(الفصل الخامس) الفرق الضالة في باب الإيمان والكفر
تمهيد: عن تفرق الأمة.
المبحث الأول: تمايز أهل السنّة عن الفرق الضالة.
المبحث الثاني: الخوارج وضلالهم في باب الإيمان والكفر.
المبحث الثالث: المعتزلة وضلالهم في باب الإيمان والكفر.
المبحث الرابع: المرجئة وضلالهم في باب الإيمان والكفر.
المبحث الخامس: الجهمية وضلالهم في باب الإيمان والكفر.
المبحث السادس: الشيعة وضلالهم في باب الإيمان والكفر،
المبحث السابع: الحشوية المتمسلفة وضلالهم في باب الإيمان والكفر.
***
[تمهيد: عن تفرق الأمة]
ظهور الفرق الإسلامية أمر مقدر: فقد ورد الخبر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فقد أخرج أحاديث الافتراق ورواياته المتعددة جم غفير من أئمة الحديث منهم الإمام أحمد في مسنده والأئمة أبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن والحاكم في المستدرك وابن أبي عاصم في السنّة والهيثمي في مجمع الزوائد والبغوي في شرح السنة، وابن حجر في المطالب العالية والسيوطي في الجامع الصغير والدر المنثور والألباني في صحيح سنن الترمذي وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، وقد صحح روايات هذا الحديث جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي وغيرهم من المحققين كثير، وعلى ذلك فالخبر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في افتراق الأمة ثابت معتبر عند أهل السنّة والجماعة، ذكر السيوطي أنه حديث متواتر والتواتر هو أعلى درجات الصحة والتوثيق([1]).
ومن روايات الحديث الدالة على حدوث التفرق: (الرواية الأولى): عن أبي هريرة – رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([2]).
و(الرواية الثانية): عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ” ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ” ([3]).
و(الرواية الثالثة): عن معاوية ابن أبي سفيان – رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([4]).
و(الرواية الرابعة): عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) ([5]).
وبعد: فهذه بعض روايات حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، ومع استقراء وتتبع حال الفرق الضالة وجدت أنه ما من فرقة مرقت عن سبيل أهل السنّة والجماعة الأعلام المقتدى بهم في الدين إلا وأخطأت في مسائل الإيمان والكفر ولا شك أن الخطأ يتفاوت ما بين غلو وإفراط وما بين تقصير وتفريط وما بين قرب وبعد عن إطار الحق، أما الغلاة في مسائل الإيمان فهم الخوارج والمعتزلة والحشوية المتمسلفة، والخوارج أضل حالاً وغلوا من المعتزلة، والمعتزلة أضل حالا وغلوا من الحشوية، وأما المقصرون في مسائل الإيمان فهم الجهمية والمرجئة، والجهمية هم غلاة المرجئة وهم لا شك أشد تفريطاً من المرجئة، أما الرافضة الإمامية، فهم يكفرون أهل القبلة كافة عدا أنفسهم، فكل من يخالفهم في اعتقادهم فهو كافر الكفر الأكبر لا ينفعه إيمان بالله ولا برسوله ولا باليوم الآخر ولا ينفعه عمل صالح إلا أن يعتقد اعتقادهم في الإمامة، وعلى ذلك فيتناول هذا الفصل ستة مباحث: (المبحث الأول): الخوارج وضلالهم في باب الإيمان والكفر، و(المبحث الثاني): المعتزلة وضلالهم في باب الإيمان والكفر، و(المبحث الثالث): المرجئة وضلالهم في باب الإيمان والكفر، و(المبحث الرابع): الجهمية وضلالهم في باب الإيمان والكفر، و(المبحث الخامس): الشيعة وضلالهم في باب الإيمان والكفر، و(المبحث السادس): الحشوية المتمسلفة وضلالهم في باب الإيمان والكفر.
***
المبحث الأول تمايز أهل السنّة عن الفرق الضالة
[المفتاح الأول]: الفرقة الناجية من فرق المسلمين هي سواد أهل الإسلام الأعظم أهل السنّة والجماعة: إذ جميع الفرق الإسلامية ترى نفسها الفرقة الناجية، ولكن لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنّة والجماعة لأسباب ثمانية عريضة:
[السبب الأول]: أهل السنّة والجماعة هم الخط العام لجماعة المسلمين التي انشقت منها بقية الفرق، فلم يقبض النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا والصحابة رضي الله عنهم على مثل بيضاء ناصعة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلما فبض النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، واجتمع الأنصار في السقيفة ولحق بهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة من المهاجرين، وأسفر هذا الاجتماع على انتخاب أبي بكر خليفة للمسلمين، وتمت البيعة العامة بعدها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، باتفاق الصحابة، وصار انتخابه هو الخط العام للجماعة فكل من خالف خرج عن الخط العام، وكان زمانه زمان الخير والبركة قضى على المرتدين وأرسل الجيوش لفتح فارس والروم وكانت انتصارات عظيمة للمسلمين في كل الجهات، ثم اجمع المسلمون على قبول ترشيح أبي بكر لعمر كخليفة للمسلمين من بعده واستقر الامر عليه كخليفة وكان عبقريا رسخ أكبر امبراطورية إسلامية قضت على فارس والروم ونشرت الإسلام عزيزا في أرجاء الأرض كلها، فكل من اعترض على عمر فقد خرج عن إطار الجماعة، ثم اغتاله المجوسي في صلاة الفجر ورشح ستة يختار المسلمون من بينهم الخليفة واستقر أمر المهاجرين والانصار على عثمان وتمت له البيعة وأجمع عليه المسلمون فكل من خرج على عثمان خرج عن الخط العام للجماعة الناجية، أكمل عثمان رضى الله عنه فتح البلدان في أقاصي الشرق والغرب وحكم إمبراطورية مترامية الأطراف لم يتيسر لأي أمة قبل أمة الإسلام أن تحكم مثلها عبر التاريخ، وفي آخر عهده كانت هناك جهة تعمل في الخفاء للانتقام والثأر من أهل الإسلام يقودها اليهودي ابن السوداء ابن سبأ حيث جمع أوباش الناس من مختلف الأنصار وكانت له معرفة بتزوير الأختام والرسائل فكان يكاتب الأوباش ويرسل الرسائل المزورة على عثمان في الأمصار ويرسل الرسائل المزورة على كبار الصحابة بوجوب قتل عثمان وتخليص الامة الإسلامية منه، ولم يتفطن الصحابة لذلك المخطط حتى حاصر الاوباش الخليفة عثمان في موسم الحج وانتهزوا فرصة خلو المدينة من اكثر الصحابة ومن حاميتها لان أغلب الصحابة إما كانوا على ثغور الجهاد وإما في مكة المكرمة لأداء مناسك الحج وتجمع الأوباش حول بيت عثمان واقتحموا عليه بيته وقتلوه، وظلوا أربعة أيام هم الممسكون بزمام الأمور في المدينة حتى كان احدهم هو من يأمّ بالناس في الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى لا ينفرط عقد الخلافة سارع الصحابة لمبايعة الإمام علي رضي الله عنه خليفة للمسلمين وكان اول من بايعه الصحابي الجليل المبشر بالجنة طلحة بن عبيد الله واسرع الصحابة لمبايعة علي رضي الله عنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمت له البيعة وكل من كان معه هم خط الجماعة الناجية ومن خالفهم كان على الباطل، وكل الصحابة بمن فيهم أم المؤمنين عائشة والزبير وطلحة ومعاوية رضي الله عنهم وأتباعهم لم ينازعوا عليا رضي الله عنه في الخلافة وإنما كان الخلاف على سرعة الاقتصاص من قتلة عثمان وكان القتلة في جيش الإمام علي رضي الله عنه وكان يطلب المهلة لإدارة أمور الحكم فهي اهم ويأتي بعد ذلك وقت القصاص من قتلة عثمان، الشاهد حدثت خلافات بين الصحابة، كان الحق في جميعها مع وأقرب إلى الإمام علي رضي الله عنه وكان مع الصحابة الذين خالفوه وجه اجتهاد مقبول ولكنهم كانوا أبعد الطائفتين عن الحق، وكانت يستحيل ان تؤول هذه الخلافات إلى حروب لولا كيد السبئية اتباع عبد الله بن سبأ وسعيهم لانشاب القتال كلما كاد الصحابة ان يتفقوا، وهذا قدر الله.
وظل علي رضي الله عنه يجاهد من اجل توحيد كلمة المسلمين والحفاظ على الخلافة الواحدة حتى مرقت أولى الفرق الضالة وهي (الخوارج): خرجوا عن خط الجماعة وكفروا الإمام علي بزعم أنه قبل بالتحكيم وانه لا حكم إلا لله، وقد قال لهم تقولون كلمة حق أريد بها باطل لأنه لابد من وجود قاض يبين حكم الله فاستحلوا دمه ودم أصحابه فقاتلهم في النهروان وقضى على أكثرهم ولكن تمكن أحدهم من ضربه بخنجر مسموم وهو ينادي في الناس لصلاة الفجر، فطالبه المسلمون ان يستخلف فأبى فاختار الناس ابنه الحسن بن علي رضي الله عنه سيد شباب أهل الجنة فكان له رأي آخر يجمع به المسلمين على راية واحدة فتنازل عن الخلافة لمعاوية على ان تتوحد الامة وتسقط الدماء المطلوبة وتحققت به بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري في صحيحه أبي بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر – والحسن بن علي إلى جنبه -، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) ([6]).
فهذا الحسن رضي الله عنه وأرضاه ترك الخلافة لا عن جبن ولا عن قلة ولا عن ذلة بل لمراعاة أمر الدين ومصلحة المسلمين وحقن دمائهم ولرغبته فيما عند الله، فكان سيدا أصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فئة علي وفئة معاوية، لما رآه من حقن دماء المسلمين، ومن تدبر نص الرسول صلى الله عليه وسلم علم أن الفئتين من المسلمين، وانه يجوز للخليفة أن يخلع نفسه إذا كان في ذلك مصلحة للامة، الشاهد اجتمعت الامة في هذا العام عام (41 هجري) وسمي عام الجماعة، فمن خرج على خط الجماعة كان من أهل الضلال، وبعد الصلح صارت الجماعة هي الخط العام الراضي بخلافة معاوية بعدما تنازل له الإمام الحسن رضي الله عنه.
وهكذا في مقابل الخوارج ظهر الروافض من شيعة الإمام علي، ومن تدبر الأمر بإنصاف وجد ان أهل السنّة والجماعة هم شيعة الإمام علي عن فقه وعلم وحكمة، والروافض هم كل من قدم الإمام علي على أبي بكر وعمر تقديم تنقيص لهما أو اتهام لهما بأنهما استبدا بالأمر وظلما علي واخذا حقه وكيف ذلك وقد أجمع صحابة النبي رضي الله عنهم على البيعة لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن خالف في ذلك فقد أزرى بكل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم العدول بشهادة القرآن والحديث وإجماع أهل السنّة والجماعة، فالروافض يبغضون الصحابة على زعم انهم ظلموا آل البيت حقوقهم وظهر في المقابل تيار آخر يبغض آل البيت وهم النواصب، لقد كان الخط العام للجماعة الأم الترضي عن الصحب كافة والآل كافة فالصحب هم حملة القرآن والدين والسنّة إلينا وهم الذين حكم القرآن والحديث بعدالتهم، والآل هم الاطهار المطهرون ذرية النبي صلى الله عليه وسلم وأهل وصيته وهم الثقل الثاني للأمة على مر العصور بعد القرآن، فالجماعة الام تترضى عن الجميع، ولكن (الخوارج) يكفرون كل المسلمين إلا انفسهم و(النواصب) يبغضون آل البيت خاصة و(الروافض) يبغضون الصحابة خاصة، ولم يطل الزمان حتى ظهرت (القدرية) تنفي قدر الله وفي مقابلها (الجهمية الجبرية) تدعي أن الأمر جبر والإنسان كالريشة في مهب الريح واحتجوا على الله بالمعاصي، وكلاهما خط جانبي عن الخط الأساس جماعة المسلمين الام (أهل السنّة والجماعة)، فالجماعة تجعل الخلق لله الخالق والكسب للإنسان المخلوق فيما أقدره الله عليه.
وعلى نقيض الخوارج ظهر (المرجئة)كرد فعل لتكفيرهم وغلوهم فأخرجوا الأعمال عن الإيمان وجعلوا إيمان العصاة كإيمان جبريل وميكائيل وفتحوا بابا عريضا أيضا نحو التفسخ والانحلال والاستهانة بالمعاصي والذنوب.
وظهرت فرقتان متناقضتان كلاهما خبيث الطوية، وهما (المعتزلة) و (المجسمة)، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، فتحكموا في نصوص الشرع بأهوائهم، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، واستدلوا بالضعيف والموضوع، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف جماعة المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
وأكرم الله تعالى الجماعة الأم (الخط العام للمسلمين) بثلاثة مدارس عقدية بها اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وقامت بالتأصيل لعقائد الكتاب والسنّة واجتهدت في تطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وأكرم الله تعالى الجماعة الأم بعلماء تلك المدارس الأجلاء، الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنّة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول.
وأول تلك المدارس: وهي المدرسة (الأثرية)، وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس.
والمدرسة الثانية هي المدرسة (الأشعرية): وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أوالاعتزال.
والمدرسة الثالثة هي المدرسة (الماتريدية): وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وبمرور الأزمان توالى ظهور بقية الفرق الضالة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستبلغ اثنتين وسبعين فرقة، وظل الخط العام للجماعة (أهل السنّة والجماعة) على الحق مجتمعون وبالسنّة متمسكون فكانوا على مر العصور الجماعة الناجية فلله الحمد والمنة أن جعلنا في زمرة أهل السنّة والجماعة بعيدين كل البعد عن أهل الأهواء والبدع والضلالات، وأهل البغي والغلو والخروج والعدوان والفرقة.
[السبب الثاني]: أهل السنّة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، وكل الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين، ولا تقوى فرقة من فرق المسلمين أن تنسب إلى نفسها حفظ القرآن وتدوينه وتدوين علومه والتي وأوصلها الحافظ السيوطي في كتابه “الإتقان في علوم القرآن” إلى ثمانين علما متعلقا بالقرآن، وتفسيره ونشره سوى أهل السنّة والجماعة الذين يرون عدالة الصحابة أجمعين ويأخذون عنهم القرآن والسنّة، كان اول من جمعه في مصحف واحد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وجمعه على تشكيل واحد الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه، والصحابة رضي الله عنهم هم من جمع القرآن وهم من كتبوه، وهم من نسخوه، وهم من نشروه، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب كلها إلى قراء أهل السنّة والجماعة، الذين تتلمذوا على يد الصحابة، ولهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم، منها سبع قراءات مشهورة، وكل هذه القراءات ونطقها ووردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناقلها الصحابة ثم التابعون ثم تابعوا التابعون، وقد انتشرت الروايات في أنحاء الأرض، وأكثرها انتشاراً رواية حفص عن عاصم حيث تنتشر في معظم الدول الإسلامية لاسيما في المشرق، ورواية قالون في ليبيا تونس، ورواية ورش في الجزائر والمغرب وموريتانيا ومعظم الدول الإفريقية، ورواية الدوري عن أبي عمرو في السودان والصومال، ولا يمكن لأي فرقة أن تزعم أنّ لها في القرآن ما لأهل السنّة من جهود في حمل راية القرآن مصدر الدين الأول والأساس لأنهم أهل القرآن وخاصته.
[السبب الثالث]: أهل السنّة والجماعة هم أهل الحديث وخاصته، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين البخاري ومسلم وكتب السنن للترمذي والنسائي وابي داود وابن ماجة والمسانيد كمسند الإمام أحمد بن حنبل وكتب الجرح والتعديل، التي تمنع من أن يتقول متقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، ولا يوجد حديث مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا عند مدرسة أهل السنّة والجماعة ولا يعرف أحد علوم الحديث والتي أوصلها ابن الصلاح في مقدمته إلى خمسة وستين علما، إلا عند أهل السنّة والجماعة، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة ومعرفة السنّة.
[السبب الرابع]: كل الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين. والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين، هم أهل السنّة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع.
[السبب الخامس]: كل الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي، لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنّة والجماعة، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة.
وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه.
وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان، فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي، وبهذا التخصص العلمي الرصين: صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنّة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم.
[السبب السادس]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض، ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون الجماعة الناجية هم أهل السنّة والجماعة، أهل التوسط والاعتدال.
[السبب السابع]: أهل السنّة والجماعة هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، قال صلى الله عليه وسلم: ((وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة)) لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنّة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنّة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال.
[السبب الثامن]: أهل السنّة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ” إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم “، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)) ([7]).
ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنّة والجماعة)، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية الإصلاح والتجديد سوى راية أهل السنّة والجماعة.
[المفتاح الثاني]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين الفرق الضالة: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض.
(أولاً): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر: بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، فالخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة جميعهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، فأما الخوارج والمعتزلة فأدخلوا فيه عمل الجوارح، ولهذا فالخوارج يعتبرون مرتكب الكبيرة كافراً، والمعتزلة يسلبون منه مسمى الإيمان، فيجعلونه لا مؤمناً ولا كافراً، والجهمية والمرجئة يعتبرونه مؤمناً كامل الإيمان، أما أهل السنّة والجماعة فهم يجعلون الإيمان منه ما نهو أصل ضده الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومنه ما هو واجب، وضده الكفر دون كفر والفسوق والعصيان، ومرتكب الكبيرة عندهم مسلم لا يزال في مرتبة الإسلام، وهو عندهم مؤمن فاسق عاص، مؤمن بأصل إيمانه فاسق بكبيرته، فلا يسلبون عنه أصل الإيمان الناقل من الكفر الأكبر إلى الإسلام كما تفعل الخوارج والمعتزلة، ولا يصفونه بالإيمان الكامل كما تفعل الجهمية والمرجئة.
(ثانيا): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام القضاء والقدر: بين الجهمية والجبرية من جهة الغلو وبين القدرية والمعتزلة من جهة التفريط فيه، فالجهمية والجبرية أفرطوا في القضاء والقدر، فنفوا فعل العبد أصلا، وجعلوا الإنسان مجبورا ليس له أي اختيار، وقالوا الإنسان مجبور على عمله كالريشة في مهب الريح، والقدرية والمعتزلة فرطوا في القضاء والقدر، وقالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله وليس لله تأثير على هداية العبد أو على إضلاله، أما أهل السنّة والجماعة: فتوسطوا وجعلوا له اختيارا، ولكن اختياره مربوط بمشيئة الله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وقالوا: إن العباد فاعلون والله خالقهم وخالق أفعالهم، كما ذكر القرآن: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، وعندهم أنّ الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، ولكن ليس معنى ذلك، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وعندهم أنّ من طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، والله تعالى يقول: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23].
(ثالثاً): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب التوفيق بين المعقول والمنقول: بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد، أو حتى في تدبر وفهم النصوص المتعارضات، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة، ويتجنبون تفريط المجسمة المشبهة، فمذهبهم في ذلك أوسط المذاهب، يعرفون ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى في اطار صريح المعقول، وليس المقصود به عقل الجأهل ولا عقل القاصر، وإنما عقل العالم المتخصص الفاهم الفقيه، ثم يوفقون بينه وبين صحيح الشرع، في توسط وفقه واعتدال حبى الله تعالى به أهل السنّة والجماعة دوناً عن أهل البدع والأهواء من أهل الإفراط والتفريط.
(رابعاً): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه بين (النواصب) و(الخوارج) من جهة التفريط، وبين (الرافضة) من جهة الغلو والافراط، فالنواصب قالوا: بفسق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والخوارج قالوا: بكفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والرافضة قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أما أهل السنّة والجماعة: قالوا بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة راشد وإمام عادل، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء، وقالوا أنّه يهلك فيه فريقان أحدهما يقصر عن فضله حتى يكفره، والثاني يغالى فيه حتى يرفعه فوق منزلته ويكفّر من أجله أبا بكر وعمر وعثمان وعامة الصحابة رضي الله عنهم.
(خامساً): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب الصحابة بين (الرافضة) الذين يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل يكفرونهم إلا نفراً يسيراً، وفي المقابل (الخوارج) يكفرون علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون من والاه، أما أهل السنّة والجماعة، فهم يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا ولا يكفرون أحد منهم، وإنما يؤمنون ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم.
(سادساً) وسطية أهل السنّة والجماعة في باب آل البيت: بين الرافضة والنواصب، فالرافضة يصلون ببعض آل البيت إلى درجه العصمة، وببعض آل البيت إلى الفاحشة والنفاق والفجور، والنواصب يبغضون آل البيت ويكرهونهم، أما أهل السنّة والجماعة فهم يحبون آل البيت جميعا، ويوالونهم جميعا، وكذلك لا يرضون لما نالهم من الأذى، ويحبونهم المحبة الشرعية التي جعلها الله تبارك وتعالى لسائر المؤمنين وزيادة لقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم.
[المفتاح الثالث]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التخصص العلمي في كل علوم الدين: إذ تطرق القرآن الكريم إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى، اتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص، فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه، احتاج الناس إلى ضبط القرآن وعدم اللحن فيه، فنشأ علم النحو، وعلم أحكام التلاوة وعلم القراءات، ثم احتاج الناس إلى معرفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم تدوين الحديث، انتشر الحديث وخاف العلماء من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم الجرح والتعديل وبقية علوم الحديث، واحتاج الناس إلى معرفة معاني آيات القرآن فنشأ علم التفسير، واحتاج الناس إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام فنشأ تدوين علم الفقه،، ثم احتاج الناس إلى معرفة أدلة الفقه الأساسية فنشأ تدوين علم أصول الفقه، ظهرت الآراء الضالة في العقيدة واحتاج الناس إلى معرفة أصول الدين وعقائده فنشأ تدوين علم التوحيد (علم العقيدة وأصول الدين)، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم الزهد والتزكية وهو ما عُرف باسم (التصوف)، وهذا على وجه الإجمال، أمّا بعض التفصيل:
(احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه): فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين: مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء، وتفرعت وتعددت مجالاتها، وظهرت داخلها علوم القراءات، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل، وصار أهل السنّة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، لا يشاركهم في جمع القرآن وضبطه غيرهم من فرق الإسلام، وجميع فرق المسلمين عالة عليهم في القرآن وعلومه، وصار لهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم، منها سبع قراءات مشهورة، وكل هذه القراءات ونطقها ووردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناقلها الصحابة ثم التابعون ثم تابعوا التابعون، وقد انتشرت الروايات في أنحاء الأرض، وأكثرها انتشاراً رواية حفص عن عاصم حيث تنتشر في معظم الدول الإسلامية.
(ثم احتاج الناس إلى الحديث)، فظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وكان من أعلامها المتخصصين في علم الحديث: البخاري، ومُسْلِم، أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والأعلام المتخصصين في الجرح والتعديل وعلم الرجال مثل شُعْبة بن الحجَّاج، ويحيى بن سعيد القَطَّان، وعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وعلي بن المَديني، والإمام أحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وابن أبي حاتم، فهؤلاء وأمثالهم ومن جاء بعدهم من تلامذتهم هم المرجع في علم الحديث وعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال وعلم مصطلح الحديث.
(ثم احتاج الناس إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام) فظهرت مدرسة الفقه، وانتسب إليها طلاب العلم، وعرفوا باسم الفقهاء، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين ((مذاهب)) ولم تسمى ((فرق))، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين التي يؤدي الخلاف فيها إلى التفرق المذموم وظهور البدع والفرق الضالة في مقابل الفرقة الناجية ؛ وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع: وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا، والاختلاف فيها اختلاف تنوع وليس تضاد، ولا يدخل في الاختلاف المذموم، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر.
وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، وهل يستطيع طالب علم – اليوم – أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة، لقد كان لكثير من علماء السلف الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة، ولكن آراء الصحابي أو العالم لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه، كما أنها لم تُخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام.
لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة، مع العلم بأنّها (المذاهب الفقهية) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة.
(ثم استفحل أمر الفرق الضالة) والتي كان أهم أسباب ظهورها هو الجهل بالدين، أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق:
(فالخوارج) جمعوا آيات في توحيد الحاكمية، ولم يجمعوا إليها علمها الفقهي الذي يكون بمثابة الضابط لها، ولم يحترموا المتخصصين فيها كالإمام على رضي الله عنه، وحبر الأمة وفقيهها عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما، وماذا كانت النتيجة كفّروهما وكفروا سادة الامة من الصحابة والتابعين خبر قرون الإسلام، واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم، وكانوا كلاب أهل النار كما ورد بذلك الخبر، مع أنّ جباههم تقرحت بسبب قيام الليل وطول السجود.
(والشيعة) نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على فضل الإمام علي رضي الله عنه، وفضل آل البيت، ولم يجمعوا إليها الآيات والأحاديث الدالة على فضل الصحابة ومناقبهم، ثم لم يحترموا تخصص أكثر الصحابة في السياسة الشرعية للأمة واختيارهم لخيرهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم – أبو بكر الصديق رضي الله عنه – ليكون خليفة للمسلمين، فانتقصوا من المهاجرين والأنصار الذين قام على أكتافهم بناء دعوة الإسلام، ثم تعدوا ذلك إلى تكفير أكثرهم، وبدأ الانحراف العقدي يزداد ميلا.
(والقدرية) نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على مسؤولية الإنسان على أعماله، دون النظر إلى غيرها من الأدلة على أنّه لا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاء الله، فأنكروا القدر، ولم يطلبوا العلم الوافي ولم يحترموا المتخصصين فيه أمثال عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، وكما قيل عنهم أرادوا أن ينزهوا الله تعالى عن الظلم، فوصفوه بالعجز، تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيرا، وماذا كانت النتيجة إنها الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
(والمعتزلة) نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، وماذا كانت النتيجة إنها الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
(والمشبهة)، (والمجسمة) على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وماذا كانت النتيجة إنها الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
(ولما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة، لبيان عقائد الفرقة الناجية، والرد على الفرق الضالة، فظهرت مدارس العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة)، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه.
(ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، وإذا كان أهل السنّة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) كمدارس متخصصة في العقيدة، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة) كمدارس متخصصة في الفقه، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: ((قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”) (الحديث سبق تخريجه) وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق، والتصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنّة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان.
وعلى ذلك استقر لهم (أهل السنّة والجماعة) على مر عصور الإسلام السابقة: في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية، والثانية: الأشعرية، والثالثة: الماتريدية، واستقر لهم (أهل السنّة والجماعة) في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنّة والجماعة يشمل هؤلاء، وهم سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة.
[المفتاح الرابع]: ضرورة احترام المدارس العلمية المتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل الحق والعدل، أهل الرسوخ في العلم، أهل السنّة والجماعة الناجية، إنّ احترام التخصص العلمي والرد في علوم الشريعة إلى أهلها المتخصصين، ضرورة علمية، وطلب العلم بالدين لا يتأتى أبداً إلا باحترام التخصص العلمي، واتباع أحسن ما أنتجه المتخصصون في علومهم، وقد أمرنا الله تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه، ومظانه عند أهل التخصص فيه، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها، وهكذا، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه.
[المفتاح الخامس]: تتبع المتشابهات هو أهم سبب لظهور الفرق الضالة: أصول الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي أربعة هم (الخوارج) و (الروافض) و (المعتزلة) و (الحشوية)، وكان من أهم أسباب ظهورها هو تتبع المتشابه الذي حذر منه القرآن الكريم قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ ثم قال: ((فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم)) ([8]). لقد وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وفي الحديث السابق حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم، وعلى ذلك فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم.
والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنّة في ذلك هي التوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
ومن المتشابهات بعض النصوص التي يوهم ظاهرها نسبة النقص إلى جناب الذات الإلهي، فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى كالوجه والعين واليد، ومنها نصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء، وهناك نصوص توهم الحدوث والتغير من حال إلى حال، وكل ذلك مستحيل على جناب الله الأحد الصمد القديم بجناب ذاته وصفاته، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه سبحانه.
[المفتاح السادس]: لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم، إذ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فلا يكفي فيه الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)) ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير، وانتفاء موانعه، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء أهل السنّة والجماعة، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق ((كلها في النار إلا واحدة)) أن نحكم عليها بأنها في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك.
[المفتاح السابع]: أهل الفرق الضالة مسلمون، لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان، فلا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام، لان أهل الإسلام ثلاثة أصناف، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، وجميعهم داخلون في الاصطفاء وهم أهل الإسلام، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد)) ([9]). وقال صلى الله علية وسلم: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)) ([10]).
وقتل المسلم أهون من تكفيره، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها: أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج أهل السنة، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه.
ولا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين، قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144]، وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن، فقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس، وأنهم أمة واحدة من دون الأمم، يجب أن يعم الإخاء والوفاق بينهم جميعا لعموم النصوص في ذلك.
[المفتاح الثامن]: الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة هدي رباني رشيد، إذ ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق ((كلها في النار إلا واحدة)) كون الفرق الضالة في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة، وقد حبى الله تعالى أهل العلم بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية: بدعة الخروج، وبدعة التشيع، وبدعة الاعتزال، وبدعة الحشو، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات، ولا يجوز استحلال شيء من حرماتهم لأجل بدعتهم.
[المفتاح التاسع]:أهم الأحكام الفقهية السديدة التي تتعلق بالمبتدع:
[1] (مسألة تكفير المبتدع): لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها: (الشرط الأول): أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة، (الشرط الثاني): أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنّة في تكفير المعين، وذلك أن المتقرر عند أهل السنّة والجماعة: أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه، (الشرط الثالث): قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء،
[2] (مسالة قتل المبتدع): الأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله، وفي الحديث ((لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) ([11]).
وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لايزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً) ([12]).
وقال العلماء في شرحه: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول.
[3] (مسألة بغض المبتدع): يجب بغض البدعة باتفاق أهل السنة، والمبتدع مسلم، نحبه لإسلامه، ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة، نبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع ونحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان، ولا يجوز أن يبغض البغض المطلق كبغض الكفار، لأنّه في نهاية المطاف ما كانت بدعته غير مكفرة فإنّ مآله إلى الجنّة لحرمة لا إله إلا الله، وفضل لا إله إلا الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من إيمان) ([13]). وما جاء في حيث الشفاعة المتفق عليه ((فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله)) ([14]) .
وما أخرجه البخاري ومسلم: عنه صلى الله عليه وسلم قوله لمعاذ: ((ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار)) قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: ((إذا يتكلوا)) وأخبر بها معاذ عند موته تأثما،([15]) . وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري: ((اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه)) ([16]) .، وحديث أبي ذر رضي الله عنه في صحيحي البخاري ومسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر))، ([17]).
فالحاصل انه مسلم إن مات على ذلك فهو من اهل الجنة، واهل الجنة لا يبغض الله ذواتهم، الشاهد نبغض بدعتهم أم هم فلا إلا ان تكون البدعة مخرجة عن الدين فلا ولا كرامة نسأل الله السلامة.
[4] (مسألة معاداة أهل البدع): المبتدعة الذين لا يزالون في دائرة الإسلام فإننا نعادي بدعتهم ولا نعاديهم هم، وندعو لهم بالهداية، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين، والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم، قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، والمسلمون إخوة في الإسلام، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].
[5] (مسألة البراءة من أهل البدع): تجب البراءة من البدعة نفسها، والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام فإننا نبرأ من بدعته، ولكن له ولاء الإسلام العام وننصحه ونرشده ولا نعاديه مطلق العداء، لأنّه من أمة النبي صلى الله عليه وسلم ، أمة القرآن، امة الاصطفاء، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [فاطر: 32 و 33].
[6] (مسألة الصلاة خلف المبتدع): تصح الصلاة خلفه، وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف المعتزلة ممن يقولون: القرآن مخلوق، جاء في المجموع شرح المهذب للإمام النووي رحمه الله: ( قال المصنف – رحمه الله تعالى – ( وتجوز الصلاة خلف الفاسق لقوله صلى الله عليه وسلم { صلوا خلف من قال : لا إله إلا الله ، وعلى من قال : لا إله إلا الله، ولأن ابن عمر رضي الله عنهما صلى خلف الحجاج مع فسقه ، ( الشرح ) هذا الحديث ضعيف رواه الدارقطني والبيهقي من رواية ابن عمر بإسناد ضعيف ، ورواه الدارقطني من طرق كثيرة ثم قال : وليس منها شيء يثبت، وأما صلاة ابن عمر خلف الحجاج بن يوسف فثابتة في صحيح البخاري ، وغيره في الصحيح أحاديث كثيرة تدل على صحة الصلاة وراء الفساق والأئمة الجائرين، قال أصحابنا : الصلاة وراء الفاسق صحيحة ليست محرمة ، لكنها مكروهة ، وكذا تكره وراء المبتدع الذي لا يكفر ببدعته ، وتصح ، فإن كفر ببدعته فقد قدمنا أنه لا تصح الصلاة وراءه كسائر الكفار، ونص الشافعي في المختصر على كراهة الصلاة خلف الفاسق والمبتدع ، فإن فعلها صحت ، … وذهب جمهور العلماء إلى صحتها، ( فرع ) قد ذكرنا أن من يكفر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه ، ومن لا يكفر تصح، وقال القفال وكثيرون من الأصحاب: يجوز الاقتداء بمن يقول بخلق القرآن وغيره من أهل البدع ، قال صاحب العدة : هذا هو المذهب، قلت: وهذا هو الصواب فقد قال الشافعي رحمه الله : أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة ونحوهم ومناكحتهم وموارثتهم وإجراء سائر الأحكام عليهم .. قال ابن المنذر: أجاز الشافعي الصلاة خلف من أقامها ، يعني من أهل البدع ، وإن كان غير محمود في دينه [ أي ] أن أبلغ في مخالفة حد الدين هذا لفظه ، قال ابن المنذر : إن كفر ببدعة لم تجز الصلاة وراءه ، وإلا فتجوز وغيره أولى ) أهــ([18]).
[7] (مسألة الصلاة على أهل البدع): الصلاة على الميت المسلم فرض كفاية على المسلمين، أي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وهي واجبة على كل مسلم توفي، هي من شعائر الإسلام المهمة، والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام لم يخرج منها، قال تعالى -في حق المنافقين- : {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبرِهِ} [التوبة: 84]، والمبتدع مسلم وليس منافق معلوم النفاق، وفي صحيح البخاري: عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: نعم، قال: فصلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه) ([19]).
فــ (الأصل): أن المبتدع مسلم يُصلى عليه، لكن إن تخلف عن الصلاة عليه أهل الدين والصلاح زجراً عن فعله وترهيباً من بدعته فحسن، ففرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
[8] (مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة): المبتدع يدعى له ويستغفر له، لأنه مسلم ووجود بدعته لا ينقض أصل إسلامه، فيدعى ويستغفر له، بل هو في هذه الحالة أحوج من غيره بالدعاء له والاستغفار له لأنه مات على هذه المخالفة، والدعاء للمسلم مسنون، والمغفرة تاتي على كل الذنوب إلا الشرك، قال تعال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48]، وهو مسلم داخل في إطار المشيئة ويُرجى أن يُغفر له إن شاء الله.
[9] (مسألة السلام على أهل البدع): الأصل جواز السلام عليه لأن له أسم الإسلام وحكمه، لكن إن كان في ترك السلام عليه من باب زجره مصلحة خالصة أو راجحة رجاء ان يقلع عن بدعته فإنه يترك السلام عليه، وإن لم يكن في ترك السلام على المبتدعة مصلحة خالصة ولا راجحة فإن المشروع السلام عليهم ورده إذا سلموا، لأنهم مسلمون، وإذا كان ترك السلام يؤدي إلى عكس المراد فلا يجوز.
[10] (مسالة هجر المبتدع): يُشرع الهجر في حق المبتدع إن كانت المصلحة الشرعية تقتضي ذلك وإلا فلا يهجر، وأما إذا كان الهجر لا يزيده إلا بعداً ولا يجنى منه إلا المفاسد الخالصة أو الراجحة فإنه يستمر بدعوته ومواصلته ونصحه ولا يهجر، لأن الهجر في حق الكافر مقصود لذاته، وأما الهجر في حق المبتدع فإنه مشروع إن كان يحقق المصلحة الشرعية، فإن كان لا يحققها فلا يشرع.
[11] (مسألة حكم غيبة المبتدع): فالأصل هو تحريم غيبة المسلم، ولا يجوز التوسع في غيبة المبتدع إلا بقدر بدعته، وذلك مثل الميتة فإن الأصل فيها التحريم ولكن يجوز منها للمضطر بقدر ما تندفع به ضرورته، والضرورة هنا تتمثل في وجوب التحذير من أهل الأهواء والبدع ومحاربة بدعهم وكشف زيفها وتحذير العامة من الوقوع فيها وبيان باطلها،
[12] (مسالة مجالسة أهل البدع): جاءت الآثار عن السلف تنهى عن مجالسة أهل البدعة، وكلها محمولة على النهي عن مجالسة رؤوس الفرق الضالة الداعين إليها، ومحمولة على البدع العقائدية العريضة الضالة، والنهي يشمل العامة الغير مسلحين بسلاح العلم بمذهب أهل الحق، أما إذا كان الشخص عالماً بمذهب أهل السنّة قادرا على الرد على ضلالات الفرق الضالة، وأراد أن يجلس معهم لدعوتهم إلى السنّة وإزالة الشبهة وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك، قد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((هلك المتنطعون، قالها ثلاثا)) ([20]).
***
المبحث الثاني الخوارج وضلالهم في باب الإيمان والكفر
المفتاح الأول: التعريف بالخوارج: الخوارج لغةً: جمع خارج، وخارجي اسم مشتق من الخروج، وفي الاصطلاح يمكن تعريفهم بتعرفين هما الأشهر: (الأول): أنهم هم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه وقاتلهم ولذا سموا خوارج، و(الثاني): كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة يسمى خارجيًّا، سواءً كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو غيرهم من التابعين لهم بإحسان،([21]).
فالتعريف الأول باعتبار أول ظهور الخوارج، والتعريف الثاني باعتبارها فرقة استقلت بعقائد معينة ضالة تجعل كل من اعتقد اعتقادها داخل في مسماها، والخوارج ليسوا فرقة واحدة وإنما هم ربما اكثر من عشرين فرقة كل منها يكفر سائرها وسائر المسلمين دونهم، وكل فرقة منهم لا ترى الحق إلا معها ولا ترى الجنة إلا حكر على أتباعها نعوذ بالله من الضلال، وقد ذكروا فيما يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها، فذكر الكعبي في مقالاته: أن الذي يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها: إكفار علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وكل من رضي بتحكيم الحكمين، والإكفار بارتكاب الذنوب، ووجوب الخروج على الإمام الجائر ” أهــ ([22]).
والذي يجمع الخوارج في الصدر الأول إكفار سيدنا علي رضي الله عنه وسيدنا عثمان رضي الله عنه وأصحاب الجمل وقد كان فيهم من الصحابة عدد كبير منهم الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم وإكفار الحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عنهما وأصحاب صفين، وعلى ذلك فحقيقة مذهبهم كان تكفير غالب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان الخوارج في الصدر الأول يتبرأون من أمير المؤمنين عثمان وأمير المؤمنين علي رضي الله عنهما ومن كل من والاهما ويقدمون إعلان ذلك على كل طاعة حتى كانوا لا يصححون مناكحاتهم إلا بهذا التبرؤ، ولقد بلغ بهم الحال إلي تكفير عامة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالذنوب، وليس من أحد بمعصوم عن الذنب فلذلك فإنّ عامة أهل الإسلام في نظرهم كفار حتى يثبت العكس أو حتى ينضم إلى فرقتهم الضالة.
[المفتاح الثاني]: أول الخوارج ظهوراً: أول الخوارج ظهوراً كان على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة تحت باب (ذكر الخوارج وصفاتهم): عن جابر بن عبد الله قال: ((أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجمرانة منصرفة من حنين: وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس فقال: يا محمد اعدل قال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله! فأقتل هذا المنافق فقـال معـاذ الله! أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية)) ([23]).
وأخرج مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري، قال: بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن، بذهبة في تربتها، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر، فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين نأتي الجبين محلوق الرأس فقال: اتق الله يا محمد! قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن يطع الله إن عصيته! أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ قال: ثم أدبر الرجل فأستأذن رجل من القوم في قتله (يرون أنه خالد بن الوليد) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن من ضئضي هذا قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد))، ([24]).
وأخرج مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً أتاه ذو الخويصرى وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله ! اعدل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ويلك ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل ” فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ” يا رسول الله! ائذن لي فيه أن أضرب عنقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء رافيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضبه فلا يوجد فيه شيء (وهو القدح) ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس) قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فألتمس فوجد فأتى به حتى نظرت إليه، على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت، ([25]).
[المفتاح الثالث]: بداية ظهور الخوارج كفرقة ضالة: بدأ ظهـور الخوارج كفرقة ضالة تكفر المسلمين وتستحل دماءهم وأعراضهم في عام 37 هـ عندما بايع الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي أميرا عليهم، واتهموا أمير المؤمنين على رضي الله عنه بأنّه رضي بتحكيم الرجال في دين الله تعالى: وأن هذا التحكيم كفر أكبر مخرج من الملة، واعتلوا لذلك بقول الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، فكفروه بهذا الزعم الضال، وقد حاول رضي الله عنه أن يزيل ما التبس عليهم من أمر التحكيم وأنه إنما حكم كتاب الله عز وجل وشرط على الحكمين أن يحييا ما أحياه القرآن ويميتا ما أماته القرآن، وبين لهم أن القرآن إنما خط مسطوراً بين دفتين لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال، وأرسل إليهم حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فحاورهم وتاب منهم كثير، وأما الباقون فقد انحازوا عن جماعة المسلمين بمكان يسمى النهروان، وتركهم الإمام علي رضي الله عنه وشأنهم حتى استحلوا دماء المسلمين وأعراضهم، وكان أول من قتلوه عبد الله بن الصحابي الجليل خباب بن الأرت ثم قتلوا ولده وجاريته أم ولده، وانتهى خبرهم إلى الإمام علي رضي الله عنه فسار إليهم في أصحابه حتى إذا اقترب منهم أرسل إليهم أن سلموا قاتل عبد الله بن خباب فأرسلوا إليه إنا كلنا قتلناه ولئن ظفرنا بك قتلناك، فقاتلهم رضي الله عنه وأكرمه الله عز وجل بقتل أكثرهم وصار سيفه في الخوارج سيف حق إلى قيام الساعة.
[المفتاح الرابع]: محاورات الإمام عليّ للخوارج في النهروان: وقعت بين الإمام على وبين الخوارج قبل نشوب المعركة عدة محاورات، وحينما طلب منهم الإمام على رضى الله عنه بيان أسباب خروجهم عنه أجابوه بعدة أشياء، منها: (1) لماذا لم يبح لهم في معركة الجمل أخذ النساء والذرية كما أباح لهم أخذ المال؟ (2) ولماذا محى لفظة أمير المؤمنين وأطاع معاوية في ذلك عندما كتب كتاب الهدنة في صفين، وأصر معه على عدم كتابة “عَلىُّ أمير المؤمنين”؟ (3) وقوله للحكمين: إن كنتُ أهلاً للخلافة فأثبتاني بأن هذا شك في أحقيته للخلافة، (4) ولماذا رضى بالتحكيم في حق كان له.
وقد أجابهم رضي الله عنه عن كل تلك الشبه ودحضها جميعاً حيث أجابهم عن الشبهة الأولى والتي تدل على جهلهم بما يلى: أباح لهم المال بدل المال الذى أخذه طلحة والزبير من بيت مال البصرة، وأنّ النساء والذرية لم يشتركوا في قتال وهم أيضاً مسلمون بحكم دار الإسلام ولم تكن منهم ردة تبيح استرقاقهم، وقال لهم: لو أبحت لكم استرقاق النساء والذرية فأيكم يأخذ أم المؤمنين عائشة في سهمه فخجل القوم من هذا ورجع معه كثير منهم كما قيل.
وأجابهم على الشبهة الثانية: بأنه فعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، عندما أبى المشركون إلا أن يمحوا من عقد الصلح أنّه رسول الله، فأمر عليا أن يمحوها من العقد فثقل عليه ذلك ولكنه استجاب طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وقال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لي من الناس يوماً مثل ذلك.
وأجابهم عن الشبهة الثالثة على افتراض صحة الرواية عنه: بأنه أراد النصفة لمعاوية ولو قال: احكما لي، لم يكن تحكيماً، ثم استدل بقصة وفد نصارى نجران ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم إلى المباهلة لإنصافهم، كما في قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران:61].
وأجابهم عن الشبهة الرابعة: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكَّم سعد بن معاذ في بنى قريظة في حق كان له، فرجع الكثير منهم معه، وأبى آخرون إلا تكفير الإمام علي والمسلمين معه، وقطعوا الطرق واستباحوا الدماء والنساء والأموال، فقاتلهم رضي الله عنه وهزمهم شر هزيمة، وقتل عبد الله بن وهب الراسبي زعيم الخوارج، وخلق كثير معه، ومن بعدها تفرق الناجون في الامصار وكونوا لهم جماعات وصار لهم نفوذ، في بعض المناطق إلى أن جاء نافع بن الأزرق سنة 64هـ، وأسس لهم مذهب الخوارج بما حوى من غلو وتكفير وبدع وضلالات، وبدأ الخوارج يظهرون كفرق كبيرة امتدت على مر عصور الإسلام يتركون عُباد الاوثان ويقتلون أهل الإسلام، نسأل الله العافية.
(فائدة) وضح لنا الإمام علي رضي الله عنه كيفية التعامل مع الخوارج: فقد أورد البيهقي وابن أبي شيبة أن عليًّا رضي الله عنه قال: (ألا إن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا: لن نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فيئًا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا) انتهى،([26]).
فهذا هو منهج الإسلام في معاملة الخوارج وضعه الإمام علي رضي الله عنه، فالخوارج لا يخلو حالهم من حالين: (الحال الأول) أن يلتزموا جماعة المسلمين مع ما هم عليه من الاعتقاد، ولكنهم لم يبغوا على المسلمين، فهؤلاء لا يقاتلون حتى يبدؤوا هم بالقتال، و(الحال الثاني): أن يقاتلوا جماعة المسلمين ويؤذونهم: فهؤلاء يُبعث لهم من يناظرهم ويقيم عليهم الحجة ويزيل الشُّبه التي عندهم حتى يرجعوا للحق، فإن أبوا فإنهم يقاتلون ويُرد كيدهم، كما فعل الإمام علي رضي الله عنه معهم حينما قتلوا عبد الله بن خباب رضي الله عنه وزوجته، فناظرهم، وأرسل ابن عباس وأبا موسى الاشعري رضي الله عنهما لمناظرتهم، وقد رجع خلق كثير منهم واما الباقين فقاتلهم الإمام علي رضي الله عنه وقتلهم شر قتلة.
[المفتاح الخامس]: الأحاديث الواردة في ذم الخوارج: وردت آثار عديدة في ذم الخوارج وقد جمع أكثرها الإمام مسلم في صحيحه، وهي تدل على أن الخوارج قوم غلاة يقرأون القرآن يحسبونه لهم وهو عليهم، لا تقبل لهم صلاة، يمرقون من الدين بسرعة شديدة ثم لا يعودون إليه مرة ثانية، وأنهم شر قتلى من أهل القبلة تحت أديم السماء، ومن تلك الأحاديث: [1] ما أخرجه مسلم رحمه الله تحت باب (التحريض على قتل الخوارج): عن علي رضي الله عنـه يقول: سمعـت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقـول: ((سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً، لمن قتلهم، عند الله يوم القيامة)) ([27]).
[2] وما أخرجه مسلم رحمه الله تحت باب (الخوارج شر الخلق والخليقة): عن أبي ذر قـال: قـال رسـول الله صلى الله عليه وسلـم ((إن بعدي من أمتي أو سيكون بعدي من أمتي) قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة)) ([28]).
[3] وما أخرجه مسلم في صحيحه تحت باب (الخوارج شر الخلق والخليقة) عن يسير ابن عمرو قال: سألت سهل بن حنيف: هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج؟ فقال: سمعته (وأشار بيده نحو المشرق) ((قوم يقرأون القرآن بألسنتهم لا يعدوا تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) ([29]).
[4] وما أخرجه مسلم في صحيحه تحت باب (التحريض على قتل الخوارج) عن علي رضي الله عنه قال: أيها الناس: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)) لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم، لاتكلوا عن العمل ([30]).
[المفتاح السادس]: أصول الضلال عند الخوارج: الخوارج على اختلاف فرقهم ومذاهبهم تكاد تجمعهم معتقدات ضالة تنبئ عن غلوهم وتنطعهم وصدق ما وصفهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من سفاهة عقولهم وتمكن الأهواء من قلوبهم ومروقهم من الدين بسرعة وعجلة، ومن هذه المعتقدات الضالة:
(أ) غلوهم في الإمامة: فيشترطون في الإمام أن يكون على نفس معتقدهم وإلا كفروه واستحلوا دمه وأوجبوا الخروج عليه.
(ب) غلوهم مع أهل القبلة: يكفرون أصحاب الكبائر من أمة الإسلام، ويقولون كل ذنب مغلظ كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان، ومرتكب الكبيرة كافر مشرك عابد للشيطان، ويحكمون على صاحب الكبيرة إذا مات عليها أنه خالد مخلد في النار أبداً كالكفار الجاحدين بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر، ويقولون إذا كفر الرجل كفرت نساؤه وأولاده ويحكمون بانهم مع آبائهم في النار، والكافر حلال الدم والعرض والمال ولذلك فهم يستحلون دماء وأموال وأعراض من يكفرونه من أهل القبلة، وقلما ينجو من تكفيرهم مسلم موحد.
(ت) غلوهم في حق أنفسهم: يقرون لأنفسهم بالإيمان، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ودار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم.
(ث) يقولون بأن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر مرتد حلال المال والعرض والدم دونما تفصيل أو فقه في الدين، ويقولون بأن كل من وافقه أو سكت عنه فهو كافر مثله.
(ج) من صفاتهم يدعون أهل الشرك إلى الإسلام، ويكفرون أهل الإسلام الأصليين، ويطبقون الآيات التي نزلت في المشركين على أهل الإسلام فيكفرونهم ويستحلون حرماتهم، يمرقون من الدين بأدنى شبهة، فهذه صور من غلو الخوارج كلاب أهل النار، ومن أمثلة هؤلاء في زماننا الخوارج المعروفون باسم الدواعش نسأل الله السلامة والهداية.
[المفتاح السابع]: خلل فهم الخوارج في باب الإيمان والكفر: خلل فهم الخوارج في باب الإيمان والكفر يقوم على أصلين: الأصل الاول: هو ظنهم أن الإيمان حقيقة واحدة لا تتجزأ وتشمل أداء كافة الواجبات والكف عن كافة المحرمات وأن هذا الإيمان لا يتجزأ فإذا انتفت منه جزئية – ولو صغيرة – انتفى جميعه. والأصل الثاني: أنه ليس هناك سوى إيمان وكفر فإذا انتفى الإيمان حل محله الكفر الأكبر المخرج من الملة، وعلى ذلك فإذا انتفى الإيمان على امرئ حل محله الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وقد استدلوا على هذين الأصلين بأدلة في الكتاب والسنّة تبدو لو أخذت بسطحية وظاهرية مفرطة أن لها وجهاً من الحق، ولولا أعلام السنّة مصابيح الدجى لضل بضلال الخوارج خلق كثيرون. ومن هذه الأدلة: قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ،)) [التغابن: 2]، ووجه استدلالهم من هذه الآية أن الله تعالى: حصر الناس في قسمين لا ثالث لهما مؤمن وكافر، وعلى ذلك فالناس ينحصرون فقط بين الإيمان والكفر، وإذا نفي الإيمان عن امرئ فهو كافر لا محالة لأنه لا يوجد صنف ثالث بين المؤمن والكافر، وبعد هذا الجهل والضلال استدلوا على كفر مرتكب المعاصي بقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، ووجه استدلالهم من هذه الآية أن الله تعالى: حكم بالكفر على كل من لم يحكم بما أنزل الله، وكل من أذنب ذنباً فقد حكم بغير ما أنزل الله، يوجب أن يكون المذنب كافراً، وتأكد لهم هذا الضلال عندما فهموا حديث النبي – صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن…)) [متفق عليه]، فقالوا نفي الشرع عن الزاني وعن شارب الخمر وعن السارق الإيمان، وليس بعد الإيمان إلا الكفر فعلى ذلك لا يكون الزاني ولا شارب الخمر ولا السارق إلا كافراً، وكانت الطامة عندما سحبوا هذه الأحكام على ذراري العصاة بفهمهم العقيم لقـول الله تعالى: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 27]، فقالوا الآية دالة على أن الكافر لا يلد إلا كافراُ، ولما كان العاصي كافراً كانت ذريته كذلك، ثم حكموا بأن هؤلاء قد حبطت أعمالهم جميعاً لأنهم كفار، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5]، ثم حكموا بأن هؤلاء العصاة كفار مشركون وذلك لأن إحباط العمل لا يكون إلا جزاءً للشرك واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، وبقوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] ووجه استدلالهم من الآية أن (يعدلون) بمعنى يشركون، وعلى ذلك فجميع الكفار مشركون، ولما كان هؤلاء العصاة كفار كانوا مشركين بدلالة الآية، وبهذا توصلوا عن طريق فهمهم للقرآن وآياته أن العصاة كفار مشركون خالدون مخلدون في النار هم وذرياتهم لأن الكفار لا يلدوا إلا فاجراً كفاراً، نسأل الله السلامة، ومنه نعلم لماذا قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – في حقهم ((يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم)) وقوله – صلى الله عليه وسلم ((يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم)) ([31]).
[ المفتاح الثامن]: الرد على ضلالات الخوارج في باب الإيمان والكفر:
(أولا): الرد على استدلالهم بالآية {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن}: من عدة وجوه: (الوجه الأول): أن الآية لا تدل بحال على نفي ما عدا المؤمن والكافر، بل ثبت بالكتاب والسنّة أن هناك طائفة ثالثه هي أصل الفسوق والعصيان كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]، فلم تصفهم الآية لا بالكفر ولا بالإيمان، فدل ذلك على أن هناك قسم لم تتعرض له الآية وهو الفاسق في قوله تعالى: {وأولئك هم الفاسقون}، و(الوجه الثاني): أنهم جعلوا الفسق من أقسام الكفر، ولنا ان نقول: لما لا تحملونه على المؤمن، ما كان مقراً بالشهادتين مصدقاً لهما منقاداً بقلبه لمعناهما، إذا قد اشتركا في أصل الإيمان لا يصح الإيمان بدونه، لا سيما وقد دل الكتاب على أن اسم الإيمان وأخوته باقية لأصحاب الكبائر، فهذا قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 9 – 10] فأثبت الله عز وجل إخوة الإيمان مع الاقتتال ومعلوم أن مقاتلة المؤمنين ومحاربتهم من أعظم الكبائر ما تؤول إليه من القتل وسفك الدماء.
ولهذا جاء فيها قول النبي – صلى الله عليه وسلم – ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) والحديث يستحيل أن يعارض القرآن ويخالفه لأن كلاهما من عند الله {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 – 4] ولقوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] فالقرآن والحديث متوافقان فلزم فهم قوله – صلى الله عليه وسلم – بأنه كفر في إطار الملة وليس بخارج عنها، لكون القرآن أثبت اسم الإيمان وأخوة المؤمنين مع وجود كبيرة الاقتتال.
وكذلك القتل فإنه من أعظم الكبائر، ومع ذلك فقد أثبت القرآن الكريم للقاتل اسم الإيمان وأخوة الإيمان بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178]، فقد أثبت القرآن الكريم الاخوة بين القاتل وأولياء القتيل – أخوة الإسلام والإيمان – فدل ذلك على أن كبيرة القتل لا توجب الكفر الأكبر المخرج من الملة إلا إن صاحبها استحلال قتله، والكفر الأكبر هاهنا لمناط آخر تماماً وهو الاستحلال، وهناك أمر آخر ينبغي أن ننتبه إليه: وهو أن الفسوق قد يأتي في الكتاب العزيز على معنى الكفر الأكبر وهذا خاص بالكفار الجاحدين، وقد يأتي في الكتاب العزيز على معنى فسوق دون فسوق وهو الفسق في إطار الملة، ومن الأدلة على الأول: قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99]، وقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة: 20]،فكلا الآيتين في حق الجاحد المكذب بآيات الله وهذا هو الكافر الأصلي أو الكافر المرتد الذي نقض إيمانه بتكذيب أو جحود، أما الأدلة على الفسوق داخل إطار الملة: فقوله تعالى: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].
فمن الآيتين نعلم أن هناك فسوق داخل إطار الملة صاحبه لا يخرج من الإسلام ولا يوصف بالكفر الأكبر البته، وعلى ذلك فالفهم الصحيح للآية ((هو الذي خلقكم فمنكم مؤمن ومنكم كافـر)) أن الله خلقنا فريقين، مؤمنين لهم الجنة خالدين فيها أبداً، وكفار لهم النار خالدين فيها أبداً، والفساق والعصاة من أهل القبلة داخلون في مسمى الإيمان وحكمه، وهم تحت المشيئة يدخل الله عز وجل من شاء منهم فيعذبه فيها بقدر ذنوبه ومآله الجنة التي أعدها الله عز وجل لعبادة المؤمنين، ففي آخر المطاف الناس حقاً فريقين: مؤمنين لهم الخلود في الجنة وكفار لهم الخلود في النار، والفساق داخلون في مسمى بمعنى لهم اسم الإيمان وحكمه وأما صفة المدح التي مدح الله عز وجل بها عبادة المؤمنين، فلا يستحقها الفساق لأنهم قصروا في حق الإيمان الذي حملوا اسمه بالإقرار والاعتقاد، ومن هنا نفهم نفي الرسول – صلى الله عليه وسلم – الإيمان عن الزاني وغيره على أنه نفي للإيمان المطلق الذي يستوجب المدح لا مطلق الإيمان الذي يستوجب مجرد الاسم والحكم.
(ثانيا): الـرد على استدلالهم بالآية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] والحق أن ضلالهم في فهم هذه الآية مركب فقد حملوا الآية على الكفر الأكبر وحملوا الكفر الأكبر على مجرد ترك الحكم بما أنزل الله، ثم حكموا على المذنب والعاصي أنه لم يحكم بما أنزل الله من ترك المعصية فأثبتوا له الكفر الأكبر ووالله لو استقام هذا الفهم لما نجا من الكفر أحد إذ المعلوم من الدين بالضرورة أنه ما من معصوم سوى النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصلح الصديقين بعده لهم من اللمم والتقصير ما لا يعلمه إلا الله، وكل بني آدم خطاء فهل ينجو بهذا الفهم أحد من الكفر؟ اللهم لا !!، ولو رجعنا إلى فهم الصحابة والأئمة في الدين من بعدهم لهذه الآية وجدنا أنهم حملوا الآية على جحود الحكم بما أنزل الله، وأنه إن ترك الحكم مع الإقرار به واعتقاده فإنه كفر في إطار الملة فلا يخرجون من الملة بحال.
وعموم الخوارج أهل كبر لهم نفسيات لا تسمح لهم بأن يتواضعوا ويسألوا أهل الذكر عن تأويل الآيات وفقه الأحكام، فما فهموه من ظاهر الآيات اعتقدوه وأسقطوه على الأمة دون مراعاة لحرمة أهلها، ولذلك كان أصدق الأوصاف عليهم هو قوله صلى الله عليه وسلم في حقهم (سفهاء الأحلام) فهم لسفاهة عقولهم ما سألوا أهل الذكر عن فقه الأحكام ولخبث صدورهم ظنوا أنهم أعلم الأمة بالقرآن فاستكبروا أن يرجعوا لأهل العلم فضلوا ضلالاً بعيداً، وليس هناك من أوصاف تصف حالهم بشمول ودقة كما وصفتها الأحاديث النبوية الكريمة: (يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم) (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) (أحداث الأسنان سفهاء الأحلام)) ([32]). (هم شر الخلق والخليقة)) (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) ([33]). (فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم) ([34]).
(ثالثا): الرد على استدلالهم بالحديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن): والحديث لا يدل على كفر الزاني ولا كفر السارق ولا كفر شارب الخمر، وإنما قصاراه نفي الإيمان، وقد علمنا أنه نفي للإيمان المطلق الذي يستوجب المدح والثناء كمثل قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، ولا يجوز حمله على نفي مطلق الإيمان وأصله الذي متى زال ثبت الكفر الأكبر المخرج من الملة وإلا عارض الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه يحدث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ((أتاني جبريل عليه السلام فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق)) وما أخرجه مسلم عنه أيضاً – رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم ((ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة)) قلت وإن زنى وإن سرق قال ((وإن زنى وإن سرق)) قلت وإن زنى وإن سرق قال ((وإن زنى وإن سرق)) ثلاثاً ثم قال في الرابعة ((رغم أنف أبي ذر)) فالحديث نص على أن الزاني والسارق ومثلهما شارب الخمر ما أتى بأصل الإيمان والإقرار والاعتقاد فمآله إلى الجنة، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، فلا يجوز حمل نفي الإيمان في حديث ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) على الكفر الأكبر، ونفي الإيمان المقصود به الإيمان المطلق الذي مدح الله عز وجل أصحابه وأنه لا يزال في إطار اسم الإيمان وحكمه فلا يخرج من الملة بحال.
[المفتاح التاسع]: الإباضية أعدل فرق الخوارج: (الإباضية) يمثلون غالب المسلمين في دولة عمان بالخليج العربي، وهم أقرب فرق الخوارج إلى أهل السنّة، كما أنّ الزيدية من الشيعة هم أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنّة، و(الإباضية): ينتسبون في مذهبهم حسبما تذكر مصادرهم إلى جابر بن زيد الأزدى الذى يقدمونه على كل أحد ويروون عنه مذهبهم، وذكر ابن حجر في التهذيب أن جابر بن زيد تبرأ منهم، والإباضية لهم كتاب واحد اسمه: (مسند الربيع بن حبيب)، والربيع نفسه مجهول، لم تترجم له كتب الرجال المعروفة، وترجمته مقصورة على كتب الإباضية، وهو غير الربيع بن حبيب الذي ترجم له البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل والإمام أحمد في العلل، فلا يصح الاعتماد عليه، وقد نُسِبوا إلى عبد الله بن إباض لشهرة مواقفه مع الحكام، واسمه عبد الله بن يحيى بن إباض المري من بنى مرة بن عبيد، وينسب إلى بنى تميم، وهو تابعي، عاصر معاوية وابن الزبير وكانت له آراء واجه بها الحكام، وقد قامت للإباضية دولتان، إحداهما في المغرب والأخرى في عُمَان، وساعد انتشار المذهب الإباضي في عُمَان بُعْدُها عن مقر الخلافة، ثم مسالكها الوعرة، ويرجع دخول المذهب الإباضي عُمَان إلى فرار بعض الخوارج بعد معركة النهروان إلى هذا البلد، كما ذكر ذلك بعض أهل التاريخ.
والإباضية من الخوارج لموقفهم من سيدنا عثمان وسيدنا علي رضي الله عنهما، وذلك انهم يرون أحقية الخوارج في الخروج على عثمان ثم على علي رضي الله عنهما، ويتبرؤون من الإمام علي رضي الله عنه، وكذلك من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، رضي الله عنهما، ويتبرؤون من سائر من شارك في الفتنة، من الصحابة او من التابعين وقد كانوا أكثر أهل الإسلام آنذاك، والإباضية في باب الإلهيات والعقيدة على مذهب المعتزلة، حيث يرون نفى الصفات خوفاً من التشبيه بزعمهم، ويرجعون الصفات إلى الذات، يقولون: إن الله عالم بذاته وقادر بذاته وسميع بذاته إلى آخر الصفات، وذهبت الإباضية في باب رؤية الله تعالى إلى إنكار وقوعها، لأن العقل كما يزعمون يحيل ذلك، واستدلوا بقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}، وأولوا معنى الآية تأويلاً خاطئاً على طريقة المعتزلة، ومن عقائد الإباضية في كلام الله تعالى القول بخلق القرآن، وهو معتقد المعتزلة أيضا، وفي باب طاعة الامراء والحكام فهم يرون كسائر الخوارج جواز الخروج عليهم عند الجور او الفسق، فإذا صدر منه الذنب فإما أن يعتدل ويعلن توبته وإلا فالسيف جزاؤه العاجل، ولكن تكفير الإباضية لمرتكب الكبيرة يختلف عن تكفير سائر الخوارج، فإنهم يرونه كفر نعمة لا كفر شرك، ولا يحكمون عليه بالخروج من الملة، ولكنهم مع ذلك يحكمون على مرتكب الكبيرة الذي لم يتب عنها بأنه من المخلدين في النار، وتتسم معاملة الإباضية لمخالفيهم باللين والمسامحة وجوزوا تزويج المسلمات منهم من مخالفيهم، وأنّهم في معاركهم كانوا لا يقتلون النساء والأطفال كما تفعل الازارقة من الخوارج، وهذا ما يذكره علماء الفرق عنهم، قال الإمام الأشعري عنهم: (وأما السيف فإن الخوارج جميعاً تقول به وتراه، إلا أن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف)
وقال عنهم: (وفي المعركة لا يقتلون النساء ولا الأطفال على عكس ما يفعله الأزارقة) ، ([35]). وقال عنهم: (والإباضية يقولون إن جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان، وإن كل كبيرة فهي كفر نعمة، لا كفر شرك، وإن مرتكبي الكبائر في النار خالدون فيها) اهـ ([36]).
وعموما فإنّ كل من خالط الإباضية علم منهم الشدة في محاسبة النفس عند الطاعة والمسامحة وحسن المعاملة للمخالفين، وعدم استحلال أموالهم ولا حرماتهم، وهذا -والله تعالى أعلم- يجعلهم أعدل فرق الخوارج واقربها إلى أهل السنّة والجماعة،
***
المبحث الثالث المعتزلة وضلالهم في باب الإيمان والكفر
[المفتاح الأول]: نشأة المعتزلة وسبب تسميتهم بهذا الاسم: المعتزلة اسم يطلق على فرقة ضالة ظهرت في الإسلام في القرن الثاني الهجري ما بين سنة (105 هـ وسنة 110 هـ)، وكان بداية ظهورها على يد واصل ابن عطاء (80 هـ – 131 هـ)، وكان في بداية أمره من تلامذة الإمام الحسن البصري ثم اعتزله وأسس فرقة الاعتزال، أما سبب تسميتهم بهذا الاسم فلعله ما أورده الشهرستاني وغيره من كتاب الفرق من أنه ” دخل رجل على الحسن البصري فقال يا إمام الدين: لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، فلا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً، ففكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ولا مؤمن ولا كافر ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل واصل، فسمى هو وأصحابه المعتزلة ” أهـ([37]).
” قلت ” وعموماً فإن اعتزالهم لأنهم اعتزلوا الأمة جميعها في مرتكب الكبيرة فجاءوا بقول لم يقل به أحد به أحد قبلهم ولا بعدهم وهو المنزلة بين المنزلتين وأنه صاحبها لا هو مؤمن ولا هو كافر في أحكام الدنيا وهو خالد مخلد في النار خلود الكافرين في الآخرة إلا أن عذابه – كما يزعمون – أقل
[المفتاح الثاني]: أصول الضلال الخمسة عند المعتزلة: المعتزلة يظنون أنها من أصول الحق الخمسة وهي في حقيقتها أصول الضلال عند المعتزلة.
[الأصل الأول]: يسمونه التوحيد وهو في حقيقته إفراط في باب التنزيه على حساب الإثبات وخوض في صفات الله تعالى بما لا ينبغي، وقد وصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي جميع صفات الله تعالى: من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، ووصلوا إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنّة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثبوتاً.
[الأصل الثاني] يسمونه العدل وهو في حقيقته نفي القدر والتكذيب به، وهذا الأصل يبحثون فيه أفعال الله تعالى: وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى: فوقعوا في وصفه – سبحانه – بالعجز، ومن ضلالاتهم المتعلقة بهذا الأصل: أنهم يرون أن أفعال العباد هم الخالقون لها والمحدثون لها، ويرون أن من قال: أن الله تعالى هو خالق أفعال العباد فقد عظم خطأه لأنه نسب إلى الله تعالى: الجور والظلم، ونسب إليه فعل القبيح لأن أفعال العباد أكثرها قبيح، ويرون أن الله عز وجل يجب عليه أبدا فعل الأصلح لأنه إذا لم يفعل ذلك كان ظلماً للعباد ونقصاً لما فيه صلاحهم وخلافاً للحكمة التي يجب أن يتصف بهــا، ومعتقد أهل السنّة أنّه لا يجب على الله تعالى شيء.
والرد الموجز على ضلالات هذا الأصل: أراد المعتزلة نفي الجور والظلم عن الله عز وجل فوصفوا الله عز وجل بالعجز وعدم كمال القدرة والمشيئة، وذلك لأنهم جعلوا الإنسان خالق لأعماله، وأنّ في ملك الله تعالى خلق ليس لله، وصفوه – سبحانه – بأنه لا يهدي من يشاء إذا شاء الشخص الضلال لنفسه، ووصفوه بأنه لا يخلق أفعال عباده وبالتالي يقع في ملكه ما لا يشاء وما لا يريد، مع أن القرآن الكريم قد وضح هذه الحقائق مراراً وتكراراً منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقوله تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17] وقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:99] وقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له))، فهذه بعض الأدلة على كمال قدرة الله تعالى: – ومشيئته، وأنه لا يكون في ملكه إلا ما يشاء وما يريد، إرادته كاملة ومشيئته تأخذه، وأما ما ظنه المعتزلة من أن لازم ذلك هو نسبة الظلم والجور إلى الله تعالى: فهو وهم محض وخطأ ظاهر.
فالظلم والجور كلاهما يأتي على أحد معنيين: الأول: أن تأخذ من أحد شيئاً ليس لك، والثاني: أن تعاقب أحداً على شيء لم يفعله ولم تقترفه يداه، وكلاهما منفي عن الله عز وجل، فالمعنى الأول لا يصح ولا يجوز على الله تعالى: لأنه سبحانه مالك الملك، وهو سبحانه الخالق والمالك ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين، فكل ما في الكون هو خلقه وضمن ملكه، فلا يجوز بحال نسبة الظلم إلى الله عز وجل بهذا المعنى، وأما المعنى الثاني وهو الذي تتمسك به المعتزلة وتقول بأنه إذا كان الله عز وجل خالق أعمال الإنسان فكيف يحاسبه على شيء لم تقترفه يداه، وهذا من لبسهم، وما قالوه لا يلزم، وذلك لأن الإنسان يعلم من نفسه يقيناً أن هناك أعمالاً لا إرادية لا دخل له فيها البتة كضربات قلبه ورعشات عضلاته، وهناك أعمال إرادية له دخل فيها وهي غالب أعماله التي يحاسب عليها وهذه الأعمال يشعر الإنسان من نفسه أن له عليها إرادة ومشيئة، ولكن أهل الإيمان الحق – أهل السنّة والجماعة – يقولون أنه من كمال علم الله تعالى: وكمال إرادته وقدرته فإن هذه الأعمال قد كانت قبل أن يعملها البشر في مشيئة الله وعلمه وإرادته، وهو المقدر لها وهو العالم بها وأهلها وما يستحقون من التوفيق والهداية أو ما يستحقون من الخذلان، وعلى ذلك فأعمال الإنسان التي يحاسب عليها هي بمشيئته وقدرته – وكلنا يعلم من نفسه ذلك يقيناً – ولكنها في حقيقة الأمر إن كانت من نوع الخير والطاعة فهي بتوفيق الله تعالى: وهدايته وإن كانت من نوع الشر والمعصية فهي بخذلان الله تعالى:، والمسلم يلجأ إلى باب الدعاء حتى يكون دائماً على هداية الله وتوفيقه، والمجرم لا يهمه من الأمر شيء يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام والنار مثوى له.
والمعتزلة يرون أن الله لا يفعل القبيح بمعنى أنه لا يضل من يشاء، وأهل السنّة والجماعة يرون أن الله تعالى: لا يفعل القبيح بمعنى أنه لا يفعل القبيح المجرد الذي لا منفعة فيه ولا حكمه من وراءه البتة، ويرون أنه سبحانه حتى في إضلاله لمن يشاء من عباده فإن في ذلك حكماً عديدة يطلع البشر على بعضها وعلمها كاملاً عند الله تعالى، وكذلك فإنه ليس من الحكمة أن تسوى بين المجرمين والمهتدين وبين المؤمنين والفاسقين {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]، وهذا من جانب الاستدلال على ضلالهم في المسألة، أما قولهم هذا فهو مخالف نص القرآن الكريم مخالفة صريحة فهم يقولون – أضلهم الله – لا يقدر الله على هداية عبد متى شاء الضلال ولا يضل الله عز وجل أحداً لأنه لا يفعل القبيح، والقرآن الكريم ينص على خلاف قولهم بقوله تعالى: في سورة الكهف: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف:17] وقوله تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 88] وقوله تعالى: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] وقوله تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 178]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 33]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ،} [الشورى: 44]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى: 46]، وقوله تعالى: {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} [الزمر: 37]، …، إلى غير ذلك من آيات عديدة تدل صراحة ونصاً عند المعتزلة (والذي يسمونه العدل) هو غاية الجهل بصفات الله عز وجل وأنهم راموا نفي شبهة الجور عن الله تعالى: وسلبوا عنه كمال القدرة تعالى: الله عما يقولون وعما يظنون علوا كبيراً.
وبقي قولهم أن الله تعالى: يجب عليه فعل الأصلح دائماً وإلا كان ظالماً للعباد لأنه لم يفعل ما فيه اللطف بهم والصلاح لحالهم، وهذا أيضاً من تلبيسهم الحق بالباطل فهم يرمون من هذا الأصل التحكم في أفعال الله تعالى: بمحض عقولهم وإيجابهم عليه – سبحانه – ما يرونه الأصلح لهم وهذا من ضلالهم لأنهم يستنبطون منه أنه يجب على الله أن يفعل بالعباد ما يختارون به الإيمان على الكفر والهداية على الضلال، وأهل السنّة والجماعة يرون أن اللطف بالعباد واختيار الأصلح لهم هو محض تفضل يتفضل به الله تعالى: على من يشاء من عباده، ومعناه التوفيق إلى الهداية والإيمان، وليس هو من باب الواجب على الله، لأنهم – أي أهل السنّة – لا يتقدمون بين يدي الله ورسوله فلا يوجبون على الله تعالى: إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه تفضلاً منه ورحمة، ولو كان كما يقول المعتزلة لكان كل البشر مهتدين لأن الله عز وجل قال: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا،} [يونس: 99]، إذ لوجب على الله أن يهدي أولئك جميعاً لأنه الأصلح لهم، وفي هذا القول من الضلال ومخالفة الحكمة الشيء الكثير ولولا أن الرسالة ليس هذا مجالها لتوسعنا في بيان ضلالهم في هذه المسألة والذي منشأه يقيناً عندهم تقديمهم العقل على الكتاب والسنّة وتقريرهم مسائل الاعتقاد وما يجب على الله وما لا يجب بمحض عقولهم القاصرة وأهوائهم الضالة المنحرفة.
[الأصل الثالث]: يسمونه الوعد والوعيد: وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء، ونفي لعفو الله عز وجل لعباده العاصمين لأصحاب الكبائر من أمة النبي صلى الله عليه وسلم. [الأصل الرابع]: يسمونه المنـزلة بين المنـزلتين: وهو في حقيقته نفي مطلق الإيمان عن أصحاب الكبائر وجعلهم في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة، ومن ثم مضاهاة الخوارج في الحكم عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين، ولهم في هذا الأصل ضلالات تتعلق بمسائل الإيمان والكفر أرجأت الحديث عنها إلى مبحث ضلالات المعتزلة في مسائل الإيمان والكفر. [الأصل الخامس]: يسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر، وهو في حقيقته تهيئة الأجواء للخروج على الحاكم المسلم العاصي أو الفاسق وإثارة الفوضى والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين، وذلك لأنهم يرون الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين، وأهل السنّة والجماعة يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه الشرعية منها أنه لا يجوز إنكار المنكر إذا كان يعقبه منكر أكبر منه، وكذلك فإن حد إنكار المنكر هو تغييره باليد دون استعمال السيف، والسيف عندهم لا يستعمل إلا بضوابط عديدة تضمن صحة تغيير المنكر وإلا فتركه أولى من تغييره، والمعتزلة لا يفرقون في قتالهم بين الفاسق والكافر بخلاف أهل السنّة فإنهم يفرقون بين الفاسق والكافر، بل ويجعلوه في إطار الإسلام ما كان فسوقه لم يخرجه من إطار الملة إلى الكفر بناقض ينقض أصل إيمانه.[المفتاح الثالث]: ضلالات المعتزلة في مسائل الإيمان والكفر: المعتزلة جاءت في مسائل الإيمان والكفر بأصلين الأول خالفوا فيه إجماع الأمة إلا الخوارج والثاني خالفوا فيه إجماع الأمة بأسرها فلم يقل فيه بقولهم أحد،
[الأصل الأول – أسموه- الوعد والوعيد]: ومفاده أن الله عز وجل وعد المطيعين بالثواب وأنه يفعل ما وعد لا محالة ولا يجوز عليه الخلف وإلا كان كذباً لا ينبغي أن يوصف به الله عز وجل – وهذا حتى الآن لا غبار عليه به قول أهل السنّة والجماعة-، ولكنهم يرتبون على ذلك أن الوعد بالثواب هو بطريق الاستحقاق وأن العبد مستحق لذلك الثواب وليس هو من باب الفضل والتفضل، وهم بذلك مخالفون لأهل السنّة والجماعة، لأن أهل السنّة يرون أن هذا محض فضل الله تعالى: على عباده المطيعين لأنه سبحانه هو الذي يسر لهم الطاعة ونعمه عليهم تكافئ الطاعة وتزيد عليها فأي حق لهم سوى فضل الله عز وجل عليهم بدليل قول أهل الجنة {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ،} [فاطر: 35] فالجنة إنما يحل فيها أهلها بفضل الله، ويصدق هذه الآية الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحداً الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة) ([38]).فدخول الجنة محض فضل تفضل الله به على أهل طاعته، ولكنه محض فضل منّ الله عز وجل به من حلمه وعفوه ومغفرته وسعة رحمته وعظيم صفاته، هذا هو فهم أهل السنّة والجماعة لمسائل الوعد، وشتان بين الذي يقول أن دخول الجنة للمطيعين واجب على الله لاستحقاق المطيع ذلك بطاعته كما يقول المعتزلة وبين من يقول أنه محض فضل الله به ومن كمال رحمته تفضل بذلك الفضل على المؤمنين، وهو قول السنة، أما مسألة الوعيد، فإن المعتزلة أتوا فيها بما يضحك الثكلى فقالوا: كما أن الوفـاء بالوعد واجب على الله، كذلك الوعيد فإنه واجب على الله أن يوفي بوعيده، والوعيد معناه كل خبر يتضمن إيصال العقوبة والضرر والعقاب والعذاب إلى الغير مستقبلاً، وعلى ذلك فمن توعده الله بالعذاب أو النار فإنه لا يعفو عنه ولكن يعذبه ويوفي بوعيده وإلا تضمن خطاب الله عز وجل خلف الوعيد وبناءً على هذا الأصل الضال بنوا بأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار خلود الكافرين، مع أتفاق العقلاء على انّ الكريم إذا وعد وفى وإذا اوعد عفا.
[شبهات المعتزلة والرد عليها] [1] استدلالهم بالآية {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، وفهمهم للآية يعارض ما نص عليه القرآن الكريم، حيث نص على أخوة القاتل لأولياء القتيل ونص على أخوة المؤمنين وإن تقاتلوا فقال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] وقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا،} [الحجرات: 9].
ولله در الإمام القرطبي حيث يقول في تفسير آية النساء: ” الآية مخصوصة بآيات وأحاديث، فمن الآيات، قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ …،} [هود: 114]، وقوله تعالى: {… وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.. } [النساء: 48] وتوضيح ذلك، أنه ليس الأخذ بظاهر هذه الآية أولى من الأخذ بظاهر الآيات، والأخذ بالظاهرين متناقض، فلا بد من التخصيص، ثم إن الجمع بين آية الفرقان، وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا *إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 68 – 70].
فالجمع بين آية الفرقان، وبين هذه الآية ممكن، فلا نسخ ولا تعارض، وذلك بأن يحمل مطلق آية النساء على مقيد آية الفرقان، فيكون معناه: فجزاؤه كذا إلا من تاب، لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل، والموجب وهو التوعد بالعقاب.
وأما الأخبار المخصصة لعموم الآية فكثيرة منها: حديث عبادة بن الصامت، أنه – صلى الله عليه وسلم – قال”( بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه فأمره إليه إن شاء عفى عنه، وإن شاء عذبه (،([39]).
وكحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في الرجل الذي قتل مائة نفس … ثم أنهم – المعتزلة – أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل، ويقر بأنه قتل، ويأتي السلطان فيقيم عليه الحد ويقتل قوداً، فهذا غير نافذ عليه الوعيد في الآخرة إجماعاً على مقتضى حديث عبادة، فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا …} [النساء: 93] ودخله التخصيص بما ذكر”([40]).
” قلت “: حمل الكثير من المفسرين أنّ ما أخبر به سبحانه من خلود القاتل في النار خلوداً أبدياً إنما هو في حق المستحل، قال الطبري: ” قوله متعمداً … أي مستحلاً قتله ” ([41]).
ونقل القرطبي عن ابن عباس رضي الله عنهما ” متعمداً أي مستحلاً لقتله ” ([42]).
وقال أبو السعود بعد تفسير الآية: ” ولا دليل في الآية للمعتزلة في قولهم بخلود عصاة المؤمنين في النار لما قيل في حق المستحل كما هو رأي عكرمة وأضرابه بدليل أنها نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني المرتد ” أهـ([43]). وأما كون القاتل تحت المشيئة إذا لم يكن مستحلاً فقد نقل أبو السعود عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ” {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} أي هي جزاؤه، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له ” أهـ ([44]). وعموما فإنّ هذا القاتل تحت المشيئة ما كان مؤمنا، قال الطبري: ” وقوله تعالى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} أي يستحـق ما ذكـره الله من العقـاب إن شـاء أن يجازيه “([45]).
وعلى ذلك فالجزاء في الآية ليس المقصود به وقوعه وإنما المقصود الإخبار به وصاحبه إلى مشيئة الرحمن إن شاء نفذ وعيده وإن شاء عفا عنه برحمته.
[2] استدلالهم بالآية : في حق آكل مال اليتيم {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، وقد رد الإمام القرطبي على المعتزلة ضلالاهم في فهم هذه الآية، فقال: ” ولا حجة فيها – أي الآية – لمن يكفر بالذنوب، والذي يعتقده أهل السنّة أن ذلك نافذ على بعض العصاة فيصلي ثم يحترق ويموت، وبخلاف أهل الشقاء فإنهم لا يموتون ولا يحيون، لما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال صلى الله عليه وسلم ((.. أما أهل النار هم أهلها فيها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناساً أصابتهم النار بذنوبهم – أو قال بخطاياهم – فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر فبثوا على أنها الجنة ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل)) ([46]).ساقط بالمشيئة عن بعضهم لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ..} فالآية تدل على أن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده ” الآية ـ ([47]).
[3] استدلالهم بالآية: قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14]، وهذه الآية فهموها على غير وجهها الصحيح، فإن المعصية إذا بلغت الكفر، فلا شك في الخلود الأبدي في النار، وإن لم تبلغ الكفر فإن العاصي تحت المشيئة وإن عذبه الله فهو دون الخلود، وبهذا قال المفسرون: قال الطبري عقب الآية: ” فإن قال قائل: أو يخلد في النار من عصى الله ورسوله في قسمة المواريث؟ قيل: نعـم، إذا جمع إلى معصيتهما في ذلك شكا في أن الله فرض عليه ما فرض على عباده في هاتين الآيتين، أو علم ذلك، فحاد الله ورسوله في أمرهما على ما ذكر ابن عباس من قول من قال: حين نزل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم، قول الله تبارك وتعالى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ،} [النساء: 11] … إلى تمام الآيتين، أيورث من لا يركب الفرس، ولا يقاتل العدو، ولا يحوز الغنيمة نصف المال أو جميع المال، استنكاراً منهم قسمة الله ما قسم لصغار ولد الميت ونسائه وإناث ولده، ممن خالف قسمة الله ما قسم من ميراث أهل الميراث بينهم، على ما قسمه في كتابه، وخالف حكمه في ذلك وحكم رسوله، استنكاراً منه حكمهما، كما استنكره الذين ذكر أمرهم ابن عباس ممن كان بين أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم لأنه باستنكاره حكم الله في تلك، يصير بالله كافراً، ومن ملة الإسلام خارجاً “أهـ ([48]).
وقال القرطبي:{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 14] يريد في قسمة المواريث فلم يقسمها ولم يعمل بها {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} أي يخالف أمره {يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا}، والعصيان إن أريد به الكفر فالخلود على بابه، وإن أريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى: فالخلود مستعار لمدة ما، كما تقول: خلد الله ملكه، وقال زهير: ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا، وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع ” ([49]).
[4] استدلالهم بالآية: قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]، وهذه الآية أيضا: فهموها على غير وجهها الصحيح، فزعموا أن الآية دلت على أن من غلبت كبائره على طاعاته فهو من أهل النار مخلداً فيها وذلك لأن هذا هـو المعقول من الإحاطة في باب الخطايا أن تكثر على الطاعات ” قاله القاضي عبد الجبار [متشابه القرآن ج1 / 97]، والحق أن السيئة في الآية إنما معناها الشرك، لأن الشرك هو السيئة والخطيئة التي لا تدع لصاحبها منفذاً، قال القرطبي: ” السيئة: الشرك، قال ابن جريح قلت لعطاء (من كسب سيئة) قال: الشرك وتلى قوله تعالى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ.. } [النمل: 90] الآية ” أهـ ([50]).
وقال ابن كثير: ” الآية رد على بني إسرائيل الذين زعموا أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة بأن الأوامر ليس كما زعموا، بل إن من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع أعماله سيئات فهم من أهل النار، قال ابن عبـاس: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً..} [البقرة: 81] الآية أي عمل مثل عملكم وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط به كفره فما له من حسنة ” أهـ ([51]). وعلى ذلك فلا حجة في الآية لما ذهبت إليه المعتزلة من خلود أصحاب الكبائر في النار لأن الإحاطة إنما تصح في شأن الكافر الذي أحاطت الخطيئة بقوله وعمله واعتقاد قلبه أما العاصي فالمعصية لا تحيط لا بإقراره ولا باعتقاده وبهذا لا تكون الإحاطة ولا يكون الخلود في النار.
[وعلى ذلك]: فالملاحظ أنّ المعتزلة لم يفهموا هذه الآيات الفهم الصحيح الذي تميز به أهل السنّة والجماعة، ولو عرفوا أن الكريم من البشر وصاحب الفضائل والشيم والصفات الحسنة إذا وعد بشيء وفى بوعده حق الوفاء وإذا أوعد على شيء فإنه يعفو متى كان العفو أجمل وأفضل، وقد قال العرب قديماً ” إن الكريم إذا وعد وفى وإذا أوعد عفا “، فما بالنا بالله تعالى، وهو أرحم الراحمين وسعت رحمته كل شيء وهو ربنا الكريم فالعفو في حقه أولى وأجمل، وهذه قاعدة ينبغي فهمها، ولكن المغفرة معلقة بالمشيئة لأنّ الله تعالى كما له الرحمة التي وسعت كل شيء له كمال العلم والحكمة، ولذلك فإن (أهل السنّة والجماعة) يقولون بأن الله عز وجل يعفو – متى شاء، ومشيئته نافذة تجلت بالعلم والحكمة – عمن شاء إلا الشرك لأنّه القائل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، أما المعتزلة فلم يفهموا ذلك.
وبناء على فهمهم الضال لمسألة الوعد والوعيد أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر: فأنكروا شفاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – وشفاعة المؤمنين لأهل الكبائر من أمة الإسلام، وقالوا لا يجوز أن يخرج الفاسق – مرتكـب الكبيـرة – من النـار بشفاعـة الرسـول صلى الله عليه وسلم، إذ الفاسق – عندهم – خالد مخلد في النار خلود الكافرين، وقد استدلوا لإنكارهم الشفاعة بأدلة من القرآن الكريم فهموها فهم الخوارج منهـا:
[1]: قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48]، فقالوا الآية دليل على أن من استحق العقاب لا يشفع له النبي – صلى الله عليه وسلم، ولا ينصره، هذا فهم الخوارج، والمعتزلة، أما أهل السنّة والجماعة، فقد اتفق أهل العلم قاطبة على أن المراد بالنفس في الآية، هي النفس الكافرة التي لا تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر، لا النفس المؤمنة بالله وبرسوله، فهي من العام الذي أريد به الخاص، قال القرطبي: ” أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ …} النفس الكافرة لا كل نفس ” أهـ ([52]).وقال الطبري: ” قوله تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله عز وجل ” أهـ ([53]).
وقال ابن كثير: ” قوله تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ …} يعني من الكافرين كما قال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} وقوله تعالى: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي فدية كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ …} ” أهــ ([54]).
[2] واستدلوا كذلك بقوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، فقالوا الآية دلت على أن الظالم لا يشفع له أحد وإن شفع له فلا يطاع ومرتكب الكبيرة ظالم ولا شك فدخل في حكم الآية، ” قلت ” هكذا فهموا الآيات كما فهمها الخوارج بغير علم ولا هدى ولا سلف من أهل العلم، أما أهل السنّة والجماعة فهم يفهمون الآيات وفق قواعد الدين العامة التي أرساها النبي – صلى الله عليه وسلم وسار عليها السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فقوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، المراد بالظالمين في الآية هم المشركون لأنهم هم الكاملون في الظلم المستوفون لصفته بخلاف الفاسق فإنه ظالم من جهة كبيرته مؤمن طائع من جهة إقراره واعتقاده، فلا يأخذ صفة الظلم المطلق (الكفر الأكبر)، ويؤيد ذلك فهم كافة المفسرين من علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والفقه، فقد حملوا الظالمين في الآية على الكافرين واستدلوا له بقوله تعالى: {، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، وقوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254].
[الأصل الثاني المنـزلة بين المنـزلتين]: وهو قولهم بأن مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا هو كافر بل هو في منـزلة ثالثة بين المنـزلتين فلا يأخذ – في الدنيا – اسم وحكم هذا ولا ذاك، وهو في الآخرة مخلد في النار مع الكافرين، وحقيقة الخلاف بينهم وبين أهل السنّة في هذه المسألة أن أهل السنّة والجماعة يسمون مرتكب الكبيرة فاسقاً ولكنهم يعلمون أن معه أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد، لذلك فهم يجعلونه فاسقاً بكبيرته مؤمناً بأصل إيمانه فله اسم الإيمان وحكمه في الدنيا بمعنى أنه يعامل معاملة المسلمين من حيث كافة الأحكام من التزاوج والتوارث وغيرها، وهو في الآخرة إلى المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء عفا عنه إلا أنه لا يخلد في النار خلود الكافرين، بل مآله في الآخرة إلى الجنة برحمة الله، أما المعتزلة فهم لا يعطونه لا اسم الإيمان ولا حكمه هذا في الدنيا، أما في الآخرة فيجعلونه كالكافر ويحكمون عليه بالخلود الأبدي في النار إلا أن عذابه أقل من عذاب الكافرين.والمعتزلة بهذا القول خالفت إجماع أهل القبلة بما فيهم الفرق الضالة، فلم يقل بالمنـزلة بين المنـزلتين غيرهم ولا أحد قبلهم، وهذا وحده كاف في بيان ضلال ما ذهبوا إليه، إذ ديننا الحنيف مبني على الاتباع لا الاختراع والابتداع لا سيما في مسائل الاعتقاد التي تتعلق بها اسم الملة وأحكامها، وقد تعلقت المعتزلة بشبهات خاطئة ظنوها أدلة لما ذهبوا إليه من القول بالمنـزلة بين المنـزلتين، وتقوم تلك الشبهات على أساس أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر في أسماء الدنيا وأحكامها لأن أحكام الكفار الدنيوية منصوصة على المشركين وأهل الكتاب ولا يدخل فيها أصحاب الكبائر، وكذلك فإنه ليس بمؤمن لأن اسم الإيمان زائل عنه كما في قوله – صلى الله عليه وسلم ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) ولما كان ليس مؤمناً وليس كافراً لزم تسميته باسم آخر وجدناه في القرآن وهو الفاسق كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]، فقالوا: وهذا الفاسق لا يأخذ اسم الإيمان ولا حكمه في الدنيا وإلا كان مؤمناً، ولما علمنا أنه لا دار في الآخرة يسكنها المرء سوى الجنة أو النار وكان صاحب الكبائر من أهل الإساءة فهو من أهل النار خالد مخلد فيها – وقد تقدمت أدلتهم على ذلك.
” قلت ” وليس الأمر كما ظنوا فالأمر فيه تفصيل عند أهل السنّة والجماعة فصاحب الكبيرة ليس بكافر الكفر الأكبر فهذا صواب، أما أنه ليس بمؤمن فهذا فيه عند أهل السنّة تفصيل، فإن كان المقصود نفي الإيمان الواجب الذي امتدح الله أهله وبشرهم بسببه بدخول الجنة ابتداءً من غير عذاب فهذا صحيح دلت عليه الأحاديث ومنها قوله – صلى الله عليه وسلم – ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)) الحديث ومثله الحديث ((والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه))، أما إن كان المقصود نفي أصل الإيمان المنجي من الخلود في النار وهو ما قصده المعتزلة فليس بصحيح بدليل قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا..} [الحجرات: 9] فسماهما بالإيمان مع وجود الاقتتال وهو كبيرة من أعظم الكبائر وقوله تعالى: في حق القاتل {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ…} [آل عمران: 178] فجعل له أخوه الإيمان والإسلام مع جريمة القتل التي هي أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، وبدليل قوله صلى الله عليه وسلم ((ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق فقال – صلى الله عليه وسلم وإن وزنى وإن سرق، وقال في الثالثة وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر)) [الحديث أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة]، وأما تسميته بالفاسق فليس كما قصده المعتزلة بانتفاء اسم الإيمان وحكمه عنه بل الصحيح هو ما قاله أهل السنّة والجماعة أنه مؤمن بأصل إيمانه فله اسم الإيمان وحكمه وفاسق بكبيرته، وأما ما قالوه بأنه يخلد في النار فهذا قول الخوارج شر أهل القبلة رأيا، وقد دلت الأدلة القرآنية والحديثية المستفيضة على أنه تحت المشيئة ولا يخلد في النار خلود الكافرين، بل مآله إلى الجنة برحمة الله وبما أتى بأصل الإيمان من الاعتقاد والإقرار .
،***
المبحث الرابع المرجئة وضلالهم في باب الإيمان والكفر
[المفتاح الأول]: من هم المرجئة: (الإرجاء): في اللغة: معناه التأخير، أرجأ الشيء أي أخره ومنه قوله تعالى: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} [الأعراف: 111]، وقوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 106]، و(الإرجاء): في الاصطلاح: هو صفة وعلامة على فرقة ضالة في الاعتقاد وهي المرجئة وإرجاء هؤلاء معناه تأخير العمل عن مسمى الإيمان، فلا يجعلون الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، و (المرجئة): لهم مقالات تدل على إهمال قيمة عمل الجارحة بالكلية منها قول بعضهم (لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة)، وقول بعضهم (المعصية لا تضر صاحب التوحيد) وقول بعضهم (لا يدخل النار مؤمن) ويقصدون بالمؤمن كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها مهما أتى من الذنوب والآثـام.
وأهل السنّة يقولون لا يخلد في النار مؤمن، والفارق بينهما عظيم فالمرجئة يقولون بعدم دخوله النار ابتداءً وهذا إهمال عظيم لعمل الجوارح وإهدار عظيم للطاعات واستهتار واضح بالمعاصي والذنوب، أما أهل السنّة فيقولون بأنه في المشيئة ويدخل فريق منهم النار يقيناً لأنه قد صحت بذلك الآثار، ويمكثون في النار ما شاء الله، ويقولون غمسة في النار لا تساويها الدنيا بأسرها بنعيمها ولذاتها، إلا أن أهل التوحيد لا يخلدون في النار خلود الكفار الجاحدين المكذبين.
وغالب فرق الإرجاء ينفون وجود مكفرات من الأعمال، فسب الله عندهم ليس بكفر إلا إن صاحبه استحلال، وكذلك قتال الأنبياء وقتلهم والسجود للأصنام وإلقاء المصاحف في الحشوش، فيقولون ليست هذه الأعمال كفراً حتى يصاحبها استحلال، وليست كذلك عند أهل السنّة لأنهم يقولون إنها لا تصدر إلا مع انتفاء عمل القلب من الانقياد والتعظيم ولا تصدر بقصد إلا من كافر، ولا يلزم معها استحلال لأنها ملازم لها لا ينفك عنها بحال.
[المفتاح الثاني]: درر من أقوال العلماء في بيان حد الإرجاء: (الدرة الأولى): أخرج اللاكائي بسنده عن وكيع يقول ” أهل السنّة يقولون الإيمان قول وعمل والمرجئة تقول الإيمان قول بلا عمل والجهمية يقولون الإيمان المعرفة ” أهـ، ([55]).
والمستفاد منها: أن من قال أن الإيمان قول وعمل فهو من أهل السنـة، وأن من قال الإيمان قول بلا عمل فهو من المرجئة، وأن من قال الإيمان مجرد المعرفة فهو جهمي، و(الدرة الثانية): قال وكيع رحمه الله: ” المرجئة يقولون: الإيمان قول بلا فعل و هذا بدعة ” أهـ، [خلق أفعال العباد ص 34] والمستفاد منها: أنّ المرجئة يهملون قيمة أعمال الجوارح وهذا بدعة، و(الدرة الثالثة): أخرج الآجري بسنده عن نافع بن عمر القرشي، قال: كنا عند ابن أبي مليكة فقال جليس له يا أبا محمد إن ناساً يجالسونك يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل، فغضب عبد الله بن أبي مليكة فقال: .. أفجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان لا، ولا كرامة ولا حباً، قال نافع: قد رأيت فهدان كان رجلاً لا يصحو من الشراب ” أهـ، ثم علق الآجري على قول ابن أبي مليكة بقوله: ” من قال هذا فلقد أعظم الفرية على الله عز وجل وأتى بضد الحق وبما ينكره جميع العلماء، لأن قائل هذه المقالة يزعم أن من قال لا إله إلا الله لم تضره الكبائر أن يعملها ولا الفواحش أن يرتكبها وأن عنده: أن البار التقي الذي لا يباشر من ذلك شيئاً والفاجر يكونان سواء وهذا منكر، قال الله عز وجل {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] وقال عز وجل {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] فقال لقائل هذه المقالة المنكرة يا ضال يا مضل إن الله عز وجل لم يسو بين الطائفتين من المؤمنين في أعمال الصالحات حتى فضل بعضهم على بعض درجات قال الله عز وجل {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10] فوعدهم الله عز وجل كلهم الحسنى بعد أن فضل بعضهم على بعض … وكيف يجوز لهذا أن يسوي بين إيمانه وإيمان جبريل وميكائيل ويزعم أنه مؤمن حقاً ” أهــ ([56]).
والمستفاد من هذه الدرة: أن المرجئة يزعمون أن إيمان مدمن الخمر كإيمان الملائكة بل كإيمان جبريل وميكائيل، وأن المرجئة يزعمون أن من قال لا إله إلا الله لا تضره الكبائر أبداً، و (الدرة الرابعة):أخرج اللالكائي بسنده عن سفيان الثوري قال: ” اتقوا هذه الأهواء فقيل له: بين لنا رحمك الله فقال سفيان: أما المرجئة فيقولون الإيمان كلام بلا عمل، من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فهو مؤمن مستكمل الإيمان، إيمانه كإيمان جبريل والملائكة، وإن قتل كذا وكذا مؤمن، وإن ترك الغسل من الجنابة، وإن ترك الصلاة وهم يرون السيف على أهل القبلة ” أهـ ([57]).
والمستفاد منها: أن المرجئة يهملون قيمة العمل تماماً والمعاصي لا تضر مع الإيمان شيئاً كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وأنهم لاستهتارهم بالمعصية واستخفافهم بها يرون السيف على أهل القبلة لأن سفك الدماء عندهم من باب المعاصي وهي عندهم لا تضر الإيمان شيئاً، و (الدرة الخامسة):قال محمد بن الحسين الآجري:” احذروا رحمكم الله قول من يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل ومن يقول: أنا مؤمن عند الله، وأنا مؤمن مستكمل الإيمان هذا كله مذهب الإرجاء” أهــ([58]).
ومنه نعلم: أن المرجئة يقولون إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل، ويقولون كذلك نحن مؤمنون عند الله، ويقولون نحن مؤمنون مستكملون للإيمان، ومن قال بذلك كله فهو مرجئ على مذهب الإرجاء
[المفتاح الثالث]: (أقسام المرجئة): (القسم الأول): من المرجئة: وهم الجهمية الغلاة: وهم الجهمية وسيأتي بيان حالهم، والجهمية يزعمون أنّ الإيمان هو المعرفة، وانه محصور في القلب لا يتعداه إلى أعمال الجوارح، ثم أخرجوا منه أعمال القلوب كالانقياد، ثم بلغ بهم الغلو أن حصروه في مجرد المعرفة القلبية، ولازم هذا القول الفاسد أن إبليس اللعين مؤمن لأنه عارف بربه، وكذا اليهود والمشركون الذين عرفوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يخبر به، ولكنهم كذبوه حسداً وبغياً وكبراً.
و(القسم الثاني): من المرجئة: وهم عامة فرق المرجئة: وهؤلاء يدخلون أعمال القلوب في مسمى الإيمان، ولهذا فليسوا من غلاة الإرجاء (الجهمية) ألا إنهم يخرجون أعمال الجوارح كافة عن مسمى الإيمان، وخلافهم مع أهل السنّة حقيقي لكونهم يهملون قيمة عمل الجوارح بالكلية ولهم في ذلك مقالات شنيعة جعلت السلف يحذرون منهم ويقولون فيهم مقالات شديدة، فمن مقالاتهم الشنيعة: قولهم ((من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل والملائكة وإن قتل كذا وكذا وإن ترك الغسل من الجنابة وإن ترك الصلاة)) ([59]).
وقولهم ” لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة “وقولهم ” ما دون الشرك مغفور لا محالة وأن العبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات “([60]). وقولهم ” إن الله لا يعذب الفاسقين من هذه الأمة “([61]). وقولهم لا يدخل النار إلا الكفار فحسب ([62]). وقولهم ” من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة إذا مات وإن زنى وإن سرق وشرب الخمر وقذف المحصنات وترك الصلاة والزكاة والصيام إذا كان مقراً بها لم يضره وقوعه على الكبائر وتركه للفرائض وركوبه الفواحش ” ([63]).
ومقصدهم من ذلك عدم دخول النار ابتداءً فالنار محرمة عليهم ولا تمس أجسادهم قط، ” قلت “ وبعد جمع أقوالهم الشنيعة في الإيمان أرجو أن تكون الصورة قد اكتملت تجاه هؤلاء الذين يهدرون تماماً قيمة عمل الجارحة وقيمة الطاعة ويستخفون تماماً بالمعاصي والآثام والذنوب وهم مع ذلك يجزمون لأنفسهم بكمال الإيمان فنعوذ بالله من البدعة والضلالة.
[المفتاح الرابع]: أصول الضلال التي قام عليها الإرجاء الحقيقي:
[الأصل الأول]: الإيمان أصله وفرعه وجميعه لا يخرج عن القلب ولا يتعداه إلى الجوارح وأعمال الجوارح ليست من الإيمان، وإن نسبت إلى الإيمان فهي نسبة مجازية وليست حقيقية لأن الإيمان في القلب لا يتعداه إلى غيره، وهذا الأصل يكاد يجمع غالب فرق المرجئة، وأدلتهم على هذا القول، هو فهمهم الخاطئ والقاصر تمثل قوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ،} [المجادلة: 22] وقوله تعالى: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ،} [النحل:106] وقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89] – وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ،} [الحجرات: 14].
فظنوا من هذه الآيات الكريمات أنها قصرت الإيمان على القلب فلا يتعداه إلى غيره، وكذلك فهموا من مثل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ،} [البقرة: 7] وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 101] وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35]، ومن فهمهم القاصر للآيات، فقالوا الإيمان لا يتعدى القلب وكذلك الكفر لكونه نقيض الإيمان، واستدلوا لهذا الفهم القاصر تمثل قوله – صلى الله عليه وسلم ((التقوى هاهنا ونشير إلى صدره ثلاث مرات)) ([64]) .وقوله صلى الله عليه وسلم ((اللهم ثبت قلبي على دينك)) ([65]) .وقوله صلى الله عليه وسلم في أحاديث الشفاعة ((فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل)) ([66]) .
فقالوا الإيمان محله القلب لا يتعداه إلى أعمال الجوارح، وهنا خطأ منهم وقصور في فهم الإيمان، فالآيات والأحاديث السابقة ليس المراد منها إخراج العمل وإغفال عن الإيمان ولا تدل عليه بل غاية ما فيها التركيز على أهمية الإيمان القلبي وكونه بمثابة الأصل الذي يتفرغ منه أعمال الإيمان الخاصة بالجوارح، وبمثابة المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله.
فإذا ضممنا إلى هذه الأدلة أدلة أخرى من الكتاب والسنّة تدل على دخول أعمال الجوارح في الإيمان علمنا أن إيمان القلب هو الأصل وإيمان الجوارح هو الفرع الذي يستمد من هذا الأصل، وكلاهما يطلق عليه إيمان ولهذا أجمع السلف على أن الإيمان قول وعمل، وقد تقدمت أدلة الكتاب والسنّة الدالة على دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان وكما ذكرت فهناك فرق عظيم عند أئمة أهل السنّة والجماعة المحققين بين مسمى الإيمان (الإيمان المطلق) وبين أصله وحده الأدنى (مطلق الإيمان) الذي لا يصح الإيمان إلا به، فأهل السنّة والجماعة يجلعون أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان خارجة عن أصله ولهذا قالوا القول والاعتقاد ركنان للإيمان في أصله وأعمال الجوارح ركن كمال للإيمان يدخل في الإيمان الواجب ولا يدخل في الأصل الفارق بين الإيمان والكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الكافرين. وهذا الفهم الصحيح والدقيق لموازين عناصر الإيمان هو الذي ميز الفرقة الناجية عن فرق الضلال، فالجهمية: أخرجوا العمل بجملته (عمل القلب وعمل الجوارح) عن الإيمان بالكلية وجعلوا المرء مؤمناً كامل الإيمان بدون انقياد القلب وإذعانه بل بمجرد المعرفة فجاءوا بأشنع الأقوال، والمرجئة أخرجوا عمل الجوارح عن الإيمان وجعلوا المرء مؤمناً كامل الإيمان وهو لا يعمل بجوارحه خيراً قط.
والخوارج المعتزلة أدخلوا عمل الجوارح في أصل الإيمان وكفروا الأمة بالذنوب والمعاصي، وأهل السنّة المحققين أدخلوا عملوا الجوارح في مسمى الإيمان وأخرجوه عن أصله فكانوا الأمة الوسط الذين أعطوا كل شيء حقه وكل حكم حده وكل عنصر قدره، فالأصل اعتقاد وإقرار وضده الكفر الأكبر والفرع ما زاد على الأصل من أعمال الإيمان وضده الكفر في إطار الملة أو الفسوق والعصيان على حسب التفريط والتقصير، فلم يفرطوا تفريط الجهمية ولا المرجئة الذين أهدروا قيمة العمل بالكلية وجعلوا الفاسق مؤمناً كامل الإيمان، ولم يغالوا غلو المعتزلة والخوارج الذين لم يفهموا موازين الشريعة الحكيمة فكفروا الأمة بالذنوب والآثام.
[الأصل الثاني]: الخطأ في فهم الإيمان وظنهم أنه حقيقة واحدة لا تقبل التجزئة فإما أن توجد وإما أن تنتفي ولهذا جردوه عن الأعمال وقالوا لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وعارضوا بهذا الأصل العقلي القاصر النصوص الصريحة الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه والدالة على أن للإيمان شعب ومراتب وأن للإيمان منازل ودرجات، ومن هذه الآيات الدالة على أن الإيمان يزيد وينقص قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الانفال:2]، وقوله تعالى: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، ومن النصوص الدالة على شعب الإيمان وتفاوتها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون جزء أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) ومن النصوص الدالة على تفاوت درجات الإيمان: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)) ([67]). والأدلة على ذلك مستفيضة.
[الأصل الثالث]: إهمال قيمة عمل الجوارح بالكلية وعدم الاعتداد به، وبالتالي فالنتيجة الحتمية لذلك هي إهمال أداء الواجبات وإهمال قدرها، والاستهانة بالمعاصي والاجتراء عليها، وقد بدا هذا الخلل العظيم واضحاً في مقولات المرجئة: فمنهم من يقول: (الفاسق مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كجبريل وميكائيل وإن لم يعمل واجباً قط وإن لم يدع كبيرة قط)، ومنهم من يقول: (فساق أهل القبلة لا نطلق عليهم اسم الفسوق ولكن نقول فسق في كذا وكذا)، ومنهم من يقول: (لا يدخل من أهل التوحيد أحد النار أبداً)، ومنهم من يقول: (النار محرمة على أهل لا إله إلا الله)، وهكذا من الأقوال التي يبدو فيها الخلل واضحاً في إهمال قيمة الطاعات وأداء الواجبات والكف عن المحرمات، وهذا الأصل العظيم من أصول الضلال عند جمهور المرجئة هو الذي أخرج الحنفية والماتريدية من دائرة الإرجاء الحقيقي إلى دائرة الإرجاء الصوري، وذلك لأنهم مع إخراجهم عمل الجارحة من مسمى الإيمان وقول بعضهم أنه لا يزيد ولا ينقص إلا أنّ كلامهم كله كان على أصل الإيمان وهذا كمثل (النصاب) لا يزيد ولا ينقص، كما أنهم مجمعون على أهمية عمل الجارحة وعلى ضرورة أداء الواجبات والكف عن المحرمات وأن العاصي فاسق مستحق للوعيد بالنار وأن بعض أهل القبلة يدخلون النار يعذبون فيها وأن الطاعات تزيد في الدرجات في الجنة وأن المعاصي تنقص من هذه المنازل بل وتعرض صاحبها للوعيد بالنار، وهذا هو قول أهل السنّة قاطبة فالخلاف صار بينهم صوري محض وبينهم وبين المرجئة حقيقي واضح.
[الأصل الرابع]: زعمهم أنه ما دام الإيمان في القلب فلا يكفر صاحبه مهما أتى به من أعمال الكفر الظاهرة، فمن سجد للصنم أو سب الدين أو استهان بالدين أو أهان المصاحف فهذه الأعمال عندهم لا تضر صاحبها وهو مؤمن كامل الإيمان ما كان في قلبه التصديق وعلى لسانه الإقرار..
[المفتاح الخامس]: غلو بعض المعاصرين في فهم حدود الإرجاء وأثر ذلك الخطير على العقيدة: فقد أبتلينا هذا الزمان بطائفة من المعاصرين الذين لم يحققوا مسائل الإيمان والكفر ولم يضبطوا أحكامهما ولم يعرفوا قواعدهما على منهاج المحققين من علماء أهل السنّة فصاروا يظنون كل من قسم الإيمان إلى أصل وفرع مرجئ، وكل من حقق عناصر الأصل وأخرج أعمال الجوارح عنها إلى الإيمان الواجب مرجئ، وكل من تردد في كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر مرجئ دخل عليه الداخل الذي دخل على المرجئة، وكل من قال الكفر الأكبر كفر اعتقاد وما كان من الأعمال كفراً فلدلالته على كفر القلب مرجئ.
ومن هؤلاء الدكتور سفر الحوالي من علماء الدعوة النجدية، في كتابه (ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي) اتهم فيه غالب علماء الامة بالإرجاء، وهؤلاء المغالين في فهم الإرجاء، لم يفلت من الإرجاء عندهم أحد فالمالكية والشافعية والاحناف مرجئة لأنهم فرقوا بين ترك الصلاة جحداً وتركها تكاسلاً وجعلوا الأول مخرج من الملة وهذه عند هؤلاء المعاصرين فروع فاسدة لم يتكلم فيها الصحابة في ظنهم ولم يعلم هؤلاء المساكين أن هذا هو صريح أدلة الكتاب والسنّة وأن الجمع بين النصوص المتعارضة هو هدى الفقهاء العلماء من أهل السنّة وأنهم جمعوا بين قوله – صلى الله عليه وسلم – ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) وبين قوله – صلى الله عليه وسلم – ((خمس صلوات افترضهن الله على العباد … من أتى بهن … ومن لم يأت بهم لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة)) ولا يكون تحت المشيئة إلا مؤمن، (الشاهد) كل من فرق في الصلاة بين الجاحد والمتكاسل عند هؤلاء الغلاة مرجئة، والحنابلة قسمان قسم على شاكلتهم نجا من الإرجاء – في اعتقادهم- وهم أقل الحنابلة لأن الرواية الصحيحة عندهم والتي صححها وذكرها المرداوي وابن قدامة وابن بطة وغيرهم هو التفريق والقسم الثاني دخل عليه الداخل من الإرجاء، أما الأحناف فهم عندهم – ولا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون فهم أخبث المرجئة وأما الأشاعرة والماتريدية – مع أن قولهم في الإيمان هو محض قول المحققين الفقهاء من أئمة أهل السنة.
وبالتالي فإنّ نسبة العلماء الذين اتهموهم بالإرجاء لا تقل نسبتهم عن 99 ٪ من أمة الإسلام في الإرجاء وهكذا اتهموا في زماننا هذا كل مخالف لهم بالإرجاء حتى أنه إذا ألف أحدهم مؤلف تجده لا تخلو صفحة من مؤلفه من ذكر الإرجاء ووقوع الأمة من براثنه واستفحال أمره ووقوع أكثر العلماء فيه، ومنهم من يتعدى اتهام الأمة بالإرجاء إلى التجهم فهذا مرجئ خبيث وهذا جهمي جلد وهكذا، ولا يدري هؤلاء المساكين أن سواد أهل السنّة الأعظم بحمد الله بعيد عن الإرجاء وأنهم هم الثلة القليلة التي دخل عليها داخل الغلو الذي دخل قبلهم على الخوارج والمعتزلة، يرون أنهم المؤمنون الخلص ولا يدرون أنهم أبعد الناس عن الفقه في دين الله يخلطون الترغيب والترهيب بباب الأحكام والإفتاء والقضاء، والحمد لله عز وجل أن جعل ولاية الإنذار إلى الفقهاء لا إلى العباد والجهال {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] وحديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – وهو في الصحيحين ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) ([68]). ولعل حال هؤلاء هو الذي دعاني بالضرورة إلى تأصيل هذه المسائل في الإيمان والكفر.
[المفتاح السادس]: براءة السادة الاحناف من سبة الإرجاء: في إطار الرد على الطائفة المغالية التي تحاول تصنيف الأحناف على أنهم مرجئه، أقول وبالله التوفق: أهل السنّة والجماعة أجمعوا على أنّ الإيمان قول وعمل وأنه أصل وفرع واتفق علماؤهم المحققون على أنّ الأصل يتناول قول القلب (التصديـق) وعمله (الانقيـاد) وقول اللسان (الإقـرار)، وأنّ أعمال الجوارح تدخل في فرع الإيمان، ما زاد على أصل الإيمان وهو الإيمان الواجب، وإذا ثبت أنّ الإيمان عند الأحناف قول وعمل ويشمل قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار) وأنهم ينصّون على أنّ مقصودهم من هذا التعريف أصل الإيمان المنجي من الكفر فالحاصل أنه لا خلاف البته بينهم وبين علماء أهل السنّة في هذه المسألة إطلاقاً، يقول الكشميري الحنفي في كتابه فيض الباري:” (الإمام أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ تعرض لأمر لم يتعرض له السلف فإنه تكلم في مرتبة محفوظة وهي التي يدور عليها أمر النجاة وليس بعده إلاّ الكفر.. فجعل للإيمان أصلاً.. وهو الذي لو انحط عنه الإيمان لجاء الكفر مكانه، وأبقى التفاضل في أمور تتعلق بالإيمان من الخشية وغيرها، والإيمان ـ أي عنده الذي ـ بمعنى التقوى والخشية يزيد وينقص والناس يتفاضلون فيه “([69]).
إذن الخلاف بين جمهور أهل السنّة والجماعة وبين الإمام أبي حنيفة، هو في جزئية واحدة، ألا وهي دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان بعد اتفاقهم جميعاً على أصل الإيمان الذي ليس قبله إلاّ الكفر الأكبر، وجمهور علماء أهل السنّة يقولون بدخول أعمال الجوارح حقيقة في مسمى الإيمان والأحناف يقولون أنها تدخل على سبيل المجاز وليس الحقيقة لأن مسمى الإيمان عندهم مرادف لأصل الإيمان وما زاد عن الأصل فهو تقوى وبرّ ولا يدخل في الإيمان إلاّ على سبيل المجاز، ومع هذا الخلاف في مسمى الإيمان إلا أنه صوري محض لا حقيقة له، وذلك لأن الأحناف يجعلون للعمل منـزلة كبيرة وأهمية عظيمة وجميعهم يقول بأن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحق للذم والعقاب، ويقولون بأن أهل الذنوب داخلون تحت الذمّ والوعيد، ويقولون بأن بعض أهل الكبائر يدخلون النار ويعذبون فيها، ويقولون بأن مرتكب الكبيرة فاسق داخل تحت الوعيد.
وفي هذه الأصول جميعها يوافقون أهل السنّة والجماعة ويُخالفون أهل الإرجاء قلباً وقالباً، فأهل الإرجاء يقولون بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفـر طاعـة وأنّ أهل (لا إله إلاّ الله) جميعهم يدخلون الجنة ابتداءً فلا يلج النار منهم أحد مهما كثرت ذنوبه، ويقولون أن صاحب الكبائر إيمانه كإيمان الملائكة والنبيين.
وعلى ذلك فأصول الأحناف توافق أصول أهل السنّة وتفارق أصول المرجئة وتخالفها مخالفة جوهرية، ويؤكد صورية هذا الخلاف ما جاء في كتب الأحناف أنفسهم يقول صاحب فيض الباري ” وهاهنا إشكال يرد على الفقهاء والمتكلمين وهو أن بعض أفعال الكفر قد توجد من المصدق، كالسجود للصنم والاستخفاف بالمصحف، فإن قلنا: إنه كافر، ناقض قولنا: أن الإيمان هو التصديق … فالحق في الجواب ما ذكره ابن الهمام ـ رحمه الله تعالى ـ وحاصله أن بعض الأفعال تقوم مقام الجحود، نحو العلائم المختصة بالكفر، وإنما يجب في الإيمان التبرؤ عن مثلها أيضاً، كما يجب التبرؤ عن نفس الكفر، ولذا قال تعالى: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ..} [التوبة: 66] في جواب قولهم: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ..} [التوبة: 65]، لم يقل: إنكم كذبتم في قولكم، بل أخبرهم بأنه بهذا اللعب والخوض الذين من أخص علائم الكفر، خلعوا رقبة الإسلام عن أعناقهم، وخرجوا عن حماه إلى الكفر، فدل على أن مثل تلك الأفعال إذا توجد في رجل يُحكم عليه بالكفر ولا يُنظر إلى تصديقه في قلبه، ولا يلتفت إلى أنها كانت منه خوضاً وهزؤا فقط أو كانت عقيدة، ومن هاهنا تسمعهم يقولون: إن التأويل في ضروريات الدين غير مقبول، وذلك لأن التأويل فيها يساوي الجحود وبالجملة: إن التصديق الجامع مع أخص أفعال الكفر لم يعتبره الشـرع تصديقاً “([70]).
فكلامه رحمه الله يدل على أنّ الأحناف من أبعد الناس عن الإرجاء وأهله، وأنه يقول بكافة ما يقول به علماء أهل السنّة في مسائل الإيمان والكفر، ولو نظرنا إلى كتاب مثل شرح الملا على القارئ على الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة ووجدنا ما فيه من ضوابط الإيمان وتأثير الأعمال على كليهما علمنا يقيناً أنه لا خلاف البتة بين الأحناف وبقية أهل السنّة في مسائل الإيمان، وإن كان هناك خلاف فهو في اللفظ فقط دون الجوهر والأصل.
إننا مع المعرفة الحقيقية (للإرجاء): نوقن أن الخلاف بين الأحناف والمرجئة حقيقي وفي الأصول، والخلاف بينهم وبين أهل السنّة صوري محض لا أثر له في الواقع، فأصول الضلال عند المرجئة تتمثل في تلك الأصول: الأصل الأول: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والمعاصي والآثام لا تؤثر على الإيمان ولا على صاحبه، والأصل الثاني: صاحب الكبيرة لا يدخل ضمن إطار الوعيد، ومهما كان على الكبائر والمعاصي فجسده محرم على النار فلا يدخلها لأنه مؤمن تام الإيمان.
والأصل الثالث: لا أثر للعمل على الإيمان والمرء يكون مؤمناً كامل الإيمان، إيمانه كإيمان جبريل والملائكة والأنبياء وإن كان لا يعمل خيراً قط بل كان واقعاً على كافة الكبائر والآثام، الأصل الرابع: ما دام الإيمان في القلب فلا يكفر صاحبه مهما أتى من أعمال الكفر الدالة على انتفاء الانقياد القلبي وهو عمل القلب، فلا سب الأنبياء كفر ولا الاستهزاء بالدين كفر ولا السجود للأصنام كفر ما كان في القلب المعرفة والتصديق، ” قلت ” وهذه الأصول الأربعة هي التي تفصل بين أهل السنّة وأهل الإرجاء وعند تدبرها بتمعن نجد أن الأحناف يخالفون أهل الإرجاء في كل هذه الأصول مخالفة تامة، ويوافقون في جميعها ما قاله علماء أهل السنّة والجماعة، فهم يقولون أن أصل الإيمان قول وعمل وأنه إقرار باللسان وتصديق بالقلب وانقياد بالقلب فمتى انتفي شيء منها لا يُحكم على صاحبه بالإيمان، بل متى ظهر من أعماله ما يدل على انتفاء انقياد القلب فهو كافر لما بدا عليه من الاستخفاف والإباء، وهم يقولون أن أهل الكبائر داخلون تحت الوعيد، وأنهم تحت المشيئة وبعضهم يدخل النار بذنوبه وتقصيره، وهم يقولون بأن العمل له منـزلة عالية وأن العمل بكل ما جاء به الشرع حق واجب على المؤمنين وبالتالي فهم على أصول أهل السنّة بعيدون عن أصول المرجئة أهل الضلال، ومن الأدلة اليقينية من أقوال الأحناف على براءتهم الجلـيّة من سبّة الإرجاء الحقيقي: قال العلامة ابن عابدين الحنفي ـ في شرح قول الماتن (من هزل بلفظ الكفر) ـ” وهذا لا ينافي ما مر من أن الإيمان هو التصديق فقط أو مع الإقرار لأن التصديق وإن كان موجوداً حقيقة لكنه زائل حكماً لأن الشارع جعل بعض المعاصي أمارة على عدم وجوده كالهزل المذكور، وكما لو سجد لصنم أو وضع مصحفاً في كاذورة فإنه يكفر وإن كان مصدقاً لأن ذلك في حكم التكذيب “([71]).
(فائدة): النتيجة التي آل إليها صحيحة وهو كفر الهازل والساجد للصنم والمستهين بالمصحف وإن كان مصدقاً، ولكن تفضيل الحكم هو أنّ التصديق الذي تحدث عنه ابن عابدين ليس تصديقاً مجرداً كما ذكرنا دائماً هو تصديق إذعاني يستلزم الانقياد القلبي، وهذه الأعمال لا تكون إلاّ مع ذهاب هذا الإذعان والانقياد فهي ضد لعمل القلب الداخل في أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، ولهذا كانت هذه الأعمال من باب الكفر الأكبر وإن كان صاحبها مصدقاً بلسانه كما ذكر ابن عابدين، وهذا هو المفتاح الذي ينبغي من خلاله فهم كلام ابن عابدين، وإلاّ فإن الله عز وجل حكم على أقوام بالكفر الأكبر مع وجود التصديق المجرد على الحقيقة كما في قوله تعالى {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا،} [النمل: 14]، واليقين أعلى مراتب التصديق.
وقـال الطحاوي في عقيدته الطحاويـة ـ والتي نسبها إلى الأئمـة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمـد: (وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يُخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر عز وجل في كتابه {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ..} [النساء: 48]، وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولّى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته) أهـــ ([72]).
وجاء في شرح الفقه الأكبر للملا على القارئ الحنفي: ” لو شبه نفسه باليهود والنصارى على طريقة المزاح والهزل أي ولو على هذا المنوال كفر.. ومن وضع قلنسوة المجوس على رأسه قال بعضهم يكفر وقال بعض المتأخرين إن كان لضرورة البرد، وإلاّ كفر.. ولو شدّ الزنار على وسطه، فقد كفر أي إذا لم يكن مكرهاً على فعله، ومن تزنر بزنار اليهود والنصارى وإن لم يدخل في كنيستهم كفر، أي لأنه تلبس بلباس كفر من غير ضرورة ملجئة، ومن أهدى بيضة إلى مجوسي يوم النيروز كفر أي لأنه أعانه على كفـره وإغوائـه، ومن أهدى يوم النيروز إلى إنسان شيئاً وأراد تعظيم النيروز كفر.. وكذا لو صلى لغير القبلة أو بغير طهارة متعمداً يكفر، وكذا لو أطلق كلمة الكفر إستخفافــاً ” ([73]).
وقال رحمه الله: ” إنّ استحلال المعصية صغيرة كانت أو كبيرة كفر ـ إذا ثبت كونها معصية بدلالة قطعية، وكذا الاستهانة بها كفر بأن يعدها هينة ويرتكبها من غير مبالاة بها ويجريها مجرى المباحثات في ارتكابها، وكذا الاستهزاء على الشريعة الغرّاء كفر لأن ذلك من امارات تكذيب الأنبيـاء، وكالسجود لصنم وقتل نبي أو الاستخفاف به أو بالمصحف أو الكعبة وقد كفّر الحنفية من واظب على ترك سنّة استخفافاً بها بسبب أنها فعلها النبي صلى الله عليه وسلم زيادة أو استقباحها، ومن وصف الله بما لا يليق به أو سخر باسم من أسمائه أو بأمر من أوامره أو أنكر وعده أو وعيده يكفر، وكذا لو تمنى أن لا يكون نبي من الأنبياء على قصد استخفاف أو عداوة، وكذا لو جلس على مكان مرتفع وحوله جماعة يسألون مسائل ويضحكون ويضربونه بالوسائد يكفرون جميعاً وذلك لأن هذه الجماعة يجعلون ذلك الشخص مثل النبي صلى الله عليه وسلم وينـزلون الغير منـزلة أصحابه الكرام ثم السؤال بالمسائل والأحكام استهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نعوذ بالله من ذلك) أهـــ([74]).
وجاء في متن الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة رحمه الله: ” ولا نقول إنّ المؤمن لا تضره الذنوب، ولا نقول أنه لا يدخل النار ولا نقول إن حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة كقول المرجئة ولكن نقول: من عمل حسنة بجميع شرائطها خالية عن العيوب المفسدة والمعاني المبطلة بالكفر والردّة حتى خرج من الدُنيا مؤمناً فإن الله تعالى لا يضيعها بل يقبلها منه ويثنيه عليها، وما كان من السيئات دون الشرك والكفر ولم يتب عنها صاحبها حتى مات مؤمناً فإنه في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ولم يعذبه بالنار أصلاً ،([75]).
وقال الملا على القارئ في شرح المتن السابق: ” ولا نقول إن المؤمن لا تضره الذنوب أي ارتكاب المعصية بعد حصول الإيمان والمعرفة (وأنـه) أي المؤمن المذنب (لا يدخل النار) كما يقوله المرجئة والملاحدة والإباحية.. (ولا نقول إن حسناتنا مقبولة) أي مبرورة (وسيئاتنا مغفورة) أي البتة (كقول المرجئة) (ولكن نقول) أي بل نعتقد المسألة مبينة مفصّلة كما أوضحه بقوله (من عمل حسنة بجميع شرائطها) أي واقعة بجميع مصححاتها في الابتداء (خالية من العيوب المفسدة) أي الظاهرية (والمعاني المبطلة) أي الباطنية في الانتهاء كالكفر والعجب والرياء لقوله تعالى {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ..} [المائدة: 5]وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ،} [البقرة: 264] (ولم يبطلها) تأكيد لما قبلها وتأييد لتعلق ما بعدها (حتى خرج من الدُنيا) وفيه إيماء إلى أنه مادام فيها فهو أي بفضله وكرمه (ويثيبه عليها) أي بمقتضى وعده وحكمه (وما كان من السيئات) أي المعاصي جميعها (دون الشرك) أي الإشراك خصوصاً (والكفر) أي عموماً (ولم يتب عنها) أي عن السيئات صغيرها وكبيرها دون ما استثنى منها (حتى مات مؤمناً) أي غير تائب (فإنه في مشيئة الله تعالى) أي تحت تعلق إرادته سبحانه بعذابه عليها أو عفوه عنها كما بينه بقوله (إن شاء عذبه) أي بعدله على قدر استحقاق عقابه (وإن شاء عفا عنه) أي بفضله ولو وقع شفاعه في بابه (ولم يعذبه بالنار أصلا) بل يدخله الجنة ويجعله فيها مخلداً “([76]).
ومن فتاوي الحنفية جاء في الفتاوي البزازيه: ” إدخال القرآن في المزاح والدعابة كفر لأنه استخفاف به ” ([77]). وجاء في رسالة البدر الرشيد في الألفاظ المكفرات ـ وهو من فقهاء الأحناف ـ” في الخلاصة من قرأ القرآن على ضرب الدفّ والقضيب يكفر، وفي يتيمة الفتاوي: من استخف بالقرآن أو المسجد أو بنحوه مما يعظم في الشرع كفر، وفي الفتاوي الظهيرية: من قرأ آية من القرآن على وجه الهزل يكفر ” أهـ ([78]). (قلت): فأين أقوال هؤلاء السادة الفقهاء لله درهم، وأين الإرجاء، سبحانك هذا بهتان عظيم.
(الخلاصة): الإمام أبي حنيفة رحمه الله خالف بقية الأئمة وذلك بإخراج عمل الجوارح عن مسمى الإيمان أما بقية الأئمة فأخرجوه عن أصل الإيمان وأدخلوه في مسمى الإيمان، والخلاف بينهم لفظي وصوري وجميعهم يعتبرون بأهمية العمل وتأثيره على الإيمان ودخول المقصر فيه في إطار الوعيد، والإمام الأعظم أبو حنيفة: يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم له منهج واضح، وقواعد رصينة، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه حتى قال عنه الإمام الشافعي: (الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه)، وقد تميَّز رحمه الله بطريقة خاصة في استنباط الأحكام التي لا تقف عند ظاهر النصوص، بل تغوص إلى المعاني التي تُشير إليها، وتتعمَّق في مقاصدها وغاياتها، وأتباع المذهب الحنفي قريب من ثلث أهل السنّة والجماعة، والسادة الماتريدية الأحناف هم أحدى مدارس أهل السنّة والجماعة المتحصصة في باب العقيدة، (الأولى): المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، و (الثانية): الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، و (الثالثة): الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وعلم الإمام الماتريدي يصل سنده إلى الإمام الجليل أبي حنيفة النعمان، وقد درس العلوم العقلية، كما درس العلوم النقلية درسًا متقنًا عميقًا، ووقف على دقائقها حتى صار إمامًا مبرزًا في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان لأنصاره رحمه الله الدور المهم في رفع راية أهل السنّة والجماعة في وجه المعتزلة والمجسمة والحشوية، رحم الله الجميع رحمة واسعة.
المبحث الخامس الجهمية وضلالهم في باب الإيمان والكفر
[المفتاح الأول]: الجهمية: هم أتباع الجهم بن صفوان وهو ضال مبتدع قال عنه الذهبي ” هلك في زمان التابعين وما علمته روى شيئاً، لكنه زرع شراً عظيماً ” أهـ([79]).
والذي يهمنا من الجهمية هو قولهم الضال في مسائل الإيمان، فكما أن الخوارج والمعتزلة غالوا في مسائل الإيمان حتى كفروا أهل القبلة، فالجهمية على النقيض فرطوا وقصروا حتى قالوا أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط وكل عارف بالله فهو مؤمن، وأن الكفر بالله هو الجهل بالله فقط، وأن من عرف الله بقلبه فهو مؤمن كامل الإيمان لا تضره مع معرفته شيئاً من المعاصي والآثام كما لا ينفع مع الكفر شيئاً من الأعمال والطاعات، وهذا هو مقصودنا من هذه الرسالة: بيان ضلالهم في مسائل الإيمان والرد على تلك الضلالات، ولكن ذلك لا يمنع من معرفة شيئاً موجزاً عن أهم ضلالات هذه الفرقة الضالة في مجال الاعتقاد.
[المفتاح الثاني]: إشارة إلى الجهمية وبيان لأهم ضلالاتها: قال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله: ” ذكر قول الجهمية ما تفرد به جهم: الذي تفرد به جهم القول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل بالله فقط، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك وزالت الشمس، وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله – سبحانه ! – إلا أنه خلق للإنسان قوة كان بها الفعل، وخلق له إرادة للفعل واختياراً له منفرداً بذلك، كما خلق له طولاً كان به طويلاً، ولوناً كان به متلوناً، وكان جهم ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقتل ” جهم ” بمرو، قتله مسلم بن أحوز المازني في آخر ملك بن أمية ويحكي عنه أنه كان يقول: لا أقول إن الله – سبحانه! – شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء، وكان يقول: إن علم الله – سبحانه ! – محدث، فيما يحكي عنه، ويقول بخلق القرآن، وأنه لا يقال: إن الله لم يزل عالماً بالأشياء قبل أن تكون ” أهـ([80]).
وقال الشهرستاني رحمه الله: ” الجهمية: أصحاب جهم بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة، ظهرت بدعته بترمذ، وقتله مسلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء، منها قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى: بصفة يوصف بها خلقه لأن ذلك يقضي تشبيهاً فنفى كونه حياً عالما، وأثبت كونه قادراً، فاعلاُ، خالقاً، لا يوصف شيء من خلق بالقدرة والفعل والخلق، ومنها إثباته علوماً حادثة للباري تعالى: لا في محل، قال: لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه، لأنه لو علم ثم خلق، أفبقي علمه على ما كان أم لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل، فإن العلم سيوجد غير العلم بأن قد وجد، وإن لم يبق فقد تغير والمتغير مخلوق ليس بقديم، ووافق في هذا المذهب هشام بن الحكم كما تقرر، قال: وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو: إما أن يحدث في ذاته تعالى:، وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته، وأن يكون محلاً للحوادث، وإما أن يحدث في محل فيكون المحل موصوفاً به لا الباري تعالى:، فتعين أنه لا محل له، فأثبت علوماً حادثة بعدد الموجودات المعلومة، ومنها قوله في القدرة الحادثة: إن الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعـة، وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى: الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازاً كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس، وغربت، وتغيمت السماء وأمطرت، واهتزت الأرض وأنبتت إلى غير ذلك، والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر.
قال: وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضاً كان جبراً، ومنها قوله: إن حركات أهل الخالدين تنقطع، والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها، وتألم أهل النار بجحيمها، إذ لا تتصور حركات لا تناهي آخراً، كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولاً، وحمل قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا} على المبالغة والتأكيد دون الحقيقة في التخليد، كما يقال خلد الله ملك فلان، واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 108] فالآية اشتملت على شريطة واستثناء، والخلود والتأييد لا شرط فيه ولا استثناء، ومنها قوله: من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده، لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد، فهو مؤمن، قال: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى عقد، وقول وعمل، قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الانبياء، وإيمان الأمة على نمط واحد، إذ المعارف لا تتفاضل، وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه، ونسبته إلى التعطيل المحض، وهو أيضاً موافق للمعتزلة في نفي الرؤية وإثبات خلق الكلام وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود السمع ” ([81]).
[المفتاح الثالث]: وعلى ذلك يمكن تلخيص أهم ضلالات الجهمية في هذه الأصول الضالة: (الأصل الأول): تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل، و (الأصل الثاني): القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر، و (الأصل الثالث): القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة، و (الأصل الرابع): القول بفناء الجنة والنار، و (الأصل الخامس): إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى: وعذاب القبر.
فأما الأصل الأول: (تعطيل أسماء الله عز وجل وصفاته) فحجتهم فيه أن وصف الله تعالى: بصفات موجودة في المخلوق توجب التشبيه فينبغي نفي كل صفة نسبت إلى الله تعالى، ومن هذا الباب عطلوا جميع الصفات دون استثناء وذلك لأن الإنسان وهو مخلوق موصوف بالحياة والعلم والسمع والبصر والكلام وغيرها من الصفات، وقد تقدم الرد على ضلالاتهم في الكتاب الأول، مفاتيح علم التقديس.
وأما الأصل الثاني (قولهم بالجبر) فحجتهم فيه أنهم يثبتون لله عز وجل القدرة التامة وأن إثبات القدرة التامة يستلزم الجبر في أعمال الإنسان وأنه مجبور على عمله لا خيار له فيه وعمله بمثابة طوله ولونه وبمثابة حركة الجمادات والنباتات، وأي عاقل سمع كلامهم هذا علم أنه إذا عوقب الإنسان على عمله الرديء وهو لا دخل له فيه البته أن هذا ظلم يتنزه الله تعالى: عنه، فكأنهم إذا جاءتهم الشبهة من باب القدرة نسبوا إلى الله تعالى: الظلم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وأهل السنّة يقولون أن للإنسان مشيئة وإرادة واختيار، وكل منا يعلم من نفسه ذلك، فهل القيام بعمل من أعمال الطاعة أو المعصية يشبه رعشة العضلات اللاإرادية أو دقات القلب اللاإرادية دون دخل من الإنسان هذا لا يقوله منصف ولا عاقل، ولكن إرادة الإنسان واختياره داخل ضمن تقدير الله ومشيئته وإرادته، ويجمع الأمرين قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] فأثبت القرآن الكريم المشيئتين بصورة نؤمن بها تثبت لله القدرة التامة والعدل التام والمسئولية الكاملة للإنسان على أفعاله وتصرفات، ثم الجهمية يدخلون من باب الجبر إلى الاحتجاج على الله عز وجل بالمعاصي والذنوب لأنهم يقولون إذا كان الإنسان مجبوراً على عمله فما ذنب ارتكابه الكبائر وهو مجبور عليها، ويلزمهم في ذلك أنه ما ذنب الكافر في وقوعه في الكفر وهنا ينفرط عقد الإيمان بل عقد الملة بأسرها فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما الأصل الثالث: (ضلالهم في مسائل الإيمان والكفر): فالجهميـة من أشـد الفرق ضلالاً وتفريطاً في حق مسائل الإيمان والكفر، وذلك بانهم قالوا: الإيمان هو المعرفة بالله فقط ومن عرف الله بقلبه فهو مؤمن، والكفر هو الجهل بالله فقط، ومن أتى بالمعرفة القلبية فهو مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل وكإيمان الأنبياء والمرسلين، ومن أتى بالمعرفة والإقرار فلا يضره شيء البتة كما لا ينفع مع الكفر طاعة البتة، وقد مر بنا فيما مضى ضلال تلك الأصول بما يغني عن الرد عليها، والله المستعان.
وأما (الأصل الرابع): القول بفناء الجنة والنار، فإنّه قد دلت الآيات على بقاء الجنّة والنار، منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: 57]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]،.
وأما (الأصل الخامس): إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى وعذاب القبر، فهذا من الضلال المتعلق بعدم الأخذ بأحاديث الآحاد فيما لا تعارضه أدلة النقل والعقل، ولا يُخالف قواعد التقديس،
***
المبحث السادس الشيعة وضلالهم في باب الإيمان والكفر
[المفتاح الأول]: بدايات ظهور التشيع: (الشيعة): في اللغة: هم أنصار الرجل وأتباعه، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة) ([82]). وقال الزبيدي: (كل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو شيعة له، وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة) ([83]). قال الفيروز أبادي: (وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علياً وأهل بيته، حتى صار اسماً لهم خاصاً) ([84]).
ولم يكن استعمال هذه اللفظة في العصر الأول من الإسلام إلا في معناه اللغوي والدليل على ذلك أنّه عند اختلاف معاوية رضي الله عنه مع الإمام علي رضي الله تعالى عنه بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه، كان يقال عن أنصار أمير المؤمنين علي رضي الله عنه شيعة الإمام علي، وكان يُقال لأنصار معاوية شيعة معاوية وهم من يرون أحقية معاوية في الطلب بدم عثمان.
ولسنا الآن بصدد دراسة الفتنة وبيان أسباب الحرب التي دارت بين الإمام علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عن الصحابة أجمعين، ولكننا نريد أن نبين هنا أن فئتين عظميتين من المسلمين ـ كما عبر عنها الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام في مدحه الحسن رضي الله عنه، انحاز كل واحدة منهما إلى جانب وشايعت وناصرت من رأوا الحق معه فسميت كل طائفة من هاتين الطائفتين شيعة علي وشيعة معاوية ولم يكن الخلاف بينهما إلا خلافاً سياسياً محضاً فطائفة كانوا يرون علياً رضي الله عنه خليفة صاحب حق شرعي حيث انعقدت له الخلافة بمشورة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، وطائفة كانوا يرون انه لابد من الثأر لدم عثمان وانّ أحق الناس بالمطالبة بدم عثمان هو معاوية بن أبي سفيان، وذلك لقرابته من الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، والامام علي رضي الله عنه آنذاك لم يستتب له أمر جيشه وذلك لكثرة الغوغاء والسفهاء فيه فكان يريد المهلة حتى يستتب له الأمر ثم يأخذ بدم عثمان، ولكن معاوية لم يمهله وأصر على طلبه لدم الخليفة عثمان رضي الله عنه وقد كان له وجه اجتهاد ولكنه اجتهاد خاطئ وبغي على الإمام الحق، والحق كان أقرب إلى الإمام علي رضي الله عنه، وظل الخلاف حتى كانت موقعة صفين وكان فيها ما كان.
وأدنى الطائفتين وأقربهما إلى الحق طائفة الإمام الراشد على رضي الله عنه، والبغي من نصيب الطائفة الأخرى، وللصحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم حُرمة عظيمة، لا يتعداها إلا جريء ضال، وجميعهم أكابر وأخطاؤهم مغمورة في بحر حسناتهم، ولا يحق لمن جاء بعدهم إلا ما جاء في قوله تعالى – بعد ذكر فضائل المهاجرين والأنصار -: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [الحشر: 10].
وهكذا وجدنا الإمام علي رضي الله عنه بين تأديب السفهاء والقصاص لدم عثمان رضي الله عنه وبين المطالبين بدم الإمام عثمان رضي الله عنه، وهو أشد ما يكون حرصا على وحدة الأمة ووحدة صفوفها، فإذا بالفتنة الحقيقية تطل برأسها متمثلة في ظهور (الخوارج) وخروجهم عليه، وكانت أول فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الخوارج انتقصوا من الإمام علي وكفروه وخرجوا عليه بعد (صفين) محققين ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من خروج هؤلاء الضالين الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وقاتلهم الإمام علي رضي الله عنه وسن للأمة من بعده إحكام التعامل مع هؤلاء، وبحمد الله تعالى قتل الكثير منهم وتحققت على يديه بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الخوارج، وعلى النقيض من هؤلاء الخوارج الذين كفروا الإمام علي واستحلوا دمه، بدأ ظهور الرفض في شيعة الإمام علي رضي الله عنه متمثلا في جماعة عبد الله بن سبأ، وهؤلاء (السبئية) – على النقيض من الخوارج – غالوا في الإمام علي وادعوا له ما ليس من حقه، وما لا يرضاه هو رضى الله عنه لنفسه، وقد ظل الإمام علي رضي الله عنه يبغض هؤلاء وهؤلاء (أي الخوارج والروافض)، ويحمل في قلبه ثقيل هم جمع الأمة ووحدة صفوفها على الحق كما كانت على عهد الخلفاء الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، وظل رضي الله عنه على ذلك حتى تمكن أحد الخوارج المارقين من قتله غدرا وهو في طريقه إلى صلاة الفجر، فرضي الله عنه وأرضاه، ثم بايع أصحابه الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالإصلاح بين فئتين عظيمتين من المسلمين فتنازل بالخلافة للصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وبذلك توحدت الأمة واجتمعت كلمتها وسمي هذا العام بعام الصلح، وبعام الجماعة وكان ذلك عام واحد وأربعين من الهجرة، وكان كل واحد من الحزبين يعتقد بإيمان الآخر وإسلامه ويحب الإصلاح بينهما ويسعى إلى التوافق والتصالح، وعلى ذلك صالح الحسن بن علي معاوية رضي الله عنهم أجمعين وبايعه، على أنه يعمل بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين وأن يؤمن الناس أينما كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن وأن يؤمن شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه في أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم وأخذ على هذه الشروط العهود المغلظة باليمين.
[المفتاح الثاني]: (الشيعة في زمان الإمام علي رضي الله عنه): كان شيعة الإمام علي رضي الله عنه هم أهل الحق لأنه كان على الحق وكان الحق أقرب إليه من كل من خالفوه، وكانت طائفته هم أهل الحق، ولكن كان أول ما ظهر الخلل متمثلا في (السبئية) أتباع عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وقال إن عليًّا عليه السلام أمره بذلك فأخذه عليّ فسأله عن قوله هذا فأقر به فأمر بقتله فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك فصيره إلى المدائن، وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب الإمام علي عليه السلام أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًّا فأسلم ووالى عليًّا عليه السلام وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى عليه السلام بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في علي عليه السلام بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض ولاية علي رضي الله عنه، وأظهر البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان، وقد أورد خبر ابن سبأ كل من ألمّ بتاريخ التشيع وفرقه سواء كان من الشيعة أم من السنة،([85]) .
لقد كان المتشيعون لعلي في هذه المرحلة معتدلين، فلم يكفروا واحداً من المخالفين لعلي رضي الله عنه ولا من الصحابة، ولم يسبوا أحداً، وإنما كان ميلهم إلى علي نتيجة عاطفة وولاء، وقد اشتهر بهذا الموقف جماعة من أصحابه حتى بدأ التشيع بعد ذلك يأخذ جانب التطرف والخروج عن الحق، وبدأ الرفض يظهر وبدأت أفكار ابن سبأ تؤتي ثمارها الخبيثة بعد ذلك متمثلة في ظهور المذاهب المغالية من الشيعة.
[المفتاح الثالث]: (الشيعة أيام الحسن رضي الله عنه): اجتمع شيعة علي رضي الله عنه بعد استشهاده حول ابنه الحسن رضي الله عنه، وجعلوه إمامًا لهم في اليوم الثالث بعد انتقال أبيه من دار الدنيا إلى دار الآخرة، وعند ذاك ظهرت السبئية بكل قوة وأظهروا العقائد التي طالما أخفوها خوفًا من بطش الإمام عليّ رضي الله عنه، وحذرًا من يقظته ومراقبته الأفكار الهدامة ومن يريد بثها في صفوف شيعته، ومعاقبتهم معاقبة شديدة، ولكن لم يكن محاربته إياهم مثل محاربة أبيه، فبدأ السبئية يزرعون بذور الفتنة والفساد ويبثون سموم الخلاف والشقاق والفرقة بكل حرية وانطلاقة، وخاصة بعد أن تخاذل الشيعة عن الحسن وبعد تفرقهم عنه ودخول بعضهم في السبئية وميول بعضهم إلى معاوية والتحاق البعض الآخرين بالخوارج وغيرهم، ولقد صوّر هذه الأحوال شيخ الشيعة المفيد والأربلي الشيعي والمجلسي في كتبهم وهم يذكرون أنه أمر بهم أن ينادى بالصلاة جامعة فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فكان من قوله: (ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرًا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمريّ ولا تردوا علي رأيي غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا) فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل، ثم شدوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عانقه، فبقي جالسًا متقلدًا السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه وأحدث به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده فقال: ادعوا إليّ ربيعة وهمدان فدعوا فطافوا به ودفعوا الناس عنه رضي الله عنه وسار ومعه شوب من غيرهم، فلما مر في مظلم ساباط بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان فأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال الله أكبر أشركت يا حسن! كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم ثم اعتنقه الحسن عليه السلام وخرّا جميعًا إلى الأرض، فوثب إليه رجل من شيعة الحسن – رضي الله عنه – يقال له عبد الله بن خطل الطائي فانتزع المغول من يده وخضخض به جوفه فأكب عليه آخر يقال له ظبيان بن عمارة فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأخذ آخر كان معه فقتل، وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن فأنزل به على سعد بن مسعود الثقفي وكان عامل أمير المؤمنين عليه السلام بها فأقره الحسن عليه السلام على ذلك، واشتغل الحسن عليه السلام بنفسه يعالج جرحه، وازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم له وفساد نيات المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير له واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصته من شيعة أبيه وشيعته، فكتب إلى معاوية في الهدنة والصلح، واشترط عليه أن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق منهم حقه فأجابه معاوية إلى ذلك كله وعاهد عليه وحلف له بالوفاء”([86]).
وبعد ان بايع معاوية بالشام اتجه الحسن إلى المدائن، فلم يزل يعالج بها في منزل سعد بن مسعود الثقفي حتى صلحت جراحته ثم انصرف إلى المدينة فلم يزل جريحًا من طعنته كاظمًا لغيظه متجرد طريقه على الشجا والأذى من أهل دعوته حتى توفي رضي الله عنه في آخر صفر سنة سبع وأربعين وهو ابن خمس وأربعين سنة وستة أشهر.
[المفتاح الرابع]: الشيعة أيام الحسين رضي الله عنه: ولما توفي الحسن رضي الله عنه واجتمع الشيعة حول أخيه الحسين رضي الله عنه حدثت حادثة كبيرة، ووقعت كارثة عظيمة، ألا وهي خروج الحسين على يزيد بن معاوية بعد وفاة أبيه وقتله في كربلاء، ونقف برهة يسيرة قبل أن نذكر تفرق الشيعة بعد هذه الكارثة لسرد وبيان تخاذل الشيعة وغدرهم عن الحسين، فلقد ذكر اليعقوبي المؤرخ الشيعي أن يزيد بن معاوية لما تولى الخلافة بعد أبيه كتب إلى عامله بالمدينة الوليد بن عقبة بن أبي سفيان أن يأخذ البيعة من الحسين بن علي رضي الله عنهما ولما طلب الوليد منه ذلك: فخرج الحسين إلى مكة، فأقام بها أيامًا، وكتب أهل العراق إليه، ووجهوا بالرسل على أثر الرسل، فكان من تلك الكتب كتاب هانئ بن أبي هانئ، وسعيد بن عبد الله الخثعمي: “بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي من شيعته المؤمنين والمسلمين، أما بعد فحيّ هلا، فإن الناس ينتظرونك، لا إمام لهم غيرك، فالعجل ثم العجل والسلام” ([87]).
ولما تواترت الرسائل وكثرت، واشتد طلب الكوفيين: وجه إليهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب وكتب إليهم، وأعلمهم أنه إثر كتابه، فلما قدم مسلم الكوفة اجتمعوا إليه، فبايعوه وعاهدوه وعاقدوه، وأعطوه المواثيق على النصرة والمشايعة والوفاء ” ([88]).
وزاد المفيد: “فبايعوه وهم يبكون، وتجاوز عددهم ثمانية عشر ألفًا”([89]). وبعد أيام وصل إليه من مسلم بن عقيل: “أن لك مائة أله، ولا تتأخر” ([90]). فتحرك نحو الكوفة، فأتاه الحبر البحر عبد الله بن العباس فقال له: كما نقل المسعودي: “يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد العراق، وإنهم أهل غدر، وإنما يدعونك للحرب، فلا تعجل، وإن أبيت إلا محاربة هذا الجبار وكرهت المقام بمكة فاشخص إلى اليمن، فإنها في عزلة، ولك فيها أنصار وإخوان، فأقم بها وبث دعاتك: واكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق أن يخرجوا أميرهم، فإن قووا على ذلك ونفوه عنها، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم، وما أنا لغدرهم بآمن، وإن لم يفعلوا أقمت بمكانك إلى أن يأتي الله بأمره، فإن فيها حصونًا وشعوبًا، فقال الحسين: يا ابن عم، إني لأعلم أنك لي ناصح وعلي شفيق، ولكن مسلم بن عقيل كتب إلي باجتماع أهل المصر على بيعتي ونصرتي، وقد أجمعت على المسير إليهم، قال: إنهم من خبرت وجربت، وهم أصحاب أبيك وأخيك وقتلتك غدًا مع أميرهم، إنك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشد من عدوك، فإن عصيتني وأبيت إلى الخروج إلى الكوفة فلا تخرجن نساءك وولدك معك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه” ([91]).
ويذكر المسعودي: “واتصل خبر مجيء مسلم الكوفة بيزيد فكتب إلى عبيد الله بن زياد بتولية الكوفة؛ فخرج من البصرة مسرعًا حتى قدم الكوفة على الظهر، فدخلها في أهله وحشمه وعليه عمامة سوداء قد تلثم بها، وهو راكب بغلة والناس يتوقعون قدوم الحسين فجعل بن زياد يسلم على الناس فيقولون؛ وعليك السلام يا ابن رسول الله! قدمت خير مقدم، حتى انتهى إلى القصر وفيه النعمان بن بشير، فتحصن فيه، ثم أشرف عليه، فقال: يا ابن رسول الله مالي وما لك؟ وما حملك على قصد بليد من بين البلدان؟ فقال ابن زياد: لقد طال نومك يا نعيم، وحسر اللثام عن فيه، فعرفه، ففتح له، ثم وضع ابن زياد الرصد على مسلم حتى علم بموضعه، وجعل الناس يتفرقون عنه فإذا ليس معه منهم أحد، فبقي حائرًا لا يدري أين يذهب، ولا يجد أحدًا يدله على الطريق فنزل عن فرسه ومشى متلددًا في أزقة الكوفة لا يدري أين يتوجه، حتى انتهى إلى باب مولاة للأشعث بن قيس، فاستسقاها ماء فسقته، ثم سألته عن حاله، فأعلمها بقضيته، فرقت له وآوته، وجاء ابنها فعلم بموضعه، فلما أصبح غدا إلى محمد بن الأشعث فأعلمه، فمضى ابن الأشعث إلى ابن زياد فأعلمه، فقتله ([92]).
فلما بلغ الحسين القادسية لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال: أريد هذا المصر، فعرفه بقتل مسلم وما كان من خبره، ثم قال: ارجع، فإني لم أدع خلفي خيرًا أرجوه لك، فهم بالرجوع فقال له أخوة مسلم: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل كلنا، فقال الحسين: لا خير في الحياة بعدكم” ([93]).
ثم قال للناس: “أما بعد فإنه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر وقد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ليس معه ذمام فتفرق الناس عنه وأخذوا يمينًا وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب الذين اتبعوه إنما اتبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلدًا قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون، ثم سار حتى وصل كربلاء: “فلما كثرت العساكر على الحسين أيقن أنه لا محيص له فقال: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا ثم هم يقتلوننا، فلم يزل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه وكان جميع من حضر مقتل الحسين من العساكر وحاربه وتولى قتله من أهل الكوفة خاصة، فلم يحضرهم شامي” ([94]).
فلما قُتل الحسين خرجت نساء الكوفة يصرخن ويبكين، فقال علي بن الحسين: هؤلاء يبكين علينا فمن قتلنا؟،”([95]). لقد كانت فاجعة لا تحتمل، وبدأ التشيع بعدها يحمل الأفكار الغالية، حتى قال بعض الشيعة من هول الصدمة: إن النار محرمة على كل شيعي.
[المفتاح الخامس]: تطور المذهب الشيعي بعد مقتل الإمام الحسين رضي الله عنه من المعقول إلى اللامعقول: في الصدر الأول في زمان الإمام علي رضي الله عنه كان الشيعة الأوائل يقدمون علياً على عثمان فقط، وكان هذا مقبولا بعض الشيء، لأنّ بعض الصحابة كان يقدم عليا على عثمان، ولكن جمهور الصحابة كان يُقدم عثمان على علي رضي الله عنهم اجمعين، والشيعة آنذاك ما كانوا يجرؤون على تقديم الإمام علي رضي الله عنه على أبي بكر وعمر، لأنّ المتواتر عن علي رضي الله عنه الترضي عنهما والحرص على الاقتداء بهما، وقد كان التشيع آنذاك يعني المناصرة والمتابعة ولا يعني أبدا المخالفة أو المنابذة، أو تضليل الصحابة او تكفيرهم، لكن لم يظل التشيع على حاله المعقول، بل بدا الانحراف تدريجيا، إلى ان وصلنا إلى أقوام ينتسبون إلى التشيع وهم يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان والصحابة أجمعين إلا قليلا، حتى أصبح التشيع قناعاً يتستر به كل من أراد الكيد للإسلام والمسلمين من الأعداء الموتورين، وهؤلاء لا يصح تسميتهم بالشيعة لأنّهم روافض رفضوا الصحابة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وخسروا محبة الإمام علي رضي الله عنه فإنه لا يرضى بما وصل إليه هؤلاء الضالون، يقينا لا يمكن أن نساوي بين مصطلح التشيع أيام السلف وبين مصطلح التشيع اليوم، لأنّ الشيعة في زماننا لا يستحقون وصف التشيع، بل هم الروافض، ولهذا قال الإمام الذهبي في معرض الحديث عمن رمي ببدعة التشيع من المحدثين أيام السلف الأوائل: (إن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى: كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدَّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيِّنة، ثم بدعة كبرى: كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحطّ على أبي بكر وعمر –رضي الله عنهما- والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، وأيضاً فما أسْتَحضِر -الآن في هذا الضرب- رجلاً صادقاً، ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم، والتَّقِّية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟ حاشا وكلا، فالشيعي الغالي في زمان السلف وعُرْفِهم هو: من تكلم في عثمان والزبير، وطلحة، ومعاوية، وطائفة ممن حارب علياً –رضي الله عنه- وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا وعُرْفِنَا هو: الذي يكفِّر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين، فهذا ضال مفتر) أهــ([96]). ويقول الإمام الحافظ ابن حجر: (والتشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السبُّ أو التصريح بالبغض، فغالٍ في الرفض، وإن اعتقد الرجعة في الدنيا، فأشد في الغلو) أهــ ([97]).
قال رحمه الله في “التهذيب”: (التشيع في عرف المتقدمين هو: اعتقاد تفضيل عليّ على عثمان، وأن علياً كان مصيباً في حروبه، وأن مخالفه مخطئ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أن علياً أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان معتقِد ذلك ورعاً، ديناً، صادقاً، مجتهداً، فلا تُرَدُّ روايته بهذا، لاسيما إذا كان غير داعية، وأما التشيع في عرف المتأخرين: فهو الرفض المحض، (أي السب والشتم)، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي، ولا كرامة) أهـ ([98]).
إنّ التشيع كفرقة ضالة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت طوراً زمنياً، ومرت بمراحل عديدة لكن أصول التشيع الضالة ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي، وأن علياً وصِي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنّ الصحابة سلبوه حقه الذي أعطاه الله تعالى له، وهذا هو أساس التشيع كما يراه شيوخ الشيعة وهو الذي شهدت به كتب الشيعة أنفسهم بأنّ ابن سبأ وجماعته هم أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرحامه وخلفاؤه وأقرب الناس إليه رضي الله عنهم، والطعن في الصحابة الآخرين، وهذه عقيدة الشيعة في الصحابة كما هي مسجلة في كتبهم المعتمدة.
فالبداية سبئية، لا ريب و (عبد الله بن سبأ) هذا اليهودي الزنديق الذي ادعى الإسلام وأسس عقائد الشيعة الروافض، هو أصل التشيع، وهو المؤسس الأول للرفض الذي عليه الشيعة الإمامية اليوم، وهو الذي زعم بألوهية الإمام علي، وامتد التاريخ لتعطي الشيعة الإمامية الأئمة صفات الإلهية، فيقول الخميني: (إن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) ([99]).
ويقول أيضاً: وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل) ([100]).
وإذا كان من بين العقائد التي جاء بها ابن سبأ القول بالوصية والرجعة، وجدنا الشيعة يدينون بها، ففي الأصول: (فكان علي عليه السلام، وكان حقه الوصية التي جعلت له، والاسم الأكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة) ([101]). ويقول الشيعة عن الرجعة: “واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وإن كان بينهم في معنى الرجعة خلاف) ([102]).
وإذا كان عبد الله بن سبأ أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم وجدنا كتب الشيعة تمتلئ بسب الصحابة والبراءة من أعمالهم حتى قال شيخهم المفيد: (واتفقت الإمامية والزيدية والخوارج على أن الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام أجمعين كفار ضُلاَّلٌ ملعونون بحربهم أمير المؤمنين (ع) وأنهم بذلك في النار مخلدون) ([103]).
وإذا كان القول بالبداء من عقائد السبئية، فإنّ الشيعة أخذوا بهذا القول عنه، حتى عقد الكليني في كتاب التوحيد “باب البداء” وساق فيه من الأخبار: “ما تنبأ نبي قط حتى يقر لله خمس خصال: بالبدأ والمشيئة والسجود والعبودية والطاعة) ([104]). ونقل أيضاً: “لو يعلم الناس ما في القول بالبدأ من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه) ([105]).
وللتاريخ فإنّ الكليني والمفيد وأعلام الإمامية الذين أسسوا للفرقة الإمامية وألفوا فيه الكتب والمجلدات فإنهم جميعا من أعلام السبئية، ومن أتباع الزنديق عبد الله بن سبأ اليهودي المتأسلم، الذي فعل في الإسلام ما فعل أخوه بولس اليهودي في النصرانية، والملاحظ: أنّ المذهب الشيعي غير ثابت، ومن طبيعته أنه يتطور من وقت لآخر، ويتغير من جيل لجيل، حتى أن ما يعتبر غلواً عند الشيعة الماضين فإنه قد يصبح اليوم من ضرورات المذهب، والملفت للنظر هو كثرة هذه الفرق الشيعية، وتعددها بدرجة كبيرة إذ أنّه بعد وفاة كل إمام من الأئمة عند الشيعة تظهر فرق جديدة، وكل فرقة تنفرد ببعض العقائد والآراء عن الطوائف الأخرى، وتدعي أنها هي الطائفة المحقة، ولكن من الملاحظ أنّ الفرقة الإثنى عشرية قد استوعبت جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى.
وقد انحصرت الفرق الشيعية المعاصرة بثلاث فرق، الزيدية والإسماعيلية والإمامية الإثني عشرية، و(الزيدية): أقرب فرق الشيعة إلى مذهب أهل السنّة والجماعة، و(الإسماعيلية): أبعد القوم عن دين الإسلام واكثرهم باطنية خرجوا عن الملة الإسلامية بمكفر من المكفرات، ولذلك عدهم كثير ممن تكلم في فرق المسلمين انهم ليسوا مسلمين، ولا يُعدون من الفرق الإسلامية الضالة أصلا، و(الإمامية) هي أكبر هذه الطوائف الشيعية اليوم عددا، اختلف علماء المسلمين في تقييمهم اشد الاختلاف وذلك لعقيدة غامضة عندهم سموها التقية فيخفون بها ما يبطنون ويظهرون بها خلاف ما يعتقدون فالله أعلم بحالهم ومآلهم لنا الظاهر أنّهم مسلمون ما لم يأت أحدهم بكفر بواح لنا فيه عند الله برهان.
[المفتاح السادس]: الفرقة الأولى من فرق التشيع:[الزيدية]: (الزيدية): هم من أقرب الفرق الشيعية إلى أهل السنّة والجماعة، حيث تتصف بالاعتدال والقصد والابتعاد عن التطرف والغلو الذي هو سمة الشيعة الإمامية، ولولا الاعتزال الذي اعتقدوه لكانوا أقرب الناس قاطبة إلى أهل السنّة والجماعة، وتنسب الزيدية إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب (80 – 122 هـ) كان تقيّا شجاعا، وقد اتصل برأس المعتزلة واصل بن عطاء، وتدارس معه العلوم، فتأثر به وبأفكاره التي نقل بعضا منها إلى الفكر الزيدي، وبالمقابل تتلمذ أبو حنيفة على الإمام زيد وأخذ منه بعض العلم والفقه.
[الأفـــكار والمعتقــدات]:
(1) الزيدية يُجيزون الإِمامة في كل أولاد فاطمة، سواء أكانوا من نسل الإِمام الحسن أم من نسل الإِمام الحسين، (2) الإِمامة لديهم ليست بالنص، إذ لا يشترط فيها أن ينص الإِمام السابق على الإِمام اللاحق، بمعنى أنها ليست وراثية بل تقوم على البيعة، فمن كان من أولاد فاطمة وفيه شروط الإِمامة كان أهلاً لها، (3) لا يجوز عندهم أن يكون الإِمام مستوراً إذ لابد من اختياره من قبل أهل الحل والعقد، ولا يتم اختياره إلا إذا أعلن عن نفسه مبيناً أحقيته بالإِمامة، (4) يجوز لديهم وجود أكثر من إمام واحد في وقت واحد في قطرين مختلفين، (5) تقول الزيدية بالإِمام المفضول مع وجود الأفضل إذ لا يُشترط أن يكون الإِمام أفضل الناس جميعاً بل من الممكن أن يكون هناك للمسلمين إمام على جانب من الفضل مع وجود من هو أفضل منه على أن يرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا التي يدلي برأيه فيها، (6) معظم الزيدية يقرون خلافة أبي بكر وعمر، ولا يلعنونهما كما تفعل فرق الشيعة، بل يترضون عنهما، ويقرون بصحة خلافة عثمان مع مؤاخذته على بعض الأمور، (7) يميلون إلى الاعتزال فيما يتعلق بالذات والصفات، والجبر والاختيار، ومرتكب الكبيرة يعتبرونه في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة ولكنه غير مخلد في النار إذ يعذب فيها حتى يطهر من ذنبه ثم ينتقل إلى الجنة، (8) وهم يرفضون التصوف رفضاً قاطعاً، (9) ويخالفون الشيعة الإمامية في زواج المتعة ويستنكرونه، (10) هم متفقون مع السنّة بشكل كبير في العبادات والفرائض سوى اختلافات قليلة في الفروع من مثالها: يقولون “حي على خير العمل” في الأذان، وصلاة الجنازة لديهم خمس تكبيرات، ويرسلون أيديهم في الصلاة، وصلاة العيد تصح فرادى وجماعة، ويحكمون ببطلان الصلاة خلف الفاجر، ويرون أنّ تقليد أهل البيت أولى من غيرهم، ويقولون بوجوب الخروج على الإِمام الظالم الجائر ولا تجب طاعته، ولا يقولون بعصمة الأئمة عن الخطأ، ولا يغالون في رفع أئمتهم على غرار ما تفعله الإمامية والإسماعيلية.
[تأثر الزيدية بالمعتزلة]: انعكست اعتزالية واصل بن عطاء على الزيدية وظهر هذا جلياً في اقرارهم بالأصول الخمسة لدى المعتزلة، وأصول المذهب الاعتزالي خمسة يظنون أنها من أصول الدين، وهي في حقيقتها من أصول ضلالة:
[الأصل الأول يسمونه التوحيد] وهو في حقيقته إفراط في باب التنزيه على حساب الإثبات وخوض في صفات الله تعالى بما لا ينبغي]: وقد وصلوا من خلال هذا الأصل إلى إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنّة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثبوتاً.
[الأصل الثاني عندهم يسمون العدل وهو في حقيقته نفي القدر والتكذيب به]:وهذا الأصل يبحثون فيه أفعال الله تعالى: وقد راموا في هذا المبحث نفي الجور والظلم عن الله عز وجل فصار لازم قولهم وصف الله عز وجل بالعجز وعدم كمال القدرة والمشيئة.
[الأصل الثالث:يسمونه الوعد والوعيد] وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء ونفي لعفو الله عز وجل لعباده العاصمين لأصحاب الكبائر من أمة النبي صلى الله عليه وسلم
[الأصل الرابع عندهم ويسمونه المنـزلة بين المنـزلتين]: وهو في حقيقته نفي مطلق الإيمان عن أصحاب الكبائر وجعلهم في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة، ومن ثم مضاهاة الخوارج في الحكم عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين.
[الأصل الخامس يسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر]: وهو في حقيقته تهيئة الأجواء للخروج على الحاكم المسلم العاصي أو الفاسق وإثارة الفوضى والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين، وذلك لأنهم يرون الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين.[تأثر الزيدية بقيام الثورة الإمامية بإيران]: جدير بالقول أن الزيدية ظلت لسنوات طويلة زيدية صرفة يحارب أئمتها التشيع والرفض، إلا أن قيام الثورة الإيرانية سنة 1979 شكل خطرا على الاعتدال الزيدي، خاصة وأن إيران مدّت يدها لهؤلاء في خطتها لتصدير الثورة الرافضية ونشر الرفض في العالم ومنه اليمن، وصارت الكثير من الهيئات والمؤسسات الزيدية تنحى منحى إمامياً اثنى عشرياً، لاسيما الجارودية أتباع الحوثي، وصاروا يقلدون الروافض الإمامية بإحياء مناسباتهم ومجالسهم مثل إحياء ذكرى استشهاد الحسين، وإقامة المجالس الحسينية، وإحياء وفاة بعض الأئمة مثل جعفر الصادق ومحمد الباقر وعلي زين العابدين، واتخاذ بعضهم جبلاً في مدينة صعدة أسموه (معاوية) يخرجون إليه في يوم عاشوراء ويطلقون عليه نيران أسلحتهم، والاحتفال بيوم الغدير، مما يثير الشك في تحولهم تماما إلى المذهب الرافضي الذي كانوا بالأمس يرفضونه ويلعنون متبعيه.
[المفتاح السابع]: ضلال الزيدية في باب الإيمان والكفر: اعتنق الزيدية المذهب المعتزلي، والمعتزلة جاءت في مسائل الإيمان والكفر بأصلين بدعيين، (الأول): خالفوا فيه إجماع الأمة إلا الخوارج و(الثاني): خالفوا فيه إجماع الأمة بأسرها فلم يقل فيه بقولهم أحد.
[الأصل الأول – أسموه – الوعد والوعيد]: ومفاده أن الله عز وجل وعد المطيعين بالثواب وأنه يفعل ما وعد لا محالة ولا يجوز عليه الخلف وإلا كان كذباً لا ينبغي أن يوصف به الله عز وجل – وهذا لا غبار عليه به قول أهل السنّة والجماعة، ولكنهم يرتبون على ذلك أن الوعد بالثواب هو بطريق الاستحقاق وأن العبد مستحق لذلك الثواب وليس هو من باب الفضل والتفضل، وهم بذلك مخالفون لأهل السنّة والجماعة، لأن أهل السنّة يرون أن هذا محض فضل الله تعالى على عباده المطيعين لأنه سبحانه هو الذي يسر لهم الطاعة ونعمه عليهم تكافئ الطاعة وتزيد عليها فأي حق لهم سوى فضل الله عز وجل عليهم بدليل قول أهل الجنة {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ..} [فاطر: 35] فالجنة إنما يحل فيها أهلها بفضل الله، ويصدق الآية الحديث الصحيح فقد أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال ((سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحداً الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)) ([106])..أما مسألة الوعيد، فإن المعتزلة أتوا فيها بما يضحك الثكلى فقالوا كما أن الوفـاء بالوعد واجب على الله، كذلك الوعيد فإنه واجب على الله أن يوفي بوعيده، والوعيد معناه كل خبر يتضمن إيصال الضرر والعقاب والعذاب إلى الغير مستقبلاً، وعلى ذلك فمن توعده الله بالعذاب أو النار فإنه لا يعفو عنه ولكن يعذبه ويوفي بوعيده وإلا تضمن خطاب الله عز وجل الكذب وخلف الوعيد وبناءً على هذا الأصل الضال بنوا بأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار خلود الكافرين والمعتزلة بناء على فهمه الضال لمسألة الوعد والوعيد ينكرون الشفاعة لأهل الكبائر، فأنكروا شفاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – وشفاعة المؤمنين لأهل الكبائر من أمة الإسلام، وقالوا لا يجوز أن يخرج الفاسق – مرتكـب الكبيـرة – من النـار بشفاعـة الرسـول صلى الله عليه وسلم، إذ الفاسق – عندهم – خالد مخلد في النار خلود الكافرين.
واما[الأصل الثاني المنـزلة بين المنـزلتين]: وهو قولهم بأن مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا هو كافر بل هو في منـزلة ثالثة بين المنـزلتين فلا يأخذ – في الدنيا – اسم وحكم هذا ولا ذاك، وهو في الآخرة مخلد في النار مع الكافرين، وحقيقة الخلاف بينهم وبين أهل السنّة في هذه المسألة أن أهل السنّة والجماعة يسمون مرتكب الكبيرة فاسقاً ولكنهم يعلمون أن معه أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد، لذلك فهم يجعلونه فاسقاً بكبيرته مؤمناً بأصل إيمانه فله اسم الإيمان وحكمه في الدنيا بمعنى أنه يعامل معاملة المسلمين من حيث كافة الأحكام من التزاوج والتوارث وغيرها، وهو في الآخرة إلى المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء عفا عنه إلا أنه لا يخلد في النار خلود الكافرين، بل مآله في الآخرة إلى الجنة برحمة الله، أما المعتزلة فهم لا يعطونه لا اسم الإيمان ولا حكمه هذا في الدنيا، أما في الآخرة فيجعلونه كالكافر ويحكمون عليه بالخلود الأبدي في النار إلا أن عذابه أقل من عذاب الكافرين، والمعتزلة بهذا القول خالفت إجماع أهل القبلة بما فيهم الفرق الضالة، فلم يقل بالمنـزلة بين المنـزلتين غيرهم ولا أحد قبلهم، وهذا وحده كاف في بيان ضلال ما ذهبوا إليه.
[المفتاح الثامن]: الفرقة الثانية من فرق التشيع: [الإسماعيلية]: (الإسماعيلية): فرقة باطنية، انتسبت إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر، وحقيقتها تخالف العقائد الإسلامية الصحيحة، وقد مالت إلى الغلوِّ الشديد لدرجة أن الشيعة الزيدية والاثني عشرية يكفِّرون أعضاءَهَا، ومن فرق الإسماعيلية: الإسماعيلية القرامطية، والإسماعيلية الفاطمية، والإسماعيلية الحشاشون، والإسماعيلية البهرة، والإسماعيلية النصيريون، والاسماعيلية الدروز.
الأفكار والمعتقدات التي تكاد تجمع الإسماعيلية:
(1) ضرورة وجود إمام معصوم منصوص عليه من نسل محمد بن إسماعيل، (2) العصمة لديهم ليست في عدم ارتكاب المعاصي والأخطاء بل إنهم يؤولون المعاصي والأخطاء بما يناسب معتقداتهم، (3) من مات ولم يعرف إمام زمانه ولم يكن في عنقه بيعة له مات ميتة جاهلية، (4) يضفون على الإمام صفات ترفعه إلى ما يشبه الإله، ويخصونه بعلم الباطن ويدفعون له خُمس ما يكسبون، (5) يؤمنون بالتقية والسرية ويطبقونها في الفترات التي تشتد عليهم فيها الأحداث، (6) الإمام هو محور الدعوة الإسماعيلية، ومحور العقيدة يدور حول شخصيته، (7) الأرض لا تخلو من إمام ظاهر مكشوف أو باطن مستور فإن كان الإمام ظاهراً جاز أن يكون حجته مستوراً، وإن كان الإمام مستوراً فلا بد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين، (8) يقولون بالتناسخ، والإمام عندهم وارث الأنبياء جميعاً ووارث كل من سبقه من الأئمة، (9) ينكرون صفات الله أو يكادون لأن الله ـ في نظرهم ـ فوق متناول العقل، فهو لا موجود ولا غير موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا يقولون بالإثبات المطلق ولا بالنفي المطلق فهو إله المتقابلين وخالق المتخاصمين والحاكم بين المتضادين، ليس بالقديم وليس بالمحدث فالقديم أمره وكلمته والحديث خلقه وفطرته، و(الإسماعيلية) في بدايتها كانت إحدى الفرق الشيعية ولكنها غلت في أئمتها أشد من غلو الرافضة، وتأثرت بمؤثرات كثيرة حتى وصل الأمر إلى أن بلغت حد الغلو المخرج من ملة الإسلام حتى اعتبرتها معظم الفرق الإسلامية كافرة وخارجة من الإسلام، لما أسبغوه على إمامهم من صفات تصل به إلى ما يشبه مقام الألوهية، ولقولهم بالتناسخ واستحلال ما حرّم الله.
ومن أبرز الفرق الإسماعيلية الباطنية:
[(1) الإسماعيلية القرامطة]: والقرامطة من غلاة الإسماعيلية، ومن شخصياتهم: عبد الله بن ميمون القداح: (260ه)، وحمدان قرمط بن الأشعث (278ه)، وأحمد بن القاسم: الذي بطش بقوافل التجار والحجاج، والحسن بن بهرام (أبو سعيد الجنابي): ظهر في البحرين ويعتبر مؤسس دولة القرامطة، وابنه سليمان بن الحسن بن بهرام (أبو طاهر): حكم ثلاثين سنة، وفي عهده هاجم الكعبة المشرفة سنة 319ه، ونهب هو وأصحابه الحجاج وقتلوهم في المسجد الحرام، وقلع باب البيت، وقبة زمزم والحجر الأسود، وأخذ كسوة الكعبة ففرقها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة وأقام الخطبة في مكة لعبيد الله المهدي بدلاً من الخليفة العباسي المقتدر ثم عاد إلى الأحساء سارقا الحجر الأسود، وبقي عنده لأكثر من عشرين سنة. [(2) الإسماعيلية الفاطمية (العبيدية)]: قامت الدولة العبيدية الفاطمية على أساس الدعوة الشيعية في ظروف غامضة، والإسماعيلية الفاطمية مرت بعدة أدوار: (أ) دور الستر: من موت إسماعيل سنة 143 هـ إلى ظهور عبيد الله المهدي، وقد اختلف في أسماء أئمة هذه الفترة بسبب السرية، (ب) بداية الظهور: يبدأ الظهور بالحسن بن حوشب الذي أسس دولة الإسماعيلية في اليمن سنة 266هـ وامتد نشاطه إلى شمال أفريقيا واكتسب شيوخ كتامة، (ت) دور الظهور: يبدأ بظهور الإمام عبيد الله الملقب بالمهدي الذي كان مقيما في سلمية بسوريا ثم هرب إلى شمال أفريقيا، وأقام هناك الدولة الباطنية (العبيدية) التي تسمت بالدولة الفاطمية، واستمرت تحكم مصر والحجاز واليمن حتى زوال دولتهم على يد المجاهد صلاح الدين الأيوبي.[(3) الإسماعيلية الحشاشون]: ومن أبرز شخصياتهم: الحسن بن الصباح: وهو فارسي الأصل وكان يدين بالولاء للإمام المستنصر قام بالدعوة في بلاد فارس للإمام المستور ثم استولى على قلعة الموت وأسس الدولة الإسماعيلية النـزارية، وهم الذين عرفوا بالحشاشين لإفراطهم في تدخين الحشيش، وكان شعار الحشاشين (لا حقيقة في الوجود وكل أمر مباح) ووسيلتهم الاغتيال المنظم والامتناع بسلسلة من القلاع الحصينة، وهم يعتقدون أن الله لم يخلق العالم خلقاً مباشراً بل كان ذلك عن طريق العقل الكلي الذي هو محل لجميع الصفات الإلهية، ويسمونه الحجاب، وقد حل العقل الكلي في إنسان هو النبي وفي الأئمة المستورين الذين يخلفونه فمحمد هو الناطق وعلي هو الأساس الذي يفسر، وعنهم يقول الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: (المنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات واستحلالها، وإنكار الشرائع، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم) أهــ. ([107]) .
[(4) الإسماعيلية الدروز]: فرقة إسماعيلية باطنية ادعت ألوهية الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي، يعتبرون أنفسهم منذ ألف سنة مضت في دور الستر وهم شديدو التكتم على عقائدهم، وهذه الطائفة قامت على مبادئ الإسماعيلية وزادت عليها بعض العقائد التي ميزتها كالقول بألوهية الحاكم بأمر الله ورجعته في آخر الزمان.
ومن معتقداتهم: (1) يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله ولما مات قالوا بغيبته وأنه سيرجع، (2) ينكرون الأنبياء والرسل جميعاً ويلقبونهم بالأبالسة، (3) يعتقدون بأن المسيح هو داعيتهم حمزة، (4) يبغضون جميع أهل الديانات الأخرى والمسلمين منهم بخاصة ويستبيحون دماءهم وأموالهم وغشهم عند المقدرة، (5) يعتقدون بأن ديانتهم نسخت كل ما قبلها وينكرون جميع أحكام وعبادات الإسلام وأصوله كلها، (6) حج بعض كبار مفكريهم المعاصرين إلى الهند متظاهرين بأن عقيدتهم نابعة من حكمة الهند، (7) ولا يكون الإنسان درزياً إلا إذا كتب أو تلى الميثاق الخاص، (8) يقولون بتناسخ الأرواح وأن الثواب والعقاب يكون بانتقال الروح من جسد صاحبها إلى جسدٍ أسعد أو أشقى، (9) ينكرون الجنة والنار والثواب والعقاب الأخرويَّيْن، (10) ينكرون القرآن الكريم ويقولون إنه من وضع سلمان الفارسي ولهم مصحف خاص بهم يسمى المنفرد بذاته، (11) يعتقدون أن القيامة هي رجوع الحاكم الذي سيقودهم إلى هدم الكعبة وسحق المسلمين والنصارى في جميع أنحاء الأرض وأنهم سيحكمون العالم إلى الأبد ويفرضون الجزية والذل على المسلمين، (12) يحرمون التزاوج مع غيرهم والصدقة عليهم ومساعدتهم كما يمنعون التعدد وإرجاع المطلقة، (13) لا يعترفون بحرمة الأخت والأخ من الرضاعة، (14) لا يقبل الدروز أحداً في دينهم ولا يسمحون لأحد بالخروج منه، (15) الدروز تؤمن بالتناسخ بمعنى أن الإنسان إذا مات فإن روحه تتقمص إنساناً آخر يولد بعد موت الأول، فإذا مات الثاني تقمصت روحه إنساناً ثالثاً وهكذا في مراحل متتابعة للفرد الواحد، ويعيش الدروز اليوم في لبنان وسوريا وفلسطين.
[(5) الإسماعيلية البهرة]: وهم إسماعيلية الهند واليمن، تركوا السياسة وعملوا بالتجارة فوصلوا إلى الهند واختلط بهم الهندوس الذين أسلموا وعرفوا بالبهرة، والبهرة لفظ هندي قديم بمعنى التاجر، ومن عقائد البهرة: أنّهم لا يقيمون الصلاة في مساجد المسلمين، وظاهرهم في العقيدة يشبه عقائد سائر الفرق الإسلامية المعتدلة، أما باطنهم شيء آخر فهم يصلون ولكن صلاتهم للإمام الإسماعيلي المستور من نسل الطيب بن الآمر، وهم يذهبون إلى مكة للحج كبقية المسلمين لكنهم يقولون: إن الكعبة هي رمز على الإمام.
[(6) الإسماعيلية (النصيرية)]: فرقة من غلاة الشيعة الباطنية، وقد أرجع أصحاب معاجم الرجال وكتب الملل والنحل المتقدمين سبب تسمية هذه الفرقة إلى محمد بن نصير ويمكن تلخيص أبرز عقائد النصيرية من خلال الجمع بين كل الكتب والمصادر التي تحدثت عنهم بالتالي: (1) حركة باطنية، لها طقوسها وديانتها وعقائدها الخاصة، والتي لا يحق للغير الاطلاع عليها ويتم تداولها بشكلٍ سريٍّ فيما بينهم، (2) هي إحدى فرق غلاة الشيعة، تعود إلى محمد بن نصير الذي كان على عهد الإمامين الهادي والعسكري، (3) جعلوا علياً إلهاً وقالوا بأن الظهور الروحاني بالجسد الفاني كظهور جبرائيل في صورة بعض الأشخاص، (4) يبيحون المحرمات وأباحوا نكاح المحارم ونكاح الرجال، ويستبيحون الزنا بنساء بعضهم لأن المرآة لا يكمل إيمانها إلا بإباحة فرجها لأخيها المؤمن، (5) يؤمنون بتناسخ الأرواح، وأن الإنسان عندما يموت تنتقل روحه إلى جسد جديد إما إنسان آخر في حال عمل الصالح، أو حيوان جراء سلوكه الطالح، وهذا يعد يوم الحساب عندهم، (6) يزعم هؤلاء أن الولاية أعلى من النبوة، لأن الإمام المعصوم – في زعمهم- مصدر الإرادة الإلهية دون وحي أو واسطة لأنه تحت تأثير الإرادة الإلهية المباشرة، وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء النصيريين لا تجوز مناكحتهم، ولا تباح ذبائحهم، ولا يُصلى على من مات منهم ولا يدفن في مقابر المسلمين.
(تنبيه): الإسماعيلية الغلاة ليسوا من أهل القبلة أصلا فلا نرى ضلالهم في الإيمان وحسب، بل هم ربما على ملة غير الإسلام نسأل الله السلامة.
[المفتاح التاسع]: [الشيعة الإمامية الاثنا عشرية]: يقال لهم: (الإماميّة) لقولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على استخلاف علي بن أبي طالب من بعده، ويقال لهم: (الجعفرية) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه ابن محمد الباقر، وهو منهم برآء، لأنّهم يكذبون عليه، فقد اخرج ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) بإسناد صحيح إلى المحدّث الحافظ الكبير أبي حفص ابن شاهين (٣٨٥هـ) أنّه قال: (رجلان صالحان بُليا بأصحاب سوء: جعفر بن محمد، وأحمد بن حنبل)، وهو يقصد كثرة الكذب على جعفر الصادق وعلى أحمد بن حنبل، من غلاة المتعصبين لهما، ويقال لهم (الاثنا عشرية) لانهم يقولون بالنص على اثني عشر إماما معصوما، يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على إمامة علي بن أبي طالب، واستخلفه بعده بعينه واسمه، وأن عليّاً نصّ على إمامة ابنه الحسن بن علي، وهكذا إلى أن سمّوا اثني عشر إماماً من أولاد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخرهم محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب، وينتظرون خروجه، وهو المهدي المنتظر عندهم، ويقال لهم (الرافضة) لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهما للنبي صلى الله عليه وسلم بمثابة الوزيران، وقيل سموا بالرافضة لأنهم رفضوا إمامة زيد بن علي فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، رفضه هؤلاء فقال لهم: رفضتموني، فسُمّوا رافضة لرفضهم إياه.
ومن عقائد الإمامية الاثني عشرية: (1) التشكيك في حفظ القرآن الكريم، (2) تكفير الصحابة إلا قليلاً منهم، (3) التشكيك في نزاهة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، (4) تكفير المسلمين إلا من كان على مثل عقيدتهم، (5) عصمة الأئمة الاثني عشر، وتفضيلهم على الأنبياء، والغلوّ فيهم، (6) جمهورهم يجوِّزون على الله البداء، وهو أن يظهر له الشيء بعد أن خفي عليه، وكل تلك الطوام يرى كثير من أهل العلم أنها مكفرات تُخرج من الدين بالكلية، تسأل الله السلامة، لكن لنا الظاهر والله أعلم بالسرائر.
[المفتاح العاشر]:
الإمامية، أقل شرا من الإسماعيلية الغلاة، ولكنهم أشر من الزيدية المعتزلة في باب الإيمان، وهم يرون كفر كل من لم يكن إماميا، وفي ذلك يقول محمد بن علي بن بابويه القمى: ” واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام – والأئمة من بعدهم – عليهم السلام – أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وانكر نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم –أهـ([108]).
ويقول يوسف البحراني: ” وليت شعرى أي فرق بين من كفر بالله سبحانه وتعالى ورسوله وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام مع ثبوت كون الإمامه من أصول الدين ” أهـ ([109]).
والغلو في كلامه واضح لا يحتاج إلى تعليق، ثم من الذي جعل الإمامة من أصول الدين فهل أتت آية واحدة من كتاب الله عز وجل تثبت أن الإمام أصل من أصول الدين، ويقول محمد محسن المعروف بالفيض الكاشاني: ” ومن جحد إمامه أحدهم – أي الأئمة الاثنى عشر – فهو بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام”أهـ([110]).
ويقول الملا محمد باقر المجلسي– وهم يلقبونه بالحجة: ” اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام وفصل عليهم غيرهم يدل على أنهم مخلدون في النار “([111]).
ويقول محمد حسن النخعي: ” والمخالف لأهل الحق كافر بلا خلاف بيننا … كالمحكي عن الفاضل محمد صالح في شرح أصول الكافي بل والشريف القاضي نور الدين في إحقاق الحق من الحكم بكفر منكري الولاية لأنها أصل الدين ” أهـ ([112]).
يقول عبد الله المامقاني: ” غاية ما يستفاد من الأخبار جريان حكم الكافر والمشرك في الآخرة على كل من لم يكن اثنى عشرى ” أه([113]).
ويقول الخميني: ” الإيمان لا يحصل إلا بواسطة ولاية علىّ وأوصيائه من المعصومين الطاهرين عليهم السلام، بل لا يقبل الإيمان بالله ورسوله من دون الولاية ” أهــ ([114]).
ويقول المفيد: ” اتفقت الإمامية على أن منكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى: له من فرض الطاعة فهو كافر قال مستحق للخلود في النار ” أهـ([115]).
ويقول السيد عبد الله شبر الذي يلقبونه بالسيد الأعظم علامة العلماء وتاج الفقهاء رئيس الملة والدين في كتابه ” حق اليقين في معرفة أصول الدين “: ” وأما سائر المخالفين – يقصد للإمامية الاثنى عشرية – ممن لم ينصب ولم يعاند ولم يتعصب فالذي عليه جمله من الإمامية كالسيد المرتضي أنهم كفار في الدنيا والآخرة والذي عليه الأكثر الأشهر أنهم كفار مخلدون في الآخرة ” ([116]).
ومن خلال هذه النصوص نعلم اتفاق الإمامية على كفر جميع المسلمين عدا المنتسبين إلى مذهبهم، ولهم أصول أخرى للضلال، وأقتصر هنا على ذكر رؤوسها:
(الأصل الأول): المغالاة في الإمامة وجعلها أصل من أصول الاعتقاد وجعلها الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم. و(الأصل الثاني): المغالاة في الإمام علي وأولاده من بعده رضي الله عنهم جميعاً، و (الأصل الثالث): بُغض الصحابة والانتقاص من قدرهم وتكفيرهم وسبهم ولعنهم والبراءة منهم، و (الأصل الرابع): بغضهم لأمهات المؤمنين زوجات النبي الصديقات الطاهرات العفيفات المطهرات، لاسيما الطاهرة العفيفة الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما والطاهرة العفيفة الصوامة القوامة حفصة بنت الفاروق رضي الله عنهما، و(الأصل الخامس): التشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم وذلك لأنّ الصحابة هم من جمعوه، وهم يكفرون الصحابة لاسيما أبا بكر وعمر وعثمان، وهم من قد جمعوا القرآن، و(الأصل السادس): إهمال الشيعة للسنة النبوية الكريمة: وقد دعاهم إلى ذلك أسباب أهمها أنهم يكفرون أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – ولذلك فهم يشككون، بل وينكرون كل حديث حمله أولئك الأصحاب عن النبي – صلى الله عليه وسلم – إلينا، والنتيجة الحتمية لهذا الأمر أنهم أهملوا السنّة النبوية بكاملها إذ لم يحمل إلينا السنّة سوى الأصحاب الكرام البررة رضي الله عنهم، وانظر إلى اجترائهم على أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث يقول عالمهم محمد حسين آل كاشف الغطاء (إن الشيعة لا يعتبرون من السنّة إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت … أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس لهم عند الإمامية مقدار بعوضة) ([117]).
و(الأصل الثامن): الغلو في الاعتقادات والجناية على التوحيد، ومن ذلك الغلو في الأئمة الاثني عشر (عندهم)، وأكتفي هاهنا بالإشارة إلى اثنين من أوثق علمائهم على مر عصورهم، الأول: هو الكليني صاحب كتاب الكافي، والكليني يغالي في شأن الأئمة حتى أنه بوب أبواباً في كتابه تنم عن ذلك، ومن هذه الأبواب: باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل، باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم شيء، باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب يعرفونها على اختلاف ألسنتها، باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة وأنهم يعلمون علمه كله، باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء، باب أنه ليس شيء من الحق في أيدي الناس إلا ما خرج من عند الأئمة وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، والثاني: هو الخميني قائد ثورتهم المعاصرة فانظر إلى ما يقوله في كتابه ” الحكومة الإسلامية ” (فإن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينيه تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) ويقول في بيان كمال الأئمة: (والأئمة لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة) ([118]).
ويقول في كون الأئمة أفضل من الأنبياء وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل) ([119]). ويقول: (وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة كانوا قبل هذا العالم أنواراً فجعلهم الله بعرشه محدقين وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما يعلمه إلا الله وقد ورد عنهم أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء عليها السلام) ([120]). ثم يكمل بقوله: (إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها واتباعها) ، ([121]).
و(الأصل التاسع): وقوع الرافضة في مسالك الكفر: وذلك بفتحهم التفسير الباطني للقرآن الكريم على مصراعيه، والتفسير الباطني هو قرين الزندقة حيث لا ضابط يحكم تفسير النصوص فكل ٌ يفسر وفق هواه، وللرافضة السبق الأعظم في هذا المجال، فالقرآن الكريم كله نزل فيهم وفي أعدائهم من أهل السنة، وليس الهدف من آيات القرآن – عندهم – هو إقرار التوحيد لله والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم وإنما الهدف هو تقرير المذهب الرافضي، فأركان الدين عندهم في التفسير الباطني تفسر بالأئمة، وآيات التوحيد تفسر بالإيمان بالأئمة، وآيات الشرك تؤول بالشرك في ولاية الأئمة، وآيات الحلال والحرام تفسر بالأئمة وأعدائهم، وهكذا فالقرآن كله في نظرهم ليس له هدف ولا عرض سوى تقرير الإيمان بالأئمة الاثني عشر والبراءة من كل من لم يؤمن بعقيدتهم، وقد غالت الإمامية في اعتقاد باطن القرآن الذي يخالف ظاهره حتى لم يتركوا آية إلا وخرجوا بها عن حدود الشرع واللغة، وقد جاءت روايات في كتبهم تعظم هذا الاعتقاد، ومثال ذلك ما رواه الكليني في الكافي: ” عـن محمد بن منصور قـال سألت عبداً صالحاً ” يقصـدون به موسى الكاظـم “عن قول الله عز وجل ” قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ” فقال إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى: في الكتاب هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق “([122]).
و(الأصل العاشر): وقوع الرافضة في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق، وذلك لأسباب عديدة أهمها: استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الكرام البررة واستحلالهم السب والشتيمة على عامة المسلمين إلا من كان على نفس ضلالهم، والسبب الثاني: استحلالهم أعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة، والسبب الثالث: استحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان، والسبب الرابع: استحلالهم الزنا والفاحشة في صورة المتعة نسأل الله العفو والعافية .
***
المبحث السابع الحشوية (المتمسلفة الجدد) وضلالهم في باب الإيمان والكفر
[المفتاح الأول]: تعريف الحشوية: الحشوية بتسكين الشين وفتحها: لقب أطلق قديما على طائفة من المبتدعة من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث الموضوعة والضعيفة المسرفة في التجسيم من غير نقد، ثم أخذوا بظاهر لفظها، ثم تحزبوا عليها، وامتحنوا الناس على أساسها، والفرق بينهم وبين المجسمة، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى، أمّا الحشوية، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم بقولهم ” بلا كيف “.
ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف (زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء)، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[المفتاح الثاني]: أبرز صفات الحشوية: الحشوية لهم مواصفات معينة، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى، ينسبون إلى الله تعالى الجوارح والأجزاء والأبعاض، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، وهم لا يحترمون تخصص العلماء، ويهجمون على كل أبواب العلم، لا سيما الأصول، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص.
ومن أهم مشاكل هؤلاء، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة، وعلومهم القاصرة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، والغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة.
وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وإلى الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنّة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنّة والجماعة، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها، والغلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان.
وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].
وهم ينتسبون إلى السلف، والسلف برآء منهم، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيين – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم، وبعد فتلك بعض مفردات مذهب الحشوية، والتي يسعى الحشوية في كل زمان إلى نسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث، وجعلها بديل لكافة التخصصات العلمية، وهم أهل الجفاء والغلظة والخيلاء، والقسوة وغمط المسلمين، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا، تراهم دوماً في حروب وهمية مع من يظنونهم مبتدعون مارقون عن مذهب السلف الذي صنعوه بأيديهم ونسبوه إلى السلف، ويدافعون عنه ضد كل من تسول له نفسه مخالفة، ديدنهم الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنّة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنّة والجماعة، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق.
يشنون حروبا لا داعي لها – بين الحين والآخر – على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنّة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وصقلت مدارسهم الفقهية على مر عصور الإسلام كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، فأيهما أجدى البناء على ما بنوه فيرتفع البناء عاليا، أم هدمه والتشكيك فيه، مع استحالة إتقان ما أتقنوه، واستيعاب ما استوعبوه، وبناء ما بنوه.
ويشنون حروبا لا داعي لها على التصوف برمته، صالحه وطالحه، ويدّعون أن له أصل من اليهودية أو النصرانية أو البوذية، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين والأدعياء، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله، فهل جميع أولئك على ضلالة، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّ آثارها السيّئة، كانت ولا زالت تهدم تخصصات الإسلام، وتنخرُ القلاع العلمية الحصينة، التي أسّسها وبناها علماء المسلمين طوال القرون، ولذلك فهم من شر الفرق، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف،.
[المفتاح الثالث]: لماذا سماهم أهل العلم بالحشوية: (أ) لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة، في أبواب العقيدة وما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم والتشبيه والتمثيل ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف.
(ب) لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية، وبكل ما يخالف صريح العقل، وهم أبعد الناس عن العقل، فالشيعة على بدعهم، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف، من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما.
(ت) لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات: لأنّهم أهل التناقض، فهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان، والملك والملكوت، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ويقولون ” لا يعقل ” وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات.
(ث) لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة .
[المفتاح الرابع]: أخطر مشاكل الحشوية عدم احترام التخصص العلمي لعلوم الإسلام: على مر عصور الإسلام ظهرت المدارس المتخصصة في كل فن وعلم من علوم الدين وانتسب إليها الآلاف من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.
فظهر المتخصصون في علم القرآن والقراءات والتفسير وكافة علوم القرآن التي بلغ بها السيوطي ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه: الاتقان في علوم القرآن.
وظهر المتخصصون في علم الحديث، علم المتن وعلم السند وعلم مصطلح الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل، وعلم شرح الحديث وبيان معناه، وغيرها من علوم الحديث وقد بلغ بها ابن الصلاح خمسة وستين نوعا من علوم الحديث في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن الصلاح.
وظهر المتخصصون في الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين ((مذاهب))، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام.
ثم ظهرت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وانتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وبعد ظهور الأئمة الثلاث صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه، و مع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، ثم عندما اتسعت الفتوحات وبدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية.
إنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في: الفوضى العلمية، والفوضى الفكرية، والخطأ في تقييم المواقف واصدار الأحكام، كما يؤدي إلى فوضى التبديع الناشئة عن عدم احترام تخصصات الآخرين، والهجوم على أصحابها واتهامهم بالبدعة والانحراف عن الدين، كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم ولا معرفة لأسباب تبني أهل التخصص لهذا الحكم دون غيره، مع أنّ الحق حتما يكون مع أهل التخصص، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
[المفتاح الخامس]: تاريخ تسلسل ظهور الحشوية: (نصيحة): إذا أردت أن تعرف تاريخ تسلسل ظهور الحشوية فلابد من مطالعة فتاوى الشيخ ابن تيمية لأنّهم سلفه الحقيقيون الذين استند إليهم في رسم صورة العقيدة التي تبناها في ذات الله تعالى، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث في جناب ذاته، وأنه يتجدد له العلم والسمع والبصر والكلام، وأنه يتأثر بالزمان وعليه يكون الزمان فاعلا في ذاته بحيث بتجدد له علم وسمع وبصر وانه يتحرك ويسكن قياسا على الأجسام كلما تجددت الوقائع والحوادث والمخلوقات وأنه يتكلم ويسكت قياسا على الآدميين وانه ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، وان لوازم النزول ممكنه كالحركة والسكون، وان له الوجه واليدين والعينين والقدم والساق صفات عين (ذات) بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف جناب الذات بالحد والنهاية، فوجدت أنّ سلفه في عقيدة الحشو والتجسيم بضع عشرة رجال أحدهم يجوز على الله أن يستوى على جناح بعوضة وابن تيمية لا يرى بأسا بهذا الهراء وعند التحقيق فإني أرى أن نسبة الولد إلى الله أهون من هذا الحمق والجسور على الله، فالبعوضة من أحقر الحشرات أيجوز عند أولي الألباب أن الإله جل جلاله يمكن أن يقعد على جناحها ثم تطير به فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
وبعض هؤلاء يصحح رواية الشاب الأمرد ويعتقدونها، وقصة الشاب الأمرد تتمثل فيما أورده الخلال في المنتخب من العلل وأبو يعلى الفراء في ابطال التأويلات ونقله عنه ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: (أن محمدًا رأى ربه في صورة شاب أمرد من دونه ستر من لؤلؤ)، وفي رواية أخرى (رأيت ربي جعدًا أمرد عليه حلة خضراء) ويزعم الخلال وأبو يعلى أنه حديث صحيح يجب اعتقاد معناه، واستفاض القاضي أبو يعلى في شرح الحديث وانه رؤية حقيقية وليست مناما وأن الله تعالى قد خص نبيه صلى الله عليه وسلم من دون الأنبياء ونقل ابن تيمية كلامه في ذلك كله دون أن يعقب عليه بإنكار أو رفض، بل صحح الحديث الذي استدل به أبو يعلى على طوامه،([123]).
هذا مع أنّ الحديث تالف لا تجوز روايته، وقد ضعَّفه ابن الجوزي في (العِلل المتناهية واستنكره الذهبي كما في (سير أعلام النبلاء: وقال السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى: “موضوع مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم”، والحدبث يمكن حمله على أنه رؤيا منامية ففي احدى رواياته: (رَأَيْتُ رَبِّي فِي المنام في صورة شاب مُوَقّرٍ فِي خَضِرٍ، عليه نَعْلانِ من ذهب، وَعَلَى وجهه فراش مِنْ ذهب)، وحتى هذه الرؤيا المنامية ضعفها واستنكرها جمعٌ من أهل العلم، منهم: الإمام أحمد في (المنتخب من العِلل لابن قدامة، ويحيى بن معين في (تاريخ بغداد للخطيب والنسائي في (العِلل المتناهية لابن الجوزي وابن حبان والسبكي في (طبقات الشافعية الكبري وابن حجر في (تهذيب التهذيب السيوطي في (اللآلئ المصنوعة وقال الذهبي في “ميزان الاعتدال” ” وهذه الرؤية رؤيا منام إن صحت” أهـ،([124]). والمنام لا يبنى عليه أي اعتقاد، ويأبى القاضي إلا الإيمان به واعتقاد تفاصيله حتى صفة الجراد الذي من ذهب على حد قوله، ويزعم أن من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة – على حد قوله – !! فهو: (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد)، فهذا هو مبلغهم من علم التقديس فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
الشاهد: فإنّ هؤلاء الذين استقى منهم ابن تيمية معتقده في جناب الذات،:
(الأول) هو مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) وهو الذي ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يدعم مذهبه في التجسيم والتشبيه.
(الثاني) هشام بن سالم (ت 183 هـ)، واتباعه السالمية الذين اثنى ابن تيمية على عقيدتهم، وهو الذي كان يعتقد في معبوده أنه على صورة إنسان: أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء.
(الثالث) محمد بن كرام السجزي المجسم (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه جسمٌ له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وأتباعه هم الكرامية المجسمة.
(الرابع) وهو ذي أضر به أيما ضرر وهو أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي: (ت 282 هــ) وهو الذي زعم أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وأن الله حي ودليل حياته الحركة والانتقال وأن الفرق بين الحي والميت هو الحركة.
(الخامس) ابن أبي عاصم (ت 287 هــ) وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه (السنة) من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، يقصد بعض الرحمن، وكأن سورة الإخلاص لم تبلغه وفيها الأحد تقديس عن الأبعاض والأجزاء، ومنها أن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش.
(السادس) كتاب السنّة لعبد الله بن الإمام أحمد (ت 290 هــ) هذا إن صحت نسبة كتاب السنّة إليه وهذا فيه شك كبير، لأنّ فيه أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، وأبوه الإمام أحمد كان يجل الإمام أبي حنيفة أيما إجلال، بل في بعضها تكفيره، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع.
(السابع) الخلال (ت 311 هــ): كان يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق كافر، وهو صاحب عقيدة جلوس الرحمن على العرش، وعقيدة الشاب الأمرد، (الثامن) ابن خزيمة (ت 311 هــ) صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، باب الوجه باب العين باب اليد باب الساق، ومما فيه من السب لله ونسبة المحال إلى الله، أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو.
(التاسع) البربهاري، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه معه على العرش، وأن من أنكر القعود فهو جهمي كافر.
(العاشر) ابن بطة (ت 387 هــ) الوضاع لكذاب المتهم بوضع الأحاديث وسرقة الكتب وكتابه الإبانة يعد موسوعة في عقيدة الحشو وهو من أوائل من تولى إثم نبذ الأشاعرة بالتجهم وكتابه مبني على التكفير للمخالفين له، أثبت لله صفات الضحك والتعجب وأنه على العرش بذاته وأنه خلق آدم على صورته، وأكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات وتكفير المعارضين له.
(الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر) ثلاثي الإفك الذين أدخلوا الحشو على مذهب الإمام أحمد وهو منه بريء، جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، فأما (ابن حامد الورّاق) فهو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي الورّاق المتوفى (سنة 403 هجرية) له مصنفات وفيها طامات وقد أوردها الإمام ابن الجوزي ورد عليها في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، واما (القاضي أبو يعلى) فهو محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي (المتوفى سنة 458 هجرية)، وقد ألف كتابا سماه إبطال التأويلات وهو كتاب بدعي، وهذا غير مؤلفاته الأخرى له والتي فيها التجسيم والبدع، واما الثالث فهو (ابن الزاغوني) وهو أبو الحسن على بن الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527 هجرية، وهؤلاء أثبتوا لله صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وهؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة وإلى يومنا هذا إذ جروهم إلى بدعة الحشو جرا ودفعوهم إلى التجسيم دفعا وقد تأثر بهم كثير ممن جاء بعدهم كالحافظ عبد الغني المقدسي والشيخ ابن قدامة صاحب المغني وابن تيمية وتلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي والذهبي وغيرهم، وسيأتي ذكر بعض طوامهم وسبهم لله بنسبة المحال إلى جناب ذاته.
(الرابع عشر) الهروي (ت 481 هـ): له كتاب الأربعين في دلائل التوحيد: وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، أضف إلى وقيعته في السادة الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان يحكي تكفيرهم، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث، فهؤلاء جميعا هم سلف ابن تيمية (ت 728 هــ) الذين يريد منا ان نتخذهم سلف لنا، نسأل الله السلامة من البدعة والضلال ونسبة المحال إلى الرحمن.
[المفتاح السادس]: مقاتل بن سليمان ودوره في نشر بدعة الحشو: لقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، لا يأبه بها أحد حتى ظهر مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) حيث ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه، أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أحمد بن سيار أنه قال: (مقاتل متروك الحديث كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه) ([125]).
وأخرج بسنده عن الإمام أحمد أنه قال: مقاتل بن سليمان كانت له كتب ينظر فيها([126]).
وقال ابن حبان: (كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث) ([127]).
فهو الذي تبنى التشبيه والتجسيم، ونقل أقاصيص الأحبار والرهبان، وكان هو و جهم بن صفوان في مسألة التنزيه والتشبيه على طرفي نقيض، فالأول غلا في التنزيه حتى عطّل، ومقاتل غلا في الاثبات حتى شبّه، قال أبو حنيفة: (أفرط جهم في نفي التشبيه، حتّى قال إنّه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل في الاثبات حتّى جعله مثل خلقه)، قال عنه وكيع: (كان كذّاباً) أهـ، وقد مُلئت كتب التفاسير بأقوال مقاتل وآرائه، وأصبح التجسيم والتشبيه بعد هذا المفسر الضال المبتدع مدرسة سيئة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده من جهلاء المفسرين والمحدثين، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية، قال الإمام الأشعري: (حكي عن أصحاب مقاتل أن الله جسم وأن له جثةً وأنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت وهو مع ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره) ([128]).
وحكى عنه الشهرستاني أنه قال قد ورد في الخبر أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فلا بد من تصديقه [الملل والنحل178] ومن مرويات مقاتل في التجسيم ما أخرجه الذهبي بسنده عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين حبيب الله؟ فيتخطى صفوف الملائكة حتى يصير إلى العرش حتى يجلسه معه على العرش حتى يمس ركبته) ([129]).
وبعد مقاتل ظهر الهشامان: هشام بن الحكم (ت 179ه)، و هشام بن سالم (ت 183 هـ)، وكلاهما مجسم، واتباع الأول هم الهشامية، يحكي الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين أن الهشامية – أصحاب هشام بن الحكم – يذهبون إلى أن الله جسم وله نهاية وحد، وأنه طويل وعريض وعميق، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، وقرروا أنه نور ساطع، وأنه في مكان دون مكان، وهو نفسه لون، وذهبوا إلى أن الله قد كان لا في مكان، ثم حدث المكان بأن تحرك فحدث المكان بحركته، وكان فيه) أهــ،([130]).
وقال الشهرستاني في الملل والنحل: (حكى ابن الرواندي عن هشام أنه قال: إن بين معبوده وبين الأجسام تشابهاً ما بوجه من الوجوه ولولا ذلك لما دلت عليه، وحكى الكعبي عنه أنه قال: هو جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار ولكن لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء، ونقل عنه أنه قال: هو: سبعة أشبار بشبر نفسه وأنه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة وأنه يتحرك وحركته فعله وليست من مكان إلى مكان، وقال: هو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وحكى عنه أبو عيسى الوراق أنه قال: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء عن العرش ولا يفضل من العرش شيء عنه) انتهى من الملل والنحل.
واتباع الثاني هم السالمية، قال الشهرستاني في كتابه الملل والنحل” (وقال هشام بن سالم إنه تعالى على صورة إنسان: أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء: هي نور أسود لكنه ليس بلحم ولا دم،) انتهى، ([131]).
ومذهب السالمية أتباع هشام بن سالم الجواليقي، أنهم يقولون: إن كلام الله معانٍ وألفاظ وحروف وأصوات قائمة بذات الرب لم تزل ولا تزال، كلام الرب حروف وأصوات، لكن حروف وكلمات الرب لا يسبق بعضها بعضاً، بل هي مقترنة، فمثلاً: بسم الله الرحمن الرحيم: لا يقولون: إن السين بعد الباء والميم بعد السين، بل يقولون: الحروف مقترنة دفعة واحدة يتكلم الرب سبحانه بها دفعة واحدة، فالباء مع السين مع الميم، لكن بالنسبة لسمع الإنسان يسمعها متعاقبة مرتبة، لكن الرب تكلم بها دفعة واحدة، ولهذا تسمى هذه الطائفة بالاقترانية، لأنهم يقولون الحروف مقترنة ليست متعاقبة.
[المفتاح السابع]: ظهور الكرامية وبدعة التجسيم: الكرامية هم أتباع محمد بن كرام السجزي المجسم (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه – سبحانه -جسمٌ له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وأتباعه هم الكرامية المجسمة، وقد تمكنوا بتدثرهم بلباس الزهد أن يسربوا بدعهم إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية، يقول ابن السبكي: (وكان من خبر ابن كرام هذا وهو شيخ سجستاني مجسم أنه سمع يسيراً من الحديث ونشأ بسجستان ثم دخل خراسان وعاد إلى نيسابور وباح بالتجسيم، وكان من إظهار التنسك والتأله والتعبد والتقشف على جانب عظيم فافترق الناس فيه على قولين، منهم المعتقد ومنهم المنتقد، وأثنى عليه فيما بلغني ابن خزيمة واجتمع به غير مرة) أهــ([132]).
وقال تفي الدين الحصني: (، وسمع الحديث الكثير وأظهر التقشف، واتخذ قطعة فرو يجلس عليها ويحفظ ويحدث ويتخشع حتى أخذ بقلوب العوام والضعفاء من الطلبة لوعظه وزهده، حتى حصر من تبعه من الناس فإذا هم سبعون ألفاً،) ([133]).
ولم تمت الكرامية بموت مؤسسها بل تهذبت مقالته في التجسيم وزُيفت حتى كثر أتباعها، ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الذين قاموا بمذهبه إسحاق بن محمشاد الذي صنف في فضائل ابن كرام، يقول ابن حجر (إسحاق بن محمشاد روى عن أبي الفضل التميمي حديثاً هو وضعه بقلة حياء منه: “يجيء في آخر الزمان رجل يقال له ابن كرام تحيا السنّة به”، فانظر إلى المادح والممدوح وسند حديثة مجاهيل)، ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الشاعر أبو الفتح علي بن محمد البستي (ت 402هـ) الذي اتصل بالملك ناصر الدولة سبكتكين وعمل في خدمته فقربه منه حتى تأثر ملك آل سبكتكين بالكرامية فنصروا المذهب وقسوا على مخالفيه، ومن أتباع ابن كرام أبو عبد الله محمد بن الهيصم الذي اجتهد في إرمام مقالة ابن كرام حتى ردها من المحال الفاحش إلى نوع يُفهم بين العقلاء، فمن ذلك أنه عدل بإثبات الجسم إلى معنى زعم أنه المراد وهو القائم بالذات، وهذا هو الرأي الذي مال إليه ابن تيمية، ومنه أيضاً أنه زعم أن الفوقية بمعنى العلو مع إثبات البينونة غير المتناهية بينه وبين خلقه([134]).
وقال الشهرستاني: (قد تخطى بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية فقال أعني بها القيام بالنفس، وذلك تلبيس على العقلاء … وإلا فمذهب أستاذهم مع كونه محلاً للحوادث، مستوياً على العرش استقراراً مختصة بجهة فوق مكاناً واستعلاءً فليس ينجيه من هذه المخازي تزويراتُ ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القيام بالنفس، وإنما هو إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح، وكيف يستوي الظل والعود أعوج وكيف استوى المذهب وصاحب المقال أهوج) ([135]).
وقال النيسابوري في كتابه الغُنية في أصول الدين: (والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافًا للكرامية والحشوية والمشبهة الذين قالوا إن لله جهة فوق، وأطلق بعضهم القول بأنه جالس على العرش مستقر عليه، تعالى الله عن قولهم، والدليل على أنه مستغن عن المحل أنه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديمًا لأنه قديم، أو يكون حادثًا كما أن المحل حادث، وكلاهما كفر، والدليل عليه أنه لو كان على العرش على ما زعموا، لكان لا يخلو إما أن يكون مِثْل العرش أو أصغر منه أو أكبر، وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد والنهاية وهو كفر، والدليل عليه أنه لو كان في جهة وقدرنا شخصًا أعطاه الله تعالى قوة عظيمة واشتغل بقطع المسافة والصعود إلى فوق لا يخلو إما أن يصل إليه وقتًا ما أو لا يصل إليه، فإن قالوا لا يصل إليه فهو قول بنفي الصانع لأن كل موجودين بينهما مسافة معلومة، وأحدهما لا يزال يقطع تلك المسافة ولا يصل إليه يدل على أنه ليس بموجود، فإن قالوا يجوز أن يصل إليه ويحاذيه فيجوز أن يماسه أيضًا، ويلزم من ذلك كفران: أحدهما: قدم العالم، لأنا نستدل على حدوث العالم بالافتراق والاجتماع، والثاني: اثبات الولد والزوجة) أهـ([136]).
[المفتاح الثامن]: أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي ودوره في نشر بدعة الحشو: أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي: (ت 282 هــ) وهو، وهو غير الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي التميمي السمرقندي صاحب كتاب “سنن الدارمي” (المتوفى سنة 255 هــ) رحمه الله، فالحذر من الخلط بين الاثنين، وأبو سعيد الدارمي السجزي الجأهل بعلم التقديس والتنزيه، له كتابان: (الأول): كتاب الرد على الجهمية، و(الثاني) كتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد، أما كتاب الرد على الجهمية، فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، أما كتابه الآخر: نقض عثمان بن سعيد على المريسي: زاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، ومن مخازيه أنه يقول أن الله تعالى مستقر على العرس ولو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به وأن العرش يقل – أي يحمل – الرحمن، والله حي ودليل على حياته الحركة والانتقال فهناك فرق بين الحي والميت هي الحركة، قال في كتابه ” الرد على بشر المريسي” ص 20 ما نصه: “الحي القيوم.. يتحرك إذا شاء، وينزل ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط إذا شاء، ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن امارة ما بين الحي والميت التحرك، كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة” اهـ،([137]). فهذا هو مبلغ السجزي من علم التقديس، يقيس الله تعالى بخلقة وبهذا الكون، وكأن ما يجري على هذا الكون من أمور يجري على الله والعياذ بالله تعالى، حتى قال الإمام الحافظ محمد زاهد بن حسن الكوثري رحمه الله وهو يرد على كلام الدارمي المجسم: (فإذا معبود هذا الخاسر يقوم ويمشي ويتحرك، ولعل هذا الاعتقاد ورثه هذا السجزي من جيرانه عباد البقر، ومن اعتقد ذلك في إله العالمين يكون كافرًا باتفاق، فياويح من يقتدي بمثله في الصلاة أو يناكحه، فماذا تكون حال من يترضى هذا الكتاب أو يوصي به أشد الوصية أو يطبعه للدعوة إلى ما فية؟ وهذا توحيدكم الذي إليه تدعون الناس) اهـ.
ويقول السجزي هذا في كتابه ما نصه: ” ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض، فكيف تنكر أيها النفاج أن عرشه يقلّه،”اهـ، ([138]). قال الإمام الكوثري: ” هذا كلامه في الله سبحانه كأن جواز استقرار معبوده على ظهر بعوضة أمر مفروغ منه مقبول، فيستدل بذلك على جواز استقراره تعالى على العرش الذي هو أوسع من ظهر البعوضة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ولا أدري أحدًا من البشر نطق بمثل هذا الهذر قبل هذا السجزي والحراني المؤتم به وأشياعهما” اهـ، وللأسف ابن تيمية ينقل كلام الدارمي السجزي في كتابه ” تلبيس الجهمية” مؤيدا له،([139]). فهل هذه هي عقيدة السلف الصالح أهل القرون المفضلة الأولى؟!!
[المفتاح التاسع]: كتاب السنّة لابن أبي عاصم ودوره في نشر بدعة الحشو: أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم (ت 287 هــ): له كتاب (السنة) وكان الأولى أن يسميه كتاب (الحشو) وكان ابن ابي عاصم ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك من مفردات الحشو والتجسيم والبعد كل البعد عن التقديس والتنزيه ومعاني الأحدية والصمدية ونفي المثلية.
[المفتاح العاشر]: كتاب السنّة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد (ت 290 هــ) ودوره في نشر بدعة الحشو: قلت: المنسوب لأنّ الغالب بل اليقين عندي أنّه لا تصح نسبته إليه، لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه، ولكونه اشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، بل في بعضها تكفيره، وأنه أُخِذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من الكفر أكثر من مرة، وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير، وفيه نقلٌ عن الإمام مالك أنه ذكره بسوء، وقال: كاد الدين ومن كاد الدين فليس من الدين وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها الأبدان، وقد كان أبوه الإمام أحمد يُجل الإمام أبي حنيفة وتتلمذ على تلامذته كمحمد بن الحسن الشيباني، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك من الحشو الذي يؤول بصاحبه إلى التجسيم، ومما اشتمل عليه في حق الإمام أحمد أنه نقل عنه تصحيح الأخبار التي تثبت جلوسَه عز وجل على العرش وحصولَ الأطيط من هذا الجلوس، وأنه واضع رجليه على الكرسي وأن الكرسي موضع قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع، ويعلم المحققون أنّ هذه الأخبار مكذوبة على الإمام أحمد وابنه عبد الله، بل الكتاب كله مكذوب عليه، فإن كان هو واضعه فالله حسيبه، والحق أحق أن يُتبع، والكتاب عند المتخصصين في العقيدة لا يمثل سوى طائفة الحشوية وحسب.
[المفتاح الحادي عشر]: كتاب الخلال ودوره في نشر بدعة الحشو: أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي المشهور بالخلال (ت 311 هــ): صاحب عقيدة جلوس الرحمن – عز وجل – على العرش، وكان يعتمد على الموضوعات والواهيات والإسرائيليات في العقائد فجاء بالغرائب صنّف كتابًا سماه كتاب ” السنة” وما أحراه أن يسميه بكتاب البدعة الذي يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق فهذا معنى الاستواء عنده أو المقام المحمود!! العياذ بالله،
!! وقد أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام، وفيه أيضاً الكذب على الإمام أحمد وأنه تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو، والكتاب تقرير لعقائد أهل الحشو لا أهل السنّة، والخلال يقول من رد حديث (يقعده على العرش) فهو جهمي ومن رد حديث يقعده على العرش فقد كفر، اعتقاد الجسمية والتكفبر لمن يخالف تلك الوثنية، مع أن الذهبي يقول عن حديث القعود هذا حديث واه والالباني يقول حديث منكر، يكفر المسلمين بحديث منكر واه يخالف الأحدية والصمدية ويجسم الخالق ويحدده فإما ان نعتقد الكفر الموجود في حديث القعود فنكفر عن علم، وإما أن يكفرنا الخصم إن نحن أنكرناه، أمران كلاهما كفر فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[المفتاح الثاني عشر]: كتاب التوحيد لابن خزيمة ودوره في نشر بدعة الحشو: الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت 311 هــ): تأثر – على علمه بالحديث وجلالة قدره فيه – بابن كرام المجسم، صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، ولكنه تاب عنه وندم فقد أخرج البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه قال: (ما لأبي بكر والكلام؟ إنما الأولى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نتعلمه.. ثم قال البيهقي: والقصة فيه طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال والله أعلم ” ([140]).
واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه لا يحسن الكلام فقد نقل البيهقي عنه أنه قال: (ما تنكرون على فقيه راوي حديث لا يحسن الكلام ” أهـ([141]).
وكتاب التوحيد هذا أخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو.
[المفتاح الثالث عشر]: البربهاري ودوره في نشر بدعة الحشو: الحسن بن علي بن خلف البربهاري، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه معه على العرش وأنّ هذا هو المقام المحمود، مستدلا بحديث منكر لا يصلح لإثبات حكم في الاستنجاء، وكان يختبر الناس بهذه العقيدة فيكفر من نفى هذا الخبر ويتهمه بالتجهم والزندقة وله فتنة كبيرة عظمت في بغداد في زمانه بسبب هذه العقيدة الوثنية المتلقاه من عقيدة النصارى في أنّ الأب يجلس ابنه عيسى إلى جانبه على كرسيه تعالى الله عن أباطيلهم علوا كبيرا، يقول ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ: (ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكسبون من دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشى الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو، فأخبرهم، وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداذ، فركب بدر الخرشني، وهو صاحب الشرطة، عاشر جمادى الآخرة ونادى في جانبي بغداذ، في أصحاب أبي محمد البربهاري الحنابلة، ألا يجتمع منهم اثنان ولا يتناظروا في مذهبهم، ولا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشاءين، فلم يفد فيهم، وزاد شرهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد، وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيهم، حتى يكاد يموت، فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم، ويوبخهم باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه تارة أنكم تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، ثم طعنكم على خيار الأئمة، ونسبتكم شيعة آل محمد – صلى الله عليه وسلم – (إلى الكفر والضلال، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة، وتشنيعكم على زوارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف ولا نسب، ولا سبب برسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتأمرون بزيارته، وتدعون له معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، فلعن الله شيطانا زين لكم هذه المنكرات، وما أغواه، وأمير المؤمنين يقسم بالله قسما جهدا إليه يلزمه الوفاء به لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم ضربا وتشريدا، وقتلا وتبديدا، وليستعملن السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالكم) انتهى من الكامل لابن الأثير ([142]).
[المفتاح الرابع عشر]: الحشوية ينسبون كتاب الصفات للإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الدَّارَقُطْنِيّ (ت 385 هــ): وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه، وإنما يصلح أن يكون من صنيع من رواه عنه، فلا تصح نسبته إلى الدارقطني كما نبه عليه الكوثري في تبديد الظلام المخيم، ([143]). لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) قال الذهبي في ترجمته في [ميزان الإعتدال : (أقر بوضع حديث وتاب وأناب)، ([144]).
ولا يخفى أن هذه التوبة لا تعني قبول روايته لأمرين (الأول): أن من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت طريقته، حكاه السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين ([145]). (الثاني): أنه حتى على مذهب من يقبل توبته لا يلزم قبولُ روايته لأنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده، نقل ابن حجر في ترجمته أنه كان كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال ([146]).
ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري قال الذهبي في ترجمته: (شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي، وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال – فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل) ([147]).
وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن.
[المفتاح الخامس عشر]: ابن بطة ودوره في نشر بدعة الحشو: عبيد الله بن محمد أبو عبد الله العُكبري، المعروف بـ ابن بطة العُكْبَرِيّ: (ت 387 هــ): وهو أحد المتهمين بالوضع وحكِّ الكتبِ وهو الذي ألف كتابه الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، ونال رضا نعسان معطي شهادة الماجستير على تحقيقه وقال: (كتاب الإبانة لابن بطة يعد أكبر موسوعة في العقيدة السلفية، هذا الكتاب يمثل مذهب الإمام أحمد بن حنبل،) وحاشا لمذهب إمام أهل الأثر أن يمثله متهم بالوضع والتصرف في الكتب، أما ابن بطة فقد عُرف صنيعه في ترقيع الأسانيد والتصرف في بعض الكتب بالحك والزيادة والكذب في دعوى السماع عن قوم لم يسمع منهم، كما أشار إليه الخطيب البغدادي في ترجمته وحكم بوضعه أحد الأحاديث [وذلك لأن الدارقطني حكم بانقطاع رواية حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجي فقال هذا محال، وكان ابن بطة قد خرج تلك الأحاديث في تصانيفه فتتبعها وضرب على أكثرها وبقي بقيتها على حاله،حدثني أحمد بن الحسن بن خيرون قال رأيت كتاب ابن بطة بمعجم البغوي في نسخة كانت لغيره وقد حكك اسم صاحبها وكتب اسمه عليها، قلت وكذلك ادعى سماع كتب أبي محمد بن قتيبة ورواها عن شيخ سماه أبا مريم وزعم أنه دينوري حدثه عن بن قتيبة وابن أبي مريم هذا لم برو عنه أحد من أهل العلم ولا ذكره سوى بن بطة والله أعلم، حدثني عبد الواحد بن علي الأسدي قال قال لي محمد بن أبي الفوارس روى ابن بطة عن البغوي عن مصعب بن عبد الله عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام قال طلب العلم فريضة على كل مسلم قلت وهذا الحديث باطل من حديث مالك ومن حديث مصعب عنه ومن حديث البغوي عن مصعب وهو موضوع بهذا الإسناد والحمل فيه علىابن بطة والله أعلم) ([148]).
وقال الإمام الكوثري في تكملة السيف الصقيل: (وابن بطة صاحب “الإبانة” فضح نفسه بأن يزيد في رواية حديث موسى عليه السلام (من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة؟) ليجعل كلام الله من قبيل كلام الخلق فجمع بين الاختلاق وسوء المعتقد، وابن بطة هذا من أئمة الناظم، ولست في صدد استقصاء أهل الكذب والزيغ من أئمته، نسأل الله المعافاة) أهـ، وكتابه الإبانة كله مبني على الحشو والغلو في التكفير، ومن ذلك: بيان كفر طائفة من الجهمية زعموا أن القرآن ليس في صدور الرجال باب بيان كفرهم وضلالهم وخروجهم عن الملة وإباحة قتلهم، باب الإيمان بأن الله عز وجل يضحك، باب الإيمان بالتعجب وقالت الجهمية: إن الله لا يعجب، باب الإيمان بأن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه، باب الإيمان بأن الله عز وجل خلق آدم على صورته، باب التصديق والإيمان بما روي أن الله يضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، باب الإيمان بما روي أن الله عز وجل يقبض الأرض بيده، ويطوي السماوات بيمينه، باب الإيمان بأن لله عز وجل يدين، وكلتا يديه يمينان -باب الإيمان بأن الله عز وجل خلق آدم بيده، وجنة عدن بيده، وهكذا أكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات تعالى وتقدس.
[المفتاح السادس عشر]: مُحمد بن إسحاق بن منده العبدي الأصبهاني (ت 395 هـــ): له كتاب التوحيد وله أيضا كتاب الرد على الجهمية، وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه، وعزاه إلى البخاري ومسلم، مع أنه ليس في أحدهما، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من أخبار أهل الحشو لا أهل التخصص والعلم بالعقيدة،
[المفتاح السابع عشر]: حشوية الحنابلة في القرن الخامس ودورهم في نشر بدعة الحشو: حشوية الحنابلة، وهم ثلاثة جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، فأما (ابن حامد الورّاق) فهو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي الورّاق المتوفى (سنة 403 هجرية) له مصنفات وفيها طامات وقد أوردها الإمام ابن الجوزي ورد عليها في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، واما (القاضي أبو يعلى) فهو محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي (المتوفى سنة 458 هجرية)، وهذا القاضي هو غير الإمام أبو يعلى الموصلي صاحب المسند المشهور، فاين الثرى من الثريا، قال الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه ” العواصم من القواصم” “أخبرني من أثق به من مشيختي أن القاضي أبا يعلى الحنبلي كان إذا ذُكِرَ الله سبحانه يقول فيما ورد من هذه الظواهر في صفاته تعالى: ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة ” اهـ،([149]). فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الإمام ابن الأثير في كتابه ” الكامل في التاريخ“: (وفيها أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله سبحانه وتعالى المشعرة بأنه يعتقد التجسيم، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد بجامع المنصور، وتكلم في ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا” اهـ، وفي نفس الكتاب يقول ابن الأثير ما نصه عند ذكر السنّة التي توفى فيها ذلك المجسم: ” لقد خري أبو يعلى على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء ” اهـ،([150]).
وسبب ذلك لأنه ألف كتابا سماه إبطال التأويلات وهو كتاب بدعي، وهذا غير مؤلفاته الأخرى له والتي فيها التجسيم والبدع، واما الثالث فهو (ابن الزاغوني) وهو أبو الحسن على بن عبيد الله بن نصر الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527 هجرية، وهذا من مشايخ الإمام ابن الجوزي، والإمام ابن الجوزي رد عليه كذلك وأبطل عقيدته وأنها ليست عقيدة الإمام ابن حنبل رحمه الله في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه”، قال الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي التيمي القرشي في مقدمة كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه: ((ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي، وابن الزاغوني ” فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم علي صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا وجهة هي السبحات ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم ويتنفس، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات وهي تسمية مبتدعة لادليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم بلتفتوا إلى النصوص الصارمة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا لا نحملها علي توجيه اللغة مثل يد علي نعمة وقدرة ومجيء وإتيان علي معني بر ولطف، وساق علي شدة، بل قالوا نحملها علي ظواهرها، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يجعل علي حقيقته إذا أمكن، وهم يتجرحون من التشبيه ويأنفون من اضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، وكلا منهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: ” كيف أقول ما لم يقل ” فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه، ثم قلت في الأحاديث، تحمل علي ظاهرها، وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم ومن قال: استوي بذاته فقد أجراه مجري الحسيات، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنه به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم أحد، إنما حملكم إياها علي الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل الى يوم القيامة .
[فصل] قلت: وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه: (أحدها): أنهم سموا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات، وليس كل مضاف صفة، فإنه قال سبحانه وتعالى: {ونفخت فيه من روحي} وليس لله صفة تسمي روحا، فقد ابتدع من سمي المضاف صفة، (الثاني): أنهم قالوا: إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، ثم قالوا: نحملها علي ظواهرها، فواعجبا ما لا يعلمه إلا الله أي ظاهر له،؟ فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال، (الثالث): أنهم أثبتوا لله تعالى صفات، وصفات الحق لا تثبت إلا بما يثبت به الذات من الأدلة القطعية، وقال ابن حامد من رد ما يتعلق به بالأخبار الثابتة فهل يكفر؟ علي وجهين، وقال: غالب أصحابنا علي تكفير من خالف الأخبار في الساق والقدم والأصابع والكف ونظائر ذلك وأن كانت أخبار آحاد لأنها عندنا توجب العلم، قلت: هذا قول ما لا يفهم الفقه ولا العقل، (الرابع): أنهم لم يفرقوا في الأحاديث بين خبر مشهور في قوله ((ينزل إلى السماء الدنيا)) وبين حديث لا يصح كقوله ” رأيت ربي في أحسن صورة ” بل أثبتوا هذا صفة وهذا صفة، (الخامس): أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين حديث موقوف علي صحابي أو تابعي فأثبتوا بهذا ما أثبتوا هذا، (السادس): أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع ولم يتأولوها في آخر كقوله ((ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)) قالوا هذا ضرب مثل الأنعام، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال:” إذا كان يوم القيامة جاء الله يمشي ” فقالوا نحمله علي ظاهره فواعجبا من تأول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز، (السابع): أنهم حملوا الأحاديث علي مقتضى الحس فقالوا: ينزل بذاته وينتقل ويتحرك، ثم قالوا: لاكما يعقل، فغالطوا من يسمع فكابروا الحس والعقل فحملوا الأحاديث علي الحسيات، فرأيت الرد عليهم لازما لئلا ينسب الإمام إلى ذلك، وإذا سكتُ نُسبت إلى اعتقاد ذلك، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس، لأن العمل علي الدليل، وخصوصا في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد) انتهى من الباز الأشهب،
[قلت]: هؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة وإلى يومنا هذا إذ جروهم إلى بدعة الحشو جرا ودفعوهم إلى التجسيم دفعا وقد تأثر بهم كثير ممن جاء بعدهم كالحافظ عبد الغني المقدسي والشيخ ابن قدامة صاحب المغني وابن تيمية وتلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي والذهبي وغيرهم، وهؤلاء وإن كانوا أعلاما في بعض أبواب العلم إلا أنهم مساكين في أبواب علم أصول الدين عامه كباب الأسماء والأحكام (مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك و السنّة والبدعة) وأشد جهلاً في علوم التنزيه مسلوبي العقل والعرفان عند الحديث على صفات الله يتهافتون على الحشو والتجسيم كما يتهافت الفراش على النار وكم تفطن إلى ذلك بن الجوزي الحنبلي حيث قال فيهم ” فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس، وهم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، وكلا منهم صريح في التشبيه.. ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم.. وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل الى يوم القيامة ” فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين، وأما كتابه ابطال التأويلات ففيه طامات: أهونها أنه أثبت (قعود النبي صلى الله عليه وسلم على العرش مع الله) !! وأن هذا هو المقام المحمود الذي وعده به ربه، وأن من لم يؤمن بذلك فهو من الفرق الهالكة، وذكر في ذلك روايات، و كل تلك الروايات موضوعة، ثم قال أبو يعلى الفراء معتمدا على الروايات الموضوعة: ((فلزمنا الإنكار على من رد هذه الفضيلة التي قالتها العلماء وتلقوها بالقبول، فمن ردها فهو من الفرق الهالكة)) اهـ،([151]). بل ونقل أبو يعلى عن بعضهم تكفير منكر ذلك !!، ، وأثبت (الاستلقاء والاتكاء والقعود، ورفع إحدى الرجلين على الأخرى) !! وذكر في ذلك رواية موضوعة: ((إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: إنها لا تصلح لبشر)) ([152]).
وذكر عن كعب الأحبار أنه قال لمن سأله أين ربنا: ((هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى)) اهـ !!، وقد أثبت أبو يعلى بهذا وذاك وغيره من الباطل صفات لله تعالى وتقدس عن إفكه فقال: ((اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء: منها جواز إطلاق الاستلقاء عليه، لا على وجه الاستراحة بل على صفة لا نعقل معناها، وأن له رجلين كما له يدان، وأنه يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقلها)) اهـ([153]). !!!، ثم لم يهدأ حتى وصف الله تعالى بأنه في صورة (شاب، أمرد، أجعد، في حلة حمراء، عليه تاج، ونعلان من ذهب، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب) !! وكتب في ذلك صفحات كثيرة من الكتاب ليثبت هذه الأوصاف لله ـ تعالى وتقدس عن إفكه ـ وكلها روايات موضوعة، ونقل أن من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة !! فهو: (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد)، ثم قال أبو يعلى في 1/146: (وليس في قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفور إثبات تشبيه، لأننا نثبت ذلك تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتا ونفسا، ولأنه ليس في إثبات الفَرَاش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش،)) اهـ([154]).
، فهذه بعض مخازي أبي يعلى الفراء، كما أثبت (التدلي) !! بقوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) على أن المتدلي هو الله !! فقال ((فعلم أن المتدلي هو الذي يوحي وهو الله تعالى)) اهـ ([155]).
!! يقول هذا مع أن أئمة اللغة قد أجمعوا على أن الضمائر تعود على ما يناسبها ولو بعدت، ولم يتورع أبو يعلى من إطلاق الشمال على الله، ([156]).
ولم يتورع عن اتبات صفات بكلام اليهود، فذكر في عن كعب الأحبار أنه قال: ((إن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إني واط على بعضك، فانتسفت إليه الجبال فتضعضعت الصخرة فشكر الله لها ذلك فوضع عليها قدمه)) اهـ، ([157]).
والمحقق يقول: ((الخبر من الإسرائيليات)) اهـ، لكن أبا يعلى لا يتورع عن إثبات صفات بمثل هذا، ولأن أبو يعلى حشوي جلد، فإنه مغرم بنسبة كل شيء إلى الذات ! لا يتردد أبدا في ذلك فتراه يذكر في رواية (إن الله يدني العبد يوم القيامة) فيقول: ((المراد من دنوه الدنو من الذات)) ! ([158]). ويذكر: ((نزول ذاته)) تعالى وتقدس، يستدل لذلك بخبر موضوع: ((إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينـزل نزل بذاته)) ! ([159]). ويذكر: ((هبوط الذات)) و((الدنو والقرب من الذات)) !! ([160]). و((فأما التجلي فهو راجع إلى الذات)) !!، ثم أثبت الذراعين والصدر) !! ([161]). برواية مكذوبة باطلة، نصها: ((خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر)) !! ([162]). ثم قال: ((الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في إثبات الذراعين والصدر، والثاني في خلق الملائكة من نوره)) اهـ !! فأثبت الذراعين والصدر والنور صفات، وأثبت (الفخذ والأمام والخلف لله) سبحانه وتعالى عن حشو المجسمة) !!!! برواية باطلة: ((إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له: كن أمامي، فيقول: رب ذنبي، فيقول الله: كن خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له خذ بقدمي)) اهـ، ([163]).
ثم يذكر الرواية الباطلة التالية: ((إن الله عز وجل ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه يقول: ادن منا أزلفت لدينا)) اهـ، ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين … ولا نثبت أيضا أماما وخلفا على وجه الحد والجهة، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة …)) اهـ !!!، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، جعل الفخذ صفة لله تعالى وتقدس، والفخذ من العورة في شريعة الإسلام، حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم أثبت (الإبهام والخنصر والسبابة والتي تليها) !! بروايات لا يثبت بها شيء حتى في الوضوء، فأثبت الإبهام صفة للهمستدلا برواية منكرة باطلة: ((أوحى الله إلى داود: ارفع رأسك فقد غفرت لك، ومحوت خطيئتك بإبهام يميني)) اهـ !!، ([164]). ثم قال أبو يعلى متحذلقا: ((وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام،)) اهـ، وقال في خبر تالف باطل. ((الخبر على ظاهره في إثبات الأصابع والسبابة والتي تليها)) اهـ، ([165]) ويقول في ((، الخنصر وهو على ظاهره، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته)) اهـ([166]).
ثم أثبت (اللهوات والأضراس) صفاتا لله، ففي يذكر أبو يعلى خبرا باطلا نصه: ((يضحك الله، حتى بدت لهواته وأضراسه)) اهـ([167]). ثم يقول: ((لا نثبت أضراسا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناها)) اهـ،([168]).
ولم يكتف بذلك حتى أثبت (الملل) !! صفة لله،برواية: ((إن الله لا يمل حتى تملوا)) فأثبت الملل له تعالى صفة، ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع إطلاق وصفه تعالى بالملل لا على معنى السآمة والاستثقال،)) اهـ ([169]). وأثبت (الفم) بأثر باطل ((كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن عز وجل يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك)) اهـ([170]).
ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه)) اهـ !! وأنه: ((صفة قد ورد الخبر بها)) وأثبت (الجنب) !! صفة لله فقال ((وأما قوله تعالى: (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) فحكى شيخنا أبو عبدالله رحمه الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله سبحانه)) اهـ ([171]).
،ثم أثبت (الهجو والاستهزاء والسخرية) !! من جملة الصفات وقال: ((واعلم أنه غير ممتنع على أصولنا إطلاق الهجو عليه سبحانه، وكذلك الاستهزاء والسخرية)) اهـ !! ([172]).
وعند إثبات الساق أورد روايات موضوعة مآلها كلها إلى التجسيم والعياذ بالله، وقد تقدم بيان تأويل الحبر ر ضي الله عنهما للساق بالشدة، ولكن انظروا لروايات الفراء، أورد أبو يعلى في كتابه من طريق مقاتل بن سليمان قال: ((قال عبدالله بن مسعود في قوله عز وجل: (يوم يكشف عن ساق) يعني ساقه اليمين، فيضيء من نور ساقه الأرض، فذلك قوله: (وأشرقت الأرض بنور ربها)، يعني نور ساقه اليمين)) اهـ !! ([173]).
والرواية حتى أهل الحشو المعاصر لا يقبلونها فقد قال محقق الكتاب وهو حشوي مثله: ((إسناده ضعيف جدا، ومقاتل بن سليمان متهم ورمي بالتجسيم)) اهـ، ثم لم يتورع حتى أسند رواية إلى الجن بأن الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض كان مستقرا على الحوت ([174]).فقد أورد، قال ابن الأثير في أحداث سنة (459هـ) حيث كانت وفاة أبي يعلى: ((وفي شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي، ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة، وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك،)) اهـ،([175]).
[المفتاح الثامن عشر]: الهروي ودوره في نشر بدعة الحشو: هو عبد الله بن محمد الهروي (ت 481 هـ): له كتاب الأربعين في دلائل التوحيد: وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، أضف إلى وقيعته في علماء الأمة الذين رزقهم الله تعالى القبول والتشنيع عليهم وتكفيرهم لاسيما السادة الأشاعرة المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث، وكان يحكي تكفيرهم وشحن كتبه في ذلك، وكان يقول: (وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي) ([176]).
[ المفتاح التاسع عشر]: الامام ابن تيمية (ت 728 هــ) ودوره في التأسيس لبدعة الحشو: كل من سبق كانوا جميعا سلف ابن تيمية في تبني عقيدة الحشو: لقد أضر مقاتل بن سليمان وهشام بن سالم وابن كرام والسجزي الدارمي والخلال وابن خزيمة وابن بطة والبربهاري والهروي وابن حامد الوراق والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، لقد أضر هؤلاء بعقيدة ابن تيمية أيما ضرر، وهؤلاء هم سلف ابن تيمية، ويقينا فإنّ اطلاع ابن تيمية على مؤلفات هؤلاء واحسان ظنه فيها وهو لم يكن دارسا لعلم التقديس ولا ملما بقواعده، فتسربت إليه بدع الحشو، ومذهبه هو الحشو ذاته، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد.
إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف لم يجدد مذهب السلف، بل جدد بناء المدرسة الحشوية بجميع مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد، لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وأهل الحديث.
وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات مثل مباحث منزلة العقل الصحيح في الإسلام ودوره في فهم أدلة التنزيه، والتفريق الأصولي بين القديم والحادث وهل يمكن للقديم ان يقبل الحوادث، والتفريق بين المحكم والمتشابه، والتفريق بين الحقيقة والمجاز، وحجية المتواتر والآحاد في باب العقيدة، والسر في التفريق بينهما، وقواعد التقديس والتوحيد والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها لما تشبع به عقله من الحشو الذي تسرب إليه من مراجع الحشوية، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، ولحمل الآيات والأحاديث على المراد الحقيقي منها والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه النزول ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب الاثرية وهو مذهب السلف الصحيح والذي ليس لهم مذهب سواه، وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنّة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّ ابن تيمية لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، وللأسف، عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق.
[المفتاح العشرون]: الامام محمد ابن عبد الوهاب والتجديد لبدعة الحشو: لقد انطفأت الفتنة بعد موت ابن تيمية، إلى أن جاء زمان محمد ابن عبد الوهاب (ت 1206 هــ) فتبنى نشر كتب وأفكار ابن تيمية بقوة السيف والسنان، واستحل في سبيل ذلك الدماء والأموال، أضف إلى ذلك أنه كانت له اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، فزادت الطين بلة، وقد تقدم بيان ذلك كله في الكتاب الثالث من هذه السلسلة: مفاتيح علم التوحيد والشرك، والله المستعان.
[المفتاح الحادي والعشرون]: العلوم التي أدى غيابها إلى وقوع السلفية المعاصرة في بدعة الحشو: (أ)الجهل بمفاتيح علم التقديس والتنزيه المستمد قواعده من أدلة الكتاب والسنّة (علم توحيد الذات )، أدى إلى تبنيهم بعض مفردات مذهب الحشو على انه مذهب السلف وليس كذلك.
(ب)والجهل بمفاتيح علم الإيمان، وفقه مسائله وأحكامه في ضوء الكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح، وسبيل علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة الأعلام، أدى إلى وجود التكفيريين ممن يقترب مذهبهم من مذاهب المعتزلة والخوارج الضالين.
(ت)والجهل بمفاتيح علم التوحيد المستمد قواعده من أدلة الكتاب والسنّة وهدي السلف الصالح، وسبيل علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة الأعلام، (توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والألوهية)أدى في باب الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة مما لا يصل إلى الشرك الأكبر ابدا.
(ث)والجهل بمفاتيح علم الاتباع والابتداع، وفقه مسائل السنّة والبدعة، في ضوء الكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح، وسبيل علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة الأعلام، فأدى ذلك في باب الغلو إلى الزيادة في التبديع وتبديع ما ليس بمبتدع، وتبديع الأكابر من علماء أهل السنّة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنّة والجماعة، ويرغب هؤلاء في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها.
(ج)والجهل بمفاتيح علم تحديد إطار أهل السنّة والجماعة الواسع الصحيح، وهذا علم مستقل لا يتقنه إلا الراسخون في العلم الحريصون على امة النبي صلى الله عليه وسلم الرحماء بهم.
وقد استقر لهم (أي أهل السنّة والجماعة)على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، والثانية: الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري، والثالثة: الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي، ولا يمكن فصل إحداها بحال، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة، واستقر لهم (أهل السنّة والجماعة)في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ويحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، وهم (أهل السنّة والجماعة)يؤمنون بالكرامات للأولياء الصالحين، ويأخذون بالكشف والإلهام الذين لا يعارضان القرآن والسنة، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية) السنية الراشدة المتمسكة بأصول أهل السنّة والجماعة، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنّة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة.
[المفتاح الثاني والعشرون]: إن الكثير من رموز السلفية المعاصرة ينظر نظرة ضيقة تعتبر جناية على أهل الإسلام عامة وعلى أهل السنّة والجماعة خاصة، فهم ينظرون إلى أنفسهم أنهم فقط الجماعة الناجية، وأنهم البديل الصحيح لمصطلح أهل السنّة والجماعة، ومن عداهم ممن يخالفهم الرأي فرق ضالة مبتدعة خارجة عن إطار السنّة أو فرق كافرة مشركة خارجة عن إطار الإسلام، وهؤلاء قد أُوتوا من ضيق النظرة الأفقية في واقع المسلمين، فإن تعداد المسلمين في العالم يربو على ألف وستمائة مليون نسمة، لو أخرجنا الشيعة والخوارج والمعتزلة والمجسمة والمرجئة وسائر الفرق الضالة، كان تعداد أهل السنّة والجماعة ما يربو على ألف وثلاثمائة مليون نسمة، وهم لا تمثلون سوى نسبة محدودة، والسنية بمدارسها العقائدية والفقهية والسلوكية تمثل الخط العلمي العام لأكثرية العلماء والمتخصصين من علماء أهل السنّة والجماعة.
إنّ النظرة الصحيحة لأهل السنّة والجماعة – بعد معرفة أصولها الصحيحة الراسخة لا الأصول السطحية الخاطئة التي يؤصلها أهل الحشو المنتسبين بالخطأ إلى السلفية والسلف منهم برآء، هذه النظرة الصحيحة لأهل السنّة والجماعة ترى ضرورة احترام التخثصصات العلمية والسلوكية التي تأصلت لأهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، وترى ضرورة إجراء تعديلات علمية وعملية تحتم إصلاح الخلل الموجود عند طوائف السلفية المعاصرة حتى تنتظم على الجادة في سلك الجماعة الناجية ومذاهبها العلمية المتعددة ما بين الفقه والعقيدة والسلوك.
إنّ بعض أتباع السلفية المعاصرة يرون أن منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنّة والجماعة، مع أنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر ابن تيمية ومدرسته، وهكذا تم اختزال كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية الاخرى – والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم مر عصور الإسلام -، بل وقياس قربهم وبعدهم عن أهل السنّة والجماعة بهذه المقاييس الانحيازية، مما يمثل خطرا على سعة الدين واحترام تخصصاته العلمية.
إنّ الخطأ العلمي القائم على احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي، وما بين انتسابهم للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء الإمام ابن تيمية، وآراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب المؤسس الثاني لهذه الدعوى في القرن الثاني عشر، ولاشك أنّ عصور السلف الصالح الثلاثة الأولى التي شهد الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالخيرية العامة هي عصور القدوة المثلى والإتباع الأمثل، ولاشك أنّ أهل السنّة والجماعة يجتمعون على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من خلال فهم السلف الصالح للكتاب والسنة، ولكن ينبغي مناقشة آرائهم جميعها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف، ومدى قربها أو بعدها عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم.
وكذلك فإنّ الخطأ في فهم المقصود بالخيرية التي وصفت بها قرون السلف الأولى، والذي تبناه أكثر مراجع السلفية المعاصرة، ظانين أنّ الخيرية اقتصرت على القرون الثلاث الاولى فقط، فاتجهوا الى رفض ومعارضة كل رأي او فهم يأتي من خارج دائرة القرون الثلاث الا بانتقاء الآراء بعد ذلك من العصور المتأخرة، والحقيقة التي يجب معرفتها: أنّ الخيرية لم تكن في جميع من عاش القرون الثلاث الاولى بل الخيرية كانت في العموم والمجموع الغالب، ثم ظهرت التخصصات العلمية بعد ذلك مستمدة أصولها من علماء تلك الحقبة المباركة من عصور الإسلام، فليس المقصود بالخيرية رفض كل صحيح بعدها، وهذا هو الخلل في فهم الخيرية.
إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي، ففي القرن التالي لعصور السلف
ظهر التخصص في الحديث وكان من ثمرته أن حفظت السنّة متمثلة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وعير ذلك من كتب السنن والمسانيد.
وظهر التخصص في الفقه وكان من ثمرته أن دون الفقه وظهرت المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها مما يعد مفخرة أهل السنّة والجماعة في حفظ الشريعة، وانتشرت البدع واحتاج الناس إلى انتصاب العلماء للرد عليها، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنّة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة وتفنيد أخطائهم، وتطهير عقائد المسلمين من بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة وغيرهم، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم.
وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنّة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، وهي المدرسة الأثرية وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة الأشعرية وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة الماتريدية وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف.
ولذلك فإنّ الخطأ والخطر لا يزال قائما عند دعاة السلفية المعاصرة وذلك يتمثل في تقديم مؤسسة واحدة (السلفية بمفرداتها التي اشتهرت بها)على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، لقد كان السلف الصالح هم خير قرون الإسلام علما وعملا، وفقها وفهما، وهم أعلم الناس بدين الله عز وجل وأرسخ الناس إحاطة بعلومه وجوانبه وأقل الناس تكلفا في أمره وأبعد الناس غلوا في فهمه أو تفريطا في القيام بجوانبه، وأهل السنّة والجماعة يعرفون لسلفنا الصالح فضلهم ويسيرون على هديهم ومناهجهم فإنهم كانوا على الهدى القويم والصراط المستقيم، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا تخصصهم العلمي وابداعهم الفكري، وظل المسلمون يحترمون أهل التخصص في العلوم الشرعية إلى أن جاءت فوضى عدم احترام التخصص متمثلة في طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية والعملية الإسلامية.
إنّ دعوى السلفية المعاصرة تنتسب إلى ابن تيمية انتسابا لصيقا لأنّه المؤسس لهذه الدعوى في القرن الثامن، وكل من أثنى عليه ابن تيمية ممن سبقه ونسبه إلى السلف نسبته السلفية إلى السلف، وكل من هاجمه ابن تيمية ممن سبقوه ناصبته السلفية المعاصرة العداء، وليس يعتبر سلفيا من جاء بعده حتى يكون قد تتلمذ على يديه أو كتبه وأفكاره، وعلى ذلك فينبغي قبل مناقشة دعوى السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية ينبغي مناقشة آراء ابن تيمية لمعرفة مدي تمثيله لمذهب السلف، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم، و كذلك فأنّ دعوى السلفية المعاصرة تنتسب إلى محمد بن عبد الوهاب انتسابا لصيقا لأنّه المؤسس لهذه الدعوى في القرن الثاني عشر، وهو قد أحال أغلب آرائه إلى ابن تيمية ثم أضاف أشياء وآراء واجتهادات ينبغي مناقشتها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم، وكذلك فإنه من الأمانة العلمية والضرورة الدينية والأخلاقية أن نعيد تقييم مدى صحة الدعوى بطرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية، ما أجمل السلفية وأكرم بها من مذهب لو عادت إلى سلفية الكتاب والسنّة، واتقنت علوم الدين على مناهج أهل التخصص في العلم، وعالجت القصور والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[المفتاح الثاني والعشرون]: ضلال الحشوية (المتمسلفة) في باب الإيمان والكفر:
(أولا): مشكلة أهل الحشو أنهم لا يحترمون أهل التخصص في أي علم من علوم الدين، فطرحهم هو الصواب دائما وغيرهم على الخطأ والضلال دائما، ولأنهم لم يدرسوا مسائل واحكام الإيمان على متخصصين، نجد فيهم التخبط والغلو وزيادة التكفير، فهم لا يعرفون بدقة عناصر أصل الإيمان التي تمنع من الكفر الأكبر، وهم يدخلون في الأصل أعمال الجوارح، ويقولون بأنّ: أعمال الجوارح ليست مجرد نتيجة للإيمان، بل هي جزء منه، وتركها يدل على غياب الإيمان، وأنّه لو أن إنساناً لم يعمل من أعمال الجوارح أي شيء، وترك أعمال الجوارح بالكلية فهذا يدل على عدم وجود الإيمان في قلبه، وانّه لا يتصور حصول الإيمان مع من كان هذا حاله، وبالتالي يحكمون عليه بالكفر الأكبر حتى وإن كان الاعتقاد والاقرار سليمين، وينسبون هذا المذهب الجاف إلى السلف ويعتقدون أنّ هذا مذهب أهل السنّة والجماعة وأنّ من خالفهم فيه فإنه من أهل الإرجاء.
ولذلك نجدهم لأنّهم لا يفهمون كلام السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية في تأصيل المسألة، ويتهمون الأشاعرة والماتريدية وهم الممثلون لمعتقد أهل السنّة بانهم مرجئة وفي الحقيقة فإنهم هم الذين فيهم زيادة التكفير وعدم التحقيق، وهؤلاء لما رأوا إجماع السلف على انّ الإيمان قول وعمل، ظنوا أن المقصود هو اعمال الجوارح، ولم يعرفوا أنّ الأعمال نوعان: (أعمال القلب)، و(وأعمال الجوارح)، وأعمال القلب منها ما هم أصل ومنها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب، فالأصل هو الانقياد القلبي والاذعان والخضوع لحكم الله، وهذا العمل القلبي هو حقيقة العبودية وإذا انتفى هذا القبول انتفى أصل الإيمان وانتفت العبودية لانّ العبودية حقيقتها القبول والاذعان والخضوع، وضدها الإباء والاستكبار، وهذا كفر الرجيم، قال تعالى: { إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، فأصل أعمال القلب الانقياد والاذعان والخضوع لأمر الله، ثم يلي ذلك أعمال القلب الواجبة من الإخلاص والخوف والرجاء والخشية والمحبة والصبر والشكر والتوكل، ثم اعمال القلب المستحبة كالرضا والانابة واليقين والتقوى، فأعمال القلب مراتب بعضها اهم من بعض، منها ما يؤسس للإيمان، ومنها ما يدخل في واجباته ومنها ما يدخل في مستحباته، والقسم الثاني من الأعمال: (أعمال الجوارح): من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد، وأمر بمعروف ونهي عن منكر وسائر العبادات والطاعات، ولما كان أصل الإيمان ما وقر في القلب، كانت أعمال القلوب هي الأصل للإيمان، ولذلك أدخل علماء أهل السنّة والجماعة (عمل القلب الأساس وهو الانقياد)في أصل الإيمان، الذي لا يصح الإيمان إلا به، مع قول القلب الذي هو التصديق، فصار الأصل يتركب من ثلاثة عناصر هي التصديق القلبي والانقياد القلبي، ولازمهما الذي هو إقرار اللسان بالتوحيد، ثم أدخلوا أعمال القلوب الواجبة والمستحبة مع اعمال الجوارح الواجبة والمستحبة في شعب الإيمان الواجب والإيمان المستحب، حسب طبيعة العناصر الداخلة في أي منهما فما كان واجبا كالخشية والخوف والرجاء والمحبة والإخلاص والتوكل من اعمال القلوب وما كان واجبا من اعمال الجوارح كالصلاة والزكاة والصوم والحج والكف عن الكبائر كالزنا وشرب الخمر كل ذلك ادخلوه في الإيمان الواجب، وما كان من اعمال القلوب مستحبا زائدا عن الواجب كالإنابة والتدبر والتفكر والذكر والخشوع وغيرها من اعمال احسان القلوب، وما كان مستحبا من أعمال الجوارح كقيام الليل وكثرة الذكر والصدقة أدخلوه في الإيمان الكامل المستحب، وهذا الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يتميزون عن كافة الفرق الضالة في مسائل واحكام الإيمان سواء بالتفريط أو الافراط، فهم تميزوا عن المرجئة المفرطة في مسائل الإيمان فأدخلوا العمل (عمل القلب) في أصل الإيمان، وتميزوا عن الخوارج والمعتزلة والحشوية الغالية في مسائل وأحكام الإيمان بإدخال عمل الجارحة في الأصل وبالتالي غالوا في تكفير المسلمين بغير حق، ولا علم ولا إنصاف.
(ثانيا): أهل الحشو يجهلون العناصر الداخلة في تركيب أصل الإيمان:
(أ) ما يدل على الإيمان هو إقرار اللسان، ولكن إقرار اللسان لا يكفي لان المنافق يقر بلسانه وهو مكذب بقلبه، فلا يصح إيمانه، فكان لابد من وجود التصديق، مع الإقرار، ولكن ابليس الرجيم كان مقرا بالوحدانية لله ومصدقا بقلبه أنه هو الله، ولكنه اكفر الخلق لأنه لم يكفر بسبب التكذيب ولكن بسبب العناد، فدل ذلك على انه لابد مع الإقرار والتصديق انقياد القلب، فظهرت أجزاء الأصل الذي به يصح ادنى الإيمان، ويتمثل في إقرار اللسان وتصديق القلب وانقياد القلب.
(ب) الكتاب والسنّة يدلان على انّ أصل الإيمان ما وقر بالقلب، كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}، وكقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، وقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، فدلت الآيات على أن مقر الإيمان هو القلب.
وكقوله صلى الله عليه وسلم: (التقوى هاهنا)، ويشير إلى صدره ثلاثاً، وكقوله صلى الله عليه وسلم (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) وكقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله عز وجل:(أخرجوا من النار من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان)). ([177]) .
(ت) وكذلك فإنّ الأدلة من الكتاب تدل على أن أصل الكفر ومنبعه أيضاً هو القلب: ومن ذلك قوله تعالى: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى: {لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، إلى قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} فهذه الآيات تدلنا على أن محل الكفر الأكبر هو القلب وأنه ضد لأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر.
(ث) وكذلك: الإيمان جاء في كتاب الله عز وجل مقروناً بالعمل الصالح وجاء أيضاً مقروناً بضده: ومثاله قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] فعبر القرآن الكريم عن المقتتلين بلفظ الإيمان مع أن الحديث الصحيح مفاده (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) فعلينا عند الجمع بين الآية والحديث أن المقتتلين من المسلمين لهم مسمى الإيمان بما أتوا به من الأصل وأن كفرهم في إطار الملة وليس خارجها، ومثاله أيضاً قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ،} [البقرة: 178] فجاء التعبير القرآني بإثبات أخوة القاتل لولي الدم ولا شك أنه قد أتى بضد العمل الصالح الذي هو من قبيل الإيمان الواجب وهذا بخلاف من انتفى عنه التصديق ـ مثلاً ـ فأولئك قال عنهم الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8 – 9] وحكم عليهم القرآن الكريم بالنفاق وجعل الدرك الأسفل من النار مأواهم يوم القيامة.
[سيقول أهل الحشو: فكيف نعمل إزاء اجماع السلف على ان الإيمان قول وعمل]، نقول نعم أصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان الواجب قول وعمل وفرع الإيمان المستحب كذلك قول وعمل، فالأصل قول وعمل، قول القلب: التصديق وعمل القلب: الانقياد، والأثر المترتب على ايمان القلب هو إقرار اللسان، فظهر بذلك ان ادنى ما يصح به الإيمان عند المسلمين له ثلاثة عناصر لا يصح إلا بها، التصديق (قول القلب)، والانقياد (عمل القلب)، ولازمهما وهو إقرار اللسان، وما زاد دخل في الإيمان الواجب من أداء الأركان والفرائض والكف عن المحرمات، وما زاد دخل في الإيمان المستحب من أداء السنن والنوافل والكف عن المكروهات، وتحقيق الأصل ادنى ما يصح به الإيمان، وهو التصديق والانقياد والاقرار، وضد التصديق التكذيب، وضد الانقياد الاستكبار، وضد الإقرار الامتناع، وانتفاء شيء من عناصر الأصل كفر اكبر مخرج من الملة، أما اذا استقرت عناصر الأصل فهو أدنى ما يصح به الإيمان، أما ترك الأركان تكاسلا مع الإقرار بها، وأهمها: (الصلاة) كفر دون الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام، ولكنه أعظم من سائر الكبائر ولهذا نص الشرع على ان ترك الصلاة كفر، فإن كان جحودا لفرضيتها فهو الكفر الأكبر وإن كان تكاسلا فهو الكفر دون الكفر الأكبر وسمي كفرا لأنه أعظم من الكبائر لكونه يفتح بابا نحو سوء الخاتمة والكفر الأكبر نعوذ بالله من الخذلان.
والخلاصة: عناصر أصل الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان ثلاثة هي: قول القلــب (التصديق) وعمل القلـب (الانقياد) وإقرار اللسـان، أما عمل الجوارح فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الفرع ويشمل: الواجب والمستحب، (فائدة): في بيان لماذا نحرص على خروج العمل من أصل الإيمان وندخله في الإيمان الواجب: تكمن قيمة اخراج عمل الجارحة عن أصل الإيمان في مخالفة الفرق الضالة كالمعتزلة والخوارج الذين أدخلوه في الأصل فكان سيفا لهم على تكفير اهل القبلة واستحلال حرماتهم، وهذا حال كل من وافقهم في ادخال عمل الجارحة في أصل الإيمان نجد فيه غلوا في تكفير المسلمين لا محالة.
وهذا الذي ذكرناه هو مذهب العلماء المحققين لمذهب أهل السنّة والجماعة في المسألة، وأدلتهم في ذلك تصعب على الإحصاء، ومنها أنّ الإيمان جاء مقروناً بالعمل الصالح في أكثر من خمسين موضعاً في كتاب الله عز وجل، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما، ولا يُقال ها هنا أنّ العطف من باب عطف الخاص على العام، لأنّ ذلك خلاف الأصل، فالأصل أن العطف يقتضي المغايرة إلا أن توجد القرينة الصارفة ولا قرينة هنا على الخروج عن الأصل بل كثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة، فدل ذلك الحرص على الفصل بين لفظ الإيمان ولفظ العمل الصالح في القرآن الكريم على التغاير بين دلالة الإيمان ودلالة العمل الصالح، فالإيمان هاهنا المقصود به الإيمان الأصل الذي يعطي لصاحبه اسم الإسلام وحكمه ويمنع من دخوله في الكفر الأكبر وأحكامه، والمقصود بالعمل الصالح هو الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات ذلك الإيمان الذي تتحقق به النجاة من الكفر في إطار الملة ومن لقب الفسوق ومن دخول النار ابتداء، ويستحق به صاحبه الحمد والثناء، أضف إلى ذلك الآيات العديدة في كتاب الله عز وجل والدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب، والآيات العديدة في كتاب الله عز وجل والدالة على أن أصل الكفر ومنبعه هو القلب، والأحاديث الكثيرة الدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب، وعلى ذلك تستقيم الأدلة جميعها، على أن أصل الإيمان في القلب لا يتعداه ويشمل قول القلب (التصديق) وعمله (الانقياد)، وهناك قاعدة أصيلة قال بها أهل السنة وهي تلازم الظاهر والباطن وأدنى التلازم الحاصل لحد الإيمان الأدنى هو عمل جارحة اللسان وذلك بالإقرار بالشهادتين، ومن نظر إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على أن حد الإيمان الأدنى كما في أحاديث الشفاعة يشمل من قال لا إلا الله نقول له لا يصح الإقرار إلا بالتصديق وهو قول القلب والانقياد وهو عمل القلب وعلى ذلك تلتقي الأدلة وحاصلها أن عناصر حد الإيمان الأدنى ثلاثة هي الإقرار والتصديق والانقياد، وبهذا يتضح أن أدنى الإيمان قول وعمل، قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، والعمل خارج عن الأصل داخل في الفرع الواجب والمستحب، فكانت تلك القاعدة صمام امن لأهل السنة يمتنعون به من تكفير من لا يستحق الكفر.
(ثالثا): أهم القواعد التي يجهلها أهل الحشو في باب الإيمان: (1) الإيمان قول وعمل، وهو اعتقاد بالقلب يظهر أثره على الجوارح، (2) الإيمان أصل وفرع وأصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل، (3) أصل الإيمان هو أدنى ما يصح به الإيمان وهو مطلق الإيمان، وهو إيمان أصحاب قبضة الرحمن وأصحاب شفاعة الرحمن التي لا تنبغي إلاّ للرحمن، (4) أصل الإيمان هو أقل ما يعطي لصاحبه اسم الإيمان وحكمه، وليس هو اسم الثناء بالإيمان وإنما هو اسم الإيمان الذي تجرى به أحكام الإسلام، (5) ليس بعد أصل الإيمان سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، (6) أصل الإيمان لا يمنع من دخول النار ولكنه يمنع من الخلود الأبدي فيها خلود الجاحدين المكذبين، (7) أصل الإيمان محله القلب ويشمل قول القلب (التصديق)، وعمله (الانقياد)، وله لازم لابد وأن يظهر على جارحة اللسان وهو الإقرار، (8) عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا غنى عن أحدها: الأول: قول اللسان (الإقرار)، والثاني: قول القلب (المعرفة والعلم والتصديق)، والثالث: عمل القلب (الانقياد والإذعان)، (9) أعمال الجوارح كلها خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرعه الواجب والمستحب، (10) ضد أصل الإيمان أو أحد عناصره الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وكل كفر كان ضداً للإيمان الفرع فهو كفر في إطار الملة وليس خارجها، (11) فرع الإيمان هو ما يسميه العلماء (الإيمان المطلق) أو (الإيمان الكامل) وهو الأشهر عندهم، (12) الإيمان الكامل قسمان: الأول: الكامل الكمال المأمور به وهو الإيمان الواجب، الثاني: الكامل الكمال المندوب إليه وهو الإيمان الكامل المستحب، (13) الإيمان الواجب يكون بأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات إضافة إلى وجود الأصل، (14) الإيمان المنفي في نصوص الشرع (الكتاب والسنّة) المقصود منه نفي الإيمان الواجب وليس نفي أصل الإيمان، (15) الإيمان الكامل المستحب يكون إضافة إلى وجود أصل الإيمان وواجبه التحلي بالمندوبات والتنـزه من المكروهات والشبهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح بمسنون الطاعات، (16) الإيمــان ثــلاث مراتـب: أعلاها مرتبة الإحسان: وهي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله، المؤدي لكافة شرائع الإيمان فرضاً ونفلاً (فعلاً وتركاً)، ويليها مرتبة الإيمان: (الإيمان الواجب وهي مرتبة المقتصد) المؤدي للفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات، وأقلها مرتبة الإسلام: (مرتبة الظالم لنفسه) وهو المؤدي للأركان الخمسة وأهمها الصلاة ولكنه مقصّر في أداء بعض الفرائض والواجبات والواقع على بعض الكبائر والمحرمات، وصاحب هذه المرتبة إلى المشيئة إن شاء الله عز وجل غفر له وإن شاء عذبه حتى يخرج من النار بشفاعة المؤمنين والملائكة والنبيين، وأدنى هذه المرتبة الثالثة: (مرتبة أصل الإيمان) وهي درجة التوحيد المجرد، وصاحبها هو الذي جاء فيه قسم الله عز وجل ((وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله)) أي معتقداً لها، وهؤلاء هم آخر أهل النار خروجاً من النار وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة وأدناهم فيها منزلة، وليس بعد ذلك سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين المكذبيـن.
(رابعا): أهم القواعد التي يجهلها أهل الحشو في باب أحكام الكفر: (1) الإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، (2) هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر، ف (الكفر الأكبر): هو الكفر المناقض لأصل الإيمان (الإقرار والتصديق والانقياد)، ومآله إلى أحد أنواع هذه الستة الذي ذكرها العلماء في أنواع الكفر الأكبر، (3) الكفر دون الكفر الأكبر: وهو ما يسميه بعض العلماء بالكفر داخل إطار الملة أو بالكفر الأصغر، وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان، ومن أمثلة هذا الكفر عند جمهور السلف والخلف وغالب الفقهاء ترك الصلاة لأنّه قريب من اعتياد ذلك وجحوده فسمي كفرا لأنه قد يجر إلى الكفر، (4) من فقه مسائل وأحكام الكفر: الأعمال الكفرية كإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب، (5) من فقه مسائل وأحكام الكفر: أنّ التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط، (6) من فقه مسائل وأحكام الكفر: كفر تارك الحكم بما أنزل الله، كفر أكبر للمستحل، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المنقاد بقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، وتفريطه في عمل الجارحة فقط، (7) قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، من أقر بلسانه واعتقد بقلبه وجوب الحكم بما أنزل الله، فقد حكم بقلبه بما أنزل الله، ولم يترك حكم الله بالكلية فلا ينطبق عليه الكفر الأكبر، وإنما هو كفر عملي لا يخرج من الملة، ومن جحد حكم الله بقلبه، فقد كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة، (8) من فقه مسائل وأحكام الكفر: ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه، ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب {جحد الصلاة}، وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة، (9) من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ كفر تولي الكافرين كفر أكبر للموالي على أساس الدين، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وكانت الموالاة على أساس الدنيا والاعتقاد سليم.
(خامسا): تفاصيل هذا العلم العظيم هو من جملة العلوم التي ادى غياب مفاتيحها عند أهل الحشو إلى الخلل العقدي والعلمي لديهم، والى وقوع هؤلاء في بدعة الغلو في التكفير واستحلال دماء أهل القبلة وحرماتهم نسأل الله تعالى السلامة من الزيغ، وأرى أنّه لا مناص لهم من تجديد الطلب لهذا العلم الجليل وذلك للقضاء على فوضى الغلو في التكفير، ويكفيه شرفا (علم احكام الإيمان والكفر) أنه العلم المتعلق بحفظ حُرمة أهل القبلة، أهل (لا إله إلاّ الله * محمـد رسول الله) وحفظ حقوقهم الشرعية دون تعدي على أحد منهم بتكفير لا يستحقه أو ظلم لا يُـناسبه، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتتبع جذور الغلّو في مسائل التكفير واجتثاثها من أصولها، ومنع الغلّو في تكفير أهل القبلة أو التعجل فيه دون اتباع ضوابط أهل العلم الصحيحة في تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتتبع شبهات الخوارج والمعتزلة وآرائهم التي تسربت إلى أهل الحشو وزيادة التكفير، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق ببيان الفهم الصحيح للإرجاء وحدوده الفاصلة بينه وبين السنّة، وبيان من هم المرجئة ومتى يُتهم المرء بالإرجاء ومتى لا يُـتهم.
إنّ هل الحشو يرمون علماء أهل السنّة بالإرجاء وما ذلك إلاّ لعدم تحقيقهم للحدّ الفاصل بين الإرجاء والسنّة، بل وعدم فهمهم لحقيقة مذهب أهل السنّة، ويكفي هذا العلم شرفا (علم أحكام الإيمان والكفر) أنه العلم المتعلق بتجديد النظرة السمحة الصحيحة المعتدلة التي كان عليها علماؤنا الأجلاء تجاه أهل السنّة . وهم بحمد الله سواد الأمة الأعظم على مرّ عصور الإسلام، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو في التفسيق أو في التبديع الزائد دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتأصيل مسائل الإيمان والكفر على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة المتخصصين فيه، فللعقيدة مدارسها المتخصصة وعلماؤها المتخصصون وللفقه مدارسه المتخصصة وعلماؤه المتخصصون وللتزكية كذلك مدارسها المتخصصة وعلماؤها المتخصصون، والشرع الحنيف يدعو إلى التخصص وإلى احترام التخصص: قال تعالى: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء: 83 ]، ومعنى الآية الرد إلى المتخصصين، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم لأنهم أهل المعرفة والخبرة به، قال تعالى: { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر: 14 ]، بل أمرنا الشرع بسؤال أهل التخصص لا غيرهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [ النحل: 43 ].
([1]) نقله عنه المناوي في فيض القدير 2 / 21.
([2]) مسند أحمد 14/124 ح 8396، سنن الترمذي 5/25 ح 2640.
([3]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([4]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597.
([5]) مسند أحمد 19/241 ح 12208، سنن ابن ماجة 5/130 ح 3993.
([6]) صحيح البخاري 3/186 ح 2704.
([7]) سنن الترمذي 4/466 ح 2166.
([8]) صحيح البخاري 6/33 ح 4547، صحيح مسلم 4/2053 ح 2665.
( [9] ) صحيح البخاري 2/176 ح1741. صحيح مسلم 2/886 ح 1218.
( [10] ) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
( [11] ) مسند أحمد 6/120ح 3621. سنن ابي داود6/408 ح 4352.
( [12] ) صحيح البخاري 9/2 ح 6862.
([18]) المجموع شرح المهذب للإمام النووي ج: 4 / 150
([19]) صحيح البخاري 3/96 ح 2295.
([20]) صحيح مسلم 4/2055 ح 2670.
([21]) الشهرستاني: الملل والنحل 01/114
([22]) الفرق بين الفرق ص 73 ط مكتبة دار التراث القاهرة.
([23]) صحيح مسلم 2/740 ح 1063.
([24]) المصدر السابق 2/741 ح1064
([25]) صحيح البخاري 8/38 ح 6163.صحيح مسلم 2/744 ح 1064.
([26]) السنن الكبري للبيهقي 8/318.
([27]) صحيح مسلم 2/746 ح 1066.
([28]) المرجغ السابق 2/750 ح 1067.
([29]) المرجع السابق2/750 ح 1068.
([30]) المرجع السابق 2/748 ح1566.
([32]) صحيح مسلم 2/746 ح 1066.
([33]) المصدر السابق 2/741 ح 1064.
([34]) المصدر السابق 2/746 ح 1066.
([36]) انظر مقالات الاسلاميين1/ 189.
([37]) الملل والنحل 1 / 52 وانظر الفرق بين الفرق ص 20 – 21.
([38]) صحيح البخاري 8/98 ح 6463.
([40]) انظر تفسير القرطبي 5 / 334.
([41]) مختصر تفسير الطبري 1 / 119.
([42]) تفسير القرطبي 5 / 334 .
([43]) تفسير أبي السعود 2/217.
([44]) تفسير أبي السعود 2/217.
([45]) مختصر تفسير الطبري 1 / 119.
([51]) مختصر تفسير ابن كثير 1/71.
([54]) تفسير العلي القدير في اختصار تفسير ابن كثير 1/ 50.
([55]) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة للالكائي 5 / 1072 ط دار طيبة.
([56]) الشريعة للآجري ص 146 – 148 ط، دار الكتب العلمية.
([57]) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة للالكائي 5 /1071 .
([59]) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة للالكائي 5 / 107.
([60]) نقله عنهم الشهريتاني في الملل 1/139، 1/140.
([61]) نقله عنهم الرازي في كتابه اعتقادات فرق المسلمين ص 70.
([62]) حكى إجماعهم على هذه المقولة السكسكي في البرهان ص 33.
([63]) نقله عنهم الملطي في التنبيه والرد ص 43.
([65]) مسند أحمد 43/230 ح 26133.
([67]) مسند أحمد 12/364 ح 7402.
([69]) فيض الباري نقلاً عن حقيقة الإيمان لمحمد عبد الهادي المصري ص212.
([71]) حاشية ابن العابدين 3\284.
([72]) شرح العقيدة الطحاوية ص369 – 370.
([73]) شرح الفقه الأكبر للملا على القارئ ص279 – 282.
([74]) المرجع السابق ص 225 – 229.
([75]) كتاب الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة مع شرح للإمام الملا على القارئ الحنفي ص108 – 111 ط دار الكتب العلمية.
([76]) كتاب الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة مع شرح للإمام الملا على القارئ الحنفي ص108 – 111.
([77]) الفتاوي البزازية 3/338.
([78]) تهذيب رسالة البدر الرشيد في الألفاظ المكفرات ص22 – 23.
([79]) ميزان الاعتدال ج1 / 426.
([80]) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ج1/338.
([81]) الملل والنحل ج 1/86 – 88.
([84]) القاموس المحيط (3/ 9 49.
([85]) النوبختي فرق الشيعة، والأشعري في مقالات الإسلاميين والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والشهرستاني في الملل والنحل والبغدادي قي كتابه الفرق بين الفرق
([86]) الإرشاد المفيد ص189 – 191.
([87]) تاريخ اليعقوبي 2 /241، 242.
([96]) ميزان الاعتدال الذهبي، 5 / 601
([97]) هدْي الساري مقدمة فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني، ص 483 .
([98]) تهذيب تهذيب الكمال ، 1/93-94.
([99]) الحكومة الإسلامية للخميني ص 52
([101]) الأصول من الكافي الكليني: 1/294.
([102]) الشيخ المفيد: أوائل المقالات ص51.
([104]) الأصول من الكافي: 1/148.
([105]) الأصول من الكافي: 1/148.
([108]) رسالة الاعتقادات لابن بابويه القمي ص 103 ط، مركز نشر الكتاب إيران.
([109]) الحدائق الناضرة 18 / 153 ط، دار الأضواء.
([110]) منهاج الحياة للكاشاني ص 48 ط، دار الإسلامية بيروت.
([111]) بحار الأنوار 23 / 390.
([112]) جواهر الكلام 6/62 ط، دار إحياء التراث بيروت.
([113]) تنقيح المقال 1/208 ط، النجف 1952 م.
([114]) الأربعون حديثاً ص 511 ط، دار التعارف.
([115]) نقله عنه المجلس في بحار الأنوار 23 / 391.
([116]) حق اليقين في معرفة أصول الدين 2 / 188 ط بيروت.
([117]) أصل الشيعة وأصولها ص 79.
([118]) الحكومة الإسلامية ص 2.، 52.
([120]) الحكومة الإسلامية ص 52، 53.
([123]) بيان تلبيس الجهمية: 7/ 290-356، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف – 1426هـ.
([124]) العِلل المتناهية لابن الجوزي 1/36، سير أعلام النبلاء 10/113، طبقات الشافعية الكبري للسبكي 2/312، المنتخب من العلل لابن قدامة ص 284، تاريخ بغداد للخطيب 13/311، العلل لمتناهية 1/130، الثقات لابن حيان 2/245، طبقات الشافغية الكبري2/312، تهذيب التهذيب لابن حجر 10/86 ، اللآلئ المصنوعة للسيوطي 1/30، ميزان الاعتدال للذهبي1/594.
([127]) المجروحون لابن حبان 2: 15.
([128]) ميزان الاعتدال 4: 174 وهو خبر موضوع كما نبه عليه الذهبي.
([132]) طبقات الشافعية لابن السبكي 2: 35.
([134]) الملل والنحل للشهرستاني111.
([136]) الغنية في أصول الدين، ص: 73-75.
([137]) الرد على بشر المريسي للسجزي ” ص 20 .
([139]) تلبيس الجهمية لابن تيمية ” ص568.
([140]) الأسماء والصفات للبيهقي، ص 342.
([142]) الكامل لابن الأثير 7/41.
([143]) تبديد الظلام المخيم للكوثري 206.
([144]) ميزان الإعتدال 1: 259.
([145]) تدريب الراوي للسيوطي ج 1: 329.
([149]) العواصم من القواصم” ص 209.
([150]) الكامل في التاريخ” 8/16.، 8/104.
([151]) ابطال التأويلات لأبويعلي 2/485.
([152]) المرجع السابق 1/73و 1/187.
([153]) المرجع السابق1/188و 1/90.
([154]) المرجع السابق 1/133و 1/144.
([156]) المرجع السابق 1/178 و 2/328.
([175]) الكامل لابن الأثير8/209.
([176]) بيان تلبيس الجهمية 2: 400، وانظر هذه الحكاية في سير أعلام النبلاء 16/ 478.