الفصل الأول مفاتيح المدخل إلى علم التوحيد
المبحث الأول: التوحيد تعبير شرعي جاء في القرآن والسنة وهو المرادف لمعنى شهادة التوحيد.
المبحث الثاني: شهادة التوحيد (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) هي الجامعة لعلم التوحيد.
المبحث الثالث: مفاتيح مهمة تتعلق بالشهادتين باب الإسلام الأوحد وأساس التوحيد.
المبحث الاول التوحيد تعبير شرعي جاء في القرآن والسنة وهو المرادف لمعنى شهادة التوحيد (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)
[المفتاح الأول]: إطلاق كلمة [التوحيد] على هذا العلم جاءت بلفظها في القرآن. والسنة: ففي القرآن الكريم جاء قوله تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الْأَعراف: 70]، و قوله تعالى: {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر: 12]، و قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} [غافر: 84]، و قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4]
وفي السنة النبوية تكرر ذكر التوحيد كثيرا فمن ذلك: قوله صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن ((إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى)) ([1]) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ((من وحّد الله، وكفر بما يعبد من دونه، حرُمَ ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل)) ([2]) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ((بُنى الإسلام على خمس على أن يُوحَّد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان)) ([3]) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يعذب ناس من أهل التوحيد في النار، حتى يكونوا فيها حمما، ثم تدركهم الرحمة، فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة، قال: فيرش عليهم أهل الجنة الماء، فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل، ثم يدخلون الجنة)) ([4]) .
[المفتاح الثاني]:(التوحيد) في اللغة: مصدر وحد يوحد توحيدا،ووَحَّدَه تَوْحِيداً:جعَلَه وَاحِداً ([5]).
و(التوحيد) في الاصطلاح: هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً ([6]) .
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (قال أبو القاسم التميمي في ” كتاب الحجة “: التوحيد مصدر وحد يوحد، ومعنى وحدت الله اعتقدته منفردا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه، وقيل معنى وحدته علمته واحدا، وقيل: سلبت عنه الكيفية والكمية فهو واحد في ذاته لا انقسام له، وفي صفاته لا شبيه له، في إلهيته وملكه وتدبيره لا شريك له ولا رب سواه ولا خالق غيره) ([7]) .
فــ (التوحيد) هو إفراد الله سبحانه وتعالى بما يختص به من الإلهية والربوبية والتفرد في جناب ذاته وصفاته وأفعاله.
والتوحيد هو تحقيق مضمون شهادة (لا إله إلا الله) التي هي كلمة التوحيد وشعار المسلمين وهي باب الإسلام الأوحد، وهي أعظم العلم بدين الله لأنها تجمع دين الله كله خروجا مما ينافيه، ودخولاً فيما يقتضيه، ورسالات الرسل والأنبياء جميعاً قامت على هذه الكلمة كما أخبر تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}، وهو عين ما كلف الله به خاتم المرسلين علماً وعملاً، فالعلم في مثل قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله}، والعمل في مثل قوله: {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً}، وقوله: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه}.
[المفتاح الثالث]:فضل التوحيد وأنه أساس الإسلام وأصل الدين وأعلى شعب الإيمان:
[1] التوحيد شهادة الله تعالى لنفسه، وهو شهادة الملائكة وأولي العلم لله كما في قوله تعالى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18].
[2]: التوحيد هو الذي كلف الله تعالى به رسله كما في قوله تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19]، وقوله تعالى {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، وقوله تعالى {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، وما أرسلت الرسل إلا بالتوحيد كما في قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الْأَنْبياء: 25] وقوله تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) } [النحل: 36]، وما خلق الله تعالى الجن والإنس لا لتحقيق التوحيد كما في قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، والتوحيد هو أمر الله تعالى لعباده جميعا كما في قوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].
[3]: التوحيد هو أعلى شعب الإيمان كما جاء في الحديث الصحيح: ((الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شُعْبة، فأفضلُها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعْبة من الإيمان)) ([8]) .وهذه الشُّعَب جَمعت رأسَ الإيمان وأعلاه وهو التوحيد قول: (لا إله إلا الله).
[4] فضل التوحيد: (أ) كلمة (لا إله إلا الله) هي العروة الوثقى: قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك العروة الوثقى لا انفصال لها}، قاله سعيد بن جبير والضحاك.
(ب) وكلمة (لا إله إلا الله) هي العهد الذي ذكره الله عز وجل إذ يقول: {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: شهادة أن لا إله إلا الله.
(ت) وكلمة (لا إله إلا الله) هي الحسنى التي ذكرها تعالى في قوله: { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى}، قاله أبو عبدالرحمن السلمي والضحاك، ورواه عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(ث) وهي كلمة الحق التي ذكر الله عز وجل إذ يقول: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} قاله البغوي، وهي كلمة التقوى التي ذكرها تعالى في قوله: {وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها} رواه ابن جرير وعبدالله بن أحمد والترمذي.
(ج) وكلمة (لا إله إلا الله) هي القول الثابت الذي ذكره تعالى في قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وقد ثبت ذلك في الصحيحين عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم. ([9]) .
(ح) وكلمة (لا إله إلا الله) هي الكلمة الطيبة المضروبة مثلاً في قوله تعالى: {ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهو مروي عن علي بن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما، فأصلها ثابت في قلب المؤمن وفروعها العمل الصالح في السماء صاعد إلى الله عز وجل، وكذا قال الضحاك وابن جبير وعكرمة ومجاهد وغيرهم.
(خ) وكلمة (لا إله إلا الله) هي سبب النجاة من النار، كما في صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار) ([10]) .
(د) وكلمة (لا إله إلا الله) هي أفضل ما ذكر الله به عز وجل كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله)) ([11]) .
(ذ) وكلمة (لا إله إلا الله) هي أثقل شيء في الميزان كما في مسند الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نوحاً عليه السلام قال لابنه عند موته: ((آمرك بلا إله إلا الله فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعن في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهن لا إله إلا الله))، ([12]) . وعند الترمذي والنسائي عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يارب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يارب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: فإنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء)) ([13])
(ر) والموحدون لهم في الدنيا الأمن والهداية: قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [سورة الأنعام: 82] وأخرج البخاري بإسناد صحيح أن ذلك قد شق على الصحابة الكرام فقالوا: (أينا لا يظلم نفسه) فبين لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن الظلم المقصود في الآية هو: الشرك، وتلا قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [سورة لقمان: 13]. ([14]) .
(ز) والموحدون حرم الله تعالى أجسامهم على النار: أخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) ([15]) .
(س) والموحدون يغفر الله تعالى لهم، أخرج ابن ماجه، وابن حبان، وأحمد عن معاذ رضي الله عنه مرفوعاً:(ما من نفس تموت وهي تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، يرجع ذلك إلى قلب موقن، إلا غفر لها)([16]) وأخرج الترمذي عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((قال الله: يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة)) ([17]) .
(ش) والموحدون وعدهم الله تعالى بالجنة: أخرج البخاري ومسلم عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)) ([18]) . وأخرج الشيخان عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة)) ([19]) . وما أخرجه أحمد والنسائي عن معاذ مرفوعاً: ((من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، صادقاً من قلبه، دخل الجنة))، ([20]) .وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) ([21]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من مات وهو يعلم ألا إله إلا الله دخل الجنة)) ([22]) . وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هـريرة: ((فمن لقيـت وراء هذا الحائط يشهد ألا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة)) ([23]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) ([24]) .
[المفتاح الرابع]: لا يصلح شعارا للتوحيد سوى (لا إله إلا الله): فـــ (الإله): هو الرب المعبود الذي له صفات الكمال، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب المعبود الحق الذي له الكمال المطلق والتقديس المطلق، سوى كلمة (الإله)، ولهذا لا يصلح لشهادة التوحيد ولا يجزئ عن شهادة الموحد (لا إله إلا الله) شيء سواها، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا (لا رب إلا الله)، ولا قولنا (لا معبود إلا الله)، ولا قولنا (لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله)، لأنّ قول المسلم (لا إله إلا الله) يشمل ذلك كله، ويزيد عليه.
فتوحيد الألوهية يدخل في معناه: توحيد جناب الذات تعالى وتقدس، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو، (لا إله إلا الله): نفي وإثبات: نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله، ونفي جميع صفات الربوبية والإلهية عما سوى الله، واعتقاد أنه لا إله ولا رب ولا معبود بحق إلا هو.
[المفتاح الخامس]: معنى شهادة أن لا إله إلا الله: أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه لا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل لله، وأنّه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأنّه رب العالمين، له توحيد الربوبية فلا رب للعالمين سواه، وله توحيد الإلهية فلا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه، فإذا قال العبد (أشهد أن لا إله إلا الله) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله، ولا أعتقد التقديس المطلق والكمال المطلق إلا لهذا الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الغني الحميد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وليس له شريك، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول، وتعالى عن أن تدركه الابصار، أو تبلغه الأوهام، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
[المفتاح السادس]: معنى شهادة أن محمدا رسول الله: شهادة أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله تتضمن: أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من عند الله لتبليغ دينه الإسلام، وانه صادق في كل ما يبلغه عن الله، وانه قد بلغ الرسالة وأكملها، وأدى الأمانة، ونصح الامة وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها، وأنّه خاتم النبيين، ورسالته خاتمة الرسالات، وانها ناسخة لما قبلها من الشرائع، وانّ رسالته عامة لكل زمان بعده وكل مكان، وانها إلى كافة الثقلين إنسهم وجنهم، وأنّ الله تعالى أرسله رحمة للعالمين، وأن دينه الإسلام هو الدين الحق المعتبر عند الله وأنه لا يقبل الله تعالى بعد بعثته وإلى قيام الساعة دينا سواه، وانه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فيجب تصديقه في جميع ما أخبر به عن الله عز وجل والإيمان بأن ذلك كله من عند الله عز وجل، وانّه تجب طاعته واتباع شريعته، قال تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }، وانّ حبه صلى الله عليه وسلم من أعظم فرائض الدين، وانه يجب تعزيره وتوقيره وتعظيمه ونصرته صلى الله عليه وسلم، والصلاة والسلام عليه امتثالا لأمر الله، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [ الأحزاب: 56].
[المفتاح السابع]: التوحيد يشمل كل ما تتضمنه شهادة الإسلام (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) فهما باب الإسلام الأوحد: الشهادتان (لا إله إلا الله، محمد رسول الله): هما باب الإسلام الأوحد، فلا دخول إلى دين الله تعالى إلا بهما، والشهادتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى، لأنه إذا كانت شهادة (لا إله إلا الله) تعني توحيد الله تعالى في إلهيته، فإن شهادة (محمد رسول الله) تعني بيان ذلك التوحيد والطريق إليه، فلا تجزئ (لا إله إلا الله) وحدها للدخول في الإسلام، بل لا بد من اقترانها بـ (محمد رسول الله)، فهما شهادتان متلازمتان، وركن واحد أساسي للإيمان، والإسلام، ولا يصح إيمان الشخص ولا دخوله الإسلام دون الجمع بينهما، فهما لا ينفصلان، وهما أساس الإسلام، وبابه الأوحد، ولا يمكن قبول أحدهما بمعزل عن الآخر، وبعد بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلى قيام الساعة لا تقبل شهادة التوحيد (لا إله إلا الله) إلا بإضافة شهادة الإتباع (أشهد أن محمد رسول الله) وإفراد الطريق إلى الله باتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والشهادتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى لأنه إذا كانت شهادة (لا إله إلا الله) تعني توحيد الله تعالى، فإن شهادة (محمد رسول الله) تعني بيان الطريق لتحقيق التوحيد.
فالشق الأول: (لا إله إلا الله) يعرف منه المعبود الحق عز وجل، وهو توحيد الإله الحق، والشق الثاني: (محمد رسول الله) يعرف منه كيف يوحد الله عز وجل، ودين الإسلام مبني على أصلين عظيمين: أولهما: توحيد الله تعالى، فلا شريك له وثانيهما: أن يوحد بما شرعة على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والتوحيد هو الدين كله أوله وآخره فأول ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شهادة أن لا إله إلا الله وقال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) ([25]) . وختم الأمر بالتوحيد فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)) ([26]) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)) ([27]) .
***
المبحث الثاني شهادة التوحيد (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) هي الجامعة لعلم التوحيد
[المفتاح الأول]: أركان شهادة الإسلام (لا إله إلا الله – محمد رسول الله): لشهادة الإسلام (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) ثلاثة أركان رئيسية تفهم من الشهادة، الركن الأول: توحيد الإلهية، ويشمل توحيد الله تعالى في الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية، والركن الثاني: البراءة من الشرك، والركن الثالث الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإسلام.
[المفتاح الثاني]: (الركن الأول): (توحيد الإلهية): ويشمل توحيد الله تعالى في الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية)، (لا إله إلا الله) تعني توحيد الإلهية وهذا التوحيد يشتمل على هذه الأقسام: (أ) توحيد الله تعالى في ذاته، (ب) توحيد الله تعالى في أسمائه، (ت) توحيد الله تعالى في صفاته، (ث) توحيد الله تعالى في أفعاله، (ج) توحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه، (ح) توحيد الله تعالى بإفراده بالعبودية.
(أ) توحيد الله تعالى في ذاته: يعنى اعتقاد أنّ الله تعالى واحد أحد لا ند له ولا مثل له ولا كفء له، ولا شريك له، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، {اللَّهُ أَحَدٌ} وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، أخص معاني الاحدية: نفي الكثرة والانقسام في ذات الله، فالله (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، و (الأحدية) تعني انتفاء الكثرة من جناب ذاته، فأحدية الذات معناها نفي الانقسام ونفي التجزؤ ونفي التركيب ونفي التبعيض، {اللَّهُ الصَّمَدُ} وصف لله تعالى بالصمدية المطلقة والكمال المطلق لله، له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة.
وقد أجمعت الامة عدا المجسمة الضالة على تقديس جناب الذات الإلهي عن التبعض والتجزؤ، لدلالة اسم الله الاحد واسم الله الصمد على منع قبول الأجزاء والأبعاض والجوارح، وكذلك فإن ذات الإله إذا قبلت الانقسام فهذا يعني تعدد الآلهة لأنّ كل قسم سيكون إلها، وهذا اكبر الشرك بالله، فالله تعالى له الأحدية التي تنفي الكثرة والانقسام على ذات الله، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وصف لله تعالى بالقدم الذاتي الأزلي وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه كان ولا مكان ثم خلق المكان لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ولا يقهره حد ومقدار ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال.
جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك ادراك]، لقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات – اهم وأصعب أقسام العقيدة – أنّ شرط التكلم في (الإلهيات) المسائل المتعلقة بجناب الذات الإلهي: معرفة الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، وتصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، إنّ (جناب الذات الإلهي) تعالى وتقدس: غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، أما العلم بالله وتقديسه وتنزيه والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله وكماله المطلق، فهذا أشرف العلوم، وأحمد العلوم، وأحسن العلوم، لأنه العلم المتعلق بالله، إذ هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومن معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات، وهذه المعرفة من اعظم العلم، أما (المعرفة المستحيلة): هي الإحاطة علما بالحق سبحانه، والإنسان مهما أوتي من علم، علمه محدود لأنه محدود، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود، ليس كمثل وجوده وجود، منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية من الأجزاء والابعاض والصور والأشكال والقهر بالكون في الأماكن وجريان الزمان، فلا يحتاج سبحانه في وجوده إلى مكان.
وعند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة والكون في المكان، (الاستواء): استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، كما أن (القرب): في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن (المعية): في قوله تعالى {وهو معكم أينما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، فالله موجود بلا كيف لا حد ولا مكان ولا زمان، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد.
ويجب العلم بانّ الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، ويجب العلم بانّ القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، ويجب العلم بانّ الإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات، ويجب العلم بانّ الله تعالى وتقدس موجود بلا كيف،، لقد ذكر الاستواء في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية، أما جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد. فعند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يفعل اهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، وأما ما يزعم به اهل الحشو من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن، (فإن قالوا): فأين الله، قلنا إنّ الله لا يغيب، وهو على كل شيء شهيد ومن كل خلقه قريب، وهو على العرش استوى وهو بكل شيء محيط، (جناب الذات لا يُدرك)، نعرفه سبحانه بكمال صفاته وجميل افعاله، أما جناب الذات فلا يحق لنا تكييف وجوده في مكان دون مكان، لأنّ القهر بالمكان صفة الاجسام، والله خالق كل شيء وهو القاهر فوق عباده، ولا يقهره شيء وهو الغني الحميد فلا يحتاج في وجوده إلى مكان، وكل الأماكن عنده سواء.
(جناب الذات): غيب الغيوب لا تدركه الابصار، ولا نحيط به علما، والعجز عن الإدراك مقصود الإدراك، وأما تلاعب أهل الحشو والتجسيم فتأولوا القرب بالعلم وتأولوا المعية بالعلم وتأولوا الإحاطة بالعلم ثم عند الاستواء قالوا بذاته، فمن أين أتوا بلفظ (بذاته) ولم يرد لا في كتاب ولا في سنّة، وإنما بما فهموه بعقولهم السقيمة التي لا تصلح إلا للتجسيم والتكييف ولا تصلح لاستيعاب التقديس ولا علم التقديس ولا قواعد التقديس، يجري بعقولهم التجسيم كما يجري داء الكلب بصاحبه نسأل الله السلامة، ليس كمثله شيء، لا في وجوده، ولا في ذاته ولا في صفاته وافعاله، وما لنا وللذات ونحن في العلم قطرة في محيط علم الله، قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، و(الاحدية المطلقة) بمفردها كعلم للتقديس، لمن يفهم بعض جوانبها، تؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، و(الخلق) عاجزون عن إدراك وجود الروح التي لا تفارق أجسادهم، إلا بآثار تلك الروح، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، فأنى لهم ان يدركوا شيئا من ذات الحق، سبحانه، جل جلاله وعظمت صفاته، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، والحاصل جناب الذات الإلهي له الاحدية المطلقة، موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك هو غاية ما نقدر عليه من الإدراك.
[الكون كله مخلوق مصنوع]: تحكمه منظومة قوانين جعلها الخالق اسبابا لاستقرار الكون بما فيه من مخلوقاته، وهذه القوانين تحكم المخلوقات فهم مقهورون تحت سلطانها، ومن تلك القوانين: الكون في المكان لا مناص لهم من الكون في مكان دون مكان، ويقهرهم المكان بالمسافات والابعاد، فلا يستطيعون الانتقال إلا بوسائل تقربهم من مكان إلى مكان، ويقهرهم أيضا الزمان بقوانينه فهم تحت قهر الزمان الحاضر، فلا يستطيعون العودة إلى الماضي ولا يستطيعون الاطلاع على المستقبل، والخلق، أما الخالق فلا يتقيد بشيء من تلك القوانين التي تقهر خلقه وتحكمهم.
والاستواء بمعنى العلو قد يكون بالرتبة وقد يكون بالمكان، ونسبة المكان إلى الله محال، فلم يبق إلا العلو بالرتبة (رتبة الإلهية والربوبية والكمال المطلق)، والاستواء بمعنى الجلوس لا يجوز لأنّه لا يكون الجلوس إلا بالجوارح والله تعالى منزه عن الجارحة، كما لا يكون الجلوس إلا بمماسة واتصال وهما يستحيلان بين القديم والمحدث وبين الخالق والمخلوق وبين الرب والمربوب وبين الإله والمعبود، والاستواء بمعنى الكون في مكان لا يجوز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويحده ويحيزه وهو أكبر من المتمكن فيه، والله تعالى هو خالق المكان وهو القاهر للمكان وهو بكل شيء محيط، والعرش أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن، لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق، والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة، وهو جل شأنه القريب منا، ولكنه قرب منزه عن الحلول والاتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير) كما أن الاستواء استواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والاستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله، وكما أنه منزه عن الحلول والاتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد.
ولهذا اعتبر السلف الكرام الراسخون في العلم صفة الاستواء من المتشابهات التي لا يجوز الخوض في تفسيرها، لأنّ ظواهرها تدل على محدودية الخالق ونهاية ذاته، ومحاذاته للمخلوق وتمكنه في المكان، وكل ذلك علامات الخلق والحدوث وسمات المخلوق الناقص العاجز المحدود الذي ظهر عجزه بمحدوديته ونهاية غايته، أمّا الخالق البارئ المصور تنزه عن الحد والغاية وتنزه عن المقدار والنهاية، وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، وقد علم الراسخ في علم الأصول أنّ سياق آيات الاستواء جاء لبيان كمال الربوبية والهيمنة لقرينة قوله تعالى بعد ذكر الاستواء {يدبر الأمر}.
لقد أخطأت الطائفة الحشوية التي تنتسب إلى السلفية خطأ جسيما: عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا – بفهم سقيم بعيد عن التقديس – هل هو (سبحانه) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون، وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق، وأعظم به من منهاج، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا (علم توحيد الذات)، لو تواضعوا للعلم ودرسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا أدنى مرتبة من العوام، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون، نسال الله السلامة، وقصتهم معلومة وضلالهم بين، ومن أراد المزيد فعليه بكتابي الأول في سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية التي يحتاجها طالب العلم الشرعي، (مفاتيح علم التقديس)، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
(ب) توحيد الله تعالى في أسمائه: يعني أنّه سبحانه متصف بالأسماء الحسنى وما دلت عليه من كمال الذات والصفات والأفعال، لقوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سورة طه: 8]، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الْأَعراف: 180]، وتوحيد الأسماء الحسنى يكون بإفراد الله عز وجل بالأسماء الحسنى لا يشاركه سبحانه فيها بإطلاقها غيره، إذ جل عن الشريك والكفء والسمي، والعلم بأسماء الله تعالى الحسنى أشرفُ العلوم لأنها تتعلق بمعرفة الله تعالى، ومعرفة صفاته، وكل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة علية يتصف بها الله عز وجل فالرحيم سبحانه متصف بالرحمة التي يرحم بها عباده والقدير جل شأنه متصف بالقدرة التي يدبر بها ملكه فلا يعجزه شيء والغفور تبارك وتعالى متصف بالمغفرة التي بها يغفر للتائبين والمنيبين، لا إله إلا هو، العليم الذي له كمال العلم، العزيز الذي له العزة التي لا تضام، العظيم الذي له العظمة التي لا ترام، القدير الذي له القدرة المطلقة والمشيئة النافذة، الجبار الذي له الجبروت والانتقام وهو الرحمن الرحيم الذي سعت رحمته كل شيء وسبقت غضبه تعجز الكلمات عن حمد ذاته واحصاء اسمائه وعن وصف صفاته، واتَّفَقَ أكثر علماءُ أهل السنة والجماعة على أنَّ أسماءَ الله تعالى غيرُ محصورة بعدد، وعلى أنها أكثرُ من تسعة وتسعين اسما، إذ أن صفاته تعالى لا حد لها وكمالاته لا تنتهي، لذا لا يجوز أن تكون أسماؤه محصورة بعدد محدد، كما أن لله تعالى أسماءً وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ) ([28]) .
ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة: لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) ([29]) .
ومقصود الحديث أن من أحصى هذا القدر من أسماء الله الحسنى (مائة إلا واحداً) دخل الجنة، وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في هذا العدد، وقد جاء في الحديث (لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) ([30]) . أما الحكمة في الاقتصار على هذا العدد المخصوص، فربما كان والله تعالى أعلم أنّ الأسماء وإن كثرت إلاّ أنّ معانيها قد ترجع في أصلها إلى التّسعة والتّسعين اسماً التي من أحصاها دخل الجنة، والمقصود بإحصاء الاسماء الحسنى التسعة والتسعين: قد يكون (الحفظ)، وهو الاقرب لمقصد الحديث بدليل الرواية التي أخرجها مسلم وفيها بلفظ (مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)، وقد يكون المراد من الإحصاء (الفهم) أي فهم معانيها والمراد منها في بيان كمال أسماء الله وصفاته العلا، وأسماء الله الحسنى توقيفية لا مجال للاجتهاد إذ العقل قاصر عن الاجتهاد فيما لا يدركه لقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]، وقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33]، والمذهب عند أهل السنة والجماعة أن أسماءَ الله تعالى الحسنى توقيفية لا يجوز الاجتهاد فيها أو القياس، لأنها من الأمور الغيبية التي لا تُعلم إلا عن طريق الوحي.
والأسماء الحسنى على كثرتها ليست مترادفة، فإن كل منها يتضمن معنى لا يتضمنه غيره، لأنّ كل أسم منها يدل على صفة أو معنى خاص ومتميز يختلف عن الآخر، فهي أعلام وأوصاف، الله تعالى هو (الرحمن) (الرحيم)، ولكن (ـالرحمن) يختلف عن (الرحيم) في التفصيل، (الرحمن) ذو رحمة واسعة عامة، و(الرحيم) ذو رحمة خاصة دائمة لا تنقطع، (الرحمن) رحمته لجميع خلقه، (الرحيم) رحمته لعباده المؤمنين، (الرحمن) رحمته واسعة، و(الرحيم) رحمته دائمة، وكذلك (العفو) و(التواب) و(الغفور) و (الغفار) كلها تتعلق بالمغفرة، ولكن لكل منها معنى خاص، (الغفور): يغفر الذنوب العظام، و(الغفار): يغفر الذنوب الكثيرة والمتعددة، و(العفو): يمحو السيئات ويتجاوز عنها ويمحو أثرها بالكلية و(التواب) هو الذي يوفق عبده للتوبة فيقبلها منه ويغفر له، كلها مترابطة ولكنها متفاوتة في دلالتها: (التواب): يشمل التوفيق والقبول والمغفرة، و(الغفار): أعم في عدد الذنوب، و(الغفور): في عظائم الذنوب، و(العفو) في محو أثرها بالكلية، فكلها تصب في رحمة الله ومغفرته لكن بتفاصيل دقيقة، (التواب): هو الذي يقبل توبة عباده، ويعينهم عليها، ويغفر لهم بعد توبتهم. يجمع بين التوفيق للعمل الصالح والقبول والمغفرة مثل قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]، (الغفور): يغفر الذنوب العظيمة والكبيرة، ويسترها عن الناس مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4، 5]، و(الغفار) الذي يغفر الذنوب الكثيرة المتعددة وإن بلغت عنان السماء، و(العفو): يمحو الذنوب المحو التام ويترك المؤاخذة عليها، كما جاء في الحديث: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) ([31]) . و(الخالق) و(البارئ) و(المصور) كلها تتعلق بالخلق، (الخالق): هو الذي يوجد الشيء من عدم، و(البارئ): هو الذي يميزه عن غيره، و(المصور): هو الذي يعطيه الصورة التي هو عليها، وكلها تدل على الخلق، وهذا الاختلاف في المعاني يثرى فهم المسلم لصفات الله الكاملة، الدالة على الكمال المطلق، وليست مجرد أسماء مختلفة تحمل نفس المعاني، فالأسماء الحسنى كلها تدل على الله، وكل أسم منها يكشف عن جانب فريد من صفات الله العظيمة، وكل اسم له أثره الخاص في فهم كمال الله وجلاله وجماله وعظمته، كما أنّ تلازم الأسماء الحسنى بعطيها معان جديدة تدل على الكمال المطلق، فاقتران اسمه تعالى الحكيم باسمه تعالى العليم كما في قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 2]، (العليم): يعلم كل شيء، و(الحكيم): يضع كل شيء في موضعه اللائق به، فجمع الاسمين يدل على أن علم الله ليس مجرد معرفة، بل معرفة تامة مقرونة بالغاية والحكمة، واقتران اسم الله اللطيف باسمه الخبير، كما في قوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، (اللطيف): هو الذي يدرك دقائق الأمور ويوصل مصالح عباده بلطف وإحسان من طرق لا يعلمونها، و(الخبير): هو الذي الذي أحاط علمه بكل شيء، ظاهره وباطنه، وخفايا الأمور الدقيقة، واقتران الاسمين يفيد معنى جديدا، وهو أنّ الله تعالى يوصل مصالح عباده ويحقق لهم الخير من طرق خفية لا يدركونها، مستنداً إلى علمه التام بأسرار الأمور وبواطنها وخفاياها، فهو اللطيف الذي يوصل الخير بلطف، والخبير الذي يعلم أدق التفاصيل ليُوصل الخير ويحقق المصلحة بدقة لا تخطئ، وهكذا فإنّ اقتران الأسماء يزيدها معان جديدة، وبهذا يتضح معنى قول العلماء: أنّ علم الأسماء الحسنى لا يُدرك، ومعانيها فوق الحصر والفهم ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو أنزلتَه في كتابِك، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك، أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، و نورَ صدري، و جلاءَ حزني، و ذَهابَ همِّي) ([32]) .
فعلم الأسماء واسع لا يُدرك، وقد وردت روايات في إحصاء الأسماء الحسنى، وطريق الترمذي أصح شيء في الباب، أخرج الترمذي عَن أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ لله تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً غيرَ وَاحِدَةٍ مَنْ أَحْصَاها دَخَلَ الجَنَّة، هُوَ الله الَّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ الرَّحمنُ الرَّحيمُ المَلِك القُدُّوسُ السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّر الخَالِقُ البَارِىءُ المُصَوِّرُ الغَفَّارُ القَهَّارُ الوَهَّابُ الرَّزَّاقُ الفتَّاحُ العَلِيمُ القَابِضُ البَاسِطُ الخافضُ الرَّافِعُ المعزُّ المذِل السَّمِيعُ البَصِيرُ الحَكَمُ العَدْلُ اللّطِيفُ الخَبِيرُ الحَلِيمُ العَظِيمُ الغَفُورُ الشَّكُورُ العَلِيُّ الكَبِيرُ الحَفِيظُ المُقِيتُ الحَسِيبُ الجَلِيلُ الكَرِيمُ الرَّقِيبُ المُجِيبُ الْوَاسِعُ الحَكِيمُ الوَدُودُ المَجِيدُ البَاعِثُ الشَّهِيدُ الحَق الوَكِيلُ القَوِيُّ المَتِينُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ المُحْصِي المُبْدِيءُ المُعِيدُ المُحْيِي المُمِيتُ الحَيُّ القَيُّومُ الوَاجِدُ المَاجِدُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ القَادِرُ المُقْتَدِرُ المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ الأوَّلُ الآخِرُ الظَّاهِرُ البَاطِنُ الوَالِي المُتَعَالِي البَرُّ التَّوَّابُ المنتَقِمُ العَفُوُّ الرَّؤُوف مَالِكُ المُلْكِ ذُو الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ المُقْسِط الجَامِعُ الغَنِيُّ المُغْنِي المَانِعُ الضَّارُّ النَّافِعُ النُّورُ الهَادِي البَدِيعُ البَاقِي الوَارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُور)، وهذه الرواية صححها ابن حبان والحاكم وحسنها النووي، وقد زعم البعض أن جمع الأسماء في الحديث مدرج، أدرجه بعض الرواة في الحديث، وهذا الأمر مستبعد، لأنّ الرواية قد تقبلها المتقدمون كالترمذي والحاكم وابن حبان، وتلقاها أهل العلم بالحديث وعوَّل عليها جميع من شرح الأسماء الحسنى، كابن مَنْدَهْ وابن العربي والبيهقي والغزالي والقرطبي والرازي وغيرهم، غاية الأمر قد يكون هناك اضطراب في ذكر بعض الاسماء، أو اسقاط بعضها سهواً، ولعل هذا الاضطراب هو ما دعا البخاري ومسلم إلى الاقتصار على أصل الحديث دون سرد الأسماء، ولهذا اجتهد الإمام ابن حجر رحمه الله في جمع ما ورد في القرآن الكريم من الأسماء الحسنى، بصيغة الاسم ممّا لم يذكر في رواية الترمذيّ، وهي سبعة وعشرون اسمًا، وضمّ إليها الأسماء الَّتي وقعت في رواية الترمذيّ ممّا ورد في القرآن بصيغة الاسم فصارت تسعة وتسعين اسمًا وكلّها في القرآن وهي: اللَّهُ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ، الْقُدُّوسُ، السَّلامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، التَّوَّابُ، الْوَهَّابُ، الخلاّقُ، الرَّزَّاقُ، الْفَتَّاحُ، الْعَلِيمُ، الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، الْعَلِيُّ، الْكَبِيرُ، المحيطُ، القديرُ، المولى، النّصيرُ، الْكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، القريبُ، الْمُجِيبُ، الْوَكِيلُ، الْحَسِيبُ، الْحَفِيظُ، الْمُقِيتُ، الْوَدُودُ، الْمَجِيدُ، الْوَارِثُ، الشَّهِيدُ، الْوَلِيُّ، الْحَمِيدُ، الْحَقُّ، المبينُ، الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْغَنِيُّ، المالكُ، الشّديدُ، الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ، القاهرُ، الكافي، الشّاكرُ، المستعانُ، الفاطرُ، الْبَدِيعُ، الغافرُ، الأَوَّلُ، الآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ، الكفيلُ، الغالبُ، الْحَكَمُ، العالِمُ، الرّفيعُ، الحافظُ، الْمُنْتَقِمُ، القائمُ، الْمُحْيِي، الْجَامِعُ، المليكُ، الْمُتَعَالِي، النُّورُ، الْهَادِي، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْعَفُوُّ، الرؤوف، الأكرمُ، الأعلى، الْبَرُّ، الحفيُّ، الربُّ، الإلهُ، الْوَاحِدُ، الأحدُ، الصَّمَدُ الَّذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد، [فتح الباري 11: 219]، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الْأَعراف: 180]
(ت) توحيد الله تعالى في صفاته: يعني تقديس الله تعالى في صفاته العلى ليس كمثلها صفات، هي صفات الكمال المطلق منزهة عن النقص والعيب، صفات الله تابعة لجناب ذاته، لها الكمال المطلق والقدم الازلي، لها الأولية بلا ابتداء، ولها البقاء بلا انتهاء، أزلية أبدية، فلا بداية ولا نهاية، ولا حد ولا غاية، صفات مطلقة لها غاية الكمال والقدم، وليس كثرة الصفات دليل على تعدد القدماء، بل الإله قديم واحد أحد بجناب ذاته، وجناب ذاته تتصف بكمال صفاته، فالصفات للذات، تأخذ حكمها من حيث الكمال والإطلاق، هو (العليم) سبحانه: الذي ينكشف له كل معلوم من غير خفاء، فالعلم هي الصفة التي يتم بها الكشف والادراك، ولا يجوز أن نتوهم أنّ صفة العلم هي التي تكشف كل معلوم بل الذات هي التي تعلم وتدرك من حيث أنّ لها صفة العلم المطلق بكل شيء، فالله هو العليم الذي له صفة العلم، وهو (القدير) الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهو (الرحمن): الذي وسعت رحمته كل شيء، وهو (الرحيم): الذي رحمته ليس لها حد ولا غاية، هو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي، وهكذا فكل اسم من الأسماء الحسنى يدل على صفة محكمة من صفات الله.
و(الصفات الواجبة من جهة العقل): هي صفات الكمال التي أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى، ولا يمنع كون وجوبها عقلا ان الشرع قد اتى بها، ولهذا قال علماء الاصول أن: صفات الوجود والقدم والبقاء والوحدانية والمخالفة للحوادث، والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام، واجبة لله تعالى عقلا، لأن أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى، ضد صفة (الوجود) العدم، وضد (القدم) الحدوث، وضد صفة (البقاء) الفناء، وضد (المخالفة للحوادث) المشابهة للحوادث، وضد صفة (الوحدانية) وجود الشريك، وضد صفة (الحياة) الموت، وضد صفة (القيام بالنفس) الاحتياج، وضد صفة (القدرة) العجز،، وضد صفة (الإرادة) الاضطرار، وضد صفة (العلم) الجهل، وضد صفة (السمع) الصمم، وضد صفة (البصر) العمى، وضد صفة (الكلام) البكم.
و(الصفات الواجبة من جهة الشرع): وهي الصفات التي يكون اثباتها عن طريق الشرع، ولا يلزم من اثباته استحالة ضده وانتفائه في حق الله تعالى، إذ أنّ الشرع دل على ثبوت صفة الرحمة لله وثبوت ضدها وهو شدة العقاب، وعند تطبيق تلك المصطلحات بدقة لن يكون هناك لبس في تعلم العلم، فإنّه إذا قيل واجب عقلي، فإنّ معناه الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وبالتالي فإنّ وجود الله تعالى واجب عقلي لأنّه لا يُتصور في العقل عدمه، إذ وجود جميع تلك المخلوقات والنظام الذي هي فيه يوجب في العقل وجود خالقها الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، أما (الرحمة) التي يتصف بها الرحمن سبحانه فإنّها واجب سمعي شرعي وليس عقلي، وتعريفه كما ذكرنا هو الذي دل الشرع على وجوبه، وقد أعلمنا الله تعالى بتلك الصفة بقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 98]، وكل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة ثابتة لله تعالى من جهة الشرع: ف (الرحمن): يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله، و (الرحيم): يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي، و (الملك): يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي، و (القدوس): يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول، و (السلام): يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء، و (المؤمن): يدل على صفة التأمين والصدق مع عباده فيما وعدهم به من الأجر والثواب، و (المهيمن): يدل على صفة الهيمنة والرعاية والوقاية والصيانة والرقابة والحفظ لكل خلقه، والقيام على خلقه بأعمالهم، وأرزاقهم، وآجالهم، و (العزيز): يدل على صفة العزة التي لا ترام والقوة التي لا تقهر، والغلبة على كل شيء، و (الجبار): يدل على صفات العظمة والجبروت والقهر ونفاذ المشيئة، و (المتكبر): يدل على صفة التفرد بالعظمة والكبرياء والتعالي عن مشابهة الخلق، و(الخالق): يدل على صفة التقدير والإيجاد لكل شيء والخلق لكل موجود سواه، و (البارئ): يدل على صفة إبراز خلقه إلى الوجود بقدرته لا عن مثال سابق، و (المصور): يدل على صفة التصوير، وأنه هو الذي صور جميع الموجودات، ورتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها.
وهكذا جميع الاسماء الحسنى تدل على صفات محكمة الله تعالى، وهذه الصفات التي تؤدي إلى المعرفة الصحيحة بالله تعالى، ومن عرف الله تعالى افرد له الربوبية والإلهية وكمال المحبة والتذلل والانقياد، أما (المتشابهات) فهي أخبار لا تدل بالضرورة على صفات، وقد سماها بعض العلماء بالصفات الخبرية، وهي تدخل في المتشابهات لأنها توحي بالمشابهة أو الجارحة أو التغير والحدوث، ومن ذلك (الوجه) و (النفس) و (العين) و (اليد) و (الأصابع) و (القدم)، ومنها ما يوحي بالجلوس والاستقرار كالاستواء، ومنها ما يوحي بالحركة والانتقال كالنزول والمجيء، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك، وهذه في حقيقة الأمر أخبار تتضمن عند اثباتها على ظواهرها نقصاً يتنزه الله تعالى عنه، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم، وعلى الوجه الذي يدل على الكمال، مع تنزيه الله تعالى عن أوجه النقص فيها، مع الاحتراس عن نفي ما أثبته الله تعالى، ومثال ذلك (الوجه) اثباته على ظاهره قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، صمد لا تركيب فيه، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها، (الطريق الأول) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة، (والطريق الثاني) حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات، (والطريق الثالث) تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها (الذي هو الجزء من الذات) مع تنزيه الله تعالى عن النقص، ومثال الصفات الخبرية أيضا (الاستواء) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالحد والنهاية والأركان والاجزاء والجوارح، وهذه عن الله منفية، لأنّ الحد يعني النهاية والله تعالى منزه عن التناهي، لأنها سمة المخلوق المحدود، وكذلك فإنّ عقيدة المسلمين أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وهو أكبر من الحدود، وكل محدود فإنه يجوز أن يكون ما هو أكبر منه، والله أكبر من كل تصور فوجب أن يكون منزها عن الحدود، كما أنّه الواحد القهار الذي قهر الحدود، وهو الكبير المتعال الذي تعالى عن النهايات، وإثبات الاستواء على معناه الظاهر (الجلوس)، قد يوحي بالمقابلة أو المحايثة بين الخالق والمخلوق وبين الرب والعرش المربوب، وهذا محال لأنّ الله تعالى قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم، وهي أحدى ثلاث طرق صحيحة لا رابع لها، إما اثبات الاستواء على سبيل الصفة لا سبيل الجلوس والاستقرار، وإما حمل الآية على المجاز المراد من الاستواء وهو علو الهيمنة والربوبية والتدبير، وإما تفويض علمه إلى الله، (استواء على مراد الله ومراد رسول الله) مع المنع من تفسيره على ظاهره (الذي هو الاستقرار والجلوس على العرش) لأن ذلك تشبيه، وخروج عن إطار أهل السنّة إلى المشبهة.
ومسالك علماء أهل السنّة والجماعة في اثبات تلك الصفات الخبرية: ثلاثة مسالك معتمدة، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو، و المسلك (الاول): طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه، و المسلك (الثاني): اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة منزهة عن الجارحة والحد والصورة، واثبات الاستواء صفة لله تعالى منزها عن الجلوس والتحيز والحد والجهة الحسية، واثبات الضحك والغضب صفات لله تعالى منزهة عن التغير والحدوث والانفعالات الحسية، وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وقوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} وقوله تعالى: {هل تعلم له سميا}، والمسلك (الثالث): حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها، ومثاله حمل الوجه على الذات، وحمل اليد على مقتضي الآية، ففي قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} تحمل على الكرم والجود والعطاء، وفي قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى: {مما خلقت أيدينا أنعاما}، وقوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد}، وقوله تعالى: {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، وهكذا، وقد تقدم بيان ذلك، وحمل الضحك في حديث (يضحك ربنا) إلى علامة الرضا وإرادة الثواب، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة، والفرق بين هذه المسالك: أن المسلك الأول: يعامل الآيات والأحاديث على أنها من المتشابه فلا يجزم بانه صفات أو أخبار، فلا يفسر ولا يخوض ويرويها كما جاءت على مراد الله ومراد رسوله، والمسلك الثاني: يعامل الآيات والأحاديث على أنها تدل على صفات منزهة عن مشابهة المخلوقين ومنزهة عن المستحيلات في حق الله تعالى، والمسلك الثالث يعاملها على انها أخبار تحمل معاني محكمة وأخرى متشابهة فيتم حمل المتشابه على المحكم عملاً بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} فيفسرون الآية او الحديث بما سيق لأجله دون التعرض لمتشابه أو حمل المتشابه على المحكم، فمثلاً حديث النزول سيق لبيان فضل الثلث الآخر من الليل وليس لبيان كيفية النزول، فنفسره بذلك، ولا نتعرض للنزول، أو نجعل المقصود من النزول هو نزول الرحمة وقبول الدعاء، مع عدم نفي خبر النزول، وبهذه الاقوال الثلاثة أقرّت وقَبِلت وأيدت مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة وهي مدارس الاثرية والأشعرية والماتريدبة، وقالوا يجوز لكل مسلم أن يسلك أحد تلك المسالك الجائزة ولا تثريب عليه بها، وإنما الخلل لمن مال إلى المشبهة والمجسمة وأبى إلا الظاهر المتبادر إلى الذهن مع رفضه التنزيه، أو مال إلى المعتزلة وغامر ونفى ما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة بحجة التنزيه.
(تنبيه): الخلاف بين أهل السنّة والجماعة وبين الحشوية يكمن في الصفات الخبرية، لأنّ الحشوية والمجسمة -وحدهم- مصرون على اعتماد ظواهر تلك المتشابهات، التي ترسم في أذهانهم شكل الذات، تعالى الله عما يصفون، وذلك لما ترسخ في أذهانهم من التشبيه والتجسيم، وهو داء عضال يشبه داء الكلب إذا تحكم في صاحبة فإنه يجري منه مجرى الدماء في العروق، ولهذا يمنعون التأويل ويحاربونه لأنه يعارض بدعتهم، كل الطوائف أقرت بالتاويل وقت الحاجة لضرورة التنزيه إلا هؤلاء، يجري التمثيل والتشبيه والتجسيم في تصوارتهم عن الله مجرى الدم في العروق نسأل الله السلامة.
(ث) توحيد الله تعالى في أفعاله: يعني اعتقاد أنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته، هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة، ليس في الوجود خالق غيره، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء وعمدة هذا التوحيد: قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}[الزمر: 62]، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، فالكون كله خلق الله، وكل ما في الوجود خلقه، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود وكل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتى الافعال التي تصدر منا هي في الأساس من خلق الله تعالى، كما قال سبحانه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29].
و(صفات الأفعال) كالخلق والرزق والإحياء والإماتة فهي تعلقات صفة القدرة، والقدرة صفة أزلية قائمة بذاته تعالى يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق الإرادة، لذا وجب أن يقال: أنّ الله سبحانه هو الخلاق منذ الازل، والخلق (أثر) لصفة الخلق عنده، لم يستفد من خلقهم اسم الخلاق، جميع الخلق قدماء الثبوت في علمه القديم الأزلي، وهم محدثون بإرادته القديمة، فما تعلق بالقديم الأزلي قديم أزلي، وما تعلق بالمحدثات محدث، قال الطحاوي رحمه الله – معبراً عن عقيدة أهل الإسلام -: (ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا، لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليا، كذلك لا يزال عليها أبديا، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق) أهـ ([33]) .
جناب الحق سبحانه له الكمال المطلق، وإنما الاكوان والخلائق والأعمال ظهرت كأثر لتجليات جناب الذات بأسمائه وصفاته، والأكوان ظهرت كآثار لرحمة الله، كما في قوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50]، هو العالم قبل أن توجد المعلومات، وهو الخالق قبل أن يخلق الخلق، وهو الرازق قبل أن يرزق الخلق، لان أسماءه قديمة والخلق محدثون، ويستحيل أن يستفيد القديم من المحدث، وإلا لم يكن قديما، وكذلك فإن وجود الاكوان والمخلوقات ليس أمرا حتميا على الله لان هذا يُبطل كمال الإرادة والمشيئة، فإن الله تعالى له المشيئة المطلقة والارادة النافذة، قال تعالى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}، وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}، فالله تعالى أراد الكون على هذه الحال وتلك الصورة، ولذلك قال المحققون من اهل العلم: أن ذاته ما كملت بالصفات بل ذاته لغاية الكمال استلزمت صفات الكمال، وصفات الكمال استلزمت كمال الأفعال، وحدوث الاكوان لا يغير شيئا ولا يضيف شيئا إلى جناب الذات الإلهي: لأن له الكمال المطلق قبل خلق الخلق وبعد خلقهم، فلم يستفد الرحمن من مخلوقاته شيء، وحدوث الاكوان لا يزيد شيئا لا في الأسماء ولا في الصفات، لأن لها الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة أو النقصان لأنه إن قبل الزيادة كان قبلها ناقصا، وإن قبل النقصان لم يكن كاملا، وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان، (إذن) العالَم موجود كأثر للكمال الإلهي وليس سببا في الكمال الإلهي، وفرق هائل بين الامرين، خلق الاكوان مِنّةُ من الرحمن على الخلائق وتفضل منه عليهم والله ذو الفضل العظيم. و(توحيد الافعال): المقصود منه الاعتقاد بأنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته، هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة، هو الخالق ولا خالق غيره، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، كما قال سبحانه:{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وأهل العلم بالأصول متفقون في توحيد الأفعال على أنّ كل ما يكون في الكون، وكل ما يقع في الكون، إنما هو من خلق الله تعالى، (مدى مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله؟): الاجابة لها شقان: (الشق الأول): الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، ولكن ليس معنى ذلك، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، وما أحسن ما قاله الطحاوي وهو يعبر عن عقيدة المسلمين في القضاء والقدر: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى في كتابه:{لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل: لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين) أهـ ([34]) .
[فالخير والشر مقدران على العباد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، و (الشق الثاني للإجابة): نظرية الكسب التي وردت في القرآن وهي الحل الامثل لمتشابهات القضاء والقدر وتمثل التوسط ما بين بدعتي الجبر والقدر، وقد ورد الكسب في القرآن الكريم في أكثر من ستين آية، جميعها يشير إلى كسب الإنسان، وأنّه مسؤول عن كسبه، منها قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141]، وقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17].عند التوفيق بين آيات الكسب، وآيات توحيد الأفعال، والتي منها: قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]، نجد أنّ توحيد الأفعال يستلزم اعتقاد أنّ كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الأفعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، و (الكسب) يستلزم مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله بدليل ترتب الثواب والعقاب على تلك الأعمال، إذن الكسب هو الاختيار، وهذه هي حدود قدرة الإنسان، أما الفعل في حد ذاته فهو مخلوق لله تعالى، وبمقتضى هذا الأصل فإن جميع أفعال الإنسان التي سيحاسب عليها إنما هي مخلوقة من الله مكسوبة من العبد، للعبد فيها الاختيار فإن شاء الله كانت لأنها خلقه، وإن لم يشأ لم تكن، فمن اختار طريق الهداية وسار فيه، فبفضل الله تعالى وتوفيقه، ومن اختار طريق الضلال وسار فيه فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، هذا هو الكسب وتلك هي حدوده، وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه، وحاسبه الله تعالى على ما كسبت نفسه، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط بين مذهبي الجبرية والقدرية، فالإنسان قادر على كسبه واختياره وبالتالي هو مسؤول عن أعماله، ولكنه غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته، وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق، وبذلك ستصبح عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة المسلمين في القضاء والقدر، وفي القدر أسرار تتعلق بالربوبية، لا يحق للعبيد تتبعها ولا السؤال عنها، فمن طلب في القدر ما وراء ما ذكرت من معاني الكسب، فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فهذا هو الكسب وتلك هي حدوده، وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه، وحاسبه الله تعالى على ما كسبت نفسه، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه.
وأهل السنة والجماعة ينصون على أن للعبد كسب بلا خلق لعمله ولا جبر عليه، وكل إنسان منصف يعرف الفرق بين الأفعال الجبرية كضربات القلب ونبضات الدم، وبين الافعال الاختيارية كأداء الصلاة أو تركها، وأهل السنة يصرحون بعدم الجبر، ردا على الجبرية، ويصرحون بعدم الخلق ردا على القدرية الذين زعموا أنّ الإنسان خالق لعمله، و أهل السنة والجماعة يقولون: أنه ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب، فليس مجبورا كما تقول الجَبرية، وليس خالقا لها كما تقول المعتزلة، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط الملائم لعقيدة التوحيد ونصوص القرآن التي تؤكد انفراده سبحانه بالخلق لقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]. فلو قلنا بمشاركة الإنسان لله تعالى في خلق الفعل لانتهى بنا الأمر إلى إثبات خالق مع الله تعالى ضدا على أصل التوحيد، وهو قول القدرية المعتزلة، ولو قلنا بانتفاء الاختيار والكسب لانتهى بنا الأمر إلى الجبر وهو قول الجهمية الجبرية، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط بين مذهبي الجبرية والقدرية، فالإنسان قادر على كسبه واختياره وبالتالي هو مسؤول عن أعماله، ولكنه غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته، وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق.
وبذلك تصبح عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر، وبها يبطل مذهب الجبرية القائم على أساس إنكار القدرة الحادثة، ويصبح التكليف لا معنى له في غياب إرادة وقدرة الانسان على الفعل، كما يسقط مذهب المعتزلة الذي يجعل العبد مخترعا لأفعاله ضدا على أصل التوحيد الذي يجعل الخالق سبحانه وتعالى متفردا بالوحدانية في خلق الأفعال، وأهل السنّة والجماعة عند إقراراهم لمبدأ الكسب حققوا من خلاله مقصدين عقديين عظيمين: (الأول): إثبات اختيار العبد ومسؤوليته عن الأفعال الاختيارية، و(الثاني): الحفاظ على جوهر التوحيد وعدم جرحه كما فعل التيار الاعتزالي من قبل، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، كما قال تعالى في كتابه: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.
(ج) توحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه: يعني أنّه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين، ولا رازق في الكون كله إلا الله رب العالمين، ولا مالك لا متصرف ولا مدبر للكون كله إلا الله رب العالمين، ولا سيد ولا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين، ولا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، والحاصل أن مصطلح توحيد الربوبية مصطلح عظيم لا يكون عليه إلا الموحدون الذين تبرؤا من كل شرك في الربوبية وتمثلوا قول الله تعالى {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164]، والربوبية مصطلح شامل واسع يحمل معاني أساسية كثيرة: لا يقوم بتلك المعاني مجتمعة إلا مسمى الربوبية وتتمثل في كل معاني الإيجاد والخلق: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه} وتتمثل في كل معاني التربية من التنشئة والرعاية والتعهد والإمداد والرزق والاستصلاح والهداية: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) }، ثم كل معاني التملك من الملك والتصرف والتدبير والتصريف ثم كل معاني العلو والسيادة والرئاسة والهيمنة والحكم والأمر ثم كل معاني النصر والعز والنفع والضر فمن ذلك كله تنشأ معاني الربوبية، فتلك عي معاني الربوبية والتي لا يحيط بها مصطلح آخر سوى (الربوبية).
وقد جاءت الآيات القرآنية متتالية تشير إلى حصر الربوبية في الله رب العالمين، قال تعالى: {إنَّ رَبَّكمُ اللّهُ الّذي خلقَ السَّمواتِ وَالارضَ في ستَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استوى على العَرشِ يُدَبِّرُ الامرَ ما مِن شَفيعٍ إلاّ مِن بَعدِ إذنِهِ ذلِكم اللّهُ رَبُّكم فاعبدوهُ أَفلا تَذَكّرون} [يونس: 3]، وقال تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) [الْأَنعام: 102]، وجاءت الآيات القرآنية تترا تدعو إلى توحيد الربوبية، كقوله تعالى {لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 38]، وقوله تعالى {وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 42]، وقوله تعالى {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]، وقوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، وقوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}[التوبة: 31].
و(توحيد الربوبية) مصطلح شامل يحمل اعتقاد معاني أساسية لا يقوم بتلك المعاني مجتمعة إلا مسمى توحيد الربوبية، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا، وإلا كان الشرك في الربوبية جليا، وتتمثل تلك الاعتقادات فيما يلي: اعتقاد أنه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا رازق على الحقيقة في الكون كله إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا مالك لا متصرف بيده ملكوت كل شيء ولا مدبر للكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا سيد ولا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا شفيع في شيء من أمور الكون كله إلا من بعد إذن الواحد الأحد الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا شريك للرب الواحد الأحد الله رب العالمين في شيء من تلك المعاني التي يشملها توحيد الربوبية، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا بحصر معاني الربوبية في اللّهِ وحده، ولا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا لله رب العالمين وحده لا شريك له، ويشتمل توحيد الربوبية على ثلاثة أقسام رئيسية: هي التوحيد في الخلق والتكوين، فلا خالق إلا الله، والتوحيد في التدبير والتصريف، فلا مدبر ولا مصرف للأمور إلا هو، والتوحيد في الحكم والتشريع، فلا حاكم ولا مشرع للبشر إلا هو، وتوحيد الربوبية علم عظيم من علوم العقيدة، سيأتي تفصيله إن شاء الله عند الحديث عن المقصود من توحيد الربوبية، والأسس والركائز التي تمنع من الغلو والغلط في فهم توحيد الربوبية.
(ح) توحيد الله تعالى بإفراده بالعبودية: وذلك يعني إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا معبود بحق إلا هو، وحتى نفهم توحيد العبادة لابد من فهم معنى العبادة وما هو أصل العبادة، وما هي صور العبادة، وكيف يكون توحيد العبادة، ومتى يكون الشرك في العبادة شرك أكبر مخرج من دين الإسلام، ومتى لا يكون كذلك، فالعبادة في اللغة: معناها اللغوي: غاية الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد، قال ابن منظور في لسان العرب: ” أصل العبودية: الخضوع والتذلل،، التعبد التنسك، والعبادة الطاعة ” أهـ ([35]) .
وجاء في تهذيب اللغة: ” المعبد المذلل..، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إياك نطيع الطاعة التي نخضع معها.. ومعنى العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع، ويقال طريق معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطء.. فلان عابد وهو الخاضع لربه المستسلم لقضائه المنقاد لأمره، وقوله (اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ) أي أطيعوا ربكم، وقيل في قوله(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إياك نوحد، والعابد الموحد.. ” أهـ ([36]) .
وجاء في تاج العروس: ” وقوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أي نطيع الطاعة التي يخضع معها، قال ابن الأثير: ومعنى العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع ” أهـ ([37]) .
وقد اتفقت كلمة المفسرين على تفسير العبادة بغاية الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لله رب العالمين، قال الطبري: ” وتأويل قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لك اللهم نخشع ونذل ونستكين إقرارا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك.. إياك نعبد، إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك، ” أهـ ([38]) .
وقال القرطبي: ” ونعبد معناه نطيع والعبادة الطاعة والتذلل وطريق معبد إذا كان مذللا للسالكين.. ونطق المكلف به إقرار بالربوبية وتحقيق لعبادة الله تعالى إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك ” أهـ ([39]) .
وقال البيضاوي ” والعبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلل ومنه طريق معبد أي مذلل، وثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة ولذلك لا تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى ” أهـ ([40]) .
وقال ابن كثير: ” والعبادة في اللغة من الذل يقال طريق معبد وبعير معبد أي مذلل، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف ” أهـ ([41]) .
أما الضابط الرصين للعبادة: فإن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء: 24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة، إذن الاعتقاد (اعتقاد الإلهية والربوبية فيمن تُصرف إليه العبادات) هو ضابط الفقه في مسائل توحيد العبادة وشرك العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) ([42]) .
ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي، و [العبادة] لها أصل وهو الاعتقاد، ولها صور تنطلق من تلك العقيدة: تتمثل تلك الصور في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية أو بعض مفرداتها من التدبير والتصريف، أو الألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال، ولكل مفردة من هذه العبادات ركنان: الركن الأول: الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة، والركن الثاني: العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة أو البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
و[التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة]: هو: (إفراد الله تعالى باعتقاد الربوبية والإلهية، وافراد الله تعالى بأفعال العبد من سائر مفردات العبادة من صلاة وصيام ودعاء وذبح، ومن سائر أعمال القلوب العبادية كالتوكل والاستعانة واليقين)، وبالتالي يكون ضابط الشرك الأكبر المنافي لتوحيد الألوهية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في ألوهية الله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله عند الحديث عن المقصود من توحيد العبودية، والأسس والركائز التي تمنع من الغلو والغلط في فهم توحيد العبودية
[المفتاح الثالث]: الركن الثاني من أركان شهادة التوحيد: (البراءة من الشرك):
(1) خطورة الشرك: (أ) الشرك هو ذلك الظلم العظيم، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]،.
(ب) والشرك يحرم على صاحبه الجنة ويوجب الخلود في النار، قال تعالى: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72].
(ت) والشرك هو الإثم المبين الذي لا يغفره الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48].
(ث) والشرك هو الضلال البعيد الذي لا يغفره الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116].
(ج) وهو الهلاك المحقق لصاحبه، كما وصفه الله تعالى بقوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أو تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 30، 31].
(ح) وهو يحبط العمل يوم القيامة، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر: 65، 66].
(خ) وهو الحسرة والندامة يوم القيامة، قال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 22 إلى 24].
(د) وهو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى أبداً إلا أن يتوب صاحبه، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116].
(ذ) وهو الخصام الأبدي في النار حيث يعض المشركون أصابع الندم، كما في قوله تعالى {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أو يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 91 إلى 98]، (ج) وهو أعظم الذنب كما جاء في الصحيح – عندما سئل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أي الذنب أعظم قال: ((أن تجعل لله ندًا وهو خلقك)) ([43]) . وهو أكبر الكبائر، فقد أخرج البخاري ومسلم عَنْ أبِي بَكْرَةَ رَضيَ اللهُ عَنهُ قال: قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: ((ألا أنَبِّئُكُمْ بِأكْبَرِ الكَبَائِرِ)) ثَلاثاً، قالوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قال: ((الإِشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئاً، فَقال: ألا وَقَوْلُ الزُّورِ)) قال: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ)) ([44]) .
[(2) أنواع الشرك]: الشرك أنواع، فمنه الشرك الأكبر، وهو المخرج من الملة، والموجب للخلود الأبدي في النار وهو شرك اعتقاد يوجب اعتقاد شريك مع الله تعالى في ذاته أو اسمائه أو صفاته أو أفعاله أو في ربوبيته أو في ألوهيته أو في هذه الأقسام جميعها، ومنه الشرك دون شرك (الشرك الأصغر): وهو شرك العمل بغير اعتقاد الشريك مع الله، ومنه الشرك الخفي وهو تعلق القلب بغير الله تعالى من سائر الأسباب، والشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة، وصاحبه مخلد في النار، وهو محبط لجميع الأعمال مبيح للدم والمال، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزُّمَر: 65]. والشرك الأصغر(الشرك دون شرك): وهو شرك العمل مع صحة اعتقاد القلب بالتوحيد، وهذا الشرك لا يخرج من الملة، ولا يخلد صاحبه في النار، بل يعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج من النار، وقد يتوب الله عليه فلا يدخل النار، والشرك دون شرك لا يحبط جميع الأعمال، وإنما يحبط العمل الذي خالطه، ولا يبيح الدم والمال كالأكبر، وحكم فاعله حكم عصاة الموحدين، وقد يصبح أكبراً بحسب ما يقوم في قلب صاحبه من اعتقاد، فيجب على المسلم الحذر من الشرك مطلقاً، وهناك نوع ثالث من الشرك وهو الشرك الخفي: سمي بالخفي لأنه أخفى على القلب من دبيب النمل، وتخفى دقائقه على أهل التوحيد، ولهذا لا ينجو منه إلا الأنبياء والمرسلين، ومحاربة هذا النوع من الشرك هو من كمال التوحيد، ومثاله، تعلق القلب بالأسباب، وتعلق المحبة بالأبناء والأموال، وهكذا، وقد علمنا الرسول الكريم الاستعاذة من هذا الشرك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم واستغفرك لما لا أعلم)([45]) .
[(3) ضابط الشرك الأكبر المحبط للعمل]: شرك العبادة قسمان أكبر يتعلق بالقلب والاعتقاد، وأصغر يتعلق بالعمل والجوارح، وهذا من أعظم الفقه في دين الله تعالى ومن الموازين الربانية لضبط مسائل وأحكام الشرك، وإلا دخلت الأمة في فوضى التشريك واتهام أهل الجهل والبدعة بالشر ك الأكبر المخرج من الملة والعياذ بالله.
(أ) شرك العبادة الأكبر شرك اعتقاد: ويتناول اعتقاد استحقاق غير الله تعالى للعبادة والنسك، أو استحقاق غير الله تعالى للحكم والتشريع، أو استحقاق غير الله تعالى للطاعة والاتباع، فمن اعتقد أنّ غير الله تعالى يستحق العبادة ومفرداتها من صلاة وسجود وركوع وخشوع وعبادات القلب من خوف ورجاء ورهبة ورغبة، ومن اعتقد أنّ غير الله تعالى يستحق الحكم والتشريع فيحرم ويحلل كيفما أراد لا يسأل عما يحكم أو يأمر به مهما خالف دين الله تعالى، ومن اعتقد أنّ غير الله تعالى يستحق الطاعة المطلقة في كل ما يأمر أو ينهى ولو خالف شرع الله، وعلى ذلك فمناط الشرك الأكبر هو صرف تلك العبادات والطاعات لغير الله وهو يعتقد ألوهية من يصرف إليه العبادة.
(ب) شرك العبادة أو شرك الألوهية الأصغر شرك عمل: ويتناول صرف بعض مفردات العبادة إلى غير الله تعالى مع سلامة الاعتقاد، أو الحكم العملي بغير ما انزل الله تعالى مع سلامة الاعتقاد بأن الله تعالى هو وحده الحكم المشرع، أو طاعة غير الله تعالى في معصية الله مع سلامة الاعتقاد بأنّ ما يفعله معصية تغضب الله تعالى لا يستحلها.
(ت) ضابط الشرك في ألوهية الله تعالى: إن الاضطراب الحاصل في تحديد حقيقة الشرك الأكبر في العبادة والألوهية أوقع الكثير من المنتسبين للعلم في اتهام المسلمين بالشرك، بمجرد البدعة التي ظنوها شركاً أكبر، وضابط الشرك في الألوهية يكون باعتقاد استحقاق غير الله تعالى للعبادة، وهو يكون بصرف العبادة أو بعض مفرداتها إلى غير الله بنية العبادة لمن يعتقد ألوهيته، وهذا الضابط هاهنا هام جداً كضابط لمسائل الشرك في الألوهية، فمن صرف العبادة أو مفرده منها كالسجود لغير الله بنية العبادة لمن يعتقد ألوهيته فقد أشرك بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وأنا هنا أنبه لهذا الضابط، وذلك لأن السجود بنية الإكرام أو التعظيم وليس العبادة لا يكون شركاً أكبر بالله البته، وهذا بحمد الله لا خلاف فيه بين علماء المسلمين المحققين.
(ث) قاعدة عظيمة في ضبط مسائل الشرك: الشرك الأكبر اعتقادي والشرك الأصغر عملي: فلا يكون العمل الشركي دالا على الشرك الأكبر إلا باعتقاد ألوهية غير الله واستحقاق غيره للعبادة، وهذا الضابط هو العاصم من التكفير واتهام المسام بالشرك الاكبر المخرج من الملة، بمعنى أنه كل من يقول أنا لا أعبد إلا الله وما أقوم به ليس عبادة لغير الله، لا يمكن أن يقال له: لا بل أنت مشرك، أنت تعبد غير الله لأننا نحن نعرف معنى العبادة وأنت لم تعرفها، هو مسلم بمجرد اعتقاده بأن العبادة لا تكون إلا لله ولم يقصد غير الله بالأعمال العبادية، وكل مقر بلسانه بكلمة التوحيد مسلم ليس لنا أن تتهمه بالشرك ما دام يأبى الشرك بالله، والاتهام بالشرك أخطر أنواع التكفير والمقر بلسانه بكلمة التوحيد(لا إله إلا الله) مسلم، ليس لنا أن تتهمه بغير ذلك، ما كان مقرا بأن الله هو الخالق المدبر المعبود وحده لا شريك ولا يمكن أن نحكم بكفره إلا إذا أنكر ما هو ضروري من الدين مع انتفاء الشبهة في حقه، وقد ردع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن اتهام اي مسلم بالشرك أو الكفر، ففي صحيح مسلم: ((إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما)) ([46]) .
[المفتاح الرابع]: الركن الثالث من أركان شهادة التوحيد: (الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم) ]: ويتضمن هذا الركن عدة أمور أهمها ثمانية هي: (1) الإيمان به صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً من عند الله، (2) وتتضمن اعتقاد صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخبر، (3) وتتضمن اتباعه صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته فيما يأمر وينهى، (4) وتتضمن تحكميه صلى الله عليه وآله وسلم في كل أمر، (5) وتتضمن تجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، (6) وتتضمن محبته صلى الله عليه وآله وسلم، (7) وتتضمن تعظيمه وتوقيره صلى الله عليه وآله وسلم، (8) وتتضمن الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم
(1) الإيمان به صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً من عند الله: الإيمان بكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رسول من عند الله وكونه خاتم الأنبياء والرسل وكونه مرسل إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة لا يقبل إسلام المرء إلا بهذا الإيمان وهذا الأمر تضمنته آيات كثيرة في كتاب الله تعالى: منها قوله تعالى {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} [الأعراف: 158]، وقولـه تعـالى {وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيداً} [النساء: 79]، وقوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40]، وتضمنته أحاديث كثيرة عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم: منها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)) ([47]) .
ويعلق النووي على هذا الحديث بقوله وفي هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور وهذا جاء على ما تقدم في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح والله أعلم، ([48]) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ” لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ” أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته وإنما ذكر اليهود والنصارى تنبيهاً على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى والله أعلم “، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيـون))، ([49]) .
(2) وتتضمن اعتقاد صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخبر:
ويدل عليه قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3- 4]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ” لا أقول إلا حقاً قال بعض أصحابه فإنك تداعبنا قال إني لا أقول إلا حقاً “ ([50]) . وما روي عن عبد الله بن عمرو قال كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أريد حفظه فنهتني قريش فقالوا إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ورسول الله يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب حتى ذكرت ذلك لرسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم فقال “أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق“([51])
(3) وتتضمن اتباعه صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته فيما يأمر وينهى: بمعنى أن يعتقد المسلم اتباعه صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته فيما يأمر وينهى، فمن اعتقد أنه يسعه الخروج عن طاعة النبي أو يسعه الوصول إلى الله بغير سلوك طريقه صلى الله عليه وآله وسلم فقد كفر، قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافريـن} [آل عمران: 64] و قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} [النساء: 64]، وقال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين} [النساء: 13-14].
(4) وتتضمن تحكميه صلى الله عليه وآله وسلم في كل أمر، وعدم التقدم على قوله بقول: فلا نقدم على قوله قول ولا على حكمه حكم ولا على سنته وهديه رأي لأحد كائناً من كان وفي ذلك يقول الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليمـاً} [النساء: 65]، ويقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} [الحجرات: 1]، ويقول جل وعلا: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً} [الأحزاب: 36]، ويقول عز وجل: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون، إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائـزون} [النور: 47-52].
(5) وتتضمن تجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمع شرع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكمل الله تعالى الدين وأتم به النعمة ورضي للعباد جميعاً بعد بعثته وإلى قيام الساعة دينه الذي جاء به من ربه ديناً قيماً لا يقبل من العباد جميعاً ديناً سواه، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85}، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك شيئاً يقربنا إلى الله إلا ودلنا عليه ولا شيئاً يبعد عن الله تعالى إلا ونهانا عنه وتركنا على محاجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولذلك فكل محدثة في الدين بعده صلى الله عليه وآله وسلم بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وحول تأكيد هذا الأمر جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، فمن ذلك قول الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) ([52]) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) ([53]) .
والقيد في الحديثين، قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس عليه أمرنا)، و قوله صلى الله عليه وسلم: (ما ليس منه) والمعنى المستفاد من الحديثين، أنّ كل ما ليس له أصل في الدين فهو مردود على صاحبه، وما كان له أصل في الدين، فهو ليس بمردود، ومما يستفاد من الحديثين الشريفين معرفة شرطين للبدعة: الأول: أن ينسب إلى الدين، والثاني: أن لا يكون له أصل من دين الله يشهد له الحديث، فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين، وقوله صلى الله عليه وسلم (ما ليس منه) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم (فهو رد)، قال الشافعي رحمه الله: (البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم) [أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي]، وجاء عن الشافعي أيضا ما أخرجه البيهقي في مناقبه قال ” المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة ” انتهى، ([54]) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن من يعش منكم؛ فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة)) ([55]) .
والمراد ببدعة الضلالة ما أحدث غي الدين مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما واللهِ إنِّي لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكنِّي أصومُ وأفطرُ، وأصلي وأرْقدُ، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فليس مِنِّي) ([56]) .
والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم: (فمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فليس مِنِّي)، فالاقتصاد في العبادة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وخير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الاحاديث استنيط العلماء شروطا لبدعة الضلالة أهمها: (الشرط الأول): أن تكون محدثة بعد زمن التشريع، و(الشرط الثاني): أن تُنسب إلى الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى، و(الشرط الثالث): أن تخالف الشرع، و(الشرط الرابع): ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف، والخلاصة: أنّ البدعة الشرعية التي يقصد بها الضلالة هي كل محدثة في الدين وفيها مخالفة للشرع وليس لها أصل فيه، أما المحدثات التي لها أصل من الدين أو داخلة تحت شيء من مقاصده، أو أمر عام من أوامره، ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ولا خلاف فيما تدل عليه من الخير فهذه من المحدثات الحسنة التي جاء بها الحديث (من سن سنة حسنة فعمل بها، كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيئا ومن سن سنة سيئة فعمل بها، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيئا) ([57]) . أي والمعنى طريقة مرضية يقتدي فيها والتمييز بين الحسنة والسيئة بموافقة أصول الشرع وعدمها.
(6) وتتضمن محبته صلى الله عليه وآله وسلم: ومحبته صلى الله عليه وآله وسلم أصل عظيم من أصول الإيمان بالله، لأنه رسول الله، ولأنّه طريقنا إلى الله، ولا يكون العبد مؤمناً إلا بوجودها ولا يبلغ كمال الإيمان إلا بكمالها وهو أن تكون محبة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – تفوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، وقد جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين))، ([58]). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) ([59]) .
وجاء في الحديث الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا رسول الله والله لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي فقال: ((لا يا عمر حتى أكون أحب إليه من نفسك قال والذي بعثك بالحق لأنت أحب إلى من نفسي قال الآن يا عمر))، ([60]) . ومحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عظيمة لا حد لها، ولكن ينبغي عدم مجاوزة الحد في المحبة بحيث يدخل الأمر في الشرك الذي دخلت فيه النصارى بنسبة خصائص الربوبية أو الألوهية إلى عيسى بن مريم والزعم بأنه ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا صحيح البخاري عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله))، ([61]) .
ومما هو جدير بالذكر أن محبته – صلى الله عليه وآله وسلم تابعة لمحبة الله تبارك وتعالى إذ ليس في الوجود ما يستحق المحبة لذاته سوى الله تبارك وتعالى وكل محبوب سواه فمحبته تبع لمحبة الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وآله وسلم أولى الخلائق بهذه المحبة ولكنها محبة في إطار محبة الله وطاعة في إطار طاعة الله.
(7) وتتضمن تعظيمه وتوقيره صلى الله عليه وآله وسلم: فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو خير خلق الله تعالى وأفضلهم، وهو أفضل الرسل وخاتم النبيين، وهو صاحب الوسيلة والفضيلة، وهو صاحب المقام المحمود مقام الشفاعة للناس يوم القيامة، أمر الله عز وجل بإجلاله وتوقير واحترامه، ونهى عن رفع الصوت بحضرته وأنذرهم بإحباط أعمالهم، وأثنى على الذين يغضون أصواتهم عند حضرته، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم * إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيـم} [الحجرات: 3 إلى 5]، ونهى سبحانه أن يدعي الرسول باسمه كما يدعي سائر الناس وإنما يدعي بالنبوة والرسالة فيقال يا رسول الله أو يا نبي الله قـال تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكـم كدعاء بعضكم بعضاً} [النور: 63]، وأمر سبحانه المسلمين بتوقيره فقال جل شأنه: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [سورة الفتح: 8، 9]،
(8) وتتضمن الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم: الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم حق له صلى الله عليه وآله وسلم على أمته، ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين بالصلاة عليه قال تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} [الأحزاب: 56]، وأفضل صلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي الصلاة الإبراهيمية وهي صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد الأخير ولفظها ((اللهم صلى على محمد وعلى آله محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حمد مجيد))، وبعد فهذه أركان شهادة التوحيد (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، (لا إله إلا الله) كفر بالطاغوت وإفراد الله تعالى وحده بالعبادة و (محمد رسول الله) تجريد المتابعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في توحيد الله تعالى.
[ المفتاح الخامس]: نواقض شهادة الإسلام (لا إله إلا الله _ محمد رسول الله): نواقض الشهادتين تشمل: كل ما ينقض شهادة (لا إله إلا الله)،: وذلك يكون بالوقوع في شيء من الشرك الأكبر بالله، ويكون كذلك بشيء من الكفر الأكبر بالله، وكلك كل ما ينقض شهادة (محمد رسول الله): وذلك بإنكار شيء من المعلوم من الدين بالضرورة من رسالة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم المتضمنة للقرآن والسنة الثابتة عنه صلى الله عليه وآله وسلم أو إنكار بعضها، أو الطعن في رسالته صلى الله عليه وآله وسلم أو شيء منها من القرآن أو السنة والطعن يكون بالتكذيب أو الشك أو الاستهزاء، أو الطعن فيه صلى الله عليه وآله وسلم أو إعلان كراهية ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الهدى، فتلك الأقسام تكاد تحوي نواقض الشهادتين المخرجة من دين الإسلام بالكلية وقد حدد الشرع عقوبة ذلك المروق من دين الله وتلك الفتنة بالقتل وذلك لأن الفتنة أشد من القتل والفتنة أكبر من القتل وذلك وفق أحكام الاستتابة التي قررها الفقهـاء ولا يقوم بها إلا أولياء الامور ومن ينوب عنهم من القضاة.
[1] الشرك الأكبر بالله: الشرك الأكبر معناه اعتقاد وجود الشريك مع الله تعالى، قال تعالى {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51]، واعتقاد أن غير الله تعالى هو الإله مثل قول النصارى في نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام، قال تعالى {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] واعتقاد أن ذات الله تعالى منقسمة إلى أقانيم مثل قول النصارى أن الله تعالى ثالث ثلاثة، قال تعالى {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73].
واعتقاد أن الله تعالى له أبناء أو بنات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، كقول النصارى بأن المسيح ابن الله وقول اليهود بان عزير ابن الله وقول مشركي العرب بأن الملائكة بنات الله، قال تعالى {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [سورة مريم: 88، 95]، وكاعتقاد مشركي العرب في الجن، كما في قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100].
ومن الشرك الاكبر اعتقاد أرباب من دون الله، ومن الشرك الأكبر اعتقاد استحقاق غير الله تعالى للعبادة، لأنه سبحانه هو المستحق للعبودية وحده لأنّه هو الرب الإله الحق، فلا تصرف العبادات إلا إليه، قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الْأَنْبياء: 25]، وقال تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقال تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]، وقال تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، فمن صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود أو غيره من مفردات العبادة لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في ألوهية الله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الناقض لأصل التوحيد، وهو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه، ومن صرفها بغير اعتقاد الشراكة مع الله تعالى في أي من صفات الربوبية أو الألوهية، فقد أتي بالشرك العملي الناقض للتوحيد الواجب، ووجب عليه التوبة إلى الله وتصحيح التوحيد بإفراد الله تعالى بمفردات العبادة وصورها التي لا ينبغي أن تصرف إلا لله.
ولابد من القول بأنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي.
والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، والشرك ظلم عظيم لكونه نقيض التوحيد الذي هو أساس الإسلام الأعظم ومبدؤه الأول (لا إله إلا الله)، ولذلك جاء في القرآن الكريم بيان أن هذا الذنب العظيم الذي لا يغفره الله تعالى لصاحبه إلا أن يتوب عنه، قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]،وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)) ([62]) .
[2] الكفر الأكبر: لما كان دين الإسلام هو الدين الذي لا يقبل الله تعالى من العباد جميعاً دينا سواه كان حتماً أن كل ما سواه هو من الكفر بالله تعالى، والأصل في ذلك: قوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، وقوله تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وعلى ذلك فكل من لم يدخل في دين الإسلام بالشهادتين ويعتقد بلوازمهما فهو من الكافرين يتساوى في ذلك الحكم المشرك والمجوسي والملحد وعابد الصنم والوثني واليهود والنصارى، فإن كانت شريعة الإسلام قد خصت أهل الكتاب (اليهود والنصارى) بعدد من الأحكام الشرعية الخاصة كحل الذبائح وحل الزواج من نسائهم، وسمتهم بأهل الكتاب إلا أنهم كفار بالله جل وعلا وذلك لعدم دخولهم في دين الإسلام والتصديق برسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وشريعة الإسلام في ذلك واضحة تماماً: يقول الله جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهل الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6]، وقوله عز وجل {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ،} [المائدة: 72]، وقوله جل وعلا {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73]، وقوله تبارك وتعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150 – 151]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ونصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) ([63]) .
يقول النووي في شرح صحيح مسلم: ” وقوله صلى الله عليه وسلم لا يسمع بي أحد من هذه الأمة أي فيمن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهاً على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى والله أعلم “([64]) .
وعلى ذلك: فكل من لم يدخل في دين الإسلام الذي جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم فهو من الكافرين، واعمالهم هباء، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 103 – 105].
والكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان ولذلك فمنشأ الكفر الأكبر هو كفر القلب أو انتفاء أصل الإيمان أو أحد عناصره التي قررها العلماء وهي الإقرار والتصديق والانقياد.
ومن أهم أنواعه: كفر جهل وتكذيب: وفيها ينتقي تصديق القلب مع عدم العلم بالحق في حق الله تعالى أو رسله أو كتبه أو ملائكته أو اليوم الآخر أو القدر، وفي ذلك يقول الله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ،} [يونس: 39] وقوله تعالى {حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 84].
وكفر الجحود: وفيه يكون كتم الحق وجحده مع العلم بصدقه وفيه يقول الله جل وعلا: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14] وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] وقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146].
وكفر العناد والاستكبار: وهذا ككفر إبليس الرجيم لعنه الله وكفر غالب اليهود الذين شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه، فإبليس اللعين لم يكذب في أمر الله تعالى له بالسجود وإنما أبى عن الانقياد كفر واستكباراً قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، وغالب اليهود – غضب الله عليهم – يعلمون أن الرسول حق وأنه مرسل من عند الله ولكنهم منعهم العناد والكبر عن اتباعه قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة: 89 – 90].
وكفر النفاق حيث ينتفي تصديق القلب، مع انقياد الجوارح الظاهرة فهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]، وقال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ.
فهذه أهم أنواع الكفر ومنشؤها جميعاً كفر القلب أو انتفاء أصل الإيمان، ومن ختم الله عز وجل عليه بالكفر فما له من هاد، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 6 – 7]، والكافر بالله الكفر الأكبر خالد في النار أبداً إن مات على هذا الكفر.
[3] النفاق الاعتقادي: النفاق: هو إظهار الإسلام باللسان وعلى الجوارح مع اعتقاد الكفر بالقلب وهذا النفاق شر من الكفر لضرر أصحابه بالمسلمين وخدعهم ومكرهم بهم ولأنهم تجرى عليهم أحكام دين الإسلام فينتفعون بها في الدنيا فإنهم في الآخرة في أدنى وأسفل مرتبة في النار، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]،
[4] نواقض الشهادتين: إذا كانت الشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) هما الباب الأوحد إلى دين الإسلام ينطق بهما العبد فاهماً وقاصداً معناهما فيدخل إلى دين الإسلام ويكون له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ولا يرتد هذا العبد عن دين الإسلام إلا إذا أتى بما ينقض دعوى الشهادتين أو أحدهما عن قصد وإصرار، وفي هؤلاء قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} [محمد: 25]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217]، وفيهم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من بدل دينه فاقتلوه)) ([65]) .
ونواقض الشهادتين تشمل: كل ما ينقض شهادة (لا إله إلا الله): وذلك يكون بالوقوع في شيء من الشرك الأكبر بالله كأن يعتقد أن مع الله آلهة أخرى تشاركه في بعض أفعاله أو صفاته، أو يكون باعتقاد صفات الربوبية المستحقة لله تعالى وحده لأحد من خلقه، أو إنكار ربوبية الله جل شأنه لخلقه أو إنكار بعضها أو الشرك فيها أو الطعن فيها والطعن يكون بالتكذيب أو الشك أو الاستهزاء، ويكون كذلك بإنكار ألوهيته تعالى لخلقه أو الشرك فيها أو الطعن فيها، ويكون بإنكار استحقاق الله عز وجل للعبادة وحده لا شريك له، أو باعتقاد استحقاق غير الله تعالى للعبادة أو شيء من مفرداتها، أو الطعن في العبادة بالشك أو التكذيب أو الاستهزاء، أو صرف شيء من العبادات إلى غير الله تعالى بقصد العبادة، ويكون كذلك بشيء من الكفر الأكبر بالله ومنه كفر القلب بشيء من شرع الله بما يضاد الإقرار أو التصديق أو الانقياد.
وكل ما ينقض شهادة (محمد رسول الله): وذلك بإنكار شيء من المعلوم من الدين بالضرورة من رسالة النبي – صلى الله عليه وسلم المتضمنة للقرآن والسنّة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم أو إنكار بعضها، أو الطعن في رسالته صلى الله عليه وسلم أو شيء منها من القرآن أو السنّة والطعن يكون بالتكذيب أو الشك أو الاستهزاء، أو الطعن فيه صلى الله عليه وسلم أو إعلان كراهية ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى، فتلك الأقسام تكاد تحوي نواقض الشهادتين المخرجة من دين الإسلام بالكلية وقد حدد الشرع عقوبة ذلك المروق من دين الله وتلك الفتنة بالقتل وذلك لأن الفتنة أشد من القتل والفتنة أكبر من القتل وذلك وفق أحكام الاستتابة التي قررها الفقهـاء ولا يقوم بها إلا أولياء الامور ومن ينوب عنهم من القضاة.
***
المبحث الثالث مفاتيح مهمة تتعلق بالشهادتين باب الإسلام الأوحد
[المفتاح الأول]: [من تشهد بالشهادتين حُكم له بالإسلام الظاهر والله يتولى السرائر]: الشهادتان باب الإسلام الأول الذي من دخله دخل الإسلام وحكم له بالإسلام الظاهر وصار له اسم الإسلام وحكمه والله يتولى السرائر وهذا الأمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، قال النووي: ” واتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أنّ المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلاّ من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ونطق بالشهادتين ” أهـ، وقال ابن حجر: ” أمّا بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدُنيا ولم يُحكم عليه بكفر إلاّ إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود لصنم ” أهـ، فالإقرار بالشهادتين لازم للحكم بالإسلام الظاهر أما اعتقادهما فهو دليل على صحة الإيمان الباطن وباعتقادهما والنطق بهما يكون المرء من أهل القبلة على الحقيقة ولا يخلد في النار خلود الجاحديـن.
والأدلة على هذا الأصل كثيرة مستفيضة منها:
(أ) الدليل الأول: ما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه: ((أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)) ([66]) . وفي رواية معمر ((فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله)). ([67]) .
ومن تدبر الحديث علم يقيناً أنّ الحكم بإسلام المرء يكون بمجرد نطقه بالشهادتين أو ما يحل محلهما في القبول المجمل بدين الإسلام، مع أنّ الصورة المفترضة تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قالها إلاّ تقية وهرباً من القتل ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً.
(ب) الدليل الثاني: ما أخرجه مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما قال: ((بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحُرقة من جهينة، فصبّحنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلمّا غشيناهُ قال: لا إله إلاّ الله، فكفّ عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، قال فلمّا قدمنا، بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي: (يا أسامة! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله؟) قال قلت: يا رسول الله! إنما كان متعوذاً، قال، فقال: (أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله؟) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم))، ([68]) . وأخرج مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه الحديث وفيه: ((إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث بعثاً من المسلمين إلى قوم من المشركين، وإنهم التقوا فكان رجل من الشركين إذا شاء أنّ يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإنّ رجلاً من المسلمين قصد غفلته، قال وكنّا نحدّث أنه أسامة بن زيد، فلمّا رفع عليه السيف قال: لا إله إلاّ الله، فقتله، فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسأله فأخبره حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه، فسأله، فقال: (لم أقتله؟) قال: يا رسول الله أوجع في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً، وسمّى له نفراً، وإني حملت عليه، فلمّا رأى السيف قال: لا إله إلاّ الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أقتلته؟ قال: نعم قال: فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة، قال: يا رسول الله: استغفر لي، قال: وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة، قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة))، ([69]) .
ففي هذا الحديث برواياته المتعددة أوضح الدلالة بالحكم للمرء بالإسلام بمجرد قوله لا إله إلاّ الله وتلفظه بالشهادة، ولو تدبرنا نص الحديث لوجدنا أن جميع القرائن تدل على أنّ هذا الرجل ما قال الشهادة إلاّ تقية وخوفاً من القتل، ومع ذلك حكم له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإسلام، وعنّف أسامه أشد التعنيف مع أنه معذور بجهله لهذا الحكم وقد اجتهد فأخطأ بخلاف المقدام فإنه كان يستفتى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن واقعة لم تحدث فأعلمه بالحكم وأنه إن استحل قتله كفر، ومع تعنيفه لأسامه لم يرض أن يستغفر له وكان من قوله صلى الله عليه وآله وسلم له (أقال لا إله إلاّ الله وقتلته) و (فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة) و (أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله) حتى تمنى أسامه رضي الله عنه أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم لما أقدم عليه من سفك دم رجل قال لا إله إلاّ الله فحكم له بالإسلام الظاهر والله يتولى سريرته ولم يأمرنا أن نشق عن قلبه حتى نعلم أقالها معتقداً لها أم قالها نفاقاً وتقية فهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله ولم يكلفنا سبل معرفته لأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله.
(ت) الدليل الثالث: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فمن قال لا إله إلاّ الله عصم منى ماله ونفسه إلاّ بحقه وحسابه على الله))، ([70]) . وما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله))، ([71]) . وما أخرجه مسلم عن أبي مالك عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ((من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله))، ([72]) .
فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على الله.
(ث) الدليل الرابع: ما أخرجه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك بهما إلاّ دخل الجنة))، ([73]) .
وما أخرجه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((من مات وهو يعلم أنه لا إله إلاّ الله دخل الجنـة))، ([74]) . وما أخرجه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((من شهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله حرّم الله عليه النار))، ([75]) .
فهذه الأحاديث تدل على أنّ من أتى بالشهادتين معتقد لهما (بالتصديق والانقياد) فهو في منجى من الخلود الأبدي في النار ومآله إلى الجنة برحمة الله، وقد تقدم شرح هذه الأحاديث في الباب الأول، والشاهد هاهنا أنه إذا كانت الشهادة تنجى من الخلود الأبدي في النار ومآل صاحبها المعتقد لها إلى الجنة والجنة لا يدخلها إلاّ نفس مؤمنة، فإذا كانت الشهادة تعطي صاحبها الإيمان على الحقيقة إن كان معتقداً لها، فمن باب الأولى أن تعطيه اسم الإسلام في الدُنيا ما كان مقراً لهما، مقراً لكل ما تتضمناه من عقائد وشرائع، فهو مسلم له اسم الإيمان وحكمه.
(ج) الدليل الخامس: ما أخرجه مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمه: قل لا إله إلاّ الله أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن يعيرنى قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56]))، ([76]) . وما أخرجه البخاري: ((في قصة الغلام اليهودي الذي كان يخدم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له (أسلم) فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال أطع أبا القاسم فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار))، ([77]) .
والشاهد من الحديثين أنه لو لم تكن الشهادة إسلاماً يُنجى من الكفر في الدُنيا ومآل صاحبها في الآخرة إلى الجنة لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليحرص على أن يقر بها عمّه وأن يقر بها الغلام اليهودي، فلمّا أبى عبد المطلب كان مآله إلى النار ولمّا أقر بها اليهودي أنقذه الله تعالى بها من الكفر ومن النار.
(ح) الدليل السادس: سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد دلت سيرته العملية في دعوة الناس إلى الإسلام وقبول الإسلام منهم ـ بما لا يدع مجالا للشك ـ أنه كان يقبل إسلام من أقر بالشهادتين بمجرد الإقرار ثم لا يُترك بعد ذلك بل يؤمر بالفرائض ويُنهى عن المحرمات وهو داخل ضمن إطار الإسلام الذي دخله بإقراره المجمل بدين الإسلام متمثلاً في النطق بالشهادتين، ومن نظر في السيرة إلى قصص إسلام الصحابة علم يقيناً أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحكم بالإسلام الظاهر لكل من نطق بالشهادتين ولم يؤثر عنه ولو مرة واحدة أنه توقف في إسلام أحد حتى يؤدى شيئاً من فرائض الله بل كما نقلنا أنه كان يقبل إسلام البعض على شروطهم الفاسدة كما قبل من ثقيف إسلامهم مع اشتراطهم بعدم الصدقة والجهاد وقال سيتصدقون ويجاهدون وكما قبل من رجل الإسلام على أن يصلى صلاتين، ومنها استدل الفقهاء على صحة الإسلام مع الشرط الفاسد وقد تقدم ذكر ذلك، (قلت): ومع كل هذه الأدلة اليقينية السابقة، فقد غالى البعض وخالف هذه القاعدة واشترطوا حداً أدنى للحكم بإسلام المرء زائداً على حدّ الإقرار بالشهادتين، بمعنى أنهم لا يحكمون لأحد بإسلام حتى يأتي بهذا الحدّ الذي قرروه بعقولهم، ثم هم بعد ذلك مختلفون أشد الاختلاف في تقرير هذا الحدّ، فمنهم من جعله الشهادتان وجنس عمل الجوارح ومنهم من جعله الشهادتان والصلاة ومنهم من جعله الشهادتان والصلاة والزكاة ومنهم من قال هو جميع أركان الإسلام الخمسة وقالت الخوارج هو جميع فرائض الإسلام والكف عن جميع محرماته ونواهيه، وعلى مذهب هؤلاء الذين اشترطوا حداً زائداً للإسلام غير الإقرار بالشهادتين لا يُحكم لأحد بإسلام وإن أقر بالشهادتين حتى يأتي بحده الأدنى الذي قرروه بعقولهم المجردة، ومع أنهم جعلوه أصلاً يحكمون به على أهل القبلة إلاّ أنه لم يأت لا في كتاب الله تعالى، ولا في سنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والعجيب أنه لم يرد مجرد ذكره عن أحد من سلف الأمة، بل هو محدث أحدثه هؤلاء ثم حكموا به على أهل القبلة بمحض عقولهم وأهوائهم.
(خ) فوائد متعلقة بهذا الأصل: (الفائدة الأولى): ليس معنى قولنا أنّ كل من نطق بالشهادتين حكمنا بإسلامه أنه في مأمن من الردّة بعد ذلك مهما قال أو فعل بعد النطق بهما، بل قد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً مختاراً لها، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام، يُعامل معاملة المرتد من الاستتابة وأحكامها كما قررها الفقهاء، وفي مبحث نواقض الإيمان بيان لكثير من هذه الاعتقادات والأقوال والأفعال المخرجة من الملة بعد دخولها، و (الفائدة الثانية): أنه ليس المعنى من تقرير هذه القاعدة هو تقليل قيمة العمل وأهميه وإنما المعنى من تقرير هذه القاعدة هو ما دلّ عليه الشرع من كون الإقرار بالشهادتين أو ما يحل محلهما في بيان الإقرار المجمل بالإسلام كاف في الحكم على المرء بالإسلام ثم يُعامل بعد ذلك معاملة المسلمين فإن أتى بناقض أقيمت عليه الحُجة الشرعية المعتبرة به عُومل معاملة المرتدين.
[المفتاح الثاني]: من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد]: والمقصود من هذا الأصل: أنّ من مات وهو مقر بشهادة التوحيد (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله) معتقد لها استوجب بفضل الله ورحمته الجنة، وهو يوم القيامة تحت مشيئة الرحمن إن شاء أدخله الجنة ابتداء وإن شاء أدخله النار بذنوبه ومعاصيه، إلاّ أنه لا يخلد في النار أبداً خلود الكافرين، ولكن مآله إلى الجنة لما أتى من توحيد الله عز وجل وقد دلّ على هذا الأصل:
(أ) الحديث الأول: ما أخرجه البخاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من خير)) ([78]) .
وفي رواية (من إيمان) مكان (من خير)، ففي هذا الحديث دليل على أن من أتى بالإقرار (قال لا إله إلاّ الله) والاعتقاد (وفي قلبه وزن شعيره من إيمان) (وفي قلبه وزن بره من إيمان) (وفي قلبه وزن ذره من إيمان) فإنه لا يخلد في النار خلود الكافرين بل يخرج من النار إلى الجنة.
(ب) الحديث الثاني: حديث الشفاعة اخرجه البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيه: ((فأقول يارب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان … فأقول يارب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذره أو خردله من إيمان … فأقول يارب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل،، ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يارب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله)) ([79]) .
ففي هذا الحديث كذلك دلاله على أن من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه اعتقادها فإنه في مأمن من الخلود في النار خلود الكافرين ولكنه يخرج منها برحمة الله إلى الجنة.
(ت) الحديث الثالث: ما أخرجه مسلم رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة)) ([80]) .
ففي هذا الحديث دلاله على أن الشهادتين مع الاعتقاد لهما (غير شاك فيهما) سبب لدخول الجنة وإن طال زمان التعذيب في النار.
(ث) الحديث الرابع: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار)) ([81]) .
ومعنى الحديث أنّ من أقرّ بالشهادتين واعتقدهما حرّم الله عليه الخلود في النار وهذا ما يجب حمل الحديث عليه إذ عليه مذهب أهل السنّة الذين يقولون بأن أصحاب الكبائر تحت المشيئة وقد دلت الأخبار بيقين أنّ بعضهم يدخل النار بقدر ذنوبه ثم يخرج بالشفاعة أو ضمن أصحاب قبضة الرحمن الذين لم يعملوا خيراً قط،.
(قلت) ولهذا قال القرطبي في شرح حديث مسلم ((أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عنه الجنة)): ” وظاهر هذا الحديث أنّ من لقى الله وهو يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده دخل الجنة ولا يدخل النار، وهذا صحيح فيمن لقي الله تعالى بريئاً من الكبائر فأمّا من لقى الله تعالى مرتكب كبيره ولم يتب منها فهو في مشيئة الله تعالى التي دلّ عليها قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ،، } [النساء: 48] وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعي أنّ طائفة من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بالتفضل المعبّر عنه بالقبضة في الحديث الصحيح أو بما شاء الله تعالى فدلّ ذلك على أنّ الحديث المتقدم ليس على ظاهره فتعين تأويله، ولأهل العلم فيه تأويـلان الأول: أن هذا العموم يُراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من أهل الكبائر ممن يشاء الله أن يغفر له ابتداء، وثانيهما: أنهم لا يحجبون عن الجنة بعد الخروج من النار وتكون فائدته الاخبار بخلود كل من دخل الجنة فيها وأنه لا يُحجب عنها ولا عن شيء من نعيمها والله تعالى أعلم ” أهـ، ([82]) .
(ج) الحديث الخامس: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ((ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة)) قلت (أي راوي الحديث أبو ذر رضي الله عنه) وإن زنى وإن سرق؟ قال (وإن زنى وإن سرق) قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال (وإن زنى وإن سـرق) ثلاثاً ثم قال في الرابعة (على رغم أنف أبى ذر) فخرج أبو ذر وهو يقول وإن رغم أنف أبى ذر))، ([83]) .
[المفتاح الثالث]: بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقبل الله تعالى من العباد جميعاً وإلى قيام الساعة ديناً سوى دينه الإسلام الذي جاء به من عند الله]: فإنّه لمّا كان دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل هو الناسخ لما قبله من الشرائع والرسالات وهو المهيمن عليها جميعاً لذلك جاءت الأدلة على أن الله تعالى لا يقبل من عباده بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلى قيام الساعة ديناً سوى دينه الإسلام، وفي بيان هذا الأصل: قال الله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] وقال تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[آل عمران: 85] قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} وقوله{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ” إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرُسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى خُتموا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي سدّ جميع الطرق إليه إلاّ من جهة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فمن لقى الله بعد بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال تعالى{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}[آل عمران: 85] الآية وقال في هذه الآية مخبراً بانحصار الدين المتقبل منه عنده في الإسلام {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}” أهـ، ([84]) .
وقال رحمه الله ـ عند تفسير قوله تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] قال تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه} الآية أي من سلك طريقاً سـوى ما شـرعه الله فلن يُقبل منه {وهو في الآخرة من الخاسرين} كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ)) “، ([85]) . وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150-151]، قال ابن كثير في تفسير الآية: ” يتوعد الله تبارك وتعالى الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى حيث فرقّوا بين الله ورسله في الإيمان فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض فاليهود عليهم لعائن الله آمنوا بالأنبياء إلاّ عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمقصود أنّ من كفر من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن ردّ نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيماناً شرعياً إنما هو عن غرض وهوى وعصبيـة، ولهذا قـال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} فوسمهم بأنهم كفّار بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله أي في الإيمان وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} أي طريقاً ومسلكاً ثم أخبر عنهم فقال {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} أي كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به، لأنه ليس شرعياً إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره وبمن هو أوضح دليلاً وأقوى برهاناً منه، وقوله {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} أي كما استهانوا بمن كفروه به إمّا لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله وإعراضهم عنه وإقبالهم على جميع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإمّا بكفرهم به بعد علمهم بنبوته كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث حسدوه على ما أتاه الله من النبوة العظيمة وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذلّ الدنيوي الموصول بالذل الأخروي ” أهـ، ([86]) .وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] قال ابن كثير في تفسيرها: ” وقوله {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} أي ومن سلك غير طريـق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فصار في شق والشرع في شق وذلك عن عمد منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له، وقوله {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع وقد تكون اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما عُلم اتفاقهم عليه تحقيقاً، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفاً لهم وتعظيماً لنبيهم،، {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} أي إذا سلك هذه الطريقة جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجاً له،، وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلاّ إلى النار يوم القيامة ” أهـ، ([87]) .
(قلت): فكل من خالف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعدما أقيمت عليه الحُجة به فمأواه جهنم وساءت مصيرا، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ((والذي نفسى محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار))، قال النووي في درة من كلامه: ” وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يسمع بي أحد من هذه الأمة أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهاً على من سواهما وذلك لأنّ اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أنّ لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى ” أهـ، ([88]) . فكل من سمع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم لم يؤمن بالإسلام الذي بعث به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو كافر خالد مخلد في النار وبئس المصير.
[المفتاح الرابع]: بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى قيام الساعة، من لم يأت بالشهادتين فهو كافر الكفر الأكبر، وهو إما كافر جاهل إذا كان لم يسمع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو كافر معاند إذا بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجحد نبوته]: قال الله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 1 إلى 6]، هذه السورة الكريمة تدلنا على أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى وكافة المشركين عبدة الأوثان والأصنام والنيران من العرب والعجم وغيرهم لم يكونوا منتهين عن كفرهم وشركهم حتى تأتيهم البينة، وهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتلو عليهم القرآن الكريم وما فيه من دلائل التوحيد وشرائع الإيمان والإحسان، ثم أخبر سبحانه بأنّ مآل كل من كذّب بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كافر خالد في نار جهنم أبدا وهو من شر البرية، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا} [النساء: 150، 151]، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الرسول الخاتم الذي ختمت به الرسالات جميعاً، لقوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40].
قال ابن كثير: ” فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بطريق الأولى والأحرى لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فإن كل رسول نبي ولا ينعكس وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “،([89]) . فمن المعلوم من الدين بالضرورة أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم النبيين وهو من باب الأولى والأحرى خاتم المرسلين فلا نبي بعده ولا رسول، ودينه هو الخاتم الذي ختم الله تعالى به الرسالات جميعاً، كما أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بُعث إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة: وهذا الأمر يدلنا على عموم رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمن قال أنه رسول وأقر بذلك وصدقه ولكنه قال أنه رسول إلى العرب أو إلى زمان خاص فلا يُفيده إقراره ولا تصديقه شيئاً، وهو كافر على الإطلاق وعند التعيين تُقام عليه الحُجة بالكتاب والسنّة فإن جحد الحُجة كفر على التعيين، ويُستتاب فإن لم يتب كان حُكمه في الشرع القتل رده قال تعالى ـ في بيان هذا الأصل: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، كما أنّ دينه صلى الله عليه وآله وسلم وشرعه الذي جاء به من عند الله تعالى هو الناسخ لجميع الشـرائع قبله والمهيمن عليها جميعا، قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48]،
ولذلك فإنّه بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى قيام الساعة، كل من لم يشهد بالشهادتين فهو كافر، فإن كان لم يسمع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو كافر جاهل، وإن كان سمع به ولم يؤمن برسالته فهو كافر معانـد، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار)) وهو دلالة واضحة على أن اليهود والنصارى ومن دونهم بطريق الأولى مطالبون بالدخول إلى دين الإسلام وإلاّ كانوا من أصحاب النار ومنه ما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره بقوله: ” روى الإمام أحمد عن عبدالله بن ثابت قال: جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، إني أمرت بأخ لي يهودي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عبدالله بن ثابت: قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال عمر: رضيت بالله رباً، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولاً، قال: فسرى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال ((والذي نفسي بيده، لو أصبح فيكم موسى عليه السلام، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين)) ([90]) .
فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الأنبياء إلى يوم الدين، وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر، لكان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم، فلابد في الإيمان من أن نؤمن أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين لا نبي بعده وأنّ الله أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وعلى ذلك فبعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى قيام الساعة من لم يأت بالشهادتين فهو كافر الكفر الأكبر فإن سمع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو كافر معاند قامت عليه الحُجة ومن لم يسمع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو كافر جاهل لا يُعذب حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالإسلام.
***
([1]) صحيح البخاري 9/114 ح 7372.
([4]) مسند أحمد 23/374 ح 15198، سنن الترمذي 4/713 ح 2597.
([9]) صحيح البخاري6/80 ح 4699، صحيح مسلم 4/2201 ح 2871.
([11]) حسنه الألباني في الصحيحة 1/248 رقم 1503.
([12]) مسند أحمد 11/362 ح 6749.
([13]) سنن ابن ماجة 5/356ح5356 ، سنن الترمذي 5/24 ح 2639.
([14]) صحيح البخاري 4/141 ح 3360.
([15]) صحيح البخاري 1/92 ح 425، صحيح مسلم 1/455 ح 263.
([16]) سنن ابن ماجة 4/710 ح 3796، صحيح ابن حبان 1/541 ح 415.
([17]) سنن الترمذي 5/548 ح 3540.
([18]) صحيح البخاري 4/165 ح 3435،/ صحيح مسلم 1/57 ح 28.
([19]) صحيح البخاري 7/149 ح 5827، صحيح مسلم 1/59 ح 94.
([20]) مسند أحمد 26/157 ح 16218. السنن الكبري للنسائي 9/405 ح 10877.
([21]) سنن ابي داود 5/34 ح 3116.
([24]) صحيح البخاري 1/92 ح 425.
([25]) صحيح البخاري 1/14 ح 25، صحيح مسلم 1/52 ح 21.
([28]) مسند أحمد 7/341 ح 4318.
([29]) صحيح البخاري 3/198 ح 2736، صحيح مسلم 4/2063 ح 2677.
([31]) سنن ابن ماجة 5/20ح 3850.
([32]) مسند أحمد 7/341 ح 4318.
([33]) العقيدة الطحاوية ص 131.
([36]) تهذيب اللغة 2 /138 -141.
([39]) الجامع لأحكام القرآن 1/145.
([42]) صحيح مسلم 3/1515 ح 1907.
([43]) صحيح البخاري 6/18 ح4477. صحيح مسلم 1/90 ح 86.
([44]) صحيح البخاري 3/172 ح 2654، صحيح مسلم 1/91 ح88.
([45]) الأدب المفرد للبخاري ص377.
([48]) شرح صحيح مسلم للنووي 2/188.
([50]) مسند أحمد 14/185، سنن الترمذي 4/357 ح 1990.
([51]) المستدرك علي الصحيحين 1/187 ح 359.
([52]) صحيح البخاري 9/107، صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.
([53]) صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.، سنن ابن ماجة 1/10 ح 14. شرح النووي علي مسلم 1/35.
([54]) مناقب الشافعي للبيهقي 1/469.
([55]) مسند أحمد 28/367 ح 17145، سنن ابي داود 7/16 ح 4607. سنن الترمذي 5/44 ح 2676 وقال الترمذي حديث حسن صحيح وصححه الحاكم
([56]) صحيح البخاري 7/2 ح 5063، صحيح مسلم 2/1020 ح 1401.
([57]) أخرجه ابن ماجة 1/140 ح (203)، واللفظ له، ومسلم 4/2059(1017) بنحوه.
([58]) مسند أحمد20/202 ح 12814.
([59]) صحيح البخاري 1/12 ح 14.
([60]) صحيح البخاري 8/129 ح 6632.
([61]) صحيح البخاري 4/167 ح 3445.
([64]) صحيح مسلم بشرح النووي ج 2 \ 188.
([65]) صحيح البخاري 4/61 ح 3017.
([67]) المرجع السابق 1/96 ح 95.
([69]) المرجع السابق 1/97 ح 97.
([71]) صحيح البخاري 1/14 ح 25.
([76]) صحيح البخاري 2/94 ح 1356.
([77]) المرجع السابق 294 ح 1356.
([78]) صحيح البخاري 1/17 ح 40.
([79]) صحيح البخاري 9/146 ح 7510، صحيح مسلم 1/182 ح 193.
([82]) تفسير القرطبي 1/157: 158.