال الله تعالى: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17] أي بمصدق لنا، وقالوا جميعا: فلان يؤمن بعذاب القبر والشفاعة، يريدون يصدق بذلك، فوجب أن يكون الإيمان هو ما كان عند أهل اللغة إيمانا وهو التصديق) ([96]).
وهذا التصديق لاشك أنّه التصديق الانقيادي الذي يشمل قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد)، جاء في كتاب الشرح الجديد لجوهرة التوحيد على معتقد السادة الأشاعرة: قال الشارح: ” فسر جمهور الأشاعرة والماتريدية الإيمان: بتصديق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما علم مجيئه به من الدين بالضرورة والمراد من تصديقه صلى الله عليه وسلم قبوله ما جاء به مع الرضى أي ترك التكبر والعناد والمدافعة لا مجرد العلم بحقيقة نبوته وصدقه عليه السلام ” أهــ ([97]).
[2] وقال الإمام الباقلاني: ” بأن حقيقة الإيمان هو التصديق، وأن محله القلب، وهو أن يصدق القلب بأن الله واحد، وأن الرسول حق، وأن جميع ما جاء به الرسول حق، وما جاء يوجد من اللسان وهو الإقرار وما يوجد من الجوارح وهو العمل، فإنما ذلك عبارة عما في القلب ودليل عليه) ([98]).
[3] وقال أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في بيان أنّ أركان أصل الإيمان التصديق الانقيادي (قول القلب وعمله) مع اقرار اللسان، وأنّ عمل الجوارح خارج عن الأصل داخل في الفرع الواجب: {قال – أي الإمام الأشعري – الإيمان هو التصديق بالجنان، وأما القول باللسان والعمل بالأركان ففروعه، فمن صدق بالقلب، أي أقر بوحدانية الله تعالى، واعترف بالرسل تصديقا لهم فيما جاءوا به من عند الله تعالى بالقلب صح إيمانه، حتى لو مات عليه في الحال، كان مؤمنا ناجيا، ولا يخرج من الإيمان إلا بإنكار شيء من ذلك ([99]).
[4] وجاء في تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد وهو المرجع المعتمد لمتأخري الأشاعرة ما يدل على دخول قول القلب في أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، قـال صاحب الشرح إبراهيم البيجوري رحمه الله: ” وليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول ذلك بحيث يقع عليه اسم التسليم ” أهـ ([100]).وقال رحمه الله وهو يُشير إلى اعتقاده لمذهب أهل السنّة والجماعة في نسبة أعمال الجوارح إلى مراتب الإيمان ” العمل شرط كمال على المختار عند أهل السنّة فمن أتى بالعمل فقد حصّل الكمال ومن تركه فهو مؤمن ولكنه فوّت على نفسه الكمال “([101]).
” قلت ” وإذا كان الكمال نوعان، كمال واجب مأمور به وكمال مستحب مندوب فإن مقصده الكمال المأمور به وهو الواجب وعلى ذلك اتضح لنا مذهب الأشاعرة المعتمد في مسائل الإيمان وهو أنّ أصل الإيمان إقرار وتصديق وانقياد وعمل الجوارح داخل في الإيمان الواجب، وجاء في كتاب الشرح الجديد لجوهرة التوحيد: قال ناظم الجوهرة: (وفُسرالإيمـان بالتصديـق..والنطـق فيــه الخُلـفُ بالتحقيــق.. فقيـل شـرط كالعمــــــــــــل.. وقيل بل شطـر والإسلام اشرحن بالعمل)، قال الشارح: ” فسر جمهور الأشاعرة والماتريدية الإيمان بتصديق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما علم مجيئه به من الدين بالضرورة والمراد من تصديقه صلى الله عليه وسلم قبوله ما جاء به مع الرضى أي ترك التكبر والعناد والمدافعة لا مجرد العلم بحقيقة نبوته وصدقه عليه السلام أهــ ([102]).
وعند تدبر هذه النقول نجد أنّ المعتمد لدى الأشاعرة هو أنّ أصل الإيمان الذي به النجاة من الكفر الأكبـر قـول وعمـل يتـناول قول القلب (التصديق) وعمله (الانقياد) ودليل ذلك قول الشارح: ” والمراد من تصديقه صلى الله عليه وسلم: قبول ما جاء به من الرضى، وترك التكبر والعناد والمدافعة ” أهـ، فالقبول هو التصديق وترك التكبر والعناد هو الانقياد ثم يؤكد ذلك بقوله ” لا مجـرد العلـم ” فهذا يدل على أنّ العلم المجرد لا يصح كونه تصديقاً إذ التصديق المعتبر عندهم هو التصديق الانقيادي المستلزم لانقياد القلب وعدم استكباره وعناده، والحاصـل أنـه لا يصـح إيمان العبد في الدُنيا حتى يأتي بقول القلب (التصديق) وعمل القلـب (الانقياد) وإقرار اللسان (النطق بالشهادتين) وهذا إجماع منهم بذلك، ثم الخلاف في الأحكام الأخروية المترتبة على كون النطق شرط صحة الإيمان أو شطر وعنصر من عناصر أصل الإيمان وهذا عموماً خلاف نظري لا يترتب عليه أي خلاف في أحكام الإيمان والكفر الدُنيوية، لأن التارك للإقرار على القول الأول لا يُعتد بإيمانه لعدم شرط صحته، وعلى القول الثاني لا يصح إيمانه لفقده جزء من أصل إيمانه، وعلى ذلك فمآل القولين واحد والخلاف في اللفظ والعبارة دون المعنى، وعند قول صاحب الجوهرة (والإسلام أشرحن بالعمل): نقل الشارح عن المحققين من علماء الأشاعرة والماتريدية اتحاد مفهومي أصل الإيمان وأصل الإسلام وذلك لأن أصل الإيمان التصديق وأصل الإسلام الإذعان ولا يصح تصديق بلا إذعان ولا يصح إذعان بلا تصديق ولهذا قال: ” اتحاد مفهومي الإيمان والإسلام لا بمعنى أنّ معناهما واحد في اللغة بل على معنى أنّ كل من اتصف بأحدهما متصف بالآخر شرعاً فلا يوجد مؤمن ليس بمسلم ولا مسلـم ليـس بمؤمن والمراد بالإيمان والإسلام المنجيان فمتى تحقق أحدهـم تحقـق الآخـر ” أهــ ([103]).
(فائدة): من أهم الادلة التي استدل بها الأشاعرة على دخول عمل الجوارح في فرع الإيمان وليس أصله الناقل من الكفر إلى الإيمان:
(1) اقتران الإيمان بالعمل بما يدل على تغايرهما: ورود الإيمان مقترنا بالعمل الصالح في العديد من آيات القرآن الكريم، وهذه الآيات التي فيها عطف العمل على الإيمان، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما، ولا يُقال ها هنا أنّ العطف من باب عطف الخاص على العام، لأنّ ذلك خلاف الأصل، فالأصل أن العطف يقتضي المغايرة إلا أن توجد القرينة الصارفة ولا قرينة هنا على الخروج عن الأصل بل كثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة.
(2) آيات عديدة تدل على أنّ الإيمان محله القلب ويشمل اعتقاد القلب وهو: قول القلب: (التصديق) و عمل القلب (الانقياد)، كقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات)) ([104]).وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب)) ([105]).
(3) أحاديث عديدة تدل على أنّ عمل الجارحة خارج عن الأصل – الناقل من الكفر إلى مطلق الإيمان – داخل في الفرع الواجب والمستحب الزائد عن الأصل والمكمل لشعب الإيمان المطلق، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من إيمان) ([106]). وما جاء في حديث الشفاعة المتفق عليه ((فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله))، ([107]). وما أخرجه البخاري ومسلم: عنه صلى الله عليه وسلم قوله لمعاذ: ((ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار)) قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: ((إذا يتكلوا)) وأخبر بها معاذ عند موته تأثما([108]). ، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري: ((اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه)) وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة))، ([109]). وحديث أبي ذر رضي الله عنه في صحيحي البخاري ومسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر))، ([110]).
(تنبيه): الخلاف في مسألة جعل إقرار اللسان شرط أو شطر خلاف صوري لأن الشرط معناه شرط في صحة الإيمان أو في إجراء الأحكام الدُنيوية والشطر معناه أنه جزء من حقيقة الإيمان [أصل الإيمان] لا يُعتد بإيمان من فقده، وعليه فمآل القولين واحد والخلف بينهما في اللفظ والعبارة لا في المعنى، ولما كان تصديق القلب وانقياده أمر باطني لا إطلاع لنا عليه، جعله الشارع منوطاً بالشهادتين، وهل النطق بالشهادتين شرط لإجراء أحكام المؤمنين في الدُنيا غير داخل في مسمى الإيمان أو جزء منه داخل في مسماه، فمن نطق بالشهادتين فهو المؤمن عندنا وحسابه على الله ومن لم ينطق بهما فهو الكافر عندنا وحسابه على الله، إذن فالمسألة لا خلاف فيها بالنظر إلى اجراء الأحكام على الناس، وحكمها عند الله يعلمه الله ولا دخل للعلماء به.
(ب) هذا التحقيق هو قول قول السادة الماتريدية الأحناف: أصل الإيمـان المنجي من الكفر الأكبر عند السادة الأحناف الماتريدية قول وعمل وله أصل يدخل فيه قول القلب وعمل القلب ولازمه إقرار اللسان: [1] يقول العلامة الكمال بن أبي شريف بن الهمام في كتابه المسامرة في شرح المسايرة: ” الإيمان تصديق القلب واللسان ويُعبر عنه بأنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وهو منقول عن أبي حنيفة – رحمه الله – ومشهور عن أصحابه “([111]).
[2] ويقول الإمام الطحاوي في عقيدته التي نسبها إلى الإمام أبي حنيفة وأصحابه: ” والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق “([112]).
ويقول كذلك: ” ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين ” أهــ([113]).
ومنه يتبين أنّ مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه في الإيمان، وهو مذهب السادة الماتريدية هو أنه إقرار باللسان وتصديق بالقلب، وإذا علمنا أنّ مقصدهم بالتصديق، التصديق الانقيادي المشتمل على قول القلب وعمله صار الإيمان عنده وعند أصحابه عبارة عن قول اللسان وقول القلب وعمله وهي الأركان الثلاثة التي قرر فقهاء أهل السنّة أنها أصل الإيمان.
[3] جاء في كتاب المسامرة: ” والإيمان لمّا كان عبارة عن تصديق الله تعالى فيما أخبر على لسان رسله فإنما يتحقق ذلك بقبول أوامره ونواهيه ” أهـ ([114]).
وجاء فيه أيضاً: ” فلابد في تحقيق الإيمان من المعرفة ومن أمر آخر هو الاستسلام الباطن والانقياد لقبول الأوامر والنواهي المستلزم ذلك الاستسلام والانقياد للإجلال أي لإجلال الإله تعالى وعدم الاستخفاف بأوامره ونواهيه ” أهــ ([115]).
وجاء فيه أيضاً: ” ثم جعل بعض أهل العلم الاستسلام والانقياد ـ الذي هو معنى الاستسلام ـ داخلاً في معنى التصديق ” أهـ ([116]).
وجاء فيه كذلك: ” قال العلامة سعد الدين: ليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى المخبر والخبر عن غير إذعان وقبول، قلت: تقدم أنه لا يكون العلم بدون إذعان تصديقاً ” ـ([117]).
ومن هذه النقول نعلم يقيناً أن الأحناف يدخلون عمل القلب (الانقياد) في معنى التصديق وبالتالي فالإيمان عندهم إقرار اللسان وتصديق القلب (قوله) وانقياد القلب (عمله)، وعلى ذلك فالإيمان عندهم قول وعمل يدخل فيه انقياد القلب، وليس التصديق المجرد إيماناً حتى يجتمع إليه الانقياد، وهذا هو إجماع أهل السنّة، لأنهم إذا عرفوا الإيمان بالتصديق عنوا به التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهراً وباطناً بلا شك ولم يعنوا مجرد التصديق “،.
[4] وخلاصة الأمر: أنّ الإيمان عند الأحناف والماتريدية هو ثلاثة عناصر لا غنى لأي منها عن الآخر إقرار اللسان وتصديق القلب، وانقياد القلب، فإذا علمنا أنّ مقصودهم بذلك هو أصل الإيمان وحدّه الأدنى المنجي من الكفر علمنا يقيناً أنه لا خلاف بينهم وبين أهل السنّة في هذه المسألة البالغة الأهمية لأنها رأس مسائل الأسماء والأحكام وأهم قاعدة بها تُميز بين من تجري عليه أحكام الإيمان ومن تجري عليه أحكام الكفر، يقول الكشميري الحنفي في كتابه فيض الباري: ” الإمام أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ تعرض لأمر لم يتعرض له السلف فإنه تكلم في مرتبة محفوظة وهي التي يدور عليها أمر النجاة وليس بعده إلاّ الكفر، فجعل للإيمان أصلاً، وهو الذي لو انحط عنه الإيمان لجاء الكفر مكانه، وأبقى التفاضل في أمور تتعلق بالإيمان من الخشية وغيرها، والإيمان ـ أي عنده الذي ـ بمعنى التقوى والخشية يزيد وينقص والناس يتفاضلون فيه ” أهـــ ([118]).
” قلت “: وهذا النقل الرصين عن الإمام أبي حنيفة يدل يقيناً أنه كان يبحث في أصل الإيمان وهو المرتبة التي يدور عليها أمر النجاة وليس بعدها إلاّ الكفر، وبهذا يزول الإشكال في تلك المسألة ونعلم أن الأحناف كفقهاء أهل السنّة والجماعة متفقون على أنّ أصل الإيمان: إقرار اللســان، وتصديق القلب (قول القلب)، وانقياد القلب (عمل القلب)، والخلاف بين أئمة الفقه مالك والشافعي وأحمد، (وهو مذهب السادة الأشاعرة والسادة الأثرية) وبين الإمام أبي حنيفة (وهو مذهب السادة الماتريدية)، إنّما هو في جزئية واحدة، ألا وهي دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان بعد اتفاقهم جميعاً على أصل الإيمان الذي ليس قبله إلاّ الكفر الأكبر، ومذاهب الأئمة الثلاث يقولون بدخول أعمال الجوارح حقيقة في مسمى الإيمان والأحناف يقولون أنها تدخل على سبيل المجاز وليس الحقيقة لأن مسمى الإيمان عندهم مرادف لأصل الإيمان وما زاد عن الأصل فهو تقوى وبرّ ولا يدخل في الإيمان إلاّ على سبيل المجاز، ومع هذا الخلاف في مسمى الإيمان إلا أنه صوري محض لا حقيقة له وذلك لأن الأحناف يجعلون للعمل منـزلة كبيرة وأهمية عظيمة وجميعهم يقول بأن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحق للذم والعقاب، ويقولون بأن أهل الذنوب داخلون تحت الذمّ والوعيد، ويقولون بأن بعض أهل الكبائر يدخلون النار ويعذبون فيها، ويقولون بأن مرتكب الكبيرة فاسق داخل تحت الوعيد.
[فائدة]: هذه بعض أقوال بعض الأئمة الأعلام وبعض العلماء والفقهاء الأفاضل وأقوال السادة الأشاعرة والماتريدية وهما أهل التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة في بيان حد الإيمان الأدنى الفاصل بين الإيمان والكفر الأكبر، وهي أقوال قليلة إذا تتبعنا أقوال عامة علماء أهل السنّة والجماعة، وكلما زاد الاطلاع على أقوال العلماء زادت هذه الأقوال لتدلنا على أن مذهب أهل السنّة و الجماعة هو ما دل عليه الكتاب والسنّة، وهو القول الحق الذي يجمع بين كافة الأدلة ويوفق بينهما حتى تصير علماً راسخاً لا اختلاف فيه وفقهاً واضحاً لا تعارض فيه لنعلم أنه دين الله الحكيم، ولو كان من عند غير الله – كما هو مذاهب المعتزلة والخوارج والمرجئة والجهمية – لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا، فالحمد لله أن رزقنا فقه الإيمان كما أنزله في كتابه وكما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم وكما صرّح به أئمتنا الأعلام المقتدى بهم في الدين، فلله الحمد والمنة، والحمد لله رب العالمين.
[المفتاح الرابع]: لماذا أخرج العلماء عمل الجارحة عن أصل الإيمان:
(أ) حرص الشرع الحنيف على إخراج عمل الجارحة عن اصل الإيمان، لحكمة عظيمة وغاية كبيرة ألا وهي:
غلق باب التكفير الانشطاري، وهذا الذي رأيناه عند الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الحشو في الدين، عندما أدخل هؤلاء عمل الجارحة في أصل الإيمان، بدا التكفير المتسلسل، فكفر الخوارج الامة بالمعاصي، وسلب المعتزلة بالمعاصي المسلمين اسم الإيمان، وأهل الحشو اختلفوا فمنهم من قال انه جنس عمل الجارحة ومنهم من قال انها ترك الصلاة ومنهم من قال انها تتمثل في ترك المباني الأربعة (الصلاة والزكاة والصيام والحج )، ومنهم من قال انها الحكم بغير ما انزل الله، ومنهم من قال انها موالاة الكافرين على المسلمين، وظهر فيهم زيادة التكفير لأهل القبلة، أما صمام الامن الذي هدى الله تعالى إليه أهل السنّة والجماعة، فإنّ الله تعالى هداهم لمعرفة الحد الأدنى الصحيح من الإيمان بلا غلو ولا تقصير، فمن أتى به وحافظ عليه فلم ينقضه بناقض كانت له أحكام الإيمان الدنيوية والأخروية، بمعنى أنه: سيكون له اسم الإيمان وحكمه فيعامل معاملة المسلمين في الدنيا فيأخذ أحكامهم بأن تحل لزوجته المسلمة البقاء معه ويحل لأولاده المسلمين أن يبقوا تحت سلطانه، و إذا مات يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين ويورث ماله، وتجوز عليه الرحمة والمغفرة، وينجو من الوصف بالكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار وينجو من أحكامه الدنيوية، فلا يحل دمه ردة وإن كان قد يحل حداً وعقوبة، وإذا مات يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين وتجوز عليه الرحمة التي تعم كل من قال لا إله إلا الله محمد رسول رسول الله، معتقداً لها بقلبه تصديقاً وانقياداً.
إنّ التحديد الصحيح لعناصر أصل الإيمان، التي يتركب منها أدنى ما يصح به الإيمان، هو صمام الأمان من الغلو والتقصير ومن الافراط والتفريط في باب أحكام الإيمان والكفر، والإيمان أصل الديانة فأصل الفقه في الدين كله هو معرفة الحد الفاصل بين الإيمان والكفر حتى يكون عالماً بفقه مسائـل الإيمان والكفر وأخطرها أصل الإيمان الذي به يأخذ المرء اسم الإيمان وحكمه.
ومن هذه الفوائد ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً وبالتالي متى مُيز الأصل عن الواجب انضبطت أسماء الملة وأحكامها وعُرف الكافر المرتد من الكافر في إطار الملة من الفاسق وهكذا، فإذا تميز الأصل عن الواجب استطاع طالب العلم الشرعي فضلاً عن العالم أن يضع الضوابط الصحيحة لمسائل تكفير أهل القبلة والاحتياط الراسخ فيها وعدم الخطأ في هذه المسائل دون تمييز بين من صح له أصل إيمانه ومن لم يصح له هذا الأصل، ودون تمييز واضح بين نواقض الإيمان المخرجة من الملة إلى الكفر الأكبر وبين نواقص الإيمان التي تنقص من درجته ولا تنقضه بالكلية، ومن ذلك فإن هناك آيات كريمات جاءت بنفي الإيمان وأحاديث عديدة جاءت بنفي الإيمان، وهنا يأتي الفقه في دين الله بمعنى إن كان النفي لأصل الإيمان حل محله الكفر الأكبر وإن كان النفي لما زاد على الأصل – أي ما دخل في مرتبة الواجب – حل محله الكفر دون الكفر الأكبر.
(ب) بيان الميزان الشرعي الحكيم الذي نزن به عناصر الإيمان وشعبه وأعماله:
للإيمان عناصر عديدة وشعب كثيرة صح الحديث بأنها بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة منها ما يتعلق بالقلب من قول القلب وأعماله ومنها ما يتعلق باللسان من إقرار اللسان وعباداته ومنها ما يتعلق بأعمال الجوارح من أداء الفرائض والنوافل والكف عن المحرمات والمكروهات.
ومن الفوائد العظيمة لتحديد أصل الإيمان ومعرفة عناصره وتمييزها عن عناصر الإيمان الواجب وعناصر الإيمان المستحب الكامل، هو إعطاء كل عنصر من عناصر الإيمان حقه الشرعي اللازم له فعنصر يدخل في أصل الإيمان ليس كعنصر يدخل في الإيمان الواجب وهذا ليس كعنصر يدخل في الإيمان المستحب، فأهم عناصر الإيمان ما دخل في الأصل لأن نقصه يعني الكفر الأكبر ويليه ما دخل في الواجب لأن نقصه يعني الكفر دون الكفر أو الفسوق واستحقاق الوعيد بالنار، ويليه ما دخل في الإيمان المستحب لأن نقصه يعني نقص الدرجة والمنزلة دون الدخول في إطار الوعيد بالنار. (إذن): ليس مقصود فقهاء وعلماء أهل السنّة والجماعة الراسخون في العلم والفقه والدين بهذا الفصل بين أصل الإيمان وواجبه ومستحبه الاستهانة ببعض عناصر الإيمان – حاشا لله – بل هو الميزان الذي أنزل الله عز وجل به دينه وشرعه وملته الحنيفية السمحة، وليس المقصود بذلك تقليل قيمة أعمال الجوارح فأن غمسة في النار تعدل الدنيا وما فيها من لذة فما بالنا بمن يلبث في النار أحقاباً ويتعرض لغضب الله وسخطه، ولكنه الميزان الرباني المعجز الذي أبى أن يسوي بين الجاحدين وبين المقرين المصدقين المنقادين بقولهم، فإذا كان هذا وذاك يخلدان في النار خلوداً أبدياً فقد سوت الشريعة الحكيمة بين الجاحد والمعتقد وشتان بينهما، فالأول إذا قيل له لا إله إلا الله يستكبر ويقول أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون، أما الثاني فإنه يقول لا إله إلا الله ويقر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ويشهد أنه رسول الله الذي يتوجب طاعته واحترامه وإجلاله، والشريعة لا تسوي أبداً بين الحالتين، وهكذا تظهر حكمة الشرع في عقاب المذنبين وإن كانوا من أهل الإيمان وتظهر – رحمة الرب سبحانه في إخراج أصحاب أصل الإيمان المقرين المنقادين من النار بعدما أخذوا عقابهم إلى الجنة وإن لم يعملوا خيراً قط، والشاهد من ذلك كله أن من فوائد معرفة الحد الأدنى للإيمان معرفة الميزان الشرعي وحده الشرعي الذي قررته لنا الشريعة الغراء والملة الحنيفية السمحة وكفي بذلك فقهاً عظيماً في مسائل الإيمان وفي مسائل أسماء الملة وأحكامها وهذا هو الفقه الأكبر في دين الله تعالى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
***
(المبحث الخامس) مفاتيح فهم قول السلف الإيمان قول وعمل وأنّه إذا انتفى العمل انتفى الإيمان
[المفتاح الأول]: تواتر عن السلف أنّ الإيمان قول وعمل، وانه يحوي أربعة عناصر هي قول القلب و عمل القلب و قول اللسان و عمل الجوارح، والإيمان عند السلف الكرام وعند أهل السنّة والجماعة السائرون على هدى السلف الكرام يقبل الزيادة و النقصان و على ذلك فهو عندهم درجات بعضها أقل من بعض و بعضها أعلى من بعض و كلها داخلة في مسمى الإيمان، وإنه إذا كان الإيمان درجات فقد رزق الله تعالى الامة بالعلماء الراسخين في العلم والذين جعلوا الإيمان مراتب ثلاثة مرتبة الظالم لنفسه وأدناها هو أصله الذي متى ما نقص زال الإيمان جميعه و انتفى اسمه و حكمه، ودخل صاحبه في الكفر المخرج من الملة، وتلي تلك المرتبة مرتبة المقتصد الذي يؤدي الواجبات ويكف عن الكبائر المحرمات ويلي تلك المرتبة مرتبة السابق بالخيرات المسارع إلى كل مندوب والمبتعد عن كل مكروه.
واما الأصل (أصل الإيمان) فقد دل الشرع على أن محله القلب، كما يفهم من مثل قوله تعالى: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7]، وقوله تعالى {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، وقوله تعالى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] وقوله صلى الله عليه وسلم ((ألا في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله))، وهذا الأصل الذي يحويه القلب: قول وعمل، (قول القلب): من المعرفة والتصديق و (عمل القلب) من الانقياد والخضوع والإذعان، ولازم هذا الأصل هو الإقرار باللسان، واتفق أهل السنّة والجماعة على أن الفرع قول وعمل وأنه مسمى الإيمان الواسع ويدخل فيه جميع شرائع الإيمان من أقوال القلب وأعماله الأصلية والواجبة والمستحبة ومن أقوال اللسان وعباداته وكافة أعمال الجوارح من الصلاة والزكاة وغيرها، فإذا فهمنا هذا الفقه الذي حبى الله عز وجل به أئمة أهل السنّة والجماعة الأعلام علمنا أنه لا خلاف البتة بين قولهم وبين إطلاق السلف لفظ (الإيمان قول وعمل وانه لا يصح الإيمان بلا عمل)، فــ (الأصل): قول وعمل و (الفرع): قول عمل ولكل إيمان لازمه الذي يليق به، فالأصل محله القلب وهو الاعتقاد ويشمل قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) ولازمه إقرار اللسان، و (الفرع) قسمان: واجب ومستحب، ولازم الواجب إضافة إلى عناصر الأصل، أداء الفرائض والكف عن المحرمات، ولازم المستحب، إضافة إلى ما سبق عمل المندوبات والكف عن المكروهات، فهذا التفصيل هو التفصيل الصحيح للمجمل الذي عبر به السلف عن تعريف الإيمان.
وحاصله: أن الإيمان قول وعمل، أصله قول وعمل ولازمه إقرار اللسان بالتوحيد، والفرع يحتوي على جميع شرائع الإيمان ومنها أعمال الجوارح بل وبقية أعمال القلب الواجبة والمستحبة، ومن تلك النصوص التي استدل بها بعض المتعجلين في تكفير المسلمين، عن طريق ادخال أعمال الجوارح في أصل الإيمان ليجدوا ذريعة لتكفير أهل القبلة فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
(تنبيه): أهل السنّة وسط في هذا الباب بين الخوارج والمعتزلة في باب الإفراط، وبين المرجئة والجهمية في باب التفريط، فــ (أهل السنّة): يقولون: أعمال الجوارح شرط في كمال الإيمان، ويقصدون به الكمال الواجب والكمال المستحب، و (المعتزلة) و(الخوارج) ومن وافقهم يجعلون أعمال الجوارح ركنا حقيقيا للإيمان في أصله وفرعه، فيكفرون الامة بالمعاصي والكبائر، و (المرجئة) و (الجهمية) يخرجون أعمال الجوارح بالكلية عن مسمى الإيمان، فليست لا ركنا في الأصل ولا في الواجب، وبالتالي ظهرت بدعتهم الخبيثة في مثل قولهم (إيماننا كإيمان جبريل وميكائيل، ويزعمون أن من قال لا إله إلا الله لم تضره الكبائر أن يعملها ولا الفواحش أن يرتكبها ويزعمون أن إيمان مدمن الخمر كإيمان النبيين والصديقين، وأن من قال لا إله إلا الله لا تضره الكبائر أبداً، ويقولون نحن مؤمنون قد استكملنا لإيمان فهذا كله مذهب الإرجاء وهؤلاء المرجئة يهملون قيمة العمل تماماً، فأين هؤلاء وهؤلاء من علماء الأصول الذين يضعون كل عنصر في مكانه وفق شريعة الإسلام.
[المفتاح الثاني]: قال سعيد بن جبير رحمه الله: (لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بنية موافقة للسنة) أهــ([119]). ومثله عن الحسن البصري رحمه الله أخرجه عنه الآجري في الشريعة، وابن بطة في (الإبانة، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنّة ([120]).
و(المفتاح) كلامهم رحمهم الله غاية في التحقيق والصواب، فإن أصل الإيمان قول وعمل، وفرع الإيمان قول وعمل، ولكن أصل الإيمان قول القلب التصديق وعمل القلب الانقياد مع إقرار اللسان، فالأصل: هو التصديق والانقياد، فالقول تصديق والعمل هو الانقياد، ولا يُقبل التصديق بغير الانقياد، وهو كفر إبليس الرجيم فإنّه كان مصدقاً بالله وربوبية الله وإلهية الله، وإنما أتى كفره من قبل الإباء والاستكبار والعناد وعدم الانقياد وليس هو من باب التكذيب أبداً، ومنه نعلم يقيناً أن التصديق المجرد لا ينفع بشيء حتى يضاف إليه عمل القلب وهو انقياد القلب وإذعانه وخضوعه لأمر الله، فالإيمان الأصل لازمه عمل القلب من الانقياد والخضوع، والإيمان الواجب لازمة كل شرائع الدين الواجبة، والإيمان الكامل المستحب يدخل فبه كل شعب الإيمان.
[المفتاح الثالث]: قال الزهري رحمه الله: (كنا نقول الإسلام بالإقرار، والإيمان بالعمل. والإيمان قول وعمل قرينان لا ينفع أحدهما إلا بالآخر) أهــ([121]).
و(المفتاح) قوله غاية في الدقة والصواب، (الإيمان قول وعمل قرينان لا ينفع أحدهما إلا بالآخر) الأصل قول وعمل والفرع قول عمل ومطلق الإيمان قول وعمل والإيمان المطلق قول وعمل، ولكل إيمان لازمه الذي يليق به، فالأصل محله القلب وهو الاعتقاد ويشمل قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) ولازمه إقرار اللسان، فلا خلاف ولا اختلاف.
[المفتاح الرابع]: قال الأوزاعي رحمه الله قال: “لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة. وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه وكان في الآخرة من الخاسرين) أهـ ([122]).
والمفتاح انّه رحمه الله يتكلم عن الإيمان الواجب وليس أصل الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان، وقوله (وكان في الآخرة من الخاسرين) فإننا لم نقل أبدا أن (صاحب أصل الإيمان) لن يدخل النار، بل نقول يلبث فيها احقابا إلى ان يخرج ببركة اعتقاد التوحيد مع أصحاب القبضة، فدخوله النار يجعله من الخاسرين، في وقت مكثه في النار، ولا يخلد في النار خلود الجاحدين، لأنه من الموحدين، ولم يقل الاوزاعي رحمه الله أنه من الخالدين المخلدين في النار، فأين الخلاف، وقوله: (لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل) وكلامه حق وصدق وصواب، ولا يوجد ادنى اخلاف، فأهل الأصول لا يخرجون العمل أبدا عن الإيمان، فالأصل قول وعمل والفرع قول وعمل، فلا يستقيم ايمان بلا عمل.
[المفتاح الخامس]: قال سفيان الثوري رحمه الله: “كان الفقهاء يقولون: لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة”،([123]).
وقال أيضاً: “أهل السنّة يقولون: الإيمان قول وعمل مخافة أن يزكوا أنفسهم، لا يجوز عمل إلا بإيمان، ولا إيمان إلا بعمل، فإن قال: من إمامك في هذا؟ فقل سفيان الثوري” ([124]).
و(المفتاح) كلامه إن كان على الأصل فنحن نقول لا يصح الأصل إلا بعمل القلب من الانقياد والخضوع والاذعان، وإن كان كلامه على الإيمان الواجب، فلا خلاف ولا اختلاف بين علماء الأصول وبين الإمام الثوري.
[المفتاح السادس]: قال سفيان بن عيينة رحمه الله: (الإيمان قول وعمل. قال: أخذناه ممن قبلنا: قول وعمل، وأنه لا يكون قول إلا بعمل) ([125]).
و(المفتاح) علماء الأصول يقولون الإيمان أصل وفرع والأصل قول وعمل قول القلب (التصديق)، وعمل القلب (الانقياد)، وقول اللسان وهو (الإقرار) والفرع قول وعمل، ويدخل فيه كافة شعب الإيمان، فلم يسلب أحد منهم العمل لا عن الأصل ولا عن الفرع، وكل ما في الامر انهم يفرقون بين الايمان الذي يستحق صاحبه الثناء وبين أدنى ما يصح به الإيمان والذي لا يمنع من دخول النار وإنما يمنع من الخلود فيها خلود الجاحدين، وهو مقر لم يجحد، فلا خلاف بين علماء الأصول وبين الإمام سفيان بن عيينة، واجماع المتخصصين في العقيدة من المدارس المعتمدة عند أهل السنّة يقولون: أنّ الأصل: ثلاثة عناصر هي: قول اللسان (الإقرار) وقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وهم متفقون على انّ أعمال الجوارح خارجة عن أصل الإيمان داخله في فرعه الواجب وفرعه المستحب.
[المفتاح السابع]: قال الإمام الشافعي رحمه الله: (وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) ([126]). و(المفتاح) نعم كلامه صحيح، الأصل (قول وعمل ونية)، والواجب (قول وعمل ونية)، والمستحب: (قول وعمل ونية)، ولكن لكل مرتبة ما يناسبها من الاعمال، فالمستحب يناسبه على سبيل المثال قيام الليل وصوم النهار، والواجب يناسبه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأصل يناسبه قول القلب التصديق وعمل القلب الانقياد، وقد دل الشرع على أن محل الإيمان هو القلب، كما يفهم من مثل قوله تعالى{حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7] وقوله تعالى {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22] وقوله تعالى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] وقوله صلى الله عليه وسلم ((ألا في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله))
ولزيادة البيان فقد نقل العيني عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قوله: (الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل فالمخل بالأول وحده منافق والمخل بالثاني وحده كافر والمخل بالثالث وحده فاسق ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنة) ([127]). وليس بعد هذا البيان بيان ولا بعد تلك الدقة دقة ووضوحا.
المفتاح الثامن]: قال الإمام أحمد رحمه الله: (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، إذا عملت الحسن زاد، وإذا ضيعت نقص، الإيمان لا يكون إلا بعمل) أهــ ([128]).
و(المفتاح): الإمام أحمد إمام الاثرية، وقوله رحمه الله هو قول المتخصصين من أهل العلم في العقيدة من مدارس الأشعرية والماتريدية، الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي حتى يصل إلى ادنى الإيمان فليس بعده إلا الكفر الأكبر، والأصل قول وعمل والفرع قول وعمل، والإيمان كما قال(الإيمان لا يكون إلا بعمل)، يدخل في أصله عمل القلب من الانقياد والخضوع، ويدخل في فرعه كافة أعمال الجوارح الداخلة في الإيمان.
[المفتاح التاسع]: قول الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز، قال الوليد بن مسلم رحمه الله: (سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز ينكرون قول من يقول: إن الإيمان قول بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان) أهــ([129]).
و(المفتاح) الإيمان قول وعمل وجميع أقسام الإيمان قول وعمل، ولكن كل قسم من أقسام الإيمان يناسبه العمل اللائق به، فالإيمان الأصل لا يمنع من دخول النار، ويمنع فقط من الخلود الابدي في النار، ولذلك فالعمل الذي يدخل فيه هو عمل القلب من الاعتقاد والانقياد، والخضوع والقبول، ولازمه قول اللسان، من الإقرار بالشهادتين، والإيمان الواجب، يدخل فيه كل اعمال الجوارح التي أوجبها الشرع وترك كل الكبائر التي نهى عنها الشرع، والإيمان المستحب، يدخل فيه كل اعمال الجوارح التي ندب إليها الشرع، والبعد عن المكروهات التي كرهها الشرع، وهكذا دين الله عز وجل، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
[المفتاح العاشر]: قال أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله: (فلم يجعل الله للإيمان حقيقة إلا بالعمل على هذه الشروط، والذي يزعم أنه بالقول خاصة يجعله مؤمناً حقاً وإن لم يكن هناك عمل فهو معاند لكتاب الله والسنة) أهــ ([130]).
و(المفتاح): أنه رحمه الله يتكلم على الإيمان الواجب وليس الأصل بدليل قوله: (فلم يجعل الله للإيمان حقيقة إلا بالعمل) فهو يتكلم عن حقيقة الإيمان، كقوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الانفال: 2 إلى 4]، وقوله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الانفال: 74]، وواضح أنّ الآيات تتكلم عن الإيمان الحق فأدخلت فيه اعمال القلوب الواجبة من الخوف والوجل والتوكل واعمال الجوارح من الهجرة والجهاد والنصرة، فمن أنكر في الإيمان الحق المستحق للثناء { أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، فهو كما قال أبو عبيد: (وإن لم يكن هناك عمل فهو معاند لكتاب الله والسنة)، والحاصل انه يتكلم على مرتبة أعلى مما نتكلم فيه، هو يتكلم عن مرتبة الإيمان الواجب (الإيمان المطلق)، وعلماء الأصول يتكلمون عن (مطلق الإيمان) وادنى درجة فيه وهي الأصل الذي يصح به اسم الإيمان لصاحبه مما يحقن دمه بحرمة الإسلام.
[المفتاح الحادي عشر]:
قال الحميدي رحمه الله: (أُخبرتُ أن ناساً يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت، أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه، إذا كان يقر بالفرائض واستقبال القبلة. فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلماء المسلمين، قال الله جل وعز {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}([131]).
و(المفتاح) قوله (أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت) فهذا ينبئ عن العناد وجحود، ومن قواعد الإيمان التي اصلها المتخصصون في هذا العلم من مدارس العقيدة واصول الدين التي كتب الله لها القبول في الأرض من السادات الأثرية والاشعرية والماتريدية، والتي من أهمها كذلك: أنّ الكفر الأكبر: كفر اعتقاد وجحود، والكفر دون كفر: كفر عمل مجرد عن الاعتقاد: وأنّ هذه القاعدة: (الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله) قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش ومعاندة الشريعة كالإصرار على الصلاة بغير وضوء أو الصلاة إلى غير القبلة وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله، فأين الخلاف، فلكل عمل ميزانه الذي وزنته به الشريعة، وشعب الإيمان بعضها في الإيمان المستحب فإذا انتفت نزل صاحبها إلى الإيمان الواجب وإذا انتفت شعب الإيمان الواجب نزل صاحبها إلى الإيمان الأصل، والاصل محله القلب، فلا يزول الأصل إلا بالجحود، وهذا الأصل قول وعمل، فلا يصح إيمان بغير عمل، ولكن عمل الأصل يختلف عن عمل الفرع، فعمل الأصل هو عمل القلب من الإذعان، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
[المفتاح الثاني عشر]:
قول اسحق بن راهويه، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله وذكر تكفير تارك الصلاة: “وحكاه إسحاق بن راهوية إجماعاً منهم، حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان أنها من أقوال المرجئة) أهــ([132]).
و(المفتاح): نحن نقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (فمن تركها فقد كفر)، ولكن هل قال النبي صلى الله عليه وسلم أنه الكفر الأكبر المخرج عن الملة فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين وانّه من أصحاب النار الذين لهم الخلود الأبدي في النار فلا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ولا هم منها بمخرجين، وانه لا تجوز لهم رحمة ولا تنفعهم شفاعة ولا هم تحت المشيئة بل هم أصحاب النار خالدون فيها أبداً وبئس المصير، فلما لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فرق العلماء ما بين الجحود والتكاسل، قالجحود كفر أكبر، والتاكسل عنها أيضا كفر لانّ النبي صلى الله عليه وسلم سماه كفر، ولكنه (كفر دون الكفر الأكبر): الكفر داخل إطار الملة وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان، ولهذا كانت خطورته في أنه يفتح طريقاً عريضاً نحو الكفر الأكبر ويخشى على صاحبه بسوء الخاتمة، وذلك لأن الإيمان من شأنه الزيادة والنقصان، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وصاحب الكفر دون الكفر الأكبر مفرط في الإيمان الواجب من أصل الإيمان فهو يكاد ويوشك أن يقع فيما ينقض أصل الإيمان، ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم كفرا، ولم يسمه فسوقا ولا معصية.
[المفتاح الثالث عشر]:
قال الحافظ ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: (فصل فيما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة ومن السنن التي خلافها بدعةٌ وضلالة: … وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد ذلك بالطاعة، وينقص بالمعصية نقصاً عن حقائق الكمال لا محبط للإيمان، ولا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة) أهــ ([133]).
و(المفتاح): كلامه كله صحيح وموافق للشريعة، فإن كان كلامه على الأصل فالأصل عند أهل السنّة قول وعمل، وإن كان على الإيمان الواجب، فهو عند أهل السنّة قول وعمل، ولكن شتان بين أعمال الإيمان الواجب الموجب لعدم دخول النار ابتداء وبين الأصل الذي لا يمنع من دخول النار وإنما قصاراه يمنع من الخلود الابدي فيها.
[المفتاح الرابع عشر]:
قال الآجري رحمه الله في الشريعة: (باب “القول بأن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمناً إلا بأن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث: اعلموا – رحمنا الله وإياكم – أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح. ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمناً، دل على ذلك القرآن والسنّة وقول علماء المسلمين) أهــ ([134]). وقال أيضاً: (بل نقول – والحمد لله – قولاً يوافق الكتاب والسنّة وعلماء المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم، وقد تقدم ذكرنا لهم: إن الإيمان معرفة بالقلب تصديقا يقيناً، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمناً إلا بهذه الثلاثة، لا يجزئ بعضها عن بعض، والحمد لله على ذلك) أهـ([135]).
و(المفتاح): كلامه صحيح لا غبار عليه إذا حُمل على محامله الصحيحة، فالإيمان الواجب يشمل تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، ولا ثناء للعبد إلا عندما يلتزم بالإيمان الواجب، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين، أمّا إن قصد به الإيمان الأصل فقوله يخالف الصواب الذي عليه أئمة الدين المتخصصين في العقيدة والمحققين لتلك المسائل، فالأصل عندهم محله القلب، وهو قول وعمل القول التصديق والعمل الانقياد، وأعمال الجارحة لا تدخل بحال في أصل الإيمان.
[المفتاح الخامس عشر]:
قال ابن بطة رحمه الله: (باب بيان الإيمان وفرضه وأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات، لا يكون العبد مؤمناً إلا بهذه الثلاث: “اعلموا – رحمكم الله – أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فرض على القلب المعرفة به والتصديق له ولرسله ولكتبه وبكل ما جاءت به السنة، وعلى الألسن النطق بذلك والإقرار به قولاً، وعلى الأبدان والجوارح العمل بكل ما أمر به وفرضه من الأعمال، لا تجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها، ولا يكون العبد مؤمناً إلا بأن يجمعها كلها حتى يكون مؤمناً بقلبه مقراً بلسانه عاملاً مجتهداً بجوارحه) أهـ ([136]).
و(المفتاح): أنه يُحمل على الإيمان الواجب، وكلامه فيه صحيح ولا غبار عليه، وإن قصد به (الأصل) فهو مخطئ، وإنما أوتي من عدم تحققه بمذهب السلف وأهل السنّة في الباب.
[المفتاح السادس عشر]:
قال ابن تيمية رحمه الله: (الإيمان عند أهل السنّة والجماعة: قولٌ وعملٌ كما دل عليه الكتاب والسنّة وأجمع عليه السلف، وعلى ما هو مقرر في موضعه. فالقول تصديق الرسول، والعمل تصديق القول. فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمناً … وأيضا فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله ديناً ومن لا دين له فهو كافر) ([137]).
و(المفتاح): قوله عن السلف: (الإيمان عند أهل السنّة والجماعة: قولٌ وعملٌ كما دل عليه الكتاب والسنّة وأجمع عليه السلف) لا غبار عليه وقد علمنا ان الأصل قول وعمل وإقرار، والفرع قول وعمل، فأين الاختلاف، ثم قول ابن تيمية – وهو ليس من السلف لأنه من القرن الثامن الهجري-، له مفاتيح يمكن حملها عليه، فقوله: (فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمناً) يمكن حمل قوله على الإيمان الواجب وقد نفي الله عز وجل الإيمان عن الأعراب واثبت لهم الإسلام فلم يخرجهم نفي الإيمان عن الملة بالكلية، قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وأيضا: قوله: (فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله ديناً ومن لا دين له فهو كافر) فكلامه يمكن فهمه وفق القواعد التي وضعها العلماء المتخصصون، فإن حقيقة الدين يتم بالفعل لا بالقول فقط، والفعل المناسب للأصل هو عمل القلب من الانقياد والخضوع، مع إقرار اللسان، وإن قصد به (الأصل) فهو مخطئ، وإنما أوتي من عدم تحققه بمذهب السلف وأهل السنّة في الباب، ويكون قد خالف الصواب الذي عليه أئمة الدين المتخصصين في العقيدة والمحققين لتلك المسائل، فالأصل عندهم محله القلب، وهو قول وعمل القول التصديق والعمل الانقياد، وأعمال الجارحة لا تدخل بحال في أصل الإيمان.
[المفتاح السابع عشر]:
وقال ابن تيمية رحمه الله أيضاً وذلك بعدما ذكر مقولة بعض السلف (لا يُقبل قول إلا بعمل) قال: (وهذا فيه ردٌ على المرجئة الذين يجعلون مجرد القول كافياً، فأخبر أنه لابد من قول وعمل، إذ الإيمان قول وعمل، لا بد من هذين كما بسطناه في غير هذا الموضع، وبيّنا أن مجرد تصديق القلب ونطق اللسان، مع البغض لله وشرائعه، والاستكبار على الله وشرائعه، لا يكون إيماناً ــ باتفاق المؤمنين ــ حتى يقترن بالتصديق عمل صالح، وأصل العمل عمل القلب، وهو الحب والتعظيم المنافي للبغض والاستكبار) أهــ([138]).
و(المفتاح): أين أهل السنّة المتخصصين في العقيدة علماء المدارس السنّية الاثرية والأشاعرة والماتريدية وأين الإرجاء، (المرجئة): يزعمون أن إيمان شارب الخمر كإيمان جبريل وميكائيل عليهما السلام، ويزعمون أن من قال لا إله إلا الله لم تضره الكبائر أن يعملها ولا الفواحش أن يرتكبها ويعتقدون أنّ المعاصي لا تضر مع الإيمان شيئاً، ويقولون نحن مؤمنون قد استكملنا لإيمان فهذا كله مذهب الإرجاء وهؤلاء المرجئة يهملون قيمة العمل تماماً، فأين هؤلاء من علماء الأصول الذين يضعون كل عنصر في مكانه وفق شريعة الإسلام، وهم يفرقون بين (الإيمان المطلق): وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً، والمنفي عنه هذا الإيمان (المطلق) ليس كافراً الكفر الأكبر، بل هو مسلم معه (مطلق الإيمان) أي أدنى ما يصح به الإيمان، وهو الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وبين (مطلق الإيمان): وهو أدنى ما يصح به الإيمان، وهذا الإيمان لا يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء لتقصيره في حق (أعمال الإيمان المطلق)، لكنه يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين، وليس بعده إلا الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وهذا الإيمان يسميه العلماء أيضاً (أصل الإيمان) أو (الحد الأدنى من الإيمان)، أو إيمان أصحاب القبضة، والعمل داخل في أصل الإيمان وفرعه، وإذا كان أصل الإيمان مقره القلب، والمكره يقول بلسانه كلمة الكفر، فلا يضره الإكراه ما كان القلب مطمئنا بالإيمان، وعليه فإنّ أصل الإيمان مقره القلب ويشمل قول القلب التصديق، وعمل القلب الانقياد، لا يجزئ أحدهما عن الآخر، لابد في أصل الإيمان من قول القلب التصديق وعمل القلب الانقياد، وهذا التفصيل من أهم مسائل واحكام فقه الإيمان والله المستعان،
***
(المبحث السادس) الرد على من أدخل أعمال الجوارح في أصل الإيمان وجعل تركها من نوع الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار
تمهيد: هناك طائفة عريضة ممن يتسمون بالسلفية وهم من ابعد الناس عن السلف يزعمون بدخول جنس عمل الجوارح في أصل الإيمان، وجعلوا ذلك ذريعة لتكفير أكبر قدر من أمة (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) بسبب عدم إدراكهم لفهم السلف لمركب الإيمان، وأنّ له أصل لا يصح الإيمان بدونه وفرع يدخل فيه كافة شرائع الدين، وانّ الأصل محله القلب من قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) ولازم هذا الأصل إقرار اللسان بالتوحيد، وأنّ عمل الجارحة لا يمكن بحال أن يدخل في هذا الأصل، لأنّ الأصل اعتقاد ومحل الاعتقاد القلب ولازمه الإقرار وكفى، ولكن هؤلاء لا يفقهون.
ويستند هؤلاء في هذه المسألة إلى شبهات يكاد يجمعها سبعة أسباب خاطئة، دعتهم إلى الغلو في باب الإيمان والكفر وإلى تبني منهج تكفيري يغالي في تكفير أهل القبلة، نسأل الله السلامة،:
[السبب الأول]: فهمهم القاصر لأحاديث الشفاعة وأن الشفاعة لا تنال سوى المصلين، مع انّ هناك ثلاث شفاعات للنبي صلى الله عليه وسلم تنال من كان في قلبه ادنى ادنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ثم هناك بعدها شفاعة الرحمن جل جلاله لأقوام لم يعملوا خيرا قط، كل ما يملكون هو الاعتقاد القلبي المجرد عن عمل الجوارح.
و[السبب الثاني]: فهمهم القاصر لإجماع السلف، يقولون: السلف مجمعون على أنّ الإيمان قول وعمل، وبالتالي فإنّ جنس عمل الجارحة داخل في أصل الإيمان، وهم لا يعرفون أن العمل ليس قاصرا على الجوارح فأعمال القلب أهم، كالانقياد والخضوع والخشية والمحبة وغير ذلك من اعمال القلب التي يدخل بعضها في أصل الإيمان.
و[السبب الثالث]: قالوا: إنّ تلازم الظاهر والباطن قاعدة مُحكمة قال بها علماء أهل السنة، ومن خلال هذه القاعدة حكموا بأن الإيمان الباطن لا بد وأن يتبعه ويلازمه إيمان الظاهر بأعمال الجوارح، وذهلوا أنّ علماء أهل السنّة والجماعة أعملوا القاعدة وحكموا انّ لازم أصل الإيمان المنجي من الخلود الابدي في النار هو إقرار اللسان، واللسان جارحة كما تعلمون.
و[السبب الرابع]: استدلوا بآيات في كتاب الله تعالى تحكم بالكفر على المتولي عن الطاعة، وظنوا من هذه الآيات أن المقصود بالتولي عن الطاعة هو التولي عنها بأعمال الجوارح، وبالتالي استدلوا بهذه الآيات على دخول جنس عمل الجوارح في أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، وذهلوا عن القاعدة الذهبية التي قال بها علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصون في باب أسماء وأحكام الملة، ومفادها: أنّ التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط.
و[السبب الخامس]: استدلالهم بأحاديث كفر تارك الصلاة ونقلهم إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة والممتنع عن الزكاة، وظنوا أن هذا الإجماع من أقوى الأدلة الشرعية على كفر تارك جنس عمل الجوارح، وذلك لكون الصلاة والزكاة من أعمال الجوارح، وذهلوا عن تفريق علماء الفقه الإسلامي بين الجاحد والمتكاسل، فإنّ ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه، ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب {جحد الصلاة}، وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة، وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني والنووي في المجموع والشوكاني في نيل الأوطار ([139]).
و[السبب السادس]: استدلالهم بأقوال بعض أئمة العلم في زمان التابعين وبعده كسعيد بن جبير وكالحميدي والآجري في كفر تارك الصلاة أو كفر المباني الأربعة العملية أو دخول العمل في أصل الإيمان، وكل ما استدلوا به في هذا السبب لم يفهموا أبعاده الأصولية والفقهية، فلا هم يفهمون كلام السلف ولا هم ينزلونه منازله الصحيحة.
و[السبب السابع]: قولهم بأن من الأعمال المجردة ما هو كفر أكبر كإهانة المصحف وسب الدين وبالتالي فمن الأعمال ما يدخل في أصل الإيمان وتركه كفر أكبر مخرج من الملة، والخلل عندهم في عدم التفريق بين الاعمال الكفرية التي تدل على كفر القلب وجحوده كإهانة المصاحف وسب الدين، وبين الاعمال التي يكون التفريط فيها بسبب التكاسل والضعف كترك الصلاة، وشرب الخمر والزنا، فالأولى لازمة للكفر الأكبر لأنها نابعة عن كفر القلب، والثانية لابد من التفريق فيها بين الجحود والاستحلال وهو عمل القلب، وبين التكاسل المحض مع سلامة الاعتقاد.
[المفتاح الأول]: الرد على فهمهم القاصر لأحاديث الشفاعة وأن الشفاعة لا تنال سوى المصلين، يقولون: يعرفهم الشافعون بعلامة اثر السجود و إذا كان الأمر كذلك فإن الصلاة ـ وهي من أعمال الجوارح ـ داخلة في أصل الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار، وذهل هؤلاء عن أن هذه الشفاعة التي يتحدثون عنها إنما هي شفاعات المؤمنين لإخوانهم و شفاعات الملائكة للمصلين، ولكن هناك يقيناً بعد هذه الشفاعات شفاعات أعلى للنبيين ثم شفاعات ثلاثة للنبي صلى الله عليه وسلم تنال من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، ثم تأتي بعد ذلك شفاعة الرحمن لأصحاب القبضة و هم الذين أتوا بالإقرار المجرد عن أعمال الجوارح فلم يعملوا خيرا قط و لو كان لهم عمل زائد على الإقرار و الاعتقاد لأخرجتهم شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم، وأما قولهم بأن الشفاعات لا تنال سوى المصلين فهذا دليل على عدم إلمامهم بأحاديث الباب كاملة، فالحديث الأول للشفاعة: ما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم والحديث وفيه ((حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفوهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود فيخرجونهم)) ([140]).
والحديث الثاني للشفاعة: أخرجه البخاري وفيه ((…وإذا رأوا أنهم – أي المؤمنون – أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا فيقول الله تعالى اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ويحرم الله صورهم على النار)) ([141]).
والحديث الثالث للشفاعة، وهو خاص بشفاعات النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه البخاري ومسلم: ((فأقول يا رب أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل، ثم أعود … فأقول يا رب أمتى أمتي فيقال انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل، ثم أعود … فأقول يا رب أمتي أمتي فيقول انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردلة من إيمان فأخرجه من النار من النار من النار فأنطلق فأفعل، ثم أعود من الرابعة … فأقول يارب أئذن لي فيمن قال لا إله إلا الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله)) ([142]). ولفظ مسلم ((فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذاك لك أو قال ليس ذاك إليك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله)) ([143]). وفي الحديث الذي أخرجه البخاري: ((فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتشحوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، إلى جانب الشجرة. فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى الظل منها كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه)) ([144]).
ومن تدبر الحديث وجد أن هؤلاء الذين بقيت لهم شفاعة الرحمن ليسوا من المصلين ولا المزكين ولا العاملين، لأن أولئك قد أخرجهم المؤمنون وبقي من هو أسوأ حالاً من هؤلاء من تاركي الصلاة والزكاة وغيرها، وهؤلاء يمكثون في النار ما شاء الله عز وجل ولكن يخرجون من النار إلى الجنة بما أتوا به من الإقرار والتصديق والانقياد القلبي وإن لم يعملوا خيراً قط.
[المفتاح الثاني]:الرد على فهمهم القاصر لإجماع السلف، يقولون: السلف مجمعون على أنّ الإيمان قول وعمل، وبالتالي فإنّ جنس عمل الجارحة داخل في أصل الإيمان، والسلف مجمعون حقا على أنّ الإيمان قول وعمل، ولكنه يحوي أربعة عناصر هي قول القلب و عمل القلب و قول اللسان و عمل الجوارح، والإيمان عند السلف الكرام و عند أهل السنّة والجماعة السائرون على هدى السلف يزيد وينقص و يقبل الزيادة و النقصان وعلى ذلك فهو عندهم درجات بعضها أقل من بعض و بعضها أعلى من بعض و كلها داخلة في مسمى الإيمان، وإنه إذا كان الإيمان درجات فقد جعل له الأئمة الكرام مراتب ثلاثة وكل مرتبة تحوى درجات عديدة و أقل هذا الإيمان هو أصله الذي متى ما نقص زال الإيمان جميعه و انتفى اسمه و حكمه، وما زاد على الأصل فهو في إطار فرع الإيمان، وهذا الفرع منه ما هو الواجب ومنه ما هو المستحب. والإيمان عندهم ثلاث مراتب، مرتبة الظالم لنفسه وأدناها تحقق الأصل وإلا كان المرء بدون اكتمال هذا الأصل كافراً الكفر الأكبر المخرج من الملة، وتلي تلك المرتبة مرتبة المقتصد الذي يؤدي الواجبات ويكف عن الكبائر المحرمات ويلي تلك المرتبة مرتبة السابق بالخيرات المسارع إلى كل مندوب والمبتعد عن كل مكروه.
واتفق الأئمة على أن هذا الأصل يحويه القلب وهو قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانفياد)، وأنه لا يصح الإيمان بمجرد قول القلب (التصديق) وإلا كان إيمانه كإيمان إبليس واليهود والمشركون الذين كانوا يعلمون صدق الرسول – صلى الله عليه وسلم – ولكنه انتفى من قلوبهم عمل القلب (الانقياد).
واتفق علماء أهل السنّة والجماعة على أن الأصل قول وعمل وهو قول القلب من المعرفة والتصديق وعمل القلب من الانقياد والخضوع والإذعان للأمر والنهي، وحد انقياد القلب قبوله بالأمر والنهي، ولازم هذا الأصل هو الإقرار باللسان، وأجمع أهل السنّة والجماعة – إلا خلافاً لا يعتد به – على أن الفرع قول وعمل وأنه مسمى الإيمان الواسع ويدخل فيه جميع شرائع الإيمان من أقوال القلب وأعماله الأصلية والواجبة والمستحبة ومن أقوال اللسان وعباداته وكافة أعمال الجوارح من الصلاة والزكاة وغيرها.
فإذا فهمنا هذا الفقه الذي حبى الله عز وجل به أئمة أهل السنّة والجماعة الأعلام علمنا أنه لا خلاف البتة بين قولهم وبين إطلاق السلف لفظ (الإيمان قول وعمل) كتعريف للإيمان، بل قولهم هو التفصيل الصحيح للمجمل الذي عبر به السلف عن تعريف الإيمان، وحاصله أن الإيمان قول وعمل، أصله قول وعمل ولازمه إقرار اللسان، وفرعه قول وعمل الأصل يحتوي على قول القلب وعمل القلب وعمل القلب ولازمه إقرار اللسان، والفرع يحتوي على جميع شرائع الإيمان ومنها أعمال الجوارح بل وبقية أعمال القلب الواجبة،
[المفتاح الثالث]: الرد على قولهم: إنّ تلازم الظاهر والباطن قاعدة مُحكمة قال بها علماء أهل السنة، ومن خلال هذه القاعدة حكموا بأن الإيمان الباطن لا بد وأن يتبعه ويلازمه إيمان الظاهر بأعمال الجوارح، ولكنهم في استدلالهم بنصوص هذا القسم جهلوا أمراً هاماً وهو أن التلازم بين الظاهر والباطن يختلف باختلاف قوة الإيمان ودرجته، ولما كان للإيمان أصل وفرع، فتلازم الأصل هو حركة اللسان بالإقرار بالشهادتين وكافة ما يطلب من شرائع الدين ولهذا وجدنا المحققين من علماء أهل السنّة ينصون على تلازم إقرار اللسان مع أصل الإيمان الواقر في القلب: قول القلب (التصديق) وعمله (الانقياد) وأنه لا يصح أصل الإيمان إلا بثلاثة عناصر تصديق القلب وانقياده ولازمهما الحتمي من الإقرار بالشهادتين.
أما فرع الإيمان وهو ما زاد على أصل الإيمان ودخل في إطار الواجب، فلازمه أداء الواجبات والفرائض والكف عن المحرمات، وأما فرع الإيمان الزائد على الواجب وهو الإيمان المستحب الكامل فلازمه – علاؤه على لوازم الإيمان الواجب – أداء النوافل والكف عن المكروهات، وخلاصة الأمر أن لكل قسم من أقسام الإيمان لازمه المناسب له، ولازم الأصل الإقرار ولازم الواجب أداء الفرائض والكف عن المحرمات ولازم المستحب أداء السنن والكف عن المكروهات، فإن انتفت أعمال الجوارح الداخلة في إطار الإيمان المستحب علمنا أن صاحب هذا الإيمان ليس من أهل هذه المرتبة، وإن انتفت أعمال الجوارح الداخلة في إطار الإيمان المستحب علمنا أن صاحب هذا الإيمان ليس من أهل هذه المرتبة، وإن انتفى الإقرار – وهو عمل جارحة اللسان – علمنا أن هذا الممتنع عن الإقرار كافر الكفر الأكبر لأنه ليس من أهل مرتبة أصل الإيمان وحده الأدنى الذي أصله في القلب من قول القلب وعمله ولازمه من الإقرار.
ولما خفي هذا التقسيم الذي قال الفقهاء على أولئك المعاصرين ظنوا أن القاعدة المحكمة تنص على دخول أعمال الجوارح في أصل الإيمان فحكموا بالكفر الأكبر على تارك أعمال الجوارح دون اعتبار الإقرار والنظر إليه مع أنه أدنى لازم اعتد به أهل السنّة والجماعة ونصوا عليه.
ولا يفوتني ونحن نتحدث عن تلازم الظاهر والباطن أن أشير إلى مذهب أهل السنّة والجماعة في تلازم الظاهر والباطن وسط بين المرجئة والخوارج:
فالمرجئة يقولون بعدم التلازم بين الظاهر والباطن بمعنى أنه قد يكون الرجل مؤمناً (كامل الإيمان) وأضع كامل الإيمان بين قوسين لأنه مكمن الفرق بين أهل السنّة والجماعة وبين المرجئة، فالمرجئة عندهم يمكن أن يكون الرجل مؤمناً كامل الإيمان وهو لا يعمل خيراً قط ولا يؤدي من فرائض الله شيئاً ولا يرتدع عن شيء من محارم الله، أما أهل السنّة فمتفقون على أن المقر بالشهادتين بلسانه، مؤمن بأصل إيمانه فيسري عليه أحكام الإيمان، وهو فاسق بكبيرته، فليس هو كافر كقول الخوارج وليس هو مؤمن كامل الإيمان كقول المرجئة.
والخوارج يقولون بالتلازم المطلق بين الظاهر والباطن بمعنى أن الظاهر صورة لحقيقة في الباطن لا يمكن أن يتخلف عنها بحال، وبالتالي يحكم على الباطن بمجرد العمل الظاهر، فإذا تلبس المسلم أمامهم بشيء من أعمال المعاصي فضلاً عن أعمال الكفر فهو كافر حتماً دونما نظر إلى تحقق شروط الكفر أو انتفاء موانعه.
أما أهل السنّة والجماعة: فمنهجهم وسط بين الإفراط والتفريق، وعلى ذلك فهم يقولون بتلازم الظاهر والباطن ولكن بضوابط محكمة تحقق انطباق صورة الظاهر على الباطن وترجح جانب الاحتياط في حق المسلم، وكذلك فإن علماء أهل السنّة والجماعة الذين رزقهم الله تعالى الفقه في الدين: يراعون مدى التلازم وفق مراتب ودرجات الإيمان، فلا يعقل أن يكون لازم أدنى الإيمان كلازم أعلاه ولكنهم يفصلون فتلازم الأصل الواقر في القلب والمتمثل في (قول القلب وعمله) هو الإقرار بالشهادتين وتلازم الإيمان الواجب، بعمل الواجبات والكف عن المحرمات، وتلازم الإيمان المستحب المسارعة إلى كل الخيرات واجتناب كافة المكروهات إضافة إلى لوازم الأصل والواجب، وهذا التفصيل يدلنا على مدى فقه هؤلاء الأئمة لأدلة الكتاب والسنّة وقواعد الإسلام العامة.
[المفتاح الرابع]:الرد على استدلالهم بآيات في كتاب الله تعالى تحكم بالكفر على المتولي عن الطاعة، وظنوا من هذه الآيات أن المقصود بالتولي عن الطاعة هو التولي عنها بأعمال الجوارح، وبالتالي استدلوا بهذه الآيات على دخول جنس عمل الجوارح في أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، ولكنهم في استدلالهم بنصوص هذا القسم جهلوا أمراً هاماً وهو: أنّ التولي عن الطاعة قد يكون بالقلب والجوارح فهذا كفر أكبر لأنه يلازمه جحود القلب وقد يكون بالجوارح فقط مع اعتقاد القلب لوجوبه، فهذا قد صارت له حسنه بطاعة القلب (الاعتقاد) وسيئه (بمعصية الجوارح) فلا يكفر الكفر الأكبر أبداً ومطلقاً، قد أفردت بحمد الله عز وجل في الفصل الثاني (فقه مسائل الكفر) قاعدة مستقلة لبيان أن جميع ما أوجبه الله تعالى وجميع ما حرمه الله تعالى له جانبان: الجانب الأول اعتقاد الأمر والنهي وهو طاعة القلب بالاعتقاد، والجانب الثاني أداء الأمر أو الكف عن النهي بعمل الجارحة، فالتولي الأول بالقلب كفر أكبر مخرج من الملة والتولي الثاني كفر دون كفر لأن صاحبه لا يعتبر متولياً التولي الكلي عن الطاعة إذ قد أتى بطاعة القلب فصارت له حسنة تمنع من كفره الكفر الأكبر، ومفاد هذا القاعدة: أن كل طاعة لها شقان شق اعتقادي يخص القلب وهو اعتقاد هذه الطاعة والإقرار بها وعدم جحدها، والشق الثاني عملي يخص الجوارح ويتناول أداء الطاعات وذلك بأداء المأمورات والكف عن المنهيات، والمأمور به كلا الجانبين الاعتقاد والعمل، فإن أتى بالاعتقاد والعمل فقد أتى بالطاعة كاملة، وإن أتى بالعمل دون الاعتقاد فلا ينفعه العمل بشيء كما لم ينفع المنافقين على زمان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صلاتهم فقد وصفهم الله تعالى بقوله {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ..} [النساء: 142] فانتفى عنهم اعتقاد القلب من التصديق والانقياد ولذلك حكم الله عز وجل عليهم بقوله {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ..} [النساء: 145] وإن أتى بالاعتقاد وحده فقد أتى بحسن وهي طاعة القلب وسيئة وهي معصية الجارحة فصارت له حسنة وسيئة ولا يكون متولياً بالكلية.
[المفتاح الخامس]: الرد على استدلالهم بأحاديث كفر تارك الصلاة ونقلهم إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة والممتنع عن الزكاة، وظنوا أن هذا الإجماع من أقوى الأدلة الشرعية على كفر تارك جنس عمل الجوارح، وذلك لكون الصلاة والزكاة من أعمال الجوارح، ولكن في استدلالهم بأدلة هذا القسم جهلوا أموراً هامة:
(الأول): أن الخلاف في مسألة تارك الصلاة خلاف معتبر بين أئمة أهل السنّة والجماعة ويستحيل صحة الإجماع مع مخالفة كثير من السلف والخلف لهذا الإجماع المزعوم، بل ذكر النووي أنه قول جماهير السلف والخلف وأن المصير إليه متعين لأنه القول الذي يجمع بين مختلف الأدلة.
(الثاني): أن الأحاديث نصت على كفر تارك الصلاة، فالإجماع المتعين على تسمية تارك الصلاة كافر لدلالة النصوص الصحيحة عليه ويبقى فقه هذا الكفر هل هو كفر أكبر أم كفر داخل إطار الملة، فصاحبه يسمى كافراً وإن كان في نفس الوقت وقد نصت أحاديث على كفر المقاتل للمسلمين والقاتل من باب الاولى ثم جعلت للقاتل أخوة الإيمان بدليل قوله تعالى في حق القاتل: {فمن عفى له من أخيه شيء}، فهو كافر ولكن كفر دون كفر بدليل باحتفاظه بأخوة الإيمان وهو شيء أجمع عليه علماء أهل السنة، فما المانع أن يكون المقصود بإجماعهم هو إجماعهم على أنه كفر ولكن داخل في إطار الملة و هو قول جماهير السلف و الخلف من أئمة الفقه والعلم و الدين بل وهو قول الأئمة المجتهدين الكبار الثلاثة مالك وأبو حنيفة والشافعي وهو رواية صحيحة عن الإمام أحمد صححها ابن قدامة المقدسي في كتابه المغني.
(الثالث): أن النصوص دلت كذلك على عدم كفر تارك الزكاة الكفر الأكبر لكونه تحت المشيئة – وهذا هو قول أكثر الفقهاء الأئمة المقتدى بهم في العلم والدين، وهذا الأمر يقوي جانب أنه كفر في إطار الملة وليس كفراً أكبر ما كان مقراً بالزكاة ناوياً لأدائها، بخلاف الجاحد لها بقلبه أو بدا على صفحات لسانه وعمله ما يدل على جحوده لها وإنكاره لفرضيتها.
(الرابع): أن السعي إلى تصحيح هذا الإجماع وحمله على الكفر الأكبر إساءة واضحة لغالب أئمة الدين الذين جعل الله تعالى لهم قدم صدق في الأمة وجعل لعلمهم القبول في الأرض، إذ كيف يتأتى لهم مخالفة إجماع الصحابة مع الأصوليون أكثرهم على أن مخالفة الإجماع لا سيما إجماع الصحابة كفر، وبالتالي لا بد من إعادة النظر في فهم نصوص هذا القسم بما يلائم الصواب والعدل وحسن الظن بأئمة العلماء المقتدى بهم في ملة الإسلام، وبما يخالف الغلو الذي لا يأخذ بصاحبه إلا إلى الهلاك ((هلك المتنطعون، قالها ثلاثاً: الحديث … و إياكم والغلو في الدين)) ([145]).
وكلا الحديثين حذر من الغلو الذي يؤول بصاحبه إلى هلاكه، و حمل تارك الصلاة على نفس القاعدة هو قول جماهير السلف، لا سيما وإذا علمنا أنه القول الذي اتفق عليه الفقهاء المحققون والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة وقول للإمام أحمد قال عنه ابن قدامه الحنبلي ” والرواية الثانية ـ أي عن الإمام أحمد في حكم تارك الصلاة القتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن وهذا اختيار عبد الله بن بطة ـ من فقهاء الحنابلة ـ وأنكر قول من قال أنه يكفر وذكر أنّ المذهب ـ أي الحنبلي ـ على هذا لم يجد في المذهب خلافاً، وبعد قول أكثر الفقهاء وقول أبي حنيفة ومالك والشافعي … إلى أن قال وهو يشير إلى أنه إجماع المسلمين … ولأن ذلك إجماع المسلمين فلا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فرّق بين زوجين لترك الصلاة مع أحدهما لكثرة تاركي الصلاة ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها، ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أنّ تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام ” ([146]).
(الخامس): حمل تارك الصلاة على نفس القاعدة هو القول الذي يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة جمعاً يأخذ بكافة الأدلة، فهو يقول بكفر تارك الصلاة للأدلة المكفرة، ويجعله دون الكفر الأكبر، لكونه داخل تحت المشيئة ولأن الكفر الأكبر هو ما كان ضد أصل الإيمان فإذا علمنا أنّ عمل الجوارح والصلاة منه داخل في الإيمان الواجب كان ضده الكفر دون الكفر الأكبر وبهذا تتوافق القواعد الأصولية ويتم الجمع بين الأدلة جميعها، ولهذا قال النووي في المجموع ونقله عنه الشنقيطي في أضواء البيان بعد أن أشار إلى أنه أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث فقال الشنقيطي رحمه الله: ” وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة، لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن، وإذا حمل الكفر والشرك المذكورين في الحديث في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج من الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن، وقال النووي في شرح المهذب ـ بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ـ أي الكفر الأكبر ـ ما نصه)) ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث، وأمّا الجواب عمّا احتج به من كفره، من حديث جابر وبريده ورواية ابن شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها محل الغرض منه)) ([147]).
[المفتاح السادس]: استدلالهم بأقوال بعض أئمة العلم في كفر تارك الصلاة أو كفر تارك المباني الأربعة العملية أو دخول العمل في أصل الإيمان، وكل ما استدلوا به في هذا القسم لم يفهموا أبعاده الأصولية والفقهية، بل أخذوه على ظاهره، مع أن في نفس جميع ما استدلوا به من أقوال هؤلاء مفاتيح فهم النصوص وتنزيلها على ما أرادوه منها، فكل ما جاء في كفر المباني الأربعة مبني على الجحود لها أو الامتناع الاستكباري الذي يلمح منه انتفاء عمل القلب وهو الانقياد للحكم، وإلا فالحكم بالكفر على تارك المباني الأربعة بمجرد الترك قول شاذ لا يوافق عليه أكثر الأئمة الفقهاء بدلالة الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، والجمهور على خلافه، فلا ينبغي جعله من الأصول التي يستدل بها على أسس الإيمان والكفر والحكم على الناس من خلاله،
[المفتاح السابع]: الرد على قولهم بأن من الأعمال المجردة ما هو كفر أكبر كإهانة المصحف وسب الدين وبالتالي فمن الأعمال ما يدخل في أصل الإيمان وتركه كفر أكبر مخرج من الملة، وفهم هؤلاء لهذه القاعدة قاصر، والأعمال المجردة ليس فيها كفر أكبر البتة، بل الكفر الأكبر اعتقادي، صحيح هناك أعمال حكم أهل السنّة على المتلبس بها بالكفر الأكبر كسب الدين وإهانة المصاحف والاستهزاء بالدين والسجود للأصنام، ولكنهم – أي العلماء الفقهاء المحققون من أئمة السنّة والسلف – يقولون بأن هذه الأعمال دليل على ما في القلب من العناد والكفر ودليل على انتفاء عمل القلب من الانقياد وبالتالي هو كفر عملي فيما يظهر للناس وهو في حقيقته كفر اعتقادي لا يكون إلا من كافر.
***
(المبحث السابع) فقه مسائل وأحكام الإيمان الكامل
[المفتاح الأول]:الإيمان الكامل قسمان:(الأول): وهو الإيمان الكامل الكمال المأمور به وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها، وهذا الإيمان يسميه العلماء ” الإيمان الواجب ” وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها، و(الثاني): وهو الإيمان الكامل الكمال المستحب وهو بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل، والإيمان الكامل هو الإيمان المقصود بالثناء المطلق كما في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 47] وقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72]، وذلك لأن الإيمان الكامل هو الإيمان المطلق الذي يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء ويهيمنُ صاحبه لدخول الجنة ابتداء، وهذا هو الواجب منه أما المستحب فإنما يرفع درجة صاحبه في عِلِّيّين.
وحدود الإيمان الواجب: أداء الفرائض، والكف عن المحرمات، والوقوف عند حدود الله دون تعد لها، ودرجات الإيمان المستحب عديدة: تتمثل في أداء السنن والمستحبات والقربات، والتنزه عن الشبهات والمكروهات، وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح، فإذا ما حقق العبد الإيمان الواجب فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرم عليه ظاهراً وباطناً فقد استحق اسم الإيمان المطلق، فإن مات على ذلك دخل الجنة بلا عذاب، فإذا زاد العبد على ذلك ما شاء الله له أن يزيد، بأن اجتنب المكروهات ونأى بنفسه على المشتبهات، وأتى بالمستحبات بقدر ما ييسر الله له ذلك، فقد دخل في دائرة الإيمان الكامل المستحب، وتفاوت العباد في هذه المرتبة يقابله تفاوتهم في درجات الجنة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ولا ينفى الإيمان في النصوص إلا في مجال ترك الأفعال الواجبة، فإن تارك الأفعال المستحبة لا ينفى عنه الإيمان، فإذا ما نفت النصوص الإيمان عند انعدام بعض الأفعال علم أنها واجبة وأن تاركها معرض للوعيد، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبة.
وحاصل المستفاد من تلك القاعدة ما يلي: من حقق أصل الإيمان نجا من الكفر الأكبر ونجا من الخلود الأبدي في النار، إذا زاد العبد عن الأصل فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرّم عليه فقد حقق الإيمان الواجب واستحق اسم الإيمان المطلق، إذا مات العبد على الإيمان الواجب دخل الجنّة بلا عذاب، فإن زاد العبد على الواجب بأداء المستحبات والنأي عن الشبهات واجتناب المكروهات فقد دخل في دائرة الإيمان الكامل المستحب، أصل الإيمان الكامل المستحب متفاوتون في المنازل والدرجات تفاوتاً شديداً وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، الإيمان إذا أطلق في نصوص الشرع فإنه يدخل فيه الإيمان الواجب والمستحب، الإيمان إذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به الإيمان الواجب دون المستحب، الإيمان إذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به الإيمان الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة، الإيمان بهذا التقسيم ثلاثة مراتب الظالم لنفسه وأدناه الوقوف على أصل الإيمان لأنه ليس بعده إلاّ الكفر الأكبر، ثم المقتصد وهو المؤدي للواجبات الكاف عن المحرمات، ثم السابق بالخيرات بإذن الله وهو مرتبة الإيمان الكامل المستحب ويصدق ذلك قوله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]،
[المفتاح الثاني]: فقـه مسائل الإيمان الواجب:[1] الإيمان إذا أطلق في نصوص الشرع (الكتاب والسنّة) فإن أدنى ما يتناوله هو الإيمان الواجب الذي أوجبه الله على عباده، وإذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به نفي الإيمان الواجب، ومن نفى عنه الشرع الإيمان الواجب لم يخرج من الإيمان إلى الكفر ولكن من الإيمان إلى الإسلام، وهذه القاعدة بينة واضحة في كثير من كتابات علماء أهل السنّة والجماعة رحمهم الله، أذكر منها على سبيل المثال: قال ابن عبد البر: ” قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن يريد مستكمل الإيمان ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر)) “([148]).وقال القرطبي” أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل يا رسول الله ومن، قال الذي لا يأمن جاره بوائقه))، وهذا عام في كل جار وقد أكد عليه السلام ترك إذايته بقسمه ثلاث مرات وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذى جاره ” ([149]).
وقال النووي في شرح قوله صلى الله عليه وسلم ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه)) قال العلماء رحمهم الله معناه لا يؤمن الايمان التام والا فأصل الايمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة “([150]).
وقال ابن كثير ” وفي الصحيحين لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن فيسلبه الإيمان ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين ” ([151]).
وقال المناوي: ” لا يؤمن أحدكم إيمانا كاملا فالمراد بنفيه هنا نفي بلوغ حقيقته ونهايته من قبيل خبر لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ” ([152]).
وقال ابن حجر: ” قال بن بطال في هذا الحديث تأكيد حق الجار لقسمه صلى الله عليه وسلم على ذلك وتكريره اليمين ثلاث مرات وفيه نفى الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو الفعل ومراده الإيمان الكامل ولا شك أن كامل الإيمان وقال النووي عن نفي الإيمان في مثل هذا جوابان أحدهما أنه في حق المستحل والثاني أن معناه ليس مؤمنا كاملا ” ([153]).
وقال في قوله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)) المراد بقوله يؤمن الإيمان الكامل وخصه بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ والمعاد أي من آمن بالله الذي خلقه وآمن بأنه سيجازيه بعمله فليفعل الخصال المذكورات “([154]).
وقال الشوكاني: ” قوله صلى الله عليه وسلم ((من كان يؤمن بالله)) قيل المراد من كان يؤمن الإيمان الكامل المنجى من عذاب الله الموصل إلى رضوانه ويؤمن بيوم القيامة الآخر استعد له واجتهد في فعل ما يدفع به أهواله ومكارهه فيأتمر بما أمر به وينتهي عما نهي عنه ومن جملة ما أمر به إكرام الضيف “([155]).
” قلت ” ومن هذه النقول يتبين أنّ الإيمان إذا أطلق في كتاب الله تعالى أو سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم فإنما يتناول (الإيمان الواجب) وإذا نُفي في الكتاب والسنّة فإنما هو نفي للإيمان الواجب ـ الذي لا يكون ضده الكفر الأكبر المخرج من الملة وإنما يكون ضده كفر داخل إطار الملة وهو ما عبر عنه العلماء بقولهم كفر دون كفر وفي ضوء هذه القاعدة الرصينة ينبغي أنّ نفهم مثل قوله صلى الله عليه وسلمـ كمثال على نفي الإيمان ـ ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) فإنه نفي للإيمان الواجب لا أصل الإيمان وإلاّ صار الزاني كافراً وهذا لا يقوله إلا الخوارج، والزاني عند أهل السنّة وإن انتفى عنه الإيمان المطلق إلاّ أنه لازال عنده أصل الإيمان الذي يثبت له به اسم الإيمان وحكمه وخلاف القول عندهم أنه مؤمن بأصل إيمانه فاسق بكبيرته، واسم الإيمان وحكمه لازم له بدليل ما جاء في كتاب الله تعالى عن إثبات أخـوة القاتل لأولياء القتيل في قوله تعالى ((فمـن عُفـي لـه مـن أخيـه شـيء)) وقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا.. إلى قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} الآية، وكذلك فإن من انتفى عنه الإيمان الواجب في كتاب الله تعالى أو سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه بانتفاء هذا الإيمان يدخل في الإسلام وذلك لأن الإسلام أوسع من الإيمان فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً الإيمان المطلق، وحـدود مرتبـة الإيمـان الواجب: وحدود هذه المرتبـة تتمثـل في: القيام بالفرائض والواجبات، والكف عن الكبائر والمحرمات، والوقوف عند حدود الله تعالى في الأمر والنهي والحظر والإباحه، وغالب أوامر ونواهي القرآن الكريم تدخل في إطار الأمر بتحقيق هذه المرتبة ولذلك كانت مبتدئه بنداء المولى سبحانه{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ومعناه كما نقلنا معناه عن الإمام البيهقي وغيره ” يا أيها الذين أتوا بأصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد” وجب عليكم من أعمال الإيمان أو حرّم عليكم من أعمال الفسوق والعصيان كذا وكذا، وهذا الإيمان الواجب هو الذي مدح الله تعالى أصحابه ووعدهم به الجنة ابتداء وبشرهم بالفضل الكبير والمكانة الصادقة، وأكثر ما في القرآن من الآيات المسبوقة بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} هي في إطار الإيمان الواجب، فإمّا أن تأمر بواجب أو تنهى عن محـرّم أو تحـد حـداً من شـرع الله.
[المفتاح الثالث]:
فقـه مسائـل الإيمـان الكامـل المستحـب: الإيمان الكامل المستحب هو مرتبة المحسنين، وهـذه المرتبة العالية التي يسميها العلماء مرتبة الإحسان وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم المشهور وفيه: ((فأخبرني عن الإحسان؟ قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) ([156]).
ويسميها العلماء كذلك مرتبة السابق بالخـيرات وذلـك لقـوله تعـالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32] ويسميها العلماء كذلك مرتبة المقربين لقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ *أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الواقعة: 10 – 12].
ومرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الإيمان، وهي مرتبة الصديقين والسابقين والمقربين والمسارعين إلى عمل الخيرات والمتنافسين في القرب من رب العباد ونيل رضوانه، وهي مرتبة العارفين بالله السالكين طريقه الخائفين من مقامه وعذابه والطامعين في رضوانه والراجين لرحمته، وهي مرتبة القوامين بالليل الصوامين بالنهار المجاهدين في سبيل الله لا تأخذهم فيه لومة لائم، وهي مرتبة الدعاة إلى الله السالكين نهج النبي صلى الله عليه وسلم الحاملين دعوته إلى الناس جميعاً، وهي مرتبة أئمة العلماء العاملين وأئمة المحتسبين والمجاهدين وجميع المسارعين في الخيرات المتنافسين في مرضاة الرحمن.
و[حدود مرتبة الإحسان]: مرتبة الإحسان هي مرتبة الإيمان الكامل المستحب الجامع لكافة شعب الإيمان بأصله وفرعه، وعلى ذلك فالإحسان إتمام الإيمان الواجب ثم الزيادة عليه بأداء النوافل والسنن والمندوبات والتنـزه عن المكروهات والشبهات وهو إحسان الاعتقاد والعمل وتصويبه وإخلاصه وإتقانه ابتغاء مرضاة الله، ولمرتبة الإحسان درجات عظيمة متفاوتة تبدأ بالمراقبة وهي تُعلم من قوله صلى الله عليه وسلم ((فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) ويتدرج المحسن في منازلها حتى يبلغ مرتبة المشاهدة وهي كما قال صلى الله عليه وسلم ((أن تعبد الله كأنك تراه))، فالمراقبة تكون بمراقبة الله تعالى في الأعمال الظاهرة والباطنة مع اليقين الدائم بأن الله يراك في كل حين فتحسن العمـل وتخلصـه وتتقنـه لله، ويدرج المحسن بعد ذلك في منازل الإحسان عن طريق إتقان مقامات القلوب من التوبة والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا وإحسان أعمال القلوب من التقوى والمحبة والخوف والرجاء والخشية والإنابة والصبر والشكر والتقوى، وعن طريق العبادات والقربات والطاعات من الصلاة والصيام والصدقة والإنفاق والقيام وتلاوة القرآن، وعن طريق التنـزه عن المكروهات فضلاً عن المحرمات، واتقاء الشبهات واجتناب الصغائر فضلاً عن الموبقات، فبإحسـان أعمال القلب، وبإحسـان أعمال اللسان، وبإحسـان أعمـال الجـوارح لا يزال العبد يتقرب إلى الله حتى يُنعم عليه بالصعود في منازل الإحسان وأعلى تلك المنازل منزلة المشاهدة وهي ((أن تعبد الله كأنك تراه))، وهذه منزلة الصديقين الذين قرب علم يقينهم في الله من عين يقينهم فيه ففتح الله تعالى عليهم من أنواع القربى والمعرفة وأعمال القلوب ما شاء، ومهما وصل العبد في القربى من الله، وفي المعرفة والعلم وفي العبادة والطاعة ففيه تقصير، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابين، وأهل مرتبة الإحسان السابقون بالخيرات، قد يُقصّر أحدهم في أوراده العبادية أو العلمية أو العملية فيكون ذلك في حقهم تقصير، وكما قيل (حسنات الأبرار سيئات المقربين)، وقد يكون منهم اللمم الذي وعدهم الله عليه المغفرة بقوله: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32].
ولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الأسوة والقدوة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يستغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة، وفي اليوم والليلة أكثر من مائة مرة، وحاشى لله أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذنب لله رب العالمين، حاشى لله أن يكون له ذنوب وخطايا من جنس ذنوبنا وخطايانا، بل هو من باب فضل الله العظيم على الرسول صلى الله عليه وسلم وطاقة البشر المحدودة فيكون الاستغفار بموجب عظم النعمة التي منَّ الله تعالى بها على رسوله صلى الله عليه وسلم، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأل جهداً في عبادة الله فهو أعبد الناس وأشكرهم وأحمدهم لله رب العالمين، ولذلك كانت المغفرة من الله تعالى له لكون ذلك الشكر خارج عن مقدور الخلق وجهدهم، فمن من الخلق يستطيع القيام بحق الربوبية والألوهية وشكر الذات والأسماء والصفات والأفعال وهذه لا يقدرها قدرها إلاّ الله جل وعلا، فهي فوق طاقة الخلق إلاّ أن أعظمهم شكراً لتلك الحقوق هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان استغفاره صلى الله عليه وسلم لعلمه بأن القيام بشكر الذات والأسماء والصفات والأفعال والقيام بحق الربوبية والألوهية هو فوق مقدور الخلق، وقد كان صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بربه جل وعلا صلى الله وسلم عليه وآله وصحبه أجمعين صلاة وتسليماً دائمين مضاعفين متناميين إلى يوم الديــن.
[المفتاح الرابع]: مراتب الإيمان الثلاثة: مراتب الإيمان الثلاثة جاءت في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، فعباد الله عز وجل الذين اصطفاهم للإيمان ثلاثة أصناف وكلهم بحمد الله داخل في الاصطفاء وله اسم الإيمان وحكمه، والصنف الأدنى هم المفرطّون في أداء بعض الفرائض والواجبات وهم الواقعون في بعض الكبائر والمحرمات فهؤلاء هم الظالمون لأنفسهم، وأدنى هؤلاء هم المحتفظون بأصل الإيمان من أهل القبضة الذين يتفضل الله عز وجل عليهم بإخراجهم من النار بقبضته مـن غيـر عمـل عملـوه ولا خيـر قدمـوه سـوى الإقـرار بالتوحيـد واعتقاده، والصنف الثاني هم المقتصدون المؤدون لما فرضه الله عز وجل عليهم من الفرائض والواجبات والمنتهون عن الكبائر والمحرمات، والواقفون عند حدود الله عز وجل في الحلال والحرام، وهؤلاء هم أصحاب مرتبة الإيمان الواجب، والصنف الثالث هم السابقون بالخيرات بإذن الله من عباد الله المقربين المحسنين المتقربين إلى الله عز وجل بالنوافل والمندوبات فضلاً عن الفرائض والواجبات والمتنزهين عن المكروهات فضلاً عن المحرمات، وهؤلاء هم أصحاب مرتبة الإيمان الكامل المستحب.
” قلت ” وهذه الأصناف الثلاثة قد حملها العلماء على مسميات الإسلام والإيمان والإحسان التي جاءت في حديث جبريل عليه السلام المشهور، وقالوا أنّ مرتبة الظالم لنفسه هي مرتبة المسلم المؤدي للأركان والمقصر في بعض الواجبات والواقع على بعض المحرمات وأدنى هذه المرتبة الإقرار بالشهادتين باب الإسلام الأوحد واعتقادهما، وهذا الأصل الذي متى نقص دخل صاحبه في الكفر الأكبر وانتفى عنه أصل الإيمان وقالوا أنّ مرتبة المقتصد هي مرتبة المؤمن المؤدي للأركان الخمسة والمؤدي لكافة الواجبات والمنتهي عن كافة المحرمات ولكنه مقتصد مقتصر على ذلك لا يزيد ولا ينقص، وقالوا أنّ مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله هي مرتبة المحسن المتقرب إلى الله بإحسان أعمال القلوب وأعمال الجوارح والمنتهي عن كافة الشبهات والمكروهات فضلاً عن الكبائر والمحرمات.
فالإيمان ثلاث مراتب يصدقها قول الله عز وجل: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير}، وأدنى هذه المراتب، بل أدنى المرتبة الثالثة أصل الإيمان ومطلقه الذي من لم يأت به فهو كافر الكفر الأكبر وهو يتناول الإقرار والتصديق والانقياد أو بمعنى آخر إقرار التوحيد واعتقاده، والاعتقاد يتناول التصديق والانقياد، ويظل المـرء في هـذه المرتبـة (مرتبة الظالم لنفسه) ما كان مقصراً في بعض الواجبات أو واقعاً على بعض الكبائر، فإذا أدى الفرائض جميعها وكفّ عن المحرمات جميعها ولم يزد على ذلك ولم ينتقص فهو في مرتبة المقتصد، فإذا زاد بالتقرب إلى الله بالنوافل والتنزه عن المكروهات فهو في مرتبة الإيمان الكامل المستحب، إيمـان المحسنيـن، قال ابن كثيرـ في تفسير الآية: (يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتـاب الذيـن اصطفينـا مـن عبادنـا وهـم هـذه الأمـة، ثم قسّمهم ثلاثة أنواع فقال تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، {وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ}وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك المستحبات ويفعل بعض المكروهات {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} هو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهـات وبعـض المباحـات) أهــ ([157]).
” قلت “وتلــك المراتــب مرتبــة من الأدنــى إلى الأعلــى: (مرتبة الظالم لنفسه) وهي التي تنطبق على مرتبة الإسلام وكلنا يعلم أن أركان الإسلام خمسة هي الأركان العملية الظاهرة والتي ينبغي أن يحافظ عليها المؤمن وإلاّ كان على خطر عظيم، وأدناها كما ذكرنا الإقرار بالتوحيد واعتقاده واجتناب نواقضـه، (مرتبة المقتصد) وهي التي تنطبق على مرتبة الإيمان ـ أي الواجب المأمور به، (مرتبة السابق بالخيرات) وهي التي تنطبق على مرتبة الإحسان.
ولهــذا جــاء فــي حديــث جبريــل عليــه الســلام المشهــور، أخرج مسلم رحمه الله في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنـه قـال: ((بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثوب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، إلى قوله صلى الله عليه وسلم فإنه جبـريل آتاكم يعلمكم دينكم)) ([158]).
وعلى ذلك فمراتب الدين ثلاثة وهي لا شك نفسها مراتب الإيمان، إذ الإيمان بالمعنى الواسع هو كافة شرائع الدين، وعلى ذلك يمكن القول بانّ مراتــب الدين ثلاثـــة: أعلاهــا مرتبة الإحســان، وأوسطهــا مرتبة الإيمــان، وأقلهــا مرتبـة الإســلام، وأمـا أدنى ما يصح به الإيمان والإسلام فهو أصـل الإيمان، وهو الاعتقاد المجرد عن أعمال الجوارح.
[المفتاح الخامس]: بيـان أهمية الأركان العمليـة الأربعـة الصلاة والزكاة والصيام والحج: ذكرنا أنّ أركان المرتبة الأقل من مراتب الإيمان (مرتبة الإسلام الظاهر ـ مرتبة الظالم لنفسـه) خمسة هي الأركان الخمسة الشهادتان باب الإسلام الأول وأساسه الأكبر وإقامة الصلاة وأداء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، والواقف على تلك الأركان لا يتعداها بأداء الواجبات والفرائض الباقية ولا يتورع عن الكبائر والمحرمات، فهو وإن كان من عباد الله الذين أصطفاهم الله لدينه إلاّ أنه ظالم لنفسه لتقصيره في شرائع الإيمان الواجبـة.
أمّـا التفريط في الأركان العملية الأربعة (الصلاة والزكاة والصيام والحج لمن استطاع إليه سبيلا) فهو أعظم من الكبائر والمحرمات وعواقبه وخيمة، ولهذا جاء في الشرع ما يدل على أنّ ترك هذه الأركان ليس بمثابة الفسوق والعصيان، وإنما هو أعلى وأخطر من ذلك، ولهذا أطلقت الشريعة على تاركها لفظ الكفر، ولفظ الكفر بمجرده خطير لأنه أشد من ألفاظ الوعيد الأخرى كالفسوق والعصيان، وهو كفر في إطار الملة لمن حافظ على شهادة التوحيد واعتقادها وما أصعب ذلك لتارك هذه الأركان العملية الأربعة لأن الإيمان إن لم يزد فهو عرضه للنقصان، وأصل الإيمان (الإقرار بالتوحيد واعتقاده) لو نقص لصار صاحبه إلى الكفر الأكبر وخاتمة السوء وسوء العاقبة نسأل الله السلامة، لذا الحذر الحذر من التفريط في هذه الأركان وأهمها على الإطلاق الصلاة لأنها صلة العبد بربه التي تمد الإيمان بما يمثل له عنصر البقاء، ونحن لا نُغالي احتياطاً للشريعة فالمشرع سبحانه أشد غيره على الدين، وكذلك لا نفرط اتكالاً على رحمة الله يدخلنا في إطار الاغترار برحمة الله.
ولكن التحقيق العلمي يؤيد أن ترك هذه الأركان كفر في إطار الملة وليس خارجها ما كان صاحبها محافظ على أصل الإيمان (الإقرار بالتوحيد واعتقاده) وما أشق ذلك وأعسره لهذا كان الخطر باقياً في ترك هذه الأركان، ومتمثلاً في الخوف من الخذلان والموت على الكفر، ومن حام حول الحمى ـ وهو حمى الكفر ها هنـا ـ يوشـك أن يقـع فيـه، وحتى إن صلح له أصل إيمانه، فأصل الإيمان لا يمنع من دخول النار، وغمسة واحدة في النار لا توازيها الدُنيا بأسرها لذة وسرورا، فما بالنا بهذا الذي لا تصلح معه لا شفاعة المؤمنين ولا شفاعات الملائكة ولا شفاعات النبيين ولا شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم الثلاث حتى تأتي شفاعة الرحمن بعد أحقاب عظيمة لا يعلم مداها الزمني إلاّ الله (وإنّ يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون) فليحذر المغرور من التفريط في هذه الأركان التي هي بمثابة الحرم الحصين لشهادة التوحيد ومن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدُنيا إلاّ متاع الغرور.
(فائــدة ثانيــة): في بيـان المعـاني المتنـوعـة للإسـلام والإيمـان والإحسـان: (لفظ الإسلام): يطلق ويُقصد به المعنى اللغوي من الاستسلام والانقياد والطاعة، وتارة يطلق ويقصد به المعنى الشمولي لدين الإسلام بمراتبه الثلاث: (الإسلام الظاهر والإيمان والإحسان)، وتارة يطلق ويقصد به مرتبة الأركان الخمسة الظاهرة، وقد استعمل الكثير من علماء أهل السنّة والجماعة لفظ الإسلام الظاهر لتمييز مرتبة الأركان الخمسـة الظاهـرة (مرتبـة الإسـلام الظاهر).
و(لفظ الإيمان): يطلق (الإيمان) لغةً ويقصد به التصديق القلبي، وشرعاً إذ ذكر الإيمان بمفرده دل على مرتبة الإيمان وهي المرتبة الثانية في دين الإسلام وتلك المرتبة تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل الجوارح، وإذا ذكر معه العمل الصالح دل بمفرده على التصديق القلبي لأركـان الإيمـان ـ وهذا التصديق الانقيادي مطلوب مع كل مرتبة من مراتب الدين سواء مرتبة الإسلام الظاهر أو الإيمان أو الإحسان وذلك لأنه إذا انتفى التصديق صار الإنسان منافقاً يظهر الإسلام ويبطن الكفر ـ وبإضافة العمل الصالح إليه يدل كلاهما على الإيمان الذي هو المرتبة الثانية مرتبة المقتصد المؤدي للفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات.
و (لفظ الإحسان): لغةً يعني إجادة العمل وإخلاصه، وهو شرعاً يطلق تارة ويقصد به الإنفاق والبذل والعطاء وتارة يطلق ويقصد به المرتبة الثالثة العالية من مراتب دين الإسلام مرتبة السابقين المقربين وحسن أولئك رفيقاً.
[فائدة]: خلاصة الفصل الأول: (أحكام الإيمان): بحمد الله عز وجل سبق وعرضنا في هذا الفصل عشرة مفاتيح لعلم الإيمان، تتضمن تأصيل قواعد لازمة لفقه مسائل الإيمان، وإليك عرض موجز لهذه المفاتيح الضرورية والقواعد الهامة التي في مجموعها الفقه الراسخ لمسائل الإيمان:
(1) الإيمان قول وعمل، وهو اعتقاد بالقلب يظهر أثره على الجوارح.
(2) الإيمان أصل وفرع وأصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل.
(3) أصل الإيمان هو أدنى ما يصح به الإيمان وهو مطلق الإيمان، وهو إيمان أصحاب قبضة الرحمن وأصحاب شفاعة الرحمن التي لا تنبغي إلاّ للرحمن.
(4) أصل الإيمان هو أقل ما يعطي لصاحبه اسم الإيمان وحكمه، وليس هو اسم الثناء بالإيمان وإنما هو اسم الإيمان الذي تجرى به أحكام الإسلام.
(5) ليس بعد أصل الإيمان سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار.
(6) أصل الإيمان لا يمنع من دخول النار ولكنه يمنع من الخلود الأبدي فيها خلود الجاحدين المكذبين.
(7) أصل الإيمان محله القلب ويشمل قول القلب (التصديق)، وعمل القلب (الانقياد)، وله لازم لابد وأن يظهر على جارحة اللسان وهو الإقرار.
(8) عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا غنى عن أحدها: الأول: قول اللسان (الإقرار)، والثاني: قول القلب (المعرفة والعلم والتصديق)، والثالث: عمل القلب (الانقياد والإذعان).
(9) أعمال الجوارح كلها خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرعه الواجب والمستحب.
(10) ضد أصل الإيمان أو أحد عناصره الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وكل كفر كان ضداً للإيمان الفرع فهو كفر في إطار الملة وليس خارجها.
(11) فرع الإيمان هو ما يسميه العلماء (الإيمان المطلق) أو (الإيمان الكامل) وهو قسمان: الأول: الكامل الكمال المأمور به وهو الإيمان الواجب، الثاني: الكامل الكمال المندوب إليه وهو الإيمان الكامل المستحب.
(13) الإيمان الواجب يكون بأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات إضافة إلى وجود الأصل، والإيمان المنفي في نصوص الشرع (الكتاب والسنّة) المقصود منه نفي الإيمان الواجب وليس نفي أصل الإيمان.
(14) الإيمان الكامل المستحب يكون إضافة إلى وجود أصل الإيمان وواجبه التحلي بالمندوبات والتنـزه من المكروهات والشبهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح بمسنون الطاعات
(16) الإيمــان ثــلاث مراتـب: أعلاها مرتبة الإحسان: وهي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله، المؤدي لكافة شرائع الإيمان فرضاً ونفلاً (فعلاً وتركاً) وهي مرتبة أصحاب الدرجات العُلا من الجنّة، ويليها مرتبة الإيمان: (الإيمان الواجب وهي مرتبة المقتصد) المؤدي للفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات لا يزيد على ذلك ولا ينقص منه، وأصحاب هذه المرتبة يدخلون الجنة ابتداء، وأقلها مرتبة الإسلام: (مرتبة الظالم لنفسه) وهو المؤدي للأركان الخمسة وأهمها الصلاة ولكنه مقصّر في أداء بعض الفرائض والواجبات والواقع على بعض الكبائر والمحرمات، وصاحب هذه المرتبة إلى المشيئة إن شاء الله عز وجل غفر له وإن شاء عذبه حتى يخرج من النار بشفاعة المؤمنين والملائكة والنبيين، وأدنى هذه المرتبة الثالثة: (مرتبة أصل الإيمان وحدّه الأدنى الذي يصح به الإيمان) وهي درجة التوحيد المجرد، وصاحبها هو الذي جاء فيه قسم الله عز وجل ((وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله)) أي معتقداً لها، وهؤلاء هم آخر أهل النار خروجاً من النار وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة وأدناهم فيها منزلة، وليس بعد ذلك سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين المكذبيـن .
([1]) صحيح البخاري 8/54 ح 6243، صحيح مسلم 4/2046 ح 2657
([2]) لسان العرب لابن منظور 1/224، ترتيب القاموس المحيط 1/182، (ط، عيسى الحلبي) ] اهـ، تاج العروس 9/135.
([3]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([7]) الجامع لأحكام القرآن 2/106.
([11]) صحيح البخاري 9/12 ح 6915.
([14]) مسند أحمد 14/97 ح 8358.
([15]) سنن الترمذي 4/321 ح 1919.
([16]) صحيح البخاري 1/35 ح 121.
([17]) صحيح مسلم 1/79 ح 60.، مسند أحمد 8/314 ح 4687.
([18]) شعب الإيمان للبيهقي 1/ 49.
([19]) صحيحيح البخاري 3/24 ح 1891.
([20]) مسلم بشرح النووي 1/ 184 – 185 .
([23]) حاشية العدوي علي كفاية الطالب 1/47.
([24]) الفواكه الدواني : 1 / 38 – 39
([26]) صحيح البخاري 9/129 ح7439.
([29]) المفهم لما أشكـل من تلخيـص كتـاب مسلـم 1 / 199 – 200.
([31]) المفهم لما أشكـل من تلخيـص كتـاب مسلـم 1/ 207.
([35]) صحيح البخاري9/129 7439 .
([36]) صحيح البخاري 8/117 ح 6573.
([37]) صحيح البخاري9/129 7439 .
([38]) صحيح البخاري 9/146 ح7510.، صحيح مسلم 1/182 ح 193.
([40]) صحيح البخاري9/129 7439 .
([44]) نقله عنه النووي في شرح مسلم ج 439 .
([45]) المحلى ج1 / 40 – 41 تحقيق أحمد شاكر
([46]) التمهيد لابن عبد البر ج: 18 / 40
([47]) نقلا عن فتح الباري – كتاب التوحيد –13/434
([48]) التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار ص 266 .
([49]) الإيمان لابن تيمية ص 308.
([51]) شرح العقيدة الطحاوية ص 313 ط المكتب الإسلامي ط ثامنة
([54]) عمدة القارئ شرح صحيح البخاري 1/104.
([55]) طبقات الحنابلة 1 / 343 .
([56]) السنّة للخلال 3 / 588 .
([57]) شرح العقيدة الطحاوية ص 313 ط المكتب الإسلامي ط ثامنة
([59]) شعب الإيمان للبيهقي 1 / 39.
([60]) مسند أحمد 36/329 ح 22003.
([61]) مسند أحمد 20/343 ح 13047.
([62]) مسند أحمد 19/377 ح 12384.
([63]) شعب الإيمان للبيهقي 1 / 38 – 42.
([67]) الاعتقاد والهداية إلى سبيل الراشد للإمام البيهقي ص 115 ط عالم الكتب.
([68]) شرح مسلم للنووي ج1 / 439.
([69]) شرح مسلم للنووي 1 / 184 – 185.
([71]) قواعد العقائد 1/: 258، 259.
([72]) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 1 / 197 .
([73]) التذكرة في أحوال 1 / 420 تحقيق فواز زمرلي.
([75]) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 1 / 196 – 197.
([79]) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم 1 / 441 – 442.
([80]) شرح مسلم للنووي 1/2 11.
([81]) المرجع السابق 1/178-179.
([84]) المرجع السابق 1/185-186.
([87]) فتح الباري لابن رجب الحنبلي 1 /121.
([88]) لتخويف من النار والتعريف بحال دار البوار ص 260.
([89]) شرح صحيح البخاري للكرماني 1 /117 – 118.
([90]) فتح الباري لابن حجر 1/46.
([94]) لوائح الأنوار السنية 2/286.
([95]) لوائح الأنوار السنية 2/291.
([96]) اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، للإمام الأشعري، ص: 154
([97]) الشرح الجديد لجوهرة التوحيد ص23.
([98]) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، للإمام الباقلاني، ص: 55.
([99]) الملل والنحل للشهرستاني: 1: 101.
([100]) تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص43.
([101]) تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص45.
([102]) الشرح الجديد لجوهرة التوحيد ص23.
([104]) مسند أحمد 13/159 ح 7727، سنن الترمذي 4/325 ح 1927.
([112]) شرح العقيدة الطحاوية ص331.
([114]) المسامرة شرح المسايرة ص297.
([118]) فيض الباري نقلاً عن حقيقة الإيمان ص212.
([119]) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة للالكائي 1/ 57
([120]) الشريعة للاجري :1/ 287، الإبانة لابن بطة :2/ 803، شرح أصول اعتقاد أهل السنّة للالكائي 1/ 57
([121]) الفتاوى لشيخ الإسلام:7/ 295.
([122]) الإبانة لابن بطة 2/ 807.
([123]) ابن بطة في الإبانة 1/ 333.
([124]) شرح أصول الاعتقاد للالكائي 5/ 980.
([125]) السنّة لعبد الله بن أحمد:1/ 346 والشريعة للآجري:1/ 271
([126]) شرح أصول الاعتقاد للالكائي:5/ 886، مجموع الفتاوى: 7/ 308.
([128]) الإيمان لأبي يعلى:153.
([129]) شرح اعتقاد أهل السنّة للالكائي:4/ 848،عقيدة السلف للصابوني:69.
([130]) كتاب الإيمان لابي يعلي :65.
([131]) السنّة للخلال:586، شرح أصول الاعتقاد للالكائي:5/ 887) ونقله ابن تيمية في (الفتاوى:7/ 209.
([132]) فتح الباري لابن رجب:1/ 21، انظر تعظيم قدر الصلاة:2/ 929.
([133]) اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم:150،152.
([139]) المغني لابن قدامة2/157، المجموع للنووي 3/14، نيل الأوطار للشوكاني1/291.
([145]) صحيح مسلم 4/2055 ح2670.
([146]) المغنى لابن قدامه 2/157 ـ 158.
([147]) أضواء البيان 4/322] أهـ، ” قلت ” وهو عند النووي في شرح المهذب 13/17.
([148]) التمهيد لابن عبد البر 4 / 237.
([149]) تفسير القرطبي 5 / 184.
([150]) شرح النووي على صحيح مسلم 2 / 16.
([151]) تفسير ابن كثير 3 /: 488.