(الفصل الثاني) مفاتيح أساسية لفقه مسائل وأحكام الكفر
وفيه خمسة مباحث:
(المبحث الاول): الكفر الأكبر كفر اعتقاد، وكفر العمل كفر أصغر.
(المبحث الثاني): تحقيق القول في كفر تارك الحكم بما أنزل الله.
(المبحث الثالث): تحقيق القول في كفر تارك الصلاة.
(المبحث الرابع): تحقيق القول في كفر تولي الكافرين على المؤمنين.
(المبحث الخامس): خطورة الغلو في التكفير بلا ضابط من الفقه ولا ورع في الدين.
***
المبحث الأول الكفر الأكبر كفر اعتقاد، وكفر العمل كفر أصغر
[المفتاح الأول]: معاني الكفر بين اللغة والشرع: جاء الكفر في معاجم اللغة على معان عديدة تؤول جميعها إلى معنيين: الأول: وهو الأصل لمعنـى الكفـر في اللغة ويأتـي على معنـى الستـر والتغطيـة، ومنه يسمى (الليل) (بالكافر) لأنه يستر كل شيء بظلمته، ومنه قيل (للزراع) الكفار لأنهم يغطون البذر بالتراب، وقيل للثوب الذي يغطي الدروع بكافر الدروع، وكل شيء غطى شيئا فقد كفره، والثاني: وهـو أشهر معاني الكفـر وأكثرهـا استعمـالا وهـو الجحـود، ومنه يسمى جاحـد النعمـة (كافرا) ويقال (كفر بالنعمة) أي جحدها وأنكرهـا، ويقـال (كافر بالله) أي جاحد له، ويقال (كافر حقه) أي جحده حقه، ويقال (كفَّره) أي نسبه إلى الكفر والجحود.
و(الجحود) عبارة عن تكذيب المرء أو استكباره عن الانقياد لما علم بصحته وصدقه واستيقن بقلبه، ولذلك كان الجحود في حقيقته ستر وتغطية في قلب الكافر من الإقرار بوحدانية الله، وتغطيته وستره لفطرة الله عز وجل التي فطر عليها قلوب الناس جميعا من الإقرار بربوبيته سبحانه وألوهيته جل شأنه، ولهذا كان الجحود أعظم الكفر وهو غالب كفر البشرية جمعاء، ولهذا وصف الله عز وجل به الكفار جميعا ووصف به أهل النار كلهم وهو كفر إبليس الرجيم وفرعون وقومه وقوم نوح وعاد وثمود وهو كفر أهل الكتاب – اليهود والنصارى – وهو كفر المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم، دل على ذلك كله كتاب الله عز وجل، فمن وصف أهل النار بالجحود: قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51]، وقوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 28]، ومن وصف الكفار جميعا بالجحود: قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [غافر: 63]، وقوله تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [لقمان: 32]، ومن وصف قوم فرعون بالجحود وقد كان دافع هذا الجحود الظلم والعلو، قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14]، ومن وصف عاد قوم هود عليه السلام بالجحود وقد كان دافعه الاستكبار والبطر، قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [هود: 59]، وقوله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 15]، ومن وصف أهل الكتاب – اليهود والنصارى – بالجحود وقد كان دافعه البغي والحسد، قـوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146]، وقوله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة: 90]، وقوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أهل الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109]، والذي يظهر وصفهم بالجحود قوله تعالى: {فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونُ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ} [العنكبوت: 47] ثم بعدها قوله تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [العنكبوت: 49]، ومن وصف كفار قريش بالجحود: قوله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33]، ومعلوم أن إبليس الرجيم كان كفره الجحود ودافعه الإباء والاستكبار والعناد في: قوله تعالى: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34].
ومع أن كفر الاعتقاد المخرج من الملة له أنواع ستة هي (التكذيب، والجحود، والعناد، والإعراض، والشك، والنفاق) إلا أن تركيز آيات الكتاب العزيز على كفر الجحود لأنه أكثرها وقوعا ولأنه يشملهم جميعا، ولذلك علمنا السر في اقتصار كثير من علماء أهل السنّة والجماعة المحققين في تعريف الكفر الأكبر على ” الجحود ” وذلك لأن الكفر أصله الجحود وكل كافر فهو جاحد لما فطره الله عز وجل عليه: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] من الإقرار القلبي بربوبية الله عز وجل وألوهيته، تلك الفطرة التي تظهر عند الشدائد كما في قوله تعالى {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يونس: 22]، وقوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]، فكل كافر هو في حقيقته جاحد لله، ولما فطره الله عليه من التوحيد والتصديق [سيأتي في مبحث العذر بالجهل بيان حقيقة تلك الفطرة وأنها حجة على العباد إلا أن الله عز وجل لكمال رحمته لم يجعلها الحجة التامة حتى يبعث الله عز وجل الرسل مبشرين ومنذرين ومذكرين بتلك الفطرة].
ومن أقوال العلماء في تأصيل معاني الكفر وأهمها الجحود: قال الطحاوي في عقيدته التي تلقاها علماء أهل السنّة والجماعة بالقبول: (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه) ([1]).
فجعل المضاد للإيمان هو كفر الجحود مع أن كفر الاعتقاد أنواعه كثيرة ولكن لغلبة كفر الجحود على البشر عبّر عن الكفر عامة بكفر الجحود، وقال النووي: حيث يقول عد شرحه لحديث ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)): ((وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفرا يخرج به من الملة كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله فإذا تقرر هذا العمل فقيل في تأويل الحديث أقوال أحدها: أنه في المستحل والثاني أن المراد كفر الإحسان والنعمة لا الجحود والثالث أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه والرابع أنه كفعل الكفار)أهــ([2]). والشاهد من قوله الوجه الثاني (المراد كفر النعمة لا كفر الجحود) فهنا استعاض أيضاً عن ذكر الكفر الأكبر بكفر الجحود.
[ المفتاح الثاني]: فقه مسائل الكفر كما جاءت في كتاب الله: عددت ألفاظ ” الكفر” التي وردت في كتاب الله تعالى فوجدتها تزيد على أربعمائة لفظاً وفي هذا دلالة كافية على أهمية مسائل الإيمان والكفر لأنهما أساس أسماء هذه الملة وأحكامها، وأردت بعد ذلك أن أعرف نسبة كفر العمل إلى كفر الاعتقاد (الجحود) في كتاب الله عز وجل، فوجدت الآيات التي تتحدث عن كفر العمل لا تتجاوز عدد أصابع اليدين بحال من الأحوال وقد راجعت تفسيرها جميعها فوجدت علماء أهل السنّة والجماعة متفقون على حملها على كفر العمل المصاحب لكفر الاعتقاد وإلا فهي كفر في إطار الملة لا يخرج عنها – وهو ما عبروا عنه بقولهم كفر دون كفر – في حين وجدت باقي الآيات تشير كلها – وهي كما ذكرت تزيد على الأربعمائة – تتحدث عن كفر الاعتقاد بأنواعه الستة: [التكذيب، والجحود، والعناد، والإعراض، والشك، والنفاق].
فمن الآيات الدالة على كفر التكذيب: وما أكثرها فإنها تربوا على المائتين وخمسين آية، قوله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} [الحج: 42]، وقوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 66]، ث} ومن الآيات الدالة على كفر الجحود وهو كفر اعتقاد أيضا: قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] وقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51].
ومن الآيات الدالة على كفر العناد: ومنه الإباء والاستكبار والكبر فكل هذه الصفات تدخل ضمن كفر العناد وهو كفر اعتقاد كذلك: قوله تعالى: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، وقوله تعالى: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء: 89]، وقوله تعالى: {فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء: 99].
ومن الآيات الدالة على كفر النفاق والمقصود به تكذيب النفاق مع إقرار اللسان: ويسميه العلماء {النفاق الاعتقادي} وهو كفر أكبر صاحبه أسوأ حالا من الكفـار الأصلييـن في النـار، قال تعالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]، ومنه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 8 – 10] وقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15]، وقوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1].
ومن الآيات الدالة على كفر الشك وهو كفر اعتقاد: لأن معناه عدم جزم القلب بالتصديق ولا التكذيب، وصاحب الشك هو ما وصفه القرآن الكريم بالمرتاب ووصفه بمرض القلب: قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23 – 24].
ومن الآيات الدالة على كفر الإعراض: وهو كفر اعتقادي يتناول بالدرجة الأولى إعراض القلب عن تصديق الرسالة والانقياد لها وإعراض اللسان عن الإقرار بها: قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف: 57] فدلت الآية على أن كفر الإعراض يشتمل إعراض القلوب عن الاعتقاد {على قلوبهم أكنة} وإعراض الآذان عن السماع: {وفي آذانهم وقرا}، ومن باب الأولى إعراض اللسان عن الإقرار والجوارح عن الطاعة، ومثلها قوله تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [فصلت: 3 – 5] وكفر الإعراض في الآية يشمل إعراض القلوب عن قبول الحق وهو شهادة التوحيد وإعراض الآذان عن سماعها ومن باب الأولى معاندة اللسان بعدم الإقرار بها.
والمفسرون متفقون على أنها في حق الكافرين الأصليين الذين لم يؤمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأعرضوا عنها وكان جوابهم لبلاغه إننا لا نفقه ما تقول ولا نعيه بقلوبنا ولا نسمعه بآذاننا سماع فهم وعلم أي ولا نفهم ما تقول فاعمل لدينك فإننا عاملون لديننا، ومثلها قوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2] فالإعراض هنا إعراض عن الإيمان بها والتصديق لها بدليل قولهم بعد رؤيتها {وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} أي سحر مستحكم شديد الإحكام يعلوا كل سحر، وقد تتبعت آيات الإعراض في كتاب الله عز وجل فوجدت الآيات التي تحكم بكفر الإعراض الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار كلها – دون استثناء – أتت في حق الكافر الأصلي الذي أعرض عن الإقرار بالشهادتين فلم يقل بها ولم يصدقها ولم ينقاد لها لا بقلبه ولا بجوارحه، وقد رأيت البعض يفهم كفر الإعراض على غير هدي الكتاب الكريم فظن أن كفر الإعراض الأكبر يتناول من أقر بالشهادتين ثم أعرض عن العمل بموجبها، وظن أن ترك جنس عمل الجوارح كفر إعراض عن دين الله عز وجل لا يعمل به، ونسى هذا أن من أقر بالشهادتين ولو بلسانه فقد نجا من كفر الإعراض الأكبر لأنه انقاد بلسانه فلم يعرض، فإن صاحبه تصديق القلب وانقياده فقد صح له أصل إيمانه فله اسم الإيمان وحكمه، وإن صاحبه تكذيب القلب فهو كفر نفاق ولا يسمى عند العلماء كفر إعراض البتة، فإن نقض – والعياذ بالله – إقراره وتصديقه يؤول به إلى الكفر الأكبر المخرج من الملة فهذا كفر ردة وليس كفر إعراض، فأين الإعراض هاهنا لمن أتى بإقرار اللسان.
[المفتاح الثالث]:آيات كفر العمل وعلاقتها بالكفر الأكبر: المتدبر لآيات القرآن الكريم يرى الفرق الكبير بين كفر الاعتقاد وكفر العمل وقد راجعت هذه الآيات التي تتحدث عن كفر العمل – وهي قليلة جدا – في تفاسير علماء أهل السنّة والجماعة، فوجدت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم ومن بعدهم بقية السلف الصالح رحمهم الله، ثم علماء أهل السنّة والجماعة اتفقوا على تأويل هذه الآيات بما يدل بوضوح لا شك فيه أن كفر العمل لا يمكن أن يكون كفرا أكبر حتى يصاحبه كفر الاعتقاد، وبمعنى أوضح أنه إذا ثبت إيمان القلب بيقين فإن العمل المجرد الذي حكم الشرع بكفر صاحبه إنما هو في إطار كفر دون كفر فلا يخرج من الملة ولا يوجب لصاحبه الخلود الأبدي في النار، وهذا – كما سيتبين إن شاء الله – اتفاق علماء أهل السنّة والجماعة المحققون، وأهم هذه الآيات التي تتحدث عن أو تشير إلى كفر العمل.
(الآية الأولى): قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، والملاحظ من الآية أنها جعلت مناط الكفر فيها هو ترك الحكم بما أنزل الله، ومع جعل الآية مناط الحكم فيها على الترك فقد اتفقت كلمة أهل السنّة والجماعة فيها على تأويل حبر الأمة الذي دعا الرسول صلى الله عليه وسلم له بالفقه في الدين عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما وعامة الصحابة رضي الله عنهم على أن مناط الكفر الأكبر هو جحود حكم الله عز وجل (الذي يصاحبه جحود أصل الإيمان من الإقرار والتصديق والانقياد القلبي) وليس مجرد الترك، وأن الترك المجرد الخالي عن الجحود فهذا من نوع الكفر في إطار الملة وهو ما عبروا عنه بقولهم كفر دون كفر فلا يأخذ صاحبه اسم الكفر الأكبر وحكمه، بل هو كفر في إطار الملة حيث له اسم الملة وحكمها، وسيأتي في المفتاح الثامن من هذا الفصل (تحقيـق القـول في مسـألة ترك الحكم بما أنـزل الله) نقل مذهب أهل السنّة والجماعة في مسألة الحاكمية مؤصلا بأقوال العديد من الأئمة الأعلام
(الآية الثانية): قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]، والملاحظ في الآية أنها أمرت بالطاعة، والمتبادر إلي الذهن عند ذكر الطاعة هو طاعة الجوارح بالعمل، والآية أشارت إلي أنّ التولي عن هذه الطاعة كفر بدليل قوله تعالى بعدها {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} فوصفت المتولين عن الطاعة بالكفر، ومع ذلك فقد اتفقت كلمه العلماء والفقهاء على تفصيل المسألة وأنّ للطاعة شقان، (الأول): طاعة القلب وهو الاعتقاد، و(الثاني): هو العمل وهو طاعة الجوارح، وأن الأصل طاعة القلب (الاعتقاد) فهو الذي تتوقف على وجوده طاعة الجوارح، فإن وجدت فلا يوصف تارك عمل الجارحة بالكفر الأكبر، بل هو كفر عملي في إطار الملة، وكذلك فلا يوصف تارك عمل الجارحة وحده بالتولي التام الذي يتبعه الكفر الأكبر، بل هو تول ناقص سبقته طاعة القلب بالاعتقاد فلا يوصف بالكفر الأكبر البتة، ومن حمل الآية من العلماء على الكفر الأكبر فهم أنها نزلت في حق وفد نجران من النصارى الذين قدموا عليه صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالإيمان برسالته ودينه وكتابه فأبوا ذلك فنزلت فيهم الآية {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] ولا يخفى أنّ الطاعة هاهنا هي اعتقاد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى تصديقه والانقياد لما يدعوا إليه، وبهذا اتفقت كلمة المفسرين على حمل الآية على محملها الصحيح.
(الآية الثالثة): قوله تعالى في حق بنى إسرائيل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 84 – 85]، والشاهد من الآية على الكفر العملي أنّ الله عز وجل ذكر كفر بنى إسرائيل ببعض الكتاب لكونهم يقتلون بعضهم بعضاً ويخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وأنّ جزاء الكفر ببعض آيات الكتاب هو الخزي في الدنيا وأشد العذاب في الآخرة.
” قلت “ قد اتفقت كلمة أهل السنّة والجماعة على أنّ القتل والطرد والاعتداء على حقوق المال والعرض ومثالـه من الكبائـر والآثام إنما هو في إطار الفسوق وإن وصفه الشـارع سبحانـه أو رسوله صلى الله عليه وسلم بالكفر فهو كفر في إطار الملة، ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) ([3]).
قال النووي في تأويله ” وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفراً يخرج به من الملة كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله “أهـ([4]). وإنمـا تكفيـر أمثـال هؤلاء لا يكون إلا عند الخوارج الذين يكّفـرون بمطلـق المعاصي والآثـام.
(الآية الرابعـة): قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور: 47]، والشاهد من الآية على الكفر العملي هو أن التولي هاهنا قد يحمل على تولي الجوارح عن طاعة الرسول وذلك بعد الإقرار بالإيمان بالله والرسول والإقرار بالطاعة، والآية نفت عن أولئك الإيمان، والتولي عن الطاعة هاهنا ينبغي أن يفهم في إطار القاعدة ” المأمور به إذا تركه العبد فإمّا أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكـون، فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيـمان به، وترك بعضه وهو العمل به فصار له حسنة وسيئة “، وعلى ذلك فالتولي في الآية إن قصد به تولى القلب عن الاعتقاد دخل في إطار الكفر الأكبر وإن قصد به تولى الجوارح عن الطاعة دخل في إطار الكفر دون الكفر، ونفي الإيمان هو نفي للإيمان المطلق (الإيمان الواجب لا أصل الإيمان).
وقد حمل الطبري رحمه الله الآية على الوجهين، فجعلها في حق المنافقين نفاقاً اعتقادياً كفر أكبر، ونفي لأصل الإيمان من القلب وفي حق المسلمين (المقرين المصدقين المنقادين) تأنيب وتأديب، فقال لله دره ـ القول في تأويل قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور: 47 – 48] ” يقـول تعـالى ذكره: ويقول المنافقون: صدقنا بالله وبالرسول، وأطعنا الله وأطعنا الرسول {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ} يقول: ثم تدبر كل طائفة منهم من بعد ما قالوا هذا القول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدعو إلي المحاكمة إلي غيره خصمها {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} يقول: وليس قائلو هذه المقالة يعنى قوله: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} بالمؤمنين لتركهم الاحتكام إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعراضهم عنه إذا دعوا إليه وقوله وإذا دعوا إلي الله ورسوله يقول: وإذا دعي هؤلاء المنافقون إلي كتاب الله وإلي رسوله {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} فيما اختصموا فيه بحكم الله {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} عن قبول الحق: والرضا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ([5]).
إلي أن قال في تفسير الآيات التي تليها، وتتحدث عن المؤمنين، القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51]، يقول تعالى ذكره: إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا إلي حكم الله وإلي حكم رسوله {ليحكم بينهم} وبين خصومهم {أن يقولوا سمعنا} ما قيل لنا {وأطعنا} من دعانا إلي ذلك، ولم يُعن بـ (كان) في هذا الموضع الخبر عن أمر قد مضى فيقضى، ولكنه تأنيب من الله الذين نزلت هذه الآية بسببهم وتأديب منه آخرين غيرهـم، وقوله: {وأولئك هم المفلحون} يقول تعالى ذكره: والذين إذا دعوا إلي الله ورسوله ليحكم بينهم وبين خصومهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا المفلحون، يقول: هم المنجحون المدركون طلباتهم بفعلهم ذلك، المخلدون في جنات الله، ” أ هـ،([6]).
ويقول القرطبي رحمه الله، وهو يحمل الآية على المنافقين الذين يقولون بألسنتهم من الإيمان ما ليس في قلوبهم، ” قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور: 47] ” قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ} يعنى المنافقين، يقولون بألسنتهم آمنا بالله وبالرسول من غير يقين ولا إخلاص،{وأطعنا} أي ويقولون، وكذبوا {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} “أ هـ([7]).
ويقول ابن كثير رحمه الله وهو يحمل الآية على المنافقين نفاقاً اعتقادياً: ” يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولاً بألسنتهم {آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك} أي يخالفون أقوالهم بأعمالهم فيقولون ما لا يفعلون ولهذا قال تعالى: {وما أولئك بالمؤمنين} ” أ هـ،([8]).
” قلت ” فالآية عند الإمامين القرطبي وابن كثير محمولة على من لا يعتقد بالرسول صلى الله عليه وسلم ولا برسالته وإنما يقول ما لا يؤمن به، ويظهر خلاف ما يبطن، أما إن كان المتولي عن الطاعة مصدقاً مقراً معتقداً فالأمر يحتاج إلي التفصيل الذي ذكرناه.
(الآيات الخامسة والسادسة والسابعة): وقد جمعت هذه الآيات بين التكذيب والتولي وهى: قوله تعالى {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة: 31 – 32]، وقوله تعالى {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل: 15 – 16]، وقوله تعالى على لسان نبي الله موسى ونبي الله هارون على نبينا وعليهما السلام{إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [طه: 48]، وهذه الآيات تجمع بين أمرين وتفصل بينهما ألا وهما التكذيب القلبي والتولي عن الطاعة بالجارحة، فمن اتصف بالأمرين كليهما فهو من أكفر الخلق وهو الأشقى يوم القيامة أي الأكثر شقاءً من غيره، ومن اتصف بالتكذيب لم ينفعه العمل لأن المنافقين كانوا على زمان النبي صلى الله عليه وسلم يصلون ويزكون نفاقـاً وريـاءً وسُمعه فحكـم عليهـم القـرآن بقوله تعالى: {إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]، ومن اعتقد بقلبه وأعرض وتولى بجوارحه فهذا يستحق العذاب ويدخل في إطار الوعيد ولكن حاله الكفر في إطار الملة (كفر دون كفر) لأنه أتى بالإيمان الأصل الذي ينجى من الخلود الأبدي في النار.
والضابط لمسائل التكذيب والتولي هو تعلقهما بالقلب أو الجارحة فإن كان بالقلب فهو كفر أكبر، وإن كان بالجوارح المجردة كان كفراً دون الكفر الأكبر، وإلا فالتصديق والتكذيب يكون كلاهما بالقلب والجوارح، وإن كان غلب على الجوارح وإلا فالحديث: ((كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) ([9]).
معلوم أن المقصود زنا الفرج وهو عمل جارحة، وكذلك التولي يكون بالقلب ويكون بالجارحة إلا أنه بتطبيق القاعدة فقد ذكر كليهما يكون التكذيب غير التولي ويكون التكذيب يُقصد به القلب خاصة والتولي تولى الجارحة خاصة.
(الآية الثامنة): قوله تعالى {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]، الشاهد من الآية على الكفر الذي نحن بصدد الحديث عنه وعن فقه أحكامه هو قوله تعالى {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} فإذا سألت فأين الكفر هاهنا وما علاقته بعمل الجوارح، ” قلت ” الكفر هاهنا هو الشرك، وذلك لأن القاعدة التي يقول بها فقهاء أهل السنّة والجماعة هي ” كل شرك بالله كفر “، حتى قال الحافظ ابن حجر عند تفسير قـوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، ” والمراد به ـ أي الشرك ـ في هذه الآية الكفر لأن من جحد بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان كافراً ولو لم يجعل مع الله إلهاً آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف ” ([10]).
وأما علاقة الكفر هاهنا بعمل الجوارح هو أن الآية جعلت مناط الكفر هو طاعة المشركين في أكل الميتة، وما نهى الله عنه مما لم يذكر اسم الله عليه وهذا هو ظاهر الآية، وهو ظاهر لم يقل به إلا الخوارج وأشباههم، فالمعتمد عند أهل السنّة والجماعة أنّ الآية محمولة على استحلال ما حّرم الله والاستحلال اعتقاد فمن استحل ما حرم الله فقد كفر بإجماع أهل السنّة والجماعة، ومن لم يستحل فأطاع بجوارحه دون استحلال فلا يكفر الكفر الأكبر المخرج من الملة بإجماع أهل السنّة والجماعة، وعلى ذلك فالتأويـل الصحيـح للآية هو ما قاله المفسرون من أهل السنّة والجماعة ومنهم ابن العربي حيث يقول: ” إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركاً إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان، فإذا أطاعه في الفعل وعقده سليم، مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع ” أهـ ([11]).
والتأويل الصحيح للآية هو ما قاله القرطبي:” دلت الآية على أن من استحل شيئاً مما حرّم الله تعالى صاربه مشركاً، وقد حرّم الله سبحانه وتعالى الميتة نصاً فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك” أهـ([12]). فدّل ذلك على أنّ الأصل في أحكام الكفر الأكبر هو اعتقاد القلب، وأنّ عمل الجارحة إن كان مجرداً خالياً عن اعتقاد القلب باستحلاله فقصارى حالته الكفر داخل إطار الملة، وهو ما أخبر عنه علماء أهل السنّة والجماعة بقولهم كفر دون كفر، وهكذا ينبغي أن يفهم كل متشابه في كتاب الله عز وجل فإن الله تعالى بين أن الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وهى هاهنا غالب آيات الكفر في كتاب الله، والتي تناولت كفر الاعتقاد بأنواعه الستة التي ذكرناها ومنه آيات متشابهات وهى هذه الآيات التي تتشابه على المتعجل قليل التدبر فإن لم يستضئ بهدي السلف في ردها إلي حكمها ضّل كما ضلت من قبل الفرق الغالية كالخوارج والمعتزلة حتى كفّروا أهل القبلة بالأعمال وبالمعاصي والآثام، فالضابط الذي جعل علماء أهل الفرقة الناجين (السنّة والجماعة) في مثل هذه الآيات أنّ كل كفر أصله الاعتقاد فهو كفر أكبر، وكل كفر أصله العمل فهو كفر دون كفر.
[ المفتاح الرابع]: فقـه أحكـام الكفـر كما جاءت في سنـة النبي صلــى الله عليه وسلـم: كنت أظن أن أول من أصل قاعدة (كفر داخل إطار الملة) هو الحبر البحر العلامة عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، وذلك بسبب ما رآه من غلو الخوارج، فأصلها حماية الأمة من تكفير بعضها بعضاً بالأعمال المحتملة وبالمعاصي والآثام، وكان تأصيله متمثلاً في تأويله للآية الكريمة {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] فحملها على أنها كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وعلى أنّه إن صاحب الترك جحود (اعتقاد) فهو كفر أكبر موجب للخلود الأبدي في النار وإن لم يصاحبها جحود فهو كفر دون كفر فلا يخلد صاحبه في النار خلود الكافرين، كان هذا هو الظن السابق حتى اطلعت على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فعلمت يقيناً أن هذه القاعدة أصّلها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلة تلك الأحاديث التي تدل على كفر دون كفر: قوله صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) ([13]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) ([14]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((اثنتان في الناس هما كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)) ([15]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس من رجل يدعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر)) ([16]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أيما عبد أبعد من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم)) ([17]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما)) ([18]).
وجماهير السلف والخلف والمحققون من علماء أهل السنّة والجماعة يدخلون ضمن هذه الأحاديث، أحاديث كفر تارك الصلاة، ومن تلك الأحاديث: قوله صلى الله عليه وسلم: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) ([19]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)) ([20]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) ([21]).
فقد اتفق علماء أهل السنّة على تأويل تلك الأحاديث وإلا وقعت الأمة في الذي وقعت فيه الخوارج من قبل من تكفير أهل القبلة بالذنوب والمعاصي، وعلى سبيل المثال فالحديث الأول ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))، والحديث الثـاني: ((لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) قد حّل القرآن الكريم إشكالهما وذلك في مثل قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]، وقوله تعالى في حق العفو عن القاتل المسلم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178]، فقد دلت الآية الأولى على أنّ المؤمنين قد يقاتل بعضهم بعضاً، ولا يزول عنهم اسم الإيمان بالكلية، فقد سماهم الله عز وجل مؤمنين مع اقتتالهم، ودلت الآية الثانية على أن أخوة المؤمنين باقية بين القاتل المسلم وبين أولياء دم القتيل والشاهد عليه قوله تعالى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} فأخوة الإيمان باقية ولم تزول بإرتكاب الكبيرة (القتل). ولهـذا كان الضابط الفقهي أن الإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، قال النووي: في شرح الحديث الأول (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر): ” أما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفراً يخرج من الملة، كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله، إذ تقرر هذا في تأويل الحديث أقوال أحدها أنه في المستحل والثاني أنّ المراد كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام لا كفر الجحود والثالث أنه يؤول إلي الكفر والرابع أنه كفعل الكفار ” ([22]).
وقال النووي أيضاً: وذلك عند شرحه للحديث الثاني ((لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) ما نصه: “قيل معناه سبعة أقوال: أحدهما أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق، والثاني المراد كفر النعمة وحق الإسلام، والثالث أنه يقرب من الكفر ويؤدى إليه، والرابع أنه فعل كفعل الكفار، والخامس المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين والسادس حكاه الخطابي وغيره المراد بالكفّار المتكفرون بالسلاح، يُقال تكفر الرجل بسلاحه، إذا لبسه ثم نسب إلي الأزهري قوله في كتابه حديث اللغة: يقال للابس السلاح كافر والسابع قاله الخطابي معناه لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا قتال بعضكم ” ([23]).
وإنما أورد الإمام النووي هذه التأويلات جميعاً ليدلنا على أن ظاهر الحديث لم يقل به أحد من علماء أهل السنّة والجماعة وإلا وقع الناس فيما وقعت فيه الخوارج من قبل من تكفير المسلمين بالمعاصي والآثام، وقد أطال رحمه الله في سرد التأويلات وحاصله أن المقصود به كفر دون كفر، أي كفر في إطار الملة لا يخرجه عن اسم الإسلام وحكمه، وإنما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم {بالكفر} ليدلنا على وخامة هذا الفعل وخطورة عاقبته التي قد تؤول بصاحبه إلي خذلان الله عز وجل له فقد يسبق عليه الكتاب، فيضرب على قلبه قبل الموت، فيموت كافراً، نسأل الله السلامة وحسن الختامة، وليس بعد هذا التحذير النبوي البليغ من تحذير، وليس بعد ترهيبه من هذا الفعـل مـن ترهيب، وقد أوتى النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم وهو أبلغ من نطق بالعربية ـ لغة القرآن الكريم ـ بإجماع، فجمع الترهيب والتحذير، وبيان خطورة العاقبة في كلمة (الكفر) وهو صلى الله عليه وسلم يعلم يقيناً أن علماء أمته سيحملونها على محاملها الصحيحة لا سيما ودليلهم القرآن الكريم يدلهم على أنّ القاتل المسلم له اسم الإسلام وحكمه وله أخوة الإيمان ورابطته فدّل على أنه ليس بكفر ينقل من الملة، ولكن هو كفر في إطار الملة.
(فائدة): جماهير السلف والخلف متفقون على إلحاق أحاديث تارك الصلاة بهذه القاعدة (كفر دون كفر)، المحققون من فقهاء أهل السنّة والجماعة يقولون بإلحاق أحاديث تارك الصلاة ببقية الأحاديث التي دلت على الكفر دون الكفر الأكبر، ولهم في ذلك أدلة راجحة واضحة كثيرة قد أشرت إلي أهمها عند حديثي على حكم تارك الصلاة [تحقيق القول في كفر تارك الصلاة، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المنقاد بقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، وتفريطه في عمل الجارحة فقط،]. ومن هذه الأدلة بإيجاز:
(1) قولهم أنّ حمل الآية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] على الكفر دون الكفر الأكبر أشد وأعسر من حمل الحديث، ومع ذلك اتفق علماء أهل السنّة والجماعة على تأويل الآية، ثم خالف البعض في تأويل الحديث بزعم أن الكفر في الحديث جاء مُعرفاً {بألـ} الدالة على كمال مسمى الكفر، ووجه صعوبة حمل الآية على الكفر دون الكفر الأكبر عن الحديث أنّ كلمة الكفر في الآية جاء أيضاً معرفاً {بألـ} الدالة على كمال معنى الكفر، إضافة إلى مؤكدات أخرى منها أن تقرير الحكم في الآية جاء بصيغة الشرط وجوابه {ومن لم يحكم … فأولئك} ومنها أنّ جواب الشرط جاء بصورة المبتدأ والخبر {فأولئك … الكافرون}، ومنها إدخال الضمير {هم} بين المبتدأ والخبر وهو من الضمائر المؤكدة التي تفيد ـ هاهنا ـ اختصاصي المبتدأ والخبر، والحاصل أنّ الآية متى عاملناها على أصول اللغة وقواعدها دلّت على كمال مسمى الكفر، وهو الكفر الأكبر ولكن اتفاق علماء أهل السنّة والجماعة على أن مناط هذا الكفر الأكبر هو الجحود وليس مجرد الترك، وهاهنا ما المانع في حمل الحديث على نفس محمل الآية مع أنّ حمل الآية أشد وأعسر وقد حملها عليه كافة علماء أهل السنّة والجماعة وأنتم معهم في ذلك والعلة التي قلتم بها في ترك الصلاة مـن دخـول (الـ) على كفر تارك الصلاة في الحديث (بين الرجل وبين الكفر) موجودة في الآية مع وجود مؤكدات أخرى في الآية لا نجدها في الحديث.
(2) صح الحديث أنّ تارك الصلاة تحت المشيئة ولا يدخل تحت المشيئة كافر كفرا أكبر أبداً، والحديث تمامه ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذب وإن شاء غفر له)) [أخرجه مالك في الموطأ وأحمد في المسند وأبو داوود والنسائي وابن ماجة في السنن وصححه جمع غفير من المحققين منهم النووي والشوكاني]، وإذا قد صح الحديث لزم القول به وعدم إهماله عند تقرير حكم مسألة تارك الصلاة.
(3) ما المانع أن يُحمل تارك الصلاة على نفس القاعدة التي حمل عليها قاتل المؤمن بغير وجه حق لا سيما وصيغة الأحاديث متفقة على وصف كليهما بالكفر، فهاهنا {لا ترجعوا بعدى كفاراً} و{قتاله كفر} وهناك {وبين الكفر ترك الصلاة} و{فمن تركها فقد كفر}، وقد علمنا أن زيادة (الـ) لا تغير من حقيقة الحكم بدلالة الآية السابقة.
(4] حمل تارك الصلاة على نفس القاعدة هو قول جماهير السلف والخلف وهو القول الذي اتفق عليه الفقهاء المحققون والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة وقول للإمام أحمد قال عنه ابن قدامه الحنبلي: ” والرواية الثانية ـ أي عن الإمام أحمد في حكم تارك الصلاة القتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن وهذا اختيار عبد الله بن بطة ـ من فقهاء الحنابلة ـ وأنكر قول من قال أنه يكفر وذكر أنّ المذهب ـ أي الحنبلي ـ على هذا لم يجد في المذهب خلافاً، وبعد قول أكثر الفقهاء وقول أبي حنيفة ومالك والشافعي … إلى أن قال وهو يشير إلى أنه إجماع المسلمين … ولأن ذلك إجماع المسلمين فلا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فرّق بين زوجين لترك الصلاة مع أحدهما لكثرة تاركي الصلاة ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها، ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أنّ تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام ” أهـ،([24]).
(5) حمل تارك الصلاة على نفس القاعدة هو القول الذي يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة جمعاً يأخذ بكافة الأدلة، فهو يقول بكفر تارك الصلاة للأدلة المكفرة، ويجعله دون الكفر الأكبر، لكونه داخل تحت المشيئة ولأن الكفر الأكبر هو ما كان ضد أصل الإيمان فإذا علمنا أنّ عمل الجوارح والصلاة منه داخل في الإيمان الواجب كان ضده الكفر دون الكفر الأكبر وبهذا تتوافق القواعد الأصولية ويتم الجمع بين الأدلة جميعها، ولهذا قال النووي في المجموع ونقله عنه الشنقيطي في أضواء البيان بعد أن أشار إلى أنه أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث فقال الشنقيطي رحمه الله: ” وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة، لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن، وإذا حمل الكفر والشرك المذكورين في الحديث في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج من الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن، وقال النووي في شرح المهذب ـ بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ـ أي الكفر الأكبر ـ ما نصه: (ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث، وأمّا الجواب عمّا احتج به من كفره، من حديث جابر وبريده ورواية ابن شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها محل الغرض منه)) ([25]).
(فائدة) في بيان الفرق بين الكفر الأكبر وكفر دون كفر والداعي لأن يكون في شرع الإسلام كلاهما: هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر، (الكفر الأكبر): هو الكفر المناقض لأصل الإيمان (الإقرار والتصديق والانقياد)، ولهذا كان ستة أنواع منها ما يضاد الإقرار ومنها ما يضاد التصديق ومنها ما يضاد الانقياد: فكفر التكذيب يضاد الإقرار والتصديق، وكفر الجحود يضاد الإقرار، وكفر العناد ومنه الاستكبار والإباء يضاد الانقياد، وكفر الشك يضاد التصديق، وكفر النفاق يضاد التصديق، وكفر الإعراض يضاد الإقرار والتصديق، وكل ما يناقض أصل الإيمان فهو كفر أكبر مخرج من الملة ومآله إلى أحد أنواع هذه الستة الذي ذكرها العلماء في أنواع الكفر الأكبر، والكفر الأكبر: يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فيجب تفريق زوجته المسلمة عنه ولا يحل لها البقاء تحت سلطانه، ويجب تفريق أولاده القصر عنه لأنه لا يؤتمن عليهم ويخشى أن يؤثر عليم بكفره، ويجب أن يحاكم إلى قضاء المسلمين وتقام عليه الحجة فإن تاب وإلا قتل رٍدّة، إذا مات أو قتل رٍدّة فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين ولا يورث كما أنه لا يرث إذا مات مورث له، والكفر الأكبر يوجب الخلود الأبدي في النار، فصاحبه من أصحاب النار الذين لهم الخلود الأبدي في النار فلا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ولا هم منها بمخرجين، وهم في النار لا يجوز لهم شفاعة ولا تنفعهم شفاعة ولا هم تحت المشيئة بل هم أصحاب النار خالدون فيها أبداً وبئس المصير.
(الكفر دون الكفر الأكبر): وهو ما يسميه بعض العلماء بالكفر داخل إطار الملة أو بالكفر الأصغر، وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان، ولهذا كانت خطورته في أنه يفتح طريقاً عريضاً نحو الكفر الأكبر ويخشى على صاحبه بسوء الخاتمة، وذلك لأن الإيمان من شأنه الزيادة والنقصان، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وصاحب الكفر دون الكفر الأكبر مفرط في الإيمان الواجب من أصل الإيمان فهو يكاد ويوشك أن يقع فيما ينقض أصل الإيمان، ومن أمثلة هذا الكفر قتل المسلمين وقتالهم لأنه قريب من اعتياد ذلك واستحلاله، واستحلاله كفر أكبر” قلت “، ومن أمثلته أيضاً عند جمهور الفقهاء ترك الصلاة لأنّه قريب من اعتياد ذلك وجحوده فيختم لهم بسوء الخاتمة، نسأل الله عز وجل التثبيت وحسن الخاتمة.
[تنبيه]: ومن هنا نعلم خطورة الكفر دون كفر وأنه أعلى من الفسوق بكثير فإن الفسوق يتناول ترك الواجبات أو فعل الكبائر التي تؤثر مباشرة في الإيمان الواجب، وإن كان إدمانها خطر على الإيمان، أما تلك الأعمال التي وصفها الشرع بكفر دون كفر فهي لا شك أكبر من أكبر الكبائر وأعظم من أعظم المحرمات دون الكفر الأكبر والشرك الأكبر والنفاق الاعتقادي الأكبر، وهى التي يظن بصاحبها الزندقة والانحلال، ويخشى عليه برجحان سوء الخاتمة وسوء العاقبة وهو على شفا جرف هار قد ينهار به إلى الكفر الأكبر الذي لا شفاعة فيه، ولا مكان له إلا الخلود الأبدي في جهنم وبئس المصير، وأبرز أمثلته ترك الأركان العملية الأربعة التي بني عليها الدين (الصلاة والزكاة والصيام والحج). ومن هنا نعلم سبب الخلاف بين بعض العلماء في مسائل الكفر بشقيه الأكبر والأصغر وفى مسائل الفسوق والعصيان، فإنّ من العلماء من جعل الكفر دون الكفر الأكبر بمثابة الفسوق، كلاهما سواء ـ ومنهم من جعله بمثابة الكفر الأكبر المخرج من الملة بالكلية وإن كان صاحبها مقراً معتقداً منقاداً بقلبه لها ـ وكلاهما ـ جانب الصواب، فالفريق الأول قصّر وفرط ولم يفرق بين ما يجب تفريقه بين الكفر داخل إطار الملة والفسوق داخل إطار الملة، وليس مسمى الكفر في الشرع كمسمى الفسوق، والفريق الثاني، أفرط فلم يراعى قواعد الشرع العامة ولا أصول المحكمة كقاعدة (من عاش على التوحيد ومات عليه استوجب الجنة) وقاعدة (ماعدا الشرك الأكبر بالله كله داخل تحت إمكان المغفرة) وقاعدة (من أتى بأصل الإيمان حكم له باسمه وحكمه) وقاعدة (لا نكفر أحداً من المسلمين بعمل حتى يتضمن ترك أصل الإيمان)، وقاعدة (أصل الإيمان إقرار وتصديق وانقياد)، وقاعدة (عمل الجوارح يدخل في الإيمان الواجب ولا يدخل في أصل الإيمان) وقاعدة (الكفر نوعان كفر جحود وكفر عمل) وقاعدة (قد يجتمع في المسلم كفر وإيمان وشرك وتوحيد وتقوى وفجور وله اسم الإيمان وحكمه حتى ينقض أصل الإيمان)، إلى غير ذلك من قواعد أهل السنة.
الشاهد: أن الكفر دون كفر أنّ يوجب استحقاق الوعيد دون الخلود في النار، فالكفر الأصغر أو الكفر دون الكفر صاحبه وإن كان على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر، إلا أن صاحبه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه وإن مات فتجرى عليه كافة أحكام المسلم ما لم يكفر الكفر الأكبر عندنا بيقين وهذا من أصول الملة الحنيفية السمحة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله، فإذا مات غسل وصلى عليه ودفن في مدافن المسلمين ويورث ويرث، وتجوز عليه الرحمة وهو داخل إطار المشيئة، هذا في الحكم الظاهر أما أحكام الآخرة فإن كان مات على الإيمان فم يخذل عند خروج الروح فهو حقاً تحت المشيئة، وهو لا يخلد في النار، خلود الكافرين بل مآله ـ وإن لبث في النار أحقاباً ـ إلى الجنة برحمة الله عز وجل ولو مع أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار إلى الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه.
والشاهد من ذلك: أنّ كل من كان كفره في إطار الملة فإنه في الأحكام يأخذ اسم الإيمان وحكمه، وإذا كان كفره يوجب القتل فإنه يقتل حداً، فيغسل ويكفن، ويدفن في مدافن المسلمين لما أتى به من الإقرار الظاهر، ولهذا كان مذهب جماهير السلف والخلف أنّ تارك الصلاة يقتل لأدلة شرعية كثيرة منها قوله تعالى {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ،} [التوبة: 5] وقوله صلى الله عليه وسلـم ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله))، ولكنه يقتل حداً – ولا يقيم عليه الحد إلا القاضي المختص بذلك، ولا يقتله حتى يستتيبه ويقيم عليه الحجة تامة مستوفية لشروطها- فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين ويورث ماله، وما ذلك إلا لما أتى به من الإقرار ولما أظهر من التصديق والانقياد وحسابه على الله تعالى، فإنّ لشهادة التوحيد حرمة ما بعدها حرمة، تثبت الإسلام وتحفظ الحرمات، وتجري على صاحبها أحكام الإسلام،
[ المفتاح الخامس]: الكفر الأكبر: كفر اعتقاد وجحود، والكفر دون كفر: كفر عمل مجرد عن الاعتقاد: هذه القاعدة: (الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله) قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله.
من تطبيقات العلماء لهذه القاعدة:
(يقول ابن عبد البر): وهو يطبق القاعدة -: وذلك بعد ذكره لحديث ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له))، قال: ” فيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرهـا، ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقد نيته فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً إلا برفع ما كان به مسلماً وهو الجحود لما كان أقرّ به واعتقده، والله أعلم “أهـ([26]).
و(يقول الإمام القرطبي) رحمه الله -: وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] ” وليس قوله تعالى {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما أن الكافر لا يكون مؤمناً إلاّ باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بإجماع ” أهـ،([27]).
وبيان قوله رحمه الله: أن الكافر إذا اختار الإيمان على الكفر فأتى بالإقرار والتصديق والانقياد فكذلك لا يخرج من هذا الإيمان إلا باختياره وقصده، وقد أشار القرطبي إلى أن ذلك إجماع أهل السنّة والجماعة، وهذا الذي ذكره – رحمه الله – باب عظيم من أبواب الاحتياط في تكفير المسلمين، وباب عظيم من أبواب العذر بالجهل، ومعنى كلامه رحمه الله –وذلك حتى لا يفهم بالخطأ – أنه لا يكفر المرء حتى يقع على مكفّر وهو مختار لهذا المكفّر عالم بأنه كفر أكبر يخرج من الملة، وليس القصد هو أن يختار الكفر بلفظه، بمعنى أن يقول إني كفرت أو اخترت الكفر إذ ليس يختار الكفر لنفسه أحدٌ إلاّ ما شاء الله، ولكن القصد الصحيح أنه لا يكفر حتى يكون كفره عن قصد وعلمه بأن ما قام به الكفر الأكبر، وتقوم عليه الحجة الشرعية بذلك أما قبل ذلك فإنه معذور بجهله حتى يعلم، وبعد العلم إن أصر على ما علم أنه كفر، كفر ولا كرامة لأنه اختار الكفر عن قصد وعلم، وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يحمل عليه قول القرطبي رحمه الله، وإلا فقد قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103 – 105]، فأخبر سبحانه أنهم بالله كفروا وأن أعمالهم حابطة مع أنهم كما أشارت الآية الكريمة كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعا مثابون على عملهم مأجورين عليه كحال اليهود والنصارى وظنهم أن ما هم عليه من الشرك والكفر هو غاية التوحيد والإيمان، ولا ينفعهـم ظنهـم بشيء إذ هـم اختاروا ما هم عليه من الكفر ولا يقرون بأنه كفر ولا يقصدون به الكفر([28]).
و[مثال آخر لتطبيق الإمام القرطبي لهذه القاعدة]: يقول عند شرحه لحديث (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) وهو يحمله على جحود الصلاة ثم يقول عن التارك تكاسلاً وهو يعتقد وجوب الصلاة ويقر بها: “والصحيح أنه ليس بكافر لأن الكفر الجحد كما تقدم، وليس بجاحد ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: ” خمس صلوات افترضهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له ومن لم يأت بهن فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ” فهذا ينص على أن ترك الصلاة – أي تكاسلاً – ليس بكفر – أي أكبر مخرج من الملة، وأنه مما دون الشـرك الذي قـال الله تعالى فيه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] “أهـ([29]).
فنراه هاهنا يفرّق بين كفر الاعتقاد (الجحود) وبين كفر الجوارح فالأول كفر أكبر مخرج من الملة والثاني كفر في إطار الملة، و(يقول الشوكاني) – وهو يطبق القاعدة -: ” اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلاّ ببرهان أوضح من شمس النهار – إلى أن قال – وقد قال الله عز وجل {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106] فلا بد من شرح الصدر بالكفر وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لاسيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يُرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، ولا اعتبار بلفظ به مسلم يدلّ على الكفر ولا يعتقد معناه “([30]).
وكلامه رحمه الله يدل على أن الكفر الأكبر لا يقع إلاّ متعلقاً باعتقاد القلب وسكونه إلى الكفر وشرحه له، أما الفعل الكفري الذي لا يقصد صاحبه به الخروج من الإسلام فلا اعتبار له وكذلك لا اعتبار بلفظ كفري لا يعتقد صاحبه معناه، وينبغي حمل كلامه رحمه الله على نفس المعنى الذي حملنا عليه كلام الإمام القرطبي قبله، و(يقول ابن العربي): عند تطبيقه لهذه القاعدة: وذلك عند تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ” إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركاً إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان، فإذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع ” ([31]).
فمناط الكفر الأكبر – ومنه الشرك الأكبر – في الآية هو الطاعة في الاعتقاد أما إذا صح العقد والاعتقاد فالطاعة آنذاك تكون من باب المعصية ولله دره عندما قال ” فافهموا ذلك في كل موضع ” أي عمموا هذه القاعدة الرصينة في كل موضع لأنها قاعدة مطردة عند أهل السنّة والجماعة بخلاف بقية الفرق الضالة في مسائل الاعتقاد لاسيما باب الإيمان والكفر، و(يقول): ابن القيم – وهو يطبق هذه القاعدة: ” فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح ” سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ” ففرق بين قتاله وسبابه، وجعل أحدهما فسوقاً لا يكفر به والآخر كفراً، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلاّ عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقاً أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقاً جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان، فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا، وهدى الله أهل السنّة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، فها هنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وفسوق دون فسوق وظلم دون ظلم، قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]: ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه، وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: هو بهم كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال في رواية أخرى عنه: كفر لا ينقل عن الملة، وقال طاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة، وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، وهذا الذي قاله عطاء بيّن في القرآن، لمن فهمه فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزله كافراً، وسمى جاحد ما أنزله على رسوله كافراً وليس الكافران على حد سواء “([32]). أهــ، ويستفاد من كلامه أنّ: الإيمان العملي يضاده الكفر العملي، وأنّ الإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وأنّ هذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وأنّه عند تطبيق هذه القاعدة على ترك الحكم بما أنزل الله نجد أنّ مناط الكفر الأكبر في الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} هو الجحد.
وأختم بقول العلامة الطحاوي رحمه الله: وهو يشير إلى عقيدة أهل السنّة: ” ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وله وبكل ما قاله وأخبر مصدقين، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله إلى أن قال ولا يخرج العبد من الإيمان إلاّ بجحود ما أدخله فيه ” أهـ، ([33]). وبيان قوله رحمه الله: أن أهل القبلة مسلمون مؤمنون بما جاءوا به من الإقرار والتصديق – أي الانقيادي لأنه قول أهل السنّة قاطبة، وأن أهل السنّة والجماعة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بالذنوب والمعاصي إلاّ إن لازمها استحلالا قلبياً، وأن باب الإسلام هو الإقرار والتصديق الانقيادي ومن هذا الباب يدخل المرء إلى الإسلام وكما أنه دخل من هذا الباب فلا يخرج إلا منه بمعنى أنه لا يكفر الكفر الأكبر حتى يصدر منه ما يناقض إقراره وتصديقه وانقياده، وهذا هو ما عبّر عنه الإمام الطحاوي بالاستحلال والجحود.
[ المفتاح السادس]: الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة: [الإقرار والتصديق والانقياد]، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة:
أصل الإيمان كما حققناه عند فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة، فما كان ضد الإقرار فهو كفر أكبر: ومنه عدم الإقرار بالشهادتين أصلاً أو التلفظ بكلمة الكفر الناقضة للإقرار أو إقرار الكفر المناقض للإيمان أو جحود شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتواترة، ويدخل فيه سبّ الله أو سب رسوله أو دينه أو كتابه لأن ذلك ناقض لأصل الإقرار، إذ الإقرار ينبئ عن التصديق والانقياد والسب ينبئ عن التكذيب أو الاستكبار أو كليهما، ويدخل فيه أيضاً الاستهزاء بالله أو برسوله أو بدينه أو بكتابه إذ الإقرار ينبئ عن التعظيم والاحترام والاستهزاء ينبئ عن الاستخفاف وعدم الاحترام فلذا كان ناقضاً للإقرار، وكل ما كان ناقضاً للتصديق فهو كفر أكبر: ومنه الشك وهو عدم التصديق الجازم بل التردد بين التصديق والتكذيب ومنه التكذيب ومنه النفاق، وهو إظهار التصديق باللسان مع تبطن الكفر.
وكل ما كان ناقضاً للانقياد كان كفراً أكبر: ومنه العناد والكبر والإباء والاستكبار، وكـل ما كـان مصاحبـاً بانتفـاء عناصـر الإيمـان الثلاثـة كـان كفـراً أكبـر، ومنه كفر الجهل بجهل الإقرار والتصديق والانقياد، وكفر الإعراض وهو الإعراض عن الإقرار والتصديق والانقياد والفرق بينهمـا أن الأول لم يسمـع بالرسالـة فهـو جأهل والثاني سمع عنها فأعرض، وهكذا فالكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها: كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء ومنه السب، ولكل هذه الأنواع أدلتها التي قال بها فقهاء أهل السنّة والجماعة الأعلام.
وأعمال الجوارح كما حققناها عند فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب، وبعضها أقرب من بعض إلى أصل الإيمان، وأقر بها إلى أصل الإيمان إقامة الصلاة، ولهذا غلّظ الشرع في تركها ووصف تاركها بالكفر وهو عند جمهور المحققين – وغيره من أعمال الجوارح من باب الأولى – داخل في إطار كفر دون كفر، وصاحبه لا يخرج من الملة بالكلية وإن كان يُخشى عليه ذلك لكونه على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر، وكل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق، فلا يخرج من الملة بالكلية، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين، وتارك الإيمان الواجب كله على خطر عظيم وعاقبة وخيمة وهو ما كان محافظاً على أصل الإيمان – وأنىّ له ذلك لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية حتى يزول – فهو كافر ولكن في إطار الملة فله اسم الإسلام وحكمه، وهو يقيناً على شفا جُرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر والخلود الأبدي في النار.
إلاّ وأننا التزمنا طريقة الفقهاء الذين لا يميلون في كلامهم إلى التشديد على سبيل الترغيب والترهيب، ولا إلى التفريط على سبيل الإرجاء وإرضاء العامة، فهم وسط يدورون حيث دار الدليل ويعتبرون أن حدود الشرع وسط إذا زاد المرء فيها وقع في الغلو وإذا قصر وقع في التفريط والشارع الحكيم وضع للشرع ضوابط لا نتعداّها لا على سبيل الإفراط ولا على سبيل التفريط]، فمن كان هذا حاله فلا نحكم عليه بالكفر الأكبر حتى يأتي على أصل الإيمان أو عنصر من عناصره فنحكم عليه به أما دون ذلك فهو في إطار الملة بمعنى أنه إن مات على أصل الإيمان بريئاً من النواقص فهو إلى المشيئة وغايته في النار أن يخرج مع أصحاب القبضة الذين يخرجهم الله عز وجل من النار إلى الجنة بواسع رحمته بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، هذا كله إن مات على أصل الإيمان وأنى له هذا كما أشرت من قبل إلى نقصان الإيمان بالمعاصي حتى يزول، نسأل الله السلامة، ولتأصيل هذه القاعدة بأقوال العلماء نقول وبالله التوفيق:
(1) يقول محمد بن نصر المروزي: ” الكفر كفران: كفر هو جحد بالله وبما قال، فذاك ضده الإقرار بالله والتصديق به وبما قال، وكفر هو عمل ضد الإيمان الذي هو عمل، ألا ترى إلى ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ” لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ” قالوا فإذا لم يؤمن فقد كفر ولا يجوز غير ذلك إلاّ أنه كفر من جهة العمل إذ لم يؤمن من جهـة العمـل ” ([34]).
وقال أيضاً: ” ولكنا نقول: للإيمان أصـل وفـرع، وضد الكفر في كل معنى، فأصل الإيمان الإقرار والتصديق، وفرعه إكمال العمل بالقلب والبدن، فضد الإقرار والتصديق الذي هو أصل الإيمان، والكفر بالله وبما قال، وترك التصديق به وله، وضد الإيمان الذي هو عمل، وليس هو إقراراً، كفر ليس بكفر بالله ينقل عن الملة، ولكن كفر تضييع العمل، كما كان العمل إيماناً، وليس هو الإيمان الذي هو إقرار بالله، فلما كان من ترك الإيمان الذي هو إقرار بالله كافراً، يستتاب، ومن ترك الإيمان الذي هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم، أو ترك الورع عن شرب الخمر والزنا، قد زال عنه بعض الإيمان، ولا يجب أن يستتاب عندنا ولا عند من خالفنا من أهل السنّة وأهل البدع ممن قـال: إن الإيمان تصديق وعمل، إلا الخوارج وحدها، فكذلك لا يجب بقولنا: كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب، ولا تزول عنه الحدود، كما لم يكن بزوال الإيمان الذي هو عمل استتابة، ولا إزالة الحدود عنه، إذ لم يزل أصل الإيمان عنه، فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل إذ لم يأت بأصل الكفر الذي هو جحد بالله أو بما قال، ” أهـ ([35]).
وقال أيضاً: ” قالوا [أي أهل السنّة]: فمن ثم قلنا: إن ترك التصديق بالله كفر، وإن ترك الفرائض مع تصديق الله أنه قد أوجبها كفر، ليس بكفر بالله، إنما هو كفر من جهة ترك الحق، كما يقول القائل: كفرتني حقي ونعمتي، يريد: ضيعت حقي وضيعت شكر نعمتي، قالوا: ولنا في هذه قدوة بمن روي عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، إذ جعلوا للكفر فروعاً دون أصلـه، لا ينقل صاحبه عن ملة الإسلام، كما أثبتوا للإيمان من جهة العمل فروعاً للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام، من ذلك قول ابن عباس في قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، قال محمد بن نصر حدثنا ابن يحي، حدثنا سفيان بن عيينـة، عن هشام يعني ابن حجير، عن طاووس، عن ابن عباس: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ليس بالكفر الذي يذهبون إليه ” أهـ([36]).
(2) ويقول القاسم بن سلاّم {ت 224 هـ}: ” باب الخروج من الإيمان بالمعاصي: قال أبو عبيد: أما هذا الذي فيه ذكر الذنوب والجرائم، فإن الآثار جاءت بالتغليظ على أربعة أنواع: فاثنان منها فيها نفي الإيمان، والبراءة من النبي صلى الله عليه وسلم، والآخران فيها تسمية الكفر وذكر الشرك، وكل نوع من هذه الأربعة تجمع أحاديث ذوات عدة: فمن النوع الذي فيه نفي الإيمان حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن}، وقوله: ((ما هو بمؤمن من لا يأمن جاره غوائله}، ([37]). وقوله: ” الإيمان قيد الفتك، لا يفتِك مؤمن ” ([38]).
وقوله: ” لا يبغض الأنصار أحد يؤمن بالله ورسوله ” ([39]).ومنه قوله: ” والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا “([40]).
ومن النوع الذي فيه البراءة، قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من غشنا فليس منا)) كذلك قوله ” ليس منا من حمل السلاح علينا ” وكذلك قوله: ” ليس منا من لم يرحم صغيرنا ” في أشياء من هذا القبيل، ومن النـوع الذي فيه تسمية الكفر قول النبي صلى الله عليه وسلم حين مطروا فقال: ((أتـدرون مـا قـال ربكـم؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما الذي يقول مطرنا بنجم كـذا وكـذا، كافر بي مؤمن بالكوكب، والذي يقول: هذا رزق الله ورحمته مؤمن بي وكافر بالكوكب([41]) .
((وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعـض)) وقوله: ((من قال لصاحبه: كافر، فقد باء بها أحدهما)) وقوله: ((من أتى ساحراً أو كاهناً فصدقه بما يقول، أو أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد، أو كفر بما أنزل على محمد)) ([42]) . وقول عبد الله ((سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر))، وبعضهم يرفعه، ومن النوع الذي فيه ذكر الشرك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ) أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر، قيل: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء) ([43]). ومنه قوله: ((الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل) ([44]).
وقول عبد الله في التمائم والتولة: ((إنها من الشرك))، وقل ابن عباس: ” إن القوم يشركون بكلبهم ! يقولون كلبنا يحرسنا، ولولا كلبنا لسرقنا ” إلى أن قال: وإن الذي عندنا في هذا الباب كله: أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيماناً، ولا توجب كفراً، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعتَ الله به أهله، واشترطه عليهم في مواضع من كتابه فقال: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،} [التوبة: 111] إلى قوله {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112]، وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} إلى قوله {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 – 11]، .. قال أبو عبيد: فهذه الآيات التي شرحت وأبانت شرائعه المفروضة على أهله ونفت عنه المعاصي كلها، ثم فسرته السنّة بالأحاديث التي فيها خلال الإيمان في الباب الذي في صدر هذا الكتاب، فلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان المنعوت بغيرها، قيل: ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين، ولا الأمانات التي يعرف بها أنه الإيمان، فنفت عنهم حينئذ حقيقته ولم يزل عنهم اسمه، إلى أن قال: وكذلك الأحاديث التي فيها البراءة فهي مثل قوله: من فعل كذا وكذا فليس منا، لا نرى شيئاً منها يكون معناه التبرؤ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من ملته، إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا، وهذه النعوت وما أشبهها، وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي، فإن معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفراً ولا شركاً يزيلان الإيمان عن صاحبه، إنما وجوهها أنها من الأخلاق والسُّنن التي عليها الكفار والمشركون.. فليس لهذه الأبواب عندنا وجوه إلاّ أنها أخلاق المشركين وتسميتهم وسننهم وألفاظهم وأحكامهم، ونحو ذلك من أمورهم، وأما الفرقان الشاهد عليه في التنزيل فقول الله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، وقال ابن عباس: ” ليس بكفر ينقل عن الملة ” وقال عطاء بن أبي رباح: ” كفر دون كفر “، فقد تبين لنا أنه كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب فلا معنى له إلا خلاف الكفار وسنتهم، على ما أعلمتك من الشرك سواء، لأن من سنن الكفار الحكم بغير ما أنزل الله، ألا تسمع قوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ،} [المائدة: 50]، تأويله عند أهل التفسير أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون، وهكذا قولـه: ” ثلاثة من أمر الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة والأنواء “، ومثله الحديث الذي يروى عن جرير وأبي البختري الطائي: ((ثلاثة من سنة الجاهلية النياحة وصنعة الطعام، وأن تبيت المرأة في أهل الميت من غيرهم)) ([45]). وكذلك: ((آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان)) ([46]).وقول عبد الله: ((الغناء ينبت النفاق في القلب) ([47]).
ليس وجوه هذه الآثار كلها من الذنوب: أن راكبها يكون جاهلاً ولا كافراً ولا منافقاً وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده، ومؤد لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنّة ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم، إلى أن قال: – وهو يبرز قاعدة جليلة – وكذلك كل ما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة فهو عندنا على هذا، ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها، وبذلك جاءت الآثار مفسرة [تدبر يرحمك الله مدى احتياط العلماء في مسائل التكفير]، قال أبو عبيد: حدثنا أبو معوية عن جعفر بن برقان عن أبي نشبة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من أصل الإسلام، الكف عن من قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض من يوم بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار كلها))، ([48]).
قال أبو عبيد: حدثنا عباد بن عباد عن الصلت بن دينار عن أبي عثمان النهدي قال: دخلت على ابـن مسعـود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول ((لا يبلغ بعبد كفراً ولا شركاً حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغيره))، قال أبو عبيد: حدثنا معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان قال: ” جاورت مع جابـر بـن عبدالله بمكة ستة أشهر، فسأله رجل: هل كنتم تسمون أحداً من أهل القبلة كافراً؟ فقال: معاذ الله ! قال: فهل تسمونه مشركاً؟ قال: لا “([49]).
والمتدبر في هذا النقل السابق عن أبي عبيد القاسم بن سلام يجد أنه أبرز درراً من منهج أهل السنّة والجماعة في بيان بعض قواعد الإيمان والكفر:
فالقاعدة الأولى: كانت بيان أن نفي الإيمان في الكتاب والسنّة معناه نفي حقيقة الإيمان، وأن الذنوب والمعاصي لا تزيل إيماناً ولا توجب كفراً وإنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت به أهله، ولم يزل عن هؤلاء اسم الإيمان أبداً.
والقاعدة الثانية: بينت أن البراءة من النبي صلى الله عليه وسلم كقوله ((من غشنا فليس منا)) ليس معناها التبرؤ من الانتساب إلى الإسلام، إنما مذهبه عندنا أنه ليس من المطيعين لنا ولا من المقتدين بنا ولا من المحافظين على شرائعنا.
والقاعدة الثالثة: كانت بيان أن الآثار المروية بذكر الكفر والشرك العملي ووجوبهما بالمعاصي لا تثبت على أهلها كفراً وشركاً يزيلان الإيمان عن صاحبه، إنما وجوهها أنها أخلاق وسنن الكفار. والقاعدة الرابعة: بيان أن الشاهد على هذه القاعدة السابقة هو قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} وأنه إن كان مصاحباً باعتقاد الحكم وصحته فمعناه أنه كفر دون كفر لا ينقل عن الملة.
والقاعدة الخامسة: وهي قاعدة جليلة ضابطة لمسائل التكفير وهي قوله ((ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها وبذلك جاءت الآثار مفسرة)) أهـ، ومعنى كلامه أن أحكام الكفر الأكبر والشرك الأكبر الذي تزول بهما أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بالردة مبنية على الظاهر، والظاهر إما قول اللسان أو عمل الجوارح، إذ لا يعلم حالة القلب الباطنة إلا الله وحده، ولو علقت أحكام الإيمان والكفر في الدنيا على الباطن لتعطلت الأحكـام جميعها إذ لا يعلم غيب القلوب إلا الله، والحاصل أنها إما قول اللسان وهذا لا يكـون بالتلفظ بكلمة الكفر ولما كان قول اللسان بلا إكراه محكماً لا يحتمل معنى آخر سوى اختيار الكفر وقصده كان صاحب كلمة الكفر كافراً بها، أما الأعمال – أعمال الجوارح – فهي ظنية محتملة ولذلك لا يكفر بها صاحبها حتى تستوفي شروطها وتنتفي موانعها ويتبين بجلاء قصد فاعلها، لأنه قد لا يقصد هذا العمل الظاهر المخرج من الملة.
والقاعدة السادسة: متمثلة في سياقه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ثلاث من أصل الإسلام الكف عن من قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل)) ([50]).
وقد أخرجه ايضاً أبو داود في سننه، ومنطوق الحديث تصدرت به كتب عقائد أهل السنّة والجماعة للدلالة على أن مذهبهم في مسائل الكفر هو عدم التكفير بالذنوب مادام المسلم لا يستحلها، وعدم إخراج المسلم من دينه بالكلية بعمل مجرد مهما كانت خطورة هذا العمل – إلا أن يكون عملاً يرتبط باعتقاد القلب ارتباطاً لا ينفك منه بحال فيكون الحكم بالكفر آنذاك مناطه الاعتقاد وليس العمل، والقاعدة السابعة: (الاحتياط في تكفير أهل القبلة) وأكد هذه القاعدة بسياق لأثر جابر رضي الله عنه وأنهم – أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم – كانوا يحتاطون أشد الاحتياط في تكفير أهل القبلة حتى أنهم ما كانوا يسمون أحداً من أهل القبلة كافراً ولا مشركاً.
(3) ويقول الإمام البيهقي: – عند تفسيره لقول الله تعالى {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7]، (فدل ذلك على أن للإيمان ضدين أو أن من الإيمان ما ينقضه الكفر ومن الإيمان ما ينقضه الفسوق) [شعب الإيمان وقوله: عند تفسيره لقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ،} [البروج: 11] ” معناه إن الذين آمنوا الإيمان الناقل عن الكفر، ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضموا إليه الصالحات فعملوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل “([51]).
والواضح من كلامه – رحمه الله – أن الإيمان الناقل عن الكفر هو أصل الإيمان الذي ذكر من قبل أنه الإقرار والتصديق – الانقيادي لأنه مقصود أهل السنّة من التصديق وإن ما عدا ذلك فلا يؤثر في الكفر الأكبر، وإنما يدخل في باب الفسوق كما ذكر في النقل السابق مباشرة، وقوله في كتابه الاعتقاد (ذهب أكثر أصحاب الحديث إلى أن اسم الإيمان يجمع الطاعات فرضها ونفلها وأنها على ثلاثة أقسام): – قسم يكفر بتركه وهو اعتقاد ما يجب اعتقاده والإقرار بما اعتقده، – وقسم يفسق بتركه أو يعصي ولا يكفر به إذا لم يجحده وهو مفروض الطاعات كالصلاة والزكاة والصيام والحج واجتناب المحارم، – وقسم يكون بتركه مخطئاً للأفضل غير فاسق ولا كافر وهـو مـا يكـون مـن العبـادات طوعاً ” ([52]).
ويقول ابن حزم: ” من اعتقد الإيمان بقلبه ونطق به بلسانه فقد وفق، سواء استدل أو لم يستدل فهو مؤمن عند الله تعالى وعند المسلمين، ومن ضيع الأعمال كلها فهو مؤمن عاص ناقص الإيمان لا يكفر “([53]).
(قلت): ومن تلك النقول السابقة فوائد أهمها فائدتان: الأولى: بيان القاعدة التي سار عليها أهل السنّة مصدقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أبو داود ثلاث من أصول الإسلام الكف عن من قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والفائدة الثانية: بيان أن الكفر الأكبر يتعلق بالاعتقاد، فمن لم يعتقد وجوب الواجبات وتحريم المحرمات فإنه يكفر، وكذلك فإن المأمور به أو المحرم المنهي عنه من اعتقده على الوجه الذي جاء به في شرع الله عز وجل فقد أتى بعض الواجب عليه وهو اعتقاده فلا يكفر تارك فعله (تركاً وفعلاً) لأنه قد أتى ببعض الواجب عليه وهو اعتقاده كما جاء في الشرع فصارت له حسنة وسيئة، ولعلنا نلحظ هاهنا أن مناط الكفر الأكبر هو الاعتقاد، وأن من أتى مكفراً دون اعتقاده فهو كفر في إطار الملة حتى يأتي على أصل الاعتقاد.
[المفتاح السابع]: الأعمال الكفرية كالسجود للأوثان وإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب: وكلام علماء أهل السنّة يصب في أمر واحد وهو أن هذه الأعمال لا تقع إلاّ من كافر وأنها كفر أكبر لتعلقها بكفر القلب، وبالتالي فارقت بقية الأعمال في كونها كفر أكبر بذاتها لا تحتاج إلى استحلال لأنها تحمل في طياتها وجنباتها الاستحلال بخلاف القتل والزنا وشرب الخمر لما كانت معاصي لا تحمل في طياتها الاستحلال، أُشترط لها الاستحلال حتى تصل بصاحبها إلى الكفـر، أما هذه الأعمال فلا تحتاج إليه، لأنها وما شاكلها ليست من الكفر العملي إلا من جهة كونها واقعة بعمل الجوارح فيما يظهر للناس ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب من نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده لا يبقى معها شيء من ذلك فهي وإن كانت عملية في الظاهر فإنها مستلزمة للكفر الاعتقادي ولابد.
يقول القاضي عياض: ” وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل، كالسجود للصنم والشمس والقمر والصليب والنار، والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس، فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام ” ([54]).
(أقول): القاضي عياض إمام وفقيه وقاضي ولذلك فهو يتناول الأعمال المكفرة على نفس الأصول التي قررها فقهاء أهل السنّة والجماعة، والمتمثلة في أن الكفر الأكبر كفر اعتقاد، وما كان من الأعمال كفراً فهو لتعلقه حتماً بالاعتقاد، فنجده يقول ” هذه الأعمال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام ” لأنها كما ذكر حافظ حكمي لا تكون إلا مع زوال أصل الإيمان من القلب (قول القلب وعمله أو أحدهما)، وإذا زال أصل الإيمان حل محله الكفر، فهذه الأعمال لا تصدر إلا من كافر، وهي علامات ظاهرة حقيقية على الكفر وإن ادعى زنديق يفعلها الإسلام، إذ ليس يفعل ذلك ثم يدعي الإسلام إلا زنديق متلاعب بالملة، زال من قلبه التصديق فصار منافقاً أو زال من قلبه الانقياد والمحبة فصار كافراً، وما كان أيسر القول على القاضي عياض أن يقول هذه أعمال مكفرة بإطلاق ولكنه لكونه قاض متمرس في أحكام الملة وفقيه عالم بأصولها وفروعها تجده يُشير إلى سبب الكفر وهو القلب لا فعل الجوارح.
(تنبيه): أخطأ البعض فزعم أن هذه الأعمال تحتاج إلى استحلال حتى يحكم على فاعلها بالكفر الأكبر المخرج من الملة، وهذا خطأ لأنه تسوية بين هذه الأعمال التي تلازم انتفاء أصل الإيمان من القلب، وبين غيرها من المعاصي المجردة التي لا تلازم انتفاء أصل الإيمان من القلب، وبالتالي فتح المجال للتلاعب بالدين وفعل الكفر مع الزعم بعدم استحلاله، وهذا شأن المنافقين والزنادقة، قال تعالى في بيان حالهم: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة: 65، 66]، فهذا حال المستهزئين بشرع الله، وهو يختلف عن حال العصاة المنكسرة قلوبهم إحساسا بالذنب بعد المعصية، فالمعصية شيء والكفر شيء آخر فلا ينبغي الخلط بينهما، وقد قال تعالى: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات: 7]، فجعل الإيمان شيئاً واحداً وجعل مقابلة الكفر والفسوق والعصيان فعلمنا أن الكفر غير الفسوق غير العصيان ولكل منها مجاله وأحكامه، وعليه فإنّ ترك الصلاة يستوجب الاستفسار عن تارك الصلاة هل تركها تكاسلا ام جحودا، لأنّ الأول كفر في إطار الملة، والثاني كفر اكبر مخرج من الملة، أما إهانة المصحف وتمزيقه -على سبيل المثال- فلا يحتاج إلى استفسار عن حالة القلب، لأنّ هذا العمل عمل كفري يستلزم كفر القلب، فلا يحتاج إلى بيان جحود او تكاسل، ولكن فقط يحتاج إلى بيان القصد، بمعنى هل هو يعلم انه مصحف ام لا، فلعله ظنه كتابا آخر فمزقه بالخطأ. (تنبيه): لعل سائل يسأل إذا كان الأمر كذلك وأن هذه الأعمال حكم العلماء على فاعلها بالكفر الأكبر فلم لا نسحب الحكم على العمل نفسه ونجعل هناك عمل مكفر كالسجود للأصنام وقول مكفر كالسب واعتقاد مكفر كالإباء والاستكبار وكالتكذيب وكالشك، ونريح أنفسنا من عناء التفصيل، والإجابة على هذا التساؤل تتمثل في أن: هذا التفصيل هو من خصائص أهل السنّة والجماعة الناجية، أهل الفقه والعلم والتوسط والاعتدال، فلا هم غالوا غلّو الخوارج والمعتزلة فكفروا الأمة بالأعمال المجردة الخالية عن الاعتقاد أو نفوا عنهم الإيمان وجعلوهم لا مؤمنين ولا كافرين، ولا هم قصروا تقصير المرجئة، فاشترطوا الاستحلال حتى لهذه الأعمال التي نعلم بيقين تلازمها مع كفر الباطن فنعطي الفسحة لأصحاب الانحلال والزندقة للاستهزاء بالدين بدعوى عدم استحلال ذلك وأن ذلك ما دام بغير استحلال فهو في إطار المعاصي وليس من أبواب الكفر الأكبر، وليس هو كذلك. ولا يخفى أن هذه القواعد التي قال بها أهل السنّة والجماعة تعتبر بحق لجام العوام عن الولوج في مسائل الحكم بالكفر والتكفير، لأن الكفر كفر القلب أصلاً وهذا للحكم عليه يحتاج إلى فقهاء علماء يقيسون أحواله بما يظهر على لسانه وجوارحه ويحملون المتشابه على المحكم حتى يأتي حكمهم قسطاً عدلاً كما جاء به شرع الإسلام، ولو أردنا أن نعلم فوائد هذه القواعد التي قال به فقهاء أهل السنّة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر فعلينا أن ننظر إلى تلك الفرق التي لا تأبه بهذه القواعد فنجدها تتراشق بالتكفير وتتسابق إلى استحلال دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم بغير حق ولا علم ولا هدى ولا كتاب مبين.
[المفتاح الثامن]:علاقة هذه القواعد بالاحتياط في تكفير المسلمين: قد يقول قائل قد أكثرت علينا بكلام مجمل فما علاقة هذه القواعد بالاحتياط في تكفير المسلمين، أقول: العلاقة واضحة تماماً، فلو أنا أطلقنا المجال للتكفير بالأفعال المجردة لوجدنا فينا من يكفر غالب أهل القبلة بالمتشابه من الآيات دون أن يردها إلى محكمها الذي قال به أهل السنّة والجماعة وفقاً لقواعدهم الربانية الضابطة لهذا الباب، ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين، فعلى سبيل المثال: قوله تعالى {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] فمناط الشرك عند الأخذ بظاهر الآية هو مجرد الطاعة، ونعلم أن طاعة المشرك في معصية الله لا على سبيل الاعتقاد، هي طاعة الفاسق في معصية الله، والأمران واقعان لكثير من أهل القبلة، فلو أخذنا بظاهر الآية لقلنا أن مجرد طاعة المشرك في أمر المعاصي شرك وكفر مخرج من الملة، ولكن عند ردّ الآية إلى المحكم من كتاب الله وإلى أولي العلم من أهل السنّة الذين يستنبطون الأحكام الشرعية من الآيات {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ،} [النساء: 83] لعلمنا أن مناط الشرك الأكبر هو طاعة الاستحلال وهي اعتقاد القلب، وذلك لأنه لا يكون العمل المجرد كفراً أكبر يخرج من الملة مع استقرار الإيمان وصحة أصله بالقلب، قال ابن العربي ” إنما يكون المؤمن بطاعة الله مشركاً إذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع “([55]).
وعلى سبيل المثال – أيضاً – قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] فمناط الكفر عند الأخذ بظاهر الآية هو مجرد ترك الحكم بما أنزل الله ولو في قضية واحدة أو مسألة واحدة، ولما كان من حكم الله تعالى العدل، فإنك إن حكمت بين اثنين في خلاف تافه بسيط لا يعتد به، فجاملت فيه أحدهما على حساب الآخر كفرت الكفر الأكبر المخرج من الملة، إذ لم تحكم بما أنزل الله وهو العدل، وكذلك إن حكمت بين فريقين في سبق أو لهو مباح وملت لفريق على حساب الآخر كفرت الكفر الأكبر المخرج من الملة، ولكن عند الرد إلى أولى العلم المستنبطين لقواعد أهل السنّة والجماعة في مسائل التكفير، وجدتهم يقولون: أنّ من جحد الحكم فهو كافر وإن أقر به ولم يحكم به شهوة أو ظلماً فهو كفر دون الكفر الأكبر، وما ذاك إلاّ لكون ترك الحكم بما أنزل الله قد يأتي عملاً مجرداً خالياً من الاعتقاد فمدار الحكم إذاً على حالة القلب من الإيمان والكفر وهذا هو الفقه لأحكام الملة وأسمائها، ولو صرنا نضرب الأمثلة لطال بنا المقام ولعله يكفينا ما سبق ذكره والله المستعان
[ المفتاح التاسع]: التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط:
وهذه أيضاً قاعدة رصينة قال بها علماء أهل السنّة والجماعة الراسخون في العلم والفقه، فكل ما امر الشرع الحكيم به، إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار إبتداءً.
(تنبيه) بخصوص قاعدة التولي عن الطاعة: رأيت بعض المتعجلين في مسائل التكفير يسارعون في تكفير كل من تولى عن الطاعة بجوارحه وإن كان مقراً بها بقلبه مستدلين بمثل قول الله تعالى {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]، وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور: 47]، وقوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة: 31 – 32]، وهم للأسف لا يفهمون معنى التولي في هذه الآيات فالتولي قسمان الأول يكون بالقلب والجارحة وهذا كفر أكبر مخرج من الملة، والثاني يكون بالجارحة مع إيمان القلب واعتقاده وهذا ليس كفراً أكبر البتة، بل ينبغي فهمه ضمن إطار
(التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط)، وأنّ الأول كافر الكفر الأكبر، والثاني صارت له حسنة بإيمانه بقلبه وسيئة بتركه بجوارحه، وهو لا يكفر الكفر الأكبر بحال، وإلاّ فما معنى قول أهل السنّة ” ولا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ” وعلى ذلك فالمعنى الصحيح الذي ينبغي أن يفهم غي الآيات إن التولي يتناول المتولي بقلبه عن الاعتقاد والإيمان وبجوارحه عن العمل فهذا التولي كفر أكبر مخرج من الملة وأما إن كان التولي بالجارحة والقلب مطمئن بالإيمان فهذا من جنس الذنوب والكبائر والمعاصي التي أجمع أهل السنّة والجماعة على عدم كفره بقولهم ” لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله “، وإلاّ فإن لم نفهم الآية في ضوء هذه القاعدة الفقهية العامة حصل المحظور من تكفير الأمة بعضها بغير ضابط، ولهذا حرص علماء أهل السنّة والجماعة على تقييد الكفر بالاستحلال، وكم كانت من أعظم القواعد التي منعت من تكفير المسلمين لبعضهم بعضاً، وفي غياب فهم مثل هذه القاعدة خرجت الخوارج قديماً وكفّرت الأمة بالمعاصي والآثام، ومـن يـرد الله بـه خيـراً يفقهـه في الديـن.
[ المفتاح العاشر]: الرد على من كفّر بعمل الجوارح المجرد الكفر الأكبر، دون تفريق بين أعمال كفريه من نوع الكفر الأكبر، وأعمال كفريه من نوع الكفر في إطار الملة:
ذهب بعض المعاصرين كعبد القادر بن عبد العزيز في كتابه الجامع لطلب العلم، في الاستدلال على كفر كل من ترك حكم الله بمجرد القول دون اعتبار لاعتقاد القلب وإقرار اللسان. فذهب بداية إلى إثبات أن الآية { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، [ المائدة:44]، في صياغتها اللغوية تدل على الكفر الأكبر، وهذا هو الصواب، إلاّ أنه لم يفهم ما فهمه علماء أهل السنّة من المقصود بالترك، وأنه ترك كلى، فيتناول عمل القلب وعمل الجوارح، وعمل القلب في الآية جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره، وعمل الجوارح هو تركها لحكم الله، ثم بني على ذلك أن مناط الآية هو مجرد ترك الجارحة ولو مع الاعتقاد للحكم والإقرار به، ثم أسقط حكم الآية على أمة الإسلام إلا قليلاً وكفّر بها الحكام والقضاة والعاملون في وظائف الدولة، والقائمون على المجالس التشريعية والأجهزة التنفيذية ولم يترك من الأمة أحداً إلا هو وشيعته، ولا أدرى كيف ترضى نفسية مسلم سوي يسمع أن الله تعالى شهد لهذه الأمة بالخيرية ثم يسوغ لنفسه تكفيرها إلا قليلاً، وإليك ما أستدل به على أنّ المقصود بالآية إذا عاملناها بقواعد اللغة الكفر الأكبر المخرج من الملة.
قال في كتابه الجامع لطلب العلم: ((أن الله سبحانه وتعالى قد أكد الكفر في هذه الآية وبالغ في وصفه وتغليظه بأسلوب هو من أقوى أساليب اللغة في إفادة المعنى وهو: أ – مجيء الكفر بلفظ الاسم وهو دال على ثبوت الكفر ولزومه، دون الفعل الدال على التجدد والحدوث، ب – تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى {الكافرون} بما يعنى أنه الكفر الأكبر كما سبق ذكره في المقدمة الثانية عشرة، ج – إتيانه سبحانه بجملة جواب الشرط في صورة مبتدأ وخبر معرفتين {أولئك… الكافرون}، وذلك من علامات انحصار الخبر {الكفر} في المبتدأ {أولئك} وهو اسم إشارة يعود على{من لم يحكم بما أنزل الله} وانحصار الخبر المعرف بأل في المبتدأ فيه مبالغة في حصول كمال معناه في المحكوم عليه {وهو المبتدأ} أي مبالغة في حصول كمال الكفر لأولئك الذين لم يحكموا بما أنزل الله.. د – ومجيء المبتدأ في جملة جواب الشرط في صيغة اسم الإشارة {أولئك} زيادة في الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله {من لم يحكم ……} باستحقاق الكفر، هـ – وتقديم المبتدأ على الخبر في جملة جواب الشرط وإن كان هو الأصل في اللغة إلا أنه يفيد في أن كون المبتدأ {أولئك} متصفاً بالخبر {الكافرون} هو المطلوب بيانه، كما أن هذا التقديم يفيد زيادة تخصيص، و – وإدخال ضمير الفصل {هم} بين المبتدأ والخبر {أولئك هم الكافرون} يفيد اختصاص المبتدأ بالخبر، أي اختصاص أولئك {الذين لم يحكموا بما أنزل الله} بالكفر، والخلاصة: أن أسلوب هذه الآية من جهة بنية ألفاظها وتركيبها بلغ الغاية في إفادة المعنى، وهو أن أولئك الذين لم يحكموا بما أنزل الله قد بلغوا الغاية في الكفر. “أهـ،([56]).
((قلت)) كلامه في هذه الجزئية حق ولكنه كما أشرت لم يفهم ما فهمه السلف من معنى الترك وأنه يتناول ترك عمل القلب {الاعتقاد} وترك عمل الجوارح، وهذا الترك الكلى يحتم الكفـر الأكبر، أما الترك الجزئي المتعلق بالجارحة مع بقاء إقرار اللسان وانقياد القلب وتصديقه واعتقاده للحكم فهذا كفر في إطار الملة، وقد نقلت أكثر من ستين قولاً لأئمة الفقهاء والعلماء كلهم على هذا التفصيل، أما هذا المؤلف فقد سلك مسلك الغلو فراح يذكر بعد ذلك أن مناط الكفر الأكبر هو ترك عمل الجوارح ثم راح يسقط حكم الآية على أكثر أهل القبلة، فقــال: في بيان أن مجرد ترك الجارحة كفر أكبر، وإقراره بمخالفته بذلك من أهل العلم ثم تطاوله عليهم بوصفهم بالإرجاء الذي لا يعلم هو حدّه ولا ضابطه، ((فقد ذهب البعض وهم كثير ـ إلى أن من ترك الحكم بما أنزل الله لا يكفر إلا أن يكون جاحداً للحكم الذي تركه أو مستحلاً لتركه، أما إن فعل ذلك لهوى أو شهوة فلا يكفر، وهذا محض قول غلاة المرجئة الذين كفرهم السلف، فقد قال تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]، ولا يختلف أهل العلم وأهل اللغة أن الكفر المعرف بأل ـ كما في هذه الآية هو الكفر الأكبر كما لا يختلف أهل العلم في أن الكفر إذا أطلق في القرآن فهو الكفر الأكبر،…. فدلـت الآيـة على كفـر من ترك الحكـم بما أنـزل الله، وعلق الحكم بالكفر على مجرد التـرك ” ([57]).
ثم أسقط الحكم بالكفر الأكبر على كل من خالف فكره فقال: ” وبهذا تعلم أن تارك الحكم بما أنزل الله ـ كالسلاطين والقضاة في البلاد المحكومة بقوانين وضعية ـ هو كافر كفراً أكبر بمجرد تركه دون نظر إلى جحد أو استحلال، فإذا أضاف إلى ذلك الحكم بشرع مخالف لشرع الله فهذا سبب مكفر آخر غير الترك، فيكفر أيضاً من هذا الوجه فإذا أضاف إلى ذلك وضعه للتشريعات المخالفة فهذا سبب مكفر ثالث، فالسلاطين والمشرعون والقضاة بهذه البلاد كلهم كفار كفراً أكبر، ومنهم من ترتب كفره على علة واحدة منهم من ترتب كفره على علتين ومنهم من ترتب كفره على ثلاث علل كل منها مكفرة بذاتها “([58]).
، ولأن الغلّو لا يقف عند حد، فقد أطلق المؤلف لقلمه العنان في تكفير الأمة جميعاً إلا من كان على مثل حاله، بسبب فهمه الخاطئ والذي يضاهي فهم الخوارج للآيـة الكريمـة {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وإعراضه عن فهم فقهاء وعلماء أهل السنّة والجماعة لهذه الآية وضوابطهم لتطبيقها على أهل القبلة، يقول: ـ في بيان حال شتى بلدان المسلمين ـ: إن البلاد المحكومة بقوانين وضعية ـ كما هو الحال في شتى بلدان المسلمين اليوم ـ لها أحكام خطيرة يجب أن يعلمها كل مسلم ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة، وهن هذه الأحكام: أ – أن حكام هذه البلاد كفار كفراً أكبر خارجون من ملة الإسلام، ب – أن قضاة هذه البلاد كفار كفراً أكبر، هذا يعنى تحريم العمل بهذه المهنة، ودليل كفر هؤلاء الحكام والقضاة هو قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافـرون} [المائدة: 44] …، ج – أنه لا يجوز التحاكم لمحاكم هذه البلاد ولا العمل بها، ومن تحاكم إلى قوانينهم راضياً بها فهو كافر أيضاً، د – أن أعضاء الهيئات التشريعية بهذه البلاد ـ كالبرلمان ومجلس الأمة ونحوه ـ كفاراً كفراً أكبر ـ لأنهم هم الذين يجيزون العمل بهذه القوانين الكافرة وهم الذين يشرعون ما يستجد منها، هـ – أن الذين ينتخبون أعضاء هذه البرلمانات هم كفار كفراً أكبر، لأنهم بانتخابهم هذا إنما يتخذونهم أرباباً مشرعين من دون الله، فالعبرة بالمسمى، ويكفر أيضاً كل من دعا إلى هذه الانتخابات أو شجع الناس على المشاركة فيها، ودليل كفر نواب البرلمانات هو قوله تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، وقولـه تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] ولم يختلف المفسرون في أن هذه الربوبية كانت في التشريع من دون الله، فنواب البرلمانات هم أرباب ينازعون الله حق التشريع، والذين ينتخبونهم يتخذونهم أرباباً من دون الله،..، و – أنه تحرم مبايعة هؤلاء الحكام على تقلد الحكم بهذه البلاد أو على الاستمرار فيه كما يجرى في الاستفتاءات الخاصة بذلك، لما في هذه المبايعة من إرادة دوام الكفر، ومن أراد ذلك كفـر، ز – أن الجنود المدافعين عن هذه الأوضاع الكافرة هم كفار كفراً أكبر، لأنهم إنما يقاتلون في سبيل الطاغوت قال تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء: 76] والطاغوت الذي يقاتلون في سبيله هنا هو طاغوت الحكم المتمثل في الدساتير والقوانين الوضعية والحكام الذين يحكمون بها قال تعالى {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء:60]، فكل ما تحوكم إليه من دون الله فهو طاغوت، ويدخل في هذا الحكم كل من يدافع عن هذه الأنظمة الكفرية بالقتال دونها كالجنود، أو يدافع عنها بالقول كبعض الصحافيين والإعلاميين والمشايخ. ولهذا فإنه تحرم الخدمة في جيوش هذه الدول الكافرة…، ح – أنه لا طاعة لحكام هذه الدول على مسلم ولا يجب عليه الالتزام بقوانينها، بل هو في حلٍ من مخالفتها كيفما شاء بشرطين: ألا يفعل مالا يجوز له شرعاً وألا يؤذى مسلماً أو يظلمه، ط – أن البلد المحكومة بقوانين كافرة دار كفر، فإن كانت تحكم من قبل بالشريعة ثم طرأت عليها قوانين الكفار وما زال يسكنها المسلمون، فهي دار كفر طارئ) أهــ([59]).
ثم تكلم عن كفر من سماهم أنصار الطواغيت وأدخل فيهم كثير من العلماء والعاّمة ثم ذكر أنّ كفرهم على التعيين لا يحتاج إلى استيفاء شروط وانتفاء موانع قال: ” وعلى هذا فأنصار الطواغيت في بحثنا هنا هم: أ – المناصرون بالأقوال، ويأتي على رأسهم بعض علماء السوء والمتعالمين الذين يسبغون الشرعية الإسلامية على الحكام الكافرين ويدرأون عنهم تهمة الكفر ويُسفّهون المسلمين المجاهدين الخارجين عليهم ويتهمونهم بالمروق والضلال ويغرون الحكام بهم. كما يدخل في المناصرون بالقول: بعض الكتاب والصحافيين والإعلاميين الذين يقومون بنفس هذا العمل، ب – المناصرون بالأفعال، ويأتي على رأسهم جنود الحكام الكافرين، سواء في ذلك جنود الجيش أو جنود الشرطة، الردء منهم والمباشر، فهؤلاء مُعَدّون بحكم دساتير هذه البلاد وقوانينها للقيام بأمور منها أ – المحافظة على النظام العام للدولة بما يعنى استمرار العمل بالدساتير والقوانيين الوضعية الكفرية ومعاقبة كل من يعارض ذلك أو يحاول تغييره، ب – حماية الشرعية الدستورية: وهى عبارة تعنى حماية الحاكم الكافر نفسه، لأنه يُعد عندهم حاكماً شرعياً بموجب الدستور، لأنه قد جرى نصبه وفق الإجراءات المبينة بالدستور الوضعي، ت – تأكيد سيادة القانون: بتنفيذ ما يوجبه الدستور والقانون ويدخل في ذلك تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الوضعية الطاغوتيه، ويدخل في أنصار الطواغيت كل من نصرهم بقول أو فعل مِن غير مَـن ذكرنا هنا حتى ولو كان هذا المناصر حكومة دولة أخرى فإنه يلحقها نفس الحكم. فهذا هو الطاغوت وهؤلاء هم أنصاره ” أهــ ([60]).
وقال في بيان حكمهم: ” وحكم أنصار هؤلاء الطواغيت هو فرع عن الحكم على الطواغيت، وحكم هؤلاء الحكام بغير ما أنزل الله أنهم مرتدون، أما حكم أنصارهم من علماء السوء والإعلاميين والجنود وغيرهم فهم كُفّار على التعيين في الحكم الظاهر “أهــ ([61]).
((قلت)): الطامة أنه كفّر هؤلاء على التعيين كما نص عليه ” فهم كفّار على التعيين في الحكم الظاهر ” ومعنى التعيين أنه لا يحتاج إلى استيفاء شروط الكفر ولا استيفاء انتفاء موانعه ثم من هم هؤلاء الذين كفّرهم أليسوا في مجموعهم عامة المسلمين في بلدان المسلمين. بل هم جميع المسلمين إلا أقل القليل فهل الأمة التي جعلها الله تعالى خير الأمم يكون هذا حالها، وحقاً فمن قال هلك المسلمون فهو أهلكهم. وها هو يكفّـر من سماهم علماء السوء، وقد ذكر منهم الشيخ الشعراوي مع صدقه ونزاهته، والغلو يصنع هذا وأكثر، وها هو يكفر الجنود هكذا بإطلاق وهو يعلم أن خدمة الجيش إلزامية على كل مواطن في بلدان المسلمين وكل أمرئ حتماً يتعرض في زمان من عمره لهذه الفتنة وغالب العامة فيهم من الجهل ما فيهم فهل يكفر هؤلاء على التعيين كما قال المؤلف أم يعذرون بالجهل أم أن الأمور لا تؤخذ بهذا الغلوّ الذي إذا أهلك فإنما يهلك صاحبه كما قال صلى الله عليه وسلم: {هلك المتنطعون … قالها ثلاثاً}.
ثم قال: ـ وهو يدلنا على خلاصة ما أداه إليــه غلّــوه ـ ((والخلاصة: أن مجرد تعمد ترك الحكم بما أنزل الله كفر أكبر، فترك الحكم ذنب مُكَفّر ـ شأنه في ذلك شأن ترك الصلاة أو سب الله والرسول صلى الله عليه وسلم ـ فهذه ذنوب مكفّرة يكفر فاعلها بمجرد فعلها، ومن اشترط الجحد أو الاستحلال للتكفير بهذه الذنوب المكفرة فقد قال بقول غلاة المرجئة ـ الذين أكفرهم السلف ـ من حيث يدرى أو من حيث لا يدرى. واعلم أن هذا الخطأ الذي وقع فيه الهضيبي قد وقع فيه معظم المعاصرين مقلدين في ذلك لابن أبى العز في شرحه للعقيدة الطحاوية ولابن القيم في مدارج السالكين وأقوالهم كلها لا أصل لها ولا تقوم على دليل معتبر. وبهذا تعلم أن المعنى الصحيح لقوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] أن كل من تعمد ترك الحكم بما أنزل الله فهو كافر كفراً أكبر، فكيف إذا انضاف إلى هذا التركِ الحكمُ بغيره، وهذا الحكم بالكفر الأكبر يعم كل من ترك حكم الله وكل من حكم بغيره سواء كان يحكم بالشريعة في الأصل كقضاة الشرع أو كان يحكم بغير الشريعة في الأصل، ولا يستثنى من هذا الحكم أحد إلا المجتهد المخطئ من قضاة الشرع فإن المأثم مرفوع عنه بنص حديث عمرو بن العاص مرفوعاً ” وإذا حكم فاجتهد فأخطأ له أجر ” الحديث متفق عليه. ويدخل في هذا الحكم دخولاً أولياً القضاة الحاكمين بالقوانين الوضعية، فإنهم ملتزمون بموجب الدستور والقانون أن يتركوا الحكم بما أنزل الله وأن يحكموا بغير ما أنزل الله بالقوانين الوضعيـة. وهم يفعلون هذا عامدين طواعية واختياراً منهم للعمل بهذه المهنة، عالمين بمخالفة ما يحكمون به لشريعة الله بحكم دراستهم للشريعة في كليات الحقوق وغير ذلك، فهؤلاء القضاة كفار كفـراً أكبر، ولا نرى أي احتمال لوجود مانع من موانع التكفير في حق أيٍّ منهم، هذا هو الصواب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم أهــ ([62]).
((قلت)): أنظر إلى غلوّه حتى قال بعد تخطئته للهضيبى: ” مقلدين في ذلك لابن أبى العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية ولابن القيم في مدارج السالكين وأقوالهم كلها لا أصل لها ولا تقوم على دليل معتبر” أهـ. وحق لي أن أتعجب، وقد نقلت أقوال قريب من ستين عالماً ممن يشار إليهم بالبنان كالإمام أحمد بن حنبل وأبى عبيد القاسم بن سلام ومحمد بن نصر المروزي وقبلهم من أئمة التابعين، وبعدهم من أئمة العلماء كلهم على التفصيل الذي ذكره حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما، أهؤلاء كلهم أقوالهم لا أصل لها ولا تقوم على دليل معتبر، والمعتبر عنده فهمه هو للآية وهو الفهم المضاهي لفهم الخوارج والذي آل به رضي أم لم يرض إلى غلوّ في التكفير يضاهى به قول الخوارج حتى كفّر به الأمة إلا قليلاً نسـأل الله السلامة، ثم مع تدبر بقية النقل عنه نجده يصر على كفر كل من لم يحكم بغير ما أنزل الله سواء كان يحكم بالشريعة في الأصل أو لا، قال ((وهذا الحكم بالكفر الأكبر يعم كل من ترك حكم الله وكل من حكم بغيره سواء كان يحكم بالشريعة في الأصل كقضاة الشرع أو كان يحكم بغير الشريعة في الأصل)) أ هـ. ثم يُصر على دخول القضاة أولياً وأنه لا يوجد أي احتمال البتة في التردد في كفرهم لعدم وجود أي مانع من موانع التكفير في حق أي منهم فقال ((فهؤلاء القضاة كفار كفراً أكبر، ولا نرى أي احتمال لوجود مانع من موانع التكفير في حق أي منهم وهذا هو الصواب في هذه المسألة)) أهــ، وقال: – وهو يُكفّر كل من لم يأخذ بغّلوه في فهم الآية -: ” والخلاصة، أن الحكم بكفر أنصار الطواغيت الممتنعين على التعيين قد ثبت بإجماع الصحابة إجماعاً قطعياً ليس فيه منازع، ومثل هذا الإجماع يكفر مخالفَـهُ، فمن خالف في هذا الحكم فقد كَفَر واتبع غير سبيل المؤمنين وفارق جماعتهم ” ([63]).
ومعنى خلاصته الخطيرة أن كل من لم يكفّر أنصار الطواغيت على التعيين فهو كافر، وقال: تحت عنوان: يُحكم على الممتنعين عن القدرة بدون استتابة، أي بدون تبيُن الشروط والموانع وكأنه يُنبه على أمر هام: ((تنبيه) على الفرق بين المنفرد والمقدور عليه، فالواحد من جنود المرتدين إذا ابتعد عن معسكره أو مقر عمله فإن هذا لا يُصـيره مقدوراً عليه، وإنما يُسمى هذا بالمنفرد وهو الشاذ، كما في حديث الرجل الذي قتل نفسه لما أثخنته الجراح وفيه أنه كان لا يدع من المشركين شاذّة ولا فاذّة إلا اتبعها فضربها بسيفه [حديث 742 بالبخاري] والشاذ هو المنفرد عن جماعة. والفاذ هو المنفرد الذي لم يكن في جماعة قبلاً. فالجندي الذي ابتعد عن معسكره هو منفرد شاذ وهو مع هذا ما زال ممتنعاً عن القدرة لأن طائفته يمكنها نجدته وإغاثته وتتعقب من يتعرض له وتنتصر له بعقاب من تعرّض له. وما دام ممتنعاً فإنه يُحكم عليه بدون تبين الشروط والموانـع) أهـ ([64]).
ومعنى كلامه أن جنود المرتدين ـ وهم أنصار الحكام وقد توسع في بيان أصنافهم حتى شمل غالب الأمة ـ كلهم كفّار غير مقدور عليهم وبالتالي لا يُحتـاج وحالهم هكذا إلى تبين شروط وموانع وأن جميعهم على هذا الحال مهدورة دماءهم وأموالهم، وهكذا نجد عبد القادر وأمثاله يسقطون أحكاماً بالتكفير على أهل القبلة وسفك دمائهم واستحلال حرماتهم، دون استيفاء شروط وانتفاء موانع، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
***
المبحث الثاني تحقيق القول في كفر تارك الحكم بما أنزل الله وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان وهو المقر المنقاد بقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، وتفريطه في عمل الجارحة فقط
[المفتاح الأول]: قال تعالى {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة: 41 ـ 44]، قلت الصحيح في بيان سبب نزول هذه الآية هو ما أخرجه الأئمة البخاري ومسلم ومالك وأبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ماذا تجدون في التوراة في شأن الرجم)) فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام، كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة، ([65]).
((قلت)) هذا لفظ البخاري في صحيحة والإمام مالك في موطئه، وأخرجه مسلم وأبو داود بألفاظ متقاربة وجميعهم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهذا الحديث أخرجه كذلك مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب رضى الله عنه، وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضى الله عنه، وأخرجه أبو داود وابن ماجة عن جابر رضى الله عنه، وعلى ذلك فالحديث رواه أربعة من الصحابة هم: عبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة رضي الله عنهم أجمعين، وأخرجه من الأئمة مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
وقال ابن كثير وهو يتحدث عن تفسير الآيات ” والصحيح أنها نزلت في اليهوديين الذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيدهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين “([66]).
ومن تدبر هذا السبب الصحيح في نزول الآيات وتدبر حالة اليهود الذين نزل فيهم قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون} الآيات، رأى أن حالهم هو الاستحلال للحكم بغير ما أنزل الله والزعم بأنه شـرع الله وحكـم الله، والشاهد لذلك من حديث البخاري ((فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا نفضحهم ويجلدون)) فهم قاتلهم الله يزعمون أن حكم الله في التوراة هو الفضيحة والجلد وليس الرجم ويؤكد ذلك سياق الحديث وفيه ((قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على أية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها)) فاليهود بدلوا حكم الله عز وجل في الزنا ـ الرجم ـ وجعلوا مكانه الفضيحة والجلد وزعموا أنه حكم الله تعالى واستحلوا الحكم به اعتقاداً، بدليل أنهم لما سئلوا عن حكم الله في الزنا أخبروا أنه الجلد والفضيحة وجحدوا حكم الله تعالى الحقيقي وهو الرجم، وعلى ذلك فالفقه الصحيح لسبب النـزول والفهم والصواب للآية في إطار هذا السبب هو أن ترك الحكم بما أنزل الله والذي ابتلى به اليهود هو الترك الكلي متناولاً الاعتقاد والعمل وهو جحود حكم الله وإبداله بغيره من وضع البشر ثم نسبته إلى الله تعالى واستحلال الحكم به، وهذا هو المناط الحقيقي للآية وفق سبب النزول، وسيأتي أن ذلك هو قول الصحابة والسلف وعلماء أهل السنّة والجماعة عامــة، (فائدة): في ضرورة معرفة سبب نزول الآيات: العلماء متفقون على أن العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومع ذلك فهم متفقون كذلك على أهمية معرفة سبب النزول البالغة حيث تعين على الفهم الصحيح لمعنى الآيات، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن صورة سبب النزول قطعية الدخول في حكم الآية، بمعنى أن من أتى بنفس صنيع اليهود من جحود حكم الله واستحلال الحكم بغيره ونسبته إلى شرع الله فهو داخل في حكم الآية حتى وإن كان من أمة الإسلام، وفي بيان ذلك يقول السيوطي وهو يتكلم عن فوائد معرفة أسباب النـزول (ومنها أن اللفظ قد يكون عاماً ويقوم الدليل على تخصيصه فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ماعدا صورته، فإنه دخول صورة السبب قطعي وإخراجها باجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب) ([67]).
[المفتاح الثاني]: أقوال الصحابة والتابعين حول الآية والتوفيـق الصحيـح بيـن هـذه الأقـوال جميعـاً: بحمد الله تعالى وتحدثاً بنعمته طالعت أكثر التفاسير المطبوعة المقبولة عند علماء أهل السنّة والجماعة وذلك لاستيفاء الأقوال الواردة حول قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، ومن تتبعي لهذه التفاسير، يمكنني القول بأن أقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين حول هذه الآية يمكن أن تؤول إلى خمسة أقوال جميعها متوافقة لا اختلاف فيها ولا تعارض إلاّ عند من لم يفهم مقصود السلف ولم يحمل أقوال بعضهم على بعض:
[القول الأول]: أنها ليست في المسلمين وإنما هي في الكفار وقد ورد هذا القول عن بعض التابعين ((فقد أخرج الطبـري بسنـده عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في المائدة {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ليس في أهل الإسلام منها شيء، هي في الكفار([68]).
[القـول الثانـي]: أنهـا نزلـت في أهل الكتـاب وفـي الكافريـن جميعــاً وقال بهذا القول من الصحابة رضي الله عنهم البراء بن عازب وحذيفة ابن اليمان وابن عباس ومن التابعين كثير منهم أبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبدالله وغيرهم، فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال ((مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود، فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال: لا، والله، ولولا أنك ناشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه، قال: فأمر به فرجم، قال: فأنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ،} [المائدة: 41]، يقولون: ائتوا محمدا، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، إلى قوله: {و وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، قـال: في اليهـود إلى قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: في اليهود، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، قال: في الكفار كلها([69]).
وقال ابن كثير في تفسيره: ” وقوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قـال الـبراء بن عـازب وحذيفة ابن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم نزلت في أهل الكتـاب زاد الحسن البصـري وهي علينـا واجبـة ” أهـ،([70]).
((قلت)) والفارق بين هذا القول والقول السابق له أن القول الأول ينفى كون الآية تخص المسلمين كما نقلنا قول أبي صالح من التابعين ليس في أهل الإسلام منها شيء وإنما هي في الكفار، والقول الثاني يتفق مع الأول في أنها في الكفار ولكنه لا ينبغي تعلقها بالمسلمين بدليل اجتهاد الحسن البصري بأنها في أهل الكتاب وهي علينا واجبة، والحق الذي أراه أن القولين ليس بينهما تعارض لأن لكل قول منهما مغزى سيتضح أكثر عند عرض بقية الأقوال.
[القول الثالث]: أنّ حكم الآية يتناول المسلمين ويقصد به الكفر في إطـار الملة {كفر دون كفر} وقد جاء هذا القول صحيحاً عن حبر الأمة وفقيهها ـ الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم والفقه ـ عبدالله بن عباس رضى الله عنهما، وبه قال عامة أصحابه كعطاء وطاوس، أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال هي به كفر وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسلـه ([71]).
وأخرج أيضاَ بسنده عن ابن طـاوس عـن أبيه قال: قال رجل لابن عباس في هذه الآيات {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} فمن فعل هذا فقد كفر، قال ابن عباس إذا فعل ذلك فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا}([72]).
وأخرج أيضا عن ابن طاوس عن أبيه قال: سُئل ابن عباس عن قوله {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: هي به كفر، قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله أهـ([73]).
وأخرج أيضاً عن طاوس {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: ليس بكفر ينقل عن الملة([74]).
وأخرج أيضاَ عنه {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: كفر لا ينقل عن الملة، قال: وقال عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق ([75]).
وأخرج أيضاً عن عطاء قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}{فأولئك هم الظالمون}{فأولئك هم الفاسقون} قال كفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم} ([76]).
وقد نقل بعض هذه الآثار الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان وهو يتحدث عن الكفر في إطار الملة فقال: ((وأما الفرقان الشاهد عليه ـ أي الكفر دون الكفر ـ في التنزيل فقول الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وقال ابن عباس ” ليس بكفر ينقل عن الملة ” وقال عطاء بن أبي رباح (كفر دون كفر) فقد تبين لنا أنه كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا خلاف الكفار الحكم بغير ما أنزل الله([77]).
[القول الرابع]: أن حكم الآية يتناول المسلمين وله تفصيل فمن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً للحكم فهو كافر الكفر الأكبر ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو مقر به معتقد له فهو ظالم فاسق وكفره دون الكفر الأكبر، وقد أخرج ابن جرير الطبري عن على بن أبي طلحة عن بن عباس قوله {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به فهو ظالم فاسق([78]).
((قلت)) وما قاله فقيه الأمة ابن عباس أوضحه تلميذه عكرمة فقد ذكر ابن حبان في تفسيره ((وقال عكرمة: إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أماً من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلاً أنه أتى بما يضاد، فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية([79]).
ومن تدبر كلام عكرمة ـ رحمه الله ـ عرف التفسير الأوفى للآية فإن الله تعالى جعل الكفر من نصيب من لم يحكم بما أنزل الله، وعكرمة رحمه الله أوضح أن من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله فهو حاكم بما أنزل الله بقلبه وإن لم يفعله بجوارحه فهو تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية {ومن لم يحكم} لأنه قد حكم بقلبه بما أنزل الله فليس هو تارك بالكلية لحكم الله فلا يكفر الكفر الأكبر بخلاف الجاحد لأنه ما حكم بما أنزل الله البتة، ونقل القرطبي ـ رحمه الله ـ هكذا القول أيضاً عن مجاهد تلميذ ابن عباس رضى الله عنهما فقال: ((وقيل فيه إضمار أي {ومن لم يحكم بما أنزل الله} رداً للقرآن وجحودا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عبـاس ومجاهـد}([80]).
[القـول الخامـس]: أن حكـم الآية يتنـاول المسلميـن ويقصـد بـه الكفـر: ((قلت)) تتبعت أقوال السلف التي دلت على أن حكم الآية يتناول المسلمين وأطلقت عليه لفظ الكفر دون تفصيل لكونهم جحدوا أو أقروا، فوجدتها جميعها تحمل المعنيين فهي مطلقة لم تحدد المقصود هل هو كفر أكبر أو كفر دون كفر، ولم أجد أحد من السلف (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) يصرح أن مجرد الترك مع الإقرار كفر أكبر كما يقوله بعض المتهورين من المعاصرين، وسأورد بحمد الله تعالى جميع الآثار التي قد توهم هذا الفهم السقيم وأحملها على محاملها الصحيحة التي تتعين على أهل الفقه والبصيرة في العلم والدين، ويكون هذا الحمل الصحيح كمدخل لجمع كافة أقوال السلف في الآية حتى نرى أنها جميعاً متوافقة تخرج من مشكاة الكتاب والسنّة فلا تعارض بينها أبداً وإنما لكل قول مغزاه ومقصده الذي يتناول بيان جانب من جوانب هذه الآية الكريمة الحكيمة، أخرج ابن جرير الطبري عن سالم بن أبى الجعد قال، قيل لعبد الله {أي ابن مسعود} ما السحت قال الرشوة، قالوا في الحكم قال: ذاك الكفر ([81]). وأخرج كذلك عن مسروق قال: قلنا لعبد الله: ما كنا نري السحت إلاّ الرشوة في الحكم، قال عبد الله: ذاك الكفر([82]).
وأخرج كذلك عن هاشم بن صبيح قال: شفع مسروق لرجل في حاجة، فأهدى له جارية، فغضـب غضبـاً شديداً، وقال لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتـك، ولا أكلـم فيما بقى من حاجتك، سمعت ابن مسعود يقول: من شفع شفاعة ليرد بها حقاً أو يرفع بها ظلماً فأهدى له فقبل فهو سحت فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم، قال: الأخذ على الحكم كفر([83]).
وأخرج الطبري كذلك بسنده عن مسروق قال سألت ابن مسعود عن السحت قال: الرشا، فقلت في الحكم؟ قال ذاك الكفر}([84]).
أخرج الطبري بسنده عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال من السحت، قال فقالا أفي الحكم؟ قال ذاك الكفر ثم تلا هذه الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ([85]).
وأخرج كذلك بسنده عن الشعبي {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: هذا في المسلمين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} قال: النصارى}([86]).
وأخرج عنه قال: في هؤلاء الآيات التي في المائدة {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال فينا أهل الإسلام {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} قال: في اليهود {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} قـال في النصـارى}([87]).
وأخرج بسنده عن إبراهيم قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي لهـذه الأمة بها}([88]).
وأخرج أيضاً عن الحسن في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قـال: نزلت في اليهود وهي علينا واجبه}([89]). وأخرج أيضاً عن السًدى {ومن لم يحكم بما أنزل الله} يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا وجار وهو يعلم فهو من الكافرين}([90]).
وقال الألوسي في تفسيره روح المعاني ((وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي؟ قال لا ولكن كفر، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية، وأخرج عبد بن حميد عن على كرم الله وجهه أنه سأله عن السحت فقال: الرشا، فقيل له في الحكم، قال ذاك الكفر، وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود نحو ذلك([91]).
وقال القاسمي في تفسيره محاسن التأويل ((ونقل في الباب عن ابن مسعود والحسـن والنخعي: أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله فقد كفر وظلم وفسق،وإليه ذهب السدي لأنه ظاهر الخطاب، ثم قال وقيل: هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمداً وحكم بغيره، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد..، انتهى)) ([92]).((قلت)) فهذه جميع الآثار الواردة بخصوص هذا القول وهى كما ترى ليس في واحد منها تصريح بأنه الكفر الأكبر المخرج من الملة وإنما إطلاق لفظ الكفر، والقاعدة الرصينة عند أهل السنّة والجماعة والتي دل عليها حديث النبي صلى الله عليه وسلم هي وجود الكفر الأكبر والكفر دون كفر.
[المفتاح الثالث]: الجمع والتوفيق بين كافة الأقوال السابقة حتى نراها وكأنها نسيج واحد لا اختلا ف فيه]: الجمع بين الأدلة والتوفيق بينها ـ عند التعارض ـ أولى من الترجيح، فكيف إذا كانت الأدلة غير متعارضة ولكل منها مغزى خاص يدل على جانب من جوانب الحكم، هاهنا يتعيـن حمل كل قول على ما يناسبه وإلاً خالفنا قواعد الأصول والفقه في الدين عامة، وقـد ذكرنا خمسـة أقوال في تفسير السلف للآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}.
وهـذه الأقـوال جميعهـا متوافقـة لـو فهمنـا القصـد مـن كـل قـول:
فالقول الأول: يشير إلى أن الكفر الأكبر لا يتناول المسلمين بهذه الآية متى ما كان المسلم مقراً للحكم بقلبه معتذراً عن مخالفته بجـوارحه، وأهل هـذا القول يعلمون تمامـاً أن القاعدة الأصولية تقول بأن العبرة في نصوص الشرع [الكتاب والسنة] بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فمع العلم بهذه القاعدة (العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والآية جاءت مصدرة بمن الشرطية {ومن لم يحكم} وهى من صيغ العموم، بل من أبلغ صيغ العموم، ومع الظن بأجلة التابعين الذين قالوا بأن الآية ليس في أهل الإسلام منها شيء أنهم يراعون هذه القاعدة ـ وهو الظن الجدير بهم ـ، نعلم أنهم كانوا يقصدون شيئاً واحداً هو أن أحكام الكفر الأكبر المتعلقة بهذه الآية لا يخص المسلمين منها شيء متى ما أتوا بالإقرار والاعتقاد لحكم هذه الآية، وخلاصة القول الأول أن أحكام الكفر الأكبر في الآية لا تتناول المسلمين المقربين بالأحكام المعتقدين لها تصديقاً وانقياداً قلبياً، أم الجحد فهو كفر بذاته لأي شرع جاء به الإسلام مما هو معلوم من الدين بالضرورة، فجحد الحكم بما أنزل الله كفر أكبر وصاحبه ليس بمسلم و على ذلك فليس في أهل الإسلام من الآية شيء إلا أن يكفروا الكفر الأكبر بجحود ما أنزل الله.
وأما القول الثاني: وقد قال به جمع من الصحابة والتابعين وصح عن البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيحي مسلم أنه قال عن الآيات {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}{الظالمون}{الفاسقون} أنها في الكفار كلها، وهذا القول كسابقه تماماً فالمقصود به أن أحكام الكفر الأكبر لا تتنزل على أهل القبلة إلا أن يكفر أحد منهم بجحود ما أنزل الله، وهذا القول من أوضح الدلالات على أن الترك المجرد للحكم مع وجود الاعتقاد به والإقرار لا يخرج صاحبه من الملة ولا تتنزل عليه أحكام الآية لأنه لا يزال من أهل القبلة بما أتى به من أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الكافرين، وإذا كانت القاعدة الأصولية تقول بأن [العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب] فإن هذه الآية من هذا الباب واجبة على المسلمين ولكنها في إطار الكفر داخل إطار الملة، ولهذا فإن من قال بأنها في الكفر كلها وأنها في أهل الكتاب قد جاءت آثار عنهم تدل على أنها واجبة في حق المسلمين، ويكون ذلك بكونه كفر ولكن كفر داخل إطار الملة، كما جاء عن حذيفة في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قـال: نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مرة ولتسلكن طريقهم قدر الشراك} أ هـ، وأخرج أيضاً بإسناده عن أبي البحتري قال سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}{فأولئك هم الظالمون}{فأولئك هم الفاسقون} قال: فقيل ذلك في بني إسرائيل؟ قال نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لهم كل مرة ولكم كل حلوة، كلاً والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك}([93]).
وحذيفة رضي الله عنه نقل عنه الأئمة أن الآيات في أهل الكتاب وفي الكافريـن جميعاً، والتوفيق الصحيح بين القولين أنه إذا كان القصد الكفر الأكبر فهو لا يتناول أهل القبلة المقرين بالحكم المعتقدين له، وإذا كان القصد الكفر في إطار الملة فهو يتناول المسلمين، وليس هذا اجتهاد في التوفيق بين القولين ولكنه الأمر الذي جاء صراحة عن البحر الحبر عبد الله بان عباس رضى الله عنهما، قال ابن كثير ((وقال ابن أبي حاتم، حدثنا سفيان بن عيينه عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}قال ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه}([94]).
والشاهد من الأثر أن ابن عباس يقر بأنه كفر ولكنه ليس الكفر الأكبر الذي يذهب إليه الخوارج وإنما هو كفر في إطار الملة ويؤيد هذا الفهم ما قاله طاوس صاحب الحبر ابن عباس رضى الله عنهما قال ابن كثير: ((وقال عبد الرزاق ـ أيضاً ـ أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قولـه {ومن لم يحكم} الآية قال: هي به كفر ـ قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله}([95]).
والشاهد من الأثر هو قول ابن عباس رضي الله عنهما ((هي به كفر)) فابن عباس رضى الله عنهما لم ينف كونه كفر لأنه كفر بنص الكتاب {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وأوضح أعلم الناس بعلم ابن عباس طاوس أنه كفر في إطار الملة وليس كالكفر الأكبر بالله وملائكته وكتبه ورسله، ((قلت)) فإذا كان عبد الله بن عباس يقر بكونه كفر ثم يبين أنه في إطار الملة فينبغي حمـل مـراد أهل القول الثاني: نزلت في أهل الكتاب والكافرين جميعاً، على أنه إن قصد به الكفر الأكبر فلا يدخل فيه أهل القبلة المقرين بالحكم المعتقدين له، وإن قصد به كفر في إطار الملة فهذا واجب في حق أهل القبلة من التاركين للحكم بجوارحهم وهم على الإقرار والاعتقاد للحكم والإقرار بالذنب.
وأما القول الثالث: أن حكمها يتناول المسلمين وهو كفر دون كفر: فهذا القول أوضح من نهار، وهو القول الذي به حقنت دماء أهل القبلة أن تعبث بهـا الخوارج، وهو مصداق للقاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في أحاديث عديدة منها قوله صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) ([96]) .وقوله صلى الله عليه وسلم ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) ([97]) . وقوله صلى الله عليه وسلم ((اثنتان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت)) ([98]) .وقوله صلى الله عليه وسلم ((ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلاً كفر)) ([99]) .، وقوله صلى الله عليه وسلم ((أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم)) ([100]) .وقوله صلى الله عليه وسلم ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) ([101]) . وهو كذلك مصداق للفقه الذي حبى الله عز وجل به فقيه الأمة وعالمها عبد الله بن عباس فيما صح عنه من طرق عديدة متواترة لا سبيل لردها ولا تضعيفها، ((قلت)) فهذه الآثار متواترة أوردها جميع من صنف في هذا العلم، وهي في مجموعها صحيحة لا سبيل إلى تضعيفها جملة لأنها يقوى بعضها بعضا، ويقويها من جهة أخرى ما تواتر عن أئمة التابعين عطاء وطاوس وغيرها من تلامذة حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهذا القول الثالث يوافق القولين قبله ولا تعارض بين الأقوال الثلاثة البتة لأن الأول نفى أن يكون في المسلمين من الآية شيء والمقصود نفى الكفر الأكبر عن المسلم المعتقد للحكم المقر به وإن لم يلتزم به معصية، والثاني أنه نزل في أهل الكتاب لأنهم جحدوا حكم الله واستحلوا الحكم بغيره ونسبوه إلى الله ولا يفعل ذلك أحد من أهل القبلة إلا أن يكون حاله حالهم في الكفر سواء، والثالث أن هذا الحكم إن تناول المسلم المعتقد للحكم المقر به فهو من باب الكفر في إطار الملة وهو ما عبر عنه الحبر ابن عباس رضى الله عنهما بقوله {كفر دون كفر} وقوله {هي بهم كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر} وقوله {كفر لا ينقل عن الملة} وقوله {ليس بالكفر الذي يذهبون إليه} وقد أشرنا إلى هذه الآثار بما يغني عن الإفادة ها هنا.
أما القول الرابع فهو غاية الجمع بين الأقوال جميعها وخلاصة الفقه في التوفيق الصحيح بينهما وتفصيل البيان في أحوالها، فخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ، ومن كانت من المسلمين حاله كحال اليهود في جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره أو اختراع حكم ونسبه إلى الله على أنه حكم الله، فهذا جميعه كفر أكبر مخرج من الملة وصاحبه كافر الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين والكافرين، وأما من كان مقرا للحكم معتقداً له كما أمر الله تعالى، ولكن غلبت عليه شهوته أو نفسه الأمارة بالسوء أو أكره فحكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بحكم الله معتقد له مقر بتقصيره في الحكم بغير ما أنزل الله فهذا كفره في إطار الملة وهو القول الثالث كما بيناه، وفي بيان هذا القول الرابع سبق ونقلنا قول بن عباس رضى الله عنهما، [من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به فهو ظالم فاسق] وقول صاحبه عكرمة ـ من أجل التابعين علماً وفضلاً ـ [إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاد فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية]، وقول مجاهد [وقيل فيه إضمار أي، ومن لم يحكم بما أنزل الله] ردا للقرآن وجحداً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر.
أما القول الخامس والذي ظن البعض أنه يخالف هذه الأقوال الأربعة، فليس كما ظنوا وإنما هو موافق لها تماما، وجميعها نسيج واحد لا ترى فيه أي اختلاف، وقد نقلت بحمد الله كل ما يتعلق بهذا القول من التفاسير التي وقعت بين يدي وجميعها كما رأينا تطلق لفظ الكفر دون تعيين لكونه كفر أكبر أم كفر دون كفر، وعلى ذلك وجب معاملتها وفق الأصول العامة للشريعة والتي لا يسعنا مخالفتها وإلاّ آل الحال بنا إلى مآل الخوارج من تكفير الأمة بمطلق المعاصي والآثام، هذه الأصول التي عاملنا بها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة كقوله صلى الله عيه وسلم [وقتاله كفر] وقوله صلى الله عليه وسلم ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((اثنان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت)) وحمل الجمهور من العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر))، فأصول الشريعة حتمت علينا حمل هذه الأحاديث على الكفر دون الكفر وإلا وقع سيف التكفير بين أهل القبلة وكفر المسلمون بعضهم بعضاً بالمعاصي والآثام.
وإذا قال قائل فما الداعي إلى أن جاء التعبير عنها بلفظ الكفر قلنا هذه قاعدة عظيمة أرساها النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمنا الفارق بين المعاصي وبين الذنوب التي هي من قبيل الكفر في إطار الملة، فهذه الذنوب التي عبر عنها الحديث الشريف بلفظ الكفر دلالة على خطورتها على أصل الإيمان وأن صاحب هذه الأعمال التي هي من قبيل الكفر دون كفر، هو في حقيقة أمره على شفا حفرة من الكفر الأكبر وعلى شفا جرف هاو يكاد ينهار به إلى الخلود الأبدي في النار، وعلى ذلك فينبغي حمل كلام الصحابة والتابعين على نفس المحمل الذي حملنا عليه أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل ((الكفر دون كفر)) لا سيما وأنه لم ينقل عن واحد منهم أن قصده الكفر الأكبر المخرج من الملة بل الكفر بإطلاق، ولو تدبرنا قول حبر الأمة ابن عباس وقد سئل عن الآية فقال ((هي بهم كفر وليس كمن كفـر بالله …،)) وقد سبق ذكره لعلمنا أنه رضي الله عنه لم ينف عنهم صفة الكفر بل أثبتها لهم ثم فصل بما حباه الله تعالى من الفقه في الدين والبصيرة في أصوله وضوابطه فقال ((وليس كمن كفر بالله ((فأثبت الكفر ثم وضح أنه غير الكفر الذي يذهب إليه الخوارج من كونه الكفر الأكبر وقد نقلنا عنه قوله ((ليس بالكفر الذي يذهبون إليه)) وهذا المحمل هو المتحتم علينا جميعاً، من جهة أنه المحمل الذي يجمع الأقوال الخمسة جميعاً في إطار واحد لا اختلاف فيه.
وكل هذه الأقوال منقولة عن كثير من الصحابة والتابعين والحمل متعين عند المقدرة كما قاله علماء الأصول، والجمع أولى من، دعوى النسخ أو الترجيح، ((قلت)) وهذا ما دعا الأئمة العلماء أن يحملوا كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه والحسن البصري وإبراهيم النخعي والسدي رحمهم الله على تفصيله الصحيح وفق قواعد الشريعة العامة التي جاء بها الكتاب وتأصلت بالسنّة وظهرت بهدي السلف الصالح، فمن ذلك:
(1) نجد الجصاص رحمه الله يحمل كلام ابن مسعود والحسن على من حكم بغير ما أنزل الله مخبرا أنه من عند الله لأنها صورة سبب النـزول تماماً، فقال ((وقال ابن مسعود والحسن ((وهي عامة)) يعني فيمن لم يحكم بما أنزل الله وحكم بغيره مخبراً أنه حكم الله ومن فعل هذا فقد كفر)) أهـ ويقول في موضع آخر ((وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافركما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك)) ([102]).
(2) ونجد الإمام القرطبي رحمه الله يحمل كلام ابن مسعود والحسن على الجحود والاستحلال فقال ” وقال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقداً ذلك مستحلاً له “([103]).
(3) ونجد أبو حبان صاحب البحر المحيط يحمل كلام ابن مسعود وإبراهيم النخعي على الكفر دون الكفر، فقال ” وإلى أنها عامة في اليهود وغيرهم ذهب ابن مسعود وإبراهيم وعطاء وجماعة ولكن كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق يعني أن كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة “([104]).
ونجده كذلك يحمل كلام السدي على الجحود فيقول ((وقال السدي: من خالف حكم الله وتركه عامدا وتجاوزه وهو يعلم فهو من الكافرين حقاً ويحمل ذلك على الجحود فهو الكفر ضد الإيمان)) ([105]).
(4) ونجد ابن عطية يحمل كلام من أطلق لفظ الكفر على التارك لحكم الله بأنه في هذه الأمة كفر في إطار الملة فيقول ” وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم: الآية متناوله كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان، وهذه بعض أمثلة لحمل الفقهاء القول الخامس على أنه كفر دون كفر أو كفر أكبر إن صاحبه جحود وكفر دون كفر إن كان مع إقرار واعتقاد، أو كفر أكبر إن حدث تبديل لحكم الله مع نسبة الحكم الجديد إلى شرع الله وأنه من عند الله واستلال الحكم بين الناس به، وهذا هو الحمل الواجب المتعين حتى تستقيم الأقوال جميعها وتتآلف ولا تختلف وهذا هو الظن بخيرة علماء الأمة علماء الصحابة والتابعين، واليك في المفتاح التالي أقوال أكثر من ثلاثين عالماً من علماء الأمة يؤيد ذلك ويؤكده ويدلنا على أنه مذهب أهل السنّة والجماعة الذي صرح به الأئمة الأعلام الراسخون في العلم والفقه والدين.
[المفتاح الرابع]: أقوال الأئمة العلماء في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله: أقوال الأئمة العلماء في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، ترجح أن الآية في حق المسلمين تتناول المسلمين وأنها في حق الجاحد كفر أكبر، لأنه لم يحكم بما أنزل الله البتة، وأنها في حق المقر المعتقد بقلبه كفر دون كفر، لأنه حكم بقلبه بما أنزل الله فلم يترك الحكم بما أنزل الله بالكلية فصار الكفر في حقه كفراً عملياً مجرداً لا يخرج من الملة وإن كان صاحبه على خطر عظيم وهو خطر الكفر في إطار الملة، ومعلوم يقيناً أنه أشد على صاحبه وأخطر من أكبر الكبائر، نسأل الله السلامة وحسن العاقبة: قال الطبري رحمه الله: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبراً عنهم أولى، فإن قال قائل: فإن الله ـ تعالى ذكره ـ قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصاً؟، قيل: إن الله تعالى عمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس([106]).
وقال الواحدي رحمه الله في تفسيره: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في من غير حكم الله من اليهود وليس في أهل الاسلام منها ومن اللتين بعدها شيء([107]).
وقال الطحاوي رحمه الله في بيان الكفر دون الكفر الأكبر بالله حين شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم {قتاله كفر} ((ومثل ذلك ما قد روي عن ابن عباس في تأويله قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} على ما تأوله فعن ابن طاوس عن أبيه قال قيل لابن عباس {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال هي كفره وليس كمن كفر بالله تعالى واليوم الآخر، و عن طاوس قال ((قلت لابن عباس: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر قال: هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر)) ([108]).
وقال أبو جعفر النحاس رحمه الله: ((هم اليهود إن حكم غيرهم كحكمهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله جاحدا له كما غير اليهود فهو كافر ظالم فاسق)) ([109]).
وقال الثعالبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ” وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنها في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان وهذا تأويل حسن “([110]).
وقال ابن عبد البر رحمه الله ” وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون نزلت في أهل الكتاب قال حذيفة وابن عباس وهي عامة فينا قالوا ليس كفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء ” ([111]).
وقال في حديثه عن الخوارج ” وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ونحو هذا وروي عن ابن عباس في قول الله عز وجل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر “([112]).
وقال الغزالي رحمه الله: قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة قلنا المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له ([113]).
وقال ابن العربي رحمه الله: المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} اختلف فيه المفسرون ; فمنهم من قال: الكافرون والظالمون والفاسقون كله لليهود، ومنهم من قال: الكافرون للمشركين، والظالمون لليهود، والفاسقون للنصارى، وبه أقول ; لأنه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة، قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر، وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ; فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنّة في الغفران للمذنبين،([114]).
وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله: قال أبو بكر قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة([115]).
وقال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: “ قال عكرمة: قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله} إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم ” ([116]).
قال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون} نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلىهذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة وقيل فيهإضمار أي ومنلم يحكم بماأنزل اللهردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد فالآية عامة على هذا، قال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساقالمسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ([117]).
وقال النسفي رحمه الله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} مستهينا به {فأولئك هم الكافرون} قال ابن عباس رضى الله عنهما من لم يحكم جاحدا فهو كافر و إن لم يكن جاحدا فهو فاسق ظالم وقال ابن مسعود رضى الله عنه هو عام في اليهود وغيرهم، إلى أن قال: يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاث فيكون كافرا ظالما فاسقا لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر وقيل {ومن لم يحكم بما أنزل الله}فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله([118]).
وقال البغوي رحمه الله: ” وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات فقال إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات وقال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا “([119]).
وقال البيضاوي رحمه الله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله}مستهيناً به منكراً له {فأولئك هم الكافرون} لاستهانتهم به، وتمردهم بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم بقولـه {الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون}، فكفرهم لإنكاره، وظلمهم بالحكم على خلاقه، وفسقهم بالخروج عنه [تفسير البيضاوي سورة المائدة – الآية 43: 50]، وقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} عن حكمه أو عن الإيمان إن كان مستهينا به. ([120]).
وقال أبو السعود رحمه الله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله}كائنا من كان دون المخاطبين خاصة فانهم مندرجون فيه اندراجا أوليا أي من لم يحكم بذلك مستهينا به منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى اقتضاء بينا {فأولئك} إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها {هم الكافرون}لاستهانتهم به ([121]).
وقال ابن كثير رحمه الله: (({ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً، وقال هاهنا {فأولئك هم الظالمون} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا وتعدوا) ([122]).
وقال الشاطبي رحمه الله: ((ومثله قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} مع أنها نزلت في اليهود والسياق يدل على ذلك، ثم إن العلماء عمُّوا بها غير الكفار، وقالوا: كُفرٌ دون كفر)) ([123]).
وقال أبو حيان رحمه الله: وقوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ظاهر هذا العموم، فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم، وإن كان الظاهر أنه في سياق خطاب اليهود، وإلى أنها عامة في اليهود غيرهم ذهب ابن مسعود، وابراهيم، وعطاء، وجماعة ولكنْ كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق يعني: إنّ كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة قاله: ابن عباس وطاووس.. واحتجت الخوارج بهذه الآية على أنّ كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا: هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافراً _ ثم ذكر أقوال المفسرين في تأويل الآية ثم اختار قول عكرمة فقال _ وقال عكرمة: إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاد، فهو حاكم بما أنزل الله، لكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، ([124]).
وقال ابن حجر رحمه الله: واقتصر المصنف على تلاوة الآيتين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.. الفاسقون، الآيتان} لإمكان تناولهما المسلمين بخلاف الأولى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فإنها في حق من استحل الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى وأما الآخرتان فهما لأعم من ذلك([125]).
وقال صاحب كتاب (تذكرة الأريب في تفسير الغريب) رحمه الله: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا فهو كافر فإن مال إلى الهوى من غير جحد فهو ظالم وفاسد) ([126])
[المفتاح الخامس]: التحذير ممن ترك المناط الذي اجتمعت عليه أقوال علماء أهل السنّة وهو (مناط الجحد والإقرار) للتفريق بين الكفر الأكبر والكفر دون كفر، وابتكر مناطات جديدة غير منضبطة: بعض المعاصرين لم يرض بضابط أهل السنّة والجماعة في المسألة وهو ضابط الجحد والإقرار، وأراد أن يحتاط للشريعة بأكثر مما احتاطت هي لنفسها، فترك مناط (الاعتقاد): والمتمثل في التفريق بين الجحد والاقرار، وجعل المناط هو التفريق بين من جعل الأصل هو النظر إلى أحكام الشرع يرجع إليها ولكنه يجوز في قضية معينة شهوة أو معصية فهذا لا يكفر إلا باستحلال، أما من جعل الأصل في النظر هو القوانين الوضعية يحكم بها فهذا كفر أكبر بنفسه دون النظر إلى حالة كونه مقر بالشرع معتقد له أم لا، وقد يبدو هذا التفريق لأول وهلة وجيهاً، ولكن مع تدبره تجد أن به أخطاء ليست باليسيرة، أهمها:
أنه تغيير للمناط الذي اتفق عليه أهل السنّة والجماعة من جعل الجحد والإقرار هو الأصل المنضبط الذي ترد إليه الأحكام، وأنه اعتبار لأصل جديد يرد إليه أمر التفريق بين نوعي الكفر في الآية دون الأصل العام الذي اعتبرته الشريعة وهو الإقرار بالإسلام على الجملة واعتقاد كافة شرائعه وعقائده على وجه الإجمال، أن هذا الأصل الجديد فيه تحكم ليس عليه دليل من الشرع بالإضافة إلى أن علته لا تنضبط بضابط محدد، فما هو عدد الأقضيات التي يكفر بها صاحبها الكفر الأكبر، وما هو حد الكفر الاكبر لمن جعل أحكام الشرع هي المرجع ثم لم يحكم بحكم واحد منها فهل آنذاك نعود إلى إقراره بالأصل أم نجعل له ضابط آخر أم نعود إلى الأصل الذي اعتبرته الشريعة من جعل الإقرار المجمل والجحد هو ميزان الحكم بالتفريق بين الكفرين الأكبر والأصغر، إن ديننا دين الاتباع وهو مبني على الاتباع وليس فيه ابتكار ولا اختراع بل هذا من المحدثات التي نهانا عنها شرعنا الحنيف فكيف يجوز لنا إحداث مناطات جديدة لأحكام تواترت أقوال الصاحبة والتابعين على تحديد ضابطها الأصلي، وعلى العموم فبيان هذه الأخطاء سيأتي تباعاً مع معرفتنا بالشبهة الأساسية التي دخلت على هؤلاء فظنوها أصلاً يفرقون به بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة، مع أن هذا أخطر الأمور وأهم مسائل الأسماء والأحكام الواجب التأني في حقها والتزام هدى السلف الصالح في بيانها وتفصيل أحكامها لا التهور والاندفاع وبناء أحكام تحكم على بعض المسلمين بالكفر وتخرجهم من الملة باجتهادات جديدة مسبوقة باتفاق السلف على تحديد مناط مغاير لما ذهب إليه هؤلاء.
والمدخل الأول لبيان خطأ هذا القول: أن الأصل الذي نحكم به بالإسلام والكفر هو الإقرار بالشهادتين واعتقاد ما يدخل في إطار معناهما ولوازمهما من أقوال وأعمال واعتقادات، ومعنى ذلك أن الأصل هو الإقرار المجمل بدين الإسلام وكافة عقائده وشرائعه وأحكامه مع اعتقاد جميع ذلك على وجه الإجمال، فمن جحد شيئاً ولو يسيراً من المعلوم من الدين بالضرورة فإن جحده كفر وهو يكفر الكفر الأكبر بعد استيفاء شروطه وانتفاء موانعه، فمن جحد حرفاً من القرآن أو فريضة من الفرائض أو حكماً من أحكام الشرع فكأنما جحد الشريعة كلها فمتى قامت عليه الحجة الشرعية المعتبرة كفر بها الكفر الأكبر، ومن أقر إجمالاً بالإسلام وتفصيلاً بما يتطلب ذلك مع اعتقاده فلا يكفر الكفر الأكبر وإن خالفت أعماله هذا الإقرار لشهوة أو معصية أو غيره من المعاصي والكبائر، وهذا الأصل العام هو ما جعله ابن عباس رضي الله عنهما ضابط الحكم وعلى تفصيله سارت جماعة – أهل السنّة والجماعة – فمن أقر بشرع الله تعالى وحكمه واعتقده فهو مسلم عنده أصل الإيمان وله اسمه وحكمه ولا يكفر الكفر الأكبر حتى ينقض هذا الأصل بنواقضه التي ذكرناها عند الحديث على فقه مسائل الكفر، وتمهيد الرسالة على طوله وغالب هذا الباب إنما هو لتأصيل هذه القاعدة الرصينة التي أرساها علماء أهل السنّة والجماعة المقتدى بهم في الدين، وبتطبيق هذا الأصل الرصين على مسائل ترك الحكم بما أنزل الله نعلم أنه الضابط الرصين المنضبط الذي لا نحتاج بعده لا إلى أصل آخر ولا إلى فرع، وإنما يكون تجاوزه والبحث عن ضابط آخر هو من باب الافتئات على الشرع، فمن جحد الحكم فهو كافر {أي الأكبر} ومن أقر فهو ظالم فاسق كفره دون الكفر الأكبر، أما الأصل الذي أتى به هؤلاء فليس له دليل لا من الكتاب ولا من السنّة ولا من قول صحابي ولا تابعي ولا حتى عالم من علماء الأمة المقتدى بهم في الدين، قصاراه فهمهم الخاطئ لكلام ابن القيم و ابن أبي العز و أحمد شاكر، وسيأتي بيان المعنى الصحيح الذي قصده هؤلاء الأئمة العلماء والفهم الخاطئ الذي فهمه أصحاب هذا المناط الجديد من كلامهم، والذي ينبغي الإشارة إليه أنه لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يتلاعب بمناطات الشريعة المنضبطة إلا بدليل من كتاب أو سنة أو هدى لأعلام الصحابة تلقته علماء الأمة بالإقرار والقبول، والآية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} عامة، والحكم يتناول قول القلب وعمله (اعتقاد الحكم) وقول اللسان(الإقرار بالحكم) وعمل الجوارح (القيام بالحكم)ولله در ابن حزم حيث يقول: (كل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء) ([127]).
ومن تتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بالحكم يجد فيها تعلق الحكم بالاعتقاد مثلما تعلقه بالعمل ومثاله قوله تعالى: {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصافات: 153 – 154] يقول الطبري رحمه الله: وقوله: (مالكم كيف تحكمون} يقول بئس الحكم تحكمون أيها القوم أن يكون لله البنات ولكم البنون وأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون له مالا ترضونه لأنفسكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل([128]).
ويقول القرطبي رحمه الله: “ألا ساء ما يحكمون أي في إضافة البنات إلى خالقهم وإضافة البنين إليهم ” ([129]). ويقول ابن كثير رحمه الله: ” ثم قال تعالى منكرا عليهم أصطفى البنات على البنين أي أي شيء يحمله أن يختار البنات دون البنين “.. ولهذا قال (تبارك وتعالى مالكم كيف تحكمون أيمالكم عقول تتدبرون بها ما تقولون([130]).
ويقول البغوي رحمه الله: ” ألا ساء ما يحكمون بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم البنين ” ([131]).
وقوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136] يقول الواحدي رحمه الله: قوله ” فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ” ثم ذم فعلهم فقال ساء ما يحكمون أي ساء الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوه لله على جهة التبرز إلى الأوثان([132]).
، وقوله تعالى {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}، [يونس: 35] يقول الواحدي رحمه الله: {كيف تحكمون} “يعني كيف تقضون حين زعمتم أن مع الله شريكا”([133]).
ويقول النسفي رحمه الله: ” {فما لكم كيف تحكمون} بالباطل حيث تزعمون أنهم انداد الله ([134]).
ويقول البغوي رحمه الله: {ما لكم كيف تحكمون} كيف تقضون حين زعمتم أن لله شريكا ([135]).
وقوله تعالى {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] يقول الطبري رحمه الله: ((وقوله)) {ساء ما يحكمون} يقول تعالى ذكره بئس الحكم الذي حسبوا أنا نجعل الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم([136]).
وقوله تعالى {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 – 36] يقول الطبري رحمه الله: ذلك وقوله: {مالكم كيف تحكمون} أتجعلون المطيع لله من عبيده والعاصي له منهم في كرامته سواء يقول جل ثناؤه لا تسووا بينهما فإنهما لا يستويان عند الله بل المطيع له الكرامة الدائمة والعاصي له الهوان الباقي ([137]).
ويقول البيضاوي رحمه الله في تفسيرها {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} إنكار لقول الكفرة فإنهم كانوا يقولون إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا بل نكون أحسن حالا منهمكما نحن عليه في الدنيا {ما لكم كيف تحكمون} التفات فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي ([138]).
وقوله تعالى {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 4] يقول أبو السعود رحمه الله: أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا أي يفوتونا فلا نقدر على مجازاتهم.. {ساء ما يحكمون} أي بئس الذي يحكمونه حكمهم ذلك أو بئس حكما يحكمونه حكمهم ذلك ([139]).
فهذه الآيات جميعها عند تدبرها نجد أنها تتناول قضايا اعتقادية وتعبر عنها بلفظ الحكم، وبذلك يكون ترك الحكم في قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (له تعلقان تعلق اعتقادي يوجب الكفر الأكبر المخرج من الملة، وتعلق عملي محض يوجب الكفر في إطار الملة، فمن ترك الحكم بجانبيه العملي والاعتقادي استحق الحكم الكلي للآية) {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ومن تركه وهو معتقد له أي مصدق به منقاد له مقر به فهذا كفره في إطار الملة وهذا ما تواترت عليه أقوال الأئمة وعلى رأسهم عبد الله بن عباس حبر الأمة وفقيهها، والسنّة دلتنا على أن هناك كفر أكبر وكفر دون كفر، وقد ذكرنا أحاديث عديدة تؤكد هذه القاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر فقهها حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما، وعامة الصحابة ومنهم ابن عباس وعامة التابعين وعامة علماء أهل السنّة على اعتبار الضابط الذي ذكرناه.
وقد نقلت أقوال ما يزيد على خمسين من العلماء الأئمة كلهم يقر بهذا الضابط (ضابط الجحد والإقرار فمن جحد فهو كافر ومن أقر فهو ظالم فاسق وكفره في إطار الملة) وبعضهم نقل الإجماع على ذلك كابن عبد البر في التمهيد وقد نقلناه عنه، فبالضابط الذي ذكرناه تتفق أدلة الكتاب والسنّة وأقوال السلف والعلماء الأئمة فما الداعي إلى إحداث ضابط جديد، مع أن ضابط علماء أهل السنّة هو في نفسه واضح منضبط والجحد لا يتجزأ فمن جحد بآية فقد جحد بالقرآن كله ومن جحد حكماً من الشرع فقد جحد الشرع كله، أما أصلهم الذي يقولون به لا ينضبط ولا يتصور تصوراً واحداً عند أفهام الناس فما المقصود باعتبار أحكام الشرع هل هو الاعتقاد بها وبهذا نرجع إلى أصلنا الذي ذكرناه عن السلف، أم هو مجرد الإقرار بأن الشرع هو مصدر القانون ثم بعد ذلك لا تؤثر المخالفة لأن الأصل موجود، وهذا داخل في الأصل الأول لأن ضابط (الجحد والإقرار) الذي قال به علماء أهل السنّة يدخل فيه الإقرار المجمل بأحكام الشرع والإقرار المفصل متى تطلب ذلك، وبهذا فلا حاجة للأصل الجديد، أم هو مجرد النظر في كتب الشريعة وليس كتب القانون ثم الحكم بعد ذلك بما يشاء إذ لا يؤثر على الأصل وهذا مناط جديد لا نعلم أحداً من علماء الأمة قال به ومآل قول هؤلاء هو هذا المناط ومجرد النظر لا يفيد شيئاً في إطار الجحد والإقرار، فمن أقر فقد أغناه إقراره عن مجرد النظر في كتب الشرع وإن جحد فقد أخرجه جحده من الملة بالكلية، أم هو ضرورة الحكم بأحكام الشرع بعمل الجارحة في كافة الأحكام ولا تضر في ذلك قضية أو قضيتان خالف فيهما بسبب المعصية والهوى والشهوة، قلنا فما الضابط للعدد وما حده ومن أين استنبطوه ومن من العلماء قال به، ومعلوم أن مناط الكفر لا يكون بالأعداد أبداً وإلا لكفرنا الزاني لإدمانه على الزنا أو شارب الخمر لإدمانه على شرب الخمر، ومعلوم أن هذا مذهب الخوارج، وعلى ذلك فالأصل الذي أصلوه لا ينضبط أولاً وفيه إحداث لحكم جديد مخالف لحكم السلف والعلماء الأئمة ثانياً، وكلاهما لا يجوز في الشرع وهو افتئات عليه بما لا ينبغي.
(تنبيه هام): أصحاب هذا القول دخل عليهم داخلة من عدم تصور الأصل العام الذي قال به السلف وهو الاعتقاد المجمل لدين الإسلام والمفصل لما يتطلب ذلك في حينه، وظنوا أن الحكم إنما يتناول الفصل بين الخصومات أو حدود الشرع ولم يتصوروا أن الحكم أعم من ذلك وأوسع بالتالي فضابطه أعم وأوسع من مجرد النظر في أحكامه ثم لا تضر مخالفته بعد ذلك بهوى أو معصية، والقرآن الكريم دلنا على أن الحكم أوسع من مجرد النظر في الحدود والخصومات بل هو يتناول الاعتقاد وأمور العقيدة كما أسلفنا، ومن ذلك قوله تعالى: {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصافات: 153 – 154] فهل الآية تتناول فصل خصومة بين الناس أو تطبيق حد على بعضهم ليس كذلك وإنما هي تتناول اعتقاد المشركين أن الملائكة بنات الله فردت الآية على مستوى فهمهم للحجة لأنها إنما تناقشهم فكيف تحكمون، أنتم إذا بشر أحدكم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، ثم تنسبون إلى الله أنه يتخذ بناتاً أيصطفي البنات لنفسه ويرزقكم أنتم بالبنين أيصح هذا في ميزان العقل والفهم، الشاهد من الآية أن القرآن الكريم عبر عن هذه العقيدة الفاسدة بلفظ {فما لكم كيف تحكمون} فهو حكم وإن كان في أمور العقيدة، وآية ثانية وهي قوله تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 – 36] فالمشركون ينكرون البعث والنشور وهذه عقيدة كافرة وجحد للإيمان باليوم الآخر، والشاهد من الآية أن القرآن الكريم عبر عن هذا الجحود باليوم الآخر والبعث والنشور بلفظ {كيف تحكمون}.
فالحكم أوسع من أن نحصره في مجرد فصل خصومات أو إنفاذ حدود ولما كان عاماً فالأصل الضابط له لا بد وأن يكون عاماً عظيماً يحوي كافة جوانبه ومعانيه، فكان الأصح والأولى هو اعتبار الأصل العام الذي اعتبره علماء أهل السنّة والجماعة أصلاً لا يرضون له بديلاً وهو ضابط الجحد والإقرار فمن جحد كفر الكفر الأكبر ومن أقر فكفره في إطار الملة، وهو في الحالتين كافر لعموم الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ولكن الجاحد لم يأت بأي شيء يدل على أنه حكم بما أنزل الله لانتفاء حكم القلب وإقراره بالحكم، والمقر المعتقد قد أدى بعض الحكم فليس تاركاً بالكلية للحكم فكان كفره في إطار الملة لا يخرج منها إلا بجحد أو استحلال {جحد الحكم بما أنزل الله أو استحلال الحكم بغيره}.
(تنبيه آخر): القصد منه فهم جوانب الجحد وبالتالي نحيط بمذهب السلف من كافة جوانبه، الجحد يتناول قول القلب وعمله: فالجحد المتعلق بقول القلب (التصديق) هو التكذيب وهذا نادر لأن قلوب العباد فطرت على معرفة الله والتصديق بوجوده، والجحد المتعلق بعمل القلب (الانقياد) هو الإباء والاستكبار والعلو والعناد وهذا غالب كفر العباد ومنه جحد إبليس وكفره وجحد اليهود وكفرهم وجحد فرعون وأتباعه وكفرهم، وعلى ذلك فجحد حكم الله له صور عديدة منها: تفضيل حكم غير الله على حكم الله، أو الاستهزاء بحكم الله كحال من وصف أحكام قطع اليد بالوحشية، أو التنقص من حكم الله، أو مساواة حكم الله تعالى بحكم غيره وهذا جحد لأفضلية حكم الله واعتقاد وجوب إفراده بالحكم والتشريع، أو إظهار النية والعزم على عدم تطبيق شرع الله وحكمه إن عاجلاً أو آجلاً لما فيه من الدلالة على عناد القلب واستكباره.
وبذا نعلم أن ضابط السلف وهو ضابط أهل السنّة جميعاً (من الجحد والإقرار) هو الفقه والعلم وفيه الصيانة للشرع وأحكامه وفيه الغنية عن اجتهادات هؤلاء، وهذا الضابط لو تدبر فيه الجميع لعلموا أنه جامع شامل يدخل فيه كافة صور الكفر المطلقة من الانتساب إلى الرايات الاعتقادية والفكرية المخالفة جملة وتفصيلاً لحكم الإسلام وشرعه كالعلمانية وذلك لأن إعلان اعتقاد ما تدعو إليه صورة من صور الجحد الذي جعله السلف والأئمة مناط الكفر في الآية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].
والمدخل الثاني لبيان خطأ هذا القول: فهو سؤالنا لهم ما الضابط لهذا المناط الذي جعلتموه أصلاً للحد الفاصل بين الكفر الأكبر المخرج من الملة والكفر في إطار الملة، وأنتم تقولون إذا حكم في قضية معينة لهوى أو معصية لا يكفر وإذا جعله أصلاً يكفر، فهب أن رجلاً يرجع إلى الشرع في قضاياه ثم جار في واحدة اثنتين ثلاث ثم آل الأمر به إلى ترك الحكم بما أنزل الله في كافة القضايا مع أنه يجعل الأصل الرجوع إلى أحكام الشرع، فهل يكفر عند الجور في الثانية أو عند الجور في بعضها أو عند الجور في جميعها، فإن قلتم في الثانية لم تجدوا دليلاً على ذلك البتة وكذلك إن قلتم في بعضها دون بعض لأن الشرع لم يجعل العدد ضابطاً للكفر وعدمه وإن قلتم في جميعها قلنا لكم ناقضتم أصلكم الذي أصلتموه لأن الرجل يرجع إلى أحكام الشرع وهذا هو مناط الكفر الأكبر عندكم، وإن قلتم لا يكفر رجعتم حتماً إلى الاعتقاد والجحد وهو ضابط أهل السنة، وإلا فما ضابط الرجوع إلى الشرع وهو لا يحكم بشيء منه، إن كان مجرد النظر في كتب الفقه فهذا لا يصلح ضابطاً ولا يقول به أحد من العقلاء فضلاً عن العلماء إذ لا يستطيع الجاحد أن يقول الشريعة مصدر القانون ويضع كتب الفقه على الرفوف ولا يحكم بشيء منها، ويقول أنه الأصل الذي أقررتموه، مع ما يبدو عليه من علامات الجحد والاستكبار، لذا كان اعتبار ضابط أهل السنّة هو الأصل العام لكافة أحكام الشريعة هو الصواب وهو النجاة من التعارض والاختلاف.
والمدخل الثالث لبيان خطأ هذا القول: فهو أن ضابطهم هذا فيه قصور، بمعنى أنه إذا جاء من يقول لهم أنا أجعل الأصل في قانون الأحوال الشخصية هو الشرع لقالوا له حتماً لا يصح ذلك لأن الأصل عام يتناول أحكام المعاملات والحدود والعقوبات والفصل بين المنازعات، نقول لهم آنذاك بل الأصل أعم من ذلك، فإنكم أبيتم على من احتج لكم بالأصل في قانون الاحوال الشخصية إلا بالأصل الأعم ونحن كذلك نحتج عليكم بما هو أعم وأشمل فالحكم يتناول الأمور الاعتقادية والتشريعية والسلوكية والحكم بما أنزل الله يشمل ذلك كله وقد ذكرنا عند قوله تعالى {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون} وقوله تعالى {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 – 36] وقول تعالى {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس: 35] وقوله تعالى {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136] أن الحكم هنا يتناول جوانب اعتقادية وقد سماه الله حكماً وبالتالي فالضابط الأعم والأشمل هو ضابط الصحابة والتابعين والعلماء كافة وهو ضابط الإقرار والجحد كما بيناه بضوابطه الحكيمة التي قال علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة الأعلام.
والمدخل الرابع لبيان خطأ هذا القول: فهو أن ديننا مبني على الاتباع للكتاب والسنّة والاقتداء بهدى السلف الصالح وجميع ذلك بين لنا الضابط العام الصحيح الذي لا ينخرم في شيء من جوانبه، وقولكم محدث اجتهدتم في إحداثه احتياطاً للشريعة والشريعة لا تحتاج لمفتئت عليها بل تحتاج لفقهاء يفهمون ضوابطها الصحيحة ويعملون بها، لو تركت الشريعة لمن شاء أن يحتاط لها لكان مذهب الخوارج والعياذ بالله أفضل المذاهب لأنهم يكفرون بمجرد المخالفة والمعصية والذنب.
وكأمثلة لبعض المعاصرين الذين يقولون بهذا القول: (1) الدكتور عبد الله أحمد القادري: قال وهو يتحدث عن مناط الكفر دون كفر في الآية: (النوع الرابع: أن يحكم بغير ما أنزل الله في جزئية من الجزئيات وهو يعتقد أنه عاص وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم وأن الواجب هو الحكم بما أنزل الله ولكنه غلبه هواه لمال أو جاه أو قرابة ففعل ما فعل، فيجب حمل {كفر دون كفر} على النوع الرابع وهذا هو اللائق بعلماء السلف الذين يكفرون من أنكر وجوب الطهارة) ([140]). ومن الأخطاء الواضحة في النص جعل المناط هو المخالفة في جزئية من الجزئيات وهذه لا تنضبط إذ ما الفارق بين معصية واحدة ومعصيتين إذا اعتبرت الأولى معصية فالثانية والثالثة معصية ما لم تنال الاعتقاد، وكذلك قوله ((هذا هو اللائق بالسلف الذين يكفرون من أنكر وجوب الطهارة)) فالمعلوم أن الإنكار من الجحد والجحد لا يتجزأ فجحد حكم من الشريعة كمن جحد الشريعة كلها، وعلى ذلك فجحد وجوب الطهارة جحد لكافة عقائد وشرائع الإسلام لأنه تكذيب للشارع في إيجابه للطهارة، أما قوله فهذا هو اللائق بالسلف، فالسلف يليق بهم كل فضل ولكن اللائق بنا نحن أن نفهم كلام السلف وأن نفقه ضوابطهم في أسماء الملة وأحكامها على وجه العموم، والسلف لم يجعلوا الجزئية والجزئيات ضابطا لأن الأعداد لا تنضبط وإلا لكفرنا مدمن الخمر لأن جزئيات شربه للخمر كثيرة وعامة، ولكن السلف جعلوا الضابط هو الإقرار والجحد وهو الضابط المحكم الصالح لكافة شرائع الإسلام اللهم إلا الأعمال التي لا تكون إلا مع انتفاء عمل القلب وقد أكثرنا في بيانها من قبل.
(2) الأستاذ عبد الله بن محمد القرني: قال في بيان الضابط للكفر الأكبر والأصغر: ” وأما الكفر الأصغر فبنحو الحكم بغير الشريعة في قضية معينه لأجل الشهوة وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} أهـ ([141]).
(قلت): أما قوله قضية معينة وقضايا متعددة فسبق ووضحنا أن هذا الضابط في نفسه لا ينضبط، وأما قوله (وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما) فليس هذا قول حبر الأمة ولا هو مراده ومع تتبعي لغالب التفاسير المطبوعة وأقوال عبد الله بن عباس فيها لم أجد موضعاً واحداً ذكر فيه ابن عباس رضي الله عنهما التفريق بين قضية وعدة قضايا، فمن المجازفة العلمية أن ننسب هذا الفهم إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، بل الصحيح عن حبر الأمة أنه جعل المناط هو الجحد والإقرار فمن جحد فقد كفر الكفر الأكبر ومن أقر فليس الكفر الذي يذهبون إليه وإنما هو كفر دون كفر وهو في إطار الظلم والفسق، هذا تصريح ابن عباس بنفسه فمن الخطأ أن ننسب إليه قولاً لم يقله ولم يشر إليه البتة.
(3) قول الدكتور صلاح الصاوي: قال – وهو يأتي بمناط جديد -: (يمكن تفصيل القول في قضية الحكم بغير ما أنزل الله، ذلك أن تعبير الحكم بغير ما أنزل الله قد يقصد به عمل القضاة والمنفذين وقد يقصد به عمل الأصوليين الشرعيين … إن قصد به عمل القضاة والمنفذين نظر: فإن كان مرده إلى تكذيب الحكم الشرعي أورده فهو كفر أكبر يخرج من الملة وإن كان مرده إلى عارض من هوى أو شهوة أو نحوه مع بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنّة أو ما حمل عليهما بطريق الاجتهاد فهو من جنس الذنوب والمعاصي، وإن قصد به المعنى الأصولي التشريعي فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطاً واحداً وتكييفاً واحداً هو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا يبقى معه من الإيمان حبة خردل كما قال تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ،} [الشورى: 21] والذي يخلص إليه من ذلك كله أن قول بعض السلف {كفر دون كفر} في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية([142]).
(قلت): إذا رجعنا إلى المنقول عنه نجده يأتي بقول جديد فهو يجعل مناط الحكم والتفريق بين حال الحاكمين هو النظر إلى اختصاصه فإن كان من القضاة والمنفذين فهذا عليه مناط حبر الأمة ابن عباس بالكفر الأكبر والأصغر وفق الجحد والإقرار، ولكنه لا ينسى أن يضع له ضابطاً إضافياً هو بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنّة وهذا الضابط لا فائدة منه لأنه موجود عند كل مسلم يقر بالإسلام إجمالاً وبكافة عقائده وشرائعه، ولكنه لم يقصد منه ذلك إنما قصده للتفريق بين من يحكم بالقوانين الوضعية وبين من قال بأن الأصل الشرع حتى وإن حكم بالقوانين الوضعية بعد ذلك.
وهذا الضابط كما ذكرنا زائد عن ضوابط أهل السنّة ولا قيمة له، لأن مناط الحكم هو الإقرار والجحد فمن أقر بالشريعة كان إقراره بمثابة جعل الشريعة هي الأصل ومن جحدها كان جحوده بمثابة جعل القوانين الوضعية هي الأصل، أما ما يقوله هو فلا ضابط له بل ولا معنى له إلا الإقرار والجحد وإلا فما هو مناط ضابط جعل الشريعة هي الأصل أو القوانين الوضعية هل الأصل إلا الإقرار بإحداهما والجحود بالأخرى، الشاهد وإن كان هذا الحاكم من المشرعين للقوانين فليس لهذه الصورة عنده إلا الكفر الأكبر البواح وهذا أيضاً خلط لمناطات الحكم بمعنى أنه ما الفرق بين الزاني الذي يزني بموجب الشهوة والمعصية وبين الديوث الذي يرتب للفاحشة وينظم لها ويضع لها ما يشبه الأطر والضوابط التي يصنعها الأصولي التشريعي الذي تحدث عنه الدكتور صلاح الصاوي، فهل يسوغ لنا ذلك أن نتهم الثاني بالكفر لأن معصيته لم تكن عن شهوة عارضة وإنما لكونه خطط لها ورتب لها، وهل يسوغ لنا ذلك أن نكفر السارق الذي يضع الخطط قبل معصيته بأيام وشهور لأنها لم تكن ناشئة عن تنفيذ محض وإنما تخطيط وترتيب وتشريع، وقد يعترض هو على وصفنا له بكلمة تشريع، والحق أنه عند التدبر لا يفرق بين هذه وتلك شيء فالمشرع إن كان يشرع بجحد لشرع الله – بأي وجه من أوجه الجحد المتناولة لعمل القلب وقوله – فهذا كفر أكبر وإن كان يشرع على وجه المعصية المجردة فمثله مثل السارق الذي يخطط لمعصيته والديوث الذي يخطط للفاحشة وجميع ذلك في إطار الفواحش والمعاصي ما كان بعيداً عن اعتقاد القلب وجحوده.
وبذلك نكون رجعنا اضطرارا إلى الضابط الأساسي العام الذي صرح به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وسارت عليه الفرقة الناجية من بعده أهل السنّة والجماعة، وبهذا نعلم خطأه في قوله (فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطاً واحداً وتكييفاً واحداً هو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا تبقى معه من الإيمان حبة خردل) وكلامه صواب متى ما كان التشريع ناشئاً من جحد لشرع الله – على المعنى الواسع للجحد كما ذكرناه، وبالتالي فلا حاجة له إلى تشقيق القول بمناط جديد هو في حققته المناط الأصلي وأما إن كان يقصد مجرد العمل الخالي عن الاعتقاد فهذا قد علمنا باتفاق الأئمة والعلماء أنه مخالف لأصول أهل السنّة وقواعدهم الغراء، ثم ذهب يستدل لمذهبه الذي كما يقول – لا جدال فيه – بقوله تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} وقد ذكرت تفسيرها الصحيح في المطلب السابق فراجعه هناك بالضرورة فإنه يمنع الغلو في المسألة، وقوله: (والذي نخلص إليه من ذلك أن قول بعض السلف {كفر دون كفر} في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية) أهــ به أخطاء، (الأول): قوله (بعض السلف) وكأنه يشير إلى الخلاف في المسألة وأن بعضاً فقط هو الذي قال بكفر دون كفر، (قلت) قاعدة كفر دون كفر قاعدة رصينة دلت عليها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأجمع عليها أهل السنّة والجماعة في مقابل فرق الخوارج والمعتزلة، وهم متفقون على حمل آية المائدة عليها وذكر ابن عبد البر إجماع العلماء عليها، فكيف يتسنى لأحد أن يقول بعض بصيغة توحي بالتمريض لمجرد أنه لا يرضى بما رضي به أهل العلم، و (الثاني): قوله (لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية) أقول فما علة ما يقول وما سببه وما المسوغ لهذا الرأي وعندنا ضابط الأئمة الرصين (الجحد والإقرار) فلماذا إحداث مناطات جديدة والمناط الصحيح يستوفي المطلوب وعليه إجماع الأئمة، فمن جحد الشرع بأي معاني الجحد التي أشرنا إليها فقد كفر ومن حافظ على أصل إقراره واعتقاده ولم يأت بجحد فهو مسلم، ثم أود أن أنبه إلى أن ديننا دين اتباع واقتداء فما الداعي إلى إحداث أقوال جديدة واعتبار مناطات حديثة تخالف هدى الشرع وضوابطه، كما ذكر صاحبنا من التفريق بين عمل القضاة والمنفذين وبين عمل الأصوليين التشريعين ونحن هنا وهناك وبالتالي اعتماده كمناط الحكم أولى من الاختراع والابتكار. (4) قول الأستاذ محمد شاكر الشريف: قال: ” فصل في بيان متى يكون الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً لا يخرجه من الملة؟ ثم جعل شروطاً ثلاثة لذلك هي: أن يكون ملزماً ومتقبلاً ظاهراً وباطناً لكل حكم أو تشريع جاء عن الله سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون مقراً ومعترفاً بأنه ترك الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى في القضية أو الواقعة المعينة التي يحكم فيها صار آثماً وأن حكمه خطأ وأن حكم الله هو الصواب، وأن يكون الحكم المخالف حكماً في وقائع الإيمان وليس في الأمور الكلية العامة وهذا الشرط الثالث مما غمض فهمه والتنبيه على كثير من المعاصرين([143]).
(قلت): حاصل كلامه هو أنه جعل هذه المناطات المتعلقة بمسألة الكفر دون كفر، المناط الأول: الانقياد ظاهراً باللسان وباطناً بالاعتقاد للحكم وهذا لا غبار فيه لأنه مناط السلف، المناط الثاني: الإقرار بالتقصير والإثم لمعصية ترك الحكم بما أنزل الله وهذا لازم للمناط الأول لا ينفك عنه فلا غبار عليه، المناط الثالث: أن تكون المخالفة في قضية أو واقعة معينة وليس في أمر كلي عام، فهذا الشرط الثالث قد غمض فهمه والتنبيه عليه ليس كما يقول على كثير من المعاصرين، بل وعلى جميع السلف الكرام حتى لم يجعلوه مناطاً إضافياً يلازم مناط الجحد والإقرار واكتشفه هو بعد هذه القرون الطويلة في الإسلام، ولعل قائلاً لم يحدث على مر عصور الإسلام أن تنحت الشريعة في كافة جوانبها كما هو في زماننا المعاصر ولهذا وجب وضع المناط المناسب لهذا الزمان وهذه الحالة الشاذة التي لم تعهد لها الأمة مثيلاً من قبل.
ورغم وجاهة هذا القول إلا أنه عند التحقيق ليس وجيهاً وذلك لأن إجماع العلماء على أن ترك الحكم بما أنزل الله مع الإقرار والاعتقاد هو كفر دون كفر وإجماعهم على أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بشرع الله فهي كبيرة من الكبائر وقد حكى ذلك الإجماع إمام المغرب وحافظها ابن عبد البر، وبالتالي فالمعصية لا تنضبط بعدد ولا بقدر وإلا كان الإصرار على الكبيرة كفر، وكان هذا مدخلاً لتكفير العصاة وأصحاب الكبائر، وبالتالي فمناط الكفر ليس عدد المعاصي ولا عدد الوقائع وإنما المناط هو كفر القلب وكفر القلب يكون بالجحد والجحد له صور عديدة منها الإقرار بتفضيل أحكام الجاهلية على حكم الله تعالى أو التنقص من شرع الله أو الاستهزاء به أو اعتقاد عدم أحقيته أو عدم صلاحيته أو مساواته بغيره فهذه كلها دلائل الجحد وهو مناط السلف للتفريق بين الكفر الأكبر والكفر دون كفر، لا اجتهادات المعاصرين كل يدلو بدلوه في مسألة فيها السلف قديماً ووضعوا لها الضوابط التي لا تحتاج إلى افتئات أو تدخل، وبهذا أكون قد أشرت إلى بعض أقوال المعاصرين المخالفين في هذه المسألة بوضع مناطات جديدة والتفريق بين واقعة ووقائع وبين وقائع أعيان وأمور كلية يتساوى فيها جميعاً عمل القلب وهم يفرقون على أساس عمل الجارحة مع أن مناط الكفر الأكبر هو كفر القلب والذي يدل عليه الجحد بأحد صوره التى وضحها العلماء، ولعلني أثقلت في النقد على إخوان لي أرى أن الحماس والإخلاص قد دفعهم لوضع مناطات تحمس الشريعة، والدافع لهذا النقد هو بيان أن الشريعة لا تحتاج إلى مناطات جديدة لأن الله تعالى قد جعل فيها مقوماتها الذاتية لحمايتها وحمى جنابها، والمطلوب منا ليس الحماس والحمية الدافعة لإحداث مناطات جديدة ولكن المطلوب هو العلم والفقه الدافع لحفظ الشريعة على حالها الرباني وتطبيق أحكامها العقائدية والتشريعية على الناس كما أراد الشارع الحكيم والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
(تنبيه): صور الجحد متعددة أهمها: جحد أحقية حكم الله ورسوله، وتفضيل غير شرع الله على شرع الله، ومساواة شرع غير شرع الله بشرع الله، واستحلال الحكم بغير شرع الله، مع ملاحظة أن الجحد لا يتجزأ بمعنى أن من جحد شيئاً يسيراً من شرع الله كان بمثابة الجحد للشرع وأحكامه وهو في إطار الكفر المطلق حتى تجري عليه أحكام الشرع الخاصة بالتعيين، كما أنّ الانتساب العقائدي إلى المذاهب العلمانية والشيوعية وغيرها من دعاوى الإلحاد المعاصرة جحد لحكم الله وشرعه وكفر أكبر على سبيل الكفر المطلق الذي يحتاج عند التعيين إلى استيفاء شروط وانتفاء موانع، فالحذر الحذر من هذه المذاهب نسأل الله السلامة
***
المبحث الثالث تحقيق القول في كفر تارك الصلاة وبيان أن ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك القلب {جحد الصلاة} وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة
[المفتاح الأول]: في هذا المبحث – إن شاء الله – محاولة جادة لتأصيل مسألة كفر تارك الصلاة على ضوء الجمع بين نصوص الكتاب والسنّة وهدي السلف الصالح ومعتقد المحققين من أئمة أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والفقه ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنّ كل ما قيل في مسألة (ترك الحكم بما أنزل الله) من التفريق بين التارك الجاحد والتارك المقر، وجعل الأول من الكفر الأكبر المخرج من الملة، والثاني من الكفر العملي الذي هو دون الكفر الأكبر يصح حمله على تارك الصلاة، بل هو في مسألة (تارك الصلاة) أظهر وأولى، وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني والنووي في المجموع والشوكاني في نيل الأوطار ([144]).
وهذا ما دعا الشنقيطي رحمه الله إلى أن يجعل هذا القول أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث وأنه كما قال النووي القول المتعين الذي ينبغي القول به لأنه يجمع بين أصول الشرع وقواعده فقال رحمه الله {وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن، وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن، وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه: (ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث، وأما الجواب عمّا احتج به من كفره من حديث جابر وبُريدة ورواية ابن شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها انتهى محل الغرض منه) ([145]).
(قلت) وبعد هذه المقدمة لا مانع من تأصيل المسالة وبيان الراجح المتعين المصير إليه، وفي البداية ينبغي أنّ نذكر أنه قد أجمع أهل السنّة والجماعة على أن تارك الصلاة جحوداً لها وانكاراً لفرضيتها أنه كافر الكفر الأكبر المخرج من الملة والموجب للخلود الأبدي في النار، الاّ أن يكون جاهلاً لحكمها كأن يكون حديث عهد بإسلام أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة، أما ترك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها فهي مسألة اختلف فيها علماء أهل السنّة والجماعة على قولين: القول الأول: أنه كفر أكبر موجب للخلود الأبدي في النار، وأن تارك الصلاة تكاسلاً يُـقتل لكفره كالمرتد فلا يُـغّسل ولا يكفن ولا يُصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين ولا يرثه أحد ولا يرث هو أحداً، وقد أشار ابن قدامة في كتابه المغني إلى أنه أحد الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل اختارها أبو اسحق بن شاقلا وابن حامد ([146]).
القول الثاني: أنه كفر في إطار الملة فلا تتعلق به أحكام الردّة الدنيوية والأخروية، وهذا القول هو القول الراجح الذي قال به جماهير السلف الصالح وجماهير الأئمة الفقهاء الأعلام كما سيأتي بيان ذلك.
[المفتاح الثاني]:أدلة الفقهاء على أنّ ترك الصلاة تكاسلاً كفر ولكن في إطار الملة: هي أدلة كثيرة جداً منها ما هو بمثابة أدلة مستقلة على عدم خلود تارك الصلاة تكاسلاً في النار خلود الكافرين الجاحدين، بل هو تحت المشيئة إن شاء عذبه الله بقدر ذنوبه وإن شاء غفر له وأدخله الجنـة، ومنها ما هو أدلة عامة وفق قواعد الشرعيه وأصولها العامة التي قال بها وسار عليها علماء أهل السنّة والجماعة، والسير على تلك القواعد يحتم حمل الكفر في تارك الصلاة على كفر دون الكفر الأكبر فمن الأدلة المستقله على أنّ ترك الصلاة تكاسلاً في إطار كفر دون كفر:
الدليل الأول ما أخرجه الإمام مالك في الموطأ والإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه والنسائي في سننه وابن ماجة في سننه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)) ([147]).
(قلت): الحديث صحيح لا ريب في صحته، قال عنه النووي رحمه الله ” حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة ([148]).
وقال عنه الشوكاني وهو يشير إلى صحته ” الحديث أخرجه مالك في الموطأ وابن حبان وابن السكن قال ابن عبد البرّ وهو حديث صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه ” ([149]).
وقد رجعت إلى كلام الحافظ ابن عبد البرّ في الحديث ووجدته درة ينبغي أنّ تكتب بماء الذهب وهو قليل عليها فبعد ذكره للحديث بنصه قال – لله درّه –(لم يختلف عن مالك في إسناده هذا الحديث فهو حديث صحيح ثابت وفيه أن الصلوات المكتوبات المفترضات خمس لا غير.. وفيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعلم، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرها ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقده نيته، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً الاّ برفع مـا كان به مسلماً وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلــم) ([150]). ولله درّه وكلامه ينبغي أن يحفظ وينشر لدقته ورسوخه وقال أيضاً في درّة فاصلة من أقواله بعدما ذكر حديث عبادة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقـول ((من لقى الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، وحديث عبادة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((من لقى الله يشهد أن لا إله الاّ الله وأنّ محمداً رسول الله دخل الجنة))، ([151]).
وحديث عبادة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من شهد أنّ لا إله الاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله وأنّ الجنة حق وأنّ النار حق وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور وأنّ عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه أدخله الله الجنة على ما كان من عمل))، ([152]).
قال بعدها ((إنما ذكرنا أحاديث هذا الباب لأن المعتزلة أنكرت الحديث المروي في قوله ((ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)) وقالت: من لم يأت بهن فهو في النار مخلد، فردت الحديث المأثور في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من نقل العدول الثقات وأنكـرت ما أشبهه من تلك الأحاديث ودفعت قول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ،} [النساء: 48] فضلت وأضلت فذكرنا في هذا الباب من الآثار ما يضارع هذه الآية حجة عليهم والحمد لله ([153]).
(قلت) وكلامه درة قليل عليها أن تشتري بأطنان الذهب لما فيها من التحقيق والفقه والبيان لمذهب أهل السنّة والجماعة في مسألة ترك الصلاة بعيداً عن شبهات المعتزلة.
قال الحافظ الطحاوي – في كتاب مشكل الآثار – ((باب بيان شكل ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة من المسلمين لا على الجحود لها أيكون بذلك مرتداً عن الإسلام أم لا؟ ثم ذكر حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخل الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء أدخله الجنة وإن شاء عذبه))، ثم قال عن الحديث: دلّ أنه لم يخرجه بذلك عن الإسلام فيجعله مرتداً مشركاً لأن الله تعالى لا يدخل الجنة من أشرك به لقوله تعالى {مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ،} [المائدة: 72] ولا يغفر له لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، فقال قائل كيف تقبلون هذا الحديث عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأنتم تروون عنه خلافه، ثم ذكر حديث ((بين العبد وبين الكفر أو قال وبين الشرك ترك الصلاة))، فكان جوابنا له في ذلك: أنّ الكفر المذكور في هذا الحديث خلاف الكفر بالله عز وجل وإنما هو عند أهل اللغة أنه يغطي إيمان تارك الصلاة ويغنيه حتى يصير غالباً عليه مغطيا له ومن ذلك ما قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) ولم يكن ذلك الكفر بالله ولكنه على ما ركب إيمانه وغطاه من قبح فعلـه فمثـل ذلـك قولـه ((ليس بين العبد وبين الكفر الاّ ترك الصلاة)) هو من هذا المعنى أيضاً والله أعلم حتى تصح هذه الأخبار ولا تختلف ([154]).
وقال الحافظ السخاوي – وهو يستدل بالحديث على عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر، فقال بعد سياقه لبعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة – ولكن كل هذا إنما يُحمل على ظاهره في حق تاركها جاحداً لوجوبها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين لأنه يكون حينئذ كافراً مرتداً بإجماع المسلمين، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه والاّ قتل، أما من تركها بلا عذر بل تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر، وأنه يُستتاب ثم يُقتل إن لم يتب ويُغسل ويُصلى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب العمل جمعاً بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضاً عنــه الحديـث صلى الله عليه وسلم أنـه قال ((خمس صلوات كتبهن الله – وفيه إن شاء عذبه وإن شاء غفر لــه))، ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورّث([155]).
وقال الإمام القرطبي – عن شرحه لحديث مسلم ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) وهو يستدل لكونه كفر دون كفر بحديث (خمس صلوات.. ومن لم يأت بهن) – ((والصحيح أنه ليـس بكافـر، لأن الكفر الجحد كما تقدم، وليس بجاحد، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قـال ((خمس صلوات افترضهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه)) فهذا ينص على أن ترك الصلاة ليس بكفر، وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ،} [النساء: 48]، ([156]).
(قلت) ولهذ الحديث ((حديث خمس صلوات افترضهن الله على العباد.. من أتى بهن.. ومن لم يأت بهن)) مبحث طيب في أضواء البيان للعلامة الشنقيطي، جاء فيه بعد ذكر الحديث ((رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محريز أن رجل من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلاً بالشام يكنى أبا محمد يقول إن الوتر واجب فقال المخدجي فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد فقال عبادة: كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات.. ثم ذكر الحديث ثم قال.. وفي سنن أبى داود حدثنا القعلبي عن مالك.. إلى آخر الإسناد والمتن كلفظ الموطأ الذي ذكرنا، وفي سنن النسائي أخبرنا قتيبة عن يحيى بن سعيد.. إلى آخر الإسناد والمتن كالفظ المذكور وفي سنن ابن ماجة حدثنا محمد بن بشار.. عن المخدجي عن عبادة بن الصامت إلى آخر الحديث بمعناه قريباً من لفظه، ومعلوم أن رجال هذه الأسانيد ثقات معروفون إلاّ المخدجي المذكور، وقد ذكره ابن حبان في الثقات وبتوثيقه تعلم صحة الحديث المذكور وله شواهد يعتضد بها، قال أبو داود في سننه حدثنا محمد بن حرب الواسطي.. إلى قوله.. عن عبدالله الصنابحي قال زعم أبو محمد أنّ الوتر واجب فقال عبادة بن الصامت.. إلى آخر الحديث بمعناه وعبدالله الصنابحي المذكور صحابي مدنى وقيل هو عبدالرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبدالله الصنابحي وهو ثقة من كبار التابعين.. وعلى كلا التقديرين فرواية الصنابحي المذكور إما رواية صحابي أو تابعي ثقه وبها تعتضد رواية المخدجي المذكور، ورجال سند أبي داود هذا غير عبدالله الصنابحي ثقات لا مطعن فيهم وبذلك تعلم صحة حديث عبادة بن الصامت المذكور، وقال الزرقاني في شرح الموطأ: وفيه – يعني حديث عبادة المذكور – “أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يتحتم عذابه بل هو تحت المشيئه بنص الحديث”، وقد أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طريق مالك وصححه ابن حبان والحاكم وابن عبدالبرّ، وجاء من وجه آخر عن عبادة بنحوه في أبي داود والنسائي والبيهقي، ولـه شاهـد عن محمد بن نصـر من حديـث عبد الله بـن عمـرو بن العـاص أهـ محل الغرض منه، وقال الشوكاني رحمه الله (نيل الأوطار) ولهذا الحديث شاهد من حديث أبى قتادة عند ابن ماجة، ومن حديث كعب بن عجزة عن أحمد ورواه أبو داود عن الصنابحي أهـ محل الغرض منه، وقال النووي (في شرح المهذب) بعد أن ساق حديث عبادة بن الصامت المذكور: هذا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحه، وقال ابن عبدالبرّ: هو حديث صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه فإن قيل كيف صححه ابن عبدالبرّ مع أنه قال المخدجي المذكور في سنده مجهول فالجواب من جهتين الأولى: أنّ صحته من قبيل الشواهد التي ذكرنا فإنها تصيره صحيحاً والثانيه هي ما قدمنا من توثيق ابن حبان للمخدجي المذكور([157]).
قال النووي: ” واحتجوا – أي جماهير السلف والخلف، على أنه – أي تارك الصلاة، لايكفر – أي الكفر الأكبر، لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ” ([158]). وقال ابن قدامة بعد ذكره للحديث ” ولو كان كافراً (الكفر الأكبر) لم يدخله في المشيئة” ([159]).
[وقال الشوكاني ” باب حجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار، ورجا له ما يرجى لأهل الكبائر ثم يذكر الحديث.. إلى أن قال: وهو يدل على عدم استحقاق كل تارك للصلاة للتخليد في النار “([160]).الدليل الثاني: ما أخرجه الخمسة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((إن أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإنّ أتمها وإلاّ قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك)) ([161]).
والحديث صحيح لا ريب في صحته، قال الشوكاني ” الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق، طريقتين متصلتين بأبي هريرة والطريقة الثالثة بتميم الداري وكلها لا مطعن فيها.. وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد ورجالها رجال الصحيح كما قال العراقي وصححها ابن القطان، وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجة بنحو حديث أبي هريرة قال العراقي وإسناده صحيح وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال إسناده صحيح على شرط مسلم ([162]).
(قلت) الشاهد من الحديث للدلالة عل أنّ كفر تارك الصلاة هو دون الكفر الأكبر هو ما ذكره الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره للحديث تحت باب وحُجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار ورجا له ما يرجى لأهل الكبائر قال رحمه الله ” والحديث يدل على أنّ ما لحق الفرائض من النقص كملته النوافل، وأورده المصنف في حجج من قال بعدم الكفر، لأن نقصان الفرائض أعم من أن يكون نقصاً في الذات وهو ترك بعضها، أو في الصفه وهو عدم استيفاء أذكارها أو أركانها وجبرانها بالنوافل، مشعر بأنها مقبولة مثاب عليها والكفـر ينافي ذلك ” أهــ وقصده من قول (والكفر يُنافي الإيمان) أي أن الكفر الأكبر يُنافي جبران النقص بالنوافل لأنه إذا كان ترك الصلاة كفراً أكبر مخرج من الملة فإنه لا يصح جبران الكفر الأكبر أبداً، بل ينبغي أن يُنشئ المرء بعده إسلاما جديدا، والحديث دلّ على جبران النقص ومنه ترك بعض الصلوات بالنوافل، وهذا يدل على أنّ ترك الصلاة دون الكفر الأكبر المانع للجبر وتعويض النقص.
الدليل الثالث: ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة والبزار عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال ((قام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي من صلاة العشاء فصلى بالقوم ثم تخلف أصحاب له يصلون فلمّا رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله فلمّا رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى فجئـت خلفه فأومأ إلىّ بيمينه فقمت عن يمينه ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله فقمنا ثلاثتنا كل رجل منّا بنفسه ويتلو من القرآن ما شاء الله أن يتلوا فقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة فبعد أن أصبحنا أومأت إلى عبدالله بن مسعود أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة فقال ابن مسعود: لا أسأله عن شيء حتى يحدث إليّ فقلت بأبي أنت وأمي قمت بآية من القرآن ومعك القرآن، لو فعل هذا بعضنا وجدنا عليه، قال دعوت لأمتي، قال فماذا أجبت؟ قال: أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعةً تركوا الصلاة ([163]).
قلت الحديث رجاله ثقات وسنده مما يُحتج به وهو نص في مسألتنا هذه ودليل واضح على أنّ ترك الصلاة كفر في إطار الملة وإلاّ لما نسبهم النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ومعلوم أنّ الكافر الكفر الأكبر لا ينتسب إلى أمة الإسلام ولا يجوز عليه رحمة الله ولا مغفرته، والحديث أورده ابن القيم في كتابه الصلاة وحكم تاركها في حجج مالك والشافعي ورواية أحمد التي اختارها أبو عبد الله بن بطة ص14، وهي حُجة واضحة بينة دامغة لو تدبرها المرء لكفته وأغنته، ولكن لا مانع من ذكر غيرها ليطمئن القلب إلى سعة رحمة الله التي لو اطلع عليها الناس طلعة اطمئنوا إلى مغفرة الله وسعة رحمته، لكل مسلم انقاد بقلبه ولسانه لله وحده حتى وإن قصّر به عمله.
الدليل الرابع: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدواوين عند الله ثلاث ديواناً لا يعبأ الله به شيئاً وديوان لايترك الله منه شيئاً وديوان لا يغفره الله، فأمّا الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله عز وجل إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة وأمّا الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه أو صلاة تركها فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء وأمّا الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالـة ([164]).
(قلت) والحديث يدل دلالة واضحة على عدم كفر تارك الصلاة لأنه إذا ترك صلاة وكان في إطار رحمة الله الواسعه دلّ ذلك على أن ترك الصلاة ليس كفراً لأنه لا عبرة في الشرع بالأعداد بمعنى أنه إذا ترك صلاة كان كمن ترك صلاتين في عدم الكفر بهذا يكون مناط الكفر شيئاً آخر لا محالـة، وهو كما قال جمهور الأئمة الجحود (جحود القلب واللسان) عن فرضية الصلاة وقد أورد ابن القيم هذا الحديث في كتابه الصلاة وحكم تاركها في حجـج الأئمة مالك والشافعي وأحمد [رواية ابن بطه عنه ـ وهي صحيحة] وغيرهم من الأئمة الفحول.
الدليل الخامس: أحاديث الشفاعة بمجموعها وقد أوردناها في الباب الأول بما يُغني إعادتها هنا وقد علمنا من مجموعها أنّ هناك شفاعات متفاوتة شفاعة المؤمنين تطول المصلين وكذا شفاعة الملائكه ثم شفاعات الأنبياء ثم شفاعات ثلاثة للنبي صلى الله عليه وسلم تنال الثالثة منها من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، ثم شفاعة الرحمن لمن قال لا إله إلاّ الله مجردة عن الأعمال والشاهد لها قوله صلى الله عليه وسلم ((فأقول يارب ائذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله)) ([165]). وقوله صلى الله عليه وسلم ((فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلاّ أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً.. ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم.. )) ([166]).
(قلت) هذه الأحاديث من أعظم الأدلة على عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر لأنه صار معلوم يقيناً أن هناك أُناس غير المصلين يخرجون من النار بالشفاعة ولو كان المصلون يخرجون بشفاعة المؤمنين والملائكه فإن شفاعة النبي الثالثة ستنال من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ولعله على أحسن أحواله كان يصلي ويدع لأنه لو كان من المصلين لأخرجته شفاعة الملائكة والمؤمنين فإذا جاءت شفاعة الرحمن أخرجت من جاء بالتوحيد المجرد عن أعمال الجوارح فدل ذلك على أنّ هناك تاركون للصلاة بل ولجنس أعمال الجوارح بإطلاق تنالهم رحمة الله التي تنال كل موحّد وحكمة الله التي لا تساوي بين الجاحدين المكذبين والمقرين المعتقدين لشهادة التوحيد ولو كانت مجردة عن الأعمال فلا إله إلاّ الله تنفعه يوماً ما ولا شك.
الدليل السادس: أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قـال رســول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا، فوالذي نفسي بيده ما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار، قال: يقولون: ربنا! إخواننا كان يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا ويجاهدون معنا فأدخلتهم النار، قال: فيقول اذهبوا، فأخرجوا من عرفتم منهم، فيأتونهم، فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم.. فيخرجون منها بشراً كثيراً، فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا، قال: ثم يعودون فيتكلمون، فيقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن كان في قلبه وزن نصف دينار، فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا حتى يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة، فيخرجون خلقاً كثيراً، قال: فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا، فلم يبق في النار أحد فيه خير، قال ثم يقول الله: شفعت الملائكه، وشفعت الأنبياء، وشفع المؤمنون، وبقي أرحم الراحمين، قال: فيقبض قبضة من النار ـ أو قال قبضتين ـ ناساً لم يعملوا لله خيراً قط، قد احترقوا حتى صاروا حُمماً، قال: فيؤتى بهم إلى ماء يقال له: الحياة، فيصب عليهم.. ـ إلى أن قال صلى الله عليه وسلم ـ: – فيقال لهم: ادخلوا الجنة.. )) ([167]).
الحديث، قال الألباني ـ بعد تصحيح الحديث ـ ” فالحديث دليل قاطع على أنّ تارك الصلاة إذا مات مسلماً يشهد أنّ لا إله الاّ الله أنه لا يخلد في النار مع المشركين ففيه دليل قوي جداً أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ،} [النساء: 48]
الدليل السابع: ((حديث البطاقة)): أخرج الترمذي وغيره من أهل السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يارب، فيقول أفلك عذر فيقول لا يارب، فيقول بلى إنّ لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم اليوم فتخرج بطاقه فيها أشهد أن لا إله الاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول أحضر وزنك، فيقول يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فقال إنك لا تظلم، قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقـة في كفـة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء)) ([168]).
قال ابن القيم وهو يورده على لسان القائلين بكفر تارك الصلاة في إطار الملة وليس خارجهـا: ” لم يذكر في البطاقة غير الشهادة ولو كان فيها غيرها لقال ثم تخرج صحائف حسناته فتوزن بسيئاته، ويكفينا في هذا قوله (فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط) ولو كان كافراً لكان مخلداً في النار غير خارج منها، فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التكفير والتخليد وتوجب من الرجاء له ما يُرجى لسائر أهل الكبائر، قالوا ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة والمعاد جحد ما جاء به الرسول، وهذا يقر بالوحدانية شاهداً أنّ محمداً رسول الله مؤمناً بأن الله يبعث من في القبور فكيف يحكم بكفره؟ والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد ([169]).
الدليل الثامن: أخرج الحاكم في المستدرك وقال هذا حديث صحيح على شرط البخاري وصححه الألباني في الصحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ للإسلام صدى ومناراً كمنار الطريق منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم وأن تسلم على قومك إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهــماً من الإسلام ومن تركهن كلهن فقد ولى الإسلام ظهره)) ([170]).
(قلت) والدليل الشاهد من الحديث لعدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر هو قوله صلى الله عليه وسلم: ((وأقام الصلاة.. إلى أن قال فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام))
الدليل التاسع: أخرج الحافظ الطحاوي في مشكل الآثار عن شقيق ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قـال: ” أُمر بعبد من عباد الله أن يُضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلـدة واحدة فجلد جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه ناراً فلما ارتفع عنه أفاق قال على ما جلدتموني قالوا إنك صليت صـلاة واحدة بغير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره ثم عقّب عليه بقوله فكان في هذا الحديث ما قد دلّ على أن تارك تلك الصلاة لم يكن بذلك كافراً لأنه لو كان كافراً لكـان دعـاؤه باطـلاً ولقـوله تعالى: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [الرعد: 14] “([171]). ثم أكد ما استفاده من الحديث السابق بقوله بعدما ذكر حديث من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ومالـه (فكان معنى قوله صلى الله عليه وسلم فكأنما وتر أهله وماله بمعنى فكأنما نقص أهله وماله من قوله تعالى {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35] أي ينقصكم أعمالكم، وفي ذلك ما قد دلّ على أنه لم يكن بذلك كافراً وإن كان ما قد نقصه من ذهاب إيمانه أكثر مما نقصه من ذهاب أهله وماله وكان القصد إلى ذكر ذلك لا إلى ذكر أهله وماله وبالله التوفيق ([172]).
الدليل العاشر: أمّا الأدلة التي هي بمثابة قواعد عامة وأصول ضابطة لمنهج أهل السنّة والجماعة والتي ترجح قول الجمهور فهي كثيرة جداً تندرج تحت عدة قواعد عامة اعتقدها أهل السنّة والجماعة منها: (قاعدة): – من مات على الشهادتين استوجب بها الجنة وإن دخل النار فإنه لا يخلد فيها خلود الكافرين بل مآله إلى الجنة لحرمة الشهادة وفضلها، و (قاعدة): – من أتى بالإقرار والاعتقاد فقد أتى بركني الإيمان ومطلقه الذي ينجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين، و (قاعدة): – كل ما هو دون الكفر الأكبر بالله ـ وهو كفر القلب ـ وكل ما دون الشرك الأكبر بالله ـ اتخاذ شريك مع الله ـ فهو تحت المشيئة وصاحبه إمّا أن يغفر الله له ابتداءً وإما يعذبه بذنوبه ولكنه لا يخلد في النار خلود الكافرين، و (قاعدة): – الكفر الأكبر هو كفر الاعتقاد، وما كان من الأعمال المجردة وجعلها الشارع كفراً فهي دون الكفر الأكبر المخرج بالكلية من الملة، وهذا الكفر العملي المجرد الخالي عن الاعتقاد لا يخلد صاحبه في النار، (قلت) وهذه القواعد ـ وغيرها من قواعد أهل السنّة والجماعة الرصينة في مسائل الإيمان والكفر ـ قد أفردت لهـا الفصل الثالث من هذا الباب، وهو التالي لهذا الفصل ومع مراجعتها نعلم يقيناً صحة قول جمهور الأئمة الفقهاء وأنه القول الراجح الذي به تتفق الأدلة جميعها دون استثناء، وأن تارك الصلاة تكاسلاً هو من الكفـر في إطـار الملـة،.
[المفتاح الثالث]: تارك الصلاة: جحودا كفر اكبر مخرج من الملة، و تكاسلاً هو من الكفـر في إطـار الملـة: هو قول المدارس الفقهية المتخصصة بعلمائها الأجلاء: تارك الصلاة كفر في إطار الملة هو قول المدارس الفقهية المعتمدة الحنفية والمالكية والشافعية والقول الصحيح المعتمد المختار عند فقهاء الحنابلة وهو القول الراجح عند أكثر مدارس أهل الحديث كما ذكر الشوكاني والصنعاني رحمهما الله تعالى، ويكمن أهمية هذا الدليل، أن هؤلاء هم أهل التخصص في الفقه، فكل مدرسة من هذه المدارس إضافة إلى مكانة مؤسسيها العلمية العالية والتي لم يتبوأها أحد في الأمة في زمانهم أو بعدهم، إضافه إلى ذلك أنها مدارس تخصصية تحتوى كل مدرسة على مئات من العلماء الفقهاء بالكتاب والسنّة المجتهدين على الإطلاق أو في إطار المذهب أو في إطار أصوله، إضافة إلى أنها المدارس التي انضبطت أقوال مؤسسيها، فعرفت أقوالهم القديمة والجديدة والمعتمدة، ومرت على عقول مئات العلماء المنتسبين لهذه المذاهب، فحمل مطلقها على مقيدها، وعامها على خاصها، وهكذا انضبطت الأقوال داخلها، بخلاف ما يُنقل عن الأئمة الباقين، فالنقل عنهم عزيز، والتمحيص لأقوالهم يكاد يكون مفقودا، فلا نعلم متى قال بذلك وهل رجع عنه أم لا، وهل قاله على وجه العموم أو لحالة مخصوصة وهل قوله مطلق أم مقيد وهكذا، وهذا أهم ما ننبه عليه إخواننا لاسيما في زماننا هذا الذي عزف فيه كثير من طلبة العلم عن معرفة آراء هؤلاء الفقهاء وإعطائها حقها من الأهمية في المسائل الفقهية، فطلب الفقه من الكتاب والسنّة بفهم هؤلاء هو من باب طلب الشيء من المتخصصين فيه، وهذا من الفقه في دين الله عز وجل بمكانة، وفي ذلك إشارة إلى منهج أسأل الله عز وجل أن ييسر لي بيانه في رسالة مستقلة، وإن في ذلك لذكرى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
[المفتاح الرابع]: تارك الصلاة: جحودا كفر اكبر مخرج من الملة، و تكاسلاً هو من الكفـر في إطـار الملـة: هو قول الأئمة الذين نقلنا أقوالهم في الفصل الأول: جميع نقول العلماء والتي حشدتها على إخراج جنس عمل الجوارح عن أصل الإيمان إلى الإيمان الواجب، وهذه النقول من باب الأولى تدل يقيناً على أنّ كفر تارك الصلاة تكاسلاً هو كفر في إطار الملة وليس كفراً أكبر كما يظن البعض، وقد نقلت في الباب الأول نقولاً عن خمسة وعشرين عالماً كلامهم يدل على إخراج جنس عمل الجوارح عن أصل الإيمان ومن باب الأولى يقيناً اعتبار ترك الصلاة تكاسلاً ـ لكونه في حالة التكاسل من أعمال الجوارح المجردة ـ كفرا في إطار الملة فراجعها في الباب الأول وفيها بحمد الله الفقه الواضح والعلم الراسخ،وكل ما سبق من الأدلة وأقوال الأئمة يدلنا على أنّ هذا هو القول الصحيح الراجح الذي يتعين المصير إليه، وأنّ ما جاء من الأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة إنما تُحمل على كفر دون الكفر الأكبر جمعاً بين النصوص ومراعاة لقواعد الشريعه العامة، وهذا ما دعا النووي رحمه الله إلى أن يقول: ” ولم يزل المسلمون يورثون عنه، ولو كان كافراً ـ أي الكفر الأكبر ـ لم يغفر له ولم يرث ولم يورث، وأمّا الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة ورواية شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب القتل، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها “([173]).
ودعا ابن قدامة رحمه الله إلى أن يقول: ((ذلك إجماع المسلمين فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع ورثته ميراثه ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فرق بين زوجين لترك الصلاة مع أحدهما لكثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها، ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها، ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة وصيام، وأمّا الأحاديث المتقدمة فهي على سبيل التغليظ والتشبيه له بالكفار لا على الحقيقة كقوله عليه السلام ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))، وقوله ((كفر بالله تبرؤ من نسب وإن وجد)) وقوله ((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))، وقوله ((من أتى حائضاً أو أمرأه في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد)) ([174]). وقال ((ومن قال مطرنا بنوء الكواكب فهو كافر بالله مؤمن بالكواكب))، ([175]). وقوله ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) ([176]).، وقوله ((شارب الخمر كعابد وثن)) ([177]). وأشباه هذا مما أُريد به التشدد في الوعيد وهو أصـوب القولـين والله أعلـم،([178]) .
(قلت) وقد تقدم ذكر قول الشنقيطي رحمه الله في بداية ذكر المسألة وفيه (وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن ولأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث.. 0 إلى أن نقل قول النووي وفيه وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها) ([179]).
ويقول النووي ” وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور “([180]). وقد علل رحمه الله لذلك بعلّة حرّي بنا أن نفهمها وأن نعض عليها بالنواجذ وهي قوله قبل أن يقطع بصحة عدم كفر تارك الصلاة تكاسلاً الكفر الأكبر – ” ولا يكفر بترك الصلاة لأن الكفر بالاعتقاد واعتقاده صحيح فلم يحكم بكفـره ” ([181]).
ويقول الشوكاني ” ذهبت الكثرة والجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر “([182]). وقوله (لا يكفر) أي الكفر الأكبر المخرج من الملة وإن كان كفراً في إطار الملة.
ورجحه أيضاً العلامة القرطبي بقوله ” والصحيح أنه ليس بكافر لأن الكفر الجحد كما تقدم، وليس بجاحد ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قـد قــال ((خمس صلوات افترضهن الله على عباده فمن جاء بهن لم يضّيع منهن شيئاً كان له عند الله عهد أن يغفر له، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء يغفر له وإن شاء عذبه)) فهذا ينص على أنّ ترك الصلاة ليس بكفر وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفـر ما دون ذلـك لمن يشـاء {النساء: 48}([183]).
ورجحه أيضاً الحافظ السخاوي في فتاواه فكان من قوله ” أما من تركها بلا عذر، بل تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر، وأنه يستتاب ثم يُقتل إن لم يتب ويغّسـل ويصلـى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين مع إجراء سائـر أحكـام المسلميـن عليه([184]). ورجحه أيضاً ابن عبد البرّ بقوله –بعدما ذكر حديث (خمس صلوات، من أتى بهن، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة) – وهو حديث صحيح سيأتي بيانه، ((وفيه دليل على أنّ من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمداً صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرها، ألا ترى أنّ المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقده نيته، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً الاّ برفع ما كان مسلماً به وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلم أهــ ([185]).
ورجحه أيضاً ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد حيث قال: (تارك الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب الاّ أن يتركها معتقداً لتركها، فنحن إذاً بين أحد أمرين: (الأمر الأول) إما أن أردنا أن نفهم من الحديث الكفر الحقيقي يجب علينا أن نتأول أنه أراد صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة معتقداً لتركها فقد كفر، (والأمر الثاني): أن يحمل على اسم الكفر على غير موضعه الأول وذلك على أحد معنيين: إما على أن حكمه حكم الكافر أعني في القتل، وإما على أن أفعاله أفعال كافر على جهة التغليظ والردع له.. وأما حمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع حكامه مع أنه مؤمن فشيء مفارق للأصـول.. ولـذلك صار هذا القول مضاهياً لقول من يكفّر بالذنوب ([186]).
(قلت): وهو القول الراجح من أقوال الإمام أحمد اختاره أبي عبدالله بن بطة وأنكر قول من قال: أنه يكفر وذكر أن المذهب – أي الحنبلي – على هذا لم يجد في المذهب خلافاً فيه، وهذا الذي رجحه كذلك ابن قدامة الحنبلي وهو ما رجحه أيضاً في إطار المذهب الحنبلي الشيخ علاء الدين المرداوي في كتاب ” الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل “، وقد ذكرت بحمد الله تعالى بعضاً من دلائل الترجيح التي تُساعد على معرفة القول الراجح في المسألة، والله المستعان.
(تنبيـه): ليس المقصود من ذكر هذه الأدلة السابقة تسهيل ترك الصلاة على العامة، حاش لله، بل تركها هو الطريق العريض نحو الكفر الأكبر ونحو الهلاك والعياذ بالله، ولكن المقصد من عرض الأدلة بيان دين الله عز وجل القيّم الذي لا يُسوي بين قائل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله والمقر بها والمصدق لها تصديقاً جازماً يلازمه الإذعان لحقوقها وبين الجاحد لها فإذا قلنا أن تركها تكاسلاً مع الإقرار بها كفر أكبر فقد ساوينا بين المقر والجاحد وبين قائل لا إله إلاّ الله وعابد الوثن لكونهما مخلدين في النار، وكذلك فإن هذا هو الفقه الذي من يرد الله تعالى به خيراً يرزقه إياه وكذلك فإنه الضابط العاصم من تكفير الموحدين الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وقد تواترت الأحاديث على أنّ من قال لا إله إلاّ الله دخل الجنة وإن لبث في النار أحقابا.ً
[المفتاح الخامس]: تارك الصلاة إن أصر على ترك الصلاة يُقتل على كل حال، حالة الإقرار والاعتقاد يُقتل حداً، وفي حالة الجحود يُقتل ردة: علمنا أنّ تارك الصلاة إمّا أن يكون جاحداً مرتداً وكفره كفر أكبر مخرج من الملة، وإمّا أن يكون متكاسلاً مقصراً لا يظهر عليه أثر الاستكبار عن فعلها وهذا كفره في إطار الملة، والأئمة العلماء المحققون على أنه يُقتل في الحالتين، في الحالة الأولى ـ حالة الجحد ـ يُقتل ردة ويُعامل معاملة المرتد من عدم غسله وتكفينه وترك الصلاة عليه وغيرها من أحكام الردّة، وفي الحالة الثانية ـ حالة الكسل المحض ـ يُقتل حداً ويعامل معاملة المسلم من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وغير ذلك من أحكام المسلمين، والخلاف في هذه المسألة ـ مسألة قتل تارك الصلاة ـ أضعف من الخلاف في المسألة السابقه وذلك لأن كل من قال بكفر تارك الصلاة الكفر الأكبر قال بقتله، والجماهير من قالوا بعدم كفره الكفر الأكبر قالوا بأنه يُقتل حداً ولم يخالفهم إلا الإمام أبوحنيفه والإمام الثوري وجماعة من علماء الكوفة والمزني من أصحاب الشافعي فقالوا لا يُقتل بل يعزر ويحبس حتى يُصلي.
ومن الأدلة على وجوب قتل تارك الصلاة على كل حال: [الدليل الأول]: قوله تعالى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التـوبة: 5]، قال ابن قدامة ” فأباح قتلهم وشرط في تخلية سبيلهم التوبة وهي الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فمن ترك الصلاة متعمداً لم يأت بشرط تخليته فبقي على وجوب القتل ” ([187]).
[الدليل الثاني]: قوله صلى الله عليه وسلم ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل)) ([188]) . قال الشوكاني ” الحديث يدل على أنّ من أخلّ بواحدة منها فهو حلال الدم والمال إذا لم يتب ” ([189]).
[الدليل الثالث]: ما أخرجه النسائي عن أنس بن مالك قال: لمّا توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فقال عمر يا أبابكر كيف نقاتل العرب؟ فقال أبوبكر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة))، قال الشوكاني ” الحديث أخرجه أيضاً البيهقي في السنن … ثم قال: والحديث يدل على ما دلّ عليه الذي قبله من أنّ المخل بواحدة من هذه الخصال حلال الدم مباح المال “([190]).
[الدليل الرابع]: ما أخرجه البخاري ومسلم (عن أبي سعيد الخدري قال بعث عليٌّ عليه السلام وهو باليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة فقال رجل يا رسول الله اتق الله، فقال ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال لا لعله أن يكون يصلي، فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لم أُومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)،قال الشوكاني قوله صلى الله عليه وسلم (لعله أن يكون يصلي) فيه أنّ الصلاة موجبة لحقن الدم ولكن مع بقية الأمور المذكورة في الأحاديث الآخرة ([191]).
[الدليل الخامس]: ما أخرجه مالك في الموطأ والشافعي في مسنده وأحمد في مسنده ” عن عبيدالله بن عدي بن الخيار أن رجلاً من الأنصار حدثه: ((أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس يساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أليس يشهد أن لا إله إلاّ الله؟ قال الأنصاري بلى يا رسول الله ولا شهادة له قال أليس يشهد أن محمداً رسول الله؟ قال بلى ولا شهادة له، قال أليس يُصلي؟ قال بلى ولا صلاة له، قال أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم))، ([192]).
(قلت) الحديث أورده صاحب الأخبار في باب قتل تارك الصلاة وقال شارحـه الشوكاني ” فيه دلالة على أن الواجب المعاملة للناس بما يُعرف من ظواهر أحواهم من دون تفتيش وتنقيش فإن ذلك مما لم يتعبدنا الله به ولذلك قال إني لم أومر أن انقب عـن قلـوب النـاس” ([193]).
ومنطوق الحديث النهي عن قتل المصلين ومفهومه أنّ المانع من قتله هو الصلاة ومفهوم المخالفة أنه لو كان تاركاً للصلاة لجاز قتله وإلاّ فما فائدة معنى قوله صلى الله عليه وسلم ((أليس يصلى … أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم))،وبعد: فالأدلة على قتل تارك الصلاة كثيرة قال جماهير السلف والأئمـة حتى قال الشوكـاني ((ذهبت العترة والجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر بل يفسق فإن تاب وإلاّ قتلناه حداً كالزاني المحصن ولكنه يُقتل بالسيف)) أهــ ([194]).
وقال وهو يؤيد هذا القول ـ في حكم تارك الصلاة تكاسلاً ـ ويُبين أنه القول الحق بشقيه، الشق الأول أنه كفر دون كفر، والشق الثاني أنه يُقتل، والحق أنه كافر يقتل أما كفره فلأن الأحاديث قد صحت أن الشارع سمي تارك الصلاة بذلك الاسم وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة فتركها مقتض لجواز الإطلاق ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون لأنا نقول لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفراً فلا ملجأ إلى التأويلات التي وقع النـاس في مضيقها وأما أنه يقتل فلأن حديث ((أمرت أن أقاتل الناس)) يقضي بوجوب القتـل لاستلازام المقاتلة له وكذلك سائر الأدلة المذكورة في الباب الأول ولا أوضح من دلالتها على المطلوب وقد شرط الله في القرآن التخلية بالتوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقال {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ،} [التوبة: 5] فلا يخلى من لم يقم الصلاة، وفي صحيح مسلم ((سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ عنقه ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقالوا ألا نقاتلهم قال لا ماصلوا)) ([195]) .
فجعل الصلاة هي المانعة من مقاتلة أمراء الجور وكذلك قوله لخالد في الحديث السابق [لعله يصلي] فجعل المانع من القتل نفس الصلاة، وحديث {لا يحل دم امرئ مسلم} لا يعارض مفهومه المنطوقات الصحيحة الصريحه([196]).
(قلت): وقوله (لأنا نقول لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة) هو بعينه الكفر في إطار الملة ـ كفر دون كفر ـ كما عرّفه العلماء وبه يزول إشكال حكم تارك الصلاة، وقال النووي: ” ومن وجبت عليه الصلاة وامتنع من فعلها فإن كان جاحداً لوجوبها فهو كافر ويجب قتله بالردة لأنه كذب الله تعالى في خبره وإن تركها وهو معتقد لوجوبها وجب عليه القتل وقال المزني يضرب ولا يقتل والدليل على أنه يقتل قوله صلى الله عليه وسلم ((نهيت عن قتل المصلين)) ولأنه إحدى دعائم الإسلام لا تدخله النيابة بنفس ولا مال فقتل بتركها كالشهادتين ” أهــ ([197]).
[المفتاح السادس]: تحقيق مذهب الإمام أحمد بن حنبل في مسألة ترك الصلاة تكاسلاً: هناك روايتان عن الإمام أحمد في مسألة تارك الصلاة تكاسلاً وهو مقر بها معتقد لوجوبها، (الأولى): أنه كفر أكبر مخرج من الملة، و(الثانية): أنه كفر دون كفر وفي إطار الملة، وبعض الحنابلة المعاصرين يذكر عنه الرواية الأولى ويغض الطرف عن الرواية الثانية حتى إنك لتشعر من كلامهم أنه ليست له إلاّ هذه الرواية، وهذا خطأ كبير في حق الإمام أحمد إذ أننى مع تتبعى لفتاواه علمت يقيناً أنّ الرواية الثانية الموافقة لدلالات النصوص وأقوال جمهور أهل الفقه والأئمة الثلاثة أصحاب المذاهب الفقهية المعروفة هي الرواية الصحيحة في المذهب وهي الرواية المعتمدة في المذهب الحنبلي وعليها أكثر أصحابه المتقدمين وغالب الأئمة المحققين داخل المذهب.
والأدلة على ذلك:
(أولاً): عرض الخلاف داخل المذهب وقوة الروايتين فيه: (1) قال ابن قدامة: ” واختلفت الرواية ـ أي عن الإمام أحمد ـ هل يُقتل لكفره أو حداً فروى أنه يُقتل لكفره كالمرتد فلا يغسل ولا يكفن ولا يدفن بين المسلمين ولا يرثه أحد ولا يرث أحداً إختارها أبو إسحق بن شاقلا وابن حامد، والرواية الثانية يُقتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن، وهذا اختيار أبى عبدالله بن بطة وأنكر قول من قال: أنه يكفر وذكر أنّ المذهب ـ أي الحنبلي ـ على هذا لم يجد في المذهب خلافاً فيه، وهو أصوب القولين والله أعلم “([198]).
(قلت) ابن قدامة هو المقدم في المذهب الحنبلي وقد أعطاه الحنابلة حق الترجيح داخل الروايات، وهو يذكر الروايتين وينقل عن ابن بطة أنّ كفر تارك الصلاة في إطار الملة وصاحبه يُقتل حداً ويعامل معاملة المسلم وأن هذا هو المذهب لا يجد في المذهب الحنبلي خلافاً فيه وهو بالتالي يلغي الرواية الأولى تماماً، وأمّا ابن قدامة فهو يعتبر وجود الروايتين ويرجح الثانية التي أعتبرها ابن بطة الرواية الصحيحة الوحيدة في المذهب.
(2) وهذا الذي رجحه ابن قدامة هو نفسه ما قاله الشيخ علاء الديـن المـرداوي في كتابـه (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجّل أحمد بن حنبـل) قال المرداوي ” ولو ترك صلوات كثيرة قبل الدُعاء [الداعي له هو الإمام أو نائب الإمام يدعوه إلى الصلاة ويستتيبه من أجل أدائها] لم يجب قتله ولا يكفر على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم “([199]).
(قلت) فالشيخ علاء الدين المرداوي يذكر أنّ عدم كفره الكفر الأكبر هو الصحيح من المذهب الحنبلي وأنّ عليه جماهير أصحاب الإمام أحمد وهو الذي قطع به كثير منهم، والقطع معناه أنه لا يوجد في المذهب رواية صحيحة معتمدة للفتوى غيرها.
(ثانياً): أقوال الإمام أحمد الدالة على أنه يرى عدم كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر المخرج من الملة:
(1) روى الخلاّل في كتابه السنّة: أخبرنـا محمد بن على قال حدثنا صالح قال سألت أبي [أي الإمام أحمد] مـا زيادته ونقصانه [أي الإيمان] قال {أي الإمام أحمد} زيادته العمل ونقصانه ترك العمل مثل ترك الصلاة والزكاة والحج وأداء الفرائض فهذا يزيد وينقص بالعمل([200]).
(2) وجاء في طبقات الحنابلة: قال الإمام أحمد في وصيته لتلميذه الحافظ مُسدَّد بن مُسرهد ” ولا يخرج الرجل من الإسلام شيء إلاّ الشرك بالله العظيم أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحداً بهـا فـإن تركهـا كسـلاً أو تهاونـاً كـان في مشيئـة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه “([201]).
(قلت) تدبر هذه الرواية التي تساوى في قدرها أطنان من الذهب الخالص يكفي في معرفة رأي الإمام أحمد في المسألة ولا أزيد على كلامه شيئاً فهو واضح وضوحاً دونه الشمس في رابعة النهار.
(3) الإمام أحمد يرى وجوب القضاء على تارك الصلاة تكاسلاً ولو كان كافراً مرتداً لم يكن عليه قضاء وهذه المسألة فريدة ولعل من أوائل من تنبه لها ابن قدامة المقدسي حيث قال ” ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أنّ تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام “([202]).
وجـاء في فتاوى إبن تيمية ـ وقد سئـل عن تارك الصلاة تكاسلاً هل يجب عليه القضاء ـ قال رحمه الله ” وأمّا من كان عالماً بوجوبها وتركها بلا تأويل حتى خرج وقتها فهذا يجب عليه القضاء عند الأئمة الأربعة ” ([203]).
(قلت): فالأئمة الأربعة متفقون على وجوب القضاء لتارك الصلاة تكاسلاً وهو مقر بها معتقد لها وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أنّ الأئمة الأربعة عند التحقيق يرون كفر تارك الصلاة في إطار الملة وليس خارجها حتى ينقض أصل إيمانه بجحود ما أدخله فيه.
(4) وقاصمة الظهر للمتعجلين في تكفير أهل لا إله إلاّ الله محمد رسول الله بمجرد ترك الأعمال وإلصاق ذلك بمذهب الإمام أحمد بن حنبل هي هذه المسألة من مسائل عبدالله بن أحمد لأبيه الإمام أحمـد وجواب الإمام أحمد عليها، ثم تعليق الألباني على هذه المسألة:
[أولاً]: ما جاء في مسائل عبدالله بن الإمام أحمد قال عبدالله بن الإمام أحمد ” سألت أبى عن رجل فرّط في صلوات شهرين؟ فقال: يصلي ما كان في وقت يحضره ذكر تلك الصلوات، فلا يزال يُصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة التي ذكر فيها هذه الصلوات التي فرّط فيها، فإنه يصلي هذه التي يخاف فوتها ولا يضيّع مرتين، ثم يعود فيصلي أيضاً حتى يخاف فوت الصلاة التي بعدها إلاّ إن كان كَثُرَ عليه ويكون ممن يطلب المعاش ولا يقوى أن يأتي بها، فإنه يصلى حتى يحتاج إلى أن يطلب ما يُقيمه من معاشه ثم يعود إلى الصلاة، ولا تجزئه صلاة وهو ذاكر الفرض المتقدم قبلها فهو يُعيدها أيضاً إذا ذكرها وهو في صلاة ” ([204]).
[ثانياً]: تعليق الألباني على هذه المسألة قال ـ رحمه الله ـ فانظر أيها القارئ الكريم هل ترى في كلام الإمام أحمد هذا إلاّ ما يدل على ماسبق تحقيقه أنّ المسلم لا يخرج من الإسلام بمجرد ترك الصلاة، بل وأذن له أن يؤجل قضاء بعضها لطلب المعاش، وهذا عندي يدل على شيئين: (أحدهمـا): وهو ما سبق وهو أنه يبقى على إسلامه ولو لم تبرأ منه ذمته بقضاء كل ما غلب عليه من الفوائت، (والآخر): أن حكم القضاء دون حكم الأداء، لأنني لا أعتقد أنّ الإمام أحمد، بل ولا من هو دونه في العلم يأذن بترك الصلاة حتى يخرج وقتها لعذر طلب المعاش، والله سبحانه وتعالى أعلم، واعلم أخي المسلم أنّ هذه الرواية عن الإمام أحمد وما في معناها هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه كل مسلم لذات نفسه أولاً، ولخصوص الإمام أحمد ثانياً لقوله رحمه الله (إذا صح الحديث فهو مذهبي) وبخاصةً أنّ الأقوال الآخرى المروية عنه على خلاف ما تقدم مضطربة جداً، كما تراها في (الإنصاف) ([205]). وغيره من الكتب المعتمدة، ومع اضطرابها فليس في شيء منها التصريح بأنّ المسلم يكفر بمجرد ترك الصلاة، وإذ الأمر كذلك فيجب حمل الروايات المطلقة عنه على الروايات المقيّدة والمبيّنة لمراده رحمه الله، وهي ما تقدم نقله عن ابنه عبدالله ولوّ فرضنا أنّ هناك رواية صريحة عنه في التكفير بمجرد الترك وجب تركها والتمسـك بالروايـات الأخرى لموافقتها لهذا الحديث الصحيح الصريح في خروج تارك الصلاة من النار بإيمانه ولو مقدار ذرّة، وبهذا صرّح كثير من علماء الحنابلة المحققين كابن قدامة المقدسي.. ونص كلام ابن قدامة: ” وإن ترك شيئاً من العبادات الخمسه تهاوناً لم يكفر ” وكذا في كتابه (المقن) ونحوه في (المغني) ([206]). في بحث طويل له ذكر الخلاف فيه وأدلة كلٍ ثم انتهى إلى هذا الذي في (المقنع) وهو الحق الذي لا ريب فيه، وعليه مؤلفا الشرح الكبير والإنصاف ” أهــ([207]).
(فائدة) قد علمنا الراجح الصحيح من مذهب الإمام أحمد في مسألة تارك الصلاة، ولكن ما السبب في وجود الروايتين في المذهب؟ ولعل سبب هذا هو ما أورده تاج الدين السبكى في كتابه طبقات الشافعية عن مناظرة حدثت بين الإمام الشافعي والإمام أحمد في مسألة تارك الصلاة: قال السبكي ” حُكى أنّ أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة، فقال له الشافعي يا أحمد أتقول إنه يكفر؟ قال: نعم قال: إن كان كافراً فبم يُسلم؟ قال: يقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله قال: فالرجل مستديم لهذا الرأي لم يتركه قال: يُسلم بأن يُصلي قال: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها فانقطع الإمام أحمد وسكت “ ([208]).
(قلت) هذه الحكاية عن مناظرة الإمام الشافعي والإمام أحمد في حكم تارك الصلاة تكاسلاً، لا يبعد عندي صحتها، وذلك لأنه معلوم يقيناً لأهل العلم أنّ الإمام أحمد هو تلميذ الإمام الشافعي، ولولا الشافعي لما عرف أحمد الفقه، وهو يعترف بهذا الفضل للشافعي.
فقد نقل ابن عبدالبرّ في كتابه الانتقاء عن:
(1) عبدالله بن الإمام أحمد قال: ” قلت لأبي أي رجل كان الشافعي فإني أسمعك تكثر الدعاء له فقال يابني: كان الشافعي رحمه الله كالشمس للدُنيا وكالعافية للناس فانظر هل لهذين من خلف أو عوض”
(2) صالح بن الإمام أحمد قال: ” لقيني يحيى بن معين فقال أما يستحي أبوك مما يفعــل؟ فقلت: وما يفعل؟ قال: رأيته مع الشافعي، والشافعي راكب وهو راجل آخذ بزمام دابتــه، فقلـت لأبي ذلـك، فقــال: إن لقيتــه فقـل: يقـول لـك أبي: إذا أردت أن تتفقه فتعال فخذ بركابه من الجانب الآخر ” أهــ ([209]).
فلعل هذه المناظرة جعلت الإمـام أحمد يرجح القول الصواب في المسألة وهو كفر تارك الصلاة ولكن كفر في إطار الملة، فكان ما نقل عنه إنما هو نقل للمذهب القديم قبل اكتمال أداة الفقه وجمع الأدلة واكتمال الرأي في المسألة، ولهذا نقلنا عن أئمة المذهب الحنبلي أن هذا هو القول الصحيح وهو الذي قال به عامة أصحاب الإمام أحمد وقطع به كثير منهم ورجحه أئمة المذهب العلماء الذين لهم حق الترجيح داخل المذهب كابن قدامة المقدسي رحمه الله، وعلى ذلك فالمترجح عندي أنّ رواية الإمام أحمد القائلة بكفر تارك الصلاة كفر ردّة كانت قبل مناظرة الشافعي وانتشرت عنه، فلمّا ناظر الشافعي وتبين له أنّ الأصل هو الإقرار والاعتقاد وأنّ من أقر بالصلاة واعتقد وجوبها فقد أتى ببعض الواجب عليه فيها وهو اعتقادها والإقرار بها ولا يكون وهذه حالته تاركاً للصلاة بالكلية مثله مثل الجاحد التارك للصلاة بقلبه وجوارحه البتة، وهذه الرواية هي التي رواها عنه ابن بطة وأنكر أن يكون في المذهب الحنبلي رواية غيرها، وهي الرواية التي رجحها الأئمة الفحول في الفقه عامة وفي المذهب الحنبلي خاصة وعلى رأسهم ابن قدامة المقدسي، وهي الرواية التي رجحها المرداوي في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وقال فيه: ((ولا يكفـر على الصحيـحمن المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم)) ([210]).
فهي الرواية التي عليها جماهير أصحاب الإمام أحمد وقطع كثير منهم بصحتها واتباعها دون غيرها بل ولو رجعت إلى المقنع والشرح الكبير عليه تجد أنه قول ابن قدامة المقدسي وشارح كتابه أبى الفرج المقدسي وكذلك المغني لابن قدامة وقال في آخر المسألة وهو يرجح الرواية الموافقة لمذهب الأئمة الثلاثة {وهو أصوب القولين} وكذلك لو نظرت إلى منح الشفا الشافيات للبُهوتي تجد نفس الشيء، فأئمة الحنابلة على ترجيح هذه الرواية، ([211]).
[تنبيه]: وعلى ذلك فلك أن تعجب أشد العجب من بعض الحنابلة المعاصرين القائلين بتكفير تارك الصلاة دون تفصيل، ومساواة الجاحد لها بالمقر والمعتقد لها ثم الطامة أنهم ينسبون ذلك إلى الإمام أحمد ويغضون الطرف عن الرواية الصحيحة عنه، ولا أدرى لذلك علة سوى حرصهم الشديد على ترهيب الأمة من ترك الصلاة، وهذا هو المحمل الحسن والظن الحسن الذي ينبغي أن نفهم سبب تمسكهم بهذه الرواية، ولكن أحكام الفقه لا تؤخذ بهذه الطريقة لأن لها متعلق بحرمة الدم والعرض والمال، والمرتد تُبنى على ردته أحكام جسيمة عظيمة لا يمكن أن يكون سببها بحـال الترهيـب من تـرك الصـلاة بل الفقه هو الفقه وهو الإقرار بالأدلة والأحكام على حالها وتقريرها وفق أدلتها دون شطط ولا وكس، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ومن هذا الباب نعلم لماذا رفعت الأمة، بل ورفع الله عز وجل قبل الأمة مكانة الفقهاء الأربعة، فهم الأئمة الأعلام أركان الفقه، ولا يغني ذلك أن ننقص أحداً قدره، فهل مثل البخاري أمير المؤمنين في الحديث ومثل مسلم في الحديث، ولكن لكل عالم مجاله وتخصصه وتعجبنى في هذا المجال مقالة فقيه قال فيها {الفقهاء هم الأطباء والمحدثون هم الصيادلة} ومعلوم أنّ لكل واحد منهما تخصصه الذي لا ينبغي أن يُتخطى فيه، ولكن يبقى الفضل الزائد لأهل الفقه لأنهم ما يتكلمون في الأحكام إلاّ عن أصول وقواعد تربط بين أحكام أدلة الكتاب والسنّة ولم يجعل الله عز وجل هذه المنة لكل أحد بل هي فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فالفقه يحتم علينا أن نجمع بين الأدلة جميعها وأن لا نرجح دليلاً لمجرد الترهيب عن ترك الصلاة لأن هذا يفتح باباً من التكفير على الأمة قد لا تُسد أبوابه إلى يوم القيامة ويقع بين أهلها السيف والهرج والمرج بسبب فتنة تكفير يكفّر المسلم فيها أخاه، ولله در الغزالي حيث يقول ” والذي ينبغي الاحتراز منه التكفير ما وجد إليه سبيلاً فإن استباحة دماء المسلمين المقّرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد “([212]).
وختاماً لهذا المبحث: فقد علمنا الرواية الصحيحة المعتمدة عن الإمام أحمد بن حنبل في حكم تارك الصلاة، وهي الرواية التي عليها جماهير أصحابه وقطع كثير منهم بصحتها واتباعها دون غيرها، وهي الرواية التي رجحها أعلام المذهب المحققون كابن قدامة المقدسي وغيره وهي الرواية الموافقة لأقوال الأئمة الثلاثه أبي حنيفة ومالك والشافعي فحول الفقه وأركان العلم، وهي الرواية الموافقة لأصول الفقه وضوابطه وقواعده الربانية التي حبى الله عز وجل بها أئمة أهل السنّة الراسخين في العلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالميــن.
[المفتاح السابع]: رأي الإمام ابن تيمية في حكم ترك الصلاة تكاسلا والرد عليه: بعد هذا التحقيق السابق نعلم خطأ الإمام ابن تيمية الواضح عندما رجح انّ ترك الصلاة تكاسلا هو الكفر الأكبر، فقال في شرح العمدة: (الكفر الوارد في الصلاة هو الكفر الأعظم لوجوه:
(أحدها): إن الكفر المطلق هو الكفر الأعظم المخرج عن الملة فينصرف الإطلاق إليه، و إنما صُرف في تلك المواضع إلى غير ذلك لقرائن انضمت إلى الكلام، و من تأمل سياق كل حديث وجده معه، و ليس هنا شيء يوجب صرفه عن ظاهره، بل هنا ما تقرره على الظاهر.
(الثاني): إن ذلك الكفر منكرٌ مبهم مثل قوله: “و قتاله كفر”، “هما بهم كفر”، وقوله “كفر بالله”، و شبه ذلك، وهنا عرف باللام بقوله: “ليس بين العبد و بين الكفر، أو قال الشرك”، و الكفر المعروف ينصرف إلى الكفر المعروف، وهو المخرج عن الملة.
(الثالث): إن في بعض الأحاديث “فقد خرج عن الملة”، و في بعضها “بينه و بين الإيمان”، و في بعضها “بينه و بين الكفر”، و هذا كله يقتضي أن الصلاة حدٌّ تدخله إلى الإيمان إن فعله و تخرجه عنه إن تركه.
(الرابع): أن قوله “ليس بين العبد و بين الكفر إلا ترك الصلاة”، وقوله “كان أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة”، لا يجوز أن يراد به إلا الكفر الأعظم؛ لأن بينه و بين غير ذلك مما يسمى كفراً أشياء كثيرة، و لا يقال فقد يخرج عن الملة بأشياء غير الصلاة، لأنا نقول هذا ذكر في سياق ما كان من الأعمال المفروضة، وعلى العموم يوجب تركه الكفر، وما سوى ذلك من الاعتقادات فإنه ليس من الأعمال الظاهرة.
(الخامس): أنه خرج هذا الكلام مخرج تخصيص الصلاة و بيان مرتبتها على غيرها في الجملة، و لو كان ذلك الكفر فسقاً لشاركها في ذلك عامة الفرائض.
(السادس): أنه بيَّن أنها آخر الدين، فإذا ذهب آخره ذهب كله.
(السابع): أنه بيَّن أن الصلاة هي العهد الذي بيننا و بين الكفار، وهم خارجون عن الملة ليسوا داخلين فيها، و اقتضى ذلك أن من ترك هذا العهد فقد كفر، كما أن من أتى به فقد دخل في الدين، ولا يكون هذا إلا في الكفر المخرج عن الملة.
(الثامن): إن قول عمر “لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة” أصرح شيء في خروجه عن الملة، وكذلك قول ابن مسعود و غيره، مع أنه بيَّن أن إخراجها عن الوقت ليس هو الكفر، وإنما هو الترك بالكلية، وهذا لا يكون إلا فيما يخرج عن الملة.
(التاسع): ما تقدم من حديث معاذ “فإن فسطاطاً على غير عمود لا يقوم”، كذلك الدين لا يقوم إلا بالصلاة، وفي هذه الوجوه يبطل قول من حملها على من تركها جاحداً، وأيضاً قوله: “كانوا لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر”، وقوله: “ليس بين العبد وبين الكفر”، وغير ذلك مما يوجب اختصاص الصلاة بذلك، وترك الجحود لا فرق فيه بين الصلاة وغيرها، ولأن الجحود نفسه هو الكفر من غير ترك، حتى لو فعلها مع ذلك لم ينفعه، فكيف يعلق الحكم على ما لم يذكر؟ ولأن المذكور هو الترك، وهو عام فيمن تركها جحوداً أو تكاسلاً، ولأن هذا عدول عن حقيقة الكلام من غير موجب فلا يلتفت إليه) أهــ ([213]).
[المفتاح الثامن]: أهم أسباب خطأ ابن تيمية في حكم تارك الصلاة تكاسلا: أهم أسباب هذا الخطأ هو الذهول عن قواعد الإيمان التي اصلها المتخصصون في هذا العلم من مدارس العقيدة واصول الدين التي كتب الله لها القبول في الأرض من السادات الأثرية والاشعرية والماتريدية، واهمها:
(1) مسمى الإيمان قول وعمل،ويدخل فيه: قول القلب التصديق وعمل القلب الانقياد وقول اللسان الإقرار وعمل الجوارح.
(2) الإيمان أصل وفرع وأصل الإيمان قول وعمل، قول القلب من العلم والمعرفة والتصديق وعمل القلب من الانقياد والإذعان والقبول، وفرع الإيمان قول وعمل ويدخل فيه كل شعب الإيمان.
(3) أصل الإيمان هو أدنى ما يصح به الإيمان وهو مطلق الإيمان، وهو إيمان أصحاب قبضة الرحمن وأصحاب شفاعة الرحمن التي لا تنبغي إلاّ للرحمن.
(4) أصل الإيمان ليس صفة ثناء ولا مدح وإنما هو أقل ما يعطي لصاحبه اسم الإيمان الذي تجرى عليه به أحكام الإيمان، فليس هو اسم الثناء بالإيمان وإنما هو اسم الإيمان الذي تجرى به أحكام الإسلام.
(5) ليس بعد أصل الإيمان سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار.
(6) أصل الإيمان لا يمنع من دخول النار ولكنه يمنع من الخلود الأبدي فيها خلود الجاحدين المكذبين، (7) أصل الإيمان محله القلب ويشمل قول القلب (التصديق)، وعمله (الانقياد)، وله لازم لابد وأن يظهر على جارحة اللسان وهو الإقرار.
(8) عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا غنى عن أحدها: الأول: قول اللسان (الإقرار)، والثاني: قول القلب (المعرفة والعلم والتصديق)، والثالث: عمل القلب (الانقياد والإذعان).
(9) أعمال الجوارح كلها خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرعه الواجب والمستحب.
(10) ضد أصل الإيمان أو أحد عناصره الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وكل كفر كان ضداً للإيمان الفرع فهو كفر في إطار الملة وليس خارجها.
(11) فرع الإيمان هو ما يسميه العلماء (الإيمان المطلق) أو (الإيمان الكامل) وهو الأشهر عندهم،.
(12) الإيمان الكامل قسمان: الأول: الكامل الكمال المأمور به وهو الإيمان الواجب، الثاني: الكامل الكمال المندوب إليه وهو الإيمان الكامل المستحب.
(13) الإيمان الواجب يكون بأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات إضافة إلى وجود الأصل.
(14) الإيمان المنفي في نصوص الشرع (الكتاب والسنّة) المقصود منه نفي الإيمان الواجب وليس نفي أصل الإيمان.
(15) الإيمان الكامل المستحب يكون إضافة إلى وجود أصل الإيمان وواجبه التحلي بالمندوبات والتنـزه من المكروهات والشبهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح بمسنون الطاعات.
(16) الإيمــان ثــلاث مراتـب: أعلاها مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله، المؤدي لكافة شرائع الإيمان فرضاً ونفلاً ويليها مرتبة المقتصد، المؤدي للفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات لا يزيد على ذلك ولا ينقص منه، وأصحاب هذه المرتبة يدخلون الجنة ابتداء، وأقلها: (مرتبة الظالم لنفسه) وهو المؤدي للأركان الخمسة وأهمها الصلاة ولكنه مقصّر في أداء بعض الفرائض والواجبات والواقع على بعض الكبائر والمحرمات، وصاحب هذه المرتبة إلى المشيئة إن شاء الله عز وجل غفر له وإن شاء عذبه حتى يخرج من النار بشفاعة المؤمنين والملائكة والنبيين، وأدنى هذه المرتبة الثالثة: (مرتبة أصل الإيمان وحدّه الأدنى الذي يصح به الإيمان) وهي درجة التوحيد المجرد عن الأعمال (فلم يعمل خيراً قط) من أهل شفاعة الرحمن (وهم أصحاب القبضة)، الذين يخرجهم الله عز وجل من النار، وصاحبها هو الذي جاء فيه قسم الله عز وجل ((وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله)) أي معتقداً لها، وهؤلاء هم آخر أهل النار خروجاً من النار وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة وأدناهم فيها منزلة، وليس بعد ذلك سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين المكذبيـن.
وقد رأينا كيف أنّ جماهير السلف والخلف من العلماء على هذا القول، والتفريق بين ترك الصلاة جحودا وتكاسلا، وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني والنووي في المجموع والشوكاني في نيل الأوطار ، ([214]).
لقد أورث الإمام ابن تيمية أتباعه غلوا في هذا الباب، وخرقا للقواعد الأصولية العامة التي تضبط علم الإيمان والكفر، والتي من أهمها كذلك: أنّ الكفر الأكبر: كفر اعتقاد وجحود، والكفر دون كفر: كفر عمل مجرد عن الاعتقاد: وأنّ هذه القاعدة: (الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله) قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله، ومن أمثلة على تطبيقات العلماء لهذه القاعدة: يقول الطحاوي وهو يشير إلى عقيدة أهل السنّة: ” ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وله وبكل ما قاله وأخبر مصدقين، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله إلى أن قال ولا يخرج العبد من الإيمان إلاّ بجحود ما أدخله فيه ” أهـ، فأهل القبلة مسلمين مؤمنين بما جاءوا به من الإقرار والتصديق – أي الانقيادي لأنه قول أهل السنّة قاطبة، وأن أهل السنّة والجماعة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بالذنوب والمعاصي إلاّ إن لازمها استحلالا قلبياً، وأن باب الإسلام هو الإقرار والتصديق الانقيادي ومن هذا الباب يدخل المرء إلى الإسلام وكما أنه دخل من هذا الباب فلا يخرج إلا منه بمعنى أنه لا يكفر الكفر الأكبر حتى يصدر منه ما يناقض إقراره وتصديقه وانقياده، وهذا هو ما عبّر عنه الإمام الطحاوي بالاستحلال والجحود، ويقول ابن عبد البر وهو يطبق القاعدة -: وذلك بعد ذكره لحديث ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)) ([215]). قال: ” فيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرهـا، ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقد نيته فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً إلا برفع ما كان به مسلماً وهو الجحود لما كان أقرّ به واعتقده . والله أعلم “([216]).
***
المبحث الرابع تحقيق القول في مسألة كفر تولي الكافرين وبيان أنّه كفر أكبر لمن كانت الموالاة على أساس الدين وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وكانت الموالاة على أساس الدنيا
[المفتاح الأول]: شرع الإسلام شرع محكم يوافق بعضه بعضاً {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] ومن توافق هذا الشرع المحكم هو ما اتفق عليه الأئمة المحققون من علماء أهل السنّة والجماعة أنّ أصل الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه هو الإقرار والاعتقاد، وأنّ عمل الجوارح خارج عن أصل الإيمان الفاصل بين الإيمان الأصل والكفر الأكبر داخل في الإيمان الواجب، وعلى ذلك فمن أتى بالإقرار والاعتقاد للشرع وأحكامه ولم ينقضهما بناقض متعلق بهما فقد سلم عقده وقلبه وهو في منجى من الخلود الأبدي في النار مهما قصّر بـه عمله، ومن أقر بالشرع واعتقده ثم قصّر به عمله فقد أخلّ بالإيمان الواجب الذي ضده الكفر في إطار الملة فلا يحكم بردته لأنه قد أتى بحسنة الاعتقاد والإقرار.
ومع تطبيق هذه القاعدة الحكيمة التي حبى الله عز وجل بها فقهاء أهل السنّة والجماعة في مسألة الموالاة والمعاداة نعلم يقيناً أنّ مناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة هو الموالاة الباطنة للكافرين على دينهم، أمّا من وقع في موالاة ظاهرة وقلبه سليم وعقده سليم ولم يوال على الكفر ولا لأجله وإنما لحاجة أو شهوة أو هوى فاسد فهو كافر ولكنـه في إطـار الملـة، ومع عرض أدلة الموالاة من الكتاب والسنّة سنعلم يقيناً أنّه المناط الحكيم الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة، وسار عليه علماء أهل السنّة والجماعة المقتدى بهم في الدين.
[المفتاح الثاني]: يطلق الولاء في الشرع على عدد من المعاني الشرعية: وجميعها يرجع إلى أصلها اللغوي وهو القرب والدُنّـو، وأهم هذه المعاني ثلاثة هي النصـرة والمتابعـة بمعنى الطاعـة والمحبـة القلبيـة ومنهـا المـودة، المعنى الأول: ولاء النصرة: وهو أظهر معاني الولاء في القرآن الكريم ومن ذلـك قوله تعالى {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ،} [البقرة: 257] قال الخطابي: ((الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين)) ([217]). وقوله تعالى{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51] قال القرطبي: (هو مولانا) أي ناصرنا ([218]) . وقوله تعالى{أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [يوسف: 101] قـال الطبـري: ” أنت ولييّ ” أي ناصـري([219]). وقوله تعالى{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196] قـال الطبـري: “إنّ ولييّ الله ” أي نصيـري وظهيري ([220]).
وعلى ذلك فأظهر معاني الولاء في القرآن هو النصرة ومن والى قومـاً فقـد تولاهـم ومنـه: قوله تعالى{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] فالنصـرة واجبـة بيـن المؤمنيـن والمؤمنات.
والمعنى الثاني: ولاء المتابعة والطاعة: ومنه وقوله تعالى{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ،} [الأعراف: 3] والمعنى أنّ من اتبع ما أنزل الله فقد اتخذ الله تعالى ولياً ومنه قوله تعالى{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} [الأنعام: 14]، ومن اتبع غير الله فقد اتخذ من دونه أولياء.
والمعنى الثالث: ولاء المحبة والمودة: ومنه قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 23 – 24] ومن تدبّر الآية يتضح تعلق الولاء بالمحبة وأنّ المحبة نوع من الولاء، ويجب صرف ولاء المحبة إلى الله ورسوله والجهاد في سبيله، ومن كان ولاؤه لشيء من أمور الدُنيا أشدّ من ولائه لله ورسوله ونصرة دينه فليتربص خذلانا من الله تعالى، والله لا يهدي القوم الفاسقين، ومنه قوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} الآية [الممتحنة: 1] فالمودة ولاء وصرف ولاء المودة واجب لله ولرسوله والمؤمنين ومحرّم صرفه إلى الكافرين.
(قلت) وكل معنى شرعي للولاء يجب صرفها لله ورسوله ولدينه وللمؤمنين كما جاء في قوله تعالى{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56]، وكما أوجبها المولى سبحانه في حق الله ورسوله ودينه والمؤمنين فقد أوجب ضدها في حق الكافرين وتتمثل في عدائهم وجهادهم: (أشداء على الكفار (، {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193]، {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].
ويتمثل كذلك في بغضهم وإظهار الكراهية لكفرهم {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ،} [المجادلة: 22]، قد جعل المولى سبحانه لنا القدوة في الأنبياء في إظهار العداء والبراء لهم ومنه قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ،} [الممتحنة: 4]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التحريم: 9] وحرّم المولى جل شأنه على المسلمين موالاة الكافرين، كما قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]، وقال تعالى {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ،} [آل عمران: 28]، فالتحذير الرباني من موالاة الكافرين شديد تلحظه في قوله تعـالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ،} [المائدة: 51] وقوله تعالى{فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [أل عمران: 3] وقوله تعالى{وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1].
[المفتاح الثالث]: فقه أحكام الولاء والبراء: قد تقدم أنّ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين هو من أوجب الفرائض وأعظم الواجبات، وأنّ المفرّط فيهما على خطر عظيم من دينه نسأل الله السلامة، ومع ذلك فالمفرّط فيهما مثله تماماً مثل تارك الحكم بما أنزل الله وتارك الصلاة وتسري عليه قواعد الشريعة الضابطة للمسألتين اللتين سبقتاه، وينطبق عليه الضابط الذي أجراه الله تعالى على لسان الحبر البحر عبد الله بن عباس من التفريق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة، وهو الضابط الذي وضحناه وأصلناه في القواعد السابقة، فموالاة الكفّار ليست كفراً بإطلاقها وإنما لها مناطـات إذا توافـرت كـان الكفر الأكبر وإذا لم تتوفر كان الكفر في إطار الملة، وهذا هو الفقه الذي حبى به الله عز وجل أهل السنّة والجماعة الناجية فلا يكفّرون إلاّ المستحق للكفر بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً دون ضابط يمنع من التراشق بالكفر واللعن، ومناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة: (هو الموالاة القلبية الاعتقادية على الدين أو المعاداة القلبية الاعتقادية على الدين).
فموالاة الكافرين لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون موالاة قلبية متعلقة بكفرهم ودينهم، فمن والى الكفّار وشايعهم على الدُنيا لرحم أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فهذا كفر في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإذا وجد في المسلمين من يوالي الكافرين بنوع من أنواع الولاء ثم أعلن بلسانه أنّ عقده سليم وقلبه سليم وأنه بريء منهم ومن كفرهم وأنه ما والاهم إلاّ مداراة أو مصادفة لرحم عندهم أو حاجة أو مصلحة فهذا لا تبلغ به الموالاة إلى الكفر الأكبر لسلامة قلبه وعقده وموالاته كفر في إطار الملة وصاحب الكفر دون الكفر عموماً على خطر عظيم لقربه من هاوية الكفر الأكبر، ومعاداة المؤمنين كذلك لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون معاداة قلبه متعلقة بإسلامهم وإيمانهم، فمن عادى المؤمنين على دُنيا أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فكفره في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر ومصداقه قوله صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر}، فالقتال هنا كفر ولكنه بإجمـاع أهل السنّة كفر في إطار الملة وإلاّ كفّر بعضنا بعضاً بالمعاصي والآثام، وقد ثبت بنص القرآن أنّ المؤمنين يكون بينهم اقتتال وهم على اسم الإيمان وحكمه كما في قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، إلى قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} الآية [الحجرات: 9 – 10].
وعلى ذلك فمناط التكفير في مسألة الموالاة والمعاداة: هو موالاة الكافر ظاهراً وباطناً على الكفر و معاداة المؤمنين ظاهراً وباطنـاً على الإسـلام، فإذا تخلف هذا الضابط أو أحد شروطه وجوانبه كأن كانت الموالاة ظاهراً دون الباطن أو كانت لدُنيا وليست لدين فهي كفر في إطار الملة وليست بالردّة، وليس هذا تهويناً من شأن الموالاة والمعاداة، فشأنها عظيم ويكفي أنّ ما كان منها ظاهراً فهو (كفر) في إطار الملة وليس بالأمر الهين لفظ الكفر ولا بالأمر السهل أن يوصف المرء بالكفر في إطار الملة فهو أشد وأخطر من الكبائر عامة، والمحرمات كافة لأنه قريب من الكفر الأكبر وصاحبه على خطر عظيم إن لم تتداركه رحمة الله بالتثبيت، وكما أنه ليس تهويناً من شأن الولاء والبراء ركن الدين الركيز.
فهو كذلك انضباط بضوابط أهل السنّة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر، فلا يكفّرون إلاّ من يستحق الكفر بضوابطه الرصينة، ولا يسوون بين الجاحد المنكر والمقر المعتقد فيكفّرون كليهما بالعمل الظاهر دون التثبت من سلامة العقد والقلب، وهذه من حِكمَ الشريعة الباهرة التي خصّ الله تعالى بها أهل الفقه في الدين ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
(قلت) ما سبق تقرير موجز لفقه أحكام أهل السنّة والجماعة في مسائل الـولاء والبراء وإليك الأدلة والله المستعـان:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الممتحنة: 1 – 3]، فقد اتفق أهل العلم بالتفسير وبالحديث على أنّ سبب نزول هذه الآيات هو قصة الصحابي الجليل حاطب رضي الله عنه وما كان من موالاته للمشركين في مكة، وقد أخرج هذه القصة ورواياتها المتعددة أهل العلم بالحديث الأئمة البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والإمـام أحمـد في مسنـده،([221]).
ولا يختلـف أحد من أهل العلم أنّ هذه الآيات نزلت بسبب قصة حاطب رضي الله عنـه، والإلمام بهذه القصة ورواياتها المتعددة والتي تدلنا في مجموعها على أنّ الموالاة التي تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر هي الموالاة الباطنة على الكفر، دون الظاهرة، والموالاة الظاهرة فهي وإن كانت خطيرة وعظيمة إلاّ أنها كفر في إطار الملة، ولا تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإلاّ لاستتاب النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً من هذا الكفر بعدما أقسم له حاطب أنه مؤمن بالله ورسوله، وأنه ما فعل ذلك ردة عن دينه ولكن مصانعة للمشركين لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد، ولنـا هنــا وقفتــان: (الأولى): أن النبي صلى الله عليه وسلم صدقه في قوله ولم يستتبه من الكفر، فدلّ ذلك على أنّ الموالاة الظاهرة على الدُنيا ليست من قبيل الكفر الأكبر، وإنما هي من باب الكفر في إطار الملة، ومعلوم أنّ كل كفر أو ذنب في إطار الملة لا يحتاج إلى استتابة من الكفر، إذ الاستتابة على الكفر إنما هي تتعلق بالكفر الأكبر دون الأصغر، (الثانية): وهي مؤكدة للأولى فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد غفر لأهل بدر، والله عز وجل لا يغفر أن يُشرك به، ومن المعلوم أنّ الآية تتعلق بالكفر الأكبر، وعليه أجمع العلماء، وعلى ذلك فأهل بدر عصمهم الله عز وجل من الكفر الأكبر، ولمّا كان حاطب بدريا فهو بعيد عن الكفر الأكبر.
ولمّا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالتوبة من هذا الذنب ولم يوضح ما يدل على أنه ردّة مُخرج من الملة ويحتاج إلى تجديد إسلامه، دلّ ذلك كله على أنّ ما فعله حاطب ليس من إطار الكفر الأكبر، فالموالاة الظاهرة والتي وقع فيها حاطب رضي الله عنه ليست مخرجة من الملة بالكلية، بل هي في إطار الملة ولهذا أقال النبي صلى الله عليه وسلم عثرته وأخبر بفضل أهل بدر وهو منهم، ولو تدبرنا قول حاطب رضي الله عنه ((والله يا نبي الله إني لمؤمن بالله ورسوله ((نعلم أنه يؤكد أنها موالاة ظاهرة لا تتعدى ذلك إلى القلب لأن القلب مؤمن بالله ورسوله وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وأمر المسلمين أن لا يقولوا له إلاّ خيراً، بمعنى لا يتهموه بكفر ولا نفاق، فاعتذار حاطب لدرء الكفر الأكبر هو اقتصار الموالاة على الظاهر دون الباطن، والرسول صلى الله عليه وسلم يقبل بهذا الاعتذار لدرء الكفر الأكبر ويُبين لنا أن الرحمن بفضله ورحمته غفر لأهل بدر ذنوبهم فقد أعلمه الله تعالى أن الله غفر له ذلته العظيمة بما تقدم من صالح عمله عندما شهد بدراً، وقد يقال لعلّ الموالاة الظاهرة كفر أكبر وحاطب قد تاب منهما فتاب الله عليه والله يقبل توبة الكافر والمشرك متى تاب.
(قلت) لو كانت الموالاة الظاهرة دون الباطنة كفر أكبر بذاتها لوضح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لحاطب لمّا اعتذر له بثبات الإيمان في قلبه وأنها مجرد موالاة ظاهرة، وبيّن له أن هذا العـذر لا يُفيد لأن الموالاة ظاهرها وباطنها سواء، وبيّن له ضرورة التوبة من الكفر الأكبر الذي وقع فيه، فهل لنا أنّ نظن في النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة لاسيما والدواعي كلها تطلب ذلك والبيان ليس في أمر هين وإنما هو في أهم مسائل الدين [الإيمان والكفر] وإلاّ لكتم النبي صلى الله عليه وسلم بعض العلم ومن ادعى ذلك كفر، ولم يأتنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجلّ ذلك البيان ثم ذكره في موضع آخر، مما يدل يقيناً على أنّ الولاء قسمان ظاهر لأجل الدُنيا، وباطن لأجل الدين، فما كان منها من قبل الأول فهو كفر في إطار الملة، وما كان منها من قبيل الثاني فهو كفر وردّة عن دين الله، فكيف إذا جمع له القسمان فذاك الكافر الـذي فيـه قولـه تعالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، ومن تمت له الموالاة الظاهرة بمفردها لمداراة أو تقية فذاك الذي نزل فيه قول الله تعالى {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28]،
***
المبحث الخامس خطورة الغلو في التكفير بلا ضابط من الفقه ولا ورع في الدين
[المفتاح الأول]: خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحه: أهل السنّة والجماعة يخالفون عامة الفرق في هذا الامر فالملاحظ على غالب الفرق الضالة الولوج في مسالك تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم، أمّا علماء أهل السنّة والجماعة فهم أشد الناس حرصاً على الاحتياط في تكفير المسلمين، وذلك لأنهم يعلمون أن تكفير المسلم جدّ خطير لأنه يعني أنه مرتد مهدور الدّم والمال، يجب على أولياء أمر المسلمين قتله بعد استتابته وإقامة الحُجة عليه، ويعني أنه لا يحل لزوجته البقاء معه لأنه لا يجوز أن تكون المسلمة زوجة لكافر، ويعني أنه إذا مات لا تجرى عليه أحكام المسلمين بل تجري عليه أحكام الكفّار من عدم تغسيله وعدم الصلاة عليه وعدم دفنه في مقابر المسلمين ولا يُورث ماله، وهو إذا مات على حالة من الكفر فلا تجوز الرحمة عليه بل يستوجب اللعنة والخلود الأبدي في النار.
[المفتاح الثاني]: من أدلة علماء أهل السنّة والجماعة على قاعدة خطورة تكفير المسلم ووجوب الاحتياط عند الحكم عليه، أحاديث عديدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها:
(1) قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلاّ رجعـت عليـه) ([222]).
(2) قوله صلى الله عليه وسلم: (من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلاّ حار عليه) ([223]).
(3) قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) ([224]).
(4) قوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من أصل الإيمان الكف عّمن قال لا إله إلاّ الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يُقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالقدر) ([225]).
[المفتاح الثالث]: من أقوال علماء أهل السنّة والجماعة التي تدل على حرصهم الشديد على عدم تكفير المسلم إلاّ بالشيء المجمع عليه: يقول الغزالي رحمه الله: (والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلاّ الله خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم) ([226]).
ويقول أيضاً: (لم يثبت لنا أن الخطأ في التأويل موجب للتكفير، فلابد من دليل عليه، وثبت لنا أنّ العصمة مستفادة من قول (لا إله إلاّ الله) قطعاً فلا يدفع ذلك إلاّ بقاطع، وهذا القدر كاف في التنبيه على أنّ إسراف من بالغ في التكفير ليس عن برهان، فإن البرهان إمّا أصل أو قياس على أصل والأصل هو التكذيب الصريح، ومن ليس بمكذب فليس في معنى الكذب أصلاً يتبقى تحت عموم العصمة بكلمة الشهادة) أهــ ([227]). والمستفاد من هذا النقل أنّ من أقر بالشهادتين فإن له العصمة (عصمة الدم والمال) بيقين فلا تدفع إلاّ بيقين مماثل كالتكذيب الصريح بشيء من دين الله قامت عليه الحُجة الشرعية بـه، ويقول النووي رحمه الله: ” أعلم أنّ مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الأهواء والبدع ـ الخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم ـ وأنّ من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حُكم بردته وكفره إلاّ أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه مما يخفى عليه، فيعرف ذلك، فإن استمر حكم بكفره، وكذلك من استحل الزنى أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يُعلم تحريمها ضرورة “([228]). فالنووي رحمه الله ينسب إلى مذهب أهل الحق عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب وعدم تكفير أحد من أهل الفرق الضالة والأهواء والبدع ممن يقر بالإسلام ويعتقده، وأنه لا يكفر بيقين إلاّ من جحد المعلوم من الدين بالضرورة أو المستحل للمحرمات التي يُعلم تحريمها بالضرورة ولا يكفر حتى تقام عليه الحُجة الشرعية بذلك.
ويقول ابن عبد البرّ رحمه الله: ـ” كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام، لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حُجـة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلاّ باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنّة والجماعة ـ وهم أهل الفقه والأثر ـ على أنّ أحداً لا يخرجه ذنبه ـ وإن عظم ـ من الإسلام وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفر إلاّ من اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له كتاب أو سنّة ” أهـ،([229]).
ولله دره،فكل من ثبت له عقد الإسلام بإجماع فهذا لا يكفر إلاّ بإجماع آخرأو دليل لامعارض له بحيث يمكن به ترجيح جانب عدم الكفر، ولله دره فكم بلغ من احتياطه في مسائل التكفير حتى أنه يقول (فالواجب في النظر أن لا يكفر إلاّ من اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له.
ويقول الشاطبي رحمه الله: ” وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى، ولكن الذي يقوى في النظر وبحسب الأثر عدم القطع بتكفيرهم والدليل عليه عمل السلف الصالح فيهم، ألا ترى إلى صنع عليّ رضي الله عنه في الخوارج وكونه عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام على مقتضى قول الله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] الآية، فإنه لمّا اجتمعت الحرورية وفارقت الجماعة لم يهاجمهم عليّ ولا قاتلهم، ولو كانوا بخروجهم مرتدين لم يتركهم لقوله عليه السلام ((من بدل دينه فاقتلوه)) ولأن أبا بكر رضي الله عنه خرج لقتال أهل الردّة ولم يتركهم فدّل ذلك على اختلاف ما بين المسألتين، وأيضاً فحين ظهر معبد الجهني وغيره من أهل القدر، لم يكن من السلف الصالح لهم إلاّ الطرد والإبعاد والعداوة والهجران، ولو كانوا خرجوا إلى كفر محض لأقاموا عليهم الحدّ المقام على المرتدين، وعمر بن عبد العزيز أيضاً لمّا خرج في زمانه الحرورية بالموصل، أمر بالكف عنهم على ما أمر به عليّ رضي الله عنه ولم يعاملهم معاملة المرتدين “([230]).
وكلامه رحمه الله فيه دلالة واضحة على احتياط السلف الاحتياط البالغ في تكفير المسلم المقرّ بالشهادتين حتى وإن كان من الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
[المفتاح الرابع]: المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحجة الشرعية: (الأدلة على صحة هذه القاعدة): علماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة وبعض المتعجلين في مسائل التكفير دون التحقق من استيفاء شروطه وانتفاء موانعه، وقد يظن بعض المتعجلين في مسائل التكفير أن قيام الحُجة لا يكون إلاّ لحديث العهد بالإسلام أو من نشأ ببادية بعيدة فقط، حتى قال قائلهم (كل من تلبس بكفر أكبر ينقل عن الملة فهو كافر بعينه في ظاهر أمره، فإذا ما توقف البعض عن إطلاق اسم الكفر عليه ولاعتبارات واقعية معينة أملتها ضرورات الظروف المحيطة بالدعوة في مراحل خاصة وليس كموقف فقهي يعتقـده الداعية ويتبناه ” أهــ ([231]).
نقول الذي عليه أهل السنّة والجماعة أن المسلم المتلبس بالكفر لا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة الشرعية بالكفر ولا يتوقف ذلك على حديث العهد بالإسلام ومثله، فقد يكون مولوداً بدار إسلام ولكن غاب عليه أن ما فعله كفر أكبر أو تأول ذلك وهو لا يظن أن ما وقع فيه هو الكفر الأكبر، ولذلك فإقامة الحُجة ليست مقصورة على حديث العهد بالإسلام فقط وإنما على كل مسلم أقر بالإسلام وتلبس بالكفر، وهذا القائل لم يحقق مذهب أهل السنّة والجماعة في مسائل التكفير وهو يقول بقول المعتزلة ويظن أنه قول السلف ـ نسأل الله السلامة من الفتن ومنها فتنة تكفير المسلمين بغير علم ولا هدى ـ وعموماً فإن الكتاب المُشار إليه قد احتوى على مخالفات كثيرة تُخالف مذهب أهل السنّة والجماعة لاسيما في مسائل التكفير، قال ابن قدامة المقدسي حيث يقرر تلك القاعدة بقوله: (وقد رُوى أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ، فيخرج فيمن كان مثلهم مثل حكمهم، وكذلك كل جأهل بشيء يمكن أن يجهله لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ” أهـ،([232]).
(قلت) ابن قدامة ينسب تلك القاعدة إلى إجماع الصحابة رضي الله عنهم حيث استحل الصحابي قدامة بن مظعون وجماعة معه شرب الخمر، ومعلوم أن استحلال المحرمات كفر أكبر مخرج من الملة، ولكن الصحابة لم يكفروهم بل أقاموا عليهم الحُجة وعرفوهم بحكم شرب الخمر وحرمته وأزالوا الشبهة التي عرضت لهم وعذروهم بالجهل، ثم قال رحمه الله بعد ذكر هذه القصة ” وكذلك كل جأهل بشيء يمكن أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك ويزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ” أهـ، وهذه القاعدة التي أجمع عليها الصحابة رضي الله عنهم ذكرها البخاري رحمه الله في صحيحه وجعلها باباً مستقلاً فقال: ” باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحُجة عليهم وقول الله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] “،.
وقال العينى في عمدة القارئ شرح صحيح البخاري: ((أشار البخاري بهذه الآية الكريمة إلى أن قتال الخوارج والملحدين لا يجب إلاّ بعد إقامة الحُجة عليهم وإظهار بطلان دلائلهم والدليل عليه هذه الآية لأنها تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون)) أهـ([233]).
[المفتاح الخامس]: [ضوابط أهل العلم في إقامة الحُجة وكونها معتبرة شرعاً]: لأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث قواعد لا يسع أهل العلم اهمالها، وإلاّ آل الأمر بهم إلى التعجل في تكفير أهل القبلة، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في: (1) لا تكون الحجة معتبرة شرعاً حتى تستوفي شروطها من جهة صفتها وصفة من يقيمها وصفة إقامتها.
(2) لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه.
(3) عند الاختلاف في تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير.
(الضابط الأول): لا تكون الحجة معتبره شرعاً حتى تستوفي شروطها من جهة صفتها وصفة من يقيمها وصفة إقامتها: والحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث، جهة صفة الحُجة، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة صحيحة صريحة أو إجماع أهل العلم، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالإسلام والعدالة والعلم والدليل على ذلك قوله تعالى {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] فالنذارة لا تكون إلاّ من فقيه ولهذا يقول ابن حـزم في كتـاب الإحكـام ” وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا وجوب قبول نذارة العدل النافر للتفقه في الدين، فإذا كان الراوي عدلاً حافظاً لما تفقه فيه أو ضابطاً له بكتابة وجب قبول نذارته، فإن كان كثير الغلط والغفلة غير ضابط بكتابة فلم يتفقه فيما نفر للتفقه فيه، وإذا لم يتفقه فليس ممن أمرنا بقبول نذارته، ومن جهلنا حاله فلم ندر أفاسق هو أم عدل، أو غافل هو أم حافظ أو ضابط ففرض علينا التوقف عن قبول خبره حتى يصح عندنا فقهه وعدالته وضبطه أو حفظه، فيلزمنا حينئذ قبول نذارته أو يثبت عندنا جرحته أو قلة حفظه وضبطه فيلزمنا إطراح خبره “([234]).
وعلى ذلك فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية على هؤلاء الذين يجهلونه، والله تعالى إنما أمر الجأهل أن يسأل من يعتقد أنه من أهل العلم بدليـل قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [ابراهيم: 4]، فإذا كان لا يعرف لغة مقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة عليه إلاّ بترجمان يترجم الحُجة إلى لغته التي يفهمها، ويُشترط فيها كذلك أن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها، ودليل ذلك قوله تعالى {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92]، وقوله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]، وهذا الأمر هو ما دعا ابن حزم لأن يقول ” وصفة قيام الحُجة هو أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها “([235]).
وعلى ذلك فالحُجة المعتبرة شرعاً يُشترط فيها كل ما سبق سواءً فيما يتعلق بصفة الحُجة نفسها أو صفة من يقيمها أو صفة إقامتها، فإن اختل شرط من تلك الشروط فلا يصح تكفير المسلم الذي يشهد الشهادتين بحُجة ناقصة أو غير معتبرة شرعاً، فهذا من صفات المتعجلين في التكفير الذين لا يعلمون أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الدالة على خطورة تكفير المسلم والتي منها قوله صلى الله عليه وسلم ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان ما قال وإلاّ رجعت عليه)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلاّ حار عليه)).
(الضابط الثاني): لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه: وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
(الأول): شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً عاقلاً عالماً بأن فعله مكفر متعمداً قاصداً لفعله مختاراً له بإرادته، وعلى ذلك فشروط الفاعل بمفرده خمسة لابد وأن تتحقق فيه وهي: البلوغ والعقل والعلم بكون ما وقع فيه مكفّر الكفر الأكبر المخرج من الملة والتعمد والقصد لهذا الكفر والاختيار التام له بحيث لا توجد عنده شبهة إكراه.
و(الثاني): شروط في الفعل نفسه (الذي هو سبب الكفر) وهذه الشروط تتمثل في أن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة، لأن من دخل الإسلام بيقين (أي الإقرار بالشهادتين) لا يخرج منه إلاّ بيقين، ولا يجوز الحكم على المسلم بالكفر واستحلال دمه وماله وعرضه بغير يقين.
ومن شروط الفعل أن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره، كالسجود للعَالِم مثلاً، فقد يكون بقصد العبادة وهذا كفر أكبر وقد يكون بقصد التعظيم والتكريم وهذا معصية لا تصل إلى حد الكفر.
ومن شروط الفعل أن يكون الدليل الشرعي صريح الدلالة على كفره الكفر الأكبر المخرج من الملة فإن، كان محتمل الدلالة فلا يجوز التكفير به، إذ الاحتياط في أمر المسلم أهم شرعاً من المجازفة بتكفير.
و(الثالث): شروط في إثبات الكفر على صاحبه، وذلك لأنه قد يكفر الشخص ثم لا يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقتلهم بكفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم من الكفر وإلاّ قتله، لم يحدث ذلك لأنهم ما ثبت كفرهم بشهادة مسلمين وإنما كان كفرهم فيما بين بعضهم بعضا، وكبير المنافقين أبي بن أبي سلول لمّا نزل فيه قولـه تعـالى {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8] ما شهد عليه إلاّ غُلام من قومه فقط وهو زيد ابن أرقم رضي الله عنه وأرضاه ـ ولذلك لم يقم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّ الكفر ولا ثبت أنه استتابه قط0.
أمّا موانع تكفير المسلم التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في:
(أولاً): موانع في المعين وهي كثيرة منها الصغر والجنون فكلاهما لا يؤاخذ بشيء من أحكام الكفر لارتفاع القلم عن أقواله وأفعاله في هذا الشأن، وكذلك فمنها الخطأ كالذي ينطق بالكفر وهو لا يقصده لقوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ،} [الأحزاب: 5]، فإذا كان المعين بالغاً عاقلاً قاصداً للكفر كانت الموانع في حقه ثلاثة هي الجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع.
(أ) مانع الجهل: – ومثاله أن يقع المسلم في الكفر الأكبر وهو يجهل أنه كفر أكبر مخرج من الملة، فجهله يمنع من الحكم عليه بالكفر حتى يُعّرف وينتفي عنه مانع الجهل، وأهل السنّة والجماعة يقولون بأنّـه لا عذاب في الدُنيا ولا في الآخرة إلاّ بعد البلاغ والعلم وإلاّ فالجهل عذر مانع من وقوع العذاب عليه، فإن كان مسلماً يشهد الشهادتين كان الجهل مانعاً من كفره فضلاً عن عدم وقوع العذاب عليه.
(ب) مانع التأويل: – ومثاله أن يقع المسلم في الكفر الأكبر متأولاً لدليل شرعي ظنه يدل على عدم الكفر فأخذ به، أو بسبب عدم فهمه للدليل الشرعي الدّال على الكفر الأكبر فتأول لما وقع فيه من الكفر الأكبر وهو في قرارة نفسه لا يراه كفراً أكبر فهذا عند أهل السنّة والجماعة معذور بتأويله فلا يكفر إلاّ بعد أن تقام عليه الحُجة الشرعية المعتبرة شرعاً، والمتعجل بتكفيره مخالف لهدي أهل السنّة والجماعة.
(ت) مانع الإكراه: – ودليله قوله تعالى {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 16]، ومثاله أن يُكره المسلم على كلمة الكفر بتهديد بالقتل أو بالعذاب الشديد وغير ذلك من أمثلة الإكراه الملجئ إلى النطق بكلمة الكفر، وبعد فهذه أهم موانع الحكم بالكفر على مسلم ثبت إسلامه بيقين فلا يُحكم بكفره حتى تنتفي عنه موانع الكفر وأهمها مانع الجهل ومانع التأويل ومانع الإكراه.
(الضابط الثالث): عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير: وهذا الضابط هو من أهم ما يميز أهل السنّة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره، وفي بيان هذا الضابط: يقول الإمام أبو حامد الغزالي: ” والذي ينبغي الاحتراز منه التكفير ما وجد إليه سبيلا فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم “([236]).
ولهذا كان من ضوابط أهل السنّة والجماعة في مسائل التكفير ترجيح الاحتياط، لكون الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة لاسيما إذا كانت حكماً بالكفر الأكبر يُحل الدماء والأموال والأعراض،
***
([1]) شرح العقيدة الطحاوية ص 331.
([5]) تفسير الطبري 18/155 – 156.
([7]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11/292 – 293.
([8]) تفسير ابن كثير 3/328 ط، دار الخير.
([9]) صحيح البخاري 8/125 ح 6612، صحيح مسلم 4/2046 ح2657.
([11]) أحكام القرآن لابن العربي: 2: 275.
([12]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 7/77.
([13]) الحديث سبق تخريجه. انظر فتح الباري ج13/21، وشرح النووي ج 2/55.
([15]) صحيح مسلم 1/82 ح 67، شرح النووي ج 2/57.
([16]) صحيح البخاري 8/77 ح 6362، فتح الباري 6/421.
([17]) صحيح مسلم 1/83 ح 68، شرح النووي 2/57.
([18]) الحديث سبق تخريجه ، فتح الباري 10/423 وشرح النووي 2/49.
([20]) المصدر السابق، شرح النووي 2/70.
([21]) أخرجه الخمسة عن بريدة صحيح الجامع الصغير 2/760، 3/ 414.
([22]) صحيح مسلم بشرح النووي 2/54
([23]) صحيح مسلم بشرح النووي 2/55.
([24]) المغنى لابن قدامة 2/157 ـ 158.
([25]) أضواء البيان 4/322″ وهو عند النووي في شرح المهذب 13/17.
([26]) التمهيد 23 / 288 – 290.
([27]) تفسير القرطبي 16 / 308.
([28]) تفسير الآية جامع البيان للطبري 16/34.
([29]) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 1/271.
([31]) أحكام القرآن لابن العربي 2/752.
([32]) الصلاة وحكم تاركها لابن القيم ص 26 – 27 ط، دار الحديث.
([33]) شرح العقيدة الطحاوية ص 313 .
([34]) نقله عنه بن تيمية في كتابه الإيمان ص 307.
([36]) نقله عنه بن تيمية في كتابه الإيمان ص 255.
([37]) المستدرك علي الصحيحين 4/182 ح 7300.
([39]) مسند أحمد18/226 ح 11692.
([41]) السنن الكبرى للنسائي 2/326 ح 1846.
([42]) السنن الكبرى للبيهقي 16/486 ح 16575.
([43]) مسند أحمد 39/39 ح 23630.
([44]) سنن ابي داود 6/54 ح 3915.
([45]) سنن ابن ماجة 2/538 ح 1612.
([46]) صحيح البخاري 1/16 ح 33.
([47]) سنن ابي داود 7/287 ح 4956.
([48]) المرجع السابق 4/184 ح 2532.
([49]) الإيمان لابي عبيد القاسم بن سلام ص 36 – 37.
([50]) الاعتقاد للبيهقي ص 188.
([51]) شعــب الإيمـان 1/49.، 144.
([52]) الاعتقاد للبيهقي ص 115.
([54]) الشفا للقاضي عياض 2/1072 – 1073.
([55]) أحكـام القرآن لابن العربي 2/752.
([56]) الجامع في طلب العلم 2/860.
([57]) الجامع لعبد القادر صـ 466.
([59]) المرجع السابق ص 476: 477.
([65]) صحيح البخاري 4/206، الموطــأ 2/819 صحيح مسلم3/1317 ح 1691سنن أبي داود 6/494 ح4446 جـ4/154 وما بعده مسند الإمام أحمد 1/451 ح سنن ابن ماجة 3/125ح (2558).
([67]) الإتقان في علوم القرآن 1/28.
([69]) صحيح مسلم ك الحدود 3/1327 ح 1700 مسند الإمام أحمد 30/490.
([77]) كتاب الإيمان لأبي عبيد ص45 ط، المكتب الإسلامي.
([79]) البحر المحيط لابن حيان 3/493 ط، دار إحياء التراث.
([91]) تفسير الألوسى 6/140 ط، دار إحياء التراث.
([92]) تفسير القاسمى جـ6/1999 ط، عيسى الحلبي.
([94]) تفسير ابن كثير 3/112 ط، دار قهرمان.
([103]) الجامع لأحكام القرآن 6/190.
([107]) تفسير الواحدي 1 / 321.
([109]) الناسخ والمنسوخ للنحاس: 1 / 402.
([110]) تفسيرالثعالبي 1 / 465.
([111]) التمهيد لابن عبد البر 5 / 74: 75.
([112]) التمهيد لابن عبد البر ج17 / 16.
([114]) أحكام القرآ لابن العربي 2 / 127.
([115]) أحكام القرآن للجصاص 4 / 93.
([116]) التفسير الكبير للرازي 6/6.
([118]) تفسير النسفي 1 / 284: 285.
([120]) تفسير البيضاوي 2 /331.
([121]) تفسير أبي السعود 3 / 42.
([122]) تفسير القرآن العظيم 2/61.
([123]) الموافقات للشاطبي 3 /147.
([124]) تفسير البحرالمحيط سورةالمائدة – 40: 48.
([126]) تذكرة الأريب في تفسير الغريب ج1 / 141.
([127]) الفصل لابن حزم 3 / 302.
([129]) تفسير القرطبي 10 / 118.
([130]) تفسير ابن كثير: 4 / 24.
([132]) تفسير الواحدي: 1 / 377.
([133]) تفسير الواحدي: 1 / 497.
([134]) تفسير النسفي: 2 / 128.
([135]) تفسير البغوي: 2 / 353.
([138]) تفسير البيضاوي: 5 / 373.
([139]) تفسير أبي السعود: 7 / 30.
([140]) الردة عن الإسلام ص57 – 58 ط، مكتبة طيبة 1405 هـ
([141]) ضوابط التكفير عند أهل السنّة ص 256.
([142]) تحكيم الشريعة وصلته بأصل الدين ص 41 – 42.
([143]) إن الله هو الحكم الاستاذ محمد شاكر الشريف ص 88 – 91.
([144]) المغني لابن قدامة 2/157، المجموع للنووي 3/14، نيل الأوطار للشوكاني 1/291.
([146]) المغني لابن قدامة 2/157 ط، دار الفكر.
([147]) الموطأ 1/123 ح 14، مسند أحمد 37/366 ح 22693، سنن ابن ماجة2/408 ح 1400، سنن ابي داود 2/560 ح 1420، سنن النسائي 1/311 ح 461.
([148]) المجموع شرح المهذب 3/17 ط،دار الفكر.
([149]) نيل الأوطار 1/344 ط، مصطفى الحلبي.
([150]) التمهيـد لمـا في الموطـأ من المعـاني والأسانيــد حـ23 / 288 – 290 ط، مكتبــة الوادي.
([151]) مسند الشاميين للطبراني3/245 ح 2180.
([152]) صحيح البخاري 4/165 ح 3435.
([153]) التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد 23/296 – 301.
([154]) مشكل الآثار للإمام الطحاوي 4/222 – 227 ط، دار صادر بيروت.
([155]) الفتاوي الحديثه 2/84 للحافظ السخاوي.
([156]) المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم 1/271 – 272 ط،دار ابن كثير
([157]) أضواء البيان 4 /317 – 318.
([160]) نيل الأوطار 1/344 – 345.
([161]) مسند أحمد 15/299 ح 9494، سنن ابن ماجة 2/425 ح 1425. سنن أبي داود2/149 ح 864.
([163]) مسند أحمد 35/390 ح 21495. سنن النسائي 2/138 وقال الهيثمي في المجمع ” رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات ” حـ2/273.
([164]) مسند أحمد 43/155 ح 26031، المستدرك للحاكم 4/619 وقال الحاكم صحيح الإسناد.
([167]) مسند أحمد 18/395، سنن ابن ماجة 1/41 ح 60، سنن النسائي8/192 ح 5011. صححه الألباني وقال اسناده صحيح على شرط الشيخين (رسالته حكم تارك الصلاة ص32:35.
([168]) مسند أحمد 11/571 ح6994، سنن ابن ماجة 5/356 ح 4300، سنن الترمذي 5/24 ح 2639.
([169]) الصلاة وحكم تاركها ص15 ط،دار الحديث
([170]) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان ص3 وأخرجه الحاكم في المستدرك حـ1/ 70 ح 52 وقـال حديث صحيح على شرط البخاري.
([171]) مشكل الآثار 4/231 ط، دار صادر
([172]) مشكل الآثار 4/232 – 233 .
([173]) المجموع شرح المهذب 3 /17.
([174]) مسند أحمد 15/164ح 9288.
([175]) سنن ابي داود 6/51 ح3906.
([176]) سنن الترمذي 4/110 ح1535.
([177]) مصنف عبدالرازق 8/535 ح 18281.
([179]) انظر أضواء البيان 4/322.
([183]) المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم 1/271 ط، دار ابن كثير.
([184]) الفتاوي الحديثه 2/84 .
([186]) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد1/99.
([187]) المغنـــي لابن قدامة 2/156.
([190]) نيل الأوطار 1/288 – 289.
([192]) موطأ مالك 1/171 ح 84، مسند الشافعي ص 320، مسند أحمد 39/73 ح 23670.
([195]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1854.
([197]) المجموع شرح المهذب 3/1.
([199]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد 1/402.
([202]) المغني لابن قدامة 2/158.
([204]) مسائل عبدالله بن الإمام أحمد بن حنبل ص56/195 نقلاً عن تارك الصلاة للألباني.
([207]) حكم تارك الصلاة للألبانى ص57 – 59 ط،دار الجلالين.
([208]) طبقات الشافعية الكبرى 1/220.
([209]) الانتقاء لابن عبدالبرّ ص73.
([211]) المقنع 1/358، المغني لابن قدامة 2/302، منح الشفا الشافيات للبهوتي ص103.
([212]) نقله عن الحافظ في الفتح 12/300.
([214]) المغني 2/157، المجموع 3/14،نيل الأوطار 1/291.
([216]) التمهيد 23 / 288 – 290.
([217]) لسان العرب لابن منظور 3/985.
([218]) تفسير القرطبي حـ 8/161.
([219]) مختصر تفسير الطبري ص273.
([221]) حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، قَالَ: تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِحِبَّانَ: قَدْ عَلِمْتُ مَا الَّذِي جَرَّأَ صَاحِبَكَ – يَعْنِي عَلِيًّا -. قَالَ: فَمَا هُوَ لَا أَبَا لَكَ؟ قَالَ: قَوْلٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالزُّبَيْرَ وَأَبَا مَرْثَدٍ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ، قَالَ: ” انْطَلِقُوا حَتَّى تَبْلُغُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَائْتُونِي بِهَا ” فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفْرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، قَالَ: وَكَانَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِي مَعَكِ؟ قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَأَنَخْنَا بِهَا بَعِيرَهَا، فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا، فَلَمْ نَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَقَالَ صَاحِبَايَ: مَا نَرَى مَعَهَا كِتَابًا. فَقُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتُمَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ حَلَفْتُ: وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ لَئِنْ لَمْ تُخْرِجِي الْكِتَابَ لاجَرِّدَنَّكِ. فَأَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتِ الصَّحِيفَةَ، فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: ” يَا حَاطِبُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ” قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا بِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا لَهُ هُنَاكَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. قَالَ: ” صَدَقْتَ، فَلا تَقُولُوا لَهُ إِلا خَيْرًا ” فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: ” أَوَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ عز وجل اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمِ الْجَنَّةُ ” فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ: اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ
صحيح مسلم 8/1941 ح 2494، مسند أحمد 2/195: 196 ح 827، سنن ابي داود 4/286:287 ح 2650.
([225]) سنن ابوداود 4/184 ح 2532،
([226]) الاقتصاد في الاعتقاد ص223
([227]) الاقتصاد في الاعتقاد ص224
([228]) شرح مسلم للنووي 1/150.
([231]) الجواب المفيد في حكم جأهل التوحيد ص119.
([232]) المغني لابن قدامة 10/86.