الفصل السابع مذهب السادة الأشاعرة والماتريدية في مسائل الإيمان هو التأصيل الشرعي لما دل عليه الكتاب والسنّة في باب الإيمان وهو المذهب المعتمد لأهل السنّة الجماعـة في باب الإيمان والكفر
المبحث الأول: الأشاعرة والماتريدية هم أصحاب التأصيل الشرعي لمسائل الإيمان والكفر.
المبحث الثاني: الأشاعرة والماتريدية يمثلون جمهور علماء أهل السنّة في باب العقيدة.
المبحث الثالث: مدارس أهل السنّة والجماعة في العقيدة ثلاث: هي الأثرية والأشعرية والماتريدية، والحشوية (المتسلفة) ليسوا من مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في باب الإيمان والكفر ولا غيرها من أبواب العقيدة.
المبحث الاول الأشاعرة والماتريدية هم أصحاب التأصيل الشرعي لمسائل الإيمان والكفر على مذهب أهل السنّة والجماعـة
[المفتاح الأول]: شهادة صدق في حق السادة (الأشاعرة والماتريدية): لولا دقة التخصص العقدي عند الأشاعرة والماتريدية لما علمنا أحكام الإيمان والكفر على مذهب أهل السنّة والجماعـة، وهذه شهادة صدق وحق في حق السادة الأشاعرة والماتريدية، فإنّ غالب من خالفوهم في باب الإيمان، لم يكتبوا فيه على طريقة الفقهاء التي تجمع كل أدلة الباب، وتحمل متشابهها على محكمها، ومجملها على مفصلها، بحيث يتضح معها الأصل من الفرع، وما هي عناصر الأصل وما هي عناصر الفرع الواجب وعناصر الفرع المستحب، وما هي أحكام كل قسم منها، والشاهد فإنهم هم المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة الحقة، أصّلوا هذا الباب بفقه وعلم وضبطوا مسائله ومنعوا الأمة من التكفير ووقوع سيف التكفير على رقاب أهل القبلة، وما خالفهم في الباب إلاّ جأهل بفقه مسائل الإيمان والكفر أو حامل فقه وليس بفقيه.
[المفتاح الثاني]: الإيمـان عند الأشاعرة قول وعمل وله أصل يدخل فيه قول القلب وعمل القلب ولازمه إقرار اللسان، وله فروع يدخل فيه كافة شعب الإيمان، قال الإمام الأشعري رحمه الله في كتابه اللمع – في بيان أصل الإيمان -: (إن قال قائل: ما الإيمان عندكم بالله تعالى؟ قيل له: هو التصديق بالله، وعلى ذلك إجماع أهل اللغة التي نزل بها القرآن. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] وقال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء: 195]، فلما كان الإيمان في اللغة التي أنزل الله تعالى بها القرآن هو التصديق، وقال الله تعالى: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17] أي بمصدق لنا، وقالوا جميعا: فلان يؤمن بعذاب القبر والشفاعة، يريدون يصدق بذلك، فوجب أن يكون الإيمان هو ما كان عند أهل اللغة إيمانا وهو التصديق) [اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، للإمام الأشعري، ص: 154]، وهذا التصديق لاشك أنّه التصديق الانقيادي الذي يشمل قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد)، جاء في كتاب الشرح الجديد لجوهرة التوحيد على معتقد السادة الأشاعرة: قال الشارح: ” فسر جمهور الأشاعرة والماتريدية الإيمان: بتصديق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما علم مجيئه به من الدين بالضرورة والمراد من تصديقه صلى الله عليه وسلم قبوله ما جاء به مع الرضى أي ترك التكبر والعناد والمدافعة لا مجرد العلم بحقيقة نبوته وصدقه عليه السلام ” أهــ ([1]).
وقال الإمام الباقلاني:” .. بأن حقيقة الإيمان هو التصديق، وأن محله القلب، وهو أن يصدق القلب بأن الله واحد، وأن الرسول حق، وأن جميع ما جاء به الرسول حق، وأن جميع ما جاء به الرسول حق، وما جاء يوجد من اللسان وهو الإقرار وما يوجد من الجوارح وهو العمل، فإنما ذلك عبارة عما في القلب ودليل عليه) ([2]).
وقال أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في بيان أنّ أركان أصل الإيمان التصديق الانقيادي (قول القلب وعمله) مع اقرار اللسان، وأنّ عمل الجوارح خارج عن الأصل داخل في الفرع الواجب: {قال – أي الإمام الأشعري – الإيمان هو التصديق بالجنان، وأما القول باللسان والعمل بالأركان ففروعه، فمن صدق بالقلب، أي أقر بوحدانية الله تعالى، واعترف بالرسل تصديقا لهم فيما جاءوا به من عند الله تعالى بالقلب صح إيمانه، حتى لو مات عليه في الحال، كان مؤمنا ناجيا، ولا يخرج من الإيمان إلا بإنكار شيء من ذلك([3]).
وجاء في تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد وهو المرجع المعتمد لمتأخري الأشاعرة ما يدل على دخول قول القلب في أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، قـال صاحب الشرح إبراهيم البيجوري رحمه الله: ” وليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول ذلك بحيث يقع عليه اسم التسليم ” أهـ ([4]).
وقال رحمه الله وهو يُشير إلى اعتقاده لمذهب أهل السنّة والجماعة في نسبة أعمال الجوارح إلى مراتب الإيمان ” العمل شرط كمال على المختار عند أهل السنّة فمن أتى بالعمل فقد حصّل الكمال ومن تركه فهو مؤمن ولكنه فوّت على نفسه الكمال ” ([5]).
” قلت ” وإذا كان الكمال نوعان، كمال واجب مأمور به وكمال مستحب مندوب فإن مقصده الكمال المأمور به وهو الواجب وعلى ذلك اتضح لنا مذهب الأشاعرة المعتمد في مسائل الإيمان وهو أنّ أصل الإيمان إقرار وتصديق وانقياد وعمل الجوارح داخل في الإيمان الواجب، وجاء في كتاب الشرح الجديد لجوهرة التوحيد: قال ناظم الجوهرة: (وفُسر الإيمـان بالتصديـق… والنطـق فيــه الخُلـفُ بالتحقيــق… فقيـل شـرط كالعمــــــــــــل… وقيل بل شطـر والإسلام اشرحن بالعمل)، قال الشارح: ” فسر جمهور الأشاعرة والماتريدية الإيمان بتصديق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما علم مجيئه به من الدين بالضرورة والمراد من تصديقه صلى الله عليه وسلم قبوله ما جاء به مع الرضى أي ترك التكبر والعناد والمدافعة لا مجرد العلم بحقيقة نبوته وصدقه عليه السلام أهــ ([6]).
وعند تدبر هذه النقول نجد أنّ المعتمد لدى الأشاعرة هو أنّ أصل الإيمان الذي به النجاة من الكفر الأكبـر قـول وعمـل يتـناول قول القلب (التصديق) وعمله (الانقياد) ودليل ذلك قول الشارح: ” والمراد من تصديقه صلى الله عليه وسلم: قبول ما جاء به من الرضى، وترك التكبر والعناد والمدافعة ” أهـ، فالقبول هو التصديق وترك التكبر والعناد هو الانقياد ثم يؤكد ذلك بقوله ” لا مجـرد العلـم ” فهذا يدل على أنّ العلم المجرد لا يصح كونه تصديقاً إذ التصديق المعتبر عندهم هو التصديق الانقيادي المستلزم لانقياد القلب وعدم استكباره وعناده، والحاصـل أنـه لا يصـح إيمان العبد في الدُنيا حتى يأتي بقول القلب (التصديق) وعمل القلـب (الانقياد) وإقرار اللسان (النطق بالشهادتين) وهذا إجماع منهم بذلك، ثم الخلاف في الأحكام الأخروية المترتبة على كون النطق شرط صحة الإيمان أو شطر وعنصر من عناصر أصل الإيمان وهذا عموماً خلاف نظري لا يترتب عليه أي خلاف في أحكام الإيمان والكفر الدُنيوية. لأن التارك للإقرار على القول الأول لا يُعتد بإيمانه لعدم شرط صحته، وعلى القول الثاني لا يصح إيمانه لفقده جزء من أصل إيمانه، وعلى ذلك فمآل القولين واحد والخلاف في اللفظ والعبارة دون المعنى، وعند قول صاحب الجوهرة (والإسلام أشرحن بالعمل): نقل الشارح عن المحققين من علماء الأشاعرة والماتريدية اتحاد مفهومي أصل الإيمان وأصل الإسلام وذلك لأن أصل الإيمان التصديق وأصل الإسلام الإذعان ولا يصح تصديق بلا إذعان ولا يصح إذعان بلا تصديق ولهذا قال: ” اتحاد مفهومي الإيمان والإسلام لا بمعنى أنّ معناهما واحد في اللغة بل على معنى أنّ كل من اتصف بأحدهما متصف بالآخر شرعاً فلا يوجد مؤمن ليس بمسلم ولا مسلـم ليـس بمؤمن والمراد بالإيمان والإسلام المنجيان فمتى تحقق أحدهـم تحقـق الآخـر ” أهــ ([7]).
[المفتاح الثالث]: من الادلة عند الأشاعرة على دخول عمل الجوارح في فرع الإيمان وليس أصله الناقل من الكفر إلى الإيمان: وقد سبق ذكرهم في الفصل الأول، وأشير إليها بإيجاز:
(1) ورود الإيمان مقترنا بالعمل الصالح في العديد من آيات القرآن الكريم، وهذه الآيات التي فيها عطف العمل على الإيمان، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما، ولا يُقال ها هنا أنّ العطف من باب عطف الخاص على العام، لأنّ ذلك خلاف الأصل، فالأصل أن العطف يقتضي المغايرة إلا أن توجد القرينة الصارفة ولا قرينة هنا على الخروج عن الأصل بل كثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة.
(2) آيات واحاديث عديدة تدل على أنّ الإيمان محله القلب ويشمل اعتقاد القلب وهو: قول القلب: (التصديق) و عمل القلب (الانقياد)، كقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب)). ([8]).
(3) أحاديث عديدة تدل على أنّ عمل الجارحة خارج عن الأصل – الناقل من الكفر إلى مطلق الإيمان – داخل في الفرع المكمل لشعب الإيمان المطلق، ومنها ما جاء في حيث الشفاعة المتفق عليه ((فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله))، وما أخرجه البخاري ومسلم: عنه صلى الله عليه وسلم قوله لمعاذ: ((ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار)) قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: ((إذا يتكلوا)) وأخبر بها معاذ عند موته تأثما. ([9]).
(فائدة): الخلاف في مسألة جعل إقرار اللسان شرط أو شطر خلاف صوري لأن الشرط معناه شرط في صحة الإيمان أو في إجراء الأحكام الدُنيوية والشطر معناه أنه جزء من حقيقة الإيمان [أصل الإيمان] لا يُعتد بإيمان من فقده، وعليه فمآل القولين واحد والخلف بينهما في اللفظ والعبارة لا في المعنى، ومسألة: وهل النطق بالشهادتين شرط لإجراء أحكام المؤمنين في الدُنيا غير داخل في مسمى الإيمان أو جزء منه داخل في مسماه، فمن نطق بالشهادتين فهو المؤمن عندنا وحسابه على الله ومن لم ينطق بهما فهو الكافر عندنا وحسابه على الله، إذن فالمسألة لا خلاف فيها بالنظر إلى اجراء الأحكام على الناس، وحكمها عند الله يعلمه الله ولا دخل للعلماء به.
[المفتاح الرابع]: قول الأشاعرة في مسائل الإيمان أعدل من قول الأحناف، وكلاهما على الحق في الباب، ولكن الأشاعرة أدنى الطائفتين للحق فيه: وقد بينا في الباب السابق أن الخلاف بين الأحناف وبين بقية الفقهاء في الإيمان خلاف نظري محض وصوري بحت لا حقيقة له، أما إذا نظرنا إلى ما يتعلق بالأشاعرة وجدنا أنّه هو التأصيل اللازم المصير إليه لمن تدبر الكتاب والسنّة وفقه مسائل الإيمان من خلالهما وذلك أن الأشاعرة يقولون ويصرحون في كتبهم أنّ أصل الإيمان (حدّه الأدنى) يتناول قول القلب وعمله وأهم القولان في كون إقرار اللسان شرط في صحة الإيمان أو شرط للإيمان أي ركن من أركان الإيمان والخلاف في هذه المسالة صوري فيما يتعلق بأحكام الدُنيا إذ لا يصح الإيمان في الدُنيا إلاّ بالإقرار والآخرة مآلها إلى الحكيم الخبير الذي يعلم السر وأخفى.
أمّا قولهم في فرع الإيمان فهو أعدل من قول الأحناف حيث أنهم يقولون بأنّ أعمال الجوارح داخله في فرع الإيمان ويعتبرونها منه ثم هم يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه وبهذا نجد أنّ الأشاعرة وغالب الماتريدية في الباب على الصراط السوي لا يخالفهم فيه إلاّ الخوارج أو المعتزلة أو الجهمية أو المرجئة أو حشوية المحدثين الذين لم يبلغوا الفقه المطلوب للحديث عن علوم الدين عامة ومسائل الإيمان والكفر خاصة، فصاروا لا يفرقون بين مراتب الإيمان ولا الحدّ الأدنى منه والحد الكامل منه، ولا يفرقون بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق بل الأمر عندهم دون التفصيل الذي بلغه فقهاء الملة ورب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من أفقه منه كما جاء في الحديث.
[المفتاح الخامس]: أسس تُزيل الخلاف في مسائل الإيمان بين كافة طوائف أهل السنّة والجماعة: (الأساس الأول): حمل قول من قال من أهل السنّة والجماعة أنّ الإيمان هو التصديق على تصديق اللسان وتصديق القلب الإذعاني المستلزم لانقياده. وحمل من قال أنّ الإيمان إقرار وتصديق على إقرار اللسان وتصديق القلب المستلزم لانقياده. وليس هذا الحمل على سبيل التطوع أو حسن الظن بل هو الحمل الواجب لأنه بذلك دلّت أقوالهم في كتبهم ومؤلفاتهم وسيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله تعالى بما فيه الكفاية. وبهذا الحمل يتفق جميع علماء أهل السنّة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين على أصل الإيمان وكونه قول اللسان (الإقرار) وقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد).
(الأساس الثاني): حمل كلام المتكلمين على أصل الإيمان وليس مسماه متى أمكن ذلك وبهذا يتفقون مع الفقهاء في كون أصل الإيمان قول وعمل (قول القلب واللسان وعمل القلب) وتكون أعمال الجوارح داخله في مسمى الإيمان عند الطرفين وإلاّ فمتى تعذر ذلك فالخلاف في المسمى دون الأصل أهون بكثير، وهذا بالطبع بخلاف المرجئة التي تقول بأنّ إيمان المرتكب لأكبر الكبائر عدا الشرك بالله كإيمان أبي بكر وعمر بل وكإيمان الملائكة والأنبياء نعوذ بالله من الإرجاء وأهله، فهؤلاء المرجئة يخالفون أهل السنّة والجماعة في أنهم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية وأهل السنّة يقولون بأنه يضر مع الإيمان المعصية والعاصي مستحق للوعيد.
(الأساس الثالث): أنه لا فرق جوهري – في أحكام الدُنيا – بين من جعل الإقرار ركن من أركان أصل الإيمان وبين من جعل الإقرار شرط لصحة الإيمان لأنهما يؤولان إلى قول واحد وهو ضرورة الإقرار والتصديق والانقياد للحكم بإيمان المعين ظاهراً وباطناً، ولعله إلى ذلك يُشير النووي بقوله: ” اتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أنّ المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة لا يكون إلاّ من اعتقد بقلبه دين الإسلام ونطق بالشهادتين ” أهــ([10]).
(الأساس الرابع): أنّ من قال أنه التصديق وحده، وكان من متكلمى أهل السنّة والجماعة فلم يُنسب إلى غيرهم من أهل الفرق الضالة فلابد وأن يُحمل كلامه على أنه يقصد الاعتقاد بشقيه قو ل القلب (العلم والمعرفة والتصديق) وعمل القلب (الانقياد)، ويُحمل كلامه على أحكام الآخرة لأن الإجماع متحقق عند أهل السنّة والجماعة أن مـن لم يقـر بالشهادتين بلسانه بغير عذر فليس بمسلم ولا تجري عليه أحكام المسلمين في الدُنيا، ولا يُعفى هاهنا من الخطأ لأن الإقرار لازم لإيمان القلب، ولكنه لم لا يدخل في إطار من اجتهد فأخطأ، وقد أشار النووي إلى أهمية إقرار اللسان بقوله:” الإيـمان شرطـه الإقـرار بالشهادتـين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم “([11]).
وقولـه:” اتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أنّ المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة لا يكون إلاّ من اعتقد بقلبه دين الإسلام ونطق بالشهادتين ” ([12]).
(الأساس الخامس): جميع من انتسب إلى أهل السنّة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين يجعلون للعمل منـزلة وأهمية كبيرة وجميعهم يقولون بأن أهل الذنوب داخلون تحت الذمّ والوعيد، ويقولون بأن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذمّ والعقاب، ويقولون بأنّ بعض أهل الكبائر يدخلون النار ويعذّبون فيها، ويقولون بأنّ مرتكب الكبيرة فاسق داخل تحت الوعيد وهذا كله يخالفون فيه المرجئة الذين قام مذهبهم الضال على أنّـه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وأنّ أهل لا إله إلاّ الله جميعهم يدخلون الجنة ابتداءً فلا يلج أحدهم النار مهما كثرت ذنوبه، وأن إيمانهم جميعاً كإيمان الملائكة والنبيين، وبهذا نعلم الفارق الكبير بين متكلمي أهل السنّة والجماعة وبين المرجئة ونعلم لماذا على مدى قرون عديدة والعلماء يتحدثون عن والأشاعرة والماتريدية على أنهم هم المتخصصون في العقيدة في إطار أهل السنّة.
***
المبحث الثاني الأشاعرة والماتريدية يمثلون جمهور علماء أهل السنّة في كل أبواب العلم
[المفتاح الأول]: هناك حقيقة تاريخية وعلمية لا يمكن لمنصف بحال إغفالها أو إنكارها ألا وهي أنّ غالب علماء الأمة على مر العصور وفي شتى علوم الإسلام التفسير والحديث والفقه والتزكية والأصول، غالبهم ينتسب في الأصول إما إلى عقيدة الأشاعرة أو الماتريدية، فأكثر المالكية والشافعية والأحناف، بل وكثير من فضلاء الحنابلة إما على مذهب الأشاعرة أو الماتريدية في الأصول ولو نظرنا إلى تراجم وطبقات علماء هذه المدارس العلمية لوجدنا أنها تحوي آلاف العلماء المجتهدين وغالبهم كما ذكرنا ينتسب في الأصول إلى هؤلاء وابن الجوزي الذي لا يوجد في الحنابلة مثله في سعة العلم وتبحره فيه هو عند التحقيق يوافق الأشاعرة في الأصول وكان يعيب على أمثال أبي يعلى الفراء وابن حامد وابن الزاغونى وغيرهم مخالفة هؤلاء في الأصول.
[المفتاح الثاني]: كذلك فأكثر علماء التفسير ينتسب إلى هؤلاء في الأصول وعلى رأسهم القرطبي فقيه المفسرين، بل ما خلا كتاب تفسير من كتب التفسير المعروفة المعتبرة من انتساب لهم أو اقتداء بمناهجهم في الأصول وانظر إلى تفسير البغوي (معالم التنـزيل) وما قاله عند تفسيره لقوله تعالى {الرحمن الرحيم} وما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: {غير المغضوب عليهم} وما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: {إن الله لا يستحي} ([13]).
وانظر إلى تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز) وابن عطية ينتسب في الأصول إلى الأشاعرة ويوضح عند كل آية مناهجهم في التنـزيه ويُبين أقوالهم في الأصول لاسيما المخالفة للمعتزلة والمجسمة المشبهة، وانظر إلى تفسير ابن الجوزى (زاد المسير) في تفسيره لصفات الحياء والوجه والمجيء والإتيان واليد والفوقية والعين وغير ذلك مما يدلنا على أنّ إمام عصره في العلم كان ينتسب إلى المتكلمين في الأصول، وانظر إلى تفسير القرطبي الذي وُضع له القبول في الأرض وبين أهل العلم وهو من رؤساء المذهب المؤصلين لقواعده اعتماداً على ما قرره علماء الأصول الأشاعرة كالجوينى إمام عصره والغزالي إمام عصره والرازي إمام عصره في زمانه،وانظر إلى تفسير النسفي وهو من أئمة المتكلمين والمنتسبين إليهم في الأصول،وانظر إلى تفسير البيضاوي وهو إمام عصره وعالم دهره وهو أشعري في الأصول ولاشك. وانظر إلى تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنـزيل) وانتسابه إلى الأشاعرة في الأصول لا يماري فيه أحد،وانظر إلى تفسير أبو حبان (البحر المحيط) وانتسابه إلى الأشاعرة في الأصول معلوم لكل أحد، وانظر إلى تفسير الثعالبى (الجواهر الحسان) وانتسابه إلى الإشاعرة في الأصول معروف،وانظر إلى تفسير الجلالين (جلال الدين المحلي ت 864 هـ وجلال الدين السيوطي الحافظ ت 911 هـ) وكلاهما من الأشاعرة في الأصول، وانظر إلى تفسير أبي السعود (إشارة العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) وهو أشعري في الأصول ولاشك في ذلك،وانظر إلى تفسير الألوسي (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم) وقد قرر في غالب تفسيره مذهب الأشاعرة، وانظر إلى تفسير المنار لرشيد رضا وتأثره بالأشاعرة في كثير من المواضع لاسيما عند تفسيره لصفة (اليد) وصفة (العين) وصفات المجيء والإتيان ، والاستهزاء ([14]).
بل لو نظرت إلى تفسير الطبري الذي هو أقدم التفاسير الموجودة وصاحبه ابن جرير متقدم على الأشاعرة في الزمان والولادة إلاّ أنه أشار إلى الكثير ما أصلوه بعد ذلك من قواعد، مما يدل على أنّها قواعد الكتاب والسنّة في علم العقيدة، أظهرها الله تعالى ونشرها على أيديهم، وانظر إلى ما قاله في تفسير العلّو وتفسير الغضب والحياء تجد أنه ألمح إلى بعض قواعدهم الأصولية التي أصلوها بعده، ولو نظرنا إلى تفسير ابن كثير لوجدت أنه يوافقهم في كثير من مواضع التفسير، ولو نظرت إلى تفسير الشوكاني (فتح القدير) لوجدت أنه قرر بعض مناهج الأشاعرة والماتريدية لاسيما عند تفسيره لصفة الغضب والاستهزاء والحياء والوجه والإتيان والمجيء والمحبة والنفس واليد والفوقية والعين. والمقصد من ذلك أنّ الأشاعرة والماتريدية علماء الأصول المتخصصون في اظهار عقائد أهل السنّة والجماعة، وينتسب إليهم غالب المفسرين من علماء أهل السنّة.
[المفتاح الثالث]: وكذلك لو نظرنا إلى علم الحديث: لوجدنا أنّ أكثر المحدثين ينتسبون إليهم في الأصول فهذا البيهقي شيخ المحدثين في زمانه صاحب السنن الكبرى الذي قال فيه ابن الصلاح لا نعلم مثله في بابه وقال عنه السبكى ما صنف في علم الحديث مثله. وهو من أئمة الأشاعرة في الأصول ويعلم ذلك من اطلع أدنى مطالعه لكتابه الاعتقاد أو كتابه الأسماء والصفات، وهو تلميذ أبي عبد الله الحاكم والحليمى وهم من أئمة الأشاعرة في الأصول كذلك. وكذلك الإمام الخطابى صاحب كتاب معالم السنن والذي نقل عنه غالب شراح الحديث بعده هو من أئمة الأشاعرة في الأصول، وهو الذي قال فيه الإمام النووي الإمام المجمع على إمامته وتفننه في العلوم وإتقانه وإطلاعه وتحرّيه وإنصافه وقال عنه الحافظ الذهبي كان علامة محقق ثقة ثبت من أوعى العلم، وكذلك منهم إمام الدُنيا في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني ومن اطلع على كتابـه الموسوعـة (فتح الباري) علم قدر هذا الرجل وانتسابه في الأصول إلى مناهج الأشاعرة وهو إمام زمانه في الحديث غيره من فنون العلم، وكذلك منهم الحافظ السيوطي الذي ما ألف في الإسلام مثله وما كتب أحد من العلماء مثل ما كتب ومن نظر إلى مؤلفاته في التفسير وعلوم القرآن وغيرها لعلم انتسابه في الأصول إلى الأشاعرة، هذا بالإضافة إلى كون ابن دقيق العيد والعراقى وابن سيد الناس والكرمانى شارح صحيح البخاري والعسقلاني شارح صحيح البخاري والعيني شارح صحيح البخاري والآبي شارح صحيح مسلم والسنوسي شارح صحيح مسلم بل وغالب شراح الحديث كلهم ينتسب إلى الأشاعرة والماتريدية في الأصول.
[المفتاح الرابع]: ولو عرجنا إلى الفقه: لوجدنا كبار فقهاء الإسلام ينتسبون في الأصول إلى الأشاعرة والماتريدية وكما ذكرنا فإن غالب علماء المدارس الفقهية المتخصصة المعتبرة بما فيها من جهابذة العلم والفقه كلها ينتسب إما إلى الأشاعرة أو الماتريدية في الأصول ولا يقل في تراجم أحد هذه المدارس المالكية والشافعية والأحناف وكثير من الحنابلة عن مئات بل ألوف الفقهاء المنتسبة إلى هؤلاء في الأصول. ومن أعلام هؤلاء النووي شيخ الإسلام والمسلمين وعمدة الفقهاء والمحدثين بل وصفوة الأولياء الصالحين الذي قال فيه الذهبي: الشيخ الإمام القدوة الحافظ الزاهد العابد الفقيه المجتهد الرباني شيخ الإسلام حسنة الأنام، وقال عنه الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام عَلَم الأولياء صاحب التصانيف النافعة، وقال عنه ابن علاّن شيخ الإسلام وعلم الأئمة الأعلام أوحد العلماء العاملين والأولياء الصالحين وعين المحققين وملاذ الفقهاء والمحدثين وشيخ الإسلام الحفاظ وإمام أرباب الضبط المتقنين، وقال عنه الحافظ ابن كثير الشيخ الإمام العلامة الحافظ الفقيه النبيل محرر المذهب ومهذبه أحد العباد والعلماء الزهاد كان على جانب كبير من العلم والعمل والزهد.. والتورع الذي لم يبلغنا عن أحد في زمانه ولا قبله بدهر طويل.
ومنهم الإمام الفذ سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الذي قال فيه ابن دقيق العيد أحد سلاطين العلماء وقال عنه ابن السبكي شيخ الإسلام والمسلمين وأحد الأئمة الأعلام سلطان العلماء وإمام عصره بلا مدافع، ومنهم القاضي البيضاوي المفسر ومنهم ابن العربي الفقيه وابن رشد الفقيه وغيرهم من الفقهاء ممن يطول بذكرهم المجال. وكذلك لو نظرنا إلى كثير من علماء الأمة كابن حزم نجده في الأصول أقرب إلى هؤلاء وينصر لأقوالهم بشدة وإن كان لا يعلم في كثير من الأحيان أنها أقوالهم.
ولو نظرنا إلى العلماء الذين تحدثوا في البدع وصنفوا فيها المصنفات كالشاطبى وابن شامه وغيرهما وهكذا في كل فروع العلم نجد أكثر العلماء ينتسبون إلى الأشاعرة والماتريدية في الأصول وهكذا منذ ظهور علم الأصول كعلم مستقل مثلما ظهر علم الفقه كعلم مستقل وعلم التزكية كعلم مستقل وأكثر علمائه (أي الأصول) ينتسبون إما إلى الأشعرية أو الماتريدية وهكذا وحتى المعاهد والجامعات الأكاديمية اليوم أكثرها ينتسب إلى هؤلاء في الأصول.
[المفتاح الخامس]: إذا علمنا ذلك علمنا مدى الحرص الواجب عند تقييم اتجاه يأخذ بأكثر من ثلثي علماء الأمة على أقل تقدير لأنهم يمثلون جمهور الأمة وإن أخرجنا هؤلاء من إطار أهل السنّة -كما يفعل أهل الحشو متمسلفة العصر- لم يبق فيها شيء يُذكر على مر عصور الإسلام، وليس الأمر بالعدد كما يعلم العلماء بل هذا مؤشر عظيم في أنّ هؤلاء على أكثر الحق وإن كان ليس هناك اتجاه معصوم من الخطأ بالكلية إذ ليست العصمة لأحد سوى الرسول صلى الله عليه وسلم أو إجماع علماء أهل السنّة الذين لا يجتمعون على خطأ أبداً، ولكن الشيطان إلى الواحد أقرب، وهكذا كلما ذاد العلماء في إطار معين حتى مثلوا جمهوراً فهذا مؤشر إلى أنّ الحق أقرب إلى السواد الأعظم عن غيره، والمقصد من ذلك أنه ينبغي التأني عند تقييم اتجاه عظيم كهذا الاتجاه ولاسيما في علم الأصول الذي تفرغوا له وأصلوا مسائله.
كما أنّ الأشاعرة هم من أكمل مباحث علم العقيدة، فهل أصل قواعد الإيمان والكفر في الأصول وردّ على الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية سواهم ! وهل دحض شبه المعتزلة وقصم ظهورهم سواهم، وهل أصل في مسائل القدر سواهم، وكل علماء أهل السنّة عالة عليهم في هذه المسائل، وهل تكلم في الإلهيات من الجائر والواجب والمستحيل في حق الله تعالى غيرهم، وهل أصل قواعد التنـزيه التي منعت من دخول الأمة في التشبيه والتجسيم سواهم، ومن أراد معرفة مبلغ أهمية وجود هؤلاء كجانب من جوانب حماية الأمة من التشبه والتجسيم، فليقرأ مثل كتاب ابطال التأويلات لابي يعلى ليعلم مدى وقوعه في التجسيم والتشبيه ورواية الروايات الموضوعة في هيئة الرحمن وأنه في صورة شاب اسرد أو شيخ أشيخ أو عروس أو غير ذلك من سخافات المجسمة والمشبهة، ثم ليقرأ ردّ ابن الجوزي عليه بما استفاده من أصول الأشاعرة والماتريدية في التنـزيه.
إذن الأشاعرة والماتريدية أصلوا في كافة جوانب الاعتقاد في الإلهيات والنبوات والسمعيات، وبمعنى آخر في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر وهم الذين انتصبوا للرد على المعطلة والمشبهة وعلى المعتزلة والحشوية والملاحدة والزنادقة وعلى كافة الفرق الضالة في الباب بل لو نظرت إلى كتب الفرق لوجدت أن كل من ابتدؤا الكتابة فيها هم من الأشاعرة والماتريدية كالأشعري والشهرستاني وعبد القاهر البغدادي والآمدى والنسفي وغيرهم، وعلى ذلك فالأشاعرة والماتريدية مدرستان أصوليتان تناولتا أكثر قواعد الأصول وانتسب إليهما غالب الأصولين كما انتسب إلى المدارس الفقهية الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية) أكثر فقهاء الفروع فالحذر كل الحذر من التخطئة العامة لهذه المدارس التي أشرف على إخراج قواعدها مئات بل آلاف العقليات الإسلامية التي كانت مضرب المثل في العلم والفقه والفطنة.
[المفتاح السادس]: إنّ الذين أسرفوا على أنفسهم بالوقيعة في الأشاعرة والماتريدية تعجلوا الأمر ولم يضروا إلاّ أنفسهم، فهل وقف على ثغر الإسلام في باب تأصيل العلوم والرد على الفرق الضالة غيرهم، وهل أصل قواعد علم التقديس والتنزيه أحد مثلهم، وشهادة حق لله أنه لولا جهودهم في علم الأصول لكنا فريسة سهلة للمعتزلة أو المجسمة وغيرهم من الفرق الضالة ولكن الله تعالى جدد بهم الدين في علم الأصول كما جدد بالفقهاء الدين في علم الحلال والحرام، والإنسان عدو لما يجهل فلا ينبغي التعجل بالوقيعة بهم قبل الإحاطة بجهودهم في حفظ الدين ووالله لو أن من خالفوهم في الدين من علماء المسلمين استوعبوا عشر علومهم لا سيما قواعد علم التنزيه لأنصفوا واقروا لهم بالفضل كما أقر لهم ذلك سائر علماء الأمة في شتى فنون العلم.
[المفتاح السابع]: كما أنّه في باب الإيمان لم نر أحداً من العلماء عارض أصول الأشاعرة في الإيمان، تلك الأصول القائمة على الجمع بين أدلة الكتاب والسنّة جميعها، فلم نر أحداً عارضها سوى المعتزلة والخوارج والجهمية والمرجئة وحشوية المحدثين الذين لا فقه لهم مصداقاً للحديث (رب حامل فقه ليس بفقيه) ولحديث (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، أو حشوية الحنابلة الذين لا هم لهم سوى نسبة الحشو والتجسيم إلى ذات الله تعالى وصفاته، أو تبديع أهل الأصول المتخصصين في العقائد على منهاج أهل السنّة والجماعة، وقد تكفل ابن الجوزي الحنبلي قديما فضح ما تمالؤوا على اعتقاده من عقائدهم الزائغة والتي أبرزنا جانباً عريضاً منها في كتابنا السابق: (مفاتيح علم التقديس)، والأشاعرة والماتريدية أصّلوا هذا الباب (أي باب الإيمان ومن قبله باب التقديس وتوحيد الذات) بفقه وعلم حتى أنهم بفضل الله ضبطوا مسائله ومنعوا الأمة من التكفير والحشو والتشبيه، ووقوع سيف التكفير على رقاب أهل القبلة، وما خالفهم في الباب إلاّ جأهل بفقه مسائل الإيمان والكفر نسأل الله العلم النافع والمعتقد الصالح.
***
المبحث الثالث مدارس أهل السنّة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس هي (الأثرية والأشعرية والماتريدية)
[المفتاح الأول]: (الأثرية): هم النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه مالك والشافعي وابن حنبل وسفيان ابن عيينة، ومذهبهم واضح وأهم أصوله: التفريق بين المحكم والمتشابه، وتفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه، وعدم الخوض بالحشو والتجسيم، و(الأشعرية): هم امتداد السلف والمتخصصون في علم العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة والقائمون على ثغر الرد على الفرق الضالة والطوائف المنحرفة، وسواد علماء أهل السنّة والجماعة الأعظم في التفسير وفي الحديث وفي شتى تخصصات العلم الشرعي ينتسبون إليهم في العقيدة والأصول، و (الماتريدية): هم امتداد السلف والمتخصصون في علم العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة والقائمون على ثغر الرد على الفرق الضالة والطوائف المنحرفة، وهم صنو الأشاعرة وإخوانهم في العقيدة، وينتسب إليهم عامة الأحناف أكثر مذاهب الفقه السني انتشارا، وعلى مر عصور الإسلام وقرونه المتتالية كان مصطلح (أهل السنّة والجماعة)، إذا أطلق فالمراد بهم أصحاب الحديث (أهل الأثر)، والأشاعرة، والماتريدية، ومجموعهم هم سواد الأمة الذين لا يجتمعون على ضلالة، كما جاء في الحديث المشهور: (لا تجتمع أمتـي علـى الضلالة) قال الحافظ السخاوي بعد أن عدّد طرق الحديث وأسانيده: وبالجملة فهو حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة في المرفوع وغيره،([15]).
[ المفتاح الثاني]: الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة: قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى أهل السنّة والجماعة ثلاث فرق: (الأثرية)، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، و (الأشعرية)، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، و (الماتريدية)، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ ([16]).
[المفتاح الثالث]: الفرق كبير بين الأثرية والحشوية: الفرق كبير بين الأثرية والحشوية بل لا تصح المقارنة أصلاً، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، ولذلك نجدهم عند متشابهات الصفات يرون تفويض علم هذا المتشابه إلى الله، لأنّ ظاهره يوحي بما هو محال على الله تعالى من نسبة الأجزاء والأبعاض والجوارح إلى ذات الله تعالى، أو نسبة الحوادث من الحركة والسكون إلى الله تعالى القديم المنزه عن الحوادث، وأما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، وهم لا يفرقون بين المحكم والمتشابه، وهم يرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله، وكلاهما (الأثرية والحشوية) يتنازعان الانتساب إلى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله، وقد جزم الحافظ ابن الجوزي أحد أكبر أعلام الحنابلة في القرن الخامس، وهو الإمام أبو الفرج ابن الجوزي: أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان على تفويض علم المتشابه إلى الله، وهو على ذلك كان أثرياً، وهاجم كل من خالف ذلك من الحنابلة، واتهمهم بالإساءة إلى الإمام أحمد وإلى مذهبه، ودعا عليهم، وانظر كتابة الباز الأشهب في الرد على مخالفيه، وكانوا ثلاثة من شيوخ المذهب الحنبلي، وهم: ابن حامد البغدادي، والقاضي أبو يعلى الفراء، وأبو الحسن ابن الزاغوني، واتهمهم بأنهم صنفوا كتبا شانوا بها مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وقال في خاتمة كتابه: ” ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال لم يعجبهم، لأنهم ألفوا كلام رؤسائهم المجسمة، فقالوا ليس هذا المذهب. قلت: ليس بمذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم، فقد نزهتُ مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ونفيت عنه كذب المنقولات وهذيان المعقولات ”
[المفتاح الرابع]: ذهول الحشوية عن حقيقة مذهب السلف: لقد ذهل الحشوية عن حقيقة مذهب السلف والأثرية امتداد السلف الحقيقيون في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأثرية المفوضة في المتشابهات بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم امتداد السلف الحقيقيين، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأشاعرة والماتريدية أكابر علماء العقيدة المتخصصين فيها على منهاج أهل الحق بأنّهم متعطلة ومؤولة وانّهم ليسوا من أهل السنّة والجماعة في باب الصفات، مع أنّ الحق والصواب أنّهم (الحشوية) هم الضالون في هذا الباب لأسباب عديدة: أهمها الذهول عن قواعد التقديس والتنزيه والتسبيح المتعلقة بذات الله تعالى، والمستمدة من الكتاب والسنة، وأدى ذلك إلى خلل في فهم قسم توحيد الذات (علم التقديس) الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان.
والحشوية ينتسبون إلى السلف الصالح، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[المفتاح الخامس]: المعبرون عن الأثرية وأصحاب الحديث: (أولاً): المعبرون عن الأثرية من أهل الحديث: (المحدث) هو كل من اشتغل بعلم الحديث رواية ودراية، واشتهر عنه ذلك، ولكن من المعروف عند أهل العلم: أن المحدثين ليس لهم مذهب مستقل في الاعتقاد، ففيهم أهل السنّة وفيهم الحشوية، وفيهم الرافضة وفيهم الخوارج، ونظرة سريعة إلى كتب الجرح والتعديل تدلنا على ذلك، والذي يهمنا في هذا المبحث: أنّ من أهل الحديث من يمثل الأثرية.
وعلى رأسهم الإمام مالك بن أنس رحمه الله، فقد ذكر القاضي عياض في كتابه الشفا: أنّه كان ينهى عن التحديث بالأحاديث المتشابهات التي توهم التشبيه، وكان يمنع من السؤال عنها، وكان مجرد السؤال عن المتشابه أمامه موجباً لغضبه على السائل وطرده من المجلس كما هو مشهور عنه في طرد السائل عن معنى الاستواء وتبديعه.
وعلى رأسهم أيضاً: الإمام أحمد بن حنبل الذي ثبت عنه تفويض معنى المتشابهات، كما ثبت عنه التأويل عند الضرورة رداً على أصحاب البدع بسند صحيح أخرجه البيهقي، والأثرية من أهل الحديث هم كل من سار على نهج الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل، و (الأثرية) من أهل الحديث هم أهل التقديس والتنزيه الذين كانوا على وفاق مع الأشاعرة والماتريدية في مباحث العقيدة.
واهمهم من علماء أهل الحديث، فخر الحديث وأهله الإمام البيهقي، وله رسالة (الأسماء والصفات) تدل على رسوخ قدمه في علم العقيدة والتنزيه والتقديس، وهي من أهم مراجع العقيدة الأثرية، والإمام النووي شارح صحيح مسلم، وقد تتبعت مباحث العقيدة في كتابه القيم المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، والمشهور بشرح النووي على صحيح مسلم، وهو أهم الشروح على صحيح مسلم، فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً لعقيدة أهل الأثر، وأمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني، صاحب كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري، وهو من أعظم كتب تفسير الحديث وأجمعها، وقد تتبعت مباحث العقيدة فيه فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً كاملاً لعقيدة أهل الأثر.
(ثانيا): المعبرون عن الأثرية من الحنابلة: من أفضل علماء الحنابلة الذين تكلموا في العقيدة على منهاج المتخصصين الإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري، (ت 597 هـ) في كتابه الباز الأشهب في الرد على منتقضي المذهب، والمسمى كذلك دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، رد فيه على حشوية الحنابلة، وكان يُخاطب ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي وهم من كُبراء حشوية الحنابلة، بقوله: ” ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي وابن الزاغوني فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس. فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهواتٍ وأضراساً.. ويدين وأصابعَ وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين. وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس. وقالوا: يجوز أن يُمس وَيمس، ويدني العبد من ذاته. وقال بعضهم: ويتنفس. ثم يرضون العوام بقولهم: لا كما يعقل ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون: نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه. وقد تبعهم خلق من العوام. فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط:” كيف أقول ما لم يقل”. فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت ما أنكر عليكم أحد، إنما حمْلكم إياها على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه. ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم..) أهـ ([17]).
وكتابه الباز الأشهب من خير الكتب التي ردت على بدعة الحشو، ومن الكتب المعبرة عن مذهب الأثرية كتاب أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشبهات) صنفه العلامة مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي (ت: 1033 هـ)، وكتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر لعبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر، وكتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية وكلاهما للشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي.
[المفتاح السادس]: التعريف بالأشاعرة والماتريدية: التعريف بالأشاعرة: هم المتخصصون في العقيدة، أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله (270 ه إلى 330 ه)، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة، نصر الحديث، وكسر هجمة المعتزلة والمجسمة على الدين، وهو يعد عند جمهور أهل التخصص في العقيدة المجدد الثالث للدين بعد عمر بن عبد العزيز الذي حفظ الله تعالى به السنّة ثاني مصادر الدين عند المسلمين، فامر بتدوينها، والشافعي الذي نصر الله تعالى به السنّة وربط الفقه بالسنّة وملأ علمه طباق الأرض، والثالث الأشعري الذي نصر الله تعالى به عقائد أهل السنّة فأظهرها وأصلها ونافح عنها ضد جميع أهل البدع.
و(الأشاعرة): هم الذين وقفوا في وجه المعتزلة، فزيفوا أقوالهم، وأبطلوا شبههم، وأعادوا الحق إلى نصابه على طريق سلف هذه الأمة ومنهجهم، والإمام أبو الحسن الأشعري لم يؤسس في الإسلام مذهباً جديداً في العقيدة، يخالف مذهب سلف هذه الأمة، وإنما هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنّة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم، وإبطال شبههم، فوجد فيه أهل السنّة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم.
كما أن عظماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة، كالباقلاني، والقشيري، وأبي إسحاق الشيرازي، وأبي محمد الجويني، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وفخر الدين الرازي، وابن عساكر، والعز بن عبد السلام، وأبناء الأثير، والرافعي، والنووي، والسبكي وابن السبكي، والمزي، والعراقي، وابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيتمي-، والسيوطي، والأنصاري، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس، ويضيق بعده القرطاس، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا، ومن تجأهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين، و(الأشاعرة ): لم يبتدعوا مذهباً، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان، وفي فضل الأشاعرة قال الحافظ ابن عساكر: (وهم – يعني الأشاعرة – المتمسكون بالكتاب والسنة، التاركون للأسباب الجالبة للفتنة، الصابرون على دينهم عند الابتلاء والمحنة، الظاهرون على عدوهم مع اطراح الانتصار والإحنة، لا يتركون التمسك بالقرآن والحجج الأثرية، ولا يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة ويتنكبون طرق المعطلة، ويَطَّرِحون تفريط المجسمة المشبهة، ويفضحون بالبراهين عقائد الفرق المموهة، وينكرون مذاهب الجهمية وينفرون عن الكرامية والسالمية، ويبطلون مقـالات القدرية ويرذلون شُبَهَ الجبرية… فمذهبهم أوسط المذاهب، ومشربهم أعذب المشارب، ومنصبهم أكرم المناصب، ورتبتهم أعظم المراتب فلا يؤثر فيهم قدح قـادح، ولا يظهر فيهم جرح جارح) اهـ. ([18]).
[ المفتاح السابع]: الأشاعرة مدرسة أصولية متكاملة: فمن فضل الله تعالى على أمة الإسلام، أن سخّر للأمة أعلام الأشاعرة علماء العقيدة الذين أنقذ الله تعالى بهم الأمة من التجسيم والحشو والاعتزال، صاغوا المنهج الحق، القائم على الكتاب والسنّة، بما يمثل منهج الإسلام الصافي النقي في علم العقيدة بعيداً عن بدع الخروج والتشيع، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة، في باب الإيمان والكفر، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد، وباب السنّة والبدعة، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات، بما لا مزيد عليه، توسطاً واعتدالاً و، وصحة وبياناً، وكان منهاج هؤلاء يقوم على محاور: أهمها: الأول: دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة، والمحور الثاني: الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة، الثالث: قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم، وقائمة أسمائهم طويلة.
وقد عقد الحافظ ابن عساكر في كتابه: « تبيين كذب المفتري » باباً أسماه ” باب ذكر جماعة من أعيان مشاهير أصحابه إذا كان فضل المقتدي يدل على فضل المقتدي به ” وقد قسّم المقتفين أثره على خمس طبقات ذكر فيهم العديد من العلماء، وبعد الحافظ ابن عساكر ظهر العديد من علماء الأصول المنتمين إلى المذهب الأشعري، ومن أبرز هؤلاء الأئمة – على مر عصور الإسلام -: أبو بكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، و أبو منصور عبد القاهر البغدادي (ت ٤٢٩ هـ)، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ)، وحجة الإسلام الإمام الغزالي (ت ٥٠٥ هـ)، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (ت ٥٤٨ هـ)، وأبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)، وأبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي (ت ٦٣١ هـ)، والقاضي عبد الرحمن بن أحمد عضد الدين الإيجي (ت ٧٥٦ هـ)، ومسعود بن عمر بن عبد الله المعروف بسعد الدين التفتازاني (ت ٧٩١ هـ)، والسيد علي بن محمد بن علي الحسيني المعروف بالسيد الشريف شارح « المواقف » (ت ٨١٦ هـ)، وعلاء الدين علي بن محمد السمرقندي المعروف بالقوشجي (ت ٨٧٩ هـ)، والإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي (ت 895 هـ)، صاحب الرسائل المهمة في العقيدة، العقيدة الكبرى، مع شرحها، والعقيدة الوسطى، وشرحها والعقيدة الصغرى (أم البراهين)، وشرحها، وعقيدة صغرى الصّغرى، والإمام إبراهيم اللقاني المالكي (ت 1041 ه)، مؤلف متن جوهرة التوحيد، أحد أهم متون علم العقيدة والكلام عند أهل السنّة والجماعة من الأشاعرة، والإمام شيخ الأزهر الشيخ إبراهيم بن محمد بن أحمد الشافعي الباجوري (ت 1276 هـ) أحد أبرز شّراح جوهرة التوحيد، فهؤلاء هم من أبرز أئمّة الأشاعرة الذين كان لهم دور بارز في إظهار عقائد أهل السنّة والجماعة على مذهب الأشاعرة.
[المفتاح الثامن]: ترجمة الإمام أبى الحسن الأشعري: هو الإمام المجدد ناصر أهل السنّة والجماعة وقامع المبتدعة من معتزلة ومجسمة وحشوية، وخوارج وشيعة، ومرجئة، وقدرية، وجهمية جبرية وغيرهم، علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ـ رضي الله عنه، شيخ طريقة أهل السنّة والجماعة وإمام المتكلمين على مذهب أهل الحق، ولد رحمه الله سنة ستين ومئتين، وتبع أول أمره مذهب الجبّائي المعتزلي، واستمر على الاعتزال أربعين سنة أو قريبا من ذلك، وبرع فيه وعرف جميع مداخله ومخارجه وجوانب الخطأ فيه، وعرف مذهب المجسمة وأسبابه وأسراره ومخاطره، اختاره الله تعالى لنصرة دينه، وهيأ له أسباب ذلك فخـرج إلى الجامع وصعد المنبر وصاح بأعلى صوته: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله تعالى لا يرى في الآخرة بالأبصار، وأن العباد يخلقون أفعالهم، وها أنا تائب من الاعتزال معتقد الرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم، وقد قام على تقرير مذهب أهل السنّة والجماعة خير قيام، فضبط مسائل الإيمان عدلاً وسطاً بين الخوارج والمعتزلة والتكفيريين من جهة الإفراط، وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط، وضبط مسائل الذات والأسماء والصفات والأفعال عدلاً وسطاً بين المعطلة والمعتزلة من جهة التفريط والمجسمة والمشبهة والحشوية من جهة الإفراط، وضبط مسائل الآل والأصحاب عدلاً وسطاً بين الشيعة والنواصب والخوارج وسائر فرق أهل القبلة، وجاهد في اقرار مذهب أهل السنّة ومحاربة البدع وكشف عوارها.
حتى قال العلماء: إن أهل البدع قبل الإمام أبي الحسن قد رفعوا رؤوسهم فلما ظهر عليهم رحمه الله حجزهم في أقماع السمسم، وقد أخذ عنه رحمه الله خلق كثير من أعلام الأمة ممن تتزين بذكرهم المنابر، وتتعطر بسيرهم الدفاتر وكلهم خلّف تلامذة هم إلى اليوم أعلام الدنيا ونجوم الهدى، وعلى الجملة فقد انتهض لنصرة مذهبه أهل السنّة والجماعة في جميع الأرض، وبلغ مذهبه ما بلغ الليل والنهار، لِمَا كان عليه من اقتفاءٍ لآثار السلف رضوان الله عليهم، ورفعٍ للواء السنة، ترك من المؤلفات شيئا كثيرا، قيل إنه بلغت مؤلفاته أكثر من مئتين كتاب، توفي رحمه الله تعالى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وكل أهل السنّة باكون عليه، متوجعون لفقده، ودفن في بغداد ونودي على جنازته: اليوم مات ناصر السنة،([19]) .
[المفتاح التاسع]: ثناء العلماء على الإمام الاشعري: قال الحافظ أبو بكر البيهقي: (.. إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله فلم يحدث في دين الله حَدَثاً، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصرها بزيادة شرح وتبيين، وأن ما قالوا وجاء به الشرع في الأصول صحيح في العقول، بخلاف ما زعم أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء، فكان في بيانه تقوية ما لم يدلَّ عليه من أهل السنّة والجماعة، ونصرة أقاويل من مضى من الأئمة كأبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، ومالك والشافعي من أهل الحرمين، ومن نحا نحوهما من الحجاز وغيرها من سائر البلاد، وكأحمد بن حنبل وغيره من أهل الحديث، والليث بن سعد وغيره وأبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري إمامي أهل الآثار وحفاظ السنن التي عليها مدار الشرع رضي الله عنهم أجمعين) اهـ. ([20]).
وقال أبو بكر البغدادي: (أبو الحسن المتكلم، صاحب الكتب والتصانيف في الرد على المٌلحِدة وغيرهم من المعتزلة والجَهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة.. حدثني محمد بن علي الصوري، قال: سمعت عبد الغني بن سعيد الحافظ يقول: سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن يزيد يقول: سمعت أبا بكر الصيرفي يقول: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم) أهــ([21]).
وقال الحافظ ابن عساكر: (.. ولسنا نُسَلِّم أن أبا الحسن اخترع مذهباً خامساً، وإنما أقام من مذاهب أهل السنّة ما صار عند المبتدعة دارساً، وأوضح من أقوال من تقدمه من الأربعة وغيرهم ما غدا ملتبساً، وجدد من معالم الشريعة ما أصبح بتكذيب من اعتدى منطمساً، ولسنا ننتسب بمذهبنا في التوحيد إليه على معنى أنا نقلده فيه ونعتمد عليه، ولكنا نوافقه على ما صار إليه من التوحيد لقيام الأدلة على صحته لا لمجرد التقليد، وإنما ينتسب منا من انتسب إلى مذهبه ليتميز عن المبتدعة الذين لا يقولون به من أصناف المعتزلة والجهمية والكرامية والمشبهة والسالمية، وغيرهم من سائر طوائف المبتدعة وأصحاب المقالات الفاسدة المخترعة، لأن الأشعري هو الذي انتدب للرد عليهم حتى قمعهم وأظهر لمن لا يعرف البدع بدعهم، ولسنا نرى الأئمة الأربعة الذين عنيتم في أصول الدين مختلفين، بل نراهم في القول بتوحيد الله وتنزيهه في ذاته مؤتلفين، وعلى نفي التشبيه عن القديم سبحانه وتعالى مجتمعين، والأشعري – رحمه الله – في الأصول على منهاجهم أجمعين، فما على من انتسب إليه على هذا الوجه جناح، ولا يرجى لمن تبرأ من عقيدته الصحيحة فلاح، فإن عددتم القول بالتنزيه وترك التشبيه تمشعراً فالموحدون بأسرهم أشعرية، ولا يضر عصابة انتمت إلى موحد مجردُ التشنيع عليها بما هي منه بَرِيِّة) اهـ. ([22]).
وقال الإمام تاج الدين السبكي: (اعلم أن أبا الحسن لم يبدع رأياً ولم ينشئ مذهباً، وإنما هو مقرر لمذاهب السلف، مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله ‘، فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقاً وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعرياً… وقد ذكر شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام أن عقيدته – يعني الأشعري – اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصيري) اهـ. ([23]).
وقال الإمام المرتضى الزبيدي: (وليعلم أنّ كلاًّ من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور – رضي الله عنهما – وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، وناظَرَ كلٌّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين) ([24]).
[المفتاح العاشر]: فضل الأشاعرة والماتريدية في صيانة عقائد أهل السنّة: الأشاعرة والماتريدية: هم المتخصصون في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة، وهم الذين وقفوا في وجه المعتزلة والمجسمة، فزيفوا أقوالهم، وأبطلوا شبههم، وأعادوا الحق إلى نصابه على طريق سلف هذه الأمة ومنهجهم، والإمام أبو الحسن الأشعري لم يؤسس في الإسلام مذهباً جديداً في العقيدة، يخالف مذهب سلف هذه الأمة، وقد وجد فيه أهل السنّة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم، كما أن عظماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة، كالباقلاني، والقشيري، وأبي إسحاق الشيرازي، وأبي محمد الجويني، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وفخر الدين الرازي، وابن عساكر، والعز بن عبد السلام، وأبناء الأثير، والرافعي، والنووي، والسبكي وابن السبكي، والمزي، والعراقي، وابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيتمي-، والسيوطي، والأنصاري، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس، ويضيق بعده القرطاس، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا، ومن تجأهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين، والأشاعرة لم يبتدعوا مذهباً، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان.
[المفتاح الحادي عشر]: الطائفة السنية (الأشاعرة والماتريدية) امتداد للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة: إن مذهب الأشاعرة والماتريدية في المتشابه: يقوم على ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة، وبين الجهمية والمعتزلة، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على: التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والتجسيم ولوازمها، وعن النقص والعجز والعيب ولوازمها، وأما التصديق: فهو الإيمان بما قاله الله تعالى، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء في الكتاب والسنّة من المتشابه حق وصدق، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه وعدم الخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، ثم لما كان الوقف – في الآية – محتملاً على لفظ الجلالة (الله) أو على قوله تعالى (والراسخون في العلم)، ولا سبيل للجزم بأيهما لأنه اجتهاد، اتسع إطار أهل السنّة والجماعة – لحكمة من الله تعالى ورحمة – ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنّة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية (لغة القرآن) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله، لا ينكر فضل (الأثرية والأشاعرة والماتريدية) على مر عصور الإسلام إلا جاحد او جاهل: الأثرية هم امتداد السلف الصالح، وهم أتباع الإمام أحمد إمام أهل السنّة في زمانه، والأشاعرة هم الذين وقفوا في وجه المعتزلة، فزيفوا أقوالهم، وأبطلوا شبههم، وأعادوا الحق إلى نصابه على طريق سلف هذه الأمة ومنهجهم، والإمام أبو الحسن الأشعري هداه الله تعالى لالتزام مذهب أهل السنّة بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم، وإبطال شبههم، فوجد فيه أهل السنّة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم، كما أن عظماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة، قال الإمام المرتضى الزبيدي: ” وليعلم أنّ كلاًّ من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور – رضي الله عنهما – وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله ‘… وناظَرَ كلٌّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين) اهـ. ([25]).
[ المفتاح الثاني عشر]: الحشوية (المتمسلفة) لا يعبرون عن أهل السنّة والجماعة لا في باب الإيمان ولا في أي باب من أبواب العقيدة: (السلفية المعاصرة): فريقان، (الفريق الأول): أثري على العين والرأس ينتمي إلى المدرسة الأثرية التي تعلم من قواعد التقديس ما تفوض به علم المتشابه إلى الله وهي على وفاق مع بقية مدارس التخصص، و (الفريق الثاني): أهل حشو وتجسيم، ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا من أهل السنّة والجماعة، وإنما هم يدخلون ضمن إطار فرقة ضالة من فرق الضلال التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، آلا وهي الحشوية وإن تدثروا بلباس السلف، وإن زعموا الانتساب إلى أهل السنّة والجماعة، واما النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام إنما هي للأثرية.
أما: (الحشوية) انتسبت زورا إلى الحنابلة والحنابلة الأثرية منهم برآء، وإلى مذهب السلف والسلف الصالح منهم برآء، والحشوية الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث الموضوعة والضعيفة المسرفة في التجسيم من غير نقد، ثم أخذوا بظاهر لفظها، ثم تحزبوا عليها، وامتحنوا الناس على أساسها، والفرق بينهم وبين المجسمة، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم، أمّا الحشوية، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم بقولهم ” بلا كيف “، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف (زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء)، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه.
وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، ويوردون بينهم الخلاف في جناب الذات وكأنهم يتكلمون على مسائل الفقه، فنجد ابن تيمية على سبيل المثال يورد اختلاف سلفه هل إذا نزل الإله من العرش هل يخلو منه العرش ام لا يخلوا على ثلاثة اقوال، يرجح بينهاـ ولها منشؤها من بدعة التجسيم، وهل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، وقد ذكرت من حالهم في الكتاب الاول: مفاتيح علم التقديس، ما يغني عن الإعادة هنا، والله المستعان وهو يهدي السبيل.
الخاتمة وأهم التوصيات
[1] علم الإيمان وفقه مسائله وأحكامه على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة المحققين من أهم العلوم التي ادى غياب مفاتيحها الصحيحة إلى الخلل الفكري والعقدي بين فرق المسلمين، وهو علم بالغ الأهمية للقضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين.
[2] من الفقه في هذا العلم التفريق بين إيمانين، الأول: (الإيمان المطلق)، وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً من غير عذاب، و الإيمان الثاني (مطلق الإيمان) وهو أدنى ما يصح به الإيمان وينجي فقط من الخلود الأبدي في النار، وهذا الإيمان هو: أصل الإيمان الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه، وهو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، وهو الذي يأخذ المرء به اسم الإيمان وحكمه، ومن خلاله يتم ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً.
[3] من الفقه في هذا العلم: تقسيم الإيمان إلى أصل وفرع، وأصل الإيمان هو أقل ما يصح به الإيمان وفرع الإيمان يدخل فيه كافة شعب الإيمان وكافة شرائع الدين، ثم تقسيم فرع الإيمان إلى فرع واجب يتناول أداء الواجبات والكف عن المحرمات وهو ما يسمى (الإيمان الواجب) وفرع مستحب يتناول ما زاد على الواجب من السنن والمندوبات، وهو ما يسمى (الإيمان المستحب ومنزلة الإحسان)، ومعرفـة وتحديد أدنى الإيمـان (أصل الإيمان) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه، وهو الذي يأخذ المرء به اسم الإيمان وحكمه، ومن خلاله يتم ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً.
[4] أقسام الإيمان ثلاثة: (الأصل) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه، و(الواجب) الذي أوجبه الله تعالى على عباده، و(المستحب) الذي به كمال الإيمان، القسم الأول: وهو أصل الإيمان ومطلق الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار، والقسم الثاني: وهو الإيمان الواجب المأمور به، وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها، وهذا الإيمان يسميه العلماء ” الإيمان الواجب ” وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها، والقسم الثالث: وهو الإيمان المستحب ويكون بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل.
[5] ضد أصل الإيمان: الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومن أتى بأصل الإيمان وصح له هذا الأصل فهو في مأمن من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وضد الإيمان الواجب الكفر ولكن في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرب المتروك منه أو بعده عن الإيمان الأصل، فالأقرب للإيمان الأصل كالصلاة فإن تركها تكاسلا كفر ولكن دون كفر، وما كان بعيدا عن الأصل فإن ضده العصيان، فإن تكرر كان ضده الفسوق.
[6] الإيمان قول وعمل: قـول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح: هناك عناصر أربعة تدخل جميعا في مسمى الإيمان الشرعي الذي جاء به كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه العناصر هي: الأول (قـول القلب): ويشمل معرفة القلب بالشهادتين وعلمه بهما وتصديقه إياهما، والثاني (عمل القلب): ويشمل كافة أعمال القلوب من الانقياد والخضوع والمحبة والخشية والإخلاص وغيرها من أعمال القلب، والثالث: (قول اللسان): ويدخل فيه الإقرار بالشهادتين وتـلاوة القـرآن وذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من عبارات اللسان، والرابع (عمل الجوارح): ويدخل فيه كافة أعمال الجوارح من أداء الفـرائض والمندوبات والكف عن المحرمات والمكروهات، ولكل عنصر من تلك العناصر الأربعة أدلته من كتاب الله وسنة نبيه.
[7] المعرفة الصحيحة لعناصر أصل الإيمان والإحاطة بأحكام هذا الأصل من أهم وأدق الفقه في مسائل الإيمان، وهي من أهم الفقه في باب أسماء الملة وأحكامها، وذلك لأن صاحب أصل الإيمان له في الدنيا اسم الإسلام وحكمه ولا يخلد في الآخرة في النار خلود الجاحدين، ولأنه الحد الفاصل بين الإيمان والكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، فمن أتى به وحافظ عليه فلم ينقضه بناقض كانت له أحكام الإيمان الدنيوية والأخروية، بمعنى أنه: سيكون له اسم الإيمان وحكمه فيعامل معاملة المسلمين في الدنيا فيأخذ أحكامهم بأن تحل لزوجته المسلمة البقاء معه ويحل لأولاده المسلمين أن يبقوا تحت سلطانه، وإذا مات يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين ويورث ماله، وتجوز عليه الرحمة والمغفرة، وينجو من الوصف بالكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار وينجو من أحكامه الدنيوية، فلا يحل دمه ردة وإن كان قد يحل حداً وعقوبة، وإذا مات يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين وتجوز عليه الرحمة التي تعم كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها بقلبه تصديقاً وانقياداً.
[8] أصل الإيمان محله القلب وهو قول وعمل ولا يصح أصل الإيمان الذي وقر في القلب حتى يظهر أثره على جارحة اللسان بالإقرار، وعناصر الأصل ثلاثة لا رابع لها، هي: إقرار اللسان، وقول القلب (التصديق)، وعمل القلب (الانقياد)، ولا يمكن أن يستغني الأصل عن أحد تلك العناصر الثلاث، لأنه إذا انتفى إقرار اللسان لم نعلم بإيمان المرء، وهذا هو كفر الجحود، وإذا انتفى قول القلب (التصديق) حل محله كفر التكذيب، أو الشك، أو النفاق، وإذا انتفى عمل القلب (الانقياد) حل محله كفر الاستكبار والإباء، وهو كفر ابليس الرجيم، أما عمل الجارحة فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان.
[9] عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا رابع لها، هي: إقرار اللسان، وقول القلب (التصديق)، وعمل القلب (الانقياد)، ولا يمكن أن يستغني الأصل عن أحد تلك العناصر الثلاث، أما عمل الجارحة فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الفرع فإن كان واجبا دخل في الفرع الواجب وإن كان مستحبا دخل في الفرع المستحب، وصاحب الإيمان الأصل وإن كان له اسم الإيمان وحكمه إلا إنه إن وقف على هذا الحد لا يزيد عليه ولا يتعداه إلى شعب الإيمان الواجب فهو في حقيقة أمره على شفا حفرة من الهلاك وعلى شفا جرف هار من الكفر، لأن الإيمان يزيد وينقص، وهذا الواقف على أصل الإيمان لا يتعداه بالزيادة إن نقص إيمانه دخل في الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، أما هذا الواقف على أصل الإيمان لا يتعداه فإنه إن مات عليه فهو من أهل الوعيد بالنار، بل دلت الأحاديث الصحيحة على أنه يدخل النار، ولا تنفعه شفاعة المؤمنين ولا شفاعة الملائكة ولا شفاعة النبيين، بل ولا شفاعة خير المرسلين صلى الله عليه وسلم، حتى تناله شفاعة الرحمن فيخرج مع أصحاب القبضة لما أتى به من أصل الإيمان.
[10] من فقه مسائل وأحكام الإيمان الكامل: أن نعلم أنّ الإيمان الكامل قسمان: (الأول): وهو الإيمان الكامل الكمال المأمور به وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها، وهذا الإيمان يسميه العلماء ” الإيمان الواجب ” وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها، و(الثاني): وهو الإيمان الكامل الكمال المستحب وهو بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل، والإيمان الكامل هو الإيمان المقصود بالثناء المطلق كما في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 47] وقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72].
[11] فقـه مسائل الإيمان الواجب والمستحب: من فقـه مسائل الإيمان الواجب: أن نعلم أنّ الإيمان إذا أطلق في نصوص الشرع (الكتاب والسنّة) فإن أدنى ما يتناوله هو الإيمان الواجب الذي أوجبه الله على عباده، وإذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به نفي الإيمان الواجب، ومن نفى عنه الشرع الإيمان الواجب لم يخرج من الإيمان إلى الكفر ولكن من الإيمان إلى الإسلام، وحدود هذه المرتبـة تتمثـل في: القيام بالفرائض والواجبات، والكف عن الكبائر والمحرمات، والوقوف عند حدود الله تعالى في الأمر والنهي والحظر والإباحه،
[12] من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ الإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان.
[13] من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر، ف (الكفر الأكبر): هو الكفر المناقض لأصل الإيمان (الإقرار والتصديق والانقياد)، ولهذا كان ستة أنواع منها ما يضاد الإقرار ومنها ما يضاد التصديق ومنها ما يضاد الانقياد: فكفر التكذيب يضاد الإقرار والتصديق، وكفر الجحود يضاد الإقرار، وكفر العناد ومنه الاستكبار والإباء يضاد الانقياد، وكفر الشك يضاد التصديق، وكفر النفاق يضاد التصديق، وكفر الإعراض يضاد الإقرار والتصديق، وكل ما يناقض أصل الإيمان فهو كفر أكبر مخرج من الملة ومآله إلى أحد أنواع هذه الستة الذي ذكرها العلماء في أنواع الكفر الأكبر، والكفر الأكبر: يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما (الكفر دون الكفر الأكبر): وهو ما يسميه بعض العلماء بالكفر داخل إطار الملة أو بالكفر الأصغر، وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان، ولهذا كانت خطورته في أنه يفتح طريقاً عريضاً نحو الكفر الأكبر ويخشى على صاحبه بسوء الخاتمة، وذلك لأن الإيمان من شأنه الزيادة والنقصان، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
[14] من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ الكفر الأكبر: كفر اعتقاد وجحود، والكفر دون كفر: كفر عمل مجرد عن الاعتقاد: هذه القاعدة: قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله.
[15] من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة [الإقرار – التصديق – الانقياد]، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة، فما كان ضد الإقرار فهو كفر أكبر.
[16] من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ الأعمال الكفرية كإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب، يقول القاضي عياض: (وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل، كالسجود للصنم والشمس والقمر والصليب والنار، والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس، فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام) أهـ.
[17] من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط: وهذه أيضاً قاعدة رصينة قال بها علماء أهل السنّة والجماعة الراسخون في العلم والفقه، فإنّ المأمور به إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة.
[18] من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ كفر تارك الحكم بما أنزل الله، كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المنقاد بقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، وتفريطه في عمل الجارحة فقط، وقوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، من أقر بلسانه واعتقد بقلبه وجوب الحكم بما أنزل الله، فقد حكم بقبله بما أنزل الله، ولم يترك حكم الله بالكلية فلا ينطبق عليه الكفر الأكبر، وإنما هو كفر عملي لا يخرج من الملة، ومن جحد حكم الله بقلبه، فقد كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة، ولذلك اتفقت كلمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم على التفصيل في المسألة.
[19] من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه، ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب {جحد الصلاة}، وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة، و كل ما قيل في مسألة (ترك الحكم بما أنزل الله) من التفريق بين التارك الجاحد والتارك المقر، وجعل الأول من الكفر الأكبر المخرج من الملة، والثاني من الكفر العملي الذي هو دون الكفر الأكبر يصح حمله على تارك الصلاة، بل هو في مسألة (تارك الصلاة) أظهر وأولى، وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني والنووي في المجموع والشوكاني في نيل الأوطار .
[20] من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ كفر تولي الكافرين كفر أكبر للموالي على أساس الدين، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وكانت الموالاة على أساس الدنيا والعقد والاعتقاد سليمين: إنّ شرع الإسلام شرع محكم يوافق بعضه بعضاً {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] ومن توافق هذا الشرع المحكم هو ما اتفق عليه الأئمة المحققون من علماء أهل السنّة والجماعة أنّ أصل الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه هو الإقرار والاعتقاد، وأنّ عمل الجوارح خارج عن أصل الإيمان الفاصل بين الإيمان الأصل والكفر الأكبر داخل في الإيمان الواجب الفاصل بين الإيمان الواجب والكفر في إطار الملة . وعلى ذلك فمن أتى بالإقرار والاعتقاد للشرع وأحكامه ولم ينقضهما بناقض متعلق بهما فقد سلم عقده وقلبه وهو في منجى من الخلود الأبدي في النار مهما قصّر بـه عمله، ومن أقر بالشرع واعتقده ثم قصّر به عمله فقد أخلّ بالإيمان الواجب الذي ضده الكفر في إطار الملة فلا يحكم بردته لأنه قد أتى بحسنة الاعتقاد والإقرار . ومع تطبيق هذه القاعدة الحكيمة التي حبا الله عز وجل بها فقهاء أهل السنّة والجماعة في مسألة الموالاة والمعاداة نعلم يقيناً أنّ مناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة هو الموالاة الباطنة للكافرين على دينهم، أمّا من وقع في موالاة ظاهرة وقلبه سليم وعقده سليم ولم يوال على الكفر ولا لأجله وإنما لحاجة أو شهوة أو هوى فاسد فهو كافر ولكنـه في إطـار الملـة، لاشك أنّ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين هو من أوجب الفرائض وأعظم الواجبات، وأنّ المفرّط فيهما على خطر عظيم من دينه نسأل الله السلامة . ومع ذلك فالمفرّط فيهما مثله تماماً مثل تارك الحكم بما أنزل الله وتارك الصلاة وتسري عليه قواعد الشريعة الضابطة للمسألتين اللتين سبقتاه، وينطبق عليه الضابط الذي أجراه الله تعالى على لسان الحبر البحر عبد الله بن عباس من التفريق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة، وهو الضابط الذي وضحناه وأصلناه في القواعد السابقة . فموالاة الكفّار ليست كفراً بإطلاقها وإنما لها مناطـات إذا توافـرت كـان الكفر الأكبر وإذا لم تتوفر كان الكفر في إطار الملة .
[21] من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (قاعدة: مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر) ودليل ذلك ما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)) صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال (لا إله إلا الله) إلاّ تقية وهرباً من القتل، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلما.
[22] من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (قاعدة: من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد، ودليل ذلك ما جاء في حديث الشفاعة، وفيه: ((ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله))
[23] من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (قاعدة: وجوب الاحتياط عند الحكـم علي أي مسلم بالكفر الاكبر، ووجوب ترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه)، إذ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله، فكذلك التكفير، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه))
[24] من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره)، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره: هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة، ولكنها تحتمل الكفر وغيره، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها.
[25] من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (الأعذار الشرعية التي تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر، كثيرة منها: العذر بالجهل، والعذر بالخطأ، والعذر بالتأويل، والعذر بالإكراه، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول، لقوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن)) والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه، فهذا يأثم ويعّذر، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف.
[26] من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (قاعدة: المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة)، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير، قال تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون، وتقوم عليهم الحجة بذلك، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في: (الضابط الأول): الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث، جهة صفة الحُجة، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة، و (الضابط الثاني): لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه، و (الضابط الثالث): فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير: وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم.
[27] من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (قاعدة: لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم)، فلا يجوز تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين: إذ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فلا يكفي فيه الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق ((كلها في النار إلا واحدة)) أن نحكم عليها بأنها في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة.
[28] مجمل قواعد الإيمان التي أصلها السادة علماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة الناجية: (1) الإيمان قول وعمل، (2) الإيمان أصل وفرع وأصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل، (3) أصل الإيمان هو أدنى ما يصح به الإيمان وهو مطلق الإيمان، وهو إيمان أصحاب قبضة الرحمن وأصحاب شفاعة الرحمن التي لا تنبغي إلاّ للرحمن، (4) أصل الإيمان هو أقل ما يعطي لصاحبه اسم الإيمان وحكمه، وليس هو اسم الثناء بالإيمان وإنما هو اسم الإيمان الذي تجرى به أحكام الإسلام، (5) ليس بعد أصل الإيمان سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، (6) أصل الإيمان لا يمنع من دخول النار ولكنه يمنع من الخلود الأبدي فيها خلود الجاحدين المكذبين، (7) أصل الإيمان محله القلب ويشمل قول القلب وعمله وله لازم لابد وأن يظهر على جارحة اللسان وهو الإقرار، (8) عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا غنى عن أحدها:ا لأول: قول اللسان (الإقرار)، والثاني: قول القلب (المعرفة والعلم والتصديق)، والثالث: عمل القلب (الانقياد والإذعان)، (9) أعمال الجوارح كلها خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرعه الواجب والمستحب، (10) ضد أصل الإيمان أو أحد عناصره الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وكل كفر كان ضداً للإيمان الفرع فهو كفر في إطار الملة وليس خارجها، (11) فرع الإيمان هو ما يسميه العلماء (الإيمان المطلق) أو (الإيمان الكامل) وهو الأشهر عندهم، (12) الإيمان الكامل قسمان: الأول: الكامل الكمال المأمور به وهو الإيمان الواجب، الثاني: الكامل الكمال المندوب إليه وهو الإيمان الكامل المستحب، (13) الإيمان الواجب يكون بأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات إضافة إلى وجود الأصل، (14) الإيمان المنفي في نصوص الشرع (الكتاب والسنّة) المقصود منه نفي الإيمان الواجب وليس نفي أصل الإيمان، (15) الإيمان الكامل المستحب يكون إضافة إلى وجود أصل الإيمان وواجبه التحلي بالمندوبات والقربات والتنـزه من المكروهات والشبهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح بمسنون الطاعات، (16) الإيمــان ثــلاث مراتـب: أعلاها مرتبة الإحسان: – وهي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله، المؤدي لكافة شرائع الإيمان فرضاً ونفلاً (فعلاً وتركاً) وهي مرتبة أصحاب الدرجات العُلا في جنـة الخلد . ويليها مرتبة الإيمان: – (الإيمان الواجب وهي مرتبة المقتصد) المؤدي للفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات، وأقلها مرتبة الإسلام: (مرتبة الظالم لنفسه) وهو المؤدي للأركان الخمسة وأهمها الصلاة ولكنه مقصّر في أداء بعض الفرائض والواجبات والواقع على بعض الكبائر والمحرمات، وصاحب هذه المرتبة إلى المشيئة إن شاء الله عز وجل غفر له وإن شاء عذبه حتى يخرج من النار بشفاعة المؤمنين والملائكة والنبيين.
[29] مجمل قواعد التكفير التي أصلها السادة علماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة الناجية: (القاعدة الأولى): الكفر الأكبر كفر اعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه زوال الاعتقاد بـزوال قـول القلب (تصديقه) أو بزوال عمله (انقياده)، و(القاعدة الثانية): الكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان أو أحد عناصره، والكفر دون كفر ضد للإيمان الواجب، و(القاعدة الثالثة): الأعمال الكفرية كالسجود للأصنام والاستهزاء بالدين وسب الأنبياء وإهانة المصاحف وما شاكلها كفر عملي فيما يظهر للناس ولكنها في الحقيقة كفر اعتقاد ناشئ عن غياب عمل القلب من الانقياد والتعظيم، (القاعدة الرابعة): التولي عن الطاعة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب وهو كفر في إطار الملة إذا صحّ العقد والاعتقاد واقتصر التولي على كفر الجارحة، (القاعدة الخامسة): تارك الحكم بما أنزل الله كفر أكبر للجاحد لحكم الله، وللمستحل بالحكم بغير ما أنزل الله، الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وهو كفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المعتقد لحكم الله تعالى، وكان تفريطه في عمل الجارحة فقط، (القاعدة السادسة): تارك الصلاة كافر، وهو كفر أكبر للجاحد لفرضية الصلاة، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المعتقد لها، واقتصر تفريطه في عمل الجارحة فقط تكاسلا، و (القاعدة السابعة): من تولى الكافرين على المسلمين كفر، وكفره أكبر لمن تولاهم على دينهم، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المعتقد لوجوب موالاة المسلمين على الكافرين، وكانت موالاتهم على غير دينهم ومعتقدهم.
[30] من أهم قواعد الشريعة العامة الضابطة لباب الإيمان والكفر، والتي أصلها السادة علماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة الناجية: (القاعدة الأولى): مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر، (القاعدة الثانية): من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد، (القاعدة الثالثة): بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة، كل من لم يشهد بالشهادتين فهو كافر، فإن كان لم يسمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر جاهل، وإن كان سمع به ولم يؤمن برسالته فهو كافر معانـد، (القاعدة الرابعة): عـدم مؤاخـذة الكافريـن على كفرهـم قبـل بلـوغ النـذارة إليهـم، (القاعدة الخامسة): خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه، (القاعدة السادسة): العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر، (القاعدة السابعة): العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر، (القاعدة الثامنة): المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة، (القاعدة التاسعة): وجــوب التفريــق بيــن التكفيــر المطلــق وتكفيــر المعيـن، (القاعدة العاشرة): لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره، (القاعدة الحادية عشر): اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمــان القوليــة والعمليــة، (القاعدة الثانية عشر): لا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه، (القاعدة الثالثة عشر): قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر (الكفر دون كفر) أو الشرك (الشرك الأصغر) أو النفـاق (النفاق العملي) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه، (القاعدة الرابعة عشر): لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة عن منهاج أهل السنّة والجماعة بإطلاق، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم.
[31] خلاف السادة الأحناف والماتريدية في بعض مسائل الإيمان والكفر للسادة الأثرية والأشعرية خلاف نظري محض وصوري بحت لا حقيقة له، وجميعهم على الحق، والجميع يقولون ويصرحون في كتبهم أنّ أصل الإيمان (حدّه الأدنى) يتناول قول القلب وعمله مع إقرار اللسان، المذهب واحد في الأصل المنجي من الكفر الاكبر الموجب للخلود الابدي في النار، والمذهب واحد في الأصل الذي يمنح المسلم أسم الإيمان وحكمه، أمّا الإيمان الفرع فقد تكلم فيه الأشاعرة والأثرية، ولهذا قالوا بزيادة الإيمان ونقصانه، أما الأحناف والماتريدية فهم تكلموا فقط على أصل الإيمان، وقالوا أنه بمثابة النصاب محدد لا يقبل زيادة ولا نقصان، وهذا صحيح، لأنه لو زاد لم تتناول الزيادة الأصل وإنما الإيمان الواجب، ولو نقص زال اصل الإيمان وحل محله الكفر الاكبر، (إذن) الأحناف عندما قالوا عن الإيمان وأهله في أصله سواء، قصدوا أصل الإيمان، لأنه لا يقبل التفاوت بمعنى: إن نقص دخل صاحبه في الكفر الأكبر، وإن زاد دخل في مرتبة أخرى هي الإيمان الواجب، ومثال ذلك ” النصاب ” فكما أنّ نصاب الذهب في حق الأغنياء بالذهب واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتغير من شخص لآخر، وإن تفاوتوا في الغنى بالذهب وتقدير الزكاة وفق ثروة كل منهم، فكذلك يقول الأحناف: إن الإيمان الذي هو نصاب التصديق والانقياد لا يزيد ولا ينقص، وفي إطار هذا المثال أن نفهم القصد من عبـارة الأحناف والماتريدية: (وأهله في أصله سواء) أي في الحد الأدنى الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه وهذا لابد وأن يوجد عند كل مسلم سواءً أكان ملكاً مقرباً أو مؤمناً عاصياً لأن لكليهما اسم الإيمان وحكمه وقد اكتسبه بسبب ما عنده من أصل الإيمان ونصابه الأدنى الذي يصح به اسم الإيمان . ومع فهم المثال السابق نعلم أنّ الأحناف لا ينفون تفاوت الناس في درجات الإيمان ولا ينفون زيادة الإيمان ونقصانه بالنسبة للأشخاص وهم يقولون ويصرحون أنّ المؤمنين متفاوتون في ثمرات الإيمان ونتائجه ومتعلقاته، وإنما نفيهم للزيادة والنقصان إنما هو في مرتبة محفوظة مقصودة هي مرتبة الأصل الذي توقف عليه النجاة من الخلود الأبدي في النار والذي ليس بعده إلاّ الكفر الأكبر.
[32] أسس يمكن أن تُزيل الخلاف في مسائل الإيمان بين كافة طوائف أهل السنّة والجماعة: (الأساس الأول): حمل قول من قال من أهل السنّة والجماعة أنّ الإيمان هو التصديق على تصديق اللسان وتصديق القلب الإذعاني المستلزم لانقياده . وحمل من قال أنّ الإيمان إقرار وتصديق على إقرار اللسان وتصديق القلب المستلزم لانقياده . (الأساس الثاني): حمل كلام الأحناف على أصل الإيمان وليس مسماه يتفق الجميع في كون أصل الإيمان قول وعمل (قول القلب واللسان وعمل القلب) وتكون أعمال الجوارح خارجه عن الأصل داخله في المسمى الإيمان عند الطرفين، وهذا بالطبع بخلاف المرجئة التي تقول بأنّ إيمان المرتكب لأكبر الكبائر عدا الشرك بالله كإيمان الملائكة والأنبياء نعوذ بالله من الإرجاء وأهله، (الأساس الثالث): أنه لا فرق جوهري – في أحكام الدُنيا – بين من جعل الإقرار ركن من أركان أصل الإيمان وبين من جعل الإقرار شرط لصحة الإيمان لأنهما يؤولان إلى قول واحد وهو ضرورة الإقرار والتصديق والانقياد للحكم بإيمان المعين ظاهراً وباطناً، (الأساس الرابع): أنّ من قال أنه التصديق وحده، وكان من علماء أهل السنّة والجماعة فلم يُنسب إلى غيرهم من أهل الفرق الضالة فلابد وأن يُحمل كلامه على أنه يقصد الاعتقاد بشقيه قول القلب (العلم والمعرفة والتصديق) وعمل القلب (الانقياد)، ويُحمل كلامه على أحكام الآخرة لأن الإجماع متحقق عند أهل السنّة والجماعة أن مـن لم يقـر بالشهادتين بلسانه بغير عذر فليس بمسلم ولا تجري عليه أحكام المسلمين في الدُنيا (الأساس الخامس): جميع من انتسب إلى أهل السنّة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين (علماء الأصول) يجعلون للعمل منـزلة وأهمية كبيرة وجميعهم يقولون بأن أهل الذنوب داخلون تحت الذمّ والوعيد، ويقولون بأن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذمّ والعقاب، ويقولون بأنّ بعض أهل الكبائر يدخلون النار ويعذّبون فيها، ويقولون بأنّ مرتكب الكبيرة فاسق داخل تحت الوعيد وهذا كله يخالفون فيه المرجئة الذين قام مذهبهم الضال على أنّـه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وأنّ أهل لا إله إلاّ الله جميعهم يدخلون الجنة ابتداءً فلا يلج أحدهم النار مهما كثرت ذنوبه، وأن إيمانهم جميعاً كإيمان الملائكة والنبيين.
[33]: خاتمة الحديث عن العلم الثاني: علم الإيمان: كل ما سبق من نقاط كان مما تيسر بيانه من لبنات علم الإيمان وفقه مسائله وأحكامه، وتفاصيل هذا العلم العظيم هو من جملة العلوم التي ادى غياب مفاتيحها إلى الخلل العقدي والعلمي بين فرق المسلمين، والى وقوع طوائف من الأمة في بدعة الغلو في التكفير واستحلال دماء أهل القبلة وحرماتهم نسأل الله تعالى السلامة من الزيغ، ومن البدع، وأرى أنه لا مناص للأمة من تجديد الطلب لهذا العلم الجليل وذلك للقضاء على فوضى الغلو في التكفير، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بحفظ حُرمة أهل القبلة، أهل (لا إله إلاّ الله * محمـد رسول الله) وحفظ حقوقهم الشرعية دون تعدي على أحد منهم بتكفير لا يستحقه أو ظلم لا يُـناسبه، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتتبع جذور الغلّو في مسائل التكفير واجتثاثها من أصولها، ومنع الغلّو في تكفير أهل القبلة أو التعجل فيه دون اتباع ضوابط أهل العلم الصحيحة في تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتتبع شبهات الخوارج والمعتزلة وآرائهم التي تسربت إلى أهل زيادة التكفير الذين لابد من التحذير من خطورة مسلكهم، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق ببيان الفهم الصحيح للإرجاء وحدوده الفاصلة بينه وبين السنّة، وبيان من هم المرجئة ومتى يُتهم المرء بالإرجاء ومتى لا يُـتهم، وذلك لأننا رأينا في زماننا هذا كثير من المائلين إلى التكفير الجانحين إلى الزيادة فيه يرمون علماء أهل السنّة بالإرجاء وما ذلك إلاّ لعدم تحقيقهم للحدّ الفاصل بين الإرجاء والسنّة، بل وعدم فهمهم لحقيقة مذهب أهل السنّة، وعلم أحكام الإيمان: يكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتجديد النظرة السمحة الصحيحة المعتدلة التي كان عليها علماؤنا الأجلاء تجاه أهل السنّة . وهم بحمد الله سواد الأمة الأعظم على مرّ عصور الإسلام، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بفتح صفحة جديدة صحيحة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وطلبة العلم وبين سواد وعامة أهل السنّة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم، صفحة تمتلئ بالرأفة والرحمة، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو في التفسيق والتبديع الزائد دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بتأصيل مسائل الإيمان والكفر على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة والتي تتميز بوضوح الأحكام وصحتها وسهولة إدراكها وتطبيقها وذلك حتى يتيسر لطالب العلم جمع أهم مسائل وأحكام الإيمان مجتمعة متكاملة في مؤلف واحد، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب.
***
([1]) الشرح الجديد لجوهرة التوحيد ص23.
([2]) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، للإمام الباقلاني، ص: 55.
([3]) الملل والنحل للشهرستاني: 1: 101.
([4]) تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص43.
([6]) الشرح الجديد لجوهرة التوحيد ص23.
([13]) تفسير البغوي 1/18،23،43.
([14]) تفسير المنار 6/456 و 12/73 و2/262 و 163و 164.
([15]) المقاصد الحسنةص 716 ح رقم 1288.
([16]) لوامع الأنوار البهية 1 / 73.
([17]) دفع شبه التشبيه لابن الجوزي 30-33.
([18]) تبيين كذب المفتري للحافظ ابن عساكر، ص 397.
([19]) انظر لترجمته تبيين كذب المفتري للحافظ ابن عساكر ص 94، وطبقات الشافعية للسبكي 3/249.
([20]) تبيين كذب المفتري ص 103، الطبقات الكبرى للتاج السبكي 3/397.
([21]) تاريخ مدينة السلام، الخطيب البغدادي، 13/ 261.
([22]) تبيين كذب المفتري، ص 359.
([24]) إتحاف السادة المتقين 2/7.
([25]) إتحاف السادة المتقين 2/7.