الفصل الخامس تعقيبات على أخطاء في باب التوحيد والشرك تهذب هذا العلم على منهاج أهل الحق أهل السنّة والجماعة
(تنبيه) هذا الفصل هو زبدة الكتاب وأهم ما فيه لما حواه من تحقيق لمذهب اهل السنة في التوحيد بعيدا عن الغلو والتقصير ولعل من اجله كان هذا الكتاب كله.
المبحث الأول: دعوة الشيخ ابن تيمية في ميزان الإسلام.
المبحث الثاني: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ميزان الإسلام.
المبحث الثالث: تعقيب على كتاب كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
المبحث الرابع: تعقيب على نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
المبحث الخامس: تقييم الحركة السلفية المعاصرة ما لها وما عليها .
المبحث السادس: مفاتيح مستفادة في علم التوحيد من كلام للشيخ عبد الرحمن الهاشمي .
المبحث السابع: مسائل مستفادة في علم التوحيد من كلام الشيخ غيث الغالبي.
المبحث الاول دعوة الشيخ ابن تيمية في ميزان الإسلام
[المفتاح الأول]: ابن تيمية رحمه الله كان موسوعة علمية، ولكن كانت تنقصه دقة المتخصصين في كل علم على حدة، فكل علم فيه المحكم والمتشابه ولا يعرف ذلك حق المعرفة إلا المتخصصين في هذا العلم أو ذاك، ولم يكن هو مطالبا بجمع العلوم كلها بدقه أهلها ومتخصصيها وهذا غير متيسر إلا للأنبياء، وللأسف لم يدع علماً من علوم الإسلام إلا تكلم فيه وخالف أهله بما يراه هو حقاً، وهاجم أهلَ كل علم في تخصصهم، فلم يحترم التخصص العلمي ولا اهله القائمين عليه، مع انّ الله تعالى دعانا إلى احترام أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء: 83 ]، فأهل الاستنباط لكل علم هم اهل الخبرة والتخصص ولا يمكن الهجوم على كل العلوم دفعة واحدة إلا بدراسة مقدماتها والتفريق بين محكمه ومتشابهها.
[المفتاح الثاني]: كتب في مسائل الإيمان ولم يكن قد ضبط أحكامها وفرق بين أصولها وفروعها ومحكمها ومتشابهها واكاد أجزم بأنه ألف فيه ولم يكن يعرف عناصر الأصل المنجي من الخلود الأبدي في النار (أقل ما يصح به الإيمان)، ولم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب، وخلط بين عناصر الأصل والواجب، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير، وأورث أتباعه غلوا في مسائل الإيمان ليقترب فيه من مذاهب الخوارج، وهرف فيه بما يردده الحشوية، وهاجم فيه الأشاعرة وصنفهم فيه ضمن المرجئة والجهمية، وهو لا يعرف أصول الإيمان ولا حده الادنى ولا أصله الفاصل بين الإيمان والكفر، ولا يفهم مراد الأشاعرة ولا حتى الماتريدية من قولهم في الإيمان مع أنّه الجمع العدل بين الآيات المتعددة، وهو الحمل المتقن للمتشابهات على محكماتها في باب الإيمان،.
ولقد طالعت كتاب الإيمان له، فوجده – إحقاقا للحق – يتكلم في علم لم يضبط لأصوله وقواعده، بل هي عنده مشوشة غير منضبطة، يصنف فيه الطوائف على خلفية أهل الحشو لا أهل الأصول، بما لا يعرف عقباه من الانحراف نحو الغلو في التكفير، وكان يكفيه أن يقرأ قراءة فهم دقائق معدودة لما كتبه علماء العقيدة الحقيقيون المتخصصون من الأشاعرة والماتريدية، ويفهمه على يد مبتدئ من علمائهم ليستريح وليريح الامة من اللجاج والفرقة والغلو في كل أبواب الإيمان.
[المفتاح الثالث]: ألف في علم التوحيد ولكنه لم يكن يفرق ما بين أصل العبادة وصورها، ولم يكن يفرق بين الركن الاعتقادي منها والذي هو أصل التوحيد، وبين الركن العملي الذي يمثل واجب التوحيد وتمامه، كتب في علم التوحيد ولم يكن يحمل متشابه التوحيد ويرده إلى محكمه، ولم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك، وأورث أتباعه غلوا في باب التوحيد والشرك كما أورثهم من قبل غلوا في مسائل الأيمان، ومشكلة الشيخ ابن تيمية أنه لم يفرق بين أصل العبادة وصور العبادة، ولم يجعل الاعتقاد القلبي هو ضابط الفقه في مسائل العبادة، ألا وهو اعتقاد الإلهية والربوبية لمن تُصرف إليه العبادة، فإنّ الجندي قد يصرف أنواع الطاعة والخضوع والتذلل للضابط ولا يسمى ذلك عبادة له، والملائكة سجدوا لآدم ولا يعني ذلك أنهم عبدوه، وآل يعقوب خروا سجدا ليوسف عليهم السلام ولم يكن ذلك عبادة له، فدل ذلك على أنّ العبادة لها معنى أبعد من مجرد العمل العبادي، فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر.
وقد وفق الله علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) ولكن الشيخ لم يحقق المسألة فظن انّ مجرد الفعل العبادي معناه العبادة، فكان هذا الغلط سببا في تكفير قطاع كبير من المسلمين واتهامهم بالشرك، وكان بمثابة مزلَّة كبرى أُستحِلت به دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، نعوذ باللّه من المزالق والفتن.
[المفتاح الرابع]: وكذلك عندما كتب في علم الاتباع والابتداع، (السنّة والبدعة) ولم يحدد بدقة المتخصصين شروط البدعة الضالة ولم يفرق بين الحسنة والسيئة فأورث أتباعه غلوا في باب السنّة والبدعة كما أورثهم من قبل الغلو في باب الإيمان والكفر وباب التوحيد والشرك، فإنّ أهل الفقه في الدين المتخصصين جعلوا للبدعة الضالة شروطا لابد وأن تستوفيها، وإلا لم تكن بدعة ضلالة، واهم تلك الشروط:
(الأول): أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع. و(الثاني): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة.
و(الثالث): أن تخالف نصا من نصوص الشرع. و(الرابع): ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
فما لم تستوف تلك الشروط فليست ببدعة ضلالة، وهؤلاء الفقهاء الاصوليون المتخصصون قالوا بأنّ المحدثات إذا كانت مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وإذا لم تحوي على أي مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، وأن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، فهذه لا تكون بدعة ضلالة أبدا.
ولكن الشيخ لما لم يكن على دراية بتلك التفاصيل التي أصلها أهلها المتخصصون في باب السنّة والبدعة، جعل كل محدثة بدعة وإن لم تستوف شروطها التي ذكرها الفقهاء، وزعم انّ كلمة (كل) قي حديث: ((وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار)) ([1]) . تفيد العموم والشمول، ونسي انها من الممكن أن تأتي على معنى الغالب والأكثر وليس جميع مفردات البدع والمحدثات، وبالتالي يكون التحذير من بدع الضلالة التي تمثل غالب المحدثات، ولا يمنع ذلك من وجود محدثات لها أصل من الشرع وتدل على خير لا خلاف لأحد فيه. فإنّ الذي يتدبر آيات الكتاب العزيز يدرك أن كلمة ((كل)) قد تأتي والمراد بها التعميم الشامل فيما دخلت عليه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقد تأتي، والمراد بها الخصوص، ومن ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيء}، وقد علمنا أن باب الرحمة وباب التوبة لم يفتح لهم، وقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ}، فمساكنهم لم تدمر وكذلك الأرض والسموات لم تدمر، وقوله تعالى: {وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء}، أي مما يحتاج إليه المُلْك، وعلى هذا أفلا يمكن أن نفهم قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) من باب العام الذي أريد به الخاص، وهكذا فهم الاصوليون تلك المفاتيح، الحديث ((كل بدعة ضلالة)) أنه من العام المخصوص أو الذي أريد به الخصوص، فالمقصود هنا المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها بالصحة، فهي المرادة بالبدع، أما المحدث الذي يحمل النظير على النظير، فهذه سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء.
[المفتاح الخامس]: وهكذا بدأ الخلل يظهر في باب الأسماء والأحكام عامة بما ينذر بظهور فهم موازي للإسلام يضاهي به فهم المدارس العلمية المتخصصة ويناطح كل مدرسة في تخصصها الذي قامت عليه وأحكمت أصوله وفروعه وفرقت بين محكمه ومتشابهه، ثم كانت الطامة عندما بدأ يتكلم عن الذات الإلهي الأقدس ولم يكن قد درس مقدمات الإلهيات ولا قواعد التقديس التي تمنع من الزلل عند الحديث عن جناب الله الأقدس، وكما أنّه ذهل ذهولاً شديداً عن علم التقديس (قسم توحيد الذات)، ولم يستطع هضمه، ولا معرفة قواعده فآل به ذلك إلى عداوة قلبية للسادة الأشاعرة حماة العقيدة والمؤصلين بحق لكل أبوابها على منهاج أهل السنّة والجماعة، وأدت تلك العداوة إلى الانتقاص من قدرهم بمناسبة وغير مناسبة، كما أنّها سببت خللاً عميقاً عنده عند الحديث عن اهل السنّة والجماعة وأهم صفاتهم وأهم أعلامهم، فأدخل الحشوية في إطار أهل السنّة، وأثنى على مؤلفاتهم، وفي المقابل صال وجال على علماء الأشاعرة المتخصصين في العقيدة دون أن يفهم منطلقاتهم التي استقوها من الكتاب والسنّة، والتي أجبرتهم على تبني مذهبهم في شتى أبواب علم العقيدة، واكاد أجزم بأنه بعد جهوده الكثيفة في نشر مفاهيمه عن الإسلام بأنّه قد أفنى عمره في نصرة مذاهب الحشو والتجسيم وعدم التخصص على حساب أهل السنّة والجماعة أهل التخصص العلمي الدقيق في شتى علوم الدين، وبدأ يبني فهما للإسلام يخصه وحده يجاهد من اجل ترسيخه بين المسلمين بديلا عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية التي أفنى آلاف العلماء فيها أعمارهم.
[المفتاح السادس]: لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث، وظن أنهم على مذهب السلف ولم يكونوا كذلك، كما أنّه بسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وهو علم عزير وبسبب عدم مقدرته على هضم مفرداته.
هجم على النصوص الشرعية دون فهم حقيقي لمغزاها، ودون تفريق بين محكمه ومتشابهها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى الذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء.
ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب السلف الصحيح، والذي ليس لهم مذهب سواه، وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، بزعم أنّه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من كل الجهات وانه متناه من جهة التحت يقينا، لمحاذاته للعرش وكأنه تصور الإله تعالى وتقدس جسما عظيما له طول وعرض وحجم وشكل وصورة وتخاطيط وانه يجلس على العرش، والكون كله تحته، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، فقد قال (وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته)، وعلى هذا المذهب فإنّه سبحانه يبقى نازلاً أبداً، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، كما دندن حول الجسمية والتجسيم، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، فقال في كتابه بيان تلبيس الجهمية: (وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم) أهـ ([2]) . وقال في الموافقة: (كذلك قوله – تعالى – {لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وقوله {هَل تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}، ونحو ذلك فإنه لا يدل على نفي الصفات بوجه من الوجوه بل ولا على نفي ما يسميه أهل الاصطلاح جسماً بوجه من الوجوه) أهـ ([3]) .
وعلى ذلك فهو لا يرى في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول أحد من السلف ما يمنع أن يكون الله جسماً، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية، ومن ذلك قول الإمام أحمد، فقد نقل أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها عن الإمام أحمد قال : (وأنكر أحمد على من يقول بالجسم وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طولٍ وعرضٍ وسمكٍ وتركيبٍ وصورةٍ وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله، فلم يجز أن يسمى جسمًا لخروجه عن معنى الجسمية، ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل،) اهـ ([4]) .
ودندن حول حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث.
وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق، وقد تأثر به عدد قليل من تلامذته، ولكنه لم يكونوا في مثل حماسه في نشر أفكاره، فهدأت الفتنة حنى جاء الوهابيون فأحيوا مذهبه بما فيه من طوام وأخطاء، محاولين سحب أهل السنّة والجماعة نحو مذهبهم الجديد، بإرهاب فكري يتمثل في تكفير المخالف أو تبديعه أو تضليله إذ هم لسان الحق وسطوته على الأرض كما يحسبون، وباختصار شديد أُشير إلى بعض اخطائه الجسيمة في أبوب العلم والدين والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[المفتاح السابع]: لأنه لم يكن متخصصا في علم العقيدة وقع في أخطاء أبرزها:
(أ) أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين.
(ب) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك، ولو كان له معنى لما كان متشابها، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض – وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي – من شر مذاهب الفرق الضالة.
(ت) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنّه متعذر في كل الصفات.
(ث) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض، فهناك آيات تدل على القرب، وآيات تدل على الاستواء على العرش، فلابد من تأويل قسم من تلك الآيات، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء ولا العكس، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء.
(ج) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة.
(ح) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة، والسنّة منهم براء،.
(خ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة.
(د) نسب علم (التقديس وقواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة) إلى علوم اليونان وفلسفتهم، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، قال تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 84]، ولأنهم متخصصون علموه، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين.
(ذ) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا، وحارب تخصصاتهم، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم أهل التجهيل، وأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة لعلم المتشابه، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، بل ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة.
[المفتاح الثامن]: كذلك انفرد ابن تيمية رحمه الله عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة، ومن ذلك:
(أ) إنكاره المجاز في القرآن، مع أنّه ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، ولما كانت البلاغة هي ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، ولولا أنّ مجال الحديث هنا لا يتناسب مع الإطالة في باب المجاز لسردت ستمائة آية تدل على المجاز، ومن ذلك: التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة، كما في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية، كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، والتعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما، وهذا كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81].
والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه، ولا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم جناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، كما يعبر عن التواضع باللين، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].
والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67} [التوبة: 67]، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي غاية السخاء والكرم {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]، وقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر: 13، 14]، والسفينة لا تجري في أعين الله، تعالى الله، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة، وقوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة، والحاصل أنّه تكلف نفيه ولم يكن صوابا.
(ب) ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين، وليس يفيده بحال، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى أو وضع لفظ مكان آخر – وهذا في السنّة كثير -، ومع هذا الاحتمال، فلا يبلغ بحال ما يفيد المتواتر من مرتبة اليقين، لاشك أنّه يوجب العمل، ولكنّه لا يفيد اليقين ما كان في مرتبة الآحاد.
(ت) دندن حول قدم بعض المخلوقات ووجودها مع الله كالعرش، وهذا يضاهي الفلاسفة بقدم العالم، وأجاز التسلسل إلى ما لا بداية، كما أجاز العقلاء التسلسل إلى ما لا نهاية، مع أنّ الفرق بينهما عظيم، والاول مستحيل لأنّه يؤول إلى قدم العالم، والثاني جائز كبقاء اهل الجنّة واهل النار إلى ما لا نهاية.
(ث) وقال بحدوث القرآن، وحدوث صفة الكلام، ووصف الله تعالى بالسكوت قياساً على صفة الكلام عند البشر، وصرح بقيام الحوادث بذات الله تعالى، حتى قال في منهاج السنّة النبوية (1: 224): (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ، قلنا لكـم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل).
(ج) واخترع في صفات الله مقولة لا أساس لها من الصحة أو البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، مقولة (أنّ صفات الله قديمة النوع حادثة الآحاد)، وإذا كانت الآحاد على زعمه محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول، وقد دخل عليه الشيطان من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت باليقين القاطع أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله صفات والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع أو البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلم أنّ من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عن ذلك علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق.
ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم سوي أنّ الله تعالى علم الحوادث وسمعها وأبصرها وأرادها قبل حدوثها فلم يتغير بعد حدوثها عند الله شيء، ولم يزدد بكونها وحدوثها شيئا فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
(ح) ودندن حول فعل الأسباب بقوة جعلها الله تعالى في طبعها، وهو قول يجرح توحيد الأفعال عند من يفهم أبعاده.
(خ) ودندن حول الصلاح والعدل من مبادئ المعتزلة، وهي أقوالٌ لا يرضى بها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة.
(د) كما حام حول عدم عصمة الانبياء من الذنوب، واقتراف بعضهم للذنوب والتوبة منها، ينقل في ذلك الخلاف بما لا ينبغي حفظا لمقام الأنبياء.
(ذ) كما دندن حول فناء عذاب اهل النار هو وتلميذه ابن القيم مع ورود الخلود فيها في قريب من أربعين آية من آيات الذكر الحكيم منها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 64، 65]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23].
(ر) قول ابن تيمية بقيام الحوادث بذات الله تعالى وهي من أبشع انحرافاته عن منهاج اهل السنّة فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي:
حيث كان يعتقد أن الحوادث تقوم بذات الله تعالى أي أن الله تعالى لم يكن متصفاً بصفة ثم اتصف بها، قال ابن تيمية في منهاج السنّة النبوية (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ، قلنا لكـم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل)، ([5]) .
وقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية شبرًا بشبر، قال الإمام أبو المظفر الإسفراييني: (ومما ابتدعوه- أي الكرَّامية- من الضلالات مما لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم: بأن معبودهم محل الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وسموا ذلك سمعًا وتبصرًا، وكذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أن هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى الله عن قولهم) أهــ ([6]) .فتبين مما أوردناه أن ابن تيمية ليس له سلف في هذه البدعة إلا الكرامية ونحوهم، وليس كما يدعي أنه يتبع السلف الصالح، نسال الله السلامة.
[المفتاح التاسع]: وفي مجال الفقه: كان يشن بين الحين والآخر حروبا على أهله المتخصصين فيه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، واتباع الكتاب والسنّة، أضف إلى ذلك قيام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وكان من بركاتهم أن صقلت مدارسهم الفقهية – على مر عصور الإسلام – كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، هذا علاوة على خرقه الإجماع في كثير من مسائل الفروع، حتى قال الإمام المجتهد الورع تقي الدين السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ) في مقدمة كتابه الدرة المضية في الرد على ابن تيمية: (أما بعد: فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأنَّ القرآن محدَثٌ تكلَّم اللهُ به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّةٍ من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة، وكلُّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِلُّ جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع، فإن متلقي الأصول عنه وفَاهِمَ ذلك منه هم الأقلُّون، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون، وإذا حُوققوا في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه، ونبهاء أصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرَّد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل، وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث، وقد استروحَ العامَّة إلى قوله وتسارعوا إليه وخَفَّت عليهم أحكام الطلاق، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة، وكتب في المسألتين كراريسَ مطوَّلة ومختصرة، أتى فيها بالعجب العجاب، وفتح من الباطل كلَّ باب، وكان الله تعالى قد وفَّقَ لبيان خطئه وتهافت قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع الأمة، وقد عرف ذلك خواصُّ العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء، ثم بلغني أنه بثَّ دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيثة، وأضلَّ بذلك جماعة من العوام) أهـ ([7]) .
[المفتاح العاشر]: وفي مجال التزكية والتصوف: أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف، التي ثبت في عمق التاريخ تخصصها في باب التزكية والإحسان، فهل نهدم صروح التخصص على رؤوس ساكنيه، ونقوم بتجريح الاكابر فيه أم أنّ الاولى ترشيد أخطائها بالنصح والإرشاد.
لقد اصطلحت الأمة الإسلامية في عمق تاريخها الإسلامي ومنذ ما يزيد على ألف عام على تسمية العلم الذي يقوم على مرتبة الإسلام بعلم الفقه، والعلم الذي يقوم على مرتبة الإيمان بعلم أصول الدين، أو علم العقيدة، والعلم الذي يقوم على مرتبة الإحسان يبين حقائقها ومنازلها بعلم التصوف، والمقصود به: (التصوف الحق القائم على الكتاب والسنّة) وكما أنه من الخطأ أن نقول (الفقه مذهب إسلامي)، أو (العقيدة مذهب إسلامي)، فكذلك من الخطأ أن نقول (التصوف مذهب إسلامي)، لأن الفقه علم أساس من علوم الدين يتناول الشريعة، وكذلك العقيدة علم أساس من علوم الدين يتناول الاعتقادات الواجبة على كل مؤمن، وكذلك التصوف تماما، فهو علم أساسي من علوم الدين يتناول تحقيق (مرتبة الإحسان) أعلى مراتب الإسلام.
و(التصوف الحق): هو العلم الذي تخصص بتزكية الظاهر والباطن، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات الباطنية (القلبية) كالكبر والحقد والحسد والغضب والطمع والبخل والبطر والخيلاء من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر.
و(التصوف الحق) هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، قال حجة الإسلام الغزالي: (الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام)، وقال العارف بالله أبو الحسن الشاذلي: (من لم يغلغل في علمنا هذا، مات مُصراً على الكبائر وهو لا يشعر). و(التصوف الحق): هو العلم الذي تحدث عن منازل السائرين إلى الحق المبين، وهو العلم الذي نتعلم منه كيفية السير إلى الله والسفر إلى الحق والدخول على حضرة ملك الملوك سبحانه في مقام المشاهدة والعيان، فلذلك قال الجنيد لسان أهل التصوف: (لو علمت أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا لسعيت إليه)، ([8]) .
والمقصود به علم التصوف السني الحق القائم على أدلة الكتاب والسنة التي لا يعرف مفاتيحها حق المعرفة ولا يصل إلى معانيها إلا الاولياء المرشدون الراسخون في العلم، والشيخ رحمه الله يريد ان يحثو التراب لردم التصوف بكل معانيه ومفرداته، وهيهات هيهات.
[المفتاح الحادي عشر]: وفي مجال تعلق المسلمين بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أفتى بحرمة شد الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وآله وسلم، مع أنّه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وزيارة المقابر كلها مسنونة، فكيف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أمّا حديث ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) ([9]) . فالمعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضل الصلاة فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد، وهي المذكورة في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم، لا شيء فيها، بل جميع اهل العلم على مر عصور الإسلام، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد، كما أن شد الرحال للتجارة جائز، وشد الرحال للسفر والاستمتاع جائز، وشد الرحال لزيارة الإخوان في الله تعالى جائز، فهل كل ذلك جائز، وشد الرحال لزيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم غير جائز، على أنّه لم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات، والجمهور على ندبها، وقال بعض المالكية: إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله في هذه المسألة هو ابن تيمية.
[المفتاح الثاني عشر]: في مجال الموقف من آل البيت رضوان الله تعالى عليهم، أدى رده على الشيعة الضالة إلى الانحراف قليلاً عن آل البيت، فخانته ألفاظه عند الحديث عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وضعّف في فضائله أحاديثاً ليست بضعيفة، وحكم على أخرى بالوضع، ولا تبلغ هذا الحد، حتى قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان عند ترجمة والد الحلي الذي ألف ابن تيمية كتابه منهاج السنة النبوية في الرد عليه: (وكم من مبالغة له لتوهين كلام الحلي أدت به أحيانا إلى تنقيص علي رضي الله عنه) أهـ، ([10]) .
وقال في الدرر الكامنة:أن ابن تيمية خطأ أمير المؤمنين عليًا كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف فيها نص الكتاب، وأن العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في علي كرم الله وجهه ولقوله أيضا فيه: أنه كان مخذولا، وأنه قاتل للرئاسة لا للديانة) أهـ ([11]) . كما خانته ألفاظه عند الحديث عن سيد شباب أهل الجنّة الحسين رضي الله عنه، وموقفه من أوضاع الأمة زمان يزيد.
[المفتاح الثالث عشر]: في مجال المعاملة مع أكابر علماء عصره، هاجم الأكابر ولم يتحر الأدب الواجب مع أكابرهم كحجة الإسلام الغزالي والإمام الرازي وغيرهما من الأكابر، وصال علي خيرة علماء عصره ونال منهم، وحاولوا مرارا وتكرارا أن يعلموه مفاتيح العلوم حتى لا يشذ عن العلم وأهله فمنعه كبره وحدة طبعه من التعلم على أيديهم او مراجعة أخطائه، فلما يأسوا من ذلك احتاطوا في تأديبه فلم يأمروا بقتله وإنما امروا بسجنه من أجل أن يحفظوا الناس من أخطائه، ومع ذلك لم يسلموا من لسانه وقلمه.
[المفتاح الرابع عشر]: ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة: ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة، وهو لم يستوعب علمهم ولم يصل إلى شيء من رسوخهم في علم العقيدة والأصول، ومن ذلك كتابه (العقيدة الحموية): وهي جواب لسؤال ورد من حماه حول آيات الصفات كالاستواء وأحاديث الصفات كالأصابع والقدم، فتتطاول على مذهب أهل السنّة والجماعة من الأشاعرة بما لم يفهمه ولم يفرق بين المحكمات والمتشابهات من الصفات ومال إلى مذهب الحشو والتجسيم، واستطال به على اهل التخصص، وتطاول على الأشاعرة بأنّهم يقولون: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، وهم لم يُطلقوا القول بذلك، وحاشاهم وهم أهل الرسوخ في العلم والحق، ولكنّهم خصوه بما يتعلق بالرد على أهل البدع كالمعتزلة والحشوية وبما يتعلق بتقرير مذهب الفرقة الناجية، والانتصار لمذهب التسبيح والتقديس مذهب أهل الحق على مذاهب أهل الباطل والفرق الضالة، وإلا فهم يقولون بالتفويض كما هو حال السلف، وهل كان يسع السلف السكوت على بدع الحشو والتشبيه، وهم أرقى الناس تنزيها وتقديسا لله.
ومن ذلك أيضا كتابه: (نقض أساس التقديس): ويسمونه أحيانا (كتاب تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) وأحياناً: (نقض تأسيس الجهمية)، والكتاب من أسوأ كتب ابن تيمية لأنه جعله خاصا بالرد على كتاب من أعظم كتب التنزيه والتقديس وبيان مذهب أهل الحق تجاه المعتزلة والحشوية الذين مال إليهم ابن تيمية وهو لا يعلم ما عند الرازي من العلم الراسخ، ويا ويله منه ومن أهل السنّة جميعا يوم القيامة، الأشاعرة.
ومن ذلك أيضا: كتاب (درء تعارض العقل والنقل)، ألفه وهو لا يعلم ما هو العقل الصريح ولا ما هو النقل الصحيح ومعناه المقصود في الشرع والذي فهمه أهل التخصص من الأشاعرة والأثرية والماتريدية، فما كان أغناه عن الحديث عن علم لا يعلم أسسه ولا قواعده، ومن أفتى بغير علم لازمه الخطأ وفتن الناس عن الصواب.
ومن ذلك ايضاً: (القاعدة المراكشية) ألفها لإثبات العلو الحسي، والرد على أهل الحق فيما أصلوه من قواعد التقديس التي تعصم من الحشو في مسائل: (العلو) و (الاستواء على العرش)، ومن ذلك ايضاً: (الرسالة التدمرية) دندن فيها حول المتشابه من الصفات بقصد إثباتها على ظاهرها، وخاض في القدر بما لا يعلم من عواقب ولوازم الفساد في قوله، وأقله نصرة مذاهب المعتزلة والاقتراب منها، وما ألجأه إلى الخوض في ذلك كله إلا الجدال والخصومة مع أهل السنّة الأشاعرة.
ومن ذلك ايضاً: (شرح الأصفهانية)، والاصفهانية متن في العقيدة مختصر لشمس الدين محمد بن محمود بن عباد الاصبهاني، على منهاج الأشاعرة، وهو لم يشرحها وإنما ألف شرح الأصفهانية بقصد الرد عليها، كما ألف تلميذه ابن أبي العز الطحاوية للرد على ما فيها من التقديس والتنزيه كقوله – أي الطحاوي – رحمه الله: (ومن لم يتوقَ النفيَ والتشبيهَ زلَّ ولم يصبِ التنزيهَ، فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهـ، وها هنا رد ابن تيمية على الأصفهاني في كل مسائل التنزيه من كلامه في الصفات والإيمان والنبوات، وكأنّه لا يرضى عن الحشو بديلا.
ومن ذلك ايضاً: (المناظرة حول الواسطية)، وهي تسجيل لما جرى حول كتابه (الواسطية) من مجالس ناقشه فيها الأشاعرة وبينوا له الصواب فلم يفهمه، ثم حشا مناظرته بالحشو في مسائل التأويل، والحرف والصوت، والاستواء، ومن ذلك ايضاً: (الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات) نفى فيها المجاز وهو شطر اللغة الحسن وكابر الجمهور في إثباتهم للمجاز، وآل به نفي المجاز إلى الحشو في باب المتشابهات، وإثبات ظاهر المتشابهات بما يؤول إلى الفتنة والبدعة والتجسيم، ووصف الله تعالى بما يُفيد العلو الحسي على العرش، وبالغ في رد التاويل مع أنّه لا مناص منه، فإن أثبت العلو الحسي أول القرب والمعية لا محالة، وإن فهم المجاز في كليهما استراح وأراح.
ومن ذلك ايضاً: (التسعينية) خصصها للحديث عن أنّ كلام الله تعالى لابد ان يكون بحرف وصوت، وأن الكلام إن لم يكن بصوت فلا يسمى كلاما، وخصصها للرد على أهل الحق (الأشاعرة) في مسألة الكلام النفسي التي جاء بها أولاً القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، ولكن سمعهم الله السميع العليم، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر، ولو تدبر قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، لعلم أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر بصوت يُسمع: {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا، وهذا القرآن ينطق بذلك، ولو تدبر قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، لعلم أنّ من القول قول السر: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ}، {قَالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقط، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، ومثله تماماً قوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، ولو تدبر قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص، ولكنّه بالغ في الرد على أهل الحق من تسعين وجها من حشو الكلام وهرطقته مما لا يفهم هو المقصود منه، ومما يُضحك المتخصصين على سوء فهمه ورداءة تصوره في كل ما يتعلق بالتقديس فإن قلبه أُشرب بالتشبيه، وهو لا يدرك أبعاد ذلكم التشبيه والذي لا يدركه إلا اهل التخصص الراسخين في علم التقديس، ومن ذلك ايضاً: (النبوات): ما أتى فيه بشيء مفيد فالصواب فيه ما قاله المتخصصون من الأشاعرة وكل ما خالفهم فيه نصر فيه قول الحشوية ممن لا خلاق لهم ولا عقل ولا خلق، وبدلا من أن يشكر الأشاعرة على تقرير الحق في مسائل النبوات، (ومن لا يشكر الناس على المعروف لا يشكر الله) أخذ ينشر الزلات التي افتراها المغرضون على الباقلاني والغزالي مما يبرؤون من الفهم السقيم لها، ومن ذلك ايضاً: كتابه (الإيمان): غالى فيه بما يُقربه من مذهب المعتزلة وهرف فيه بما يردده الحشوية، وهاجم فيه الأشاعرة وصنفهم فيه ضمن المرجئة والجهمية، وهو لا يعرف أصول الإيمان ولا حده الادنى ولا أصله الفاصل بين الإيمان والكفر، ولا يفهم مراد الأشاعرة ولا حتى الماتريدية من قولهم في الإيمان مع أنّه الجمع العدل بين الآيات المتعددة، وهو الحمل المتقن للمتشابهات على محكماتها في باب الإيمان،، ولقد طالعت كتاب الإيمان له، فوجده – إحقاقا للحق – يتكلم في علم لم يضبط لأصوله وقواعده، وهي عنده مشوشة غير منضبطة، يصنف فيه الطوائف على خلفية أهل الحشو لا أهل الأصول، بما لا يعرف عقباه من الانحراف نحو الغلو في التكفير، وكان يكفيه أن يقرأ قراءة فهم دقائق معدودة لما كتبه علماء العقيدة الحقيقيون المتخصصون من الأشاعرة والماتريدية، ويفهمه على يد مبتدئ من علمائهم ليستريح وليريح الامة من اللجاج والفرقة والغلو في كل أبواب الإيمان.
ومن ذلك ايضاً: كلامه في (شرح حديث النزول) فسود الصفحات تلو الصفحات بالنزول الحسي وأنّه على حقيقته نزولا من العرش إلى السماء الدّنيا، وكأنّه يتكلم على ملك مجسم محدود ينزل ويصعد، وإن لم يكن كلامه في (شرح حديث النزول) من الحشو المرذول فليس في الدُنيا حشو ولا تجسيم، وما الفائدة من اثبات النزول على حقيقته، وحقيقته الهبوط من علو إلى سفل، فبالله هل تلك عقائد اهل السنّة المنزهين لله تعالى عن الشبيه والمثيل، أم عقائد المشبهين الذين يشبهون الله تعالى بخلقه في حركاتهم وسكناتهم ونزولهم وصعودهم، بالله عليك يا رجل إنّ الخالق لا يُشبه المخلوق في شيء، فالمخلوق محدود بالمكان يتحرك فيه ويصعد وينزل فيه، والله تعالى أن يحده حد أو يوفيه مقدار مهما كبر، فالله اكبر وأعظم واجل أن تحده الحدود، قال الطحاوي في عقيدة المسلمين: (فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهـ، ([12]) .
تنزه عن كل ما يخطر بأذهان البشر، ومنه النزول الحسي الذي يتوهمه أهل الحشو، وهل حديث النزول كان مراده تخيل النزول ومن ثم الصعود، أم مراده بيان فضيلة ثلث الليل والاستغفار فيه والتهجد فيه، لأنّ عبادة الليل أبعد ما تكون عن الرياء والنفاق، ولأنّ ثلث الليل يتوزع على انحاء الأرض كل لحظة، فلنا أن نتخيل النزول والصعود على مدار لحظات الليل والنهار، لأنّ الليل في الأمريكتين هو النهار في بلاد العرب، وثلث الليل في حق مسلمي أمريكا ليس كما هو في حق مسلمي البلاد العربية، فهل هذا هو ما يرمي إليه الحشو في شرح حديث النزول، وهل هذا هو الطريق الأمثل لشرح المتشابهات، التي كان السلف الصالح حقاً ينهون عن مجرد السؤال عنها، أن نشرح الحديث في قريب من مجلد نحشوه بالتشبيه والتجسيم،.
[المفتاح الخامس عشر]: ابن تيمية يفني عمره في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه: لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث،، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى الذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب السلف الصحيح، والذي ليس لهم مذهب سواه.
وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومذهبه هو التجسيم المحض، وأنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من جهة تحت، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، كما دندن حول الجسمية والتجسيم، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية، كما دندن حول حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ حتى أدركته المنية في سجن دمشق.
[المفتاح السادس عشر]: من رؤوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية وأصرّ عليها وخالف الرأي العام لجمهور علماء المسلمين، ولأجلها اعتقل مرات عديدة ونفي إلى مصر وسجن ومات بسجنه: (أ) وجوب وصفه سبحانه بالصفات الخبرية المتشابهة كالوجه واليد والعين والمجيء والنزول والاستواء بنفس المعاني اللغوية الظاهرة المعروفة من اللغة من دون تصرّف، وسماها صفات اعيان، ولا معنى للعين إلا الجزئية والبعضية، مع أنّها أمور متشابهة لابد من ردها إلى أمهاتها من المحكم، وقد قام بذلك علماء الأصول مفاخر الإسلام ومعاقد الإيمان، فضبطوا علمها وابن تيمية لا يعلم عن هذا العلم شيئاً.
(ب) تحريم التوسّل بالأولياء والصالحين، وتحريم الاستغاثة بالأولياء ودعوتهم لأنّها شرك بالله، مع أنّ الشرك ضد التوحيد، والتوحيد هو افراد الله تعالى بالعبادة، وللعبادة جانب أهم وهو اعتقاد الإلهية والربوبية في المعبود، وجانب آخر هو العمل العبادي كالسجود والدعاء وغيرهما من مفردات العبادة، فمن صرفها باعتقادها كان عابدا، ومن صرفها بغير اعتقاد، فهي أبعد ما تكون عن العبادة ومنه سجود الملائكة لآدم، فأين كل هذا من التوسل بالصالحين إلى الله تعالى لنيل الشفاعة عند الله، ومع ذلك وعلى سبيل التنزل فقصاراها مسائل خلافية لا يجوز الاحتساب فيها، ولا الأمر والنهي فيما ومع ذلك أفنى ابن تيمية حياته في نصرتها في أوقات كانت الأمة تنزف دماءها بسبب ضعفها أمام التتار، فهل كان صوابا أن يشغب على الأمة بمفردات حشوية لا تمت إلى الأصول بنسب ولا صلة.
(ت) تحريم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك، وهذا أطم الطامات، حيث انفرد به عن علماء الإسلام، وحمل حديث ((لا تشد الرحال)) على غير محامله، فقد سيق في بيان فضل المساجد الثلاث على غيرها، فادخل فيها زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا علاقة للزيارة بالحديث، بل علاقته أقرب إلى زيارة القبور، وهي جائزة باتفاق، وأولاها قبر سيد الأولين والآخرين الذي به صلى الله عليه وآله وسلم أخرجنا الله تعالى من الظلمات إلى النور، وما المانع أن يأتي بعده من يحرم شد الرحال للعمل أو طلب العلم، لأنّ مآخذها ومآخذ الزيارة سواء، وجميعها أجنبي عن فتوى تحريم شد الرحال، إنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – كانوا يحترمون قبر النبي ويزورونه، ولم تك الزيارة في تلك العصور أبداً ذريعة إلى الشرك، بل كان الهدف منها توقير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيم قدره، وهو مطلب قرآني، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} الآية، ولكن ابن تيمية، يُخالف ذلك كله، ويحرّم شدّ الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وآله وسلم تمسكاً بحديث غير دال على ما ذهب إليه، فما ذنب الإسلام والمسلمين، إن كانت بعض الأفكار الحشوية والخاطئة قد تسربت إلى عقل ابن تيمية ومن ثم إلى أتباعه، والحقيقة المؤسفة أنّ ابن تيمية لم يكن سلفياً واعيا، بل تسربت إليه العديد من مفردات المذهب الحشوي، تسربت إليه من مؤلفات الحشو التي سماها أصحابها بكتب السنّة والشريعة والتوحيد، وظن هو أنّ لها من اسمها نصيب، مع أنّ فيها من الحشو ومحاربة الأصول وهدم الصروح العلمية والقواعد التقديسية والأصول التنزيهية الكثير والكثير مما أضر به، وبأتباعه من بعده.
[المفتاح السابع عشر]: إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف لم يجدد سوى المدرسة الحشوية بجميع مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد، هاجم الأصول والفروع والوسائل، وأخذ يهوش على المتخصصين، فنصحوه ووعظوه، فلما خافوا من فتنته للعامة والجهلاء سجنوه وخافوا الله تعالى فيه فلم يقتلوه، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول، وهو لا يدرك المعقول ولم تتهيأ له الفرصة في تعلمه على يد المتخصصين، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله، ثم أضحك الثكلى بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل الأعمال، ثم دخل هو في دهاليز الألغام بان تحدث عن ليث بني غالب وباب العلوم والمعارف أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، بما لا ينبغي، إذ لكل مقام مقال، وهل الرد على الروافض يُجيز له رفع الحشمة والادب مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم تكلم عن الطاهر المطهر سيدنا الحسين، بكلام لا ينبغي، وهل التمحل في الدفاع عن يزيد يُجير سوء الأدب مع السادة الكرام، فهذه كلها من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية، فتعجل بتبنيها ونشرها، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة، فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك، أحد قبل ابن تيمية، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه، وكيف تكون سلفية في مسالة نُخالف فيها السلف، إنّ السلف الصالح في حياة النبي وبعده كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما له من كرامة عند اللّه، ولم يخطر ببال أحد أن التوسل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم شرك أو ذريعة إلى الشرك، وكان هذا ديدن السلف في جميع العصور، فهل لمنكر التوسل أن يصف نفسه بالسلفية، ثم يتطاول على بقية المسلمين باللقب، فيرميهم بالشرك والضلالة والبدعة والكفران، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[المفتاح الثامن عشر]: هل يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات: أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن الدين واهله، وعن السلفية والسلف، وعن العقيدة المنجية وأصولها، وعن الفقه وأدلته، وعن التزكية وأسرارها، نعم نقدر له مكانته، ولكنّه ليس بالمعصوم، ولا بالمتخصص في علم معين يُقتدى به فيه، نحترم علمه ونذكر أخطاءه، ونضيف علمه إلى تراث أهل الإسلام، بعد غربلته على أيدي المتخصصين، ونستدل بأقواله، ولا مانع عند الخطأ أن نقول: أخطأ في تقرير تلك المسألة، ولا زلت أقول وأوقن أنّ ابن تيمية لو فهم علم التقديس وقواعد التنزيه على يد متخصص، لكان آية في العلم، ولتغيرت الكثير من موازين التقييم عنده، ولا يغرنّك رده على الأكابر في علم التقديس والتنزيه كالرازي وفحول الأشاعرة، فردوده خواء عن معرفة مقصود تنزيههم لأنّه ولج علما لا يتقن أصوله، فأخذ يحشو في الردود حشواً، وما أسوأ ردّه على كتاب تقديس الرازي، يرد الصواب بالخطأ ويجول ويصول ويجادل في اثبات خطأ الصواب وصواب الخطأ، ولا يغرنك محاولة اثباته عدم التعارض بين النقل والعقل، بجر ما توهمه معقولاً، إلى فهمه القاصر الذي فهمه بالخطأ من المنقول، فلا هو – يرحمه الله – يدرك المعقول على وجهه لأنّه غير متخصص فيه.
وهل أقل المعقول إلا معرفة ما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الخالق سبحانه، وهل أقل المعقول إلا التفريق الأصولي بين القديم والمحدث وهو لا يدركه، وهل أقل المعقول إلا معرفة قواعد التنزيه التي تمنع التمثيل والتشبيه والتجسيم والحشو عند الحديث عن ما يتعلق بالله تعالى، وهو يرحمه الله لا يدرك ذلك البته، وأنا لا أتجنى عليه، يرحمه الله فقد أمضيت ثلاثين سنة في دراسة كتبه ومعرفة مداركها ووجه المخالفة فيها لأكابر المتخصصين من علماء أهل السنّة والجماعة، وأعلم علم اليقين أنّه لو درس المعقول على وجهه لما كان هذا حاله في التنزيه والتقديس، وإنما كان يجعل المحسوس مكان المعقول وهو يتحدث عن المعقول، ولا يتبين الفارق بينهما مع أنّه فارق عظيم عند أهل التخصص والعرفان، ثم ما يفهمه من المنقول ليس هو بفهم الاكابر الذين ضبطوا الأصول في العقيدة، لأنّه لا يمتلك أدواتهم ولا حواجزهم في منع الولوج في الفهم الممنوع، ولذلك وقع في بعض المخالفات التي حاول فيها سحب الأمة بعيدا عن وسطيتها بين المعتزلة والمجسمة، إلى ناحية المجسمة، – وهو لا يدرك ذلك – بحسن ظن أنّه يريد سحبها إلى السلفية التي فهمها وعاش حياته من أجلها، وهل كان السلف إلا أكابر المقدسين والمنزهين والمسبحين، ولكن أبى الله تعالى الصحة والكمال إلا للمتخصصين من أهل العلم كلٌ في علمه الذي تخصص فيه، وأتمنى أن تتكامل اللحمة بين طوائف أهل السنّة والجماعة، فنأخذ بأحسن ما خط قلم الإمام أحمد بن تيمية ونتجنب غرائبه وأخطاءه، ونقول أصاب في كذا، وأخطأ في كذا، وخالف الجمهور في كذا، ونأخذ بقوله في كذا، ونخالفه في كذا، فتتقارب الصفوف بدلاً من شقها وتنازعها ليس على مدى القرب والبعد عن أصول الإسلام، وإنما على أساس الولاء والبراء لدعوة ابن تيمية، أما انتصارا لها وإما انتصارا لرافضيها ومحاربيها.
(فائدة): الفرق الجوهري بين مدارس المتخصصين في علوم الإسلام، وبين مدرسة الإمام ابن تيمية العلمية، أنّ مدارس المتخصصين في علوم الإسلام، سواء في العقيدة أو الفقه أو التزكية، أنّ كل واحدة منها تخصص في علم معين، ثم كان التمحيص والتأصيل والتهذيب في النور على أيدي مئات إن لم يكن آلاف المتخصصين المنتسبين إلى تلك المدارس، فصنعت في النور، وهذبت في النور، وانتشرت في النور، فكانت في مأمن من الخطأ والخلل الجسيم، وها هي مدارس العقيدة: الأثرية والأشعرية والماتريدية ملئت الأرض نوراً وانتسب إليها على مر العصور أكابر العلماء، وأساطين أهل العلم، وها هي مدارس الفقه عمت أرجاء الأرض وانتسب إليها سواد أهل السنّة والجماعة، وهكذا مدارس التربية والتزكية التي نشرت الإسلام شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، أمّا مدرسة ابن تيمية فبسبب مخالفة ابن تيمية لعلماء أهل عصره من شتى الطوائف، ولا يعقل فسادهم جميعا وصلاحه قد صُنعت في السجون والخفاء، ولم يطلع عليها سوى فئة قليلة من اتباعه، ولم تُؤصل في النور، ولم تهذب كما كان يفعل علماء المذاهب في تخصصهم، ثم اختفت كتبه ومعارفه حتى تبناها ونشرها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب بقوة السيف والسنان، وفي ظل هذا الجو الملبد بغيوم الارهاب الفكري بالتكفير والتبديع لمن يخالف هذه المنظومة الفكرية والعقدية، استكان من استكان ونشأ جيل لا يعرف إلا ما رأى، فلم تُؤصل الأفكار في أجواء حرية الفكر ودقة التخصص، كما حدث مع سائر مدارس التخصص الفكري الإسلامي.
المبحث الثاني دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ميزان الإسلام
المفتاح الأول: تبنى محمد ابن عبد الوهاب بقوة السيف والسنان نشر كتب وأفكار ابن تيمية والتي تبين لنا خطؤها، ولكن زاد الطين بلة بما أضاف إليها من اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، وكانت فتنة عظيمة عمت جزيرة العرب لسنوات عديدة استحلوا فيها دماء المسلمين، وهاجموا البلدان وقتلوا المسلمين دون تمييز بين رجل وامرأة وطفل، حتى انهم كانوا يذبحون الرضيع على صدر أمه، كما قتلوا من وجدوا في المساجد والبيوت وكانوا يلاحقون الفارين يضربون أعناقهم، وأرعبوا الصغير والكبير وبطشوا بالقبائل حتى أبيدت قبائل بأكملها، وما ذلك إلا بناء على عقيدتهم التي ترمي أهل ملة التوحيد بالشرك الأكبر لتستحل بذلك دماءهم وأموالهم، وكانت فتنة عظيمة وأحداث دامية ارتكبها الوهابيون في حق المسلمين لا تختلف أبدا عن تصرف الخوارج مع أهل القبلة، إذا تمكنوا منهم فاستحلوا دماءهم واموالهم، وباختصار شديد أُشير إلى بعض أخطائه الجسيمة في أبوب العلم والدين والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[المفتاح الثاني]: ففي مجال توحيد الألوهية: أخطأ في تفسير العبادة، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله، أو لمن يعتقده رباً أو له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله، وكنفوذ المشيئة لا محالة و لو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ خالق السموات والأرض، الّذي هو أكبر الآلهة في اعتقاده ولهذا قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5 و 6]، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي} [الزمر: 3]، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، و هو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، أو خاصة من خواصها كما سيأتيك تفصيله لا يصحّ أن يكون السجود لغير اللّه فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد، عبادة شرعاً (كسجود الملائكة لآدم)، فانّه حينئذٍ يكون كفراً، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع، ولا يأمر اللّه عزّ وجلّ به {قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ} [الاَعراف: 28]، {وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْر} [الزمر: 7]، وذلك ظاهر إن شاء اللّه، ولكن لما رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ ظنّ أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، فأدى ذلك إلى الغلط في تصور العبادة والشرك المقابل لها، وإنّ الغلط في تفسير العبادة، كان المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، الذي أُستحِلت به دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، عياذاً باللّه من المزالق والفتن.
[المفتاح الثالث]: وفي مجال توحيد الربوبية: قال في مجموعة التوحيد: ” وبعد فهذه أربع قواعد من قواعد الدين يميز بهن المسلم دينه من دين المشركين: القاعدة الأولى: أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية يشهدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور ولم يدخلهم ذلك في الإسلام والدليل قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون}” أهـ ([13]) .
والخطأ في هذا القول بين لأسباب عديدة، منها: أنّ توحيد الربوبية لله يعني اعتقاد أن الله أن الله تعالى هو وحده الخالق الرازق الهادي الشافي المحيي المميت المتعهد بالتربية لجميع خلقه إذ هو رب العالمين، له في لك كله المشيئة المطلقة والإرادة النـافذة لا حق لأحد في مراجعته وأمـره كله عدل وفضـل {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، واعتقاد حقه المطلق في التشريع والحكم والأمر {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}، هذا هو توحيد الربوبية عند الموحدين، ومن اعتقد بأن هناك من يملك الضر أو النفع أو التصريف أو التدبير في حياة الناس وغيرهم من المخلوقات من دون الله فقد أشرك في ربوبية الله عز وجل شركاً أكبر، ومن اعتقد أن لأحد من دون الله حق مطلق في التشريع المطلق بالتحليل والتحريم والحكم والأمر والنهي دون الرجوع إلى حكم الله وشرعه فقد اتخذه رباً من دون الله، ومن اعتقد أنه يجوز التحاكم إلى شرع غير شرع الله فقد كفر بربوبية الله عز وجل لخلقه، هذا هو توحيد الربوبية عند المسلمين، أما مشركو العرب فقد اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا شرك في الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله، ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وكانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36].
والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون، وكذلك فإن اعتقاد المشركين كان يقوم على اعتقاد وجود الشريك الذي له تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير، وكذلك اعتقاد المشركين بوجود الند لله، والند كما جاء في معاجم اللعة هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله، والأدلة من القرآن الكريم على ذلك كثيرة منها: قوله تعالى:: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30]، وقوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9]، وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41]، كما أنّ المشركين كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم، كما في قوله تعالى – واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار-: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98].
فهذه الآيات ـ التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه، كما أنّ المشركين كانوا يلهجون بدعاء آلهتهم رجاء نصرتها لهم واعزازها لهم، إذ لا يعقل في تاريخ البشر أن يدعو أحد أحدا لا يرجوه لتحقيق منفعة أو رد ضر وإلا خرج من دائرة العقلاء، ورد الله تعالى عليهم اعتقادهم الباطل بقوله تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون * أمواتٌ غير أحياءٍ وما يشعرون أيّان يبعثون * إلهكم إلهٌ واحدٌ} [النحل: 20إلى 22]، وبقوله عز وجل {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب) [هود: 101]، وقوله تعالى: {وما يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [يونس: 66]، ويظهر جليا من هذه الآيات أن مشركي العرب كانوا يتخذون آلهة لهم من دون الله وكانوا يدعونهم عند الشدائد ويستغيثون بهم اعتقادا أنّها تسمع دعاءهم وتقدر على نصرهم وأنهم شركاء لله في ملكه العظيم، وبعد كل هذا الشرك الجلي في الربوبية يزعم الوهابيون أنّهم على توحيد الربوبية.
[المفتاح الرابع]: وفي مجال الخطأ في تقرير حقيقة الشرك الأكبر واتهام الأمة بالوقوع في الشرك الأكبر: فكما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الاكبر، ومن ذلك الخطأ في فهم آية الزمر، ومعرفة حقيقة اعتقاد المشركين بربوبية معبوداتهم: قال تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [سورة الزمر: 3]، والولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [سورة هود] وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي} ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية والألوهية (ما نعبدهم)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفي، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده، وفي الحديث (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك)، ([14]) . وقوله تعالى: {كَاذِبٌ كَفَّارٌ} صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته وكذبوا على الله ورسوله.
[المفتاح الخامس]: والخطأ في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وليس المقصد من الدعاء إلى تحقيق تلك المسائل هو الانتصار لرأي فقهي على حساب آخر، وليس هو من قبيل تهوين ما يفعله بعض الجهلاء عند مقابر الصالحين، فإن المساجد بيوت الله تعالى في الأرض، وهي دور العبادة والطاعة والصلاة، ولابد من تنزيهها عن أفعال الجاهلين وغلو المغالين وتسيب المستهترين، وإنما المقصد الأساس من ذلك هو بيان أنّ هذه المسائل تتبع الفقه ولا تتبع التوحيد، وتتبع السنّة والبدعة ولا تتبع الشرك والتوحيد، وتتبع الصواب والخطأ ولا تتبع الإيمان والكفر لأنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – مهما بلغ الجهل منهم مبلغه، فلم يعبدوا إلا الله ولم يصرفوا العبادة إلا إلى الله، كيف وشعارهم هو (لا إله إلا الله)، ومن ثم تهذيب مسائل التوحيد والشرك، فلا يشوبها شائبة الغلو والجفاء، واتهام المسلمين بالشرك الأكبر وهم منه برآء، فعلاج الخلل لا يكون بالخلل، وعلاج الخطأ لا يكون بالخطأ، وعلاج التفريط لا يكون بالإفراط، ودين الله تعالى عدل بين ظلمين، ووسط بين طرفين.
[المفتاح السادس]: والخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، وإخراجهم من دين المسلمين أو من اطار أهل السنّة والجماعة بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وقد كان الإمام ابن تيمية يفصل في مسائل التصوف، وجعلهم طوائف منهم الصديقون والأولياء، ومنهم الأدعياء المرتزقة، ومنهم أهل الجهل والخرافة، ومنهم أهل البدعة والضلالة، ولكن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يفصّل وإنما اعتبر التصوف برمته ضلال ينبغي أن يُزال، مع أنّ السبب الاساس الذي أُنشأ من أجله التصوف هو تزكية الباطن، وقد كان هو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وتخليته عن صفاته الذميمة، وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد وغيرها من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر.
والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، كما أنّه هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية الحقة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، وبالتالي فإن إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على بعضهم، أو قالها بعضهم في ساعة ذهول لا يقصدها، أمر لا ينبغي.
إن كلمة (صوفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة – منذ القرن الثالث الهجري وإلى يومنا هذا – كلمة ثناء، وصفة مدح، فلا يعقل أن ينادي اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى اقتلاع التصوف من جذوره، وابادة التصوف وأهله، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا من تنطع، وأين يذهب أكثرية أهل السنة والجماعة في العالم اليوم في مصر والسودان وبلاد الشام، ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين، وليس معنى ذلك أن نبرأ جميع الصوفية من الخطأ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف.
[المفتاح السابع]: استحلال دماء وأموال مخالفيه: فقد استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام، نعلم كيف كانت (الغزوات) ! على أعراب نجد والحجاز، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان، لا مسلمين يقولون (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ويعتقدون أنّه لا إله إلا الله، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون به لله.
[المفتاح الثامن]: غلو الدعوة الوهابية في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم: هناك العديد من نصوص محمد بن عبد الوهاب والتي آلت به إلى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم، ومن تلك النصوص، قوله: – وهو يتحدث عن أربع قواعد في التوحيد -: (الأُولى): إنّ الكفار الذين قاتلهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم مقرّون بأنّ اللّه هو الخالق الرازق المدبر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبصَارَ ..، فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس: الآية ٣١]، (الثانية): إنهم يقولون: ما دعونا الأصنام وما توجهنا إليهم الاّ لطلب القرب والشفاعة لقوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِياءَ مَا نَعْبُدُهُم اِلاّ لَيُقَرِّبُونا إلى اللّه زُلفي} [الزمر: الآية ٣]، وقوله: {وَيَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّه مَالا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُونَ هَؤلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨]، (الثالثة): إنّه ظهر صلى الله عليه وآله وسلم على قوم متفرقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم الأنبياء والصالحين، وبعضهم الأشجار والأحجار، وبعضهم الشمس والقمر، فقاتلهم ولم يفرق بينهم، (الرابعة): إنّ مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين، لأن أولئك يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة، وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: {فَإِذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُم إلَى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: الآية ٦٥]، ([15]) .
وهو يقصد بمشركي زمانه كافة المسلمين دون أتباعه، وذلك لأنهم يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في شدتهم ورخائهم، ولذلك صاروا عنده أغلظ من مشركي عهد الرسالة، هذا مع أن التوسل بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم جائز عند جمهور الفقهاء، وقصاراه أنّه من المسائل الفقهية الخلافية وليس من مسائل التوحيد والشرك، كما أنّ هناك فرقاً جلياً بين المسلمين وعبدة الأوثان والأصنام، فإنّ المسلمين يعبدون اللّه وحده، ولا يتوجّهون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ بقصد أن يدعو لهم عند اللّه، ويشفع لهم عنده، وأين هؤلاء من عبدة الطاغوت الذين كانوا يعبدون الأصنام ولا يعبدون اللّه، ويتوجهون إليها على أنها آلهة تملك ضرهم ونفعهم، وهذا الخطأ أدى به إلى استحلال دمائهم على أنّهم مشركون، وقد تكرر هذا الخطأ في رسالته كشف الشبهات، حيث يقول في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ” أرسله إلى أُناس يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات بينهم وبين اللّه، يقولون نريد منهم التقرب إلى اللّه، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأُناس غيرهم من الصالحين ” ([16]) .
فانظر كيف وصف المشركين بأنّهم يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، وهذه مغالطة فجة، فإنّ كفرهم كان في عبادة غير الله، وانكار رسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ثم اتخاذهم واسطة على سبيل الشراكة، كما ذكرنا في كتاب الاصلاح الثالث ” التأسيس في علم التوحيد “، فالوساطة لم تكن قط سبب شركهم، وإنّما عبادة غير الله: {ما نعبدهم إلا}، فقد أقروا بعبادتهم، ثم الوساطة الجبرية على سبيل الشراكة مع الله، وهذه وتلك لم يفعلها مسلم قط، إذ المسلم لا يعبد إلا الله، وهو بريء عن عقيدة الواسطة الشركية التي تكون جبرا على الله، وقصاراه التوسل بمن لهم جاه عند الله لقبول الأعمال، دون أي اعتقاد في شفاعتهم الجبرية على الله، ويقول في موضع آخر ما نصه: ” إنّ التوحيد الّذي جحدوه هو توحيد العبادة، الّذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون اللّه سبحانه ليلا ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من اللّه ليشفعوا له، أو يدعو رجلا صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى ” ([17]) .
وهو هنا لا يفرق بين الدعاء وبين العبادة، مع أنّ الدعاء لا يكون عبادة حتى يصاحبه اعتقاد الإلهية أو الربوبية لمن يدعوه، ولو كان الدعاء لعبد صالح من عباد الله، لعل الله تعالى ان يستجيب دعوته، فلا تكون الدعوة لهذا العبد عبادة له، وإنّما توسل به إلى الله، ويقول أيضاً: ” تحققت أنّ رسول اللّه قاتلهم ليكون الدعاء كله للّه، والذبح كله للّه، والنذر كله للّه، والاستغاثة كلها باللّه ” أهـ، ([18]) . وهذه كما ذكرت في كتاب التجديد الثالث ” التجديد في علم التوحيد ” كلها مفردات للعبادة إن اشتملت على اعتقاد الإلهية والربوبية لمن تُصرف له كانت عبادة، وإن لم تشتمل على تلك العقيدة لم تكن عبادة، ويقول أيضاً: « إنّ المشركين يقرّون بالربوبية وإن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء »، ([19]) .
وهذا خطأ، لأن كفرهم إنما كان لعبادتهم الملائكة والأنبياء لا لتعلقهم بها إذ ليس مجرد التعلق مع الاعتراف بعبوديتهم وعدم تفويض الأمر إليهم موجباً للتكفير، ويقول أيضاً: « إنّ الذين قاتلهم رسول اللّه مقرّون بأن أوثانهم لا تدبّر شيئاً وإنما أرادوا منها الجاه والشفاعة »، وهذا أيضاً خطأ، لأنّ كفرهم لم يكن لأجل طلب الشفاعة، بل لعبادتهم قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُون هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨].
ويقول: ” إنّ اللّه كفّر من قصد الأصنام، وكفّر من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول اللّه ” أهـ، وهذا أيضاً خطأ، لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كفّر من عبد الصالحين، لا من قصدهم، فمن قصد الصالحين لطلب الدعاء لا يكون كافراً أبداً، ويقول أيضاً – وهو يعلّم أتباعه كيف يناظرون المخالف-: ” اقرأ عليه: {ادعوا ربّكم تضرعاً وخفيةً إنه لا يحبّ المعتدين} فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة للّه ؟ فلا بد أن يقول نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنها عبادة، ثم دعوت تلك الحاجة نبياً أو غيره، هل أشركت في عبادة اللّه غيره؟ فلابد أن يقول نعم ” أهـ، ([20]) .
وهذا أيضاٍ خطأ، لأنّ الدعاء بنية العبادة، والدعاء لمن يعتقده ربا وإلهاً، عبادة، وما خلا عن ذلك فليس بعبادة، والدعاء مخ العبادة لمن دعا من يعتقد أنه يدعو الرب الإله، فأين ذلك من دعوة الأنبياء والصالحين بمعنى التوسل بهم إلى الله، والذين يتكلم عنهم الشيخ مسلمون، لا يعبدون غير الله، ويعلمون أنّ هؤلاء عبادا صالحين لا يملكون شيئاً لأنفسهم ولا لغيرهم، إلا الشفاعة بفضل الله، فلا يجوز تشبيه دعاء الكافرين والمشركين لمن يظنون فيهم نوعا من الألوهية والربوبية، وبين دعاء المسلمين الموحدون، وبهذه القواعد المغلوطة توصل الوهابيون إلى تكفير المسلمين واستحلال محارمهم، بزعم انهم أشد كفراً من المشركين الأصليين.
[المفتاح التاسع]: مآسي المسلمين من غلو الوهابيين: ترتب على غلو الوهابيين في فهم مسائل وأحكام التوحيد والشرك: استحلال دماء المسلمين، لغير سبب شرعي صحيح، وإليك الأمثلة:
(أ) هاجم الوهابية الطائف ليحرروها من الشرك!! وكانت تحت حكم الشريف غالب حاكم مكة، ودخلوها عنوة في ذي القعدة 1217هـ: 1802م فقتلوا الناس بدون تمييز بين رجل وامرأة وطفل، حتى انهم كانوا يذبحون الرضيع على صدر أمه، كما قتلوا من وجدوا في المساجد والبيوت ولاحقوا الفارين من المدينة فقتلوا أكثرهم، وأعطوا الأمان للبعض فلما استسلموا ضربوا أعناق فريق منهم، وأخرجوا فريقاً إلى أحد الأودية، واسمه وادي الوج، فتركوهم مكشوفي العورة ومعهم النساء، ويذكر المؤرخ الشهير عبدالرحمن الجبرتي – وهو ذو هوى وهابي – في كتابه (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار) أنهم (حاربوا الطائف وحاربهم أهلها ثلاثة أيام حتى غلبوا فأخذ البلدة الوهابيون، واستولوا عليها عنوة، وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال، وهذا رأيهم مع من يحاربهم) ([21]) .
(ب) احتلال مكة المكرمة: بعد إرعاب أهل الحجاز بقتل النساء والأطفال خلال احتلال الوهابية للطائف عام 1217 هـ: 1802 م، بدأوا بمهاجمة مكة المكرمة بعد استيلائهم على الطائف مباشرة فدخلوها سنة 1218هـ: 1803م كما ذكر ذلك عبدالله بن الشريف حسين في (صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر)، أما مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر الحنبلي النجدي فيذكر ذلك في أحداث سنة 1220هـ، ومن أحداث تلك الفترة المشؤومة في محرم 1220هـ: 1805م أن الوهابية راحوا يقتلون الحاج ويأسرون من يمر بهم، واشتدَّ الغلاء في مكة بشكل فاحش لم تشهده من قبل حتى باع أهل مكة أثاثهم وحلي نسائهم بعشر القيمة، ليشتروا أقوات أطفالهم بأضعاف أثمانها، ومات الكثير من أهل مكة جوعا وانتشرت جثث الأطفال في الأزقة، بل وكما يذكر مؤرخ الوهابية عثمان النجدي في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد أن لحوم الحمير والجيف بيعت فيها بأغلى الأثمان، وأكلت الكلاب، وأخذ الناس يهجرونها نتيجة الخطر الجاثم على أطرافها، فلم يبق فيها إلا النادر من الناس، ([22]) .
(ت) منع الحجاج من الوصول إلى بيت الله الحرام: يذكر المؤرخ عثمان بن بشر الحنبلي في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد) من أحداث 1221 هـ الحادثة التالية ص 139: ” فلما خرج سعود من الدرعية قاصداً مكة أرسل فرَّاج بن شرعان العتيبي، ورجالا معه … وذكر لهم أن يمنعوا الحواج التي تأتي من جهة الشام واسطنبول ونواحيهما، فلما أقبل على المدينة الحاج الشامي ومن تبعه، وأميره عبدالله العظم باشا الشام فأرسل إليه هؤلاء الأمراء أن لا يقدم وأن يرجع إلى أوطانه، ويقول مفتخراً ولم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر والعراق والمغرب (أي بلاد المغرب العربي كله) وغيرهم إلا شرذمة قليلة من أهل المغرب لا اسم لهم ” أهـ، ([23]) .
(ث) من مجازر الوهابية ضد الحجيج: في سنة 1341هـ: 1921م التقت سرية من الوهابيين بحوالي ألف من أبناء اليمن القادمين لأداء فريضة الحج، فلما وصل الفريقان إلى وادي (تنومة) والوهابيون في الجهة العليا بينما اليمنيون في الجهة الدنيا، انقض المسلحون على الحجاج بأسلحتهم فأبادوهم فلم ينج منهم إلا اثنان، وقد برر الوهابيون هذه الفعلة بأنّهم ظنوا أن مجموعة الحجاج مجموعة مسلحة من أهل الحجاز فاشتبكوا معها، وهو عذر أقبح من ذنب كما ترى، ([24]) .
(ج) حرق المكتبة العربية بمكة المكرمة: أحرق الوهابية المكتبةَ العربية في مكة المكرمة وهي من أنفس مكتبات العالم، إذ كانت تحوي ستين ألفاً (60،000) من الكتب النادرة، وحوالي أربعين ألف (40،000) مخطوطة، بعضها مما أملاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبعضها كتبه الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة، ومنها ما هو مكتوب على جلود الغزلان والعظام والألواح الخشبية والرقم الفخارية والطينية، كما كانت المكتبة تشكل في جانب منها متحفاً يحتوي على مجموعة من آثار ما قبل الإسلام وبعده.
(ح) استباحة دماء المسلمين في المساجد: جاء في كتاب تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام: ” يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (إن عثمان بن معمَّر – حاكم بلد عيينة – مشركٌ كافر، فلما تحقق المسلمون من ذلك تعاهدوا على قتله بعد انتهائه من صلاة الجمعة، وقتلناه وهو في مصلاه بالمسجد في رجب 1163 هـ، ([25]) . ولنا أن نتساءل كيف يكون مشركاً من قُتل في مصلاه بالمسجد يوم الجمعة، وهو يعبد الله.
(خ) الهجوم على الكويت: وذلك بزعم أنّهم مشركون حلال الدم والمال، فوجهوا إليها الغارات تنهب وتقتل وتسلب وتسبي، وكانت الحملة الأولى سنة 1205 هـ: 1790 م، ثم تلتها حملة أخرى سنة 1213هـ: 1798 م، وثالثة سنة 1223 هـ: 1808 م ووصلوا في هذه الأخيرة إلى الجهراء، وأعادوا الكرة سنة 1338 هـ: 1920م فكانت معركة (الجهراء) المعروفة.
(د) البطش والإبادة لجميع قبائل العرب التي تُخالفهم: لقد نالت شدة وبطش الوهابية العديد من المسلمين، حتى أبيدت قبائل بأكملها ومواقفهم مع العجمان والخوالد وآل رشيد معروفة، وما ذلك إلا بناء على عقيدتهم التي ترمي أهل ملة التوحيد بالشرك الأكبر لتستحل بذلك دماءهم وأموالهم ونساءهم، ومن أراد أن يتتبع أحكامهم على المسلمين، وكيف أخرجوهم من الملة والدين، واعتقدوا فيهم أنهم مشركون، فليرجع إلى كتاب (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) فإنه سيجد في ذلك العجب العجاب، وكذلك كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) الذي ألفه أحد علماء الوهابية وهو عثمان بن بشر النجدي الحنبلي، ونشرته مكتبة الرياض الحديثة بالمملكة العربية السعودية، فإن في هذا الكتاب من تعسفهم ومعاملتهم للمسلمين معاملة الكافرين الصرحاء ما تشيب منه الولدان.
(ذ) حرب أهل المدينة: جاء في كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد: ” أجمعوا على حرب المدينة ونزلوا عواليها ..، وضيَّقوا على أهل المدينة، وقطعوا عليهم السوابل، وأقاموا على ذلك سنين ” أهـ، ([26]) .
(ر) غزو الشام: وقد غزا الوهابية هذيل الشام بقيادة عثمان المضايفي في حوالى سنة 1214هـ: 1799م فقتلوا وسبوا النساء، ثمَّ غزوا اللفاع حيث يقيم أشراف بني عمرو فقتلوا منهم عدداً، ونهبوهم وسلبوا النساء حتى أنهم جردوهن من الثياب، فطلبوا الأمان وتوهبوا،، ابادة أهل الحجاز في تربة وحزبة: وهما قريتان بالحجاز انقض عليهما جنود الوهابية في أواخر شعبان 1337هـ: 1919م فقتلوا ونهبوا واعتدوا على الأعراض وأحرقوا النخيل، وقد أحصي من قتل في تربة وحدها فبلغوا ثلاثة آلاف من المدنيين العزَّل، (س) غزو الإحساء: جاء في عنوان المجد: في أحداث 1210 هـ، ” : فلما استووا على ركائبهم (أي الجند الوهابي) وساروا ثوروا بنادقهم دفعة واحدة، فأظلمت السماء وأرجفت الأرض، وثار عج الدخان في الجو، وأسقط كثير من الحوامل في الإحساء، ثم نزل سعود في الرقيقة … فأقام في ذلك المنزل يقتل من أراد قتله، ويجلي من أراد جلاءه، ويحبس من أراد حبسه، ويأخذ من الأموال، ويهدم من المحال، ويبني ثغوراً، ويهدم دوراً، وضرب عليهم ألوفاً من الدراهم وقبضها منهم .. ثم يقول عن القتل وذلك بعد الاستسلام.. فهذا مقتول في البلد، وهذا يخرجونه إلى الخيام، ويضرب عنقه عند خيمة سعود، حتى أفناهم إلا قليلا، وحاز سعود في تلك الغزوة ما لا يحصى)، (ش) غزو البحرين وقطر وعمان: امتنع العتوب في البحرين عن دفع الجزية فهاجمهم الوهابية وقتلوا منهم الكثير، وأوقعوا بهم خسائر جسيمة.. وقد هاجم الوهابية البحرين مرات عديدة، ومنها الحادثة الشهيرة التي رواها مؤرخ الوهابية عثمان النجدي في كتابه (عنوان المجد) حين قتل الوهابية من أهل البحرين 1400 رجل فانتقم الله لأهل البحرين فانفجر البارود داخل السفن الوهابية المغيرة فمات الجند الوهابي حرقاً وغرقا، يقول صاحب عنوان المجد، ” ثم دخلت السنة السادسة بعد المائتين والألف وفيها غزا سليمان بن عفيصان بأمر عبد العزيز بجيش من أهل الخرج وغيرهم، وقصد قطر المعروف بين عمان والبحرين، فصادف منهم غزواً نحو خمسين مطية فناوخهم، فقاتلوا وهزمهم سليمان، وقتلهم إلا القليل، وأخذ ركبهم، ويقول كذلك، عندما تحدث عن أحداث 1209 هـ (.. ثم سار بهم إبراهيم بن عفيصان فقصد ناحية قطر، وأغار على أهله فأخذ إبلا كثيرة من بواديهم وأموالهم، (ص) غزوة الشقرة على قبائل شمر: جاء في عنوان نجد: ” وفيها (أي سنة 1206 هـ) كانت غزوة الشقرة وذلك أن سعوداً سار بالجيوش الكثيفة من جميع نجد الحاضرة والبادية، وقصد ناحية جبل شمر، وقد ذكر له قبائل كثيرة من البوادي من مطير وحرب وغيرهم، وهم على الماء المعروف بالشقرة قريب من جبل شمر، فعدا عليهم سعود وأخذهم جملة وحاز منهم أموالاً عظيمة، الإبل أكثر من ثمانية آلاف بعير، وأخذ جميع أغنامهم ومحلتهم وأمتعتهم، وأكثر من عشرين فرساً، قتل عليهم عدة رجال، ثم رحل سعود بجميع تلك الغنائم وأخرج خمسها !! وقسم باقيها غنيمة في المسلمين للراجل سهم وللفارس سهمان ” أهـ، ([27]) .
فمتى كان هؤلاء كفاراً تحلُّ دماؤهم وأموالهم، ووجه الوهابية قواتهم إلى عمان، يقول مؤرخهم عثمان بن بشر النجدي: ” ثمَّ سعود أرسل إلى عمان عبدالله بن مزروع صاحب منفوحة وعدة رجال من أهل نجد و أمرهم بنزول قصره البريمي المعروف في عمان، مطلق المطيري بجيش من أهل نجد …، فقاتل أهل الباطنة سحار ونواحيها، وقاتلوا سعيد بن سلطان صاحب مسكة (مسقط) ودام القتال بينهم وقتل من عسكر عزان مقتلة عظيمة بلغت القتلى نحو خمسمائة رجل، ثم أنه اجتمع مع مطلق المطيرى جميع من هو من رعية سعود من أهل عمان، فنازل أهل سحار بألوف من المقاتلة، ودخلت سنة خمس وعشرين وهم على ذلك يقتلون ويغنمون، وأخذ مطلق ومن معه قرى كثيرة من نواحى سحار من أهل الباطنة، وبايع غالبهم على دين الله ورسوله والسمع والطاعة، ولم يبق محارب إلا مسكة ونواحيها مملكة سعيد وما تحت ولاية عزان من سحار، وغنموا منها غنائم كثيرة، وبعثوا الأخماس إلى سعود في الدرعية ” أهـ، ([28]) .
(ض) غزو العراق واليمن والشام: يقول صاحب عنوان المجد، ” وفيها (أي سنة 1220 هـ) سار سعود بالجيوش المنصورة، والخيل والجياد المسومة المشهورة من جميع نجد ونواحيها وبواديها، وقصد جهة الشمال نوازل بلد المشهد المعروف في العراق، وفرق عليه المسلمين من كلِّ جهة، وأمرهم أن يتسوروا الجدار على أهله !! … ثم رحل منه سعود فانحاز على الزملات من عربان غزية فأخذ مواشيهم ثمَّ ورد الهندية المعروفة، ثم اجتاز بحلل الخزاعل، وجرى بينه وبينهم مناوشة قتال وطرد خيل، ثم سار وقصد السماوة وحاصر أهلها ونهب من نواحيها ودمَّر أشجارها، ووقع بينهم رمي وقتال، ثم رحل منها وقصد إلى جهة البصرة ونازل أهل الزبير ووقع بينه وبين أهله مناوشة قتال ورمى، ورحل منه إلى وطنه ” أهـ، ([29]) .
ولقد احتل الوهابية صنعاء وأمعنوا فيها قتلا، ونهبوا خيراتها، يقول مؤرخهم في غزو الحديدة: ” وحاصروا بندر الحديدة وأخذوه …فتجهز صالح المذكور إلى زبيد وجنوده وقومه فسار إليه بجيش عديد من قبائل عديدة حاضرة و بادية نحو ثلاثة الآف مقاتل فنازل أهل زبيد وأخذوه عنوة ونهبوا منها من الأموال والأمتاع شيئا كثيرا ..، وعزل صالح الأخماس وبعثها إلى الدرعية ” ([30]) .
فأي إسلام هذا الذي يحلُّ الإغارة على المسلمين ؟ وفي بلاد الشام: هاجم الوهابية حوران سنة 1225هـ: 1810م فأحرقوا ونهبوا وسبوا بعد أن قتلوا حتى الأطفال ناهيك عن الكبار، ثمَّ توسعت الغزوات الوهابية حتى بلغت مدينة حلب وقطعوا الطريق بين الشام والعراق، وكانت سراياهم تصل إلى القادسية، وقد قتلوا خلقاً كثيراً خلال غاراتهم تلك، (وبعد) فهذه بعض الأحداث الدامية التي ارتكبها الوهابية في حق المسلمين، ولنا أن نقول: ما هو الفرق بين تصرف الخوارج وتصرف هؤلاء مع أهل القبلة من المسلمين، وهل كانوا حقيقة يُقاتلون كفاراً مشركين، أم يُقاتلون أهل الإسلام والتوحيد، الذين يدينون بلا إله إلا الله ؟ وكيف بعد ذلك أنّ نصدق أنّهم السلفية على طريق السلف، اللهم اهد قومنا فإنهم لا يعلمون.
[فائدة]: ميزان نبوي لمعرفة الحق في هذه الامة: حتى نعرف الحق عند كثرة الاختلاف بين طوائف الامة، وضح لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميزانا دقيقا، أخرج ابن ماجة في سننه : عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، يَقُولُ: ((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ))، ([31]) . فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ))، يدل على أن اجماع علماء الامة حق، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ)) يدل على أنه عند الاختلاف يكون الصواب والرشاد مع رأي الكثرة من العلماء، والمراد (بالسواد الأعظم) هم سواد علماء أمته صلى الله عليه وآله وسلم لأن العلماء ورثة الانبياء وهم أهل الاستنباط والإفتاء، ولا يرد على ذلك استدلال البعض بقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، وقوله تعالى: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، فإن مورد تلك النصوص هو كثرة الكفار في الأرض وقلة المؤمنون فيها، ولم يزعم أحد أن الصواب يكون في جانب الكثرة المطلقة من كفار ومؤمنين، ولكن ندعي أن الصواب يكون في جانب السواد الأعظم من علماء الأمة، وأنّ الخطأ يكون فيمن شذ عنهم، فالقاعدة النبوية ترشدنا إلى اتباع سواد علماء الامة الاعظم على مر عصور الإسلام، لقد اصطلحت هذه الجماعة التي تمثل سواد الأمة الإسلامية الأعظم منذ أوائل ظهورها: على تسمية العلم الذي يشرح أركان الإسلام بعلم الفقه، والعلم الذي يشرح أركان الإيمان بالعقيدة، والعلم الذي يشرح مقام الإحسان بعلم التصوف، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وقد تنوعت طرق التزكية التي يسلكها الربانيون في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإحسان أعلى منازل الدين، وبهذا التخصص الفريد، صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ومدارسه العلمية والسلوكية الرصينة، لقد حاولت الوهابية مزاحمة أهل السنة والجماعة في مسماها، بل وحاولت حين غفلة من أهل العلم سحب البساط من تحت أقدام أهل السنة والجماعة لتنسبه لنفسها، ولكن الميزان النبوي لا زال عاملا، اليوم وبالأمس وعلى مر عصور الإسلام، واليوم إن شاء الله هم أهل السنة والجماعة الحقة أهل العلم والحلم، أهل التقديس والتنزيه، أهل التخصص العلمي الرصين، أهل احترام المدارس العلمية العقائدية والفقهية والسلوكية التي تُعد مفخرة التراث الإسلامي علة مر عصور الإسلام.
[فائدة]: لماذا امتنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الدعاء لأهل نجد؟ لعل السبب الأبرز في ذلك تكفيرهم لأهل القبلة واستحلال دمائهم وأعراضهم واموالهم وعداوتهم لأهل التصوف الحق، أهل الله الاولياء، الذين حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من معاداتهم في حديث البخاري: ((إن الله تعالى قال: مَن عادى لي وليًّا، فقد آذنتُه بالحرب))، ([32]) .
فقد أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قَال: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)) ([33]) .
وأخرج البخاريُ ومسلم عن عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ ((الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلاَ إِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)) ([34]) .
وقد زعم بعض من لا خلاق لهم: أنّ نجد المقصودة هي منطقة أخرى مجهولة قد تكون بالعراق، أو بالشام، وليست هي نجد الحجاز المعروفة، وكلامهم يفتقد إلى أدنى التحقيق والإنصاف، وذلك لأنّ نَجد الحِجاز كانت أرض الفَدّادين رِعاءِ الإبِل، والعراق والشام كانتا أرض زراعة وتجارة وما كانت آنذاك أرضًا لرِعاء الإبل، كما أنّ (نجد) الحجاز هي بلاد ربيعة ومضر وليس نجد العِراق أو الشام ثم نحن لا نعلم نجدا معروفا إذا أطلق لفظ (نجد) سوى نجد الحجاز التي ظهر منها محمد بن عبد الوهاب النجدي وفرقته الوهابية الذين يسمون أنفسهم بعلماء الدعوة النجدية التي حاصلها تحريف مفاهيم الدين وسفك دماء المسلمين، فلولا أن نجد الحجاز هي المعروفة لما سموا أنفسهم بعلماء الدعوة النجدية، كما أنّ نجد الحجاز هي جهة المشرق تماما بالنسبة إلى أهل المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مستقبل المشرق يقول: ((ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان))، ([35]) .
وأخرج مسلم في كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام عند باب حفصة فقال بيده نحو المشرق: ((الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان)) ([36]) .
قالها مرتين أو ثلاثاً، وأخرج مسلم في كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان من طريق سالم عن ابن عمر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بيت عائشة فقال (رأس الكفر من ههنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([37]) .يعني المشرق.
ومن نظر إلى الخريطة وجد أنّ مدينة الرياض عاصمة نجد تقع تماما في جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أحاديث البخاري ومسلم نرى تحذير النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشديد من متابعة أهل نجد (الوهابيين) فيما جاؤوا به من تحريف للدين وغلو في تكفير المسلمين وتضليلهم واستحلال حرماتهم، اضف إلى ذلك تبنيهم لمحاربة التصوف وأهله مع انه روح الدين ولا غني للدين عنه فضلا عن كونه التفسير والتحقيق لمرتبة الإحسان اعلى مراتب الدين، ونستفيد من هذه الأحاديث النبوية الصحيحة التحذير من كل ما انفرد به هؤلاء الذين سموا انفسهم بعلماء الدعوة النجدية عن علماء المسلمين من مفاهيم في الدين لا سيما مفاهيمهم المغلوطة عن التوحيد والشرك التي كفروا بها المسلمين وآلت بهم إلى استحلال دماء أهل القبلة وحرماتهم، وجميع مفاهيمهم المغلوطة عن السنة والبدعة والتي آلت بهم إلى الهوس التبديعي في تبديع أهل الإسلام، وجميع مفاهيمهم المغلوطة عن التصوف والتي آلت بهم إلى معاداة الأولياء ومحاربة كل ما يمت إلى التصوف بصلة مع انه روح الدين والقائم على تحقيق مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، ولعل هؤلاء النجديين هم المقصودون بالفتنة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان، قالها مرتين أو ثلاثاً)).
إنّ روايات امتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الدعاء لنجد بالبركة، وتسميتها بــ (قرن الشيطان)، وإقليم نجد المعروف بالسعودية وعاصمته الرياض، لأننا لا نعرف نجدا إذا اطلق سوى نجد المعروفة، بدليل أن علماء هذه المنطقة يسمون أنفسهم علماء الدعوة النجدية، وأُرجح والله أعلم بأن المقصود بالزلازل والفتن هو ما أحدثته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من فتن لا زلنا نعاني من آثارها إلى اليوم حيث طرح ابن عبد الوهاب دينا موازيا يوازي دين الله تعالى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه علماء الدعوة النجدية يحاولون جاهدين سحب البساط من تحت أقدام أهل السنة كي ينسبونه لأنفسهم، ومن نظر إلى فتن ابن عبد الوهاب في زمانه وقد اشرت إلى طرف منها لعلم قدر الأهوال التي لاقاها المسلمون في زمانه من آثار تلك الحملة التي أكلت الأخضر واليابس من تراث أمة الإسلام.
(تنبيه): مرت الفتنة وخفت والحمد لله، ولكن آثارها المغالية لا تزال باقية متمثلة في الطرح العلمي المتشدد في أغلب جوانب الدين، في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، في قضايا الإيمان والكفر وفي قضايا التوحيد والشرك وفي قضايا السنّة والبدعة، أما علم التقديس والتنزيه فهم عنه عراء وجهلهم فيه جهل مركب وهم في باب التقديس حشوية مجسمة لا يعرفون شيئا عن قواعد التقديس والتنزيه، وهم من أضل الفرق في باب التقديس والتنزيه، والشيعة على ما هم عليه من الضلال والخوارج على طوامهم أحسن منهم حالا في علم التقديس، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
المبحث الثالث تعقيب على كتاب كشف الشبهات
(تنبيه): أتناول في هذا المبحث بيان الأخطاء الموجودة في كتيب كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وقد استخرجت منه ثلاثين خطأً جليا وأعرضت عن بقية الأخطاء اليسيرة، وما ابتغي بذلك إلا وجه الله، وارشاد المسلمين إلى القواعد المانعة من الغلو في باب التوحيد والشرك، وتحذيرهم من الانسياق وراء شبهات الغلو في التكفير والتشريك واستحلال حرمات اهل القبلة بما لا ينبغي ولا يصح في دين الله تعالى.
قال رحمه الله: ( اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده. فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين ) ([38]) .
في هذا النص عدة أخطاء جسيمة ومغالطات كبيرة
الخطأ الأول: قوله: (اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة)
فتعريف التوحيد بهذه الطريقة فيه قصور، لأن التوحيد أعم من ذلك فهو يشتمل على توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، كما يشتمل على توحيد الربوبية، وتوحيد العبودية، والشيخ رحمه الله قصر تعريف التوحيد على توحيد العبودية، وذهل بالكلية عن أهم أقسام التوحيد قسم توحيد الذات (غلم التنزيه والتقديس)، فمعنى (لا إله إلا الله): نفي لجميع أنواع الشرك المتعلقة بالذات والاسماء والصفات والأفعال والربوبية والإلهية، واثبات للتوحيد بجميع أقسامه، و (لا إله إلا الله) هي شهادة التوحيد وهي توحيد الألوهية، وهو يشمل أقسام التوحيد كلها وليس توحيد العبودية فحسب.
والأمر الثاني وهو الأخطر أنّ الشيخ ذهل عن ضابط التوحيد ألا وهو اعتقاد الإلهية والربوبية فيمن تصرف إليه العبادات والطاعات والذهول عن هذا الضابط سيجل صاحبه يُكفّر كل من يصرف عبادة في الظاهر لغير الله، وهذا نفسه لو رأى نبي الله يعقوب عليه السلام، وهو يخر هو وأبناؤه سجدا ليوسف، لكفّره واحل دمه، لأنه صرف السجود لغير الله، ولكان الشرك من نصيب (الأسباط) ذرية يعقوب جميعها، قال تعالى: { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [ يوسف:99 و 100]، وهذا نفسه لو رأى جنديا يقف بخشوع أمام قائده يطيعه في كل امر لأسقط عليه الكفر لمجرد الخضوع والخشوع والتسليم والانقياد والطاعة، فهل يقول هذا عاقل.
وكل ما حدث في زمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب من استحلال لدماء المسلمين في نجد والحجاز إنما كان بسبب هذا الخلل في تفسير العبادة، رأوا المسلمين يتوسلون بالصالحين وقد أجاز لهم ذلك عامة فقهاء المذاهب الأربعة ومع ذلك كفروهم بدعوى الشرك، ولنا ان نتساءل ألم يكونوا يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكيف نجعلهم كمثل أولئل الذين رفضوا الشهادة واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب، قال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) } [ الصافات: 35 و 36]، وكانوا يقولون، كما حكى عنهم القرآن الكريم: { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ ص: 4 إلى 7]، وعلى مذهبهم السقيم كفرت الملائكة عندما سجدت لآدم وصرفت العبادة لغير الله وعبت آدم من دون الله، هذه والله طريقتهم، فإنّا لله وإنا إليه راجعون،
الخطأ الثاني: قوله: (فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً) .
(أقول): وهذا الخطأ من الشيخ هو سبب الغلو في التوحيد واتهام الأمة بالشرك، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، وذلك لأن الله تعالى ما أرسل نوحا عليه السلام إلى قوم غلوا في الصالحين، وإنما إلى قوم عبدوا الأوثان من دون الله واتخذوها آلهة من دون الله، قال تعالى حكاية عنهم، {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}، فقد سموها آلهة.
الخطأ الثالث:
قوله: (وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين).
(أقول): فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكسر صور الصالحين، وإنما كسر الأوثان والأصنام التي اتخذها الناس آلهة من دون الله، اعتقدوا فيها صفات الربوبية، كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وهي التي كانت تعبد من دون الله.
الخطأ الرابع: قوله: (أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً).
(أقول): هذا خلل شديد، حيث وصف المشركين بأنّهم يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، وهذه مغالطة فجة، فإنّ كفرهم كان في عبادة غير الله، وانكار رسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كما في قوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5، 6]، ثم إنهم كانوا مشركين في العبادة، كما وصفهم الله تعالى بقوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، وهل كانت عبادتهم إلا المكاء والتصدية، كما في قوله تعالى: {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُـوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}، فهل يصح بعد ذلك وصفهم بقوله: ((أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً)).
الخطأ الخامس: قوله: (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين).
(أقول): أساس هذا الخطأ أنه جعل ضابط الشرك الأكبر هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء: بدون أن يصاحبه اعتقاد ألوهية الوسيط، مع أن الموجب لشرك العبادة الشرك الأكبر المخرج من الملة هو اعتقاد إلهية الوسيط، وسبب هذا الخطأ هو الخلل في فهم الآية: قوله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، وقد مر بنا أنّ المشركين أقروا بعبادتهم لأصنامهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ}، وهذا لا يقر به مسلم أنه يعبد غير الله، ثم إن الله تعالى قد كذبهم في ادعائهم بأن الغرض من عبادتهم هو التقرب إلى الله سبحانه ولهذا ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وإنما كان شركهم الأكبر هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، وسبب هذا الخطأ أيضا: هو الخلل في فهم الآية قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]،، فالمتدبر للآية يفقه منها أمور ضرورية: الأول: الإقرار بعبادة غير الله {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، والمسلم لا يقول ذلك أبدا، والثاني: اعتقاد شركاء مع الله في ألوهيته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، والثالث: تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم بأنهم يتخذون هذه الأصنام مجرد شفعاء لهم عند الله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، والرابع: ضابط الشرك الأكبر في الآيات هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، ومما سبق يعلم خطا الشيخ في جعل ضابط الشرك الأكبر في الآيتين هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء.
الخطأ السادس: قوله: (هؤلاء المشركون مقرون ويشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن والأراضين السبع ومن فيها كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره، فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس:31] وغير ذلك من الآيات) ([39]) .
(أقول): يشير رحمه الله إلى أنهم على توحيد الربوبية، وسوف يقولوها صراحة بعد عدة أسطر ((وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام))، وهذا باطل، لانهم كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية: كانوا على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الألوهية والربوبية في اعتقادهم، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله، كما أنه لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الألوهية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة، والقرآن الكريم يشير إلى الشرك الواقع في الربوبية عند مشركي قريش، الذين جعلهم الشيخ النجدي أهون شركا من مسلمي زمانه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وقوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ} [هود: 101]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء: 43]، كما أن الكفار يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36]، والمشركون كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الإلهية والربوبية: قال تعالى واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98]، فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه، ونستفيد مما سبق أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً، كما أن المشركين كانوا يعتقدون بوجود آلهة مع الله لها قدرة ذاتية على النصرة أو الضر والنفع على نحو مستقل عن الله بل وبلا إذن من الله لأنهم شركاء لله {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام]، وأنّ الشيخ عندما ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن أبدا على صواب في ذلك.
الخطأ السابع: قوله:(فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا (الاعتقاد) ([40]) .
(أقول): أولا: ليس (توحيد العبادة) وحسب هو الذي جحدوه بل جحدوا كل أقسام التوحيد متمثلا في جحدهم لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ويدخل فيها كافة أقسام التوحيد، والشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يفقه معنى (العبادة)، إذ توهم أنّ إتيان الأعمال التي تصلح للعبادة لا تقع إلا عبادة، وهذا خطأ جسيم آل به إلى اتهام أهل الإسلام بالوقوع في الشرك الأكبر وآل به ذلك إلى استحلال دماءهم واموالهم، فإنه لما رأى أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود وغيره من مفردات العبادة تخيَّل أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك.
ويرى السواد الأعظم من علماء المسلمين خطأ هذا المفهوم، وأن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الإلهية او لربوبية، ولو كان مجرد إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به – من دون اقتران نية العبادة لمن يعتقده رباً – هو الشرك إن وقع لغيره تعالى، لما جاء بعض تلك الأعمال مأموراً به لغيره تعالى لأن الله تعالى لا يأمر عباده بالشرك ولا يرضى به ولا يأمر بالفحشاء، فالسجود مثلاً “، وهو أقرب إلى التذلل من سواه، ” لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما أمر الله به لآدم ولما حلّ في شريعة قط كالسجود ليوسف على وجه التحية والتكريم، فلما جاء السجود صالحاً لأن يكون سجود عبادة وشرك، وأن لا يكون سجود عبادة وشرك تبين أن إتيان أي عمل ليس عبادة لذاته ولا شركاً في نفسه إلا أن يجتمع مع إتيانه نية العبادة به لمن يعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو الإلهية، فالنية (الاعتقاد): على هذا هي الحد الفاصل بين الحكم على العمل بأنه عبادة أو لا يدخل في مسماها.
ولما رأى الشيخ عبد الوهاب أنه ليس كل داع لأحد أو مستنجد به أو مستعين به يعتبر شركاً، فتشوا عن ضوابط لما يصل إلى درجة الشرك وما لا يصل إليه، فأجازوا من ذلك ما كان لحي حاضر فيما يقدر عليه، ومنعوا من ذلك ما كان لغائب أو ميت، ولا معنى لبناء الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأن العبد سواء أكان حيا أو ميتا فإنه لا يقدر على شيء استقلالا ولا حول لأحد ولا قوة إلا بالله، فلا فرق في ذلك بين حي وميت، ولا يعتقد أنّ العبد يخلق أفعال نفسه إلا المعتزلة ومن قلَّدهم.
أما أهل السنة فحين يدعون أحداً أو يستنجدون به أو يستعينون به حياً كان أو ميتاً، حاضراً أو غائباً يعتقدون أنه لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله، وكذلك فإن المعنى الذي أجيزت به الاستغاثة مثلاً بالأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء وغيره وذلك موجود في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم إذ صحت الأحاديث بحياتهم ولوازمها من السمع والبصر والكلام والسلام والتزاور والقدرة على دعائهم للأحياء لا سيما لقرابتهم وزوارهم، وفي كتاب ” الروح ” لابن القيم فصول فحواها “أنه قد تواتر بأنّ لأهل القبور قدرة على سماع الأحياء ورؤيتهم “.
وإذ تبين فساد هذه الضوابط في الجواز والمنع تبين أنّ الضابط الصحيح للتفرقة بين الجواز والمنع هو أنه كان العمل أو القول إذا كان لمن لا يعتقده رباً فليس من العبادة في شيء، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته واستقلاله بالنفع والضر وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يعتبر عبادة إن صرف لله وشركاً إن صُرف لغيره لا فرق في ذلك بين حاضر وغائب ولا ميت وحي ولا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة ولا يوم القيامة، وبهذا نعلم أنّ مسمى العبادة شرعاً لا يدخل فيه شيء مما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة وغيرهما، فعدُّ ذلك من الشرك المخرج عن الملة إنما يجر إليه الجهل بمعنى الشرك والعبادة، وعامة المسلمين الذين يرون جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالصالحين، قلوب هؤلاء مستقرة على (لا إله إلا الله)، وعلى أن من يُتوسل بهم من الأنبياء والصالحين هم مجرد أسباب لا استقلال لهم بنفع ولا ضر، وليس لهم من الربوبية شيء، إذن كيف ينطبق على هؤلاء المسلمين القائلين لا معبود بحق إلا الله، ما ينطبق على المشركين الذين أقروا بعبادة غير الله، حيث قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي}، سبحانك هذا بهتان عظيم وقياس غير مستقيم.
الخطأ الثامن: قوله: (كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا له، أو يدعوا رجلاً صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده كما قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الجن:18] وقال: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ [الرعد:14]، وتحققت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادات كلها لله،) ([41]) .
(أقول):قوله: [كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً] هل كان المشركون يفعلون ذلك حقا، أم هو التمهيد لإسقاط حكم الشرك الأكبر على أهل القبلة، واستحلال دمائهم وأموالهم.
وقوله: [قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده]، نعم لأن شركهم كان شركا أكبر، اتخذوا شركاء مع الله وعبدوا آلهة من دون الله وجحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم،
وقوله: [وتحققت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادات كلها لله].
(أقول): يمهد الشيخ لإسقاط الحكم على المسلمين حتى يتمكن من استحلال دماءهم وأموالهم، وأنه كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتل المشركين بسبب صرف تلك الأعمال لغير الله، فإنه يجب على اتباع الشيخ قتال المسلمين من مجرد صرف تلك الأعمال إلى غير الله، وهاهنا ذهل الشيخ عن ضابط العبادة الذي يجعل تلك الأعمال من باب الشرك الأكبر، فإن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي،.
والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة بنية العبادة، فلابد أن نعلم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، ولها (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف الصور بغير اعتقاد، فلا يكون شركا أبدا، وإلا لكفر نبي الله يعقوب عليه السلام بالسجود ليوسف عليه السلام ولكفرت الملائكة لسجودها لآدم، بدعوى الشرك، وصرف العبادة إلى غير الله، إذن الفقه في مفهوم العبادة يقتضي أن نفهم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة أبدا ولا علاقة لها بالشرك لأنّ الشرك عقيدة تتمثل في اتخاذ آلهة مع الله، كما حكى القرآن الكريم عن المشركين، { وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 6]،.
الخطأ التاسع: قوله – وهو يتكلم عن المشركين -: (وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون) ([42]) .
(أقول): قد أشرت إلى خطأ الشيخ في قوله ((وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام))، لأنهم لم يكونوا على توحيد الربوبية، فإنهم اعتقدوا بعض مفردات الربوبية في آلهتهم التي عبدوها من دون الله، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ}،
ثم قوله بعد ذلك: ((وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم)):
( أقول): لم تكن شفاعتهم هي التي أحلت دماءهم وأموالهم، فإن ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجميع المسلمين عالمهم وجاهلهم يعرف ذلك، وأنها لا تكون جبرا على الله، فشتان ما بين شفاعة المشركين الذين يعتقدون في آلهتهم أن شفاعتها بموجب شراكتها لله في تدبير الأمور بدليل قوله تعالى {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94].
الخطأ العاشر: قوله – وهو يتحدث عن المشركين -:(وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد. فأتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي (لا إله إلا الله) ([43]) .
(أقول): من هم المشركون الذين يقصدهم الشيخ في قوله (ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد)، أليس هم عامة المسلمين في نجد والحجاز، ثم إنه ليس بصحيح أن كفار قريش يعنون بالإله ما يعنيه هؤلاء فإنهم يقصدون بالسيد إما الرئيس فيهم، أو من كان من نسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهم الأشراف، ومراد الشيخ أن الناس في زمانه يعتقدون في السادة ما يعتقده كفار قريش في الأصنام التي يسمونها الآلهة، وهذا غلو خطير، فالمسلمون في زمانه كانوا يعتقدون أنه لا إله إلا الله ويؤمنون بمعناها، وهي شهادة التوحيد فكيف يصفهم بالمشركين ثم يستحل دماءهم وأموالهم.
الخطأ الحادي عشر: قوله: ( والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق به والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: {قولوا: لا إله إلا الله}، قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله) ([44]) .
(أقول): للأسف الشديد هو لا يعلم المعنى الصحيح لشهادة التوحيد، وأنها تشمل أقسام التوحيد كافه، وقد ذهل هو عن توحيد الذات وقواعد التقديس التي تعصم من الحشو والتجسيم، ثم ذهل عن موقع الاعتقاد من الشهادة، وأن اعتقاد التوحيد هو الأساس، وأن الطاعات لا تكون عبودية وتوحيد إلا إن صاحب صرفها اعتقاد إلهية وربوبية واستحقاق العبودية لمن تصرف إليه، وفي هذا الغلط في تفسير العبادة يقول الشيخ سلامة القضاعي العزامي في كتابه فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الاَكوان: (إنّ الغلط في تفسير العبادة، المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، التي أُستحِلت بها دماءُ لا تحصى، فأنّهم فسروا العبادة بالإتيان بأقصى غاية الخضوع، و أرادوا بذلك المعنى اللغوي، أمّا معناها الشرعي فهو أخصّ من هذا كما يظهر للمحقّق الصبّار على البحث من استقراء مواردها في الشرع، فانّه الاِتيان بأقصى غاية الخضوع قلباً، باعتقاد ربوبية المخضوع له، فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعاً، في كثير ولا قليل مهما كان المأتي به و لو سجوداً، و إنّما كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، و هو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له) أهـ ([45]) .
الخطأ الثاني عشر: قوله: (إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلمٍ وحُجج، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحاً تقابل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حججه وبيناته، فلا تخف ولا تحزن إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76]، والعامي من الموحدين يغلب ألفاً من علماء هؤلاء المشركين، .. وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا) ([46]) .
(أقول): يصف أهل العلم من المسلمين في زمانه بالشياطين، والمشركين، ثم يصف أتباعه بأنهم الموحدون، ويصفهم بأن الواحد منهم يغلب ألفا من علماء وفقهاء المذاهب الأربعة وقد كانوا هم آنذاك الذين حاولوا مناقشته في تصوراته المغلوطة حول العبادة.
الخطأ الثالث عشر: قوله: (فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل. أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران:7]، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: {إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم}) ([47]) .
(أقول): الشيخ رحمه الله جعل المحكم متشابها، والمتشابه محكما، فإن المحكم هو أن من أتى بشهادة التوحيد مقرا بها معتقدا لها فهو مسلم له حكم المسلمين من حرمة دمه وماله، ومن المحكم ان المشركين كانوا يشركون في الربوبية والعبودية وأنهم اتخذوا آلهة مع الله، ومن المتشابه ما يزعمه هو من كون المشركين كانوا على توحيد الربوبية وأنهم اتخذوا الأوثان والأصنام واسطة للتقرب إلى الله فقط، يستدل لذلك بقوله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، مع أن أول الآية وآخرها رد على أخطائه، فإن أولها إقرار بأنهم عبدوها من دون الله، وآخرها تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وهم ما عبدوها إلا لاعتقادهم فيها أنها تنصرهم وتعزهم من دون الله، كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ}.
الخطأ الرابع عشر: قوله: (مثال ذلك إذا قال لك بعض المشركين: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، أو استدل بالشفاعة أنها حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله أو ذكر كلاماً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يستدل به على شئ من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [يونس:18] هذا أمر محكم بين، لا يقدر أحد أن يغيير معناه) ([48]) .
(أقول): بل هذا هو المتشابه الذي آل بالشيخ إلى تشريك المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، ثم قال: [[وما ذكرته لي أيها المشرك]]، وانظر إلى اتهامه المسلمين بالشرك في قوله [أيها المشرك]، [من القرآن أو كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أعرف معناه]، الحمد لله يعترف بجهله عن معرفة معناه، [ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخالف كلام الله عز وجل، وهذا جواب سديد]، والله لا سديد ولا رشيد وهو أساسا لا يعرف ضابط العبودية الذي يجعل صرفها لله تعالى توحيد وصرفها لغير الله شرك أكبر]،
الخطأ الخامس عشر: قوله: ( وأما الجواب المفصّل: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه: منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عن عبد القادر أو غيره، ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم، فجاوبه بما تقدم وهو أن الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مُقرِّون بما ذكرت، ومُقرِّون بأن أوثانهم لا تدبر شيئاً وإنما أرادوا الجاه والشفاعة. واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه) ([49]) .
(أقول): لم يقاتلهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على مجرد الجاه والشفاعة، وقد تقدم أنه صلى الله عليه وآله وسلم قاتلهم لأنهم جحدوا شهادة التوحيد (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، وقد وضح القرآن حالهم بقوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ}، ثم إن لمعنى الجاه والشفاعة عند المسلمين معنى مغاير تماما لما عند المشركين، وفي الجاه يقول تعالى: {وكان عند الله وجيها}، وفي الشفاعة تواترت الأحاديث عن أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الشافع المشفع، وأن الله تعالى قد ارتضى شفاعته، أما الشفاعة عن المشركين كانت جبرية على الله بمقتضى اعتقادهم بأنها شركاء لله في تدبير المملكة، كما في قوله تعالى {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}.
الخطأ السادس عشر: قوله: ( فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام أم كيف تجعلون الأنبياء أصناماً؟ فجاوبه بما تقدم فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة) ([50]) .
(أقول): قد تقدم بيان أنهم مشركون في أخص صفات الربوبية من التدبير والتصريف والإعزاز والإذلال، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ}، فكيف يقول: [الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة]، وقد كذبهم الله تعالى في ادعاء الشفاعة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، فكيف نصدق الشيخ ونعرض عما جاء نصا في القرآن في أنهم كاذبون.
الخطأ السابع عشر: قوله: ( ولكن إذا أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكره، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الصالحين والأصنام ومنهم من يدعو الأولياء، ويدعون عيسى ابن مريم وأمه) ([51]) .
(أقول): شتان ما بين معتقد المسلمين والمشركين في الدعاء، فالمشركون يدعون هؤلاء وهم يعتقدون فيهم الإلهية والربوبية والشراكة مع الله في استحقاق العبودية {قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا} أقروا بعبادتهم، وكما في قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، و قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ}، و قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}، و قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا}.
الخطأ الثامن عشر: قوله: (فقل له: أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام، وكفر من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ([52]) .
(أقول): هذا خطأ جسيم، فإن كفرهم لم يكن لمجرد قصد الأصنام، وقصد الصالحين، وإنما لأنهم اعتقدوا فيهم الإلهية والربوبية والشراكة مع الله في استحقاق العبودية، وهذه هي مفردات الشرك الأكبر بالله، والشيخ ها هنا يريد أن يقحم التوسل بالصالحين في باب الشرك بالله، وشتان ما بين هذا وذاك، فإن الفارق عظيم بين التوسل وبين الشرك بالله، فالتوسل هو التقرب إلى الله، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57]، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته،، أما خطأ الشيخ في فهم المقصود من التوسل: هو ظنه أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا، وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل، لأن التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا، وكل ما أورده الشيخ محمد ابن عبد الوهاب من أدلة لإدخال التوسل في دائرة الشرك، إنما هي أدلة مغلوطة فهمها فهما خطأ ثم عممها على المسلمين، من مثل قوله تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، فإن قول المشركين: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} مصرح بأنهم عبدوهم لذلك، والمسلم المتوسل بالصالحين لم يعبدهم بل علم أن لهم مزية عند الله بصلاحهم فتوسل بهم إلى الله تعالى لذلك.
ومثل قوله تعالى {فلا تدعوا مع الله أحداً}، فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره، والمسلم المتوسل بالصالحين لم يدع إلا الله، ولم يعبد إلا الله، ولم يعتقد لا ربوبية ولا إلهية ولا استحقاق عبودية إلا لله، هذا هو حال جمهور المتوسلين من المسلمين فكيف يعمم الشيخ عليهم وقوعهم في الشرك الأكبر واتخاذ الشفعاء على نحو ما يفعل المشركون، وهل اعتقاد المسلمين في الشفاعة كمثل اعتقاد المشركين حتى يقول ذلك، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان، ويشهد بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، عن يقين واعتقاد، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان، ويزعم أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ساحر كذاب، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: آية 4 إلى آية 8].
فهل من العدل والإنصاف في دين الله تعالى أن نساوي بين توسل المسلم الذي أقر بالتوحيد والإسلام والإيمان، وبين اتخاذ المشرك وسائط إلى الله على زعمه الكاذب الذي كذبه القرآن الكريم، وجعله كاذب كفار حرمه الله تعالى من الهداية، قال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام، وهنا إذ تحرر موضع النزاع في معنى التوسل، بقي أن نعلم ما هي أنواع التوسل الجائزة شرعا، فنقول لها سمعاً وطاعةً، ولا نتقدم على الشرع الحكيم برأي أو هوى أو غلو أو تقصير، أو إفراط أو تفريط.
الخطأ التاسع عشر]: قوله: ( فإن قال: الكفار يريدون منهم: وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار لا أريد إلا منه والصالحون ليس لهم من الأمر شئ ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم، فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواءٍ فاقرأ عليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [يونس:18) ([53]) .
(أقول): تكرار لأخطائه السابقة في فهم التوسل ومعرفة الفارق بينه وبين الشرك الأكبر وضابط كل منهما، ولي هنا وقفه لفهم الآيتين، [فقه الآية الأولى وبيان خطأ من استدل بآية الزمر للتوصل إلى اتهام جهلاء المسلمين بالشرك الأكبر المخرج من الملة]: قال تعالى {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}[سورة الزمر: 3]، تبدأ الآية بذكر الدين الخالص الذي هو (التوحيد)، ثم قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء}، الولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}[مريم: 81]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}[يس: 74].
والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}[سورة هود]وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في قسم توحيد العبودية (ما نعبدهم)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده، وفي الحديث (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك)، وقوله تعالى: {كَاذِبٌ كَفَّارٌ} صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته وكذبوا على الله ورسوله.
[فقه الآية الثانية وبيان خطأ الشيخ في جعل ضابط الشرك الأكبر هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء]: قوله تعالى:: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]، فالمتدبر للآية الكريمة يفقه منها أمور ضرورية: الأول: الإقرار بعبادة غير الله {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، والثاني: اعتقاد شركاء مع الله في ألوهيته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، والثالث: تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم بأنهم يتخذون هذه الأصنام مجرد شفعاء لهم عند الله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، والرابع: ضابط الشرك الأكبر في الآيات هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، إذن بهذا البيان نعلم خطا الشيخ محمد ابن عبد الوهاب في جعل ضابط الشرك الأكبر في الآيتين هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء.الخطأ العشرون: قوله: ( فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وهذا الإلتجاء إلى الصالحين، ودعاءهم ليس بعبادةٍ، فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك؟ فإذا قال: نعم، فقل له: بين له هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه عليك فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]، فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلا بد أن يقول لك: نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنه عبادة لله ودعوت الله ليلاً ونهاراً خوفاً وطمعاً، ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول: نعم،) ([54]) .
(أقول): مشكلة الشيخ أنه لا يفرق بين أصل العبادة وصور العبادة، ولا يجعل الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) [أخرجه مسلم]، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي.
والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة مع اعتقاد استحقاقه لأن تصرف إليه العبودية، فمن صرف العبادة بنية العبادة لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، وعلى ذلك فإن العبودية لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية لمن تصرف له العبادة، ولها (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال.
إذن من الفقه في مفهوم (الدعاء)، أن نفصل فنقول: من دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله، كما أنّه ليس كل دعاء عبادة، فهناك الدعاء بمعنى النداء، كما في قوله تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25]، وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} [نوح: 5]، هذا أمر.
والأمر الثاني أنّه ليس كل دعاء مسأله يكون دعاء عبادة، لأنّ دعاء العبادة من شرطه أن يدعو الداعي وهو يعتقد بألوهية وربوبية المستعان به على اجابة الدعاء، كأن يعتقد قدرته المستقلة على اجابة الدعاء، أو قدرته الذاتية على افادة الداعي من دون الله، ولأجل هذا المعنى كان دعاء عبدة الاَصنام عبادة لاعتقادهم بأُلوهيتها، كما قال تعالى: {فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الّتي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ شَيْءٍ} [هود: 101]، وقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْويلاً} [الاِسراء: 56، 57]وقوله تعالى: {وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ} [يونس: 106]، فهذا هو الدعاء المساوي للعبادة، والذي صرفه لغير الله تعالى يكون شركاً بالله، لأنه مصاحب لاعتقاد ألوهية وربوبية المستعان به على اجابة الدعاء، فلو كان الداعي يعتقد فيمن يدعوه أحد صفات الربوبية والألوهية كالتصريف والتدبير من دون الله، فهذا الدعاء عبادة، وإن كان يتوسل به إلى الله فهذا توسل له حكم التوسل، فإن من توسل إلى الله تعالى بعباده الصالحين، وهو يوقن انهم وسيلة إلى الله لا حول لها ولا قوة إلا بالله، وإنما يتقرب إلى الله تعالى بصلاحهم عملا بمطلق الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فهذا ليس بشرك ولا يناقض التوحيد، وإنما هو خلاف فقهي بين طوائف أهل السنة والجماعة، والخلاف الفقهي لا ينشأ عنه تبديع ولا تفسيق، فضلا عن الاتهام بالشرك الأكبر والردة والخروج من الإسلام وما يتبع ذلك من استحلال دمه وماله، وجمهور الفقهاء على جواز التوسل، ولم نجد على مر عصور الإسلام من يعبد الاولياء ولا الصالحين، ولا اعتقدوا فيهم سوى انهم من عباد الله الصالحين، الين نتوسل يهم إلى الله، فأين هؤلاء من الكفر والشرك الذين رمى محمد بن عبد الوهاب اهل الإسلام بالشرك والكفر واستحل بلك دماءهم وأموالهم .
الخطأ الحادي والعشرون: قوله: ( فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، وأطعت الله ونحرت له هل هذا عبادة، فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: فإذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقر، ويقول نعم، وقل له أيضاً: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيد الله وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم، والتجئوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جدا) ([55]) .
(أقول): الظاهر جدا هو ذهول الشيخ عن كل ضوابط اهل السنة والجماعة في باب التوحيد والشرك، فإن من الفقه في فهم مفردات العبادة التي من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر: هو أنّ العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، ولكل مفردة من هذه العبادات ركنان: الركن الأول: الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة، والركن الثاني: العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية واستحقاق العبودية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة أو البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
وأن من الفقه في مفهوم (الذبح) أن من ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام، أو بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له، فهذا من المحرمات ولكن لا يدخل في باب الشرك الاكبر.
الخطأ الثاني والعشرون: قوله: (إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصح عقولاً وأخف شركاً من هؤلاء) ([56]) .
(أقول): انظر إلى مقارنته بين المشركين الأصليين الذين حاربهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبين المسلمين الذين استحل الشيخ محمد ابن عبد الوهاب دماءهم وأموالهم بدعوى الشرك الأكبر، في مفاهيم مغلوطة في ذهنه، ناشئة عن خطأ تصوره للعبادة، وأنه لما رأى أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم تخيل أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، ويرى علماء أهل السنة والجماعة من الأصوليين والفقهاء خطأ هذا المفهوم، وأن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الربوبية أو صفات الإلهية، فكيف نقول عن الذين حكى القرآن الكريم حالهم: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، هؤلاء الذين استكبروا عن قول لا غله الا الله، واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون هل هؤلاء أصح عقولا واخف شركا ممن يقول لا إله الا الله محمد رسول الله، إن هذا إلا بهتان عظيم.
الخطأ الثالث والعشرون: قوله: ( فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم فاصغ سمعك لجوابها، وهي إنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي، ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شيء وكذبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام، .. فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئاُ من هذه الأمور كفر؟ ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل) ([57]) .
(أقول): سبحان الله، وهل جحد أحد من أهل الإسلام التوحيد، أو جحد شيئا مما يدخل بالضرورة من علوم الشهادتين، ثم كيف يجحدون التوحيد وهم مقرون بالشهادتين وهما أساس التوحيد، فإين هو من قواعد الشريعة العامة الضابطة لفقه مسائل التوحيد والشرك، ومنها أن: مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر، و أن من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد، و أن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الاكبر أو بالشرك الأكبر، و أن العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبر أو بالشرك الأكبر، و ان المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر، أو بالشرك الأكبر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة، و أنه لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ولا يجوز اتهامه بالشرك الأكبر بالأمور المحتملة للشرك الأكبر وغيره، وانه لابد من اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمان وفي نواقض التوحيد، وأنه قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر (الكفر دون كفر) أو الشرك دون شرك أو النفـاق العملي) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه، و أن خطـورة تكفـير المسلـم أو اتهامه بالشرك الأكبر عظيمة عند الله، ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه، وهؤلاء الذين استحل الشيخ دماءهم واموالهم وحرماتهم ما ارتكبوا أمرا مكفرا ولا جحدوا شيئا من دين الله، والشيخ يقتلهم علة مسائل خلافية القول الراجح معهم وليس معه فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الخطأ الرابع والعشرون: قوله:( ويقال أيضاً: هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلون ويؤذنون، فإن قال: إنهم يقولون: أن مسيلمة نبي، قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلا إلى رتبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف، أو صحابيا، أو نبيا، إلى مرتبة جبار السموات والأرض؟ سبحان الله ما أعظم شأنه كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ([58]) .
(أقول): بنو حنيفة يّدعون أن مسيلمة نبي، قالوا ذلك وقاتلوا عليه وجحدوا معلوما من الدين بالضرورة ألا وهو قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}، فأين هؤلاء من المسلمين الذين يقولون نحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله الخاتم، ويعتقدون أنه لا رب ولا إله ولا معبود بحق سوى الله، ثم قوله: [فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف، أو صحابيا، أو نبيا، إلى مرتبة جبار السموات والأرض؟]، فهل في المسلمين من اعتقد إلهية شمسان أو يوسف أو غيرهما، وهل في المسلمين من اعتقد ربوبية شمسان أو يوسف أو غيرهما، وهل في المسلمين من استحل صرف العبودية لشمسان أو يوسف أو غيرهما، سبحانك ها بهتان عظيم.
الخطأ الخامس والعشرون: قوله: ( ويقال أيضاً: الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار، كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي رضي الله عنه وتعلموا العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي، مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاجٍ وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب رضي الله عنه يكفر؟) ([59]) .
(أقول): هذا تلبيس: فإن السبئية اتباع عبدالله بن سبأ هم الذين اعتقدوا في الإمام علي رضي الله عنه أنه رب معبود، وصرحوا باعتقادهم وعرضوا عليه ذلك فكفّرهم وحرّقهم، فكيف يساوى بين هؤلاء وبين من يقول لا إله إلا الله ولا رب سواه ولا تصرف العبودية إلا إليه، يقول [[أم تظنون أن الاعتقاد في تاجٍ وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب رضي الله عنه يكفر؟]]، هؤلاء اعتقدوا في علي رضي الله عنه الإلهية، وقالوا أنت الإله، فهل سمعنا أحد يقول عن تاج أو غيره من الصالحين أنهم آلهة، أريد مثالا واحد لذلك، ولو حدث لكانت حالة فردية، ولم تحدث، أما تكفير قبائل بكاملها لهذا الادعاء لا يصح ولا يجوز.
الخطأ السادس والعشرون: قوله:( ويقال أيضاً: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والقران، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب “باب حكم المرتد” وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعاً كثيرة كل نوعٍ منها يكفر ويحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب) ([60]) .
(أقول): اتفق علماء أهل السنة والجماعة على أن: الكفر الأكبر: كفر اعتقاد وجحود، والكفر دون كفر: كفر عمل مجرد عن الاعتقاد، وهذه القاعدة: قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله، كما أن الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة، [الإقرار – التصديق – الانقياد]، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها: كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء ومنه السب، وأعمال الجوارح كما حققها فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب، ومن أهم قواعد أهل السنة والجماعة الضابطة لهذا الباب، قولهم: ان الأعمال الكفرية كإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب، إذن أين باب الردة وأين ما هو فيه من اتهام المسلمين بالشرك الأكبر ويقاتلهم عليه ويستحل دماءهم وأموالهم بسببه.
الخطأ السابع والعشرون: قوله:( ومن الدليل على ذلك أيضاً حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]، وقول ناسٍ من الصحابة: {اجعل لنا ذات أنواط} فحلف صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا نظير قول بني إسرائيل اجعل لنا إلهاً، ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: فإن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا: {اجعل لنا ذات أنواط} لم يكفروا. فالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك وكذلك الذين سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعلوا، ولا خلاف في أن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، ولو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب) ([61]) .
(أقول): إنَّ أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قد سألوا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أن تكون لهم شجرة ينوطون بها سلاحَهم ويستمدُّون منها البركةَ والنصرَ، فلم يُجِبْهُمْ إلى طلبهم،، وذلك لأنّ هذا الطلب العملي بأن تكون لهم شجرة ينوطون بها سلاحَهم ويستمدُّون منها البركةَ والنصرَ يفتح طريقا خطيرا إلى اعتقاد النصر عند غير الله، ولهذا أنكر عليهم صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أشدَّ الإنكار باعتبار ما قد يؤول إليه الحال بعد أزمان، فكان انكاره حسما لمادة الشرك، والصحابة لم يطلبوا الشرك الأكبر يقينًا، وإنما طلبوا أن تكون لهم شجرة ينوطون بها السلاح، ويستمدُّون من الله بها البركة والنصر، ولا يستمدُّون منها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: اللهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}، إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فأنكر النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلِّقين عليها سلاحهم، حتى لا يتعلق القلب بغير الله، والقاعدة الأصولية تقول: الشرك الأكبر: شرك اعتقاد، والشرك العملي هو شرك دون شرك، ولا يخرج من الملة ما كان العقد سليم على التوحيد، والقاعدة الأصولية تقول: الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله، وهذا من أعظم أصول أهل السنّة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، كما في قوله تعـالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}[يوسف: 106]، فإنّ الله تعالى أثبـت لهـم إيمانـاُ بـه سبحانـه مـع وقوع الشـرك دون شرك، إذن نستفيد من ذلك ان التوحيد الاعتقادي يضاده الشرك الأكبر المخرج من الملة، وان التوحيد العملي يضاده الشرك العملي (الشرك في إطار الملة) حتى يأتي على أصل التوحيد الذي مقره القلب والاعتقاد، ثم لنا أن نتساءل ؟ اين طلب المسلمون في عصر الشيخ اتخاذ إلهاً غير الله جل جلاله ؟! بل هم مقرون بشهادة التوحيد، كافرون بكل ما يعبد من دون الله، ولا أرى إلا أنّ الشيح كان يبحث عن أي طريقة يكفرهم بها ويستح بها أموالهم.
الخطأ الثامن والعشرون: قوله: ( ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً، والجواب أن تقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال تعالى في قصة موسى فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15] وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله) ([62]) .
(أقول): ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية أو بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده، والقصد على وجه الاستقلال، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو، وكما علمنا القرآن الكريم توحيد الاستعانة بالله تعالى، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [البقرة: 153]. وضابط الاستعانة، أنّ من اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله، ولكن لما رأى الشيخ أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة ظن أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، وهذا مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة، الذين فقهوا أن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الإلهية أو الربوبية أو استحقاق العبادة، فإن المشركين لما اعتقدوا لآلهتهم تلك الخصائص زاولوا تلك الأعمال لهم بنية عبادتهم، ولو كان مجرد إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به _ من دون اقتران نية العبادة لمن يعتقده رباً – هو الشرك إن وقع لغيره تعالى لما جاء بعض تلك الأعمال مأموراً به لغيره تعالى، كالسجود وهو أقوى صور العبادة لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما أمر الله به لآدم ولما حلّ في شريعة قط كالسجود ليوسف على وجه التحية والتكريم، فلما جاء السجود صالحاً لأن يكون سجود عبادة وشرك، وأن لا يكون سجود عبادة وشرك تبين أن إتيان أي عمل ليس عبادة لذاته ولا شركاً في نفسه إلا أن يجتمع مع إتيانه نية العبادة به لمن يعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها، وكذلك ها هنا في الحديث ((الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) ([63]) .
الحديث يدل على أن من الاستغاثة ما لا يكون شركا، تورط الشيخ وأخذ يبحث عن مخارج، ويفتش عن ضوابط لما يصل إلى درجة الشرك وما لا يصل إليه، من أمور الاستغاثة والاستعانة، فأجاز من ذلك مما كان لحي حاضر فيما يقدر عليه، ومنع من ذلك ما كان لغائب أو ميت، ولا معنى لبناء الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأنه لا يعتقد أنّ العبد يخلق أفعال نفسه إلا المعتزلة ومن قلَّدهم، والمسلمون حين يدعون أحداً أو يستنجدون به أو يستعينون به حياً كان أو ميتاً، حاضراً أو غائباً يعتقدون أنه لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله.
ولا معنى كذلك لبناء الجواز والمنع على الحياة والموت لأن المعنى الذي أجيزت به الاستغاثة مثلاً بالأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء وغيره وذلك موجود على أتم وجوهه في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم إذ صحت الأحاديث بحياتهم ولوازمها من السمع والبصر والكلام والسلام والتزاور والقدرة على دعائهم للأحياء لا سيما لقرابتهم وزوارهم، وفي كتاب “الروح” لابن القيم فصول تُفيد ” أنه قد تواتر بأنّ لأهل القبور قدرة على التصّرف والترائي للأحياء “، ومن أدلته على ذلك: أن الله تعالى أخبر عن الشهداء بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [سورة البقرة: 154]{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون} [سورة آل عمران: 169]، وإن الأنبياء، والصديقين وكثيرًا من صالحي المسلمين الذين ليسوا بشهداءَ كأكابر الصحابة، أفضل من الشهداء بلا شك ولا مرية، فإذا ثبتت الحياة للشهداء فثبوتها لمن هو أفضل منهم أولى، على أن حياة الأنبياء مصرّح بها في الأحاديث الثابتة، وأيضا من السنة الصحيحة ما رواه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال: أنهم الآن يسمعون ما أقول، ([64]) .
2 – وفي رواية في الصحيح (البخاري): أن النبي صلى الله عليه واله وسلم جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: ((يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فأنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، ([65]) .
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام) ([66]) . وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام) ([67]) . رواه النسائي وغيره وصححه النووي في رياض الصالحين وفي الأذكار، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، كما في فيض القدير، وحديث: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يقول إذا ذهب إلى المقابر: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسال الله لناولكم العافية.)، ([68]) .
قال ابن القيم: قال: (فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية) وهذا السلام والخطاب والنداء الموجود يسمع، ويخاطب، ويعقل، ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد، وإذا صلى قريبا منهم شاهدوه، وعلموا صلاته، وغبطوه على ذلك) انتهى كلام ابن القيم كما في كتابه الروح، ([69]) .
وإذ تبين فساد هذه الضوابط التي قال بها أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجواز والمنع، تبين أنّ الضابط الصحيح للتفرقة بين الجواز والمنع هو أنه إذا كان العمل أو القول لمن لا يعتقده رباً فليس من العبادة في شيء، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته واستقلاله بالنفع والضر وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يعتبر عبادة إن صرف لله، وشركاً إن صُرف لغيره لا فرق في ذلك بين حاضر وغائب ولا ميت وحي ولا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة ولا يوم القيامة، وما خلا عن نية العبادة لا يقال أنه عبادة لغير الله إلا أن يكون الشارع قد جعل نفس العمل كفراً كالسجود للصنم يكفر فاعله ولو لم تعرف نيته لأنّ ذلك إمارة على اعتقاد ربوبيته ومظنة للشرك، وبهذا البيان تعلم أنّ مسمى العبادة شرعاً لا يدخل فيه شيء مما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة وغيرهما، فعدُّ ذلك من الشرك المخرج عن الملة إنما يجر إليه الجهل بمعنى الشرك والعبادة،.
(تنبيه) فرق الشيخ في الاستغاثة بين الحي والميت على أساس قدرة الحي، وعدم قدرة الميت، مع أنه عند التحقيق فلا قدرة لهذا ولا لذاك إلا بالله، والذين يكفرهم الشيخ يقرون بأنه لا قدرة لا لهذا ولا لذاك إلا بالله، فمن أحق بالتوحيد الخالص من يعتقد قدرة الحي دون الميت أم من يُحيل القدرة إلى الله وحده، أي الفريقين أحق بالتوحيد يا شيخ.
الخطأ التاسع والعشرون: قوله: ( ولنختم الكلام بمسألة عظيمة مهمة تفهم مما تقدم ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شئ من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر مرتد معاند ككفر فرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون: أن هذا حق ونحن نفهم هذا ونشهد أنه حق، ولكننا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار كما قال تعالى: {اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [التوبة:9]وغير ذلك من الآيات، كقوله {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} [البقرة:146]) ([70]) .
(أقول): نعم هذه مسألة عظيمة، ومشكلة الشيخ أنه لا يفرق بين الاعتقاد والعمل، فإن الشريعة الحكيمة جعلت الأصل هو اعتقاد القلب فإن اعتقد القلب الإيمان والتوحيد فصاحب ذلك الاعتقاد له اسم الإيمان وحكمه، وإن اعتقد القلب الكفر فصاحب ذلك الاعتقاد هو الكافر الكفر الأكبر، وإن اعتقد القلب الشرك فصاحب ذلك الاعتقاد هو المشرك الشرك الأكبر، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، سوى ما دل على انتفاء عمل القلب من الاستهزاء والسب، وكذلك فكل ما كان من الشرك يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو شرك دون كفر، والآيات كثيرة في كتاب الله عز وجل تدل على أن أصل الإيمان منبعه في القلب: كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}، وكقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، فدلت الآيات على أن مقر الإيمان هو القلب، وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((التقوى هاهنا))، ويشير إلى صدره ثلاثاً، وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم، ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) ([71]) .
والآيات كثيرة في كتاب الله عز وجل تدل على أن أصل الكفر ومنبعه أيضاً هو القلب: ومن ذلك قوله تعالى: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}وقوله تعالى:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى:{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى:{لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ .. إلى قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} فهذه الآيات تدلنا على أن محل الكفر الأكبر هو القلب وأنه ضد لأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، والقاعدة الأصولية تقول أيضاً أن الشرك الأكبر: شرك اعتقاد، والشرك العملي هو شرك دون شرك، ولا يخرج من الملة ما كان العقد سليم على التوحيد، وتقول أنّ: الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله، وهذه قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله، وكذلك فإن الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة، [الإقرار – التصديق – الانقياد]، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها: كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء، وأعمال الجوارح كما حققها فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب، وكل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق، فلا يخرج من الملة بالكلية، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين، كما أن من قواعد أهل السنة والجماعة أن المسلم قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، ولا يكون بذلك كافرا ولا مشركا، بل هو كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق، وهذا من أعظم أصول أهل السنّة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، كما في قوله تعـالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، فإنّ الله تعالى أثبـت لهـم إيمانـاُ بـه سبحانـه مـع وقوع الشـرك دون شرك، إذن نستفيد من ذلك ان التوحيد الاعتقادي يضاده الشرك الأكبر المخرج من الملة، وان التوحيد العملي يضاده الشرك العملي (الشرك في إطار الملة) حتى يأتي على أصل التوحيد الذي مقره القلب والاعتقاد، وقول الشيخ: (فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شئ من هذا لم يكن الرجل مسلماً) مصيبة بكل المقاييس لأنه هاهنا يكفر بالمعاصي، لأن اختلال العمل ليس له معنى سوى التكفير بالمعاصي، وهذا فعل الخوارج، وإن كنت أرى أن الخوارج يكفرون بالكبائر ولكن الشيخ يكفر بمسائل خلافية كالتوسل وغيره مما أجازه جمهور فقهاء الامة الإسلامية
الخطأ الثلاثون: قوله:( ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله: أولاهما، قوله تعالى: لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66] فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب والمزح، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر ويعمل به خوفاً من نقص مالٍ، أو جاهٍ أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها) ([72]) .
(أقول): قد تقدم سبب هذا الكفر وأنه كفر استهزاء يضاد التعظيم الذي يجب ان يقر في القلب مع أصل الإيمان، وأن علماء أهل السنه والجماعة يقولون: ان الأعمال الكفرية كالاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب،
الخطأ الحادي والثلاثون: قوله:( والآية الثانية قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [النحل:107،106] فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً أو مداراة، أو مشحةً بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعل على موجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره، فالآية تدل على هذا من وجهين: الأول قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ، فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها، والثاني قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين ومحبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين، والله سبحانه وتعالى أعلم وأعز وأكرم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم) ([73]) .
(أقول): هذا الكلام فيه عظائم ومجازفات: المجازفة الأولي: قوله: ((فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان)) وقد ذهل الشيخ عن قواعد اهل السنة والجماعة في باب الإيمان والكفر والتوحيد والشرك، واهمها: أن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الاكبر أو بالشرك الأكبر، و أن العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبر أو بالشرك الأكبر، وانه قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر (الكفر دون كفر) أو الشرك دون شرك أو النفـاق العملي) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه، إذن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الاكبر أو بالشرك الأكبر، والعــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبر أو بالشرك الأكبر.
والمجازفة الثانية: قوله: ((وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً أو مداراة، أو مشحةً بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله))، فهل يكفر كل من ارتكب كفرا ظاهرا بسبب الخوف أو المداراة، أو المشحةً بأهله أو عشيرته أو ماله، على حد قول الشيخ، حتى وإن كان الاعتقاد سليما والإقرار سليما، ولماذا لم يكفر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حاطبا عندما قام بفعل الكفر، ووالى المشركين على المؤمنين، فإنه لما قال: [يَا رَسُولَ اللهِ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لَقَدْ صَدَقَكُمْ]، ولمّا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره بالتوبة من هذا الذنب ولم يوضح ما يدل على أنه ردّة مُخرج من الملة ويحتاج إلى تجديد إسلامه، دلّ ذلك كله على أنّ ما فعله حاطب ليس من إطار الكفر الأكبر، فالموالاة الظاهرة والتي وقع فيها حاطب رضي الله عنه ليست مخرجة من الملة بالكلية، بل هي في إطار الملة ولهذا أقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عثرته وأخبر بفضل أهل بدر وهو منهم، ولو تدبرنا قول حاطب رضي الله عنه ((نعلم أنه يؤكد أنها موالاة ظاهرة لا تتعدى ذلك إلى القلب لأن القلب مؤمن بالله ورسوله وصدقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله وأمر المسلمين أن لا يقولوا له إلاّ خيراً، بمعنى لا يتهموه بكفر ولا نفاق . فاعتذار حاطب لدرء الكفر الأكبر بقوله: (والله يا نبي الله إني لمؤمن بالله ورسوله) هو اقتصار الموالاة على الظاهر دون الباطن، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقبل بهذا الاعتذار لدرء الكفر الأكبر، ولو كانت الموالاة الظاهرة دون الباطنة كفر أكبر بذاتها لوضح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لحاطب لمّا اعتذر له بثبات الإيمان في قلبه وأنها مجرد موالاة ظاهرة، وبيّن له أن هذا العـذر لا يُفيد لأن الموالاة ظاهرها وباطنها سواء، وبيّن له ضرورة التوبة من الكفر الأكبر الذي وقع فيه، فهل لنا أنّ نظن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة لاسيما والدواعي كلها تطلب ذلك والبيان ليس في أمر هين وإنما هو في أهم مسائل الدين [الإيمان والكفر].
أما المجازفة الثالثة في استدلاله بالآية: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} ثم قوله بعدها: فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين ومحبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين، أقول فهل حظوظ الدنيا تبيح اتهام المسلم الموحد بالشرك الأكبر واستحلال دمه وماله، وهل ذنوبنا جميعا إلا من جراء حظوظ النفس والدنيا، فهل يؤول بنا الغلو في التكفير والتشريك إلى تكفير الامة بالذنوب والخطايا أو بسبب الجهل والخرافة.
وأما المجازفة الرابعة فهي إعراضه عن بقية الآية وعدم التعرض لفقهها والمستفاد منها، فإن الله تعالى قال: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، فلم لا يكون المناط في الكفر هو شرح الصدر بالكفر، والرضا به، كما أن مناط الإيمان اطمئنان القلب بالإيمان والرضى به.
وأما المجازفة الخامسة فهي ذهوله عن ضابط الكفر في الآية فإن الآية تقول: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}، فإن المناط هو شرح الصدر بالكفر والرضا به، وليس كما ظن الشيخ انه مجرد استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، فإن العاصي والزاني وشارب الخمر ومرتكب المعصية يستحب وقت المعصية الحياة الدنيا على الآخرة، ولم يزعم احد أنه يكفر، وبعد فهذا ما تيسر في بيان الأخطاء الموجودة في كتيب كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، ولا ابتغي من وراء ذلك سوى النصح للمسلمين، وإِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ،
***
المبحث الرابع تعقيب على نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب
(تنبيه): أتناول في هذا المبحث مفاتيح التعقيب على نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبيان الضوابط الفقهية لتصحيح المراد من تلك النواقض ومنع طلبة العلم من الغلو في فهمها بما يؤول بهم إلى الغلو في تكفير أهل القبلة في أمور لا تصل بهم أبدا إلى ذلك الحد، جاء في مجموعة التوحيد – من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
قال ( اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة: (الأول): الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وقال: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر، و (الثاني): من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، ويسالهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، كفر إجماعاً، و (الثالث): من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر، و(الرابع): من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه – كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه – فهو كافر، و(الخامس): من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم – ولو عمل به – كفر، و(السادس): من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو ثوابه، أو عقابه، والدليل قوله تعالى: {ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}، و(السابع): السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به، كفر، والدليل قوله تعلى: {وما هم بضارين به من احد إلا بأذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم}، و(الثامن): مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}، و(التاسع): من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم – كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام – فهو كافر، و(العاشر): الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه، ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون} “] أهـ ([74]) .
(تنبيه) هذه النواقض العشرة أصبحت العمدة عند أكثر من يتحدثون عن نواقض الإسلام في زمان الشيخ ابن عبد الوهاب وإلى زماننا هذا، لذا وجب بيان ضوابطها الشرعية التي تمنع من الخطأ في فهمها، لاسيما وان تلك النواقض إن لم تنضبط بضوابط الشرع صارت سيفا مسلطا على رقاب اهل القبلة بالتكفير والتشريك نسأل الله الفقه في الدين، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين،.
الناقض الأول وبيان ضابطه: قوله ( الناقض الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وقال: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر) اهـ.
[ قلت ]: الشرك في عبادة الله تعالى كفر أكبر ولكن له عند الفقهاء أصل وله صور، فالأصل هو الاعتقاد، وهو أن يصرف العبد مفردات العبادة بنية العبادة لمن يرى له صفات الربوبية أو الألوهية، فهذا شرك أكبر لا مرية فيه، أما صرف الصور الخالية من الاعتقاد فهذه ليست من باب الشرك الأكبر أبدا، وإنما هي من باب شرك دون شرك، فلا يترتب عليها لا تكفير ولا استحلال حرمات المسلمين.
وبيان ذلك: أنّ المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنّها آلهة لها صفات الألوهية واستحقاق العبادة بما لها من مفردات الربوبية كالنصرة والعزة واجابة الدعاء والشفاعة قصراً على الله، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى – في حق مشركي قريش -: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ ص: 4 إلى 7 ]، كما اعتقدوا أنّها أنداد لله، والند هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير، ويدل عليه قوله تعالى:{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [ فصلت: 9 ]، وقوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ ابراهيم: 30 ].
كما اعتقدوا التسوية بين الله وبين معبوداتهم في الربوبية والألوهية: كما في قوله تعالى: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ[ الشعراء: 96 إلى 98 ]، فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات الربوبية والألوهية.
كما اعتقدوا شراكتها في الربوبية ومفرداتها من التصريف والتدبير والقدرة الذاتية على النفع والضر والإعزاز والنصر: كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [ مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [ يس: 74 ]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [ الأنبياء: 43 ]وقوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ} [ هود: 101 ]، والمعنى أنّهم كانوا يدعونهم ويعبدونهم وهم ينتظرون أن يغنوا عنهم من الاله شيئا، وقد كان الكفار يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [ هود: 54 ]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36] قال البغوي في تفسير الآية:{وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ}: ” وذلك أنهم خوفوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معرة معاداة الأوثان، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ” أهـ ([75]) .
والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها لها صفات الألوهية والربوبية، وأنّها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون، والسؤال المهم الآن: هل كان الناس زمان الشيخ يعتقدون في الاولياء والصالحين نفس الاعتقاد، وهل كانوا إذا ذكرهم الشيخ بالشهادتين، يقولون كما قال كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ ص: 4 إلى 7 ]، هل كانوا كذلك ام كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وانّ محمدا رسول الله، هل زعم أحد منهم أنه يعبد يوسف أو شمسان أو تاج من دون الله كما ذكر هو في كشف الشبهات وكفر كل من يعتقد فيهم الصلاح والولاية، من دون الله أو يظن له شراكة مع الله في التدبير والتصريف مستقلا عن الله، كما يزعم مشركو قريش لآلهتهم.
(المصيبة الكبرى) أنّ الشيخ لم يجعل للعبادة ضابطا يجعلها عبادة، فليس مجرد صرف العمل العبادي خاليا عن الاعتقاد يعتبر عبادة، فإن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء:24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل توحيد العبادة وشرك العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر.
وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو: ((الاعتقاد))، وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، وخلاصة الأمر في التعريف الفقهي الصحيح للعبادة: هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل أو القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومثال ذلك: من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي، وما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء.
وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الدعاء تبعاً للعقيدة، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية أو الإلهية فهذا من الشرك الاكبر، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله، وما قيل في السجود والدعاء يقال مثله في الذبح، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الذبح تبعاً للعقيدة، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو الإلهية فهذا من الشرك الاكبر، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام، أو بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له، فهذا من المحرمات ولكن لا يدخل في باب الشرك الاكبر، وما قيل العبادات السابقة يقال مثله في النذر، فمن نذر لمن يعتقد فيه الربوبية وصفاتها، والإلهية ومفرداتها فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر.
وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة، وما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الشفاعة تبعاً للعقيدة، فمن صرفها لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها كالشراكة في التدبير أو الشفاعة لللازمة على الله تعالى، فهذا الشرك الاكبر، والآيات التي تثبت الشفاعة تستثني من شاء الله تعالى، كقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} [ طه: 109]، وما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية أو بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، وكما علمنا القرآن الكريم قصر للاستعانة بالله وحده، والقصد على وجه الاستقلال، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو، فقال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [ الفاتحة: 5 ]، كذلك علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [ البقرة: 45 ]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [ البقرة: 153 ].
وضابط الاستعانة، أنّ من اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله، وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله، وصرفها لمن نعتقد فيه الربوبية والالوهية (لأنهما متلازمان) أو بعض صفاتهما فهو كفر وشرك بالله، وإن خلت من النية والاعتقاد، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب، وعلى ذلك: فالتعريف الصحيح الضابط لفهم معنى الشرك الأكبر المناقض لتوحيد الالوهية: إنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد الألوهية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء من الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في ألوهية الله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه.
(تنبيه): لا يصح بأي حال مقارنة حال المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم بحال المسلمين الناطقين للشهادتين المعتقدين لهما، فالمشركون زمان النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يرضون بتوحيد الألوهية وكانوا يعترضون أشد الاعتراض على قول لا إله إلا الله، وقد وصفهم القرآن الكريم بقوله تعالى {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، وبقوله تعالى {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ ص: آية 4 إلى آية 8 ]، وكانوا يشركون أوثانهم مع الله تعالى حتى في الشفاعة فكانوا يجعلون لهم الحق الواجب من الشفاعة (الشفاعة الملزمة)، كأنهم شركاء لله عز وجل في ملكه وملكوته، فمن فعل ذلك من أهل القبلة كان من المشركين شركا لنا فيه من الله تعالى برهان، -وهذا لم يحدث ابدا من مسلم قط على مر عصور الإسلام- ومن استأنف أن ينسب عبادته لغير الله – وهذا هو الحاصل- وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وإذا قيل له أأنت تعبد هذا الميت، قال على الفور معاذ الله فإني لا أعبد إلا الله ولا اعتقد الإلهية ولا الربوبية ولا استحقاق العبودية إلا لله، فهذا الرجل لا تبلغ حاله الشرك الأكبر بحال، ما كان الإقرار على التوحيد واعتقاده صحيحين، وإلا فما من إنسان إلا وهو يصرف بعضا من مفردات العبودية لغير الله إلا ما رحم الله، فمن خشي غير الله فقد صرف الخشية لغير الله، ومن خاف من مخلوق كمن خاف من سبع مفترس فقد صرف مفردة من مفردات العبودية وهي الخوف لغير الله، ومن أحب غير الله فقد صرف مفردة من مفردات العبادة لغير الله، وهكذا لا يسلم التوحيد -على مذهب هؤلاء – لأحد.
ولذلك كان لابد للمسألة من ضابط، فمن خاف من سبع مفترس نعلم أنه لم يصرف إليه الخوف العبادي، ومن خشي ملكا ظالما نعلم أنه لم يصرف إليه الخشية العبادية، ومن رجا غنيا أو ملكا نعلم أنه لم يصرف إليه الرجاء العبادي، وهكذا من ذبح للجن اتقاء شرهم فلم يقع في الشرك الأكبر لأنه لم يصرف إليهم مفردة العبودية بنية العبادة، وإنما ذبح على ظنه اتقاء شرهم كما يكذب المرء على الملك الظالم اتقاء شره، فهذا في عداد الكبائر وليس في عداد الشركيات، ويدخل في إطار المنكرات، ولكن أن ننسب ذلك إلى الردة والكفر الأكبر، فهذا لاشك غلو في فهم مسائل الشرك، وكذلك فمن دعا الميت وقع في مظهر من مظاهر الشرك لصرف مفردة من مفردات العبودية لغير الله بدون نية العبادة، فلا يكون من الشرك الأكبر لأن هذا الداعي تحيط به شبهات تمنع حتما من رميه بالكفر الأكبر المخرج من الملة، وهذه الشبهات منها أنه مقر بلا إله إلا الله، وأنه يزعم – والآثار تؤيده – أن المسلم في قبره يسمع من يناديه ويستأنس بمن يزوره، فهو من هذا الباب يناجي حيا يسمعه وليس ميتا، والآثار تدل على الحياة في البرزخ، وأن الموتى يردون السلام على من زارهم وسلم عليهم، ثم هو يتعلل بأنه يطلب من هذا الولي – على حد زعمه – أن يدعو الله له ليس إلا، وهو يعلم أن الضر والنفع بيد الله وحده، وهو مثل قول المسلم لأخيه لا تنساني من دعائك يا أخي، فهذا خطأ، ولكن أين هذا الخطأ أو الجهل من الشرك الأكبر المخرج من الملة، لأنه يعتقد أن الولي الصالح الذي يدعوه لا يملك من الأمر شيئا، بعكس حال المشركين الذين كانوا يزعمون أن لآلهتهم شراكة مع الله واستحقاق الوساطة في الشفاعة والنصرة والتدبير بدليل قوله تعالى: { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الانعام:94].
ولعل فيما سبق بيان ضابط الشرك الأكبر في مسألة الدعاء، وخلاصته أن الدعاء قسمان، دعاء عبادة لمن نظن فيه الربوبية والألوهية ونصرف له العبودية، ودعاء مسألة لمن نظن فيه قضاء الحاجة على سبيل السبب، إذ كل ما سوى الله تعالى سبب قدَّره مسبب الأسباب سبحانه لقضاء الحوائج، فالغريق يدعو من ينقذه دعاء مسألة لظنه فيه أنه سبب لإنقاذه من الغرق، والسائل المتعلم يدعو العالم دعاء مسألة لظنه أنه سبب لإدلاله على الصواب في المسألة، وهكذا كل دعاء ليس فيه صرف عبودية لمن يظن فيه الربوبية والألوهية فهو دعاء مسألة لا دعاء عبادة ودعاء المسألة لا يبلغ بصاحبه الكفر مهما كان حاله لأن الشرك الأكبر متعلق بدعاء العبادة الذي يصرف لمن يظن فيه الألوهية والربوبية.
وقد يقول قائل أن مناط المسألة هو التفريق بين دعاء من يقدر على الشيء ودعاء من لا يقدر عليه وأن ذلك هو مناط الكفر في المسألة، قلت: قال العلماء أن هذا المناط لا ينضبط، وذلك لأن قدرة العباد نسبية، ومثال ذلك الصحابي الذي سقطت عينه على خده ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعيدها له، ومعلوم أن ذلك ليس في مقدور بشر، ولكنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليقينه أن الله على كل شيء قدير، وأنه يستجيب دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقدرة العباد نسبية إلا أنها إذا اتصلت بقدرة الله انتفت النسبية، لأن الله على كل شيء قدير، فهذا المثال وغيره من الشواهد لا يتعلق السؤال فيه لمقدور البشر، وإنما تعلق بقدرة الله الذي هو على كل شيء قدير، ولهذا قال العلماء من ظن أن أحدا قادرا على أدنى شيء باستقلال قدرته فقد أتى ببهتان عظيم، لأنه لا حول ولا قوة لأحد إلا بالله، فلهذا لا ينضبط مناط الاستقلال في القدرة، وعلماء الأصول لا يجيزون تعلق الحكم بمناط غير منضبط في الأحكام العملية، فما بالنا بالأحكام الاعتقادية وأخطرها الحكم على الناس بالكفر الأكبر والشرك الأكبر المخرج من الملة، ومثالها كذلك مسألة الاستغاثة بالأموات لأنه لا يُسّلم لك أنه ميت لا يسمع، بل يقول أنه يسمع نداءه، وأن المستغيث بمنزلة التائه أو الغريق الذي يستغيث بمن ينقذه من الغرق والموت، أو بمنزلة صاحب الحريق الذي يستغيث بمن يطفئ معه هذه النار، وهو مع ذلك لا يُسّلم أنه يستغيث بالميت على سبيل أن الميت يملك الضر والنفع استقلالا من دون الله، بل يقول أنه يطلب من الميت أن يدعو له الله لعل دعواه أن تكون مستجابة، كمثل من ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يستغيث به أن يرد عليه عينه وقد أصابها سهم فوقعت على خده، فهو لم يستغث بقدرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المستقلة، وإنما بما له من وجاهة عند الله، وأن دعاءه لله مستجاب بخلاف غيره.
وهذه التأويلات – على وجه العموم – لا تزال في إطار التأويل المستساغ، فيبقى معذورا بالتأويل المانع من تكفيره اتهامه بالشرك الأكبر، ومثلها الذبح، فهو مفردة من مفردات العبودية لقوله تعالى (فصل لربك وانحر) والذبح أنواع، فمن الناس من يذبح لمجرد الطعام وهذا جائز، ومنهم من يذبح على سبيل العبادة وهذا صرفه لله توحيد وصرفه لغير الله شرك، وضابطه اصطحاب نية العبادة في الذبح، ومن الناس من يذبح للجن مثلا خوفا من ضرهم لا عبادة لهم، فهذا كبيرة من الكبائر ولم يقل أحد من علماء المسلمين المتقدمين أنه شرك أكبر ولا كفر أكبر إلا إن كان على سبيل العبودية للجن، أما لمجرد الخوف من إيذائهم فهذا بمنزلة الكبائر لا أكثر، ولا علاقة له بالشرك أبدا، ومن خالف في ذلك فليراجع أقوال علماء الأمة الفقهاء في هذه المسألة، وليرجع إلى مؤلفات الفقه المتخصصة ليعرف حكم الشرع في المسألة، وهناك من يذبح للولي والرجل الصالح والميت لا على سبيل العبودية يقينا ولكن على سبيل إهداء ثوابها إلى الميت، فهذا له الأجر والثواب، لأنه لا خلاف بين الفقهاء في جواز عمل العبادة والطاعة وإهداء ثوابها للميت، وهناك من يذبح للميت على سبيل الإكرام لحاله وشأنه كما يذبح الناس الذبائح عند مقدم الملوك والرؤساء على سبيل الإكرام، وهذا لا تصل إلى الشرك الأكبر بحال، وهناك من يذبح في تلك الأماكن تبركا بالصالحين، وإطعاما للمساكين، كما جاء في سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي: (وعن إبراهيم الحربي قال: قبر معروف الترياق المجرب يريد إجابة دعاء المضطر عنده لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء) ([76]) .
فهذه أمور لا تبلغ مبلغ الشرك، ولا علاقة لها بالشرك، لا أصلا ولا صورة، وهكذا الطواف فهو مفردة من مفردات العبودية، ولكنه عبودية مخصوصة بمكان، وهو الكعبة المشرفة زادها الله تشريفا، فمن طاف بغير البيت الحرام ابتغاء مرضاة الله فهذه بدعة منشؤها الجهل أو الهوى، ومن طاف بغير البيت الحرام على سبيل العبودية لغير الله فهذا وقع في الشرك الأكبر ولا كرامة، ولكن أين من يطوف بهذه النبية، حتى المسلم يطوف حول الكعبة ولا يعبدها، إنما طوافه طاعة لله، ومن طاف بغير البيت الحرام على سبيل الاحترام والتبجيل لصاحب القبر مثلا، فهذا قد أتى كبيرة من الكبائر وبدعة ضلالة، ولكنه لا يبلغ الشرك الأكبر، ومثله مثل من سجد لغير الله على سبيل الاحترام والتكريم، وقد صحت قصة معاذ في السجود للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل الاحترام ونهاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، وأوضح له أن السجود على سبيل الاحترام لو كان جائزا لجاز للمرأة أن تسجد لزوجها احتراما، ولا يمكن أن يكون افتراض الجواز مبنيا على سبيل العبودية، لأن فعل ذلك على سبيل العبودية شرك أكبر بالله تعالى، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يضع الاستثناء أبدا في محل الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر، ويؤكده أن السجود على سبيل الاحترام كان جائزا في الأمم السابقة، وأصول الدين – وأهمها التوحيد – واحدة في جميع الملل لا تقبل النسخ، وهذا يؤكد أن السجود على سبيل الاحترام لا يكون صرفا للعبودية لغير الله إلا إذا كان بنية العبادة، وحاصل الأمر أن هناك فرقا بين الشرك في أصل العبادة بحيث يعلم العابد أنه عابد لغير الله راضيا بذلك، وبين من صرف مفردة من مفردات العبودية لغير الله – في الظاهر – لا على سبيل العبودية ولكن على سبيل آخر، وعلى ذلك فالضابط الفقهي لهذا الناقض الأول هو أن يكون الفعل بنية العبادة وصاحبه مقر بعبادته لغير الله، فإن حامت الشبهات حول الفعل وظهرت التأويلات حوله، نزل من مرتبة الشرك الأكبر إلى مرتبة البدعة والضلالة، أو مرتبة المعصية أو مرتبة الجهل، وهذا هو الفقه في الدين ان ننزل كل واقعة على حكمها اللائق بها، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وحاصل الفقه في المسألة السابقة أن هناك فرق بين الأعمال التي تصلح للعبادة وبين أصل العبادة نفسها، فمفردات العبادة لا تكون عبادة إلا باصطحاب نية العبادة، ومن فعلها بنية أخرى غير العبادة فلا يكون صرفها لغير الله من باب الشرك وإنما من أبواب أخرى كالمعصية والبدعة وغيرها، وقد دللنا على ذلك بالسجود والنذر والذبح وغيرها من مفردات العبادة.
(تنبيه ثان): إن الفرق عظيم بين ما يفعله جهلة المسلمين وبين ما كان يفعله مشركو العرب على زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالمشركون على زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يدعون الأوثان والأصنام، وكانوا يعتقدون في أصنامهم كشف الضر والتصريف والتدبير وكانوا يعتقدون أن لها القدرة على الضر، وكانوا يخوفون النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ضرر آلهتهم، فمما سبق يتبين أن دعاء المشركين لأصنامهم كان دعاء عبادة يتضح فيه وجود نية العبادة ونية صرفها لغير الله من آلهتهم المزعومة، ويتضح فيه اعتقادهم لبعض الربوبية فيمن يدعونه، فيرجون منه النفع والضر والنصرة والإعزاز والغنى، ويتضح فيه كذلك اعتقادهم أن هذه آلهة مع الله شركاء لله على سبيل المقاسمة والشراكة الإلزامية في صفات الربوبية والألوهية، مع العلم بأن هؤلاء المشركين رفضوا شهادة التوحيد واستكبروا عنها وتعجبوا من جعل الآلهة إلها واحدا كما ذكر ذلك عنهم القرآن الكريم بقوله تعالى (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) وقوله تعالى حكاية عنهم (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب) وذلك لما رسخ في اعتقادهم من شرك التسوية الذي أشار الله تعالى إليه في قوله تعالى حكاية عن المشركين (قالوا تالله إن كنا في ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين)، أما الجهلاء من المسلمين فهؤلاء يدعون الأولياء الصالحين على سبيل أنهم صالحون لهم وجاهة عند الله في استجابة الدعاء، وهي طرف من وجاهة الأنبياء، كما قال الله تعالى عن نبيه عيسى عليه السلام (وكان عند الله وجيها) أي مستجاب الدعاء، وأنهم أحياء في قبورهم يسمعون من يزورهم ويأنسون به ويفرحون بقدومه، ثم هم يقرون بأنهم لا يعبدون إلا الله، ويعلمون أن الضر والنفع بيد الله وحده، وهذا يجعل الأمر كله في إطار مظاهر الجهل والابتداع.
و(الخلاصة): الشيخ النجدي طبق هذا الناقض: [الناقض الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وقال: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر]: على المسلمين وليس على المشركين، وصدق فيه قول الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، (إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين)، وهذا الأثر البخاري ذكره تعليقا بصيغة الجزم في صحيحة، فقال: (باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين)، قال ابن حجر عن أصل هذا الخبر: وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعا كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: كان يراهم شرار خلق الله، انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين) أهـ [فتح الباري: 12: 286]، وهذا والله ما حدث، انطلق إلى آيات نزلت في الكفار والمشركين الأصليين، فجعلها على المسلمين والموحدين والمؤمنين، فاستحل بمفاهيمه المغلوطة عن العبادة والشرك حرمات المسلمين، وكان يهاجمهم ويسمي ذلك غزوات على المشركين، يستبيح دماءهم وأموالهم وحرماتهم بفهم قاصر للعبادة يخلو من ضابطه الرصين، ألا وهو صرف العمل العبادي لمن يعتقد فيه الربوبية والإلهية من دون الله، واثبات ذلك على مسلمي زمانه دونه خرط القتاد،
الناقض الثاني وبيان ضابطه: قوله ( من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، ويسالهم الشفاعة، ويتوكل عليهم كفر إجماعا )اهـ.
[قلت]: وهذا الناقض لا بد من التفصيل فيه، فإن ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم،.
لقد وقع الشيخ النجدي في ثلاثة أخطاء، استحل بها دماء المسلمين المؤمنين الموحدين من أمة النبي صلى الله عليه وسلم:
الخطأ الأول: أنّه ظن أن اعتقاد الشفاعة يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر، وتلك مصيبة، لأنّ الشفاعة ثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم والصالحين من امته. والخطأ الثاني: أنّه جعل ضابط الشرك الأكبر هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء، وتلك مصيبة أخرى لأنّ أصل الوسيلة جائز شرعا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [ المائدة: 35 ]، والآية عامة في إثبات أصل التوسل وفضيلته، وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [ الإسراء: 57 ].
والخطأ الثالث: أنّه لم يفرق بين التوسل المشروع الذي أجازه جمهور الفقهاء من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وبين الشرك الأكبر بالله، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فانفرط عقد التكفير والتشريك وسالت دماء المسلمين في زمانه في كل مكان بالحجاز ونجد.
(الخطأ الأول): ظنّ الشيخ النجدي أنّ الشفاعة يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر: واستدل لذلك بالآية: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [ الزمر: 43، 44] وهذا الاستدلال يكون في محله إذا كان اعتقاد الشفاعة المستقلة جبرا على الله، فإن هذا كان اعتقاد المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن عندهم: الشفاعة بمعنى الواسطة ولكن اعتقادهم كان بالشفاعة الجبرية بما لها من شراكة في الملك والتدبير، ولذلك أبوا ان يقولوا لا إله إلا الله، وكانوا يقولون رغبة عنها ورفضا لها: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، هؤلاء الذين استكبروا عن قول لا إله الا الله، واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون هل هؤلاء يعتقدون في الشفاعة كما يعتقد سائر المسلمين ممن يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله عن قبول واعتقاد، سبحانك إن هذا إلا بهتان عظيم، بل ومن تدبر آية الأنعام علم ذلك، قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [ الأنعام: 94]، فجمع الله تعالى بين اعتقادهم الشفاعة وزعمهم أن لها الشراكة في الربوبية والملك والتدبير {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}، فكيف هان على الشيخ أن يساوي بين هؤلاء وبين المسلمين بل ويصفهم بأنهم أشد كفرا من كفار قريش ومشركيهم ممن عبدوا الاوثان والأصنام.
(الخطأ الثاني): ظنّ الشيخ النجدي أنّ ضابط الشرك الأكبر في المسألة هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء دون عقيدة تدفعهم إلى ذلك، وحقيقة الامر أنّ المشركين الأصليين زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يزعمون بالشفاعة الجبرية لآلهتهم التي عبدوها من دون الله، وأما المسلمون زمان الشيخ النجدي كانوا يعتقدون بأنّ الله تعالى أعطى النبي صلى الله عليه وسلم لواء الشفاعة يوم القيامة، فعقيدتهم تختلف تماما عن عقيدة المشركين، المسلمون موحدون ينطقون الشهادتين ويعتقدون أنّ الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم ليست استقلالا عن الله، بل ارتضى الله شفاعته كما دلت على ذلك أحاديث الصحاح، فيشفع في حق المقصرين من أمته، والمشركون عباد الاصنام والأوثان يعبدون آلهة من دون الله ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عن الإله الأكبر، بموجب شراكة في ما بين الآلهة في التدبير والتصريف، كما في قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}، فهم يعتقدون أنهم شركاء لله ولذلك أبوا ان يشهدوا بلا إله إلا الله، وكانوا يقولون أأنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون، فكيف هان على الشيخ ان يسوى بين هؤلاء وأولئك، وصدق الله تعالى حيث يقول: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28].
ولعل سبب المغالطة التي وقع فيها الشيخ النجدي، أنّه ظن أن اتخاذ الوسائط المجرد بدون أن يصاحبه اعتقاد ألوهية الوسيط هو الموجب لشرك العبادة الشرك الأكبر المخرج من الملة، وسبب هذا الخلل هو الفهم المغلوط لقوله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [ الزمر: 3 ]، فالآية تبدأ بذكر الدين الخالص الذي هو (التوحيد) ويشمل كافة أقسام التوحيد من توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال ويشمل توحيد الربوبية بكافة مفرداتها وتوحيد الإلوهية بكافة مفرداتها، ثم قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء}، الولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}[ مريم: 81 ]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها آلهة تحقق لهم العز، ولذلك عبدوها، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}[ يس: 74 ]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية (ما نعبدهم إلا)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته.
وسبب آخر لهذا الخلل ألا وهو الفهم المغلوط لقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [ يونس: 18 ]، فالمتدبر لها يفقه منها أمور ضرورية: الأول: الإقرار بعبادة غير الله {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، والثاني: اعتقاد شركاء مع الله في ألوهيته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، والثالث: تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم بأنهم يتخذون هذه الأصنام مجرد شفعاء لهم عند الله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، والرابع: ضابط الشرك الأكبر في الآيات هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، ومما سبق نعلم خطأ من جعل ضابط الشرك الأكبر في الآيتين هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء، ولما كان الشيخ النجدي لا يفهم المراد من الآيات فهم الفقيه الواعي، ولا يفهم حقائق الإيمان والكفر كما يفهمها اهل التخصص، ولا طبيعة التوحيد والشرك، ولم يستوعب الآيات التي توضح كيف كان الشر ك ومعتقداته عند المشركين، ولا يعرف ضابطا يرجع إليه في فهم الآيات انزلها على اهل القبلة، كما جاء في صحيح البخاري: (وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين) أهـ ([77]) .
(الخطأ الثالث): لم يفرق الشيخ النجدي بين التوسل المشروع الذي أجازه جمهور الفقهاء وبين الشرك الأكبر بالله، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فانفرط عقد التكفير والتشريك وسالت دماء المسلمين في زمانه في كل مكان بالحجاز ونجد، [هناك فارق عظيم بين التوسل وبين الشرك بالله لم يعلمه الشيخ النجدي]: (التوسل): هو التقرب إلى الله، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل رضا الله، فالله عز وجل أمرنا بالتوسل بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [ المائدة: 35 ]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [ الإسراء: 57 ]، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولبيان الخطأ والمغالطة في فهم المقصود من التوسل: ظن الشيخ النجدي أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، وأدى هذا الظن إلى خلل عظيم في فهم موضوع التوسل، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا، وهذا خلل جسيم وفهم خاطئ مغلوط لموضوع التوسل، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا، وهذا هو السر في الخلاف الحاصل بين بعض طوائف أهل السنة والجماعة، فلو حررنا موضع النزاع في فهم التوسل، ونظرنا إلى الوسائل المشروعة للتوسل، فما أجازه الشرع من معاني التوسل أجزناه، وما منعه الشرع من معاني التوسل منعناه، لا نفتئت على الشرع ولا نتقدم عليه برأي دون دليل، ولكن الحوار في اطار الفقه وليس الشرك والكفر، والفقه صواب وخطأ، فأين الشيخ وإين التوسل، وأتباع الشيخ النجدي المانعون من التوسل بالأنبياء والصالحين يستدلون بأدلة أجنبية عن موضع الخلاف، من نحو استدلالهم بقوله تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} والآية تصرح بأنهم عبدوهم، ومن نحو استدلالهم بقوله تعالى {فلا تدعوا مع الله أحداً} والمتوسل لم يدع إلا الله، واستدلالهم بنحو قوله تعالى {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم، والمتوسل لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه، وكاستدلالهم بقوله تعالى {وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله} فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء أو ولي من الاولياء، هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله {ليس لك من الأمر شيء} {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً} فإن هاتين الآيتين ليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى.
(تنبيه): في تحرير المعنى المقصود من التوسل: التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، والمتوسِّلُ المسلم الموحد لا يعبد إلا الله، ولا يرجو سوى الله، ولا يدع إلا الله وحده، فالله وحده – في عقيدة كل مسلم – هو المالك القادر المهيمن، وهو وحده المعطي والمانع، وهو وحده المعز والمذل، وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة – رجاء قبول مبتغاه عند الله، وليس التوسل – أبداً – اتخاذ واسطة بين العبد وربه، كما كان يفعل المشركون بقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [ الزمر: 3 ]، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان، ويشهد بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، عن يقين واعتقاد، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان، ويزعم أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ساحر كذاب، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ ص: آية 4 إلى آية 8 ]، فهل من العدل والإنصاف في دين الله تعالى أن نساوي بين توسل المسلم الذي أقر بالتوحيد والإسلام والإيمان، وبين اتخاذ المشرك وسائط إلى الله على زعمه الكاذب الذي كذبه القرآن الكريم، وجعله كاذب كفار حرمه الله تعالى من الهداية، قال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [ الزمر: 3 ]، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام، وهنا إذ تحرر موضع النزاع في معنى التوسل، بقي أن نعلم ما هي أنواع التوسل الجائزة شرعا، فنقول لها سمعاً وطاعةً، ولا نتقدم على الشرع الحكيم برأي أو هوى أو غلو أو تقصير، أو إفراط أو تفريط، وجمهور أهل السنة والجماعة من المدارس الفقهية المتخصصة (المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل في الفصل المقبل)، جمهورهم يرون جواز التوسل بالصالحين أحياء وامواتا لأن المتوسل إنما يتوسل بهم إلى الله تعالى الحي الذي لا يموت، والتوسل قضية فقهية لا علاقة لها بالتوحيد والشرك، ولكن الشيخ النجدي أبى إلا أن يضع بصمته التكفيرية وسيفه المسلول على البسطاء من اهل التوحيد والإسلام فأباد خضراءهم واستحل دماءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
الناقض الثالث وبيان ضابطه: قوله ( من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر) اهـ.
[قلت]: القاعدة صحيحة: (من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر)، ولكنها تُطبق على الكفار الأصليين الذين لم يقبلوا بالشهادتين أصلا من عباد الاوثان والاصنام وعلى أهل الكتاب الذيم لم يقبلوا بالشهادتين، ولكن هذا الناقض لا يطبق على الموحدين البته، لأنهم يشهدون بالشهادتين، وإنما يطبق على عباد الاصنام والاوثان واليهود والنصارى الذين قال الله تعالى فيهم: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: آية 4 إلى آية 8]، ، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 30 و 31]، وفي النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72]، والذين قال الله تعالى فيهم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73]، أما الموحدون فهيهات هيهات أن يطبق عليهم هذا الناقض:
وهو قوله [من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر].
والشيخ النجدي يريد أن يكفر المسلمين من أهل زمانه، ثم يكفر من توقف عن تكفيرهم، والنتيجة الحتمية هي كفر أهل الإسلام قاطبة في مشارق الأرض ومغاربها إلا اتباعه من الوهابيين، نسأل الله السلامة فوالله ما بلغ الخوارج الاصليون معشار ما بلغه هؤلاء الوهابيون من تكفير الامة واستحلال حرماتها.
واعود فأنبه: إن تعلق الأمر بالشرك الأكبر وفق ضوابطه التي قررها الفقهاء، فبه ونعم، فالناقض يُطبق على المرتدين، ولكن من كانت ردته بإجماع من علماء الامة لهم فيه من الله برهان، أما إن تعلق الامر بالشرك في إطار الملة، أو مجرد الذنوب والمعاصي فهذا لا يصح تطبيق هذه القاعدة عليه أبدا، وقد تقدم بيان خطأ مفاهيم الشيخ وأتباعه عن الشرك الأكبر وأنه شرك اعتقاد، وأن الشرك في إطار الملة هو ما تعلق بالعمل والعقد سليم، فهذ المبدأ صحيح في المشركين الاصلين وعبدة الأوثان، أما أهل الإسلام فلا يطبق عليهم هذا الضابط لقرينة التوحيد وشهادة التوحيد وقبول الإسلام جملة وتفصيلا، لقد طبق الشيخ رحمه الله هذه القاعدة على مسلمين موحدين، بدعوى أنهم لم يكفروا صوفية زمانه، واهل التصوف على زمانه مسلمون موحدون، وكل من توقف عن تكفيرهم كان محقا، ولم يسلم لا هؤلاء ولا هؤلاء من تكفير الشيخ لهم واستحلال دماءهم واموالهم، ومرد ذلك كله إلى ذهول الشيخ عن حقيقة العبودية، وانها اعتقاد وعمل، وانها أصل وصور، وذهوله عن حقيقة الشرك الذي كان عليه المشركين، ظن انّ اعمال العبادات المجردة عن الاعتقاد هي الداعي إلى الوقوع في الشرك الاكبر وهيهات، هيهات فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الناقض الرابع وبيان ضابطه:
قوله ( من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه – كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه – فهو كافر) اهـ.
[قلت]: هذا ناقض اعتقادي لقوله: [ من اعتقد ]، ونحن نتفق معه في أنه ناقض اعتقادي ينقض دعوى الشهادتين، لأنه يدخل في معنى شهادة التوحيد اعتقاد أن الله تعالى أحسن الحاكمين، وأنه لا يشرك في حكمه أحدا، ولكن المصيبة عند الشيخ كانت في التطبيق المعكوس للقاعدة، فالشيخ النجدي كان يرى أنّ فهمه للتوحيد هو الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فكل من خالفه في فهمه المغلوط للتوحيد بل وأغلب جوانب الدين، طبق عليه القاعدة: [من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه – كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه – فهو كافر]، بمعنى [من اعتقد أن غير هدي محمد بن عبد الوهاب أكمل من هديه، فهو كافر، أو من اعتقد أنّ فهم غير محمد بن عبد الوهاب للدين أحسن من فهمه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر].
ولذلك كان يسمي علماء عصره من الفقهاء والأولياء بالطواغيت، وكان يرى أن من يسمع كلامهم عن الدعوة النجدية أو يتوقف في حالهم بأنّه كافر حلال الدم والعرض والمال، وهذا والله ما حدث وما يحدث، وكانت الفتنة التي اطل من خلالها قرن الشيطان الذي جاء في حديث البخاري في صحيحه: عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا”، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: “هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)) ([78]) . وأخرج البخاريُ ومسلم عن مُسَدَّدٌ عن يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عن قَيْسٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ ((الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلاَ إِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)) ([79]) .
ونجد الحجاز هي جهة المشرق تماما بالنسبة إلى أهل المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أخرج البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الفتنة من قبل المشرق) (من طريق معمر عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قام على المنبر فقال: ((الفتنة ههنا، الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال قرن الشمس))، ([80]) وأخرج البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الفتنة من قبل المشرق). ومسلم في كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان بنحوه كلاهما من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مستقبل المشرق يقول: ((ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان))، ([81]) .ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام (قرن الشيطان) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (قوله قرن الشمس ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال)، ([82]) .
وفي تحفة الأحوذي (قرن الشيطان: أي حزبه وأهل وقته وزمانه وأعوانه، وقيل يحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال) أهــ، ([83]) .
قلت: ومن نظر إلى الخريطة وجد أنّ نجد تقع تماما في جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا يفند زعم بعض المغرضين والمنتفعين والكذابين: أنّ نجد المقصودة هي منطقة بالعراق، وآخرون أنّها منطقة بالشام، وكلامهم يفتقد إلى أدنى التحقيق والإنصاف، وذلك لأنّ نَجد الحِجاز كانت أرض الفَدّادين رِعاءِ الإبِل، والعراق كانت أرض زراعة وصناعة وتجارة وما كانت آنذاك أرضًا لرِعاء الإبل، كما أنّ “نجد” الحجاز هي بلاد ربيعة ومضر وليس نجد العِراق أو الشام ثم نحن لا نعلم نجدا معروفا إذا أطلق لفظ ” نجد ” سوى نجد الحجاز، والتي ظهر منها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأتباعه من علماء الدعوة النجدية، التي ينتسبون إليها، وليس القصد من ذلك التجريح في اهل نجد، ولكن المقصود الحذر ثم الحذر مما ينفرد به (الشيخ النجدي) ومن يتسمون بـ (علماء الدعوة النجدية) من علوم الدين لأنه آنذاك يكون يقينا من الباطل الذي نفخ فيه الشيطان بقرنه، لأن الأحاديث دلت على التحذير من هذه المنطقة ومما يخرج منها من الضلال الذي يُخالف ما عليه عامة أهل السنة والجماعة من علوم الدين.
فالحذر الحذر من مفاهيم هؤلاء المغلوطة المعكوسة عن الإسلام وعن الإيمان والكفر، وعن التوحيد وعن الشرك، وعن السنّة والبدعة وعن كل ما تفردوا به عن علماء المسلمين، آلا هل بلغت اللهم فاشهد، فإنهم كما كان يرى ابن عمر من يكفر المسلمين ويستحل حرماتهم، فقد جاء في صحيح البخاري: (وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين)، ([84]) . نسأل الله السلامة
الناقض الخامس وبيان ضابطه: قوله ( من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم – ولو عمل به – كفر) اهـ.
[ قلت]: وها هنا لابد من معرفة ضابط البغض والكراهة، وذلك لأن الجنة حُفت بالمكاره، والله تعالى يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، ويقول: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، ففرق ما بين الكره الأول، والكره الثاني، فالكره الأول ليس ناشئا عن كراهة التشريع الرباني، وإنما لسبب آخر وهو ما جبلت عليه النفس من حب الدنيا وكراهية الموت مع إقراره بفضل القتال في الإسلام فهو لم يكره أمر الله، ولذلك كان لابد من معرفة نوع البغض، وأنه بغض الدين الناشئ عن انتفاء انقياد القلب وتعظيمه لأمر الله، فهذا الانقياد (عمل القلب)، وإقرار اللسان، فإن انتفى أحدها انتفى الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، وانتفى التوحيد وحل محله الشرك الأكبر، أما البغض الناشئ عن ثقل التكاليف الربانية ومعارضتها لرغبات الإنسان فهذا من ضعف الإيمان، ولا علاقة له بالتوحيد والشرك الأكبر، فإنك نادرا ما تجد امرأة لا تبغض تعدد الزوجات لأنه يضاد رغبتها في تملك الزوج، مع أنه شرع الله، ونادرا ما تجد رجلا يحب الجهاد في سبيل الله، لأنه قد يسلب منه الحياة، وإلا فإن من أعظم القربات إسباغ الوضوء على المكاره، ومما سبق نعلم أن ضابط البغض في الآية: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}، هو انتفاء انقياد القلب وتعظيمه لأمر الله.
(تنبيه): الشيخ النجدي طبق هذه القاعدة وهذا الناقض: [من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم – ولو عمل به – كفر]، على أهل القبلة (أهل لا إله إلا الله) وذلك بطريق ملتو فريد عجيب، ألا وهو: ما دام الشيخ النجدي هو الوحيد منذ قرون عديدة الذي فهم الدين كما أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنّ من أبغض ما جاء به الشيخ النجدي كان كمن أبغض شيئا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي صار الناقض في حقيقته هو (من أبغض شيئاً مما جاء به محمد ابن عبد الوهاب – ولو عمل به – كفر الكفر الأكبر الموجب لاستحلال دمه وماله في الدنيا والخلود الابدي في النار يوم القيامة]، فهذا هو التطبيق العملي الحقيقي لهذا الناقض عند الشيخ النجدي وعلماء الدعوة النجدية قاطبة.
الناقض السادس وبيان ضابطه: قوله ( من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو ثوابه، أو عقابه، والدليل قوله تعالى: {ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}) اهـ.
[قلت]: القاعدة صحيحة والناقض صحيح، و (الاستهزاء بالدين) لا يقع إلاّ من كافر لتعلق الاستهزاء بكفر القلب، من انتفاء التصديق أو الانقياد والتعظيم، ولا يكون الاستهزاء إلا مع زوال أصل الإيمان من القلب (قول القلب وعمله أو أحدهما)، وإذا زال أصل الإيمان حل محله الكفر، فهذه الأعمال لا تصدر إلا من كافر، أو زنديق متلاعب بالملة، زال من قلبه التصديق فصار منافقاً أو زال من قلبه الانقياد والمحبة فصار زنديقا كافراً.
(تنبيه) تطبيق الشيخ النجدي للناقض يختلف عن تطبيق اهل العلم له، فالشيخ النجدي يرى أنّ الله تعالى آتاه -وحده- دونا عن امة النبي صلى الله عليه وسلم الفهم الصحيح والوحيد للتوحيد، وانا لا اتجنى عليه فهذا كلامه لا يختلف على ذلك أحد، فقد جاء في [تاريخ نجد لابن غنام ص 309 ] يقول الشيخ النجدي وهو يتحدث عن نفسه، على زعم ابن غنام وهو من اتباعه: ((الرسالة العاشرة للشيخ المجدد: من محمد بن عبد الوهاب إلى أهل الرياض و منفوحة: وأنا أخبركم عن نفسي: والله الذي لا إله إلا هو لقد طلبت العلم، واعتقد من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى “لا إله إلا الله” ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي مَنَّ الله به، وكذلك مشايخي – ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء “العارض” أنه عرف معنى “لا إله إلا الله” أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم عن مشايخه أن أحدا عرف ذلك – فقد كذب، وافترى، ولبّس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه)) ([85]) .
وعلى نفسها جنت براقش، فالشيخ النجدي يزعم أنه المكتشف الوحيد لمعاني التوحيد، فليس أحد قبله حاز هذا السبق وكل من زعم أنه يعرف معاني التوحيد التي جاء بها الشيخ النجدي فقد كذب وافترى ولبّس على الناس ومدح نفسه بما ليس فيه، وقوله أخطر مما نتصور، إذ معناه أنه لم يكن أحد قبله على الإسلام وعلى العلم بالتوحيد منذ قرون مديدة وبالتحديد منذ القرن الثامن حيث كان يعيش شيخه الأوحد ابن تيمية والذي استوحى من كلامه بعض هذا الذي فهمه، ثم جاء بمزيد بيان عليه، وهكذا أُختزل الإسلام في ابن تيمية وابن عبد الوهاب.
فمن خالف فهم الشيخ النجدي للإسلام والتوحيد والدين، تُطبق عليه فورا قاعدة التكفير والناقض السادس، ومنطوقه: [ من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو ثوابه، أو عقابه، والدليل قوله تعالى: {ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}]، وتطبيقه على أرض الواقع يكون كالآتي: [ من استهزأ بشيء من فهم محمد بن عبد الوهاب لدين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كفر واتى بناقض للتوحيد، والدليل قوله تعالى: {ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}] فيا أمة التوحيد ويا خير امة أُخرجت للناس هل يُعقل أنّ الامة كلها كانت على الشرك والضلال قرونا عديدة حتى جاء الشيخ النجدي فأخرج لهم الفهم العجيب والدين الموازي الجديد للإسلام، هل هذا يُعقل يا أولى الالباب.
(الآن الآن الآن): فقط علمت لماذا أبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لنجد بالبركة وذكر انها أرض الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان، لعله الدين الموازي الذي اتي به الشيخ النجدي مما أُوحي إليه من مفاهيم التوحيد والشرك والإيمان والكفر والسنّة والبدعة إلى آخر مفردات الدين الموازي الذي عليه علماء الدعوة النجدية ولو كان صحيحا هذا الفهم لبادر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء لهم لا عليهم فاعتبروا يا أُولي الالباب.
الناقض السابع وبيان ضابطه: قوله ( السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به، كفر، والدليل قوله تعلى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}) اهـ.
[ قلت]: (السحر) فيه الخلاف بين العلماء هل هو من المكفرات المخرجات من ملة الإسلام إلى الكفر الأكبر أم أنه من كبائر الكبائر، وقد عدّه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من السبع الموبقات، كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) ([86]) .
وقد اتفق علماء أهل السنة والجماعة على أن تعلم السحر وتعليمه وممارسته حرام، قال ابن قدامة – رحمه الله – في “المغني: (فإن تعلُم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم) أهــ، ([87]) . وقال الإمام النووي في “شرح مسلم”: ” وأما تعلمه – أي السحر – وتعليمه فحرام “، ([88]) . ورغم اتفاقهم على حرمة تعلم السحر وتعليمه وممارسته إلا أنهم اختلفوا في تكفير فاعله، فقد ذهب جمع من العلماء إلى تكفيره مستدلين على ذلك بقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}، وذهب الشافعي إلى التفصيل، فإن كان في عمل الساحر ما يوجب الكفر، كفر بذلك، وإلا لم يكفر، واستدل الشافعية بما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) ([89]) . قالوا: دل الحديث على أن السحر ليس من الشرك بإطلاق، ولكن منه ما هو معصية موبقة كقتل النفس وشبهها، واستدلوا أيضاً بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن مدبَّرة لها سحرتها استعجالاً لعتقها فباعتها عائشة ولم تقتلها “ ([90]) . قال ابن قدامة تعليقا على أثر عائشة: ” لو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها ولم يجز استرقاقها “ ([91]) . وقال الشيخ الشنقيطي: ” التحقيق في هذه المسألة – يعني تكفير الساحر – هو التفصيل، فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة ” البقرة ” فانه كفر بلا نزاع، ([92]) .
. وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو حرام حرمة شديدة ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر، هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى في هذه المسألة التي اختلف فيها العلماء، لكن ولع الشيخ النجدي واتباعه بالتكفير يجرى التكفير فيه مجرى الدم من العروق، لذلك اتخذ قراره ورجح -على اعتبار أنه من أهل الترجيح- أنه ناقض للتوحيد مخرج من الملة، وهو من اهون ترجيحاته في العلم وفي الدين، ولعل كل من تكلم بكلام غير مفهوم هو عنه من السحر الذي يكفر فاعله ويخرج من الملة وبالتالي نقوم بسفك دمه وتوزيع ماله على المجاهدين من اتباع طريقته.
الناقض الثامن وبيان ضابطه: قوله ( مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}) اهـ.
[ قلت]: الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين هو من أوجب الفرائض وأعظم الواجبات، وأنّ المفرّط فيهما على خطر عظيم من دينه نسأل الله السلامة، ومع ذلك فالمفرّط فيهما ينطبق عليه الضابط الذي أجراه الله تعالى على لسان الحبر البحر عبد الله بن عباس من التفريق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة، فموالاة الكفّار ليست كفراً بإطلاقها وإنما لها مناطـات إذا توافـرت كـان الكفر الأكبر وإذا لم تتوفر كان الكفر في إطار الملة، وهذا هو الفقه الذي حبى به الله عز وجل أهل السنّة والجماعة الناجية فلا يكفّرون إلاّ المستحق للكفر بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً دون ضابط يمنع من التراشق بالكفر واللعن.
ومناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة:
(هو الموالاة القلبية الاعتقادية على الدين أو المعاداة القلبية الاعتقادية على الدين)، فموالاة الكافرين لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون موالاة قلبية متعلقة بكفرهم ودينهم، فمن والى الكفّار وشايعهم على الدُنيا لرحم أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فهذا كفر في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإذا وجد في المسلمين من يوالي الكافرين بنوع من أنواع الولاء ثم أعلن بلسانه أنّ عقده سليم وقلبه سليم وأنه بريء منهم ومن كفرهم وأنه ما والاهم إلاّ مداراة أو مصادفة لرحم عندهم أو حاجة أو مصلحة فهذا لا تبلغ به الموالاة إلى الكفر الأكبر لسلامة قلبه وعقده وموالاته كفر في إطار الملة.
وقد اتفق أهل العلم بالتفسير وبالحديث على أنّ سبب نزول آيات سورة الممتحنة، هو موالاة حاطب رضي الله عنه للمشركين، ولم تكن الموالاة على أساس الدين، وإنما كانت على أمر من أمور الدنيا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة:1]، وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والإمـام أحمـد قصة حاطب، وأخرج البخاري رحمه الله عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها) فذهبنا تعادى بنا خلينا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب ابن أبي بلتعه إلى أناس من المشركين ممن بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما هذا يا حاطب؟) قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله إني كنت امرأ من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذا فاتني من النسب فيهم أنّ أصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه قد صدقكم)، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال صلى الله عليه وسلم (إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، ” أهـ، ([93]) .
فهذه هي قصة حاطب رضي الله عنـه، والإلمام بهذه القصة ورواياتها المتعددة في الصحيحين والسنن تدلنا في مجموعها على أنّ الموالاة التي تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر هي الموالاة الباطنة على الكفر، دون الظاهرة، والموالاة الظاهرة فهي وإن كانت خطيرة وعظيمة إلاّ أنها كفر في إطار الملة، ولا تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإلاّ لاستتاب النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً من هذا الكفر بعدما أقسم له حاطب أنه مؤمن بالله ورسوله، وأنه ما فعل ذلك ردة عن دينه ولكن مصانعة للمشركين لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد، ولنـا هنــا وقفتــان: (الأولى): أن النبي صلى الله عليه وسلم صدقه في قوله ولم يستتبه من الكفر، فدلّ ذلك على أنّ الموالاة الظاهرة على الدُنيا ليست من قبيل الكفر الأكبر، وإنما هي من باب الكفر في إطار الملة، ومعلوم أنّ كل كفر أو ذنب في إطار الملة لا يحتاج إلى استتابة من الكفر، إذ الاستتابة على الكفر إنما هي تتعلق بالكفر الأكبر دون الأصغر، (الثانية): وهي مؤكدة للأولى فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد غفر لأهل بدر، والله عز وجل لا يغفر أن يُشرك به، ومن المعلوم أنّ الآية تتعلق بالكفر الأكبر، وعليه أجمع العلماء، وعلى ذلك فأهل بدر عصمهم الله عز وجل من الكفر الأكبر، ولمّا كان حاطب بدريا فهو بعيد عن الكفر الأكبر، ولمّا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالتوبة من هذا الذنب ولم يوضح ما يدل على أنه ردّة مُخرج من الملة ويحتاج إلى تجديد إسلامه، دلّ ذلك كله على أنّ ما فعله حاطب ليس من إطار الكفر الأكبر.
فالموالاة الظاهرة والتي وقع فيها حاطب رضي الله عنه ليست مخرجة من الملة بالكلية، بل هي في إطار الملة ولهذا أقال النبي صلى الله عليه وسلم عثرته وأخبر بفضل أهل بدر وهو منهم، ولو تدبرنا قول حاطب رضي الله عنه ((والله يا نبي الله إني لمؤمن بالله ورسوله))، نعلم أنه يؤكد أنها موالاة ظاهرة لا تتعدى ذلك إلى القلب لأن القلب مؤمن بالله ورسوله وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وأمر المسلمين أن لا يقولوا له إلاّ خيراً، بمعنى لا يتهموه بكفر ولا نفاق، فاعتذار حاطب لدرء الكفر الأكبر هو اقتصار الموالاة على الظاهر دون الباطن، والرسول صلى الله عليه وسلم يقبل بهذا الاعتذار لدرء الكفر الأكبر ويُبين لنا أن الرحمن بفضله ورحمته غفر لأهل بدر ذنوبهم فقد أعلمه الله تعالى أن الله غفر له ذلته العظيمة بما تقدم من صالح عمله عندما شهد بدراً، وقد يقال لعلّ الموالاة الظاهرة كفر أكبر وحاطب قد تاب منها فتاب الله عليه والله يقبل توبة الكافر والمشرك متى تاب،.
(قلت) لو كانت الموالاة الظاهرة دون الباطنة كفر أكبر بذاتها لوضح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لحاطب لمّا اعتذر له بثبات الإيمان في قلبه وأنها مجرد موالاة ظاهرة، وبيّن له أن هذا العـذر لا يُفيد لأن الموالاة ظاهرها وباطنها سواء، وبيّن له ضرورة التوبة من الكفر الأكبر الذي وقع فيه، فهل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لاسيما والدواعي كلها تطلب ذلك والبيان ليس في أمر هين وإنما هو في أهم مسائل الدين [الإيمان والكفر] وإلاّ لكتم النبي صلى الله عليه وسلم بعض العلم ومن ادعى ذلك كفر، ولم يأتنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجلّ ذلك البيان ثم ذكره في موضع آخر، مما يدل يقيناً على أنّ الولاء قسمان ظاهر لأجل الدُنيا، وباطن لأجل الدين، فما كان منها من قبل الأول فهو كفر في إطار الملة، وما كان منها من قبيل الثاني فهو كفر وردّة عن دين الله، فكيف إذا جمع له القسمان فذاك الكافر الـذي فيـه قولـه تعالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، ومن تمت له الموالاة الظاهرة بمفردها لمداراة أو تقية فذاك الذي نزل فيه قول الله تعالى {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28].
وعلى ذلك فمناط التكفير في مسألة الموالاة والمعاداة: هو موالاة الكافر ظاهراً وباطناً على الكفر و معاداة المؤمن ظاهراً وباطنـاً على الإسـلام، فإذا تخلف هذا الضابط أو أحد شروطه وجوانبه كأن كانت الموالاة ظاهراً دون الباطن أو كانت لدُنيا وليست لدين فهي كفر في إطار الملة وليست بالردّة، والشيخ النجدي كالعادة ذهل عن هذا الضابط، وبالتالي كفّر الكثير والكثير من اهل القبلة بغير استحقاق بدعوى مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، بمنطوق الناقض الذي فصله لتكفير البقية الباقية من اهل القبلة سوى اتباعه فقال:
الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}]، هذا هو المنطوق، اما التطبيق العملي له عنده وبين اتباعه [مظاهرة المشركين – يقصد بهم اهل التصوف والاشاعرة والفقهاء من هذه الامة الذين هم علماؤها وأولياؤه ا- ومعاونتهم على المسلمين -يقصد نفسه واتباعه ممن فهموا التوحيد الجديد.
والدليل عنده على كفر هؤلاء المسلمين الذين أمسكوا العصا من المنتصف فلم يكفروا الامة جمعاء ولم يتبعوا الشيخ النجدي في فهمه الجديد للدين وللتوحيد، فهؤلاء الذين امتنعوا عن تكفير الامة متمثلة في أهل التصوف واهل الأصول والعقيدة واهل الفقه فهؤلاء كفار لقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}]، فمن تولى غير الوهابيين فهم منهم ولما كان غير الوهابيون ليسوا على التوحيد فمن يتولهم فإنه منهم ولا كرامة فإن الله لا يهدي هؤلاء القوم الظالمين، هذا فهمهم للناقض وهذا تطبيقه له فإنا لله وإنا إليه راجعون وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) ([94]) . نسأل الله السلامة.
الناقض التاسع وبيان ضابطه: قوله ( من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم – كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام – فهو كافر) اهـ.
[قلت]: وهذا ناقض اعتقادي، ينقض دعوى شطر الشهادة ((محمد رسول الله))، وبعد بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلى قيام الساعة لا تقبل شهادة التوحيد إلا بإضافة شهادة الإتباع وهي تعني إفراد الطريق إلى توحيد الله باتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والكلام على مجمله صحيح، ولكن تطبيق الشيخ له كان في غاية الغرابة، فإنه اعتبر فهمه للتوحيد، والذي لم يقل به احد قبله، اعتبره هو الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله، وتلك طامة عظيمة لأنّه طبق القاعدة على كل من خالف فهمه للشهادتين وللتوحيد، وكانوا في زمانه كافة علماء الشريعة ولم يتبعه على فهمه إلا أوباش الاعراب الذين لا علم لهم ولا فهم ولا حلم، فكانت النتيجة تكفير بالجملة واستحلال بالجملة لقطاعات عريضة من امة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت فتنة ابيد فيها قبائل بأكملها بسبب الخلل في تطبيق القاعدة، [من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. فهو كافر]، فكل من خالف فهم الشيخ النجدي للدين اعتبروه معتقدا انه يسعه الخروج على شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، وطبقوا عليه القاعدة دون رحمة ولا هوادة، وكانت فتنة عظيمة بنجد ظهر منها قرن الشيطان متمثلا في استحلال حرمات المسلمين على أساس من الدين، وعمت شرارها وأكلت نيرانها أكثر المسلمين في ارجاء الأرض كلها في زمان الشيخ، ولا زالت آثارها العلمية والعملية موجودة حتى يومنا هذا.
الناقض العاشر وبيان ضابطه: قوله ( الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه، ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون}) اهـ.
[قلت]: كل من قال (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) لا يسمى عند العلماء كفر إعراض البتة، يقصدون به الكفر الأكبر، لأن الاعراض الكلي ينتفي هاهنا لمن أتى بإقرار اللسان، فإذا أضاف إلى الإقرار اعتقاد القلب فقد اتى بأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، و(ضابط الكفر الأكبر في الاعراض)، هو الاعراض التام ويتناول بالدرجة الأولى إعراض القلب عن تصديق الرسالة والانقياد لها وإعراض اللسان عن الإقرار بها: وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [ الكهف: 57 ] يدل على أن كفر الإعراض يشتمل إعراض القلوب عن الاعتقاد {على قلوبهم أكنة} وإعراض الآذان عن السماع: {وفي آذانهم وقرا}، ومن باب الأولى إعراض اللسان عن الإقرار والجوارح عن الطاعة، ومثلها قوله تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [ فصلت: 3 – 5 ]، وكفر الإعراض في الآية يشمل إعراض القلوب عن قبول الحق وهو شهادة التوحيد وإعراض الآذان عن سماعها ومن باب الأولى معاندة اللسان بعدم الإقرار بها، والآيات التي تحكم بكفر الإعراض الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار كلها – دون استثناء – أتت في حق الكافر الأصلي الذي أعرض عن الإقرار بالشهادتين فلم يقل بها ولم يصدقها ولم ينقاد لها لا بقلبه ولا بجوارح.
، وقد رأيت بعض علماء الدعوة النجدية يفهمون كفر الإعراض على غير هدي الكتاب الكريم فظنوا أن كفر الإعراض الأكبر يتناول من أقر بالشهادتين ثم أعرض عن العمل بموجبها، وظنوا أن ترك جنس عمل الجوارح كفر إعراض عن دين الله عز وجل لا يعمل به، ونسى هذا أن من أقر بالشهادتين ولو بلسانه فقد نجا من كفر الإعراض الأكبر لأنه انقاد بلسانه فلم يعرض، فإن صاحبه تصديق القلب وانقياده فقد صح له أصل إيمانه فله اسم الإيمان وحكمه، وإن صاحبه تكذيب القلب فهو كفر نفاق ولا يسمى عند العلماء كفر إعراض البتة، لأن الاعراض الكلي ينتفي هاهنا لمن أتى بإقرار اللسان.
وهذا الناقض: [الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه، ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون}] طبقه الشيخ على اهل القبلة الذين يشهدون بالشهادتين فكل معرض عن دعوتهم الوهابية ومفاهيمهم المغلوطة عن التوحيد والشرك وعن الإيمان والكفر، اعتبروه معرضا عن دين الله، ووصفوه بأنه أشد اعراضا واشد كفرا واشد شركا من كفار قريش زمان النبي صلى الله عليه وسلم، واستحلوا بذلك دمه وقسموا ماله فيما بينهم فإنا لله وإنا إليه راجعون، (وبعد) كان هذا هو التعقيب على نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبيان الضوابط الفقهية الضرورية لتصحيح المفاهيم وبيان المراد الحقيقي من تلك النواقض وبيان مفاتيح العلم التي تحمي طلبة العلم الشرعي من الغلو في فهم تلك النواقض بما يؤول بهم إلى مذاهب الخوارج من الغلو في التكفير واستحلال حرمات المسلمين بآيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين كما تفطن لذلك الصحابي الجليل والعبد الصالح عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ذكر البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم: فقال: (باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين) أهـ ([95]) .
(تنبيه): اليوم بعد مرور قرنين على هذه الفتنة التي كان لها اكبر الأثر في تفرق المسلمين وتشتيتهم، الحمد لله قل الغلو، ولكن الآثار لا تزال باقية متمثلة في الطرح العلمي المتشدد في أغلب جوانب الدين، في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، في قضايا الإيمان والكفر وفي قضايا التوحيد والشرك وفي قضايا السنّة والبدعة، أما علم التقديس والتنزيه فهم عنه عراء وجهلهم فيه جهل مركب وهم في باب التقديس حشوية مجسمة لا يعرفون شيئا عن قواعد التقديس والتنزيه، وهم من أضل الفرق في باب التقديس والتنزيه، والشيعة على ما هم عليه من الضلال والخوارج على طوامهم أحسن منهم حالا في علم التقديس، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
***
المبحث الخامس تقييم الحركة السلفية المعاصرة المنتسبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب [ما لها وما عليها]
[المفتاح الأول]: إن أكثر أصحاب هذه الدعوة يعتبرون جماعتهم هي الامتداد الصحيح الوحيد للفكر الإسلامي السليم الذي ينبغي أن يكون عليه كافة المسلمين، وهذا ادعاء محض، إذ هناك أخطاء منهجية في الفكر، والتطبيق على السواء، حيث تتسم تلك الحركة على تنوع فصائلها العلمية والعملية والتراثية والجهادية بالجمود في التفكير، وأنها ترى الحق حكرا عليها في آرائها العقدية الساذجة التي هي أقرب إلى السطحية منها إلى العلم الراسخ المتخصص، وفي آرائها الفقهية المتشددة المولعة بتحريم الحلال والتضييق على عباد الله فيما جعل الشرع الحكيم فيه سعة ودفعا للحرج، كما أنّها تعمل جادة بلا هوادة على إحياء قضايا عقائدية خاطئة، تشق بها وحدة المسلمين العلمية والعقدية، وهم فيها ضد أهل التخصص وأهل العلم الراسخ والحق الزلال، مثل إثبات العلو الحسي والفوقية المكانية، وإثبات الحد لله.
ومثل المبالغة في شن الحرب على التأويل السائغ الذي لا مفر منه للجمع الصحيح بين النصوص المتشابهة وحملها على أمهاتها من المحكمات شأن كل أهل العلم الراسخين فيه، لقد دخلت الحركة السلفية المعاصرة بسبب التصورات الخاطئة في صراعات كبيرة مع بقية طوائف اهل السنّة والجماعة، وزاد الطين بلة أنّهم تصوروا أنهم الأوصياء على الجميع، فما فهموه هو الإسلام وهو الهدى والرشاد، وما عارضوه فهو الضلال، فشددوا النكير على المخالفين، وصارت علاقتهم مع غيرهم من المسلمين علاقة التبديع والتاثيم والتفسيق، ثم لم تلبث تلك الحركة السلفية المعاصرة أن انقسمت على نفسها إلى سلفية جهادية أُبتليت بالغلو في تكفير المخالفين، ولو كانوا من السلفية نفسها، والسلفية المُدخلية والجامية التي تُبدع المجاهدين والدعاة والمصلحين، والسلفية العلمية التراثية التي تستخرج من بطون الكتب الكثير مما يثير الخلاف ويشق الصف، والسلفية العلمية الحسبية والسلفية العملية الدعوية والسلفية العملية القطبية والسلفية القبورية، والسلفية الحاكمية، والسلفية السرورية، وهكذا انشطرت السلفية إلى عشرات الطوائف والفصائل، أكثرها يبدع أكثرها، وبعضها يكفّر بعضها، والعلاقة السائدة بينها هي علاقة العداوة والبغضاء بدلا من المحبة والإخاء، إنّ السلفية الحقة هي امتثال هذا الدين بأخلاقه ومبادئه وعقائده وشرائعه، والرجوع في فهمه والعمل من أجله إلى السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، إنّ أهم ما يميز السلفيين الصادقين هو الرجوع إلى الكتاب والسنة والتمسك بهما، والاستعانة على فهمهما بما كتبه المتخصصون من أهل العلم السائرين على منهاج الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، ولاشك أنّ: للحركة السلفية المعاصرة دورها في الصحوة الإسلامية، ولكنها مع ذلك تورطت في أخطاء كثيرة، لابد من تصحيحها.
[المفتاح الثاني]: أهم الأخطاء المنهجية عند الحركة السلفية المعاصرة المنتسبة إلى الشيخين ابن تيمية وابن عبد الوهاب:
(1) الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، وأدى ذلك إلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في الحشو وزيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم وإن لم يشعروا بذلك.
(2) الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة، بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون، ونظرة إلى تاريخ ابن غنام وغيره ممن أرخ لتلك الفترة نعرف مدى صحة ذلك.
(3) الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا، والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وأدى ذلك إلى جواز تفجير القنابل بين عوام المسلمين على أنهم كافرون، وتحويلهم إلى أشلاء، وما أدبيات السلفيات القتالية والجهادية عن ذلك ببعيد.
(4) الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة، في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها.
(5) غلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل، ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الخوارج.
(6) إهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، واليونان أصلا كانوا عباد اوثان، فأين هم من التقديس.
(7) عدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].
(8) الذهول عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيون – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم.
(9) بعث بعض مفردات مذهب الحشوية والخطأ بنسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث، وجعله بديل لكافة التخصصات العلمية، ومن ثم بعث بعض كتب الحشوية والمجسمة من جديد وإعادة طباعتها على أنها تمثل مذهب السلف والأثر، وهم منها براء، وهل كان السلف مجسمة أو مشبهة وحاشاهم من ذلك.
(10) الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق.
(11) إهمال مناهج التربية والتزكية، ومن ثم كانت النفسية التي تتسم بالغلظة والقسوة وغمط طوائف أهل السنّة والجماعة الأخرى واحتقارهم وتبديعهم والجفاء عند معاملتهم، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا.
(12) شن الحروب التي لا داعي لها – بين الحين والآخر – على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وصقلت مدارسهم الفقهية على مر عصور الإسلام كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، فأيهما أجدى البناء على ما بناه أولئك الاكابر فيرتفع البناء عاليا، أم هدمه والتشكيك فيه، مع استحالة إتقان ما أتقنوه، واستيعاب ما استوعبوه، وبناء ما بنوه.
(13) شن الحروب على التصوف برمته، صالحه وطالحه، بدعوى أن له أصول من اليهودية أو النصرانية أو البوذية، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين وبين الأدعياء، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله، فهل جميع أولئك على ضلالة، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة عند الاتباع.
(14) أمر خطير يمثل خطرا على صفاء منهاج السلفية، ألا وهو اعتماد كلام الشيخ ابن تيمية وكأنه – وحده – المتحدث الصحيح عن كافة طوائف أهل السنة والجماعة، واختزال آراء من خالفوه في كثير من المسائل، وكانوا وقتها يمثلون جمهور أمة الإسلام بمن فيهم الحنابلة، فقد خالفوه في مسائل عديدة، ولا شك أنه لم يكن متخصصا في كل ما تكلم فيه، وقد ذهل بالكلية عن قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة، والتي بسبب ذهوله عنها هجم على أهل الفقه الأكبر في العقيدة (الأشاعرة والماتريدية) وانتقص من كبرائهم – مفاخر العلم – انتقصهم بغير حق، كما أنه غاب عنه مذهب السلف الحقيقي في المتشابه (الذي هو تفويض العلم به إلى الله) وظنه إثبات اللفظ الظاهر على حقيقته وتفويض الكيفية، فاقترب من الحشوية الجهلاء، وظلم مذهب السلف والخلف، واتهم مذهب السلف الصحيح الحقيقي (تفويض العلم بالمتشابه) بأنه شر المذاهب وأنه مذهب أهل الجهل، ولذلك لم يسلم منه الكثير من علماء أهل السنة الأعلام، وأدي ذلك إلى أن خاض في المتشابه على طرائق الحشوية والمشبهة واقترب منهم.
كما أن له تعميمات يعوزها الدقة والتمحيص، وتمثل خطراً على صفاء منهج السلف الصالح، كادعائه بأنه لم ينقل عن السلف الصالح تأويل شيء من المتشابه، وبالتالي اتهم بالبدعة في الدين والخروج عن منهج السلف كل من أول شيئاً من المتشابه، وطار بهذا التعميم الركبان في كل واد، مع أنه ثابت في التفسير عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه وعن كثير من التابعين وتابعي التابعين والأئمة العلماء، وليس تأويلهم لهوى أو بدعة وحاشاهم من ذلك، وإنما هو لضرورة منع اتباع العامة للمتشابه، وضرورة حمل المتشابه على أمهاته من المحكمات، لحفظ عقائد المسلمين من التشبيه والتمثيل، كما أنه – ابن تيمية رحمه الله – تشدد في مسائل الزيارة والتبرك والوسيلة على غير طريقة الفقهاء، وتشدد على طوائف الصوفية من أهل السنة والجماعة بحق أحياناً وبغير وجه حق أحيانا، ونحن لا ننقصه حقه كأحد العلماء، ولكن أن ننجرف مع أخطائه وتشدداته وتعميماته، فهذا لا يرضاه العلماء المنصفون من أهل السنة والجماعة، وهذا ما يأباه منهج التصحيح الذي يأخذ من كل عالم أحسن ما اجتهد فيه، ويصحح ما أخطأ فيه.
(15) يرى أتباع السلفية المعاصرة أن منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنة والجماعة، مع أنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر ابن تيمية ومدرسته، وهكذا تم اختزال كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية – والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم مر عصور الإسلام -، بل وقياس قربهم وبعدهم عن أهل السنة والجماعة بهذه المقاييس الانحيازية، مما يمثل خطرا على سعة الدين واحترام تخصصاته العلمية.
(16) الخطأ العلمي القائم على احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي، وما بين انتسابهم للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء ابن تيمية، وآراء محمد بن عبد الوهاب، ولاشك أنّ عصور السلف الصالح الثلاثة الأولى التي شهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها بالخيرية العامة هي عصور القدوة المثلى والإتباع الأمثل، ولاشك أنّ أهل السنة والجماعة يجتمعون على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من خلال فهم السلف الصالح للكتاب والسنة، ولكن ينبغي مناقشة آرائهم جميعها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف، ومدى قربها أو بعدها عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم.
(17) الخطأ في فهم المقصود بالخيرية التي وصفت بها قرون السلف الأولى، قد اساء بعض المنتسبين إلى السلفية فهم الخيرية المنصوص عليها في احاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ظاناً أنّ الخيرية اقتصرت على القرون الثلاث الاولى فقط، فاتجهوا الى رفض ومعارضة كل رأي أو فهم يأتي من خارج دائرة القرون الثلاث الا بانتقاء الآراء بعد ذلك من العصور المتأخرة، والحقيقة التي يجب معرفتها: أنّ الخيرية لم تكن في جميع من عاش القرون الثلاث الاولى بل الخيرية كانت في العموم والمجموع الغالب، ثم ظهرت التخصصات العلمية بعد ذلك مستمدة أصولها من علماء تلك الحقبة المباركة من عصور الإسلام، فليس المقصود بالخيرية رفض كل صحيح بعدها، وهذا هو الخلل في فهم الخيرية، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي، ففي القرن التالي لعصور السلف ظهر التخصص في الحديث وكان من ثمرته أن حفظت السنّة متمثلة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وعير ذلك من كتب السنن والمسانيد، وظهر التخصص في الفقه وكان من ثمرته أن دون الفقه وظهرت المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها مما يعد مفخرة أهل السنّة والجماعة في حفظ الشريعة، وانتشرت البدع واحتاج الناس إلى انتصاب العلماء للرد عليها، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة وتفنيد أخطائهم، وتطهير عقائد المسلمين من بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة وغيرهم، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، وهي المدرسة الأثرية وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة الأشعرية وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة الماتريدية وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف.
ومع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية.
(18) الخطأ والخطر في تقديم مؤسسة واحدة (السلفية بمفرداتها التي اشتهرت بها) على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، لقد كان السلف الصالح هم خير قرون الإسلام علما وعملا، وفقها وفهما، واهل السنة والجماعة يعرفون لسلفنا الصالح فضلهم ويسيرون على هديهم ومناهجهم، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا تخصصهم العلمي وظل المسلمون يحترمون أهل التخصص في العلوم الشرعية إلى أن جاءت فوضى عدم احترام التخصص متمثلة في طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية، إن الحركة السلفية المعاصرة في امس الحاجة إلى مراجعات علمية جادة من أجل تصحيح المسار.
***
المبحث السادس مفاتيح مستفادة من كتاب (السلفية المعاصرة شبهات وردود) للشيخ عبد الرحمن المكي الهاشمي يهذب فيه الأخطاء التي شابت الدعوة النجدية
في هذه المبحث: أُحيل على كتاب من كتب الإنصاف في اصلاح الدعوة النجدية حتى تأخذ طريقها نحو التوسط والاعتدال،: (كتاب السلفية المعاصرة مناقشات وردود) للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المكي الهاشمي، وهذا الكاتب لم يتناول في نقده لا تجريحاً ولا انتقاصاً، وإنما جاءت نصيحته خالصة للإصلاح، نحسبه على خير، والله حسيبه، ومن تلك المفاتيح المنتقاه من رسالته القيمة.
[المفتاح الأول]: الاختلاف مع الوهابية إنما هو اختلاف في مفهوماتهم الخاطئة وليس على عقيدة كما يدّعون: ليس الخلاف – مع الوهابية – على عقيدة، بل هو نتيجة خطأ مفهومات شاذة في الشرك والعبادة والبدعة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فالسواد الأعظم من علماء المسلمين في كل قطر إسلامي وعلى توالي قرون طويلة جداً لا يرى في دعوة الأنبياء والصالحين مستغيثين أو مستشفعين أو متوسلين أنه عبادة لغير الله، ويرون أن الوهابية لم تفقه معنى العبادة إذ توهموا أنّ إتيان الأعمال التي تصلح للعبادة لا تقع إلا عبادة، وهذا خطأ سيأتي بيانه عند تحرير معنى العبادة، وكذلك قصد المصطفي بالزيارة والاحتفال بالزيارة والاحتفاء بذكرى المولد النبوي ليس من بدع الضلالة في شيء كما سيأتي بيانه أيضاً عند تحرير معنى البدعة وما يدخل في بدعة الضلالة وما لا يدخل فيها، وسواد العلماء يخطئون الذين يشركون الناس باستغاثتهم ودعائهم للأنبياء والصالحين ويخطئون من يمنع المولد وغيره، ويرون أنّ دعاويهم في ذلك لا تستند على أدلة ناهضة غير سردهم لآيات وأحاديث أخطأوا في فهم معناها ودلالاتها، ولعلماء السواد الأعظم من المسلمين من الدراية والرواية ما يفوق علم الذين يكفرون بتلك الأمور أو يبدعون أو يضللون.
[المفتاح الثاني]: تصور الوهابيين لشرك الأمة شركاً أكبر مخالف لبيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك، قد صح عن الصادق المصدوق أنّ أمته صلى الله عليه وآله وسلم بعده لن تعبد الأوثان ولن تشرك الشرك الأكبر إلا بعد انخرام أنفس جميع المؤمنين في آخر الزمان بعد انتهاء فتنة الدجال وأما قبل ذلك فلا، وهذا مخالف لتصور الوهابيين أنّ الشرك الأكبر قد انتشر في بقاع العالم الإسلامي منذ مئات السنين، فورد عن جابر وابن مسعود وعمرو بن الأحوص وابن عباس مرفوعاً: ((إن الشيطان قد يئس من أن تعبد الأصنام بأرض العرب))، ([96]) .
والروايات في ذلك متعددة في صحيح مسلم، ومستدرك الحاكم وأبي يعلى والبيهقي وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وورد في حديث شداد بن أوس في ابن ماجه ” قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أتخوف على أمتي الشرك، قلت يا رسول الله أتشرك أمتك بعدك؟ قال: نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولكن يراؤون في أعمالهم)) ([97]) . وورد في حديث الشيخين عن عقبة بن عامر مرفوعاً: ((لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخشى عليكم الدنيا)) ([98]) .وورد في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((لا يذهب الليل ولا النهار حتى تعبد اللات والعزى ” فقلت يا رسول الله: إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} إنّ ذلك تام، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله ريحاً طيبة فتوفي كل من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل كمن إيمان)) ([99]) .
ومصداقاً لوقوع هذا في وقته المبين في حديث عائشة أنه بعد هبوب الريح الطيبة التي تقبض نفس جميع المؤمنين ما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوْس حول ذي الخلصة))، ([100]) .
وما روى مسلم عن عبد الله بن عمرو من حديث الدجال ونزول عيسى عليه السلام وأن بعده هذه الريح وقبض أرواح المؤمنين وأنه يبقى شرار الناس فيقول: ” ألا تستجيبون؟ فيقولون: ماذا تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان “، ([101]) .
وفي كل هذه الأحاديث الصحيحة بلاغ على أنّ أمته صلى الله عليه وآله وسلم لن تعبد الأوثان بعده، ولن تشرك الشرك الأكبر إلا بعد انخرام أنفس جميع المؤمنين في آخر الدهر بعد أن تهب الريح الطيبة وقبض أرواح المؤمنين، وإن هبوبها يكون بعد نزول عيسى عليه السلام وقتله الدجال ومكثه في الأرض ما شاء، فماذا يمكن أن يقول القائلون بعد أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والفتاوي والتصرفات إذا انبعثت عن تصورات تخالف ما بينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبقى محيرة جداً لما تنطوي عليه من مخالفة بيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما قال وفيما أخبر، والردة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه لم تكن فيها عبادة أوثان وإنما ادّعاء نبوات وشراكة في الرسالة وتمرد جماعي على الوجبات الإسلامية كمنع الزكوات والتهاون بالصلوات وبشعارها الأذان، يحقن الدم والمال وما بزغت حتى انتهت بفضل الله ثم بحزم الصديق، فالاستبدال بها على أن عبادة الأوثان كائنة بعده صلى الله عليه وآله وسلم قبل الوقت الذي حدده صلى الله عليه وآله وسلم لها هو استدلال على الشيء بما هو أجنبي عنه.
[المفتاح الثالث]: غلط تصور الوهابيين للعبادة والشرك: لما رأى القوم أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ تخيَّلوا أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، ويرى السواد الأعظم من علماء المسلمين خطأ هذا المفهوم، وأن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها كتأثير بقدرة كن أو استقلال بالنفع والضّر والإعطاء والمنع أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكته له في الربوبية ونحو ذلك.
وقد بينت آيات كثيرة أنّ هذا كان هو اعتقادهم في آلهتهم فحكى الله تعالى قول المشركين لهود عليه السلام: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ}، وقال تعالى: {أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ}، وعجز الآية {إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ}، يكشف أنّ اعتقادهم كان أنّ آلهتهم تنصرهم ثم انكشف يوم القيامة أنهم كانوا مغرورين، وقال تعالى: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ}، وقال تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}.
وغير ذلك آيات كثيرة لا يتسع لذكرها المجال مما يدل على إشراك المشركين معبوداتهم في بعض خصائصه تعالى، فلما اعتقدوا لآلهتهم تلك الخصائص زاولوا تلك الأعمال لهم بنية عبادتهم، ومما يومئ إلى أنّ دعاء المشركين لآلهتهم كان مصحوباً باعتقاد صفات الربوبية فيهم من ضر ونفع استقلالاً قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا}.
ولو كان مجرد إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به – من دون اقتران نية العبادة لمن يعتقده رباً – هو الشرك إن وقع لغيره تعالى لما جاء بعض تلك الأعمال مأموراً به لغيره تعالى لأن الله تعالى لا يأمر عباده بالشرك ولا يرضى به ولا يأمر بالفحشاء، فالسجود مثلاً “، وهو أقرب إلى التذلل من سواه، ” لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما أمر الله به لآدم ولما حلّ في شريعة قط كالسجود ليوسف على وجه التحية والتكريم، فلما جاء السجود صالحاً لأن يكون سجود عبادة وشرك، وأن لا يكون سجود عبادة وشرك تبين أن إتيان أي عمل ليس عبادة لذاته ولا شركاً في نفسه إلا أن يجتمع مع إتيانه نية العبادة به لمن يعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها، والتعظيم مثلاً لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما فرَّق بين تعظيم وتعظيم، فمنه ما هو كفر ومنه ما هو حرام كسجود التحية في شريعتنا، ومنه ما هو مكروه كالتمثيل قياماً بين يدي السلطان، ومنه ما هو مأمور به كتعظيم النيي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيم شعائر الله وتعظيم البيت بالطواف به والوقوف للدعاء عند الحجر وباب الكعبة والملتزم، وتعظيم الحجر الأسود بتقبيله ومس الركن اليماني والصلاة خلف المقام، فما جاء التعظيم صالحاً لأن يكون تعظيم عبادة وشرك وأن لا يكون تعظيم عبادة وشرك تبين أنّ مجرد التعظيم لشيء ليس عبادة له شرعاً حتى يجتمع الإتيان به نية العبادة لمن تعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها، وحين يؤمر به لغير الله من غير أن تقترن به نية العبادة لغيره تعالى خرج عن كونه شركاً لأن فقدان نية العبادة فيه صرفته عن اعتباره عبادة لغير الله، ونية الامتثال صرفته إلى أنه عبادة للآمر وقربى إليه فالنية على هذا هي الحد الفاصل بين الحكم على العمل بأنه عبادة أو لا يدخل في مسماها، ولما رأى القوم أن من العمل أنّ القول لغير الله ما لا يعتبر شركاً، وأن ليس كل داع لأحد أو مستنجد به أو مستعين به يعتبر شركاً، فتشوا عن ضوابط لما يصل إلى درجة الشرك وما لا يصل إليه، فأجازوا من ذلك مما كان لحي حاضر فيما يقدر عليه، ومنعوا من ذلك ما كان لغائب أو ميت، ولا معنى لبناء الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأنه لا يعتقد أنّ العبد يخلق أفعال نفسه إلا المعتزلة ومن قلَّدهم.
أما أهل السنة فحين يدعون أحداً أو يستنجدون به أو يستعينون به حياً كان أو ميتاً، حاضراً أو غائباً يعتقدون أنه لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله، وطلب سليمان من اتباعه عرش بلقيس هو مما لا يدخل عادة تحت قدرة العبد ومع ذلك طلبه، ولا معنى كذلك لبناء الجواز والمنع على الحياة والموت لأن المعنى الذي أجيزت به الاستغاثة مثلاً بالأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء وغيره وذلك موجود على أتم وجوهه في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم إذ صحت الأحاديث بحياتهم ولوازمها من السمع والبصر والكلام والسلام والتزاور والقدرة على دعائهم للأحياء لا سيما لقرابتهم وزوارهم.
وفي كتاب “الروح” لابن القيم فصول فحواها “أنه قد تواتر بأنّ لأهل القبور قدرة على التصّرف والترائي للأحياء “، وإذ تبين فساد ضوابطهم في الجواز والمنع تبين أنّ الضابط الصحيح للتفرقة بين الجواز والمنع هو أنه كان العمل أو القول لمن لا يعتقده رباً فليس من العبادة في شيء، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته واستقلاله بالنفع والضر وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يعتبر عبادة إن صرف الله وشركاً إن صُرف لغيره لا فرق في ذلك بين حاضر وغائب ولا ميت وحي ولا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة ولا يوم القيامة، وما خلا عن نية العبادة لا يقال أنه عبادة لغير الله إلا أن يكون الشارع قد جعل نفس العمل كفراً كالسجود للصنم يكفر فاعله ولولم تعرف نيته لأنّ ذلك إمارة على اعتقاد ربوبيته ومظنة للشرك.
وبهذا البيان تعلم أنّ مسمى العبادة شرعاً لا يدخل فيه شيء مما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة وغيرهما، فعدُّ ذلك من الشرك المخرج عن الملة إنما يجر إليه الجهل بمعنى الشرك والعبادة، إذ قلوب المسلمين والحمد لله مستقرة على أن من يتوسل بهم من الأنبياء والصالحين هم مجرد أسباب لا استقلال لهم بنفع ولا ضر، وليس لهم من الربوبية شيء، ولكن الله جعلهم مفاتيح لخيره، ومن أعظم ما تتنزل به الرحمات من الواحد المنّان، والاستعانة بالأسباب مأمور بها في صريح قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، وفي حثّ الرسول المؤمنين على إعانة المستعين بهم وعلى التيسير على المعسر والتفريج عن المكروب، وإسناد الفعل إلى المعين والميسر والمفرج هو من إسناد الفعل للسبب لأنَّ الفاعل هو الله تعالى ولا يريد المسلمون إلا هذا المعنى، فإذا قال المسلم: نفعني النبي أو الولي أو أخذ بيدي أو أغاثني أو أعانني فلا يعني إلا هذا الإسناد المجازي ولا يعتقد أن له شيئاً من الاستقلال بالنفع أو الضر كما هو شأن الرب المعبود.
وإذ قد علمت أنّ عبادة المشركين لأربابهم إنما هي بإتيانهم الأعمال والأقوال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم ربوبية أو خصائصها من تأثير بقدرة كن واستقلال بالنفع والضر والإعطاء والمنع والضر أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكتهم لله تعالى، فكيف ينطبق قولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي} على المسلمين ينووا بدعائهم للأنبياء والصالحين مستغيثين أو مستشفعين عبادة لهم ولا اعتقدوا فيهم ربوبية ولا تأثيراً بقدرة كن ولا اعتقدوا فيهم قدرة على النفع والضر استقلالاً ولا اعتقدوا أنّ شفاعتهم إنما هي بحكم شراكتهم لله في الربوبية كما يفعل المشركون وكما ينوون بأفعالهم وأقوالهم وكما يعتقدون سبحانك هذا بهتان عظيم وقياس غير مستقيم.
ومن آمن بالكتاب كله ولم يتسلط عليه الهوى لا يكتفي بسرد الآيات الدالة على اعتراف المشركين بانفراده تعالى بخلق الجواهر العظام من سماء وأرض وخلافها ومن رزق وإنزال الغيث والتدبير العام، ويهمل ذكر الآيات التي ذكرناها المثبتة لكفر المشركين بالربوبية في بعض خصالها حيث اعتقدوا التأثير والنفع والضر والنصر والإعطاء والمنع لأربابهم استقلالاً ونفوذ شفاعتهم عليه تعالى بحكم شراكتهم له في الربوبية، وأين من يعتقد فيمن يدعونهم ويستغيثون بهم أنهم أرباب ومن يعتقد أنهم أسباب.
ولما اعتقد المشركون أنّ شفاعة أربابهم محتمة القبول عند الله بمقتضى شراكتهم له في الربوبية ردًّ الله عليهم بأنه لا شفاعة إلا بإذنه ورضاه ومشيئته ونفي شفاعة الأوثان وسائر المعبودين في عابديهم، كما بين أنّ الشفاعة كلها لله، وأنه قد أعطاها للأنبياء وعباده الصالحين فيمن لقي ربه لا يشرك به شيئاً، {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} مثلما أنّ المُلك كله لله أعطى منه ما شاء لمن شاء والعزة كلها لله أعطى منها ما شاء لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين، واستشفاع المؤمنين لا يعني إلا طلب الدعاء ممن أعطاهم الله الشفاعة والمصحح للطلب هو حياة الشفيع سواء في الحياة أو يوم القيامة بخلاف استشفاع المشركين فإنه ينطوي على إشراك بحقوق الله باعتقاد أن شفاعتهم عنده تعالى إنما هي بمقتضى شراكتهم لله في الربوبية، قالوا قصر الله الاستعانة به تعالى في سورة الفاتحة في قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قلنا: تمهيد الله لذلك بذكره صفات الربوبية يدل على أن ما تعنيه سورة الفاتحة عن غيره تعالى هو استعانة مربوب بمن يعتقده رباً وإلا فأين أحاديث الحث على إعانة المستعين وعلى التفريج عن المكروبين؟ قالوا: صح أن الدعاء هو العبادة أو مخها، قلنا: صحّ أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلا عقب هذا القول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}، وهذا يدل على أن المخاطبين في الحديث هم المؤمنون وأنّ دعاءهم كان مصحوباً بأقصى التذلل لمن لا ربّ سواه أي أنّ دعاءهم كان مقترناً باعتقاد أنه الرب دون سواه فصار الدعاء بهذه النية عبادة، إذ دعاء العبادة هو ما أحدثه الداعي بنية العبادة لمن اعتقد فيه ربوبية أو صفاتها أو خصائصها، (قال) في الحديث: للعهد الخارجي عند المخاطبين أي الدعاء المعهود عندهم وليست للاستغراق كما توهم الوهابية في استدلالهم بذلك على أنّ الدعاء لذاته هو العبادة ولو لم يقترن بنية العبادة لمن اعتقده رباً، وبعد أن تبينت خطأ القوم وسوء تصورهم لما يدخل في مسمى العبادة وما لا يدخل فيها وضح لك أي إثم يقترف في الحكم على سواد المسلمين الأعظم بالشرك والكفر لدعائهم واستغاثتهم بالأنبياء والصالحين التي لا اعتقاد معها بأن لهم شيئاً من خصائص الربوبية وصفاتها، ونسأل الله السلامة في القول والعمل.
[المفتاح الرابع]: من أسباب غلط الوهابيين في الحكم بالتكفير: قدمنا لك ما فيه الكفاية عن تحقيق معنى العبادة، وأنّ غلط الوهابيين في مفهومها تسبب في تكفيرهم المسلمين بالدعاء للاستغاثة أو الاستشفاع حيث غلطوا فجعلوا كل أمر يؤتى مما يصلح للتعبد به هو العبادة لذاته، ولو لم ينو به الفاعل أو القاتل العبادة به، ولا اتخذ ممن وجه إليه الفعل أو القول رباً أو متصفاً بشيء من صفات الربوبية، ونزيدك اليوم تبصرة في ذلك لكشف بعض ما قد يشتبه عليك أيها المسلم: إنّ الصحابة حيث كانوا يستغيثون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو يستعينون أو يطلبون منه الشفاعة أو يشكون حالهم إليه من فقر ومرض وعاهة وبلاء ودين وعجز وجدب كانوا يعلمون أنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يفعل ذلك بذاته أو بقوته، وإنما يفعله بإذن الله وأمره وقدرته وأنه عبد مأمور وله مقامه وجاهه وكرامته وأنّ الحقيقة هو مجرد سبب من أسباب الإجابة ولا فاعل إلا الله، وكان موقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع السائلين تارة الاستجابة لطلبهم وتارة يخيرهم بين الصبر أو كشف البلاء كما خير الأعمى والمرأة التي تصرع وقتادة الذي أصيبت عيناه، وتارة يقول لهم: إنما يستغاث بالله ويقول لهم: إذا سألت فسأل الله و وإذا استعنت فاستعن بالله، وترة يقول: السيد هو الله، ومرة يقول: أنا سيد ولد آدم، وواضح من اختلاف أجوبته صلى الله عليه وآله وسلم للسائلين أنه كان يراعي حالة السائل حين يسأله فيجيبه بما يقضي فيه رسوخ الاعتقاد أو نقصه حسب ما يظهر له بالوحي أو بقرائن الحال، والسائلون لا يعنون من الطلب منه صلى الله عليه وآله وسلم إلا وساطته بالتوجه إلى الله ليدعو ويشفع، ومع ذلك راعى صلى الله عليه وآله وسلم حالة السائل في الجواب لمن يخشى على اعتقاده، وإرشاداً لغرس اليقين في الله وحده سداً لباب اتكال القلوب على سواه، ولو لم يكن المقصود هو مراعاة حال اعتقاد السائل في الإجابة لما منع صلى الله عليه وآله وسلم من قالوا: ((قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا المنافق))، ([102]) . ولما قال لهم: ((إنما يستغاث بالله ولا يستغاث بي)) لأنّ أحداً حتى الوهابيين لم يمنع الاستغاثة بالحي في مثل ما طلبوه منه صلى الله عليه وآله وسلم وهو رد المنافق الذي تأذوا منه، ومثل هذا من قال ما شاء الله وشئت فأجابه صلى الله عليه وآله وسلم: ((أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله)) ([103]) . مرعاة لحال السائل في سد باب أن يسبق إلى الظن أن يتساوى مع الباري في مشيئته، وإلا فإنه صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الفرق بين المشيئتين حين تنسب إلى الخالق وإلى الخلق ولا يشتبه الأمر عليه حين ورد في القرآن العطف بالواو الذي استنكره على السائل في آيات كثيرة كقوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ}، إذ لا يشتبه معنى أغنى حين ينسب إلى الله وحين ينسب إلى الرسول، وكقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} إذ لا يشتبه ولاية الله بولاية جبريل وصالح المؤمنين، وكقوله تعالى: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} إذ لا يشتبه الفضل حين ينسب إلى الله وحين ينسب إلى الرسول، وكقول الصحابة في كل ما لا يعلمونه: ((الله ورسوله أعلم)) إذ العلم لله هو غير العلم لرسوله، وحسان رضي الله عنه حين يقول: (يا ركن معتمد وعصمة لائذ * وملاذ منتجع وجار مجاور) كان يعلم أنّ الله هو الفاعل لكل ذلك وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو فقط سبب من أسباب ذلك من باب الإسناد المجازي على حد حثه صلى الله عليه وآله وسلم على تفريج كربة المكروب حين يقول ” من فرج عن مؤمن كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ” ومثله حثه على التيسير على المعسر وإعانة المستعين فهو يعلم صلى الله عليه وآله وسلم أن المعين والميسر والمفرج هو الله وليس العبد إلا سبب في ذلك، وهكذا المسلمون ليس فيهم إطلاقاً من يعتقد لأحد مع الله فعل أوترك أو رزق أو نصر أو إحياء أو إماتة فإذا وجدت في كلامهم إسناد الأمر إلى السبب وليس معنى طلب شيء من الوسيلة عند المسلم إلا الطلب منه بأن يتوجه إلى الله ليطلب منه تعالى ويدعوه ويسأله ويشفع عنده، فالمطلوب هو الاستشفاع إلى الله بالوسيلة والمقصود في حقيقة الأمر هو الله، والقرينة الصارفة عن اعتقاد غير هذا اللفظ القائل هو أنه من الموحدين.
ولا يلتبس عليك الفرق بين قول المشركين: هؤلاء شفعاؤنا وبين قول المسلم: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الشافع المشفع فينا، إذ ليس الاستشفاع هنا كاستشفاع المشركين الذين كانوا يعتقدون أنّ شفاعة آلهتهم محتمة القبول عليه تعالى بحكم شراكتهم له في الربوبية كما قال تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}، وأما المسلمون فاعتقادهم الراسخ أنه لا يجب على الله شيء بل كل ما يعطيه هو تفضل منه ورحمة لكرامة عبده عنده، وقد سبق بيان أنه لا معنى لبناء الجواز والمنع في الأقوال والأفعال على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأنّ غير الله لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله، ولوكان لما يقدر عليه وما لا يقدر عليه دخل في ابتناء الجواز والمنع عليه في الحياة لما طلب سيدنا سليمان وهو نبي معصوم من أتباعه عرش بلقيس وهو شيء ليس في قدرة الخلق بحسب العادة، أما بفضل الله وقوته فهو ممكن والله أحضره، ومن باشر الأمر إنما هو سبب من الأسباب.
وكذلك بينا من قبل أنه لامعنى لبناء الجواز والمنع على الحياة والموت لأن المعنى الذي أجيز به الطلب من الأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء والاستغفار، وذلك موجود على أتم وجوهه في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم، فضلا عن سيد المرسلين، وقد سبق بيان ذلك وسيأتي فصل خاص به تحت عنوان ما للموتى من إدراكات … الخ،.
وبكل هذا يتبين كما وضحنا من قبل أنّ الضابط الصحيح للجواز والمنع هو أنه كان العمل أو القول لمن لا يعتقد ربوبيته فليس من العبادة في شيء، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته أو شيئاً من خصائصها كاستقلاله بالنفع والضر بقدرة كن، وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يُعتبر عبادة إن صرف لله، وشركاً إن صرف لغيره، لا فرق بين حي ولا ميت ولا في الحياة الدنيا ولا يوم القيامة، ولدخول الغلط في مفهوم العبادة عندهم تورطوا في التكفير متوهمين أنَّ العبادة هي إتيان العمل الصالح للتعبد به مطلقاً، ولو لم ينوي به العبادة لم يتخذه رباً أو يعتقد فيه شيئاً من خصائص الربوبية، وما يطلق على الخالق والمخلوق من الصفات كالرأفة والرحمة والوجود والعلم والهداية والشفاعة في قوله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أوتيت الشفاعة)) لا يشتبه على المؤمن لأن مدلولات الألفاظ الدالة على ما للخالق تختلف عن مدلولاتها إذا أطلقت على الخلق من حيث الكمال والكيفية والخلق والتسبب اختلافاً كلياً، فتطلق على الإله بما يناسب مقام الحق، وإذا وصف المخلوق بشيء منها فيكون متصفاً بها بما يناسب البشرية محدودة ومخلوقة ومكتسبة بإذن الله وفضله وإرادته لا بقوة المخلوق ولا تدبيره ولا أمره وإنما من الله عليه بها قوة وضعفاً على ما شاء الله تعالى فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إلى المخلوق شركاً لله، فأين وجود حادث قابل للزوال ووجود أزلي أبدي واجب لموصوفه لا مدخل للعدم إليه، وأين علم قليل عارض مكتسب غير مملوك لصاحبه من علم ذاتي واجب أزلي دائم أبدي محيط بما لا يدخل تحت النهايات، وقس على ذلك سائر الصفات.
وحين خاطب حسّان رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته السابق بأنه ركن المعتمدين وعصمة اللائذين وملاذ القاصدين وجار المستجيرين لم يكن يقصد بذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم يشارك الباري في تلك الصفات، بل هي لله بالأصالة، وأما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمجرد سبب فيها من الإسناد المجازي كما تقدم، ولهذا لا ينبغي أن يساء فهم المقصود من بعض الألفاظ التي تصدر من الناس كقولهم: ليس لي ملاذ سوى النبي ولا رجاء إلا هو وإليه يفزع في المصائب، وقولهم: إن توقفت فمن أسأله، فاعتقاد المسلم أنًّ الملجأ والملاذ والمفزع وتحقيق السؤال والمدد كلها إلى الله خلقاً وإيجاداً وأصالة وما نسبتها إلى المخلوق ممن أكرمه الله بحصولها على يده إلا أنه المتسبب فيها بدعائه لربه وشفاعته عنده، وكذلك ليس مراد القائل لتلك الألفاظ هو مشاركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صفاته، بل المراد أنه ليس في الخلق من هو أولى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يلاذ به ويلجأ إليه ويفزع إليه عند الشدائد، ليقوم بالتوسل عند ربه في كشفها كما كان عليه الحال في يوم الهول العظيم على حد قول البوصيري: (مالي من ألوذ به سواك * عند حلول الحادث العمم) فإنّ الأنبياء والخلائق لم يجدوا ملجأ إلا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليشفع لهم في كشف كربهم ففعل وشفع، وهكذا أكثر الألفاظ التي جاءت في قصد المادحين كالبردة وغيرها ليس مقصود أصحابها ولا اعتقادهم مشاركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لربه في صفاته، بل أطلقوها عليه صلى الله عليه وآله وسلم بما يناسب البشرية من كونها محدودة ومكتسبة، فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إلى المخلوق شركاً بالله كما توهم الوهابيون، فأين الخالق من السبب وأين صاحب العلم الذاتي المحيط من علم علمه الله لمن شاء من عباده وأطلعه عليه.
ومما تقدم تعلم: أن من تورط في تفكير المسلمين إنما تورط لأسباب كثيرة منها:
1- السبب الأول: من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو الجهل بمعنى العبادة وعدم تحقيقها ووهمه أنها إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به،ولكنها في الحقيقة هي إتيان العمل أو القول بنية العبادة لمن تعتقد له ربوبية أو خصائصها من تأثير بقدرة كن بالمنع والضر والإعطاء والنفع،أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكته لله في ربوبيته، فلما جهل الوهابيون معنى العبادة أدخلوا في مسماها ما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة واستشفاع وغير ذلك، وكفروا بذلك من فعله ومن طلبه من الأموات منكرين ما أثبتته السنة والإجماع من إدراكات للأموات وقدرتهم على الدعاء والاستغفار، فكما جهلوا كل ذلك عمدوا إلى آيات نزلت في المشركين فحملوها على من هو ممتلئ بتوحيد الله في الربوبية وانفراده باستحقاق العبادة وما هو أهل لله من صفات كماله، وأين من يعتقد فيمن يدعونهم أنهم أرباب ومن يعتقد أنهم أسباب.
2- والسبب الثاني: من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو عدم التفطن إلى الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق ولا اشتباه فيها لأنها تطلق على الخالق بما يناسب مقام الحق وتطلق على المخلوق بما يناسب مقام الخلق فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إليه شركاً بالله.
3- والسبب الثالث: من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو الاستدلال بنهي الرسول عن الألفاظ مع تجاهل ما ورد عنه من إقرارها كما وضحناه، وإن إجابته للسائلين قد اختلفت مراعاة لحالهم مع رسوخ الاعتقاد في الله أو نقصه وقطعاً لباب الاتكال على غيره تعالى.
4- والسبب الرابع من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو التغليب لسوء الظن بالمسلمين فيما يرد على ألسنتهم من ألفاظ لا يقصدون بها إلا الإسناد المجازي، فحملها على حقائقها دون اعتبار القرينة الصارفة عن الحقيقة وهو أنّ القائل من الموحدين ظلم كبير.
5- والسبب الخامس من أسباب التورط في تكفير المسلمين هو أنهم أساؤوا فهم المقصود من بعض الألفاظ التي تصدر من الناس كقولهم “ليس لي ملاذ سوى النبي “، ” وإليه يفزع في المصائب “، و” لا رجاء لي إلا هو ” وأمثالها، فقد توهموا أنها صرف لما هو لله إلى سواه وما عقلوا أنها مقارنة بين الخلق، وأن المراد ليس في الخلق من هو أولى من رسول الله (بأن يلاذ به ويلجأ إليه ويفزع إليه لا المقارنة بينه وبين الله، علاوة على أنّ المراد من هذه الألفاظ هو الإسناد المجازي من إسناد الشيء إلى سببه بالدعاء والتوسل والشفاعة عند الله، هذا وإنه لا يغيب عن فهم الموفق أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين كان يجيب السائلين فيما طلبوه منه من حاجات لم يقل لهم أنّ الأمر لا يحتاج إلى واسطة واشكوا حالكم إلى الله تعالى لأنه قريب مجيب لا حجاب بينه وبين خلقه فتوجهوا إليه بالطلب رأساً ” كما يلبّس بذلك الوهابيون، فالمعلوم أنه وإن كان المدعو أقرب فإن العبرة في قبول الدعاء إنما هي كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.
[المفتاح الخامس]: بعض من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم: ونذكر لك هنا بعضاً مما خصه الله تعالى به صلى الله عليه وآله وسلم من مقامات الاصطفاء: فنحن نعتقد في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سيد الأولين والآخرين والملائكة المقربين والخلائق أجمعين، وحبيب ربّ العالمين، والمفضَّل على الجميع بسائر خلال الخير ونعوت الكمال، وجبت له النبوة من قبل وجود آدم عليه السلام كما في حديث أحمد عن العرباض بن سارية، وأخذ الله الميثاق على الأنبياء بأممهم ويكون شهيداً على الأنبياء وأممهم ويظهر في ذلك الوقت سيدهم وإمامهم وخطيبهم ومبشرهم كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، وقد اصطفي الله أمته على الأمم وجعلهم شهداء عليهم في الآخرة وجعلهم كما في حديث الشيخين شهداء لله في الأرض فمن أثنوا عليه خيراً وجبت له النار وحرمت الجنة على الأمم حتى تدخلها أمته صلى الله عليه وآله وسلم، وهم أكثر أهل الجنة كما في الترمذي عن بريدة أن أهل الجنة عشرون ومائة صنف ثمانون منها من هذه الأمة، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه تعالى سيفدي أمته صلى الله عليه وآله وسلم بغيرها من الأمم، وهم أول من يجوزون الصراط معه صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث الشيخين، اصطفي الله نبيه من خير قرون بني آدم وجعله خياراً من خيار والآمنة به صلى الله عليه وآله وسلم فأمِن به حتى الكافر في الدنيا من عذاب الاستئصال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}
وكما روى البراز بسند صحيح: ((حياته خير ومماته خير تعرض عليه أعمال أمته فإن رأى خيراً حمد الله وإن رأى شراً استغفر لهم))، ([104]) . ويُفصل يوم الهول بشفاعته التي لا يجرأ أحد عليها إلا هو فيقال له ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع، ويلقي من التجلة والإكرام مالم يلقه مَلَك مصطفي ولا نبيُّ مرسل فهو بكل ما ذكر الشفيع يوم القيامة بل إنّ ذاته رحمة وإن لم يشفع فما كان ليعذبهم الله وهو فيهم، فله الشفاعة العظمى وشفاعات غيرها وكما روى الطبراني والحاكم ((لايزال يشفع حتى يعطي صكاكاً برجال دخلوا النار لإخراجهم منها))، ([105]) . وسيرضيه الله في أمته ولا يخزيه، وفي رواية مسلم حين أنذر قومه وأهله حين أخبرهم أنه لا يملك لهم من الله شيئاً قال: ((غير أنّ لي رحماً سأبلها ببلالها))، ([106]) .
فهو صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان لا يملك لأحد من الله شيئاً ولا ضراً ولا نفعاً فإنه قد أوتي من الله الشفاعة، فإن ملكه الله نفع أقاربه وأمته كما سمعت بالشفاعة الخاصة والعامة فلا حجر على فضل الله، وهو حين وعد فوعده صدق وقد وعده الله بالعطية حتى يرضى، وقد تعجل كل نبي دعوته المستجابة واختبأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعوته المستجابة شفاعة لأمته كما في حديث الشيخين، لاطفه ربه فلم يناده باسمه بل: {يأيها الرسول}، {يأيها النبي} وتولى الإجابة عنه صلى الله عليه وآله وسلم {وما صاحبكم بمجنون}، {وما علَّمنَهُ الشعر وما ينبغي له}، {فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنونٍ}، أكرمه الله بالمنبر واللواء والحوض والكوثر والوسيلة والفضيلة والمقام المحمود والشفاعة العظمى وأول من يشفع من يمر على الصراط بأمته وأول من يدخل الجنة، تكفل الله تعالى بحفظه ورعايته وحفظ دينه وكتابه وسلامته من التحريف شأن من كان خاتماً للرسل وباقياً دينه.
ولقد أعطاه الله تعالى المعجزات الكثيرة منها انشقاق القمر والإسراء والمعراج وإحياء الموتى وشفاء العاهات وتبديل الأخلاق والأعيان والصفات وتكليم الجمادات والبهائم، وشهادتها برسالته وطاعتها له وتكثير الطعام والشراب القليل ببركته ونبع الماء من بين أصابعه وتكثيره ببركته ونزول الغيث باستسقائه ودعائه واطلاعه على المغيبات كما أخبر بذلك في خطبة له طويلة رواها الشيخان، ولأن دينه هو رسالة الله الأخيرة وحاجة البشرية كلها وجّه الله قلوب المسلمين إلى تتبع ما يصدر منه من حركة وسكون وأخذ ورد وعادة وعبادة وأقوال وأفعال، وكما قال الشافعي في مقدمة رسالته “جزاه الله عنا أفضل ما جزى مرسلاً عمّن أرسل إليه فإنه أنقذنا به من الهلكة وجعلنا في خير أمة أخرجت للناس، فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت نلنا بها حظاً في دين ودنيا أو دفع بها مكروه فيهما وفي واحد منهما إلا وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم القائد إلى خيرها والهادي إلى رشدها، قال ابن عباس: ما خلق الله نفساً أكرم عليه من محمد وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}، فهذه منزلة ما نالها أحد من العالمين من الأزل إلى الأبد إلا سيد المرسلين، لا يؤمن أحد حتى يكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين.
ومهما كتب الأولون والآخرون في خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم وفضائله ومزاياه وجميل خلقه يعجزوا عن استقصاء ما حباه به ربه، وحسبه صلى الله عليه وآله وسلم تعظيم العلي الأعلى لقدره صلى الله عليه وآله وسلم بما أثنى عليه في كتابه مما أفصح عن جميل ذكره وتعظيم أمره، وجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم، وتحريم نكاح أزواجه من بعده، وحرم رفع الصوت فوق صوته، ونداءه من وراء الحجرات، وندائه باسمه، وأوجب إجابته في الصلاة على من دعاه، وأوجب تقديم الصدقة بين يدي نجواه، وجعله أحد ركني التوحيد، وقرن ذكره بذكره ومحبته بمحبته، وجعل طاعته منوطة بطاعته، وبيعته ببيعته صلى الله عليه وآله وسلم {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}، {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}، {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}، ومما بلغ الذروة في تعظيم الله له صلى الله عليه وآله وسلم شهادة الله وملائكته، فقال الله تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا}، وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} فمن لم يوقره صلى الله عليه وآله وسلم فإنه من الخاسرين الضالين، وللدلالة على فضله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه متبوع لا تابع وإن به يشرف الزمان والمكان وفاته بالمدينة ودفنه بها لينفرد بمحل مخصوص بعيد عن مكة فلا يكون قصد زيارته تابعاً لقصده، بل يكون قصده بالزيارة مستقلاً، روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ((لما كان اليوم الذي دخل فيه صلى الله عليه وآله وسلم أضاء كل شيء فيها فلما كان اليوم الذي توفي فيه أظلم كل شيء فيها)). فنسأله تعالى أن يرزقنا الحب الكامل له تعالى ولنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأن يقينا من الزلات والعثرات.
[المفتاح السادس]: تأديب من لم يوقره صلى الله عليه وآله وسلم ومن ضرب به الأمثال: في هذا الباب أذكر لك إجمالاً مما جاء في رسالة للسيوطي سماها ” تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغنياء ” سبب وضعها أنه سئل عن رجلين تخاصما فنسب أحدهما الآخر إلى رعي المعزى فأكبر الخصم ذلك فقال والد القائل: ” ما من نبي إلا ورعى المعزى”، فبلغ الخبر قاضي القضاة المالكي فقال: لو رفع إليّ لضربته بالسياط، وقال السيوطي: هذا المستدل يعزر التعزيز البليغ لأنَّ مقام الأنبياء أجل من أن يضرب مثلاً، فاعترض عليه بعضهم وقال: لا ملام على القائل في قوله: ما من نبي إلا ورعى المعزى، قال السيوطي: فخشيت أن تتشرب قلوب العوام بهذا الكلام فيكثروا من استعماله في المجالات والخصام، فوضعت هذه الرسالة نصحاً للدين، وإرشاداً للمسلمين وقد ذكر في الرسالة نقولاً كثيرة، فنقل عن القاضي عياض في “الشفاء” أنه قال: “من لم يقصد نقصاً ولا ذكر عيباً ولا سباً ولكنه ينزع إلى ذكر بعض أوصافه صلى الله عليه وآله وسلم، أو يستشهد ببعض أحواله على طريقة ضرب المثل والحجة لنفسه أو لغيره أو على التشبيه به عند هضيمة نالته أو غضاضة لحقته ليس على سبيل التمثيل وعدم التوفير لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، أو قصد الهزل والتنظير كقوله: “إن كذبت فقد كذب الأنبياء أو إن أذنبت فقد أذنبوا أو صبرت صبر أيوب ونحو ذلك ” قال: فإن هذه كلها وإن لم تتضمن سباً ولا قصد قائلها ازدراء وغضباً فما وقر النبوة ولا عظم الرسالة ولا عزّر حرمة الاصطفاء وحظوة الكرامة حتى شبه من شبه في كرامة نالها أو معزة قصد الانتفاء منها أو ضرب مثلاً لتطبيب مجلسه أو إغلاء في وصف لتحسين كلامه بمن عظم الله خطره وشرف قدره وألزم توقيره وبره ونهى عن جهر القول له ورفع الصوت عنده فحق هذا “إن درئ عن القتل ” الأدب وقوة تعزيزه بحسب شنعة كلامه، ومقتضى قبح ما نطق به، ولم يزل المقتصدون ينكرون مثل هذا ممن جاء به، وقد أنكر الرشيد على أبي نواس قوله: (فإن يك باق سحر فرعون فيكم * فإن عصا موسى بكف خصيب) فقال له الرشيد: يا ابن اللخناء أنت المستهزئ بعصا موسى وأمر بإخراجه، ثم قال: وعلى هذا النهج جاءت فتيا مالك في رجل عير رجلاً بالفقر فقال: ” تعيرني بالفقر وقد رعى رسول الله الغنم ” فقال مالك: قد عرض بذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غير موضعه أرى أن يؤدب، ([107]) .
قال عياض: (ولا ينبغي لأهل الذنوب إذا عوقبوا أن يقولوا قد أخطأت الأنبياء قبلنا، ونقل عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لرجل: انظر لنا كاتباً يكون أبوه مسلماً، فقال: كاتب له: قد كان أبو رسول الله كافراً، فقال عمر: جعلت هذا مثلاً فعزله، ونقل عياض عن القابسي أنه لما سئل عن رجل قال لرجل قبيح: كأنه وجه نكير، ولرجل عبوس: كأنه مالك الغضبان قال: في الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء، وإن قصد ذم الملك قتل ونقل عن القابسي أيضاً في شاب معروف بالخير قال لرجل شيئاً فقال له الرجل: اسكت فإنك أُمي، فقال الشاب: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمياً فشنع الناس عليه مقاله وكفروه وأشفق الشاب مما قال وأظهر الندم عليه فقال أبو الحسن القابسي: أما إطلاق الكفر عليه خطأ لكنه مخطئ في استشهاده بصفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكون النبي أمياً آية له، وكون هذا أمي نقيصة فيه وجهالة لكنه إذا استغفر وتاب فيترك لأن قوله لا ينتهي إلى حد القتل ولأن تطوعه بالندم يوجب الكف عنه، قال عياض: وأفتى شيخنا القاضي أبو محمد ابن منصور في رجل تنقصه آخر بشيء، فقال له: إنما تريد نقصي بقولك وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأفتى بإطالة سجنه وشدة أدبه لم يقصد السب، وكان بعض الفقهاء بالأندلس أفتى بقتله) أهـ ([108]) .
كلام القاضي عياض، وأضاف السيوطي: عن ابن ماجه أنّ أبا هريرة قال لرجل: ” يا ابن أخي إذا حدثتك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً فلا تضرب له الأمثال، وكان الرجل قد عارضه بقياس من الرأي “، وعن تاج ابن السبكي: فانظر إلى قول الشافعي فلانة، ولم يبح باسم فاطمة، تأدباً معها رضي الله عنها أن يذكرها في هذا المعرض، وإن كان أبوها صلى الله عليه وآله وسلم قد ذكرها، ونقل عن الحافظ ابن حجر فتوى عما يأتي به بعض الوعاظ في مجالسهم الحافلة ما يذكر من شأنه صلى الله عليه وآله وسلم مما يثير في السامعين حزناً ورقة بحيث يبقى صلى الله عليه وآله وسلم في حيز من يرحم لا في حيز من يعظم كقولهم مثلاً (إن المراضع حضرن ولم يأخذنه لعدم ماله إلا حليمة رغبت في رضاعه شفقة عليه ” ويقولون إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرعى غنماً وينشدون: (بأغنامه سار الحبيب إلى المرعى * فيا حبذا راع فؤادي لم يرعَ)، وفيه ” فما أحسن الأغنام وهو يسوقها “، وكثير من هذا المعنى المخل بالتعظيم فأجاب الحافظ: ينبغي لمن كان فطناً أن يحذف من الخبر ما يوهم في المخبر عنه نقصاً ولا يضره بذلك.
قال وفي “الروض الأنف” للسهيلي بعد أن أورد حديث ((إنّ أبي وأباك في النار)) ما نصه: ” ليس لنا أن نقول نحن هذا في أبويه صلى الله عليه وآله وسلم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ((لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات))، والله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا}، ([109]) .
قال وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب “الصمت” عن مطرف قال: ليعظم جلال الله في صدوركم فلا تذكروه عند قول أحدكم للكلب: اللهم أخزه، ([110]) .
وقال السيوطي: الأدب أن لا تضرب أحوال الأنبياء مثلاً لحال غيرهم، ثم ختم السيوطي كلامه بقوله: ” ورعي الغنم لم يكن صفة نقص في الزمن الأول لكن حدث العرف بخلافه،، فربَّ حرفة هي نقص في زمان دون زمان، وفي بلد دون بلد، ولمثل هذه المواطن لا يحتج فيها بأحوال الأنبياء خشية أن تخرج الكلمة فيها مخرج التنقيص ”
[المفتاح السابع]: ما لأموات المسلمين من إدراكات والقدرة على الدعاء والاستغفار: ثبت بنصوص السنة وإجماع الأمة الحياة ولوازمها لأهل القبور حتى من المشركين كما في نداء قليب بدر فضلاً عن المؤمنين، فضلاُ عن الأنبياء والصالحين والصديقين والشهداء، فضلاً عن سيد المرسلين، ودعوى الخصوصية لأهل قليب بدر بلا دليل، بل مع قيام الدليل على انتفائها غير مسموعة، وبتلك الحياة يحس الميت بالنعيم والعذاب، وقد تواتر ذلك تواتراً معنوياً، واتفق أهل السنة عليه وعلى أنه بالروح والجسد، وبتلك الحياة أيضاً يفعل الأموات ويسمعون ويبصرون ويتكلمون ويتزاورون فيما بينهم ويستبشرون بزيارتهم، ويعلم الميت من حمله ومن غسله، ومن دلاه من قبره كما في حديث أحمد، ويسمع قرع نعال المشيعين إذا انصرفوا، كما في حديث البخاري: ((إنَّ الميت إذا دفن وتولى عنه أصحابه يسمع قرع نعالهم))، ([111]) . وروى الخطيب وابن عساكر والبيهقي وابن أبي الدنيا: ((أن الميت يسر بزيارة قبره والجلوس عنده ورد السلام عليه)) كما روى ((حسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم))، ([112]) . وروى الديلمي: ((إن الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته)) ([113]) .
أى يؤذيه ما يبلغه عن الأحياء، وفي الألفاظ الواردة في السلام على أهل القبور دلالة على ذلك نحو قول الزائر: ” السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر ” أخرجه الترمذي وحسنه، ([114]) .وما ورد في صحيح مسلم بلفظ: ” السلام عليكم دار قوم مؤمنين،، ” ([115]) .
فلولا صحة سماع الميت لم يكن لهذا الخطاب معنى، وبالإجمال يعلم الأموات بأعمال الأحياء وأحوالهم ويتأذون بما يبلغه عنهم من سوء، ويدعون لفاعل الخير بالثبات، ولفاعل الشر بالهداية والرجوع إلى الطاعة، وفي كتاب “الروح” لابن القيم فصول فحواها “أنه قد تواترت الرؤى والروايات بأن لأهل القبور قدرة على التصرف بأقوى مما كانوا في الحياة لتجرد الروح عن عوائق البدن ([116]).
وفي “إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء “” اللمعة في الأجوبة السبعة” المتعلقة بالأرواح و” تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك ” وكلها للسيوطي ما فحواه “إنه مقطوع للأنبياء بأنّ لهم ولسائر الموتى جميع الإدراكات كالعلم والسماع والبصر والقدرة على التصرف والترائي للأحباء ([117]) .
وقد تواترت الأخبار بوقائع ترائية صلى الله عليه وآله وسلم يقظة ومناماً لكثير من الخاصة وحضوره في المجتمعات التي يريد “، ونقل السيوطي عن مؤلفات مختلفة نحو عشرين حالة استشهد بها لمن رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة أو صلى معه أو صافحه أو ردّ عليه السلام أو حظى منه بالدعاء، أو تشرف بالحديث معه، أو اقتبس منه فوائد أو كلفه بقضاء أمر، أو شاهده يتصرف أو يغيث من استغاث به أو حظي بغير ذلك من العنايات”، وحياة الأنبياء كحياتهم في الدنيا بالجسد والروح بهيئتهم التي كانوا عليها قبل الوفاة، ولا يلزم من ذلك تشابه الأبدان في نوع ما تحتاج إليه من طعام وشراب وخروج فضلات، وقد ثبت في السنة حياتهم وأنهم طريون،كما ثبت صلاتهم في قبورهم، وكذلك حجهم، فقد أخرج مسلم عن أمس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أسري به مر بموسى عليه السلام وهو يصلي في قبره، ([118]) .
وأخرج أبو يعلى في مسنده والبيهقي في كتاب “حياة الأنبياء” عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون))، ([119]) .وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن سعيد بن المسيب أنه قال: لقد رأيتني ليالي الحرة وما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غيري وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان من القبر، ([120]) .
وقال أبو بكر البيهقي في كتاب “الاعتقاد”: ” الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، وقد رأى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم جماعة منهم وأمهم في الصلاة وأخبر وخبره صدق أن صلاتنا معروضة عليه وأن سلامنا يبلغه، وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء”، ([121]) .
وفي رواية البراز بسند صحيح مرفوعاً: ” حياتي خير لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شراً استغفرت لكم “، ([122]) .
وقد وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طائفة شاهدهم بصفات تستدعي جسداً حياَ كمشاهدتهم قائمين مصلين، ومشاهدة إبراهيم أشبه الناس به ومسنداً ظهره إلى البيت المعمور، ومشاهدته موسى آدم طوالاً كأنه من رجال شنوءة، ومشاهدته عيسى فوق الربعة ودون الطول عريض الصدر ظاهر الدم جعد الشعر تعلوه صهبة كأنه عروة بن مسعود الثقفي يقطر رأسه كأنما أخرج من ديماس، وكمشاهدته الأنبياء حاجين ملبين في الطريق بين مكة والمدينة واضع موسى أصبعيه في أذنيه وله جؤار بالتلبية، ورأى يونس على ناقة حمراء وعليه جبة صوف ملبياً، وإذا كان قدر الأنبياء والصالحين والشهداء والصديقين لم يسقط عند ربهم بانتقالهم من دار العمل والتكليف إلى دار الجزاء والتشريف، وثبت حياتهم بأكمل وجوهها بنصوص السنة وإجماع الأمة، ولهم قدرة على الدعاء والاستغفار والشفاعة عند مولاهم، فمن المكابرة إنكار ما تواتر من ظهورهم في صور متعددة لمن شاء الله أن يراهم أو يرونه، وقد ثبت في حديث المعراج وحضورهم إلى بيت المقدس للصلاة خلفه صلى الله عليه وآله وسلم واعلم أن عبادتهم في قبورهم لا يحصل بها ثواب لانقطاع ثواب عمل الميت بالموت، وإنما يتنعمون بذكر الله وطاعته وعبادته كما يتنعم بذلك الملائكة، وما يهوش به الوهابيون من نفي السماع عن الموتى بقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} يكفي في بيان سوء فهمهم لمعنى الآية ما ذكره ابن القيم فيها في كتاب “الروح” فإنه قال: ” سياق الآية يدل على أنّ المراد منها أنّ الكافر الميت القلب لا تقدر على إسماعه إسماعا ينتفع به كما أن من في القبور لا تقدر على إسماعهم إسماعا ينتفعون به ولم يرد سبحانه أن أصحاب القبور لا يسمعون شيئا البته،، ([123]) .
إلخ، كلامه، وما قاله مطابق للسان العرب الذي نزل القرآن به فالمعنى ما أنت بمنقذ الكفار المعاندين لشبههم بأهل القبور من النجاة في قيام المانع من النجاة، فمانع من النجاة، فمانع نجاة الكفار هو الإصرار على الكفر ومانع أهل القبور هو فوات زمن التوبة، ومن جعل وجه الشبه هو السماع الحقيقي فقد استعجم لسانه لأن وجه الشبه لابد أن يتحقق في طرفي التشبيه وسماع الأحياء حساً ليس منفيا عنهم وجه الشبه فيهم لو كان المراد هو السماع الحقيقي،
[المفتاح الثامن]: ما زعم الوهابية أنه تعلق منكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وشرك وإبطال ذلك: [تمهيد]: اعلم أن المحدثين قد عنوا بجمع خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم وألفوا فيها كالسيوطي وغيره، بل لا يخلو كتاب من كتب الفقه المبسطة في جميع المذاهب من عقد باب خاص للخصائص، ويجعلون ذكر ذلك غالباً في كتاب النكاح لأن جزءا منها يتعلق بذلك، ومن الخصائص التي ذكرت ما صح سنده وما لم يصح ومنها ما اختلف فيه في الحكم بالصحة أو الضعف، والعلماء عادة يتسامحون في نقل ذلك لعدم تعلقها بالحلال والحرام ما دام ليس موضوعاً ولا فيه شيء من إثبات صفات الربوبية والألوهية إليه صلى الله عليه وآله وسلم ومن حكم بالصحة أو الضعف أو الرد بفرض خطئه في ذلك فإنه لا يوصف بأكثر من أنه أخطأ الحكم على الحديث صحة أو ضعفاً أورداً ولا علاقة لذلك للحكم بالكفر والضلال والشرك أو المبالغة في الإنكار والتهويش، وفي ” فتاوي ابن تيمية ” أمور في الخصائص لم يصح خبرها عنده ومع ذلك أوردها ولم ينقدها أسوة بالعلماء من التسامح فيما ينتقل في هذا الباب، ففي كتابه “دلائل النبوة ” أورد آثاراً عن كتابه اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على العرش وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق، ([124]) .
وكذلك ابن الجوزي أورد في كتابه ” وفاء الوفاء” أنه تعالى كتب على ساق العرش محمد رسول الله،وأنه تعالى خلق الجنة فكتب اسمه صلى الله عليه وآله وسلم على العرش، وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق والخيام وآدم بين الروح والجسد، ([125]) .
كما أورد أن آدم استشفع بعد الزلة برسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينقد شيئا من ذلك دليلاً على التسامح فيما ينقل في هذا الباب، وهكذا الفقهاء ذكروا خصائص دون تشديد في النقد، و لعل الوهابيين ينقدونهم ويصفون كتبهم بأنها كتب أساءت إلى الإسلام في عقيدته وشريعته كما في صـ 18في كتاب الحوار نقلا عن هيئة كبار العلماء في المملكة كما لقبوا، ومما ينبغي الإشارة إليه أنّ أدعياء السلف من المتطرفين يعتبرون كثيرا مما روي من خصائصه شركاً لما فيها من تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لغلطهم في معنى العبادة والشرك كما شرحناه سابقاً، ولأنهم ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعين البشرية المحضة التي نعاها الله على المشركين حيث نظروا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنظرية البشرية المجردة فيهم دون ما يميزهم من الخصائص عن سائر البشر فقال قوم نوح: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا} وقال فرعون وقومه: {فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} وقالت ثمود لصالح: {مآ أنت إلا بشر مثلنا}، وقال أصحاب الأيكة لشعيب: {قالوا إنما أنت من المسحرين * مآ أنت إلا بشر مثلنا}، وقال مشركو قريش في حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}، ولنظرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعين البشرية المحضة استكثروا في حقه بعض ما وصف به من الخصائص فهوشوا بوصفه بها لا سيما في الألفاظ التي يوصف بها الخالق لأنهم لم يميزوا بين مدلولات الألفاظ ومعانيها حيث تطلق على الخالق ومعانيها ومدلولاتها حيث تطلق على الخلق وقد وضحنا ذلك في مبحث “من أسباب غلط الوهابيين في الحكم بالتكفير “، وقد سموا ذلك تعلقا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أطلقوا عليه أنه منكر وأنه شرك ووصفه صاحب الحوار :أنه شرك أعظم من شرك أقطاب المشركين، ([126]) .
وسنسرد لك أيها المسلم هذا التعليق في فقرات ونعلق على كل فقرة بما يكشف ما فيه:
1 – إيراد مؤلف الذخائر نقولاً نثرية وشعرية فيها الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستجارة به ونداؤه لطلب الشفاعة منه وألفاظ تشعر بأن إليه الفزع والملاذ عند الكرب كما جعلوا من هذا القبيل إيراده قصيدة البكري (فلذ به من كل ما تشتكي * ولذ به كل من ما ترتجي * وحط أحمال الرجاء عنده فإنه المرجع والموئل) وكلمات من أمثال هذه الكلمات، وأقول: أنه لا خلاف بين المسلمين أن التصرف والغوث وقضاء الحوائج وتفريج الكربات وما اشبه ذلك هو لله وحده خلقاً وإيجاداً استقلالاً بقدرة كن، وما ينسب إلى العباد من تلك الألفاظ فهي نسبة مجازية، كما تقول: فلان فرج كربي وقضي حاجتي ولا تعني به حتي عند اجهل جاهل أن فلاناً هو الفاعل، بل هو سبب من الأسباب يدعو الله فيستجيب له ويفعل ما طلب وهذا عطاء من الله 0 وقد وضحنا فيما سبق أن الألفاظ المشتركة لا تشتبه 0 وفي الحديث الصحيح القدسي: ((لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها))، ([127]) .
فإذا طلب المسلم الغوث من الولي أو نسب إليه تصرفاً فلا يعني أن له استقلالاً بالنفع والضر كما هو شأن الرب المعبود وإنما يعني أنه سبب في ذلك العطاء من الله، ودعوى أن طلب الاستغاثة والاستعانة وأشباهها من غيره تعالى شرك فهي دعوى مبنية على غلط بينته في رقم (5) بعنوان غلط تصورهم لمعنى العبادة وأنها ليست اتيان العمل الذي يصلح للتعبد به كما توهموا بل العبادة إتيان العمل أو القول بنية العبادة لمن تتخذه ربا وهكذا كان مسلك المشركين، إنهم كانوا يأتون الأعمال التي تصلح للتعبد بها بنية العبادة لمن اتخذوه ربا وما خلا من نية العبادة لا يقال: إنه عبادة لله ولا لغيره، وقد سبق بيان أنه لا علاقة لقول المشركين {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفي} وقولهم: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} بما يطلبه المسلمون من الأنبياء والصالحين، ففرق بين من اتخذ من وجه إليه القول ربا ومن اعتقد أنه سبب وفرق بين جعل الشفاعة محتمة القبول عليه تعالى بمقتضى شراكتهم له في الربوبية ومن اعتقد أن قبولها بمحض فضل الله لكرامة عبده عنده، والغريب أن القوم يجيزون الاستغاثة والاستعانة بالأحياء بينما سبق بيان أن التفرقة بين الحي والميت وبين ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لامعنى لها لأن التوسل إنما يرجع إلى اعتقاد بقاء فضلهم ومقامهم عند الله حتى بعد موتهم، وكذلك قدرتهم على الدعاء حتى بعد الموت كما تقدم بيانه في فضل ما لأموات المسلمين من إدراكات وقدرة على الدعاء والاستغفار رقم (10)، وأما ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه فهو إغراق في الخروج عن الجادة لأن أهل السنة يعتقدون أن غير الله لا يقدر على شيء استقلالا ولم يشذ عن ذلك إلا المعتزلة وأشباههم الذين قالوا بخلق العبد لأفعال نفسه الاختيارية، وسيدنا سليمان قد طلب من أتباعه إحضار عرش بلقيس من اليمن وهو أمر لا يقدر عليه عادة ولكنه بفضل الله ممكن، فما يرد من ألفاظ في باب الاستغاثة فإن كان الفاعل يعتقد في المستغاث به حيا أو ميتا نفعا أو ضرا استقلالا وتأثيرا دون الله فذلك هو الشرك وإلا فإن الأشياء تنسب إلى فاعلها حقيقة وإلى المنتسب فيها مجازا وقرائن الحال والمقام تبين مقاصد الكلام.
2- ومما أنكروه على كتاب ” الذخائر”: نقله الصلاة المعروفة اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تنحل بها العقد وتنفرج بها الكرب ” ونقله كذلك لعبارة: ” كل شيء به منوط إذ لولا الواسطة لهلك الموسوط ” و نقله صلاة الفاتح لما جاء فيها من قوله: ” الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ” ونقله كذلك صلاة ابن مشيش لما فيه من قوله: (زج بي في بحار الأحدية وأنشلني من بحار التوحيد)
وأقول: أما قوله: تنحل بها العقد وتنفرج بها الكرب 0 فقد بينا المراد بها في الفقرة الأولي من هذا الفصل، وأن قضاء الحوائج وتفريج الكربات إنما هي بالله، وأن نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي نسبة مجازية ولا تعني أنه الفاعل، بل هو سبب من الأسباب فارجع إلى ما كتب في الفقرة الأولى عما يتعلق بذلك 0 وأما عبارة: (كل شيء به منوط) فإنكارها سوء فهم لأنه لا يراد بها ألا أن من لم يحكم المبلغ عن الله في كل أموره هلك لأنه الواسطة إلى الله في التبليغ لا يتم الوصول إليه، وأما قول ابن مشيش: زج بي في بحار الأحدية وأنشلني من أوحال التوحيد، فهل التوحيد إلا اعتقاد أنه تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، واستحقاقه العبادة فهو يسأل الله أن يرزقه التحقيق بمعرفة الأحدية كما يسأل أن يحميه تعالى وينقذه ما يعتري الكثيرين من أغلاط في شهودهم الأحدية فشطح من شطح بالقول بالوحدة والاتحاد، وأمثال ذلك مما يعتري طريق السالكين فيكشف الله لمن شاء حقيقة الأمر وينقذه مما خيل إليه أنه التوحيد، وما كان لابن منيع وأمثاله أن يتكلم في هذا الأمر وهو يجهل معنى السلوك وطريقه: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا}، وأنهم يحسنون فقط شتم أرباب الطرق، ولو سألوا كثيرا من الشعوب الإسلامية لعلموا أن الإسلام إنما دخل إلى بلادهم على يد هؤلاء ولأنهم بهذا الشتم بالتكفير والتشريك قد حولوا نيجريا بملايينها المسلمة إلى التحول عن الدولة وفتح ذراعها للخميني فمرحى للتنفير باقتحامهم ما لا يحسنون، وأما صلاة الفاتح فنصها: ” اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق،والناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه حق قدره ومقداره العظيم “، وقد نسبها النبهاني كما نقله عن ” مسالك الحنفاء في الصلاة على النبي المصطفي ” للشهاب القسطلاني إلى الشيخ محمد شمس الدين البكري، وقد اعترض ابن منيع على ما جاء في الصيغة ” الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ” وسماها صلاة الفاتح المغلق تهكما، والمعنى الذي جهله في هذه العبارة هو أن باب النبوة كان مغلقا قبل وجود الخلق ففتح بمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ كان أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث، وقد جاء في سنن الترمذي وغيره قيل: يا رسول متى وجبت لك النبوة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد)([128]) وصيغ الصلوات عليه صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة منها ما هو مأثور عنه صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها ما هو منقول عن الصحابة والتابعين، وكثير ممن نسبوا إلى الولاية وأجمع كتاب للصيغ الواردة والمأثور وهو كتاب ” سعادة الدارين في الصلاة على سيد الكونين ” للشيخ العارف يوسف النبهاني رحمه الله.
3- ومما أنكروه على كتاب ” الذخائر “: إيراده لألفاظ تشعر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أوتي مقاليد السموات والأرض، وأنه أوتي علم الغيب حتى الروح والخمس التي اختص الله بها.
وأقول اولا: مقاليد السموات والأرض للمفسرين في المراد بها روايات كثيرة وهي إن كانت بمعنى التصرف أو بمعنى مفاتيح خزائنها فكيف تصح دعوى أنه قد جعل صلى الله عليه وآله وسلم بذلك شريكا لله مادام الأمر إيتاء وعطاء، وكل ذلك لله إيجادا وملكا وتصرفا، وقد جاء في حديث أحمد وابن حبان والضياء عن جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أوتيت مقاليد الدنيا) ([129]) .
كما روى ابن مردويه عن ابن عمر كما في ” الدر المنثور ” أنه صلى الله عليه وآله وسلم ” قال: رأيت في غداتي هذه كأني أوتيت بالمقاليد والموازين، ([130]) .
فأي منازعة للربوبية فيما أعطى والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا حظر عليه، وهب أن الأحاديث لم تصح عندكم فقصاري الأمر أن يقال إن ذلك غير ثابت لا يعتبر شركا ومنازعة للربوبية، إذ لم يدع أحد أن سواه تعالى يملك التصرف في شتى استقلالا بقدرة كن، وحتى حين يعطي فاعتقاد المسلمين أن خالق ومالك ومتصرف والمخلوق سبب فلا تتهور بتكفير المسلمين، ثانيا: علم الغيب: يجب التمييز فيه بين علم الله الذاتي وبين العلم بعد التعليم، فإذا أطلق على الخالق أنه يعلم الغيب وعلى المخلوق أنه يعلم _ وهناك فرق بين العلمين بما هو للخالق منه وما للمخلوق منه _ لم يشتبه عليه الأمر، فما كان غيبا عنا لا حجر على الله أن يعلمه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ومن شاء، والقائل عز وجل: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} هو القائل تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول} وهو القائل: {وإنه لذو علم لما علمنه} وهو القائل: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك}، وأحاديث إ خباره صلى الله عليه وآله وسلم بالمغيبات شهيرة وكثيرة ومنها ما ورد في أحاديث الشيخين وغيرهما عن عدد من الصحابة من خطبته صلى الله عليه وآله وسلم التي أخبر فيها بما هو كائن إلى يوم القيامة، وأنه قد سمي قادة الفتن إلى انتهاء الدنيا ما من قائد فتنة يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لهم باسمه واسم أبيه واسم أبيه وقبيلته، وفي حديث الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((فرأيته عز وجل وضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت)) ([131]) .صححه البخاري وكثير من الأئمة، ومن حديث الترمذي أيضا عن ابن عباس: ((فعلمت ما في السموات والأرض)) ([132]) .وفي رواية: ((فعلمت ما بين المشرق والمغرب)) ([133]) . وقال تعالى: {وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين}، فهل كل ذلك مدون في اللوح أم لا، لتعلم أن ما أنكره ابن منيع على البوصيري في قوله: ” ومن علومك علم اللوح والقلم ” هو تهويش في غير محله مادام صلى الله عليه وآله وسلم بنص الحديث السابق قد علم ما في السموات والأرض، وعلم اللوح هو غير علم الله الأزلي يعلم ذلك من راجع كلام المفسرين عند قوله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} وحينئذ يعلم أن علم اللوح هو القضاء المعلق القابل للتغيير والتبديل، بخلاف علم الله الأزلي، فلا تبديل ولا تغيير فيه فلا مانع أن يكشف الله من اللوح ما شاء من الملائكة والرسل بل ومن الصالحين أيضا، ومهما أوتي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو سواه من علم الغيب فأين ذلك من علم لله ذاتي أزلي أبدي محيط غير مخلوق من علم للمخلوق حادث مكتسب بتعليم من الله محدود جائز الفناء أن يطرأ عليه التغير والتبديل، ثالثا: الروح: وفيه قوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي}.
وقد اختلف السلف في تفسير المراد بالروح إذ حكى ابن كثير في تفسيره أقوالاً في ذلك وحتى على تفسيرها بأن المسؤول عنه هو روح بني آدم وحقيقتها فليس في صيغة الجواب ما يمنع اطلاع الله نبيه على حقيقتها كما قاله الحافظ ابن حجر والحافظ في شرحيهما على البخاري في كتاب التفسير 0 وقال ابن كثير: (قد تكلم الناس في ماهية الروح وصنفوا في ذلك كتباً) اهـ ([134]) .
0 وممن ألف فيها ابن القيم 0 فهل العلماء الذين تكلموا وصنفوا فيها قد أتوا بما تستحيل معرفته على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أن يتهمهم إنسان بأنهم تكلموا عنها رجماً بالغيب وهذا الاتهام لا يصدر من حاظ بعلقه، رابعاً: علم مفاتيح الغيب الخمس: وفيها قوله تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غداً وما تدرى نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير}، وفي الحديث ((خمس لا يعلمهن إلا الله)) ([135]) .
وذكر تلك الخمسة، وليست المغيبات محصورة في هذه الخمس وإنما خصت بالذكر لوقوع السؤال عنها ولأنها كثيراً ما تشتاق النفوس إلى العلم بها كما قال الآلوسي في تفسيره، فاستئثار الله بعلمهما لا يمنع أن يطلع الله بعض الخواص عليها فإن العلم غير الإعلام ولا سواء بين العلمين، فعلم الله ذاتي محيط وعلم من علمه الله دون ذلك ومكتسب، قال تعالى: {وبشروه بغلام عليم} ([136]) وقد أخرج البخاري عن أنس أنه تعالى وكل بالرحم ملكا يقول: يارب نطفة، يارب علقة، يارب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقه قال أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد في الرزق والأجل فكتب في بطن أمه فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء من خلقه، ([137]) .
وبشر جبريل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن في بطن مارية غلاما، قال وأمرني جبريل أن أسميه إبراهيم كما في الطبراني في الكبير وابن عساكر عن عبد الله بن عمر، وكذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم الفضل بأنها حامل بغلام كما أخرجه الخطيب وأبو نعيم في الدلائل فلما ولدته سماه عبد الله وهو عبد الله بن عباس، وكذلك أخبر أبو بكر عائشة الصديقة بأن ترد ما نحلها من ماله بالغابة، وقال: إنما هو أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله قالت عائشة: يا أبت إنما هي أسماء فمن الأخرى فقال ذو بطن بنت خارجة أراها جارية، وكذلك أمر الغيث فإنه إذا أمر تعالى بالغيث وسوقه إلى ما يشاء من الأماكن علمه الملائكة الموكلون به ومن يشاء من خلقه، وعن ابن عباس قال: أصابتنا سحابة فخرج علينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن ملكا موكلا بالسحاب اخبرني أن يسوق السحاب إلى واد باليمن يقال له: ضرع ، فجاءنا راكب بعد ذلك فسألناه عن السحابة فأخبروه أنهم مطروا في ذلك اليوم، ([138]) . وللحديث شاهد مرسل عن بكر بن عبد الله المزني، ويوسف الصديق رضي الله عنه أخبر أهل مصر بالخصب سبع سنوات، ثم بالجدب سبع سنوات، ثم بعام بعد ذلك فيه الغوث، والمقصود من ذكر كل هذا أن استئثار الله بعلم الخمس وبالروح وبسائر المغيبات لا يتنافى مع إطلاع الله بعض خلقه على ما شاء من ذلك مثل ما اطلع،، ملك الرحم وملائكة الغيب وصفوة من عباده كما رويناه لك، ودلت الأحاديث على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلم أن وفاته بالمدينة كما كان يعلم موضع مصرع كل من قتل في بدر من المشركين.
4- ومما أنكروه على كتاب ” الذخائر “: أنه قد نقل من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم وفضائله أنه يقطع أرض الجنة وأن الخلق ما خلقوا إلا لأجله.
وأقول: (أولا): إقطاع أرض الجنة: منقول عن السيوطي والقسطلاني والزرقاني والسبكي ونقله القاضي ابن العربي عن الغزالي وأقره، انظر المواهب اللدنية وشرحها للرزقاني، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بشر بعض الناس بدخول الجنة أو بشيء معين فيها وفي حديث أبي داود عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: {أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه}، وفي ” الترغيب والترهيب ” للمنذري، و” رياض الصالحين ” للنووي، وكتاب ” الروح ” لابن القيم، الكثير من هذه البشارات، وما بشارته صلى الله عليه وآله وسلم في الحقيقة إلا تبليغ عن الله وعطاء منه تعالى، وبشارته صدق ووعده حق ولن يخزيه الله في وعد قطعه {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا}، {ولسوف يعطيك ربك فترضى}، و(لن يخزيك الله في أمتك) “ ([139]) .
ومن الصريح في الإقطاع ما رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي في الشعب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” يوضع للأنبياء منابر من يجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه قائما بين يدي ربي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي من بعدي فأقول: ((يارب أمتي أمتي، فيقول الله عز وجل: يا محمد ما تريد أن أصنع بأمتك فأقول: يارب عجل حسابهم فيدعى بهم فيحاسبون، فمنهم من يدخل الجنة بشفاعتي، فما أزال أشفع حتى أعطي صكا برجال قد بعث بهم إلى النار وحتى أن مالكا خازن النار يقول: يا محمد ما تركت لغضب ربك من أمتك من نقمة، ([140]) .
وهل لا يعني إعطاءه صكا برجال لإخراجهم من النار إنهم قد أعطوا أمكنة في الجنة بسببه عليه الصلاة والسلام، وفي هذه الحالة ألا يصح أن يقال أن رسول الله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أقطعهم أرضا في الجنة باعتباره المتسبب في إعطائهم إياها من الله كرامة لرسول الله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
(ثانيا): الخلق ما خلقوا إلا لأجله: فقد عد العلماء ذلك من جملة خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم كالحافظ السيوطي والقسطلاني والزرقاني وغيرهم، أخرج الحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لما اقترف آدم الخطيئة قال: يارب بحق محمد لما غفرت لي، قال: كيف عرفت محمدا؟ قال لأنك لما خلقتني بيديك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله: محمدا رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك قال: صدقت يا آدم ولولا محمد ما خلقتك))، ([141]) . وأخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((أوحى الله إلى عيسى آمن بمحمد ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه لا إلا الله محمد رسول الله فسكن))، ([142]) .
وروى ابن عساكر عن سلمان رضي الله عنه قال: ((هبط جبريل على النبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن ربك يقول: إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا فقد اتخذت حبيبا، وما خلقت خلقا أكرم على منك ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي ولولاك ما خلقت الدنيا))، ([143]) .
حديث الحاكم عن ابن عمر بن الخطاب قال فيه الحاكم: هذا الحديث صحيح الاسناد، وقال الذهبي: هو موضوع، وأخرج الحديث البيهقي في ” دلائله ” الذي شرط ألا يخرج فيه الموضوعات، والذي قال فيه الذهبي ” عليك به فإنه هدى ونور ” وكذلك أخرج الحديث الطبراني في الصغير، وأبو نعيم في ” دلائل النبوة ” وابن عساكر وصحح الحديث السبكي في” شفاء السقام “، وذكره ابن تيمية في فتاويه وقال: ” هذا الحديث يؤيد الذي قبله وهما كالتفسير للاحاديث الصحيحة ونقل ابن كثير في بدايته هذا الحديث ولم يعترض عليه، أما حديث الحاكم عن ابن عباس فقال فيه الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد وقال الذهبي: اظنه موضوعا، وروى هذا الحديث محمد بن يوسف الشامي في ” سيرته ” وقال: رواه أبو الفتح في طبقات الأصفهانيين ” والحاكم وصححه وأقره السبكي والبلقيني في فتاويه، قال: ورواه الديملي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله يقول: لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار))، ([144]) .
ومن كل ما ذكر نرى أنه قد صحح أحاديث هذه الخصوصية على العموم الحاكم والسبكي والبلقيني والقسطلاني والزرقاني وأخرجهما البيهقي والطبراني وأبو نعيم وجعلهما ابن تيمية صالحة للاعتبار ورواها ابن كثير ولم يعترض عليها وكذلك نسبها الشامي في ” سيرته ” إلى أبي الشيخ والديملي، فحكم الذهبي عليها بالوضع ليس بأولى من رأي هؤلاء الذين صححوها والذين رووها، ثم بعد هذا كله لم الغضب وليس في الحديث انتزاع لحق من حقوق الربوبية أو الألوهية بل إنه تشهد شواهد كثيرة على أنه لا غرابة في خلق شيء لأجل البشر، فقال تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعا}، {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار}، فأثبت الله أن كل هذه قد خلقت لأجل البشر تكريما لهم، وقد وقع من نوع هذا التكريم لأفراد هذه الامة وغيرهم فالله سبحانه يغفر لهذا من أجل هذا، ويدفع العذاب عن أهل أرض بالصالحين وجاء في الأحاديث أن من عباده من لأجله يرزق أهل الأرض وينصرون على أعدائهم ويصرف بهم البلاء والغرق ويحفظ بهم الأرض، وبهم تقوم وبهم يمطر الناس، وفي كتاب ” الترغيب والترهيب ” للمنذري و” مجمع الزوائد ” الشيء الكثير من هذه الأحاديث وأمثالها مع اعتقادنا الكامل بأنهم أسباب فقط أما الحقيقة فكل هذه الأمور بيد الله وهو فاعلها، وإزاء وجود هذه الأمور من أجل البعض فأي غرابة أن يقال: أن الكون خلق من أجل محمد، لا سيما وأنه قد قال بهذه الخصوصية له صلى الله عليه وآله وسلم رجال من أئمة هذه وحفاظها، وأخرجوا فيها أحاديث وصححها الكثير منهم وحاشا أن يقولوا ذلك عن هوى، وهب أن هؤلاء كلهم قد غلطوا في التصحيح، وأصاب الذهبي في الحكم عليها بالوضع، فلمنكر الخصوصية أن يقول: إن الحديث لم يصح عليها بالوضع، فلمنكر الخصوصية أن يقول: إن الحديث لم يصح فيها ولكن لا يصل الحال إلى أن يقال عن التمسك بها بناء على تصحيح الحديث من أئمة حفاظ أنه أتى ضلالا، واعتقد شركا ومنكرا طالما أن هذه الخصوصية لا تدل على أي مشاركة لله في صفاته أو استحقاقه للعبادة.
5- ومما أنكروه على كتاب ” الذخائر “ نقل مؤلفه عن طائفة من العلماء تفضيل ليلة مولده صلى الله عليه وآله وسلم على ليله القدر وتفضيل موضع دفنه على الكعبة والعرش.
وأقول: تفضيل ليلة مولده على ليلة القدر: قال القسطلاني: المفاضلة هي بين ليلة القدر وبين ليلة المولد الحقيقة التي فيها لحظة ميلاده لا ليلة المولد المتكرره في كل عام، والمفاضلة مبينة على أن ليلة القدر كانت بطلب منه صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى قصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار الأمم السابقة فأكرمه الله بليلة القدر، قال القسطلاني: ليلة مولده أفضل لأنها ليلة ظهوره وليلة القدر معطاه له، وما شرف بظهور ذاته أشرف مما شرف بما أعطي، ولأن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها وليلة المولد شرفت بظهوره فيها، ولأن ليلة القدر وقع التفضل بها على أمة محمد وليلة المولد وقع التفضل بها على عمت النعمة به جميع الخلائق وسائر الموجودات، ([145]) .
وعلى كل الأحوال فهذا رأي معلل بحيثيات يحتمل الخطأ والصواب وذلك أمر لا يوجب تكفيرا ولا تضليلا إذ ليس فيه دعوى مشاركة الربوبية في شيء، وأما تفضيل موضع دفنه على الكعبة ففي ” بدائع الفوائد ” لابن القيم “قال ابن عقيل: سألني سائل أيما أفضل حجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الكعبة؟ فقلت: إن أردت مجرد الحجرة فالكعبة أفضل وإن أردت وهو فيها فلا والله ولا العرش وحملته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة لأن بالحجرة جسدا لو وزن بالكونين لرجح ” ([146]) .
ولم يعلق ابن القيم على الفتوي بشيء، وفي فتاوي ابن تيمية: ” أما نفس محمد فما خلق الله خلقا أكرم عليه منه، وأما نفس التراب فليس أفضل من الكعبة ولا يعرف أحدمن العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا عياض “ ([147]) .
قلت: توفي عياض سنة 544، وتوفي ابن عقيل الحنبلي قبله في عام 513 وقد أقر عياض على أفضلية قبره صلى الله عليه وآله وسلم الخفاجي شارح الشفا وقال: بل أفضل من السموات والعرش والكعبة، وقد حكى عياض والباجي وابن عساكر على أن أفضل البقاع الموضع الذي ضم أعضاءه الكريمة حتى من الكعبة لحلوله فيه، بل نقل التاج السبكي عن ابن عقيل الحنبلي أنه أفضل من العرش وصرح الفاكهاني بتفضيله على السموات، بل قال البرماوي: ” الحق أن مواضع أجساد الأنبياء وأرواحهم أشرف من كل ما سواها في الأرض والسماء “،، قال الزرقاني: أفضل تلك المواضع القبر الشريف بالإجماع وقال: واستشكله العز بن عبد السلام بأن معنى التفضل أن ثواب العمل في إحداهما أكثر من الآخر … وموضع القبر الشريف لا يمكن العمل فيه لأن العمل فيه محرم وفيه عقاب شديد، ورد عليه تلميذه الشهاب القرافي بأن التفضيل للمجاورة والحلول وليست أسباب التفضيل محصورة في الثواب بل أسباب التفضيل كثيرة بينتها في كتابي ” الفروق “، وقال التقي السبكي: قد يكون التفضيل بكثرة الثواب، وقد يكون لأمر آخر وإن لم يكن عمل فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر عنه العقول، فكيف لا يكون أفضل الأمكنة وأيضا فباعتبار ما قيل كل أحد يدفن في الموضع الذي خلق منه وقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار حياته صلى الله عليه وآله وسلم به وأن أعماله مضاعفة فيه باعتبار حياته صلى الله عليه وآله وسلم به وأن أعماله مضاعفة أكثر من كل أحد، وقال السمهودي: والرحمات النازلة بذلك المحل يعم فيضها الأمة وهي غير متناهية لدوام ترقياته صلى الله عليه وآله وسلم فهو منبع الخيرات، ([148]) .
قلت: تعليل عياض والباجي وابن عساكر لفضلها بحلوله صلى الله عليه وآله وسلم فيها، وكذلك تعليل القرافي لفضلها بالمجاورة والحلول، وكذلك تعليل السبكي لتفضيلها بما ينزل من الرحمة والرضوان على ساكن القبر، كل ذلك يدل على أن التفضيل إنما وقع لهذه البقعة لأن جسده صلى الله عليه وآله وسلم موجود فيها لا لنفس وعلى هذا فإنه لا خلاف بين هؤلاء وبين ما ذكره ابن عقيل وما ذكره ابن تيمية من تفضيل البقعة بوجوده صلى الله عليه وآله وسلم فيها، وأنها كما قال ابن عقيل بهذا الاعتبار لا يوازيها العرش ولا حملته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة إلخ كلامه، اما التراب المجرد بدون وجوده صلى الله عليه وآله وسلم فيها فما أعتقد أن أحدا عناه، ولذا فإن الإنكار على هذا التفضيل مجرد تسرع بدون فهم المقصود لأن التفضيل باعتبار وجوده صلى الله عليه مسلم فيها يصبح إجماعا كما حكيناه عن الكل بما فيهم ابن عقيل وابن تيمية،
6- ومما أنكروه على كتاب ” الذخائر “ نقله قول البوصيري في الهمزية: (ليته خصني برؤية وجه.. زال عني كل من رآه العناء)، فقال ابن منيع: هذا كذب وباطل لأن قوما رأوه في حياته وما زال عنهم العناء ولا الكفر، وأقول: روى الترمذي وصححه من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ” لا تمس النار مسلما رآني أو رأى من رآني “، ([149]) .
و ياشيخ ابن منيع فرق بين من رآه صلى الله عليه وآله وسلم بعين المماثلة والمشاكلة التي حجب الله بها أكثر الأولين والآخرين كما حكى الله عن الكافرين: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}، {ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون}، وبين من أشهد الله وجه الخصوصية فيه صلى الله عليه وآله وسلم فيعتقده ويحبه أشد المحبة ويؤمن به ويرتاح إليه ويطمئن قلبه به، ولقد أخبر الله عن الفريق المحجوب فقال: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}، ثم لو تلا ابن منيع قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} لعلم أي عناء زال عن المشركين من عذاب الاستئصال وسلامتهم من المسخ والقذف.
7- ومما أنكره ابن منيع على مؤلف ” الذخائر ” قوله: ” لا حرج في مدحه صلى الله عليه وآله وسلم بما شاء المادح غير خصائص الربوبية والألوهية إليه، قلت: أمرنا الله بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره ونهانا عن اعتقاد ما اعتقده النصارى في عيسى وهو أنه إله كما نهانا مثلا عن السجود له صلى الله عليه وآله وسلم، فمدحه صلى الله عليه وآله وسلم وبغير ما نهينا عنه هو فرد من أفراد تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم فالإنكار على مثل هذا لا وجه له إلا أن يكون الجفاء حفظنا الله تعالى منه،
8- ومما أنكروه على كتاب ” الذخائر ” نقله الإشادة بنعله صلى الله عليه وآله وسلم وآثاره والتبرك بشعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووضوئه وسؤره وملابسه وبصاقه، ولقد اعتنى العلماء بالبحث عن صفة نعاله صلى الله عليه وآله وسلم ولونها وجنسها وعددها وحاملها ومدحها والثناء عليها شعرا ونثرا فحقق مثال نعله ابن ايوي وابن عساكر وابن مرزوق والسيوطي والسخاوي والنتائي والعراقي وغيرهم، وممن مدحها أبو الحسن البلانسي، وإسماعيل بن سعد، والحافظ ابن الأبار القضاعي والبلنسي، والإمام أبو الخير محمد بن محمد الجزري وغيرهم كثيرون، وفي اشعارهم التوسل والتبرك بمثال نعله شغفهم حب من لبس النعال وألف الشهاب أحمد المغربي كتاب ” فتح المتعال في مدح النعال ” جمع فيه بعض المدائح، وحتى الفاكهاني الذي أشادوا بعلمه ” لأنه غلط مثلهم في عد المولد بدعة “، فإنه في تر جمته في ” الديباج المذهب ” لابن فرحون: ” أثناء رحلته إلى دمشق قصد زيارة نعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي بدار الحديث الأشرفية فلما رأى النعل المكرم حسر عن رأسه وجعل يقبله ويمرغ وجهه عليه ودموعه تسيل وأنشد: (ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها * تريد أم الدنيا وما في طواياها * لقال غبار من تراب نعالها أحب * إلى نفسي وأشفي لبلواهــا).. وللفاكهاني رحمه الله وغفر له مواقف محمودة في إجلال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقلنا منها كلامه في مواضع متفرقة من هذه الرسالة في مناسباتها شكر الله صنيعه وجزاه خيرا، ويحتار المرء في حملة ابن منيع الإشادة بالنعل الشريف، فلعله كان يستنكف مما عده الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود شرفا له من حمل نعله الشريف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان صاحب النعال والمشط والمكحلة وأدوات وضوئه يوقظه إذا نام ويستره إذا اغتسل ويلبسه نعله إذا أراد الخروج ويخلعها من قدميه إذا هم بالدخول، ويحمل له عصاه وسواكه وهذا شأن المحبين حقا بقلوبهم لا شقشقة لسان كمن قال في ص 40: من كتاب الحوار: ” وكم نتمنى أن نكون حظينا بصحبته صلى الله عليه وآله وسلم وبالاشتراك مع أصحابه والتزاحم معهم في تتبع آثاره والاستمتاع بأحاديثه ومجالسه ومخالطته “، ([150]) .
9- ومما أنكروه على كتاب “الذخائر ” نقله إنه صلى الله عليه وآله وسلم حي في قبره يصلى ويحج ويصوم، وأن روحانيته حاضرة في كل مكان تشهد أماكن الخير، وأن أعمال أمته تعرض عليه بعد وفاته، وأحيلك في كل هذه الأمور إلى المفتاح السابع التي جاءت جميعها تحت عنوان: ” ما لأموات المسلمين من إدراكات والقدرة على الدعاء والاستغفار والخروج من قبورهم ” فارجع إليه لتدقق في دوافع إنكارهم لها وهو ثابت.
10- ومما أنكروه على كتاب “الذخائر”: نقله طهارة فضلاته، وأن ظله لا يقع على الأرض، ولا رؤي له ظل في شمس ولا قمر لأنه كان نورا، وأنه كان إذا ابتسم في الليل أضاء البيت، وأن الغسل والتطيب يستحب لقراءة حديثه، قلت: طهارة فضلاته مذكور في ” كشاف القناع ” الذي عليه الحكم في محاكم المملكة، فقال: ” النجس منا طاهر منه ويجوز أن يستشفي ببوله ودمه كما في الدار قطني وابن حبان وكانت الأرض تجتذب أثقاله ” وما في السنة من شرب دمه وبوله مشهور، وكذلك ذكر في ” كشاف القناع ” خصوصية أنه لا ظل له صلى الله عليه وآله وسلم في شمس ولا قمر، وقد نقل عن ابن عقيل من كبار الحنابلة أن ذلك لأنه نوراني والظل نوع ظلمه، وعد في ” كشاف القناع ” أيضا كثيرا من خصائصه ومما ذكر منها أنه صلى الله عليه وآله وسلم عرض عليه الخلق كلهم من آدم إلى من بعده فعلم الأشياء كلها كما علم آدم أسماء كل شيء ([151]) . لحديث الديملي: ” مثلث لي الدنيا بالماء والطين فعلمت الأشياء كلها كما علم آدم الأسماء كلها “ ([152]) .
وعرض عليه أمته بأسرهم حتى رآهم لحديث الطبراني: ” عرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها صوروا لي بالماء والطين حتى إني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه “ ([153]) .D وعرض عليه ما هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة “، وأما إضاءته ففي ” الشفاء ” قال أبو هريرة: ما رأيت شيئا احسن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأن الشمس تجري في وجهه إذا ضحك يتلألأ في الجدر ([154]) .
وفي هذا المعنى عدة أحاديث، وأما استحباب الغسل والتطيب لقراءة حديثه قال ابن فرحون في ترجمة مالك: ” كان مالك إذا جلس للفقه كيف كان، وإذا الجلوس للحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا وتعمم وقعد بخشوع وخضوع ووقار ويبخر المجلس بالعود من أوله فلا يزال يتبخر إلى فراغه تعظيما للحديث، ([155]) .
11- ومما أنكروه على كتاب “الذخائر “: أنه عذر من قبل القبر أو تمسح به إذا غلبت عليه محبة صاحبه، قلت: صاحب الحوار لم يراع الأمانة في النقل عن المالكي إذ اقتصر على هذا وحذف بقية كلام مؤلف ” الذخائر ” الذي أردف بذلك ” أن الأمر على كل حال لا يخلو من كراهة “، وبقية الكلام على هذا البحث ستأتي في الفصل رقم (14) ” نماذج من التصرفات في حق من عظم الله قدره ” إذ في هذا الفصل موضوعات متعددة منها بحث فيما يتعلق بالقبور وزيارتها، فارجع إلى ذلك.
[المفتاح التاسع]:جرأة مشايخ الوهابية على مقامه صلى الله عليه وآله وسلم: تقدم لك ما قاله العلماء في تأديب من جعل أحواله صلى الله عليه وآله وسلم مثلا، واعتبروا ذلك عدم توقير للنبوة وعدم تعظيم للرسالة ومراعاة حرمة الاصطفاء وحظوة الكرامة لمن عظم الله قدره وألزم توقيره وبره فما بالك بمن ينتقصه صلى الله عليه وآله وسلم في كلامه ويجرأ على مقامه بما لا يليق أن يوجه إلى ذي سلطان فضلا عن توجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تضافر القوم على عدم توقير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأقوالهم وتصرفاتهم واعتقدوا أن كل ما فيه إجلاله من قول أو فعل هو شرك وتأليه له صلى الله عليه وآله وسلم،
أ – فاسمع أيها المسلم الذي يعرف مكانة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ويغار عليها إلى ما قاله شيخ منهم في حقه صلى الله عليه وآله وسلم، قال أبوبكر الجزائري المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمسجد النبوي في رسالة سماها ” كمال الأمة في صلاح عقيدتها “: لما نقم على البكري قصيدته: ما أرسل الرحمن أو يرسل لما فيها من نداء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ” كيف ينادي من لا يسمع ولا يراه ولا يقدر على إعطائه أو إنجائه “، ([156]) .
ثم تحدث بعد ذكر قول أحد الصحابة: ليس لنا إلا إليك يا رسول الله فرارنا ” قال: ” ولو قال أحد هذه الجملة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكان كاذبا وكان قوله شركا وكفرا، اما كونه كاذبا فإن الخائف أو العطشان أو الجوعان ويرى اضطراره ويعلم شدة حاجته فيطلب منه أن يؤمنه أو يسبقه أو يطعمه أو يقضي حاجته.. وصاحب “الذخائر ” لو جاع اليوم أو عطش أو خاف لا يفر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما يفر إلى غني أو قوي من الناس، وأما كونه شركا وكفرا فإن الفرار لا يكون إلا لمؤمن ان يقول: ليس لنا من نفر إليه إلا رسول الله؟ والجواب: لا لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التحق بربه فلا يسمعنا ولا يرانا ولا يعرف عنا ولا يدعو الله لنا ” أهـ، ([157]) .
بهذه الجفوة التي يوجهها الرجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكلمات طائشة يستبعد بها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أثبتته السنة من إدراكات لعامة الموتى، فضلا عن الصالحين والرسل، فضلا عن سيد المرسلين كما هو موضح بفصل ما لأموات المسلمين من إدراكات لعامة الموتى، فضلا عن الصالحين والرسل، فضلا عن سيد المرسلين كما هو موضح بفصل ما لأموات المسلمين من إدراكات، فتعسا لهذا الذي يرسل الكلمات جزافا إلى نبي الأمة فيثير المسلمين على أدعياء السلفية وأمثاله من المتطرفين وعلى المدرسين والمناهج والكتب التي تحمل مبادئ الجفاء هذه، والمسارعة في التكفير والإقدام على عدم توقيره صلى الله عليه وآله وسلم بتوجيه مثل هذه الكلمات الكاذبة إلى مقامه صلى الله عليه وآله وسلم،
ب – واستمع أيها المسلم إلى شيخ آخر من مشايخ المتطرفين، ففي كتاب ” الحوار ” لمؤلفه ابن منيع عضو هيئة تمييز الأحكام الشرعية والمنسوب إلى عضوية كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، قال: ” إذا كان التعلق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يزعم المالكي وأحزابه فهذا مما نبرأ إلى الله منه ونشهد على أنا نعتقد في من يتعلق برسوله الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا التعلق أنه مشرك بالله غيره وأن شركه أعظم من شرك أبي جهل وأبي لهب وأبي بن خلف ” أهـ، ([158]) .
يريد بالتعلق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الاستعانة به ودعاؤه لطلب الشفاعة منه بعد موته وغير ذلك من أمور خصصنا لها في هذه الرسالة فصلا خاصا بعنوان ” ما زعم الوهابية أنه تعلق منكر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإبطال ذلك ” وقد سبق ذكره، وفي كتاب ” الحوار ” يستعظم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحضر مجالس الخير ويجعل ذلك من التخيلات والتوهمات والخرافات والإيمان بالأرواح الوهمية التي يزعم الدجاجلة أنها تغدو وتروح، وتأمر وتنهى وترضى وتغضب، ومن انسياق العواطف إلى متاهات وترهات وخرافات تندد بها العقول السليمة، واستنكر أن تعرض عليه أعمال أمته، ووصف القول بذلك أنه قول لم يقل به جهل وأبو لهب وأبي بن خلف وغيرهم من أئمة الكفر والشرك والطغيان، ([159]) .
ويكفي تعليقا على هذا ما أثبته الشيخ ابن القيم في كتاب ” الروح ” ” بأنه قد تواترت الرؤى والروايات بأن لأهل القبور قدرة على التصرف بأقوى مما كانوا في الحياة لتجرد الروح من عوائق البدن “، ولعل حضور الأنبياء والرسل والأموات إلى بيت المقدس للاجتماع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والائتمام به ليلة الإسراء هو من الترهات والخرافات عند ابن منيع، أم لعلهم حين ظهروا في صورة أنس كما سيأتيك من كلامهم عند بحث زيارة القبور، أما إن كان ظهورهم صحيحا عند ابن منيع وأمثاله فلماذا استكثر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خروجه من قبره وحضوره مجالس الخير؟ وفي الصفحات 75- 76: من كتاب ” الحوار ” حين قال المالكي: ” كم للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فوائد نبوية وإمدادات محمدية “، وحين قال: يسجد القلم في محراب البيان عاجزا عن مقدار آثارها ومظاهر أنوارها “، فعلق ابن منيع على هذا الكلام بقوله: “لا ندري ما مقصود المالكي بالإمدادات المحمدية، ولعلها نتيجة اعتقاده أن له مقاليد السموات والأرض، وأن له حق الإقطاع في الجنة، وأن من جوده الدنيا وضرتها ومن علومه علم اللوح والقلم، وأن الخلق خلقوا لأجله إلى غير ذلك من عبارات الغلو والإطراء والتنطع والتشدق والتفيهق، فهل يريد من صلواته عليه مددا محمدا لا مددا إلهيا، إننا لا نستطيع تصور الشرك بالله إذا لم يكن هذا الاتجاه من المالكي وأحزابه أبشع ألوانه وأظهر مثال له. وعلق ابن منيع على سجود القلم عاجزا بقوله ” وهذه أيضا من عبارات الغلو والإطراء والتنطع والإفراط فما هذه الأنوار التي يسجد لها القلم “؟ ([160]) .
قلت: لا نستغرب أن يتصور ابن منيع وأمثاله الشرك بمفهومه الخاطئ في التفرقة بين ما هو شرك وما ليس منه، ففي ذكره إمدادات محمدية وإمدادات إلهية، وهو لم يفرق بين معاني الألفاظ ومدلولاتها حين تطلق على الخلق بما يناسب مقام المخلوق، حين تكون نسبتها إلى الخلق من باب المجاز العقلي كالمدد مثلا، فأي شرك ممن ادعى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مددا محمدا وكأن المعترض نسي أو تناسى ما في السنة من تأثيره صلى الله عليه وآله وسلم بمجرد توجيه نظره إلى شخص كقصة فضالة بن عمير الذي تربص برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة ليقتله فلما وضع يده على صدره سكن قلبه وتحول بغضه إلى حب، وكأنه نسي ما فعله صلى الله عليه وآله وسلم بأبي هريرة حين شكى إليه نسيان ما يحفظه فحثى له في ردائه حثيات وأمره بضمه إليه ما نسي بعد ذلك شيئا وأمثال هذا في السنة كثير، وحتى الجهال يفرقون بين هذا المدد وبين المدد المنسوب إلى الله فالأول تسبب والثاني خلق وإيجاد، أما عن مظاهر الأنوار في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكأن المنتقد لذلك لم يتل قوله تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور}، وأن الله قد ضاعف ثواب من يصلي عليه صلى الله عليه وآله وسلم فيصل الله بها عشرا عليه، وعلى هذا فإن صلاة المسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إخراج له من الظلمات إلى النور بنص الآية، فلعلك بهذا قد علمت مظاهر الانوار في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولعل الذي حجبك عن وعي ذلك ما غلب على قلبك من استكثار لكل ما يتعلق به صلى الله عليه وآله وسلم دون روية أو تدبر.
[المفتاح العاشر]: حد التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي زعموا أنه لا يجوز تجاوزه: في كتاب “الحوار ” قال ابن منيع: ” أنه سيمهد لرده على المالكي ما يعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يجب عدم تجاوزه لئلا نكون في مسار أهل الكتاب ممن غلوا في أنبيائهم ورسلهم حتى جعلوا آلهة يعبدون مع الله، فلما تكلم في عما يجب له وما له من خصائص ومقامات أوجز فذكر فقط وجوب طاعته ومحبته والصلاة عليه والدعاء له بالوسيلة والفضيلة والمقام المحمود، أما حين ذكر بشريته وما يصيب سائر البشر وأنه لا يغني عن نفسه ولاعن أحد شيئا بسط القول وساق في ذلك ما يروقه من آيات وأحاديث وردد حتى مانعاه الله تعالى على مشركي قريش: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}، فقال ” إن ما نعتقده في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أنه لا يعلم الغيب، ولا يملك لنفسه نفعا ولا خيرا إلا ما شاء الله وأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وأنه لم يكن بدعا من الرسل، وأنه لا يدري ما يفعل به ولا ما يفعل بنا، وأنه بشر مثلنا أرسله الله إلينا،، وأنه عبد الله ورسوله يناله من الطباع البشرية ما ينال بني جنسه، و قال ايضا : أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعرف قدر نفسه تجاه ربه إذ قال ((اجعلتني لله ندا)) لمن قال: ” ما شاء الله وشئت “، وأنه نزل عليه {ليس لك من الامر شيء} لما قال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وانه لما نزل عليه {وأنذر عشيرتك الأقربين} قال: يا معشر قريش إني لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية لا أغني عنك من الله شيئا … يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئا … يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئا، وأنزل عليه في أبي طالب: _ {ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} وقوله: {إنك لا تهدي من أحببت} … ولما قال له أحدهم: ” يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا ” قال للناس: ((قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله، وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل))، ثم أورد ما في الصحيحين: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا: عبد الله ورسوله))،. ([161]) . ثم قال: إن رسول الله كان حريصا على حماية جناب التوحيد وعلى أن ننزله منزلته التي أنزله الله بها فلا غلو ولا تنطع ولا إطراء ولا إفراط “، ([162])
[مناقشة ابن منيع]: ونقول وبالله التوفيق: ” إنا نؤمن بما جاء في كتاب ربنا وبسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، نؤمن بذلك كله وقد أجملنا لك في الفصل رقم (8) بعض ما خصه تعالى به صلى الله عليه وآله وسلم من مقامات الاصطفاء، وما لاطفه به ربه وأوجب من تعظيمه وتوقيره من كل ما هو ثابت في الكتاب والسنة، ونلفت نظرك ايها المسلم إلى تركيز ابن منيع على ما ورد من بشريته وما يصيبه مثل سائر البشر من أعراض وأنه لا يغني عن أحد شيئا، وأنه ليس له من الأمر شيء، وأنه لا يدري ما يفعل به وبنا، وأنه لا يعلم الغيب، وأنه لا يملك لرحمه شيئا وإيهامه ان تجاوز تلك الأوصاف التي ذكرها هو سير في مسار أهل الكتاب ممن غلوا في انبيائهم ورسلهم جعلوهم آلهة تعبد مع الله كما عبر وختمه بعبارته بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان حريصا على أن ننزله منزلته التي أنزله الله بها فلا غلو ولا تنطع وإطراء ولا إفراط، وجعل من الأدلة على مدعاه في عدم التجاوز عن ذلك: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله)) ([163]) .
رغم أنه من الواضح ان النهي وارد في الإطراء الذي اطرته النصارى بحق عيسى وهو نسبتهم للألوهية إليه، فأرشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم امته إلى أنه ليس إلها وإنما عبد الله ورسوله، نعمت العبودية لله فأي علاقة للحديث في منع مدحه صلى الله عليه وآله وسلم إذا لم يصل المدح إلى وصفه بصفات الربوبية، وكذلك جعل ابن منيع من الأدلة على مدعاه في عدم تجاوز ما ذكره قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ” لمن قال له يا خيرنا وابن خيرنا ويا سيدنا وابن سيدنا،: ((قولوا: بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان انا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي انزلني الله عز وجل))، ([164]) .
وغاب على المستدل انه في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((قولوا بقولكم)) إقرار منه صلى الله عليه وآله وسلم لما مدحوه به، ثم في الوقت نفسه حذرهم ان لا ينسوا عبوديته لله فلا يصلون في مدحه إلى رفعه عن منزلته باعتقاد أن له شيئا من صفات الربوبية، ومهلا يا رجل حين سردت بدون روية: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم}، {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب}، {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله}، {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا}، فلماذا لم تسرد مع ذلك ما ورد من وعد الله لرسوله الكرامة ووعده بإرضائه في أمته ولا يخزيه فيها، وقول رسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن لي رحماً سأبلها ببلالها))، ([165]) .
وإخراج بعض من دخل النار بشفاعته فانتفع بكل ذلك أمته وذوو رحمه فإن ملكه ربه تعالى نفع أمته وأقاربه كما سمعت بالشفاعة الخاصة والعامة فهل تملك أنت الحجر على ربك ألا يعطيه، ثم أليس هذا العطاء مما يشمله قوله تعالى: {إلا ما شاء الله}، وما قولك في إخباره بالمغيبات الواردة في أحاديث كثيرة، وهل يشتبه ذلك بعلم الله للغيب وإعلام الله لرسوله ببعض ذلك، فإياك يا رجل من التمسك بعموميات الكتاب، والإعراض عن صرائح السنة فذلك ليس من ديدن أهل السنة،،انه ليس بعد الحق إلا الضلال.
ومعذورهو لما شبه عليه حين استكثر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض ما وصف به صلى الله عليه وآله وسلم من الخصائص، واستعظم ما حباه به ربه لأنه نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعين البشرية المحضة، لم يحقق حقيقة معانى الألفاظ التي جاءت في أشعار المادحين وزعم أنها وصف له ببعض صفات الألوهية والربوبية، ورفع له عن مقامه بالنسبة إلى ربه لما جهل أن اللفظ يطلق على الله خلقاً وايجاداً، وقد يطلق على سواه تسبباً بالدعاء والشفاعة كما سبق إيضاحه، ولما خيل إليه أن كل تعظيم له صلى الله عليه وآله وسلم وتوقير هو غلو وتنطع وإطراء وإفراط بوهم أن ذلك حماية لجناب التوحيد، وما عقل أن الأمر بتعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره كان أدرى بما يؤدي إليه ذلك التعظيم فلا ضير في تعظيمه بما لم ننه عنه، وعدا وصفه بصفات الربوبية والألوهية، ومن فرق بين مدلولات الألفاظ حين تنسب إلى الخالق، ومدلولاتها حين تنسب إلى المخلوق وأحسن الظن بالمسلمين عرف كيف يحسن الأدب معه صلى الله عليه وآله وسلم ولم يسارع إلى تكفير المسلمين، أما ادعاء أن الغيرة على التوحيد التي زعموا أنها دفعتهم إلى موقفهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي حكيناه فسبب الدعوى هو غلطهم في فهم العبادة والشرك كما وضحناه من قبل في أكثر من موضع، وانسياقاً وراء الفهم الخاطئ ورغبة ملحة في تثبيت هذه المبادئ في قلوب الجهلة وتنفيراً لهم من تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم بما يخيل إليهم أنه الشرك صور لهم ابن منيع في حواره أن مما قيل في مدحه صلى الله عليه وآله وسلم هو وصف له صلى الله عليه وآله وسلم على حد تعبيره (بالتفرد بكمال الجلال والتقديس والتفرد بالعبادة وجعله صمداً شريكاً له تعالى في الملكوت والخلق والملك والتدبير والسلطة الكاملة والهيمنة الشاملة والقدرة والعلم المحيط والنفع والضر والمنع والعطاء، واعتباره صلى الله عليه وآله وسلم ملجاً وملاذاً مما هو محض حق لا يصلح لأحد غيره تعالى وأن ذلك شرك لم يقل به أبو جهل وأبو لهب وأبي بن خلف وغيرهم من أئمة الكفر والشرك والطغيان 000 إلخ أوهامه وتخيلاته)، ([166]) .
وقد وقع بهذا الكلام ما بين الاختلاف على المسلمين وبين سوء الفهم فليس في المسلمين بحمد الله من يزعم أن لرسول الله صلى عليه وسلم مقام الربوبية والألوهية، والتفرد بكمال الجلال والتقديس، والتفرد بالعبادة وجعله صمداً شريكاً له تعالى في الملكوت والخلق والملك والتدبير والسلطة الكاملة والهيمنة الشاملة والقدرة الذاتية والعلم الذاتي المحيط، وكل ذلك اختلافات على المسلمين وتنفير عن توقيره صلى الله عليه وآله وسلم، وأما المنع والعطاء والنفع والضر وعلى العموم التصرف وقضاء الحوائج فذلك كله لله استقلالاً بقدرة كن، وأما ما ظهر على يده صلى الله عليه وآله وسلم كشفاء العاهات وتبديل الأخلاق بلمسة، وتبديل الأعيان كانقلاب العود سيفاً، وتبديل الصفات وتكليم الجمادات والبهائم وشهادتها برسالته وطاعتها له وتكثير الطعام والشراب القليل ونبع الماء من بين أصابعه وتكثيره وانشقاق القمر فإنه وإن بدا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو فاعل ذلك فالمسلمون بحمد الله يعتقدون أن فاعل ذلك فالمسلمون بحمد الله يعتقدون أن فاعل ذلك كله هو الله، وأما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم متسبب فيها ليس إلا وقعت ببركته كما قال تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}، ومثل ذلك من طلب منه صلى الله عليه وآله وسلم قضاء الحوائج، وطلب منه الشفاعة فالمقصد في قلوب المسلمين حتى العوام هو أن يتسبب في قضاء الله لحاجته بشفاعته ودعائه وما نسبتها إليه صلى الله عليه وآله وسلم إلا من قبيل الإسناد المجازي كما وضحناه في أكثر من موضع.
ومثل ذلك ما يصدر من بعض الناس من كلمات الملجأ والملاذ والرجاء والمفزع وأشباه ذلك فقد بينا في مبحث (أسباب غلط الوهابيين في الحكم بالتكفير) أن اعتقاد المسلم أن الملجأ والملاذ والمفزع وتحقيق الطلب والمدد كلها إلى الله خلقاً وإيجاداً وأصالة وما نسبتها إلى مخلوق ممن أكرمه الله بحصول الحاجات على يده إلا أنه المتسبب في قضائها بدعائه لربه وشفاعته عنده 0 وهكذا أكثر الألفاظ التي جاءت في قصائد المادحين كالبردة فهي من هذا الباب وليس مقصود القائل لها مشاركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لربه في صفاته بل أطلقوها عليه صلى الله عليه وآله وسلم بما يناسب البشرية من كونها محدودة ومكتسبة فلا يرفعه وصفه بها إلى مقام الألوهية ولا تكون نسبتها إلى الخلوق شركاً بالله كما توهم الوهابيين، فأين الخالق من السبب، وأين صاحب العلم الذاتي المحيط من علم من علمه الله ما شاء، وقد علقنا على ذلك فيما مضى (ما زعموا أنه تعلق منكر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذا كان الإطراء الممنوع عند علماء السواد الأعظم من المسلمين هو خلع صفات الربوبية والإلهية عليه صلى الله عليه وآله وسلم باعتقاد أن له شيئاً من ذلك، بل هو عبدالله المصطفي برسالته، المحبوب من ربه وليس إلهاً كما اعتقده النصارى في عيسى ابن مريم عليهما السلام، ومرة أخرى أوضح أن (من ميز بين معاني الألفاظ ومدلولاتها حين تطلق على الله خلقاً وإيجاداً وبين معانيها ومدلولاتها حين تطلق على الخلق مجازاً عقلياً باعتبار أنهم سبب في حدوثها بدعائهم وشفاعتهم) أراح وارتاح، ولكن القوم لغلطهم في معنى العبادة حملوا كل تعظيم وتوقير يصدر من المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأقوال والأفعال أنه شرك أو ذريعة إلى الشرك حتى قال أحد كبارهم: ” من ارتكب شيئا من الأمور الشركية فهو مشرك وإن سمي ذلك توسلا وتشفعا ” من ” الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية “، ([167]) .
يريد بالأمور الشركية إتيان الأعمال التي تصلح للتعبد بها كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة والتعظيم، ولو عقل المفتي أن العبادة هي إتيان أو القول بنية العبادة لمن يعتقد له ربوبية، أو خصائصها من تأثير بقدرة كن بالمنع والضر والإعطاء والنفع، أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكته لله في ربوبيته لما أدخل في مسمى العبادة ما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة واستشفاع وتعظيم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأشباه ذلك، ولفرق بين من يعتقد فيمن يدعونهم أنهم أرباب ومن يعتقد أنهم أسباب، ومن رسخ في قلبه أن كل تصرف يصدر من المسلمين بقصد إجلاله صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه هو من الشرك أو ذريعة له، ونفر اتباعه الجهلة من تعظيمه وتوقيره صلى الله عليه وآله وسلم بما صور لهم أنه من الشرك أو ذريعة له،، فأنى يصح زعمه في كتاب الحوار “أنه مشرب بحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه يتمنى أن يكون من قد حظي بصحبته وبالاشتراك مع أصحابه والتزاحم معهم في تتبع آثاره “، ([168]) .
وفي الفصل التالي إشارات إلى تصرفاتهم بحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعباد الله الصالحين، ونسأله تعالى أن يلهمنا تعظيم من عظمه الله،
[المفتاح الحادي عشر]: نماذج من التصرفات الوهابية في حق من عظم الله قدره: نذكر في هذا الفصل نماذج من التصرفات الوهابية في حق من عظم الله قدره، وستلمس فيها أن كل ما فيها أن كل ما فيها إجلاله صلى الله عليه وآله وسلم من قول أو فعل هو شرك وعبادة له صلى الله عليه وآله وسلم وتأليه أو بدعة شنيعة،بل ستلمس أنهم يبغضون زيارته صلى الله عليه وآله وسلم وزيارة القبور مطلقا، ونسلسل بعض هذه التصرفات كما يلي:
أ – الخوض في مصير الأبوين ومصير أجداده وأقاربه: يكثر القوم من الخوض في عدم نجاة الأبوين وطبع ما ألف في ذلك كرسالة القاري عفا الله عنه الذي نسب عدم النجاة إلى كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة، وفي كتاب ” النهضة الإصلاحية ” لمؤلفه المرحوم مصطفي سيف الحمامي نفي لهذه النسبة وقال: إن هذه المسألة ليست موجوده في الفقه الأكبر، ثم لماذا إكثارهم من الخوض في ذلك كأن المسألة من العقائد الواجب اعتقادها على المسلم بينما ليس على المسلم شيء لو مات جاهلا مصيرهما أو معتقدا نجاتهما بفرض أنه أخطأ، وما ورد من حديث في ذلك لم يوجب ولم يندب الخوض في ذلك، فما بقي بعد هذا إلا أن اتخاذ القول فيه مضغة تلوكها الألسن، لا يقدم عليه إلا من انطوى قلبه عن عدم المبالاة بأذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسوء الأدب معه، وفي رسالة السيوطي ” تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء “، ان الشافعي قال: ” قطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأة تكلم فيها فقال: ” لو سرقت فلانة ” لامرأة شريفة لقطعت يدها، قال تاج الدين السبكي: فانظر إلى قول الشافعي فلانة ولم يبح باسم فاطمة تأدبا معها رضي الله عنهما أن يذكرها في هذا المعرض وإن كان أبوها صلى الله عليه وآله وسلم قد ذكرها ” ونقل السيوطي في رسالته عن عياض أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل: انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا فقال كاتب له: قد كان أبو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كافرا قال عمر: ” وجعلت هذا مثلا ” فعزله، وفي ” ذخائر العقبي ” لمحب الدين الطبري عن ابي هريرة قال: جاءت سبيعة بنت أبي لهب رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الناس يقولون أنت بنت حطب النار فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مغضب فقال: ((ما بال أقوام يؤذونني في قرابتي، ومن آذى قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله))، ([169]) . وفي ” الروض الأنف ” للسهيلي بعد أن أورد حديث: ((إن أبي وأباك في النار))، ما نصه: ” ليس لنا أن نقول نحن هذا في أبوية صلى الله عليه وآله وسلم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات)) ([170]) .
والله تعالى يقول: {إن الذين يؤذون الله ورسوله}، وقد سئل القاضي ابن العربي عمن قال إنهما في النار فأجاب بأنه ملعون لقوله تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والأخرة}، وقد أكثر القوم في الخوض في مصير أجداده وأقاربه ففي ” مجموعة التوحيد ” باب قول الله تعالى “إنك لا تهدي من أحببت ” ذكر حضوره صلى الله عليه وآله وسلم عند أبي طالب في مرض موته وأن القصة رد على من زعم إسلام عبد المطلب وإسلام أبي طالب “ ([171]) .
قلت: وقول أبي طالب أموت على ملة عبد المطلب ليس دليلا على مساواتهما في الحكم بعدم النجاة إذ الفرق واضح بين من أدرك البعثة ومن مات في الفترة، ومجال القول ذو وسعة لو اتسع له المجال.
ب – تذمرهم من اتخاذ الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وردا وطعنهم في الكتب المؤلفة فيها: يضيق القوم ذرعا ممن يتخذون الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم وردا، ويظهر ذلك في فلتات السنتهم فانظر ” الدرر السنية ” انكر قائل منهم حرق دلائل الخيرات، أو أنه ينهى عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأي لفظ كان ولكنه فقط ينصح اتباعه أن لا يصير في قلبه أجل من كتاب الله وأن لا يظن القراءة فيه أفضل من قراءة القرآن “، ([172]) .
وحاشا للمسلمين أن يكون فيهم من يفضل كتب الصلوات على كتاب الله، وانظر ” الهدية السنية والتحفة الوهابية ” قال قائل منهم: (ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلا إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك كروض الرياحين، أو ما يحصل بسببه خلل في العقائد كعلم المنطق … وكالدلائل “، ([173]) .
وهكذا ناقض بعضهم بعضا في حرقها أو عدم حرقها.. وكتاب ” الدلائل ” الذي أحرقوه ومنعوا الناس من قراءته والمكتبات من توريده ووصفوه بتلك الأوصاف الشنيعة.. هو كتاب يشتمل على صيغ من الصلوات على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أجل وأجمع الكتب المشتملة على ذلك وأكثر الصيغ فيه مأثورة، وإذ وجدت روايات في بعضها ضعف فلا يضيره ذلك عملا بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ويجبرها أحاديث فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أجل وأجمع الكتب المشتملة على ذلك وأكثر الصيغ فيه مأثورة، وإذ وجدت روايات في بعضها ضعف فلا يضره ذلك بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ويجبرها أحاديث فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد وضع لهذا الكتاب القبول لدى المسلمين شرقا وغربا عامة وعلماء منذ خمسمائة عام ونيف، وأما مؤلفه الذي طعنوا فيه والذي قالوا لا يعرف فهو الشريف الحسين محمد بن سليمان الجزولي الفقيه الصالح المتوفي سنة 870 وهو مترجم له في ” ذيل ديباج ” ابن فرحون وغيره، وفي حديث أحمد: ((يا معشر من آمن لسانه ولما يؤمن قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين ولا عثراتهم فإن من تتبع عثرات المسلمين تتبع الله عثرته، ومن تتبع الله عثرته يفضحه ولو في جوف بيته))، ([174]) . وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في الأنساب والنياحة على الميت))، ([175]) .
وتكفير أهل القبلة هو شنشنة الخوارج، وفي رسالة موجهة إلى أهل مكة في الفتح السعودي الأول قال صاحبها: ” وأما التوسل وهو أن يقول القائل: اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك … فهذا من أقسام البدع المذمومة كرفع الصوت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الآذان “، وقد أبطل الإمام المحقق المرحوم الشيخ يوسف الدجوي المتوفي سنة 1376 في مجلة الأزهر ما زعموا من بدعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الأذان.
ج- كراهتهم لتسويده صلى الله عليه وآله وسلم: حفظ الوهابية السيد الله فكرهوا تسويده صلى الله عليه وآله وسلم وتجاهلوا أن قائل هذا هو القائل: ((أنا سيد ولد آدم))، ([176]) . ((أنا سيد الناس يوم القيامة))، ([177]) . ((سيد الشهداء حمزه ورجل قام عند إمام جائز فأمره ونهاه فقتله)) ([178]) . كما في ” مستدرك الحاكم “: ((أن ابني هذا سيد))، ([179]) . ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة))، ([180]) . ((أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين النبين والمرسلين))، ([181]) . ((قوموا لسيدكم)) ([182]) .((من سيدكم يا بني سلمة))، ([183]) . وفي المستدرك عن جابر قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: من أنا؟ فقلنا: رسول الله،قال: نعم ولكن من أنا؟قلنا: محمد بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، قال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))، ([184]) . وفي مسند أحمد عن سهل بن حنيف يقول: مررنا بسيل فدخلت واغتسلت منه فخرجت محموما فنمى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((مروا أبا ثابت فليتعوذ، قلت: يا سيدي والرقى الصالحة فقال: لا رقية إلا من نفس أو حمة أو لدغة)). ([185]) . وقال الفاروق: ” أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا “. وقال تعالى في سيدنا يحيي: {وسيدا وحصورا}، وشبيه بقول السيد المولى والله سبحانه وتعالى يقول: {فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير}، فقد سمي الله كلا من جبريل وصالح المؤمنين مولى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الصحابة ينادون بعضهم بالتكريم والإجلال فكان أبو هريرة يقول: إذا سلم على الحسن ” السلام على سيدي ” كما في مستدرك الحاكم، وقد سبق في فصل (6) أن موقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع المخاطبين كان يرعى فيه حالة المخاطب بما يقضي به رسوخ الاعتقاد أو نقصه حسب حالة المخاطبين 0 فلا غرابة إن قال لمخاطب: ((السيد الله))، سداً لباب أن يسبق إلى الوهم أن أحداً يساوى الباري في سيادته، وأن يقول لآخر: ((أنا سيد ولد آدم)) إلى آخر ما تقدم من أحاديث: حيث الأمن من ذلك، ووظيفة العلماء هو الجمع بين المختلفات، والمؤمن من آمن بالنصوص كلها متجنباً ما يهوى، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((قولوا اللهم صل على محمد)) لا يفيد منعنا لتسويده صلى الله عليه وآله وسلم، بل هو المناسب لتواضعه من أن يقول لأمته سودوني في الصلاة ما دام قد أرشدهم إلى أنه السيد فمن امتثل ظاهر الأمر فقد أحسن ومن سود فقد سلك مسلك الأدب كما هي القاعدة المعروفة (أيهما أرجح امتثال الأمر أو سلوك الأدب) ؟، وما روي من حديث: (لا تسودوني في الصلاة) فهو موضوع كما نص عليه الكثيرون من المحدثين والعلماء، وأما الاحتجاج لعدم ذكر السيادة في التشهد بقوله: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) فلا حجة فيه لأن الراد بما ليس من أمره هو ما لم يشهد الشرع باعتباره، أما ما شهد الشرع باعتباره فهو من أمره ولا شك أن توقير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه هو مما شهد الشرع باعتباره وسيأتيك مزيد من التحقيق عند تعرضنا في فصل خاص لبيان معنى البدعة والمحدث، وحديث المستدرك السابق عن جابر في ترديده صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر: من أنا؟ حتى قال أخيراً: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) هو إرشاد إلى تسويده صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد أفتى إمام الحرمين بذكر لفظ السيادة في التشهد، وقال المحلي: هذا من التزام الأدب وهو الأرجح، واسمع ما يقول أحد المتطرفين، ففي (الضياء الشارق) لابن سحمان (يمنع من إطلاق لفظ السيد لمن يعتقد فيه فلا يقال مولانا ولا يا سيد فلان فمن قال هذا بهذا المعنى فهو كافر) اهـ، ([186]) .
وهكذا اتسع الخرق على الراقع، والسيادة عندهم غلو في رسول الله صلى الله عليه ولكنها سائغة مقبولة عندهم إذا قيل في ابن تيمية وابن عبدالوهاب شيخ الإسلام، وقدس الله روحه، ونور ضريحه، ولا باس أن يقال صاحب الجلالة، وصاحب الفخامة، وصاحب المقام الرفيع، وصاحب المعالى، وصاحب المعالى، وصاحب الفضيلة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممنوع ومنكر وكفر عند أمثال ابن سحمان، ومما تجب ملاحظته أنه لا سواء بين انسان يترك التسويد في الصلاة بنية التمسك بالوارد وبين انسان يرى في اطلاق السيادة عليه صلى الله عليه وآله وسلم كفراً وشركاً كما يؤخذ من كلام ابن سحمان وأمثاله كثير.
د – إنكارهم التبرك بالآثار: في صحاح الأحاديث والسير أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يتبركون بماء وضوئه صلى الله عليه وآله وسلم وبريقه وبشعره ملابسه وبردته وما له تعلق به، ولم ينكر عليهم صلى الله عليه وآله وسلم في حياته ولا أنكره الصحابة ولا التابعون بعد وفاته، بل فعلوه بأنفسهم، وكان من لم يصبه وضوئه صلى الله عليه وآله وسلم أخذ من بلل صاحبه ودلك به ما استطاع من بدنه، وصح عن عروة بن مسعود الثقفي في ما رواه البخاري وغيره أنه قال في نصيحته لقريش حين رجع من سفارته لقريش في صلح الحديبة (أي قومي، والله وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، وما رأيت أحداً ما يعظم أصحاب محمد محمداً أنه لا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم ولا توضأ وضوءً إلا اقتتلوا على وضوئه يتبركون به)، ([187]) .
وصح عند البخاري وغيره أنهم ازدحموا على الحلاق عند حلق رأسه الشريف واقتسموا شعره
وفي صحيح مسلم أنه لما حلق أعطى أبا طلحة شعره وقال اقسمه بين الناس، ([188]) . وكان عند خالد بن الوليد شعرات من شعره صلى الله عليه وآله وسلم وضعهن في قلنسوة له يلبسها إذا تعذر عليه الفتح فلا يلبث أن يسرع إليه الفرج، وفي صحيح مسلم وشمائل الترمذي أنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يأتونه بإناء إلا غمس يده الشريفة فيه ولا يردهم خائبين، ([189]) . وأخرج ابن ماجه والترمذي وحسنه عن امرأة من الأنصار يقال لها كبشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها وعندها قربة معلقة فشرب منها وهو قائم فقطعت فم القربة تبتغي بركة موضع فم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان له صلى الله عليه وآله وسلم إناء يبول فيه بالليل، فكان إذا أصبح أراقه بيده الكريمة فأصبح ذات يوم فلم ير فيه شيئاً، فسأل فقالت أم أيمن رضي الله عنها: عطشت من الليل يا نبي الله فشربته فقال: ((صحة يا أم أيمن))، ([190]) .
وفي رواية أنه قال: ((لن يلج النار بطنك))، وكانوا يستشفون بغسالة ما ادخروه من ملابسه فيأتي الشفاء، وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر أنها أخرجت لهم جبة لرسوا الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالت: هذه كانت عند عائشة ولما توفيت قبضتها فنحن نغسلها للمرضي يستشفي بها، وفي(الجمع بين الصحيحين) للحميدي قال عبد الله بن وهب: أرسلني أهلي إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقدح من ماء فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث بإناء إليها فخضخضت له فشرب منه، ([191]) .
وفي (الشفاء) للقاضي عياض أن ابن عمر رضي الله عنه كان يضع يده على مقعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر ثم يضعها على وجهه ([192]) .
وفي(طبقات ابن سعد) أيضاً رواية ذلك، وهذا تبرك بمن مس ثيابه، وكذلك روي عنه أنه كان يضع يده على رمانة المنبر مكان يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويمسح بها وجهه، ([193]) .
وفي طبقات ابن سعد أيضاً: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خلا المسجد مسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ([194]) .
وفي مصنف ابن أبي شيبة : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رمانة المنبر القرعاء (أي الملساء) فمسحوها ودعوا، ([195]) .
ونقل الحافظ القرافي أن أحمد بن حنبل أجاز تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن أحمد تبرك بالشرب من ماء غسل الإمام الشافعي بل روى ابن تيمية نفسه تبرك أحمد بآثار الشافعي، وفي (الحكايات المنثورة) للإمام المحدث الحافظ الضياء المقدسي أن الحافظ عبد الغني الحنبلي أصيب بداء أعجزه علاجه فمسح به قبر الإمام أحمد بن حنبل تبركاً فبرئ،وفي (تاريخ الخطيب) أن الإمام الشافعي كان يتبرك بغسالة قميص الإمام أحمد وكان يأخذ منها ما يمسح به وجهه وأعضاءه، ([196])
وفي(سيرة أعلام النبلاء) للذهبي (قال عبدالله بن أحمد: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي فيضعها على فيه يقبلها وأحسب رايته يضعها على عينه، ويغمسها في الماء، ويشربه يستشفي به ورأيته أخذ مضقة النبي صلى اله عليه وسلم فغسلها في جب الماء ثم شرب فيها قلت: أين المتنطع المنكر على أحمد، وقد ثبت أن عبدالله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويمس الحجرة النبوية فقال: لا أرى بذلك بأساً، أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع) اهـ، ([197]) .
وما حرص أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على الدفن بجواره صلى الله عليه وآله وسلم إلا للتبرك به، ومرجع هذا كله طلب البركة وفيه توجه إلى الله بما له تعلق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسائر أحبابه، وإذا صح استنزال الرحمة بما هو من الجمادات لتعلقه من قرب أو من بعد بذاته الشريفة وذوات أحباب الله يصح التوسل بالأول بذاته الشريفة وذوات سائر أحبابه تعالى، قال الخافجي في شرحه للشفاء: إن هذا يدل على جواز التبرك بالأنبياء والصالحين وآثارهم وبما يتعلق بهم ولا عبرة بمن أنكر ذلك من جهلة عصرنا وقطع عمر للشجرة التي وقعت عندها بيعة الحديبة إنما كان لقرب عهد كثير من الناس يومئذ بالجاهلية لا منعاً للتبرك إذ هو نفسه رصي الله عنه قد طلب أن يدفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجاء أن تصيبه بركة ذلك، وبعد أن روينا لك ما تقدم من آثار فلا يجوز بعد ذلك أن يتهم من يريد أن يتبرك بأي آثار من آثاره صلى الله عليه وآله وسلم سواء في مسجده أو منبره أو محرابه أو شبك قبره أو خارج ذلك.
هـ -محاولة استئصالهم للاعتقاد في الصالحين: رغم زعم الوهابيين أنهم يثبتون الولاية وكرامات الأولياء تراهم يخاطبون أتباعهم بكلمات لا يخفي أن هدفها هو أن يستأصلوا من قلوبهم أي اعتقاد في الولاية والأولياء، واستمع إلى بعض ذلك مما اخترناه من كلمات مؤسس الدعوة الوهابية محمد بن عبدالوهاب، “الدرر السنية “: اعلم أن الشرك هو الذي ملأ الأرض، يسمونه الناس الاعتقاد في الصالحين، “ ([198]) .
وقال “: التوحيد الذي جحدوه (أي المشركون السابقون) هو توحيد العبادة الذي في زماننا الاعتقاد، وإنما يعني المشركون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد، ([199]) .
وقال “: وبالجملة فالذي أنكره الاعتقاد في غير الله مما لا يجوز لغيره وأنا أنصحكم لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين مثل الزنا والسرقة، بل هو عبادة الأصنام من فعله كفر وتبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، “ ([200]) .
وقال “: اعلم أن الألوهية التي تسميها العامة في زماننا السر والولاية فالإله معناه الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه الفقير والشيخ وتسميه العامة السيد وأشباه هذا وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة،،ان الإنسان يلتجئ إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم ويجعلهم وساطة بينه وبين الله فالذي يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وسائطهم هم الذين يسميهم الأولون الإله والواسطة هو الإله فقول الرجل لا إله إلا الله إبطال الوسائط) أهـ، ([201])
ولعل المسلم بعد هذه العبارات لا يستغرب من أين جاء لعامتهم الاستهتار بالأولياء وتوجيه ما لا يليق من الألفاظ إليهم لأنهم فهموا أن الاعتقاد فيهم هو الشرك، وهو عبادة الأصنام وأن الولي الذي فيه السر والفقير والشيخ والسيد هو الذي كان يسميه المشركون الإله وهكذا،
و- زعمهم أن المساجد عند قبور الصالحين هو من اتخاذ القبور مساجد: روى الشيخان واللفظ لمسلم: ((ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون من قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك))، ([202]) . وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها حين ذكر له صلى الله عليه وآله وسلم تصاوير في كنيسة بالحبشة فقال: ((إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا تلك الصور أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ)) ([203]) .
كل ذلك لا يدل على منع زيارته صلى الله عليه وآله وسلم لوقوع القبر في المسجد ولا يدل كذلك على منع أن يتخذ مسجد في جوار رجل صالح قصد التبرك بالقرب منه، بل المقصود من النهي في الحديثين هو أن يقصد القبر بالصلاة إليه أو عليه كما يقصد المسجد تعظيماً للقبر أو للمدفون فيه كما هو فعل اليهود والنصارى كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم وصالحيهم، ولما صوره من صورهم كما يسجد للأوثان فهذا هو الذي يكون ذريعة للشرك، ولذا فإن هجو الموسوسين للمساجد التي فيها قبر وتسميتها مساجد الشرك وزعم أن الصلاة فيها شرك وذريعة للشرك إنما هو تعمق في الجهل وإغراق لسوء الفهم للأحاديث، فإن هذه المساجد لم تبن إلا لما بنيت له المساجد من التعبد وليس ذلك بمحرم ولا مكروه، ولذا بنيت في القرون الأولى مساجد عند القبور من غير أن تكون صلاة إلى القبر أو عليه ولو كان المراد بالحديثين هو النهي من اتخاذ المساجد في جوار قبر رجل صالح بقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا التوجه نحوه أو هجر المساجد لأجل القبر فبها لوجب أن يهجر مسجده صلى الله عليه وآله وسلم بعد إدخال القبر فيه، ولما أصبح مما تشد إليه الرحل والصلاة فيه بألف صلاة مع علمه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه سيدفن في هذا الموضع لما جاء في رواية البزار بسند صحيح والطبراني ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)) ([204]) . ولأنكر الصحابة والتابعون على عمر بن عبد العزيز إدخاله حجر أمهات المؤمنين في المسجد لتوسيعه ولكنهم لم ينكروا ولم ينزل المسجد الشريف في أنظارهم باشتماله على القبور فيه بل ما زالوا ومن بعدهم يتوافدون لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده، ولوكان في الأمر ما هو منكر لغير ذلك عمر بن عبدالعزيز لما آلت إليه الخلافة وهو الذي أحيا سنة جده عمر بن الخطاب ولما أقر علماء التابعين فاطمة بنت الحسين على ضربها قبة على قبر الحسن بن على بن أبي طالب واقامت به سنة كما رواه البخاري معلقاً وهي لا محالة تقيم فيها عبادتها من صلاة وذكر وتلاوة وهي ومن معها، والعصر كان عصر الفقه وإنكار المنكر فالمراد من النهي على ذلك هو قصد القبر بالصلاة إليه أو عليه كما بقصد المسجد تعظيماً للقبر أو ممن فيه، قال الإمام البيضاوي في شرحه الطوالع (لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثاناً لعنهم ومنع المسلمين من مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجداً في جوار رجل صالح وقصد التقرب بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد)، ونقل ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح وأقره، ومما يجب أن يعلم أنه لو وقع استقبال القبر في الصلاة من غير قصد إلى تعظيمه أو تعظيم صاحبه لم يكن على المصلي بأس وليس ذلك من جعل القبر مسجداً في شيء، قال ابن القاسم: كان مالك لا يرى بأساً من الصلاة في المقابر بينما من يصلي في المقبرة تكون القبور بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله 0 قال مالك: وبلغني أن بعض الصحابة كانوا يصلون في المقبرة، ولذا فإن الدعوة المحمومة لإخراج القبر الشريف من المسجد والتي نشرت قبل حين في بعض الصحف لا يحمل عليها إلا جهل أو غيظ متأصل تنطوي عليه القلوب، نساله تعالى السلامة والإخلاص وحسن الإيمان.
زـ اعتبارهم البناء ونحوه على القبور يصيرها أوثاناً تعبد: علل الوهابية منع البناء على القبور بأن البناء عليها يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله، وقد سبق في مقدمة هذه الرسالة أن محمد بن عتيق (قد جعل من اسباب كفر أهل مكة هو عدم هدمهم للقباب)، وجهلوا أن المؤدي إلى الشرك هو اتخاذ القبور مساجد بمعنى قصد القبر لعبادته أو عبادة من فيه كما يقصد المسجد وذلك بالعكوف عليها وتصوير الصور فيها، والمسلمون بحمد الله ليس تعظيمهم للقبور، وإنما تعظيم من فيها من الأنبياء والصالحين إذا لم يتجاوز التعظيم مراتبهم من العبودية، ولا يوجد إن شاء الله من زوار الأنبياء والصالحين من هو عابد لهم ولا متخذهم مع الله آلهة، ولا من يقصد الصلاة إلى قبورهم فالحمد الله على حفظ دينه، وقد علمت أن التوسل والاستغاثة بهم ليس من العبادة في شيء، وأن التشريك والتكفير بذلك هو نتيجة جهل بمعنى العبادة.
وللعلماء في الأبنية على القبور ثلاثة أقوال: فمنهم من كره البناء في الأرض سواء كانت مملوكة أو مسبلة، ومنهم من كره البناء في المملوكة وحرمه في المسبلة، ومنهم من أجاز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين وجعل ذلك مستثنى من أحاديث النهي عن البناء، واعلم أن من منع البناء من الأئمة والعلماء لم يجعل علة المنع أن البناء عليها يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله كما زعم الوهابية، بل عللوا المنع بخوف التضيق على الناس لئلا يحجر عليهم موضع القبر فلا يدفن أحد فيه فيضيق ذلك بالناس لا لأن البناء شرك أو ذريعة للشرك.
ح ـ منعهم السفر لزيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم: جعل القوم السفر بقصد زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم بدعة بل وذريعة للشرك، وأنه سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة ولا يباح الفطر فيه، وفي حقيقة الأمر لا يحبذون الزيارة مطلقاً: ففي (الدرر السنية) من رسالة لمحمد عبد الوهاب قال فيها: (لما كان اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها محرماً لم يكن من ذلك شيء على عهد الصحابة والتابعين، وكان الخليل عليه السلام في المغارة التي دفن فيها وهي مسدودة لا أحد يدخلها ولا شد الصحابة الرحال إليه ولا إلى غيره من المقابر، وهذه البقاع وأمثلها لم يكن السابقون الأولون يقصدونها ولا يزورونها فإنها محل الشرك، ولهذا توجد فيها الشياطين كثيراً وقد رآهم غير واحد على صورة الإنسان يتلون لهم رجال الغيب فيظنون أنهم رجال من الإنس غائبون عن أبصارهم وإنما هم جن) أهـــ، ([205]) .
وليس موضع شك أن إتيانه صلى الله عليه وآله وسلم زائراً مستغفراً من أي مكان هو سبب للفوز بالغفران والرحمة، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، وذلك يشمل إتيانه في الحياة وبعد الوفاة لأن الآية علقت الفوز على تحقق الزيارة والاستغفار، واستغفاره صلى الله عليه وآله وسلم لمن يأتيه وقدرته بعد الوفاة على الاستغفار متحقق لما روى البزار بسند صحيح قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيراً حمدت الله وإن وجدت شراً استغفرت لكم)) ([206]) .
اتفاق العلماء على الزيارة بشد رحل وبدونه: واعلم أن زيارته صلى الله عليه وآله وسلم من السنن المتوارثة المجمع عليها علماً وعملاً من قبل ومن بعد، بعد الحج وقبله وبدون الحج أيضاً من جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم سنيها ومبتدعيها عدا الطائفة التيمية والوهابية، وفي إجماع الأمة ما يغني عن سرد الأدلة على المسألة دون حاجة إلى الدخول في مناقشة التمحك في رد أحاديث الزيارة ويكفي ما حكاه كل من أبي بكر الآجري المتوفي سنة 360 في كتابه (الشريعة) وأبي عبدالله بن بطة المتوفي سنة 387 في كتابه (الإبانة من شريعة الفرقة الناجية): (إنه من أحد من العلماء قديماً وحديثاً رسم كتاباً في المناسك إلا هو يأمر كل من قدم المدينة ممن يريد حجاً أو عمرة أو زيارة فقط كيف يسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والشيخين) اهـ، ([207]) .
وكذلك كان الخليفة عمر بن عبد العزيز يرسل البريد من الشام إلى المدينة مع الزوار لرفع المقام الشريف، فكل هذا يعني أن شد الرحل بقصد الزيارة من قرب ومن بعد قرناً بعد قرن من عهد الصحابة ومن لم يتسن له السفر يبعث بسلامه لحضرته مع الزوار.
ابن تيمية هو أول من حرم شد الرحل للزيارة وادعى أن الزيارة مفضية للشرك: حتي إذا كان القرن الثامن ادعى ابن تيمية أن السفر للزيارة مفضية للشرك ليس لصاحبه رخص السفر وزعم أن أحاديث الزيارة كلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث بل هي موضوعة فأشبعه تقي الدين السبكي رداً على ذلك في (شفاء السقام) وتكلم على أحاديث الزيارة من طريق فن الرواية، ثم زاد بأن تضافر الأحاديث عليها يزيدها قوة لا سيما حين يكون الطعن بالضعف ناشئاً من ضعف الحفظ لا من الاتهام بالكذب، وزعم ابن تيمية أن الزيارة مفضية إلى الشرك لما فيها من تعظيم المزور الذي هو حق صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان الأمر كما زعم لم تشرع زيارة القبور ولم يفعلها رسول الله عليه وسلم ولا الصحابة في حق شهداء أحد والبقيع وغيرهم، وليس لأحد أن يحرم إلا ما حرمه الله، وتخيل أن ذلك يفضي إلى محذور ومنعه بهذه الذريعة هو من باب معارضة الشارع فيما شرع وانتفاض ما ثبت للمزور من حق الزيارة، ولما تخيل الرجل أن الناس بزيارتهم متعرضون للإشراك بالله حاول أن يدفع كل ما ينقص ذلك بتأويل كل دليل يرد عليه والاستدلال على رأيه بكل شبهة، ولعله وأتباعه بما أشربوا في قلوبهم من دعاوى الشرك وذريعة الشرك أنهم قد أحسوا بذلك في أنفسهم حين تعظيم من عظم الله قدره، وهكذا زعم ابن تيمية فيما هو سنة بالإجماع أنه حرام بإجماع وفيما هو منبع لزيادة الإيمان أنه ذريعة للشرك، وليقولوا ما شاء لهم الخيال ما دامت الشريعة قد فصلت ما يجب لله من التوحيد وما يجب لرسوله من التعظيم، ومن دعاؤه صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)) ([208]) .
ودعاؤه لا شك مستجاب، فما أعتقد أحد بحمد الله من زواره صلى الله عليه وآله وسلم أنه شريك لله في شيء فضلاً عن أن يعبدوا قبره ويتخذوه وثناً، وما القبر قصدوا ولكن تعظيم من في القبر وعلى رغم أنف من رضي أو سخط يتعقد المسلمون أنه صلى الله الله عليه وسلم الشفيع المشفع والسامع لسلامهم فيرد عليهم.
ليس في حديث (لا تشد الرحال) ما يمنع السفر للزيارة: وحديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)) ([209]) .فإنه ما أختلف عن سائر المساجد بشد الرحال إليها لزيارتها إلا لأنها من مباني الأنبياء وأمكنة غالب عبادتهم فإذا طلبت زيارتها كانت زيارة أصحابها أولى بالطلب وأحق بشد الرحال إليها، ومن فهم من هذا الحديث أن شد الرحال في الزيارة داخل في المنع فإنه قد جهل الاستثناء المفرغ يجب أن يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه فالمعنى لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيها إلا لهذه المساجد الثلاثة فلا فضيلة لشد الرحال إلى غيرها، وقد ورد ذلك مصرحاً به في رواية أحمد ولفظه (لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله لمسجد يبغي الصلاة فيه غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)، وإذا كان الحديث وارداً في قصد المساجد فإن قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وزيارة الصالحين والإخوان والتجارة والتنزه كلها وأمثالها غير داخل في الحديث.
حديث: ((لا تجعلوا قبري عيداً)) إنما هو نهي عن سوء الأدب عند الزيارة:
وحديث: ((لا تجعلوا قبري عيداً)) ([210]) .فالمراد منه النهي عن سوء الأدب عند زيارته عليه السلام باللهو واللعب والزينة كما يفعل في العيد، وإنما يزار للسلام عليه والدعاء عنده ورجاء بركة نظره ودعائه ورد سلامه، ومما يؤيد أن المقصود هو المنع من سوء الأدب إنكار علي بن الحسين رضي الله عنهما على رجل يأتي كل غداة إلى فرجة عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدخل فيها ويدعو كما رواه أبو يعلى فروى إنكار الحسين وفي آخر الحديث: ((صلوا علي وسلموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم وصلاتكم)) ([211]) .وذلك إزالة لجهلة وسوء أدبه إذ روى القاضي إسماعيل الحديث وقال فيه أن الرجل قد فعل ما انتهره عليه علي الحسين.
حديث ما من أحد يسلم إلي إلا رد الله إلي روحي: وحديث أبي دواد وأحمد: ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي)) أحسن ما يفسر معناه رواية البيهقي: ((إلا وقد رد إلي روحي)) فتكون الجملة حالية ومعناها كما فسرها البيهقي ([212]) (أنه صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما مات ودفن رد الله عليه روحه لأجل رد سلام من يسلم عليه واستمرت في جسده صلى الله عليه وآله وسلم وذلك لأنه لو كان المراد هو تكرار مفارقة الروح لبدنه وتكرار رجوعها حين رد السلام لخالف ذلك القرآن إنه ليس إلا موتتان وحياتان، قال الفاكهاني في كتابه (الفجر المنير فيما فضل به البشير النذير) حين أورد هذا الحديث قال: (إن الحديث يدل أنه صلى الله عليه حي على الدوام لأنه محال أن يخلو الوجود كله من واحد مسلم عليه من ليل أو نهار) اهـ ([213]) .
ط ـ منعهم التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم وبالصالحين ومنع سؤاله الشفاعة: ينكر القوم على من يتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالصالحين ويستغيث بهم ويتشفع بهم ويكفرون المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بدعائم الأنبياء والصالحين مستغيثين أو مستشفعين أو متوسلين، ويضيقون ذراعاً بمدحه صلى الله عليه وآله وسلم بزعم أنها رفع لمنزلته إلى مقام الربوبية، أما عند السواد الأعظم من علماء المسلمين فأن التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالأنبياء والصالحين بأي صيغة جاءت سواء دعوت الوسيلة ليشفع ويدعو في قضاء الحوائج أو طلبت الحوائج من نفس الوسيلة، وبأي اسم سميت كل نوع من نهذه الأنواع فكلها في حقيقتها توسل بعضها أولى من بعض، والمقصد منها كلها في حقيقتها توسل بعضها أولى من بعض، والمقصد منها كلها في قلوب الأمة حتى في قلوب أجهل الجاهلين والجاهلات هو أن يتسبب الوسيلة في قضاء الحاجة بشفاعته ودعائه لربه ولا يعتقد أحد أنه يجب على الله شيء وإنما يعنون بالحق حرمتهم أو ما تفضل الله به عليهم من كرامة عنده، وكذلك لو سألت أجهل جاهل عن مراده من قوله: يا نبي الله أو يا ولي الله: اقضي حاجتي، لعلمت من جوابه على البديهة أنه إنما يريد بذلك أن يكون الوسيلة سببا في قضاء الحوائج من الله بشفاعته ودعائه من قبيل الإسناد المجازي في إقامة السبب وإرادة المسبب، وتوحيد المتوسل قرينه على إرادته هذا المجازي في إقامة السبب وإرادة المسبب، وتوحيد المتوسل قرينه على إرادته هذا المجاز وإن لم يعرفوا تسميته باسمه الاصطلاحي فهم بأي لفظ خرج منهم إنما يطلبون الشفاعة والدعاء والتسبب بأي نحو بما أعطاه الله مع اعتقادهم الجازم أن ذلك راجع إلى محض فضله تعالى، واعتقادهم كذلك أنه تعالى هو الرب وحده والإله المستحق للعبادة وحده، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا يشاركه أحد في تأثير ولا في صفة من صفاته الخاصة به،، فأين في هذا عبادة غير الله بل إن ذلك عبادة لله وتذلل له تعالى ما دام هو الآمر بالوسيلة في كتاب الله وفي أحاديث رسوله مما ألف الناس فيه وقتلوا الأمر بحثا وإن كابر المكابرون وتنطعوا في رد الأحاديث وفي تأويل الآيات، وفي ” الفتاوي الكبرى ” لابن تيمية إجازته للتوسل، وما جاء عنه خلاف ذلك وتفريق بين صيغة فذلك شأن شذوذه وتناقضه ([214]) .
كلام ابن الحاج في التوسل: قال ابن الحاج في مدخله في فضل زيارة القبور وهو معاصر لابن تيمية: ” وأما عظيم جناب الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فيأتي إليهم الزائر ويتعين عليه قصدهم من الأماكن البعيدة، فإذا جاء إليه فليتصف بالذل والانكسار … ويحضر قلبه وخاطره إليهم وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره … ثم يثني على الله تعالى بما هو أهله ثم يصلي عليهم ويترضى عن أصحابهم … ثم يترحم على التابعين لهم … ثم يتوسل إلى الله تعالى في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم ويجزم بالإجابة ببركتهم … فإنهم باب الله المفتوح وجرت سنته سبحانه وتعالى بقضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم ومن عجز عن الوصول إليه فليرسل بالسلام عليهم ويذكر ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه فإنهم السادة الكرام لا يردون من يسألهم ولا من توسل بهم ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم، قال: وأما في زيارة سيد الأولين والآخرين فكل ما ذكر يزيد أضعافه أعني في الانكسار والذل والمسكنة لأنه الشافع المشفع الذي لا ترد شفاعته ولا يخيب من قصده ولا من نزل بساحته ولا من استعان أو استغاث به …فمن توسل به أو استغاث به أو طلب حوائجه منه فلا يرد ولا يخيب لما شهدت به المعاينة والآثار، قال: وقال علماؤنا: إن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته إذ لا فرق بين موته وحياته أغنى في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم إلى أن قال: فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط كل أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا لأن بركته شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب فليستبشر من زاره وليلجأ إلى الله تعالى بشفاعته من يزوره اللهم لا تحرمنا شفاعته بحرمته عندك آمين يا رب العالمين ([215]) .
ومن اعتقد خلاف ظلك فهو المحروم، ولعلك قد أدركت من هو المحروم الذي يشير إليه، ولعل مشايخ الوهابية الذين نقلوا كلام ابن الحاج في المولد سيصبح في نظرهم بعد أن نقلنا عنه هذه الكلمات في الزيارة والتوسل والاستغاثة وطلب الحوائج منه أشد كفرا من أبي جهل وأبي لهب وأبي بن خلف كما يردونه دائما في مخالفي مبادئهم كما سبق نقل عبارتهم في ذلك، إنه لا منشأ لذلك إلا بغض كائن في قلوبهم لأولياء الله فإنهم لا يجدون غضاضة في نسب النفع للدواء، والضرر للسم، فإذا سمعوا نسبة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو وليه اشمأزت قلوبهم وعبست وجوههم وادعوا أنهم يحمون بذلك جناب التوحيد، والتوحيد عني عن حمايته بهذا السلاح الذي لا يسلونه إلا على الموحدين ولا يصلونه به إلا على خلص المقربين، قال الإمام سلامة العزامي المتوفي سنة 1376: (إذا قلت: أشبعني الطعام وأرواني الماء وشفاني الدواء وقتل السم فلانا ولا يجدون حرجا، فإذا قلت: أخذ سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي، أو نفعني الولي هاجوا عليك وما جوا وجن جنونهم ورموك بالخروج عن الملة) أهـ، قلت: وهم لا يكتفون بهذا بل يختلقون على المسلمين لترويج نحلتهم وتنقير الناس من توقيره صلى الله عليه وآله وسلم
اتفاق العلماء قبل ابن تيمية على جواز الاستغاثة: والعلماء قبل ابن تيمية على اتفاق بمشروعية زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين للتبرك بهم وندائهم والاستغاثة والتوسل بهم إلى الله، وإن ذلك سبب لاجتلاب البركات واستنزال الرحمات واستجابة الدعوات وسرعة قضاء الحاجات، فلما ظهر ابن تيمية منع ذلك وادعي أن ذلك شرك أو فيه شائبة شرك، وزعم أن منع ذلك مجمع عليه من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة، وكل ذلك مخترع للتهويل وترويج هذا الشذوذ، ولا أساس لذلك من الصحة وقد رد العلماء عليه وأزالوا غبار الشبه التي أثارها، والمأثور عن العلماء قبله أن التوسل من سنن الدعاء كالصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم أول الدعاء وأثناءه وآخره فوضعوه في كتب السنن والكتب المؤلفة في عمل اليوم والليلة وغيرها وكلها متداولة بين أهل العلم فهل يجوز عاقل أن يروج دعاة الملة وفقهاء الأمة ما زعم ابن تيمية أنه شرك أو ذريعة له؟، وسيد المرسلين الذي جاء لمحو الشرك ولما شكي إليه الضرير رفع ضره لم يقل له إن ذلك شرك بل علمه دعوة فيها التوسل وفيها النداء وتدل الرواية على أن ذلك النداء وقع في غيبته لما ورد في قول راوي الحديث: ((فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأن لم يكن به ضر قط))، ([216]) .وقد جاء في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال للأعمى: ((وإن كان لك حاجة فمثل ذلك)) وبذا اجتمع رسول الله صلى عليه وسلم بالتوسل به ونداءه في غيبته وعمل ذلك كلما عرضت حاجة فيشمل ذلك ما بعد الوفاة لإطلاق القول ((وإن لك حاجة فمثل ذلك)) كما فهمه راوي الحديث حيث أرشد صاحب الحاجة إلى عثمان رضى الله عنه أن يفعل ذلك حين دخوله عليه وذلك في خلافة عثمان بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، وقد صحح القصة البيهقي والمنذري والهيثمي وقال الطبراني إنه حديث صحيح، ولا مطعن لطاعن في صحة الحديث كما سيأتي في آخر هذا المبحث كما أنه يتبين بما قدمنا أنه لاشك في جواز التوسل بالحي والغائب والميت جميعا إذ المعنى الذي أجيز به التوسل بالحي هو مكانته عند ربه وقدرته على الدعاء، وذلك معنى لم يفارق المتوسل به لا غائبا ولا ميتا، وبعد أن علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الدعوة التي فيها التوسل والنداء وأوصى بفعلها عند الحاجات يكون رمي المسلمين بعد ذلك بالشرك – بزعم أن من نادى غير الله من غائب أو ميت كان معتقدا فيه علما محيطا وقدرة شاملة – مناهضة للحديث، ولعل الزاعم لمس ذلك الاعتقاد في نفسه أو في أضغاث أحلامه، أما إن ادعى أنه لمس ذلك في اعتقادات الناس، فإن لم يكن قد شق صدورهم فليوقن أنه مصاب بحمى التعصب وخيالاته، ومعاذ الله أن يعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمته ما هو شرك أو ذريعة للشرك، وأما جعلهم محور الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر على شيء وإنما هو سبب في قضاء الحاجة بالدعاء والتشفع ليقضيها الله، وكلا الحي والميت لهم إدراكات وقدرة على الدعاء كما تقدم، وكم طلب الصحابة منه صلى الله وسلم أمورا ليست في مقدور البشر عادة ولم يقل للطالب أشركت حين طلبت مني ما لا يقدر عليه إلا الله بل أجابهم إلى ما طلبوا بإذن الله، طلب قتاده رد عينه بعد أن سالت على خده في غزوة أحد فردها وكانت أحسن عينيه، وكما في البخاري شكا إليه ابو هريرة النسيان فأمره ببسط ردائه وقذف فيه بيده من الهواء ثم قال: ضمه، قال أبو هريرة: فما نسيت بعدها شيئا، ([217]) . وكما في البخاري اشتكت امرأة إليه الصرع والتكشف فسألته أن لا تصرع ولا تتكشف فقال: ((إن شئت دعوت وإن شئت صبرت)) ([218]) .
فطلبت منه الدعاء أن لا تتكشف فدعا لها بأن لا تتكشف، وأخرج ابن عبد البر في ” الاستيعاب” بسنده عن طاووس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤتي بالمجانين فيضرب صدر أحدهم فيبرأ، ([219]) .
واستفاض في السنة مجيء الناس بمرضاهم إليه ليزيل أمراضهم عنهم بإذن الله فلا يرد أحدا خائبا بل مرة يدعو ويمسح على العلة فإذا الشفاء، ومرة يصب ماء وضوئه على العلة فيعود صحيحا بإذن الله ومرة يؤتي بالأرمد فيتفل في عينيه فإذا العافية، وهكذا كان الصحابة إذا نزل بهم ما لا يطيقون فزعوا إليه وشكوا واستغاثوا واستشفعوا، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يستجيب لطلبات ما طلب منه من خوارق العادات كشفاء المرضى وإنزال المطر بلا سحاب، وقلب الأعيان والصفات ونبع الماء من بين الأصابع، وتكثير الطعام وغير ذلك مما لا يدخل تحت قدرة البشر عادة، ولم يقل للطالبين إنكم أشركتم بطلبكم ما لا يقدر عليه إلا الله، ؟ أفيكون الوهابيون أعلم بالتوحيد وما يخرج منه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين كانوا يستغيثون به ويطلبون منه ما لا يقدر عليه إلا الله كان يعلم أنهم لا يعتقدون فيه ربوبيته أو استحقاق عبادة أو خلق شيء، وإنما يريدون منه أن يتسبب في قضاء ذلك بما قدره الله عليه من دعاء وتشفع وما أعطاه الله من تصرف، وهكذا الناس حين يطلبون شيئا لا يقدر عليه إلا الله إنما مقصودهم التشفع إلى الله في ذلك، فهم ما طلبوا منهم إلا ما أقدرهم الله عليه وملكهم إياه من التشفع، فالإسناد في كلام الناس من المجاز العقلي الذي لا خطر فيه على ما نطق به، وصدوره من الموحدين قرينة على مرادهم.
طلب الشفاعة منه صلى الله عليه وآله وسلم: والشفاعة لا تعني إلا الدعاء، والدعاء مأذون فيه مقدور عليه، وطلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة كثير، فيقول أنس رضى الله عنه كما في سنن الترمذي وحسنه: ((اشفع لي يوم القيامة)) ([220]) . فيقول صلى الله عليه وآله وسلم (أنا فاعل إن شاء الله)، وكذلك أخرج البيهقي في (الدلائل) وغيره قول سواد بن قارب: (فكن لي شفيعاً يوم ذو شفاعة.. سواك بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب)، ([221]) .
ولم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنس ولا لسواد: أطلب الشفاعة من الله فإن طلبها مني شرك، ولوكان طلب الشفاعة والاستغاثة والتوسل به فيما لا يقدر عليه عادة شركاً ولا كفراً كما توهموه لما جاز ذلك في حال من الأحوال لا في الحياة الدنيا ولا في الحياة الأحرى ولا يوم القيامة ولا قبلها فإن الشرك ممقوت عند الله في كل حال، فإذا ثبت التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم والشكوى إليه والاستغاثة به في الملمات وطلب الشفاعة من في حياته الدينا، دل ذلك على جوازه وطلقاً وعلى أنه لا كفر فيه ولا إشراك فيه، إذ ما هو كفر وشرك لا يختلف باختلاف الأزمان ولا الشرائع ولا الأحوال، وسواء وقعت تلك الأمور في الأحياء أو الأموات فإن المقصود كما وضحنا هو التسبب في قضاء الحاجة بالدعاء والتشفع لا اعتقاد ربوبية أو خلق شيء، ولو كان في الأمر شيء من ذلك لما جاز في الحياة ولا بعد الموت، ولا يقول عاقل أنه جائز إذا كان حياً وأما بعد الحياة فشرك، فالشرك كما وضحناه مراراً هو اتخاذ الطلوب منه رباً أو اعتقاد صفاته فيه كما هو شأن عباد الأوثان مع أوثانهم، أما اتخاذ المعظم وسيلة إلى الله من غير ذلك الاعتقاد فلا يكون عبادة للوسيلة بل هو عبادة للأمر يجعله وسيلة.
لا دليل في استسقاء عمر بالعباس بأنه لا يجوز الاستعانة بالميت: أما الاستناد في جواز ذلك بالحي ومنعه بالميت باستسقاء عمر بالعباس، فذلك جهل بأنواع الاستسقاء التي لا بد فيها من وجود الحي، فالحوار في الاستسقاء وفي رفع المطر حين يتأذون به كثيرة، وحين يطلب من صلى الله عليه وآله وسلم الاستسقاء، كان تارة يدعو فيغاثون أو يرتفع الأذى، استسقت به قريش لما أصابهم الجدب واستسقوا به في المدينة فوقع الغيث بدعائه، وروى البيهقي في (الدلائل) عن أنس بسند ليس فيه متهم بالوضع أن اعرابياً قال له صلى الله عليه وآله وسلم: (أتيناك يا رسول الله وليس لنا بعير يئط ولا صبي يغط وأنشد: (وليس لنا إلا إليك فرارنا.. وأين فرار الناس إلا إلى الرسل)، فقام صلى الله عليه وآله وسلم إلى المنبر ودعا فما رد يديه حتي ألقت السماء بأرزاقها، ([222]) .
وفي البيهقي أيضاً أن وفداً زاره شكى الجدب إليه فأغاثهم بنحو ما سبق، وإقراره صلى الله عليه وآله وسلم لقول الأعرابي ليس لنا إلا إليك قرارنا، وعدم عده لذلك شركاً أن المقصود هو أن القرار المرجو نفعه هو إليك لا إلى من دونك فهذه طريقة من الطرق التي كان يسلكها صلى الله عليه وآله وسلم في إغاثتهم حين يطلبون السقي، يدعو من غير خروج بهم، وتارة يخرج بهم إلى المصلى في يوم مخصوص فيصلي بهم ركعتين بخطبتين كما في سنن أبي داود عن عائشة، وهذا أتم أنواع الاستسقاء، فطريقته إذا قحط الناس أن يخرج الإمام أو نائبه بهم إلى المصلي في يوم مخصوص فيصلي بهم ركعتين ويخطب ويدعو، أي أن الاستسقاء بهذه الطريقة يتعلق بالأحياء، فكان عمر رضي الله عنه هو صاحب هذه المهمة بصفته إمام المسلمين ولكنه اختار أن يقوم في الدعاء قريبا من قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال كما في البخاري: ((إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا))، ([223]) .
وأخرج الزبير بن بكار في “الأنساب ” هذه القصة فذكر أن عمر قال للناس: اقتدوا أيها الناس برسول صلى الله عليه وآله وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله، ادع يا عباس، وفي دعائه قال: قد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك … واحفظ نبيك في عمه، فأرخت السماء مثل وأقبل الناس على العباس يتمسحون به ويقولون له: هنيئا لك يا ساقي الحرمين، وقال عمر حينذاك: هذا والله الوسيلة، ([224]) .
فقول عمر كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا إلخ يشير إلى أنه صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي كان يخرج بهم إلى المصلى للاستسقاء لهم، وهذا النوع من الاستسقاء إنما يكون حين وجوده صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرهم، ولما لم يكن هذا ممكنا بعد وفاته خرج عمر بالناس إلى المصلى فتأخر عن حقه، وقدم العباس للاستسقاء تعظيما لرسول الله وتوقيرا لقرابته وتقديما لعم رسول الله صلى الله وسلم على نفسه مبالغة في التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما استطاع، فمن فهم من كلام أمير المؤمنين أنه إنما توسل بالعباس ولم يتوسل بالنبي لأن العباس حي والنبي ميت فقد مات فهمه وغلب وهمه، فإن عمر لم يتوسل بالعباس من حيث هو العباس، بل من حيث هو قريب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالتوسل الذي أشار عمر بانقضائه بوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: كنا نتوسل هو التوسل بخروجه بهم صلى الله عليه وآله وسلم إلى المصلى ليباشر الاستسقاء بالصلاة والدعاء فإن ذلك لا يكون عادة إلا ممن هو حي بهذه الحياة الدنيوية، وقول عمر رضي الله عنه في حق العباس: واتخذوه وسيلة إلى الله فيه أوضح البيان على أن الصحابة لم يكونوا يفهمون من الوسيلة التوسل بالأعمال فقط، بل ذلك شامل للتوسل بالأنبياء والصالحين وما يتعلق بهم، فالتوسل في الاستسقاء الذي انقضي بوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو استسقاؤه صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج بهم إلى المصلى بالصلاة والدعاء أما الاستسقاء بغير خروج فالتوسل به صلى الله عليه وآله وسلم لم ينقض بوفاته، فقد أخرج ابن أبي شبيه بسند صحيح وكذلك البيهقي في “الدلائل ” بسند صحيح أيضا ان بلال بن الحارث المزني حامل لواء مزينة في جيش الفتح: أن الناس قحطوا في عهد عمر فجاء بلال ووقف عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فناداه بقوله: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، ([225]) .
فلم ينكر فعله أحد من الصحابة، ولم يقل أحد منهم أن هذا فعل القبوريين المشركين، وأخرج الدارمي عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله التابعي قال: قحط أهل المدينة فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي صلى لله عليه وسلم فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطروا حتى تفتقت الإبل من الشحم فسمي عام الفتق، والمقصود من ذكر كل هذا أن التوسل بالحي أو الميت فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لا يعني إلا طلب التسبب في قضاء الحاجة بالدعاء والتشفع، وذلك أمر مقدور عليه ويستوي فيه الأحياء والأموات لما لهم من إدراكات وقدرة على الدعاء.
تكملة الكلام على حديث الأعمى: ومن حاول التشكيك في صحة حديث الأعمى بأن في سنده أبا جعفر لم يعرفه الترمذي، وذكر أنه غير الخطمي فإن سائر العلماء، ومنهم ابن تيمية وابن عبد البر قالوا: هو أبو جعفر الخطمي الثقة وقال ابن حجر: إنه صدوق، قال ابن أبي خيثمة: أبو جعفر هذا الذي حدث عنه حماد بن سلمة اسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبة، وهذا يعني أن جميع رجال السند معرفون لكبار أئمة الحديث على أن قولهم أن الترمذي ذكر أنه غير الخطمي فيه خطأ حيث جاء في بعض نسخ الترمذي قوله “هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو الخطمي وفي بعض النسخ وهو غير الخطمي وفي بعضها وليس هو الخطمي “، وهذا من تصرفات الناسخين إذ ليس من عادة الترمذي أن يقول هو غير فلان ويتركه من غير بيان، ويؤيد أنه الخطمي سند الحديث في الترمذي وغيره ” عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف ” لأن أبا جعفر الراوي عن عمارة الذي هو من شيوخ شعبه هو أبو جعفر عمير بن يزيد الخطمي المدني ثم البصري ولا يمكن أن يكون أبا جعفر الرازي المتوفي سنة 160 فإنه وإن كان من شيوخ شعبه أيضا إلا أنه لم يدرك عمارة المتوفي سنة 105 لأن رحلته إلى الحجاز كانت بعد وفاة عمارة بنحو تسع سنين، على أن طرقا أخرى للحديث عن الطبراني كما ساقه السبكي في ” شفاء السقام ” ينص في صلب السند على أن أبا جعفر الراوي للحديث عن عمارة هو الخطمي الثقة باتفاق، ورجال سند الترمذي كلهم ثقات وإنما أطلق عليه الترمذي أنه حسن صحيح غريب بموجب اصطلاحه، فلانفراد عثمان بن عمر عن شعبة وانفراد أبي جعفر عن عمارة سماه غريبا وهما ثقتان، وكم من حديث صحيح ينفرد به أحد الرواة كحديث ((إنما الأعمال بالنيات))، ولتعدد طرق الحديث بعد أبي جعفر وعثمان بن عمر سماه حسنا ولتكامل إثبات الصحة في رواته سماه صحيحا فقال عنه: حسن صحيح غريب، ثم إن الحاكم روى الحديث بسند على شرط الشيخين وأقره الذهبي ونص على صحة الحديث عدد كثير من الحفاظ فلم يبق مطعن لطاعن فيه، وإرشاد عثمان بن حنيف لصاحب الحاجة إلى عثمان في خلافته بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صححها البيهقي والمنذري والهيثمي وقال الطبراني: إنه حديث صحيح، فلم يبق مطعن لطاعن في صحة الحديث، ونص الدعاء الذي علمه صلى الله عليه وآله وسلم للضرير من رواية الترمذي: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي، اللهم فشفعه في)) ([226]) . فواضح من هذا الدعاء أنه كان توسلا بذاته صلى الله عليه وآله وسلم وفي غيبته لما رواه النسائي في آخره: ” فرجع وقد كشف الله عن بصره ” ولما رواه الطبراني والبيهقي كذلك من طريقين: ((فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأن لم يكن به ضر قط)) ([227]) . وفيه النداء أيضا لما رواه ابن ماجه: ((يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي)) ([228]) . الحديث، وادعاء ابن تيمية ومن تبعه أن توسل الضرير كان توسلا بدعائه لا بذاته ولا بجاهه وأن قوله: ((إني أتوجه إليك بنبيك)) وقوله ((إني توجهت بك إلى ربي)) هو على حذف مضاف أي بدعاء نبيك، فذلك صرف لألفاظ الحديث عن ظاهر معناها وإبطال للسنة الصحيحة، وادعاء أن الشفاء قد تم بدعاء الرسول للضرير لا بتوسل الضرير به فذلك غير مصرح به في الحديث، فذلك غير مصرح به في الحديث، ولكنه مع ذلك لا شأن لنا بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد دعا أو لم يدع، ولا بأن الاستجابة قد وقعت بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم أو بدعاء الضرير الوارد في توسله، بل الحجة هي نص الدعاء المأثور عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث اشتمل صراحة على توسل بالذات وعلى نداء له صلى الله عليه وآله وسلم في غيبته، ونداء الغائب عندهم كنداء الميت في عدم الجواز، فادعاء منع التوسل بالميت تفريق لما أحلوه من استواء الميت والغائب في المنع، وتعليلهم للمنع بالميت بأن التوسل المشروع هو التوسل بدعاء الوسيلة، وأن الدعاء غير ممكن من الميت فذلك مناقض لما دلت عليه السنة الصحيحة من قدرة الأموات على الدعاء والاستغفار للأحياء كما سبق بيانه من حديث البزار وغيره: ((فإذا أنا مت فإن رأيت خيرا حمدت الله، وإن رأيت شرا استغفرت لكم))، على أن طلب الدعاء من المتوسل به ليس مدلولا لغويا ولا شرعيا للتوسل فقد يدعو المتوسل به ويقضي الله الحاجة بمجرد التوسل، وحيث كان ظاهر ألفاظ الدعاء أنه توسل بالذات وأن الضرير قد قام به وهو غائب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما دلت عليه رواية النسائي والطبراني والبيهقي، وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أباح استعماله كلما دعت الحاجة إليه حيث جاء في بعض الروايات قوله: ((وإن كان لك حاجة فمثل ذلك))، وأن عثمان بن حنيف الصحابي قد أرشد شخصا إلى استعماله في زمن عثمان بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم فقضى الله حاجته به، فكل ذلك ينقض قول ابن تيمية: ” بأن التوسل بذاته صلى الله عليه وآله وسلم سواء في حضوره أو مغيبه أو بعد موته ” ليس مشروعا عند الصحابة وأن المتبادر إلى أذهانهم في معنى التوسل هو طلب الدعاء من المتوسل به، فكل هذا ادعاء محض ومحاولة للتخلص مما ورد عليهم من حديث الضرير وروايته، وأما احتجاجهم على عدم جواز التوسل بفعل عمر في استسقائه بالعباس فقد وضحنا قبل ذلك بقليل لماذا فعل عمر ذلك، وأنه لا دليل فيه على عدم جواز الاستغاثة به صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته.
ى- استياء الوهابيين من إحياء ذكرى المولد وأشباهه: والوهابيون يستاؤون جدا من اجتماع الناس لإحياء ذكرى ميلاده صلى الله عليه وآله وسلم واجتماعهم للاحتفالات التي يقوم بها المسلمون عند مناسبات معينة، كبدء العام الهجري، وذكرى فتح مكة، وغزوة بدر ونحو ذلك مما يتوخى منه تحقيق خير يعود إلى مصلحة الدين، فكل ذلك عندهم منكر عظيم، وكانوا يقيسونه كقياس المجتمعين على الفسق والفجور، واقتصر الأمر هذه الأيام على إصدار حولياتهم الموسمية في التشهير بتلك الاجتماعات، وتحريم المولد مستخدمين في ذلك كل وسائل الإعلام والمنابر في مهاجمته وإصدار المؤلفات في ذلك وتوزيعها مجانا على النحو الذي أشرنا إليه في مقدمة هذه الرسالة.
ولا بأس عندهم من شن الغارة على إحياء هذه الذكرى بينما أباحوا إقامة أسبوع للاحتفال بذكرى محمد بن عبد الوهاب وآثاره، ولا نطيل الآن القول في بحث مشروعيته المولد حيث خصصنا لذلك بحثا خاصا به، ولعلك قد أيقنت بعد سماعك ما سردناه عليك من كلمات المتطرفين وتصرفاتهم ” من خوض في مصير الأبوين، وتذمر من جعل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وردا، وطعنهم في الكتب المؤلفة فيها وتضارب أقوالهم في إنكار حرقها والاعتراف به، وكراهتهم لتسويده صلى الله عليه وآله وسلم الصالحين، وتهويشهم في البناء على القبور وجعل ذلك من دلائل الشرك، والتنفير من السفر لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم وغلق أبواب الأضرحة لمنع زيارة من فيها ومراقبة الزوار عند زيارتهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وانتهارهم ومحاولة إخراج قبره من المسجد، ومحاولة محو ما يتعلق بآثاره صلى الله عليه وآله وسلم ومنعهم التوسل به واستياؤهم من إحياء ذكرى مولده ومعراجه وما أشبه ذلك من المناسبات التي يتوخى منها تحقيق خير يوجه القلوب إلى الحماس للدين والإيمان وحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فكل تلك التصرفات تشعر بأن الوهابيين قد طبعوا أتباعهم تحت ستار حماية جناب التوحيد على أن كل ما فيه إجلاله صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره من قول أو فعل هو شرك وتأليه له صلى الله عليه وآله وسلم وعبادة له، وأن كل من عظمه فهو عابد له أو مرتكب بدعة أو محظورا، وانظر في ” الهدية السنية والتحفة الوهابية ” رسالة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب التي وجهها إلى مكة بمناسبة فتحها لهم أول مرة وسترى فيها أن من قال يا رسول الله إني أتوسل بك أو اشفع لي فذلك شرك، وإن قال اللهم إني أتوسل إليك بنبيك أو بجاهه فقد ارتكب بدعة شنيعة، نسأل الله سلامة قلوبنا وهدايتها إلى الصراط المستقيم .
انتهى مختارات من كتاب السلفية المعاصرة مناقشات وردود للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المكي الهاشمي
***
المبحث السابع مسائل مستفادة من رسالة (مسائل في التوحيد والشرك) للشيخ غيث بن عبد الله الغالبي يهذب فيه الأخطاء التي شابت الدعوة النجدية في باب التوحيد والشرك
قال الشيخ غيث بن عبد الله الغالبي في رسالته ” مسائل في التوحيد والشرك “: (فهذه مسائل ترددت مدة في كتابتها لأسباب كثيرة ومثبطات جسيمة ومن أبرزها: اقتناعي بعض الشيء بقلة من يطلب الحق للحق لا للتعصب، وكثرة من كتب في هذه المسائل قديماً وحديثاً، ولكن طلباً للثواب من الكريم التواب وطلب لنصرة الحق وإعلاء كلمته وتفاؤل بأناس من طلبة العلم همهم طلب الحق وسعيهم في الانقياد إليه كتبت هذه السلسة عسى أن يكون فيها فائدة لمستفيد وإيقاظ لمن كان للحق مريد ولا حول ولا قوة لي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
(المسألة الأولى):
الخطأ في تقرير توحيد الربوبية: لأن التوحيد هو أعظم مطلوب فأبدأ به، وأول أقسامه على الاصطلاح الدراسي في المناهج التعليمية توحيد الربوبية، (توحيد الربوبية): هو إفراد الله تعالى بأفعاله ومنها الخلق والرزق والتدبير، طبعاً ليس المراد التوسع في ذلك ولكن المقصود بيان المسألة بحدها (تعريفها) وتطبيقها وما يرد عليها ووجه الانتقاد هنا: فالمتأمل في الحد المذكور بعاليه يجد أن توحيد الربوبية منصب على اعتقاد العبد انفراد الله بأفعاله سبحانه وتعالى ثم ضٌرب أمثلة على أفعال الرب سبحانه وتعالى بذكر الخلق والرزق والتدبير وليست أفعال الرب سبحانه وتعالى محصورة في ذلك بل إنما هي أمثلة لبعض أفعاله، إذا كان الأمر كذلك فهل كفار قريش وحدوا الله في الربوبية (أي إفراده بأفعاله) أم أنهم كفار في هذه المسألة؟! تتابع أهل التدريس على مختلف المستويات على قولهم إن كفار قريش موحدون في الربوبية! بدليل قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}، وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ}، وَقَوْلَهُ تَعَالَى{قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}، فأفادت الآيات الكريمة أن كفار قريش قد وحدوا الله في الربوبية، هكذا يقال، !! وهذا الكلام غير صحيح لأسباب:
1- أن أفعال الرب سبحانه وتعالى غير محصورة في الخالقية أو الرزق أو التدبير بل المذكور في الآيات شيء من أفعال المولى سبحانه وتعالى وليست كل أفعاله فكيف نقول أنهم قد وحدوا الله في أفعاله (أي في ربوبيته) وهم قد جحدوا أشياء من أفعاله منها البعث والنشور فيقول قائلهم وقد أخذ عظم قد أرم: يا محمد أتزعم أن ربك يعيد هذا؟!! والقائل هو العاص بن وائل القرشي، وقال تعالى {زعم اللذين كفروا أن لن يبعثوا} فأين التوحيد في الربوبية؟! فكونهم اعترفوا ببعض الأفعال لا يعني ذلك توحيدهم في بقية الربوبية، بل لو أقروا بالبعث والنشور وسائر أفعال الخالق سبحانه وتعالى ثم استثنوا نملة من مخلوقاته أو ذرة من التراب وقالوا خلق الله جميع الخلق إلا هذه النملة أو هذه الذرة من التراب، لكانوا بذلك كفاراً غير موحدين في الربوبية، فكيف وقد جحدوا البعث والنشور وزعموا أن أصنامهم شريكة لله في التصرف والتدبير وغير ذلك من ترهاتهم؟
2- كونهم يقرون لله ببعض أفعاله لا يعني أنهم ينفون الشريك له فيها ولذا فنكمل الآية السابقة حتى يتبين الحق ولا تجتزئ النصوص ونبترها فيخفى الحق عن طالبه وسأسوق الآيات السابقات وما يتبعها من آيات حتى يتكامل المعنى لدى طالب الحق {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون * ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون * عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون}، وهنا بارك الله بكم اكتملت الآيات واتضح المراد، قال الإمام القرطبي في تفسيره: ((بل أتيناهم بالحق)) أي بالقول الصدق لا ما تقول الكفار من إثبات الشريك ونفي البعث، أ ه، ([229]) .
وقد وضعت لك تحت كل شاهد على ما أسلفنا خطاً لتعلم أن الإقرار بالربوبية إنما هو إقرار ببعض الأفعال لا بكلها ودون نفي وجود الشريك من آلهة أخرى ولاحظ أخي رعاك الله قوله تعالى ((وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق)، هل تتصور أن المولى عز وجل يخاطبهم بأمور لم تقع منهم بل ويدلل ببرهان التمانع على عقائد لم يعتقدوها!! سبحانه وتعالى عن ذلك، (معنى التمانع كون كل إله يذهب بما خلق): فكفار قريش يعتقدون بوجود شركاء لله في الخالقية ويعتقدون أن الله الخالق سبحانه وتعالى والأمر جلي لمن تبصر ففيه ثلاث نقاط: (الأولى): اعترافهم أن الله مدبر متصرف رازق خالق فهم مقرون به: وهم بذلك يفترقون عن من ينكر ربوبية الله مطلقاً، و (الثانية): اعتقاد وجود الشركاء لله ولو في بعض أفعاله (ربوبيته)، وهم بذلك يفارقون من يعتقد أنه لا شريك له في ذلك، (الثالثة): أن هذا الاعتراف منهم أو المعرفة لا يعني أنهم موحدون في الربوبية لأن التصديق والإذعان غير متوفر فيهم فكيف نقول أنهم موحدون؟ وأي توحيد هذا؟ (النتيجة): أن كفار قريش لم يوحدوا في الربوبية وعليه فالشهادة لهم بذلك خطأ واضح فكيف بتقرير ذلك ونشره والتقليد فيه أليس في هذا بعد عن الصواب شاب عليه الكهل من أهل العلم ونشأ عليه الشباب؟!! فنسأل الله أن يهدي من يقرر ذلك أو يشهد به لهم وأن يتوب علينا وعليه،.
ثانياً: تفرع على التقعيد الأول وهو اعتقاد أن الكفار قد وحدوا في الربوبية اعتقاد أخر وهو أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم يبعثهم الله لتوحيد الربوبية وإنما بعثهم لتوحيد العبادة لأن الناس على التوحيد الحق في الربوبية، !! وهذا باطل بما سبق وأضيف تنبيه يسير مع سوق بعض الأدلة: فأما التنبيه: فاعلم أخي الحبيب أن الحكم في مسألة من المسائل العقدية أو الفرعية لابد أن يكون مكتمل الشروط ومن تلك الشروط جمع جميع الأدلة في المسألة، فلا يجوز الأخذ ببعضها وإهمال بعضها الأخر وهي نقطة أساسية لمعرفة أسباب الخطأ الذي وقع فيه كثير من المنظرين لمسألة الربوبية وغيرها من المسائل فأخذ بعض النصوص كالتي تم سياقها وترك النصوص الأخرى في نفس المسألة، تسبب في استدلال خاطئ وتصور غير صحيح نتج عنه حكم غير صحيح، وقد وردت آيات كثيرة في شأن الربوبية فمنها: قوله تعالى: {رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً}، فرتب العبادة على الربوبية، ويقول تعالى: {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض} يشير إلى أنه لا ينبغي السجود إلا لمن ثبت اقتداره التام، ولا معنى لأن نسجد لغيره، هذا هو المعقول، ويدل عليه القرآن والسنة، أما القرآن فقد قال: (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا)، فصرح بتعدد الأرباب عندهم، فكيف نقول أنهم قد وحد الله في الربوبية وأن جميع الأنبياء لم يبعثوا لدعوة الناس لتحقيق الربوبية وإنما بعثوا لتوحيد الألوهية!!.
ويقول الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام لصاحبي السجن وهو يدعوهما إلى التوحيد: {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار}، ويقول الله تعالى أيضا: {وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي}، ومثل ذلك قوله تعالى: {لكّنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً} خطاباً لمن أنكر ربوبيته تعالى، وانظر أخي الحبيب إلى قولهم يوم القيامة: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين}، وانظر إلى قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا} [الفرقان: 60]، فهل ترى صاحب هذا الكلام موحداً أو معترفاً؟!، فإذن ليس عند هؤلاء الكفار توحيد الربوبية على حقيقته، ويقول الله في أخذ الميثاق: {ألست بربكم قالوا بلى} وجعله سبحانه حجة على من أشركوا به في العبادة حيث قال: {أن تقولوا يوم القيامة أنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك أباؤنا من قبل} أليس هذا صريحا في أن أخذ العهد بتوحيد الربوبية هو أخذ للعهد بتوحيد العبادة؟ فلو كان الإقرار بالربوبية غير كاف وكان متحقق عند المشركين ولكنه لا ينفعهم كما يقول البعض، ما صح أن يؤخذ عليهم الميثاق بهذا، ولا صح أن يقولوا يوم القيامة: {إنا كنا عن هذا غافلين}، وما كانت محاورة فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام إلا في الربوبية وقد قال: {أنا ربكم الأعلى} ثم قال: {لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين}، {قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون، قال ربكم ورب أبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون}.
وأما السنة فسؤال الملكين للميت عن ربه، وكان الواجب على تقرير من يقول أنهم قد وحدوا في الربوبية أن يقولوا للميت: من إلهك لا من ربك!! أو يسألوه عن هذا وذاك بما أن الناس قد وحدوا في الربوبية! والحق أن التلازم بينهما جلي فالإله هو الرب والرب هو الإله ومن أقر بأنه الله لا شريك له في أفعاله فلن يعبد غيره، وإن شئت فانظر إلى قولهم لهود عليه الصلاة والسلام: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء}، ثم انظر بعد ذلك في زرعهم وأنعامهم: {هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم}، فقدموا شركاءهم على الله تعالى في أصغر الأمور وأحقرها، وقال تعالى في بيان اعتقادهم في الأصنام: {وما نرى معكم من شفعائكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء}، فذكر أنهم يعتقدون أنهم شركاء فيهم، ومن ذلك قول أبي سفيان يوم أحد: (أعل هبل)، فأجابه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (الله أعلى وأجل)، فانظر إلى هذا ثم قل لي ماذا ترى في ذلك من التوحيد الذي ينسبه إليهم من ينسبه ويقول: إنهم فيه مثل المسلمين سواء بسواء وإنما افترقوا بتوحيد الألوهية؟!، وأدل من ذلك كله قوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم)، إلى غير ذلك مما يطول شرحه، فهل ترى لهم توحيداً بعد ذلك يصح أن يقال فيه إنه عقيدة؟!،
(المسألة الثانية): توحيد العبادة: هو إفراد الله تعالى بأفعال العبد من صلاة ودعاء وصيام وسائر أعمال التعبد، وقبل أن نتكلم عن توحيد العبادة نتكلم عن الشرك الأكبر فبضدها تتميز الأشياء، (الشرك) ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر وهو مدار بحثنا وشرك أصغر، فالشرك الأكبر له حد وتعريف ولما كان الشرك من أعظم الذنوب بينه الشرع أتم بيان بل ورد التصريح ببيان معناه:
1 – تعريف الشرك الأكبر: عرفه من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الصحيحين حين سأله بعض من يحتاج إلى تجلية وبيان حد أعظم الذنوب فقال يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)) ([230]) .والنِّد: قال الأخفش: هو الضِد والشبيه، فهو يشتمل على معنيين: (الأول): الشبيه والنظير، والثاني: الضد المخالف، وهذا ما جزم به أهل اللغة وأهل فقه الحديث، كابن الأثير في (النهاية)، إذن هو نظيرٌ لله عز وجل بزعم من يعبده، ويخالف الله حقيقة في ذاته وأسمائه وصفاته، ولذا قال تعالى {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله}، فمن اتخذ صنماً أو شيئاً من الأشياء كنظير مساوي لله أو يعتقد أنه أعظم من الله فقد كفر.
[أخي الكريم تأمل الصور التالية حق التأمل]: (الصورة الأولى): إنسان يدعوا ويصلي وظاهر صفة صلاته كصلاة المسلمين غير أن نيته وقصده التعبد والتقرب للشمس، (الصورة الثانية): رجل يصلي ويدعوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويجاهد معه ومع الصحب الكرام بيد أن نيته وقصده ليس العبادة وإنما للدنيا أو لجاه أو لخوف من المسلمين، فهو منافق نفاق عقدي، (تنبيه هذا يخالف الشرك الأصغر لأن الرياء صاحبه يعبد الله ويزين هذه العبادة لأجل الناس ففرق بين الحالتين، (الصورة الثالثة): رجل يصلي ويدعوا ويصوم ونيته وقصده ابتغاء رضا الله، كل هذه الصور السابقة متماثلة الظاهر ولم يميز بينها إلا النية والقصد، فإذا كانت النية والقصد هي مدار العمل فهل هناك فرق بين فعل المسلمين في أغلب أنحاء الأرض وفعل المشركين من قريش وغيرها أم كلاهما كافر؟، نضرب أمثلة أخرى للإيضاح: أنت رجل مسلم: أتاك ضيوف من العلماء الصالحين فذبحت لهم مجاملة وجري على عادات وعرف الناس لا بنية التعبد بإكرام هؤلاء الضيوف من علماء الأمة، = فلا أجر لك ولا أثم عليك لأن ذلك مباح، وجاء الأخر فذبح يرجو الأجر والمثوبة من عند الله بإكرامه الضيف فنوى بها التعبد لله بإكرام هؤلاء الصالحين وهذا مستحب، = فله الأجر بحسن قصده وتقربه لله، وذبح أخر هدي بقصد التعبد لله بشعيرة من العبادات وهي الهدي، وذبح أخر هدي رياء ومجاملة للناس = فهو آثم وقد يحبط عمله على تفصيل في المذاهب، وجاء الأخر فذبح للجن عبادة لهم من دون الله لكي يتعلم السحر، = فهو كافر لأن نيته عبادة غير الله تعالى، لاحظ أخي الكريم أن الصور الظاهرة في كل تلك الأعمال لم يفرق بينها إلا النية،.
مثال أخير: رجل مريض أخذ الدواء: (الصورة الأولى): أخذه ينوي أن هذا الدواء شريكاً لله في الشفاء، أو مستقلاً عن الله في ذلك = فهو كافر خارج من ملة الإسلام، (الصورة الثانية): رجل أخذ الدواء وينوي أن هذا الدواء مجرد سبب من الأسباب وهو سبب عادي والشفاء حقيقة من الله = فلا شيء عليه، (الصورة الثالثة): رجل أخذ الدواء وينوي أن هذا الدواء مجرد سبب من الأسباب وهو سبب عادي والشفاء حقيقة من الله ولكن الدواء لا يصلح للمرض الذي يعانيه فمرضه بالسرطان مثلاً أجارنا الله وإياكم من كل سوء والدواء مسكن للحرارة فقط = فهذا جاهل بالدواء ولا يقال إنه مشرك ولا أنه وقع في الشرك ولا أنه تعاطى محرم، أخي اللبيب: الفرق بين الدواء المذكور في المثال وبين التوسل بالميت أن الدواء جماد لا روح فيه، بخلاف الميت وإلا فكلاهما سبب والتعامل معهما من باب تعاطي الأسباب.
وهؤلاء المتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعتقدون أن الرسول مجرد سبب والمعطي حقيقة هو الله تعالى، فإن قلت أن الله قريب لا يحتاج لسبب فجواب المنصف يقول للمريض: الشفاء من الله لا يحتاج إلى سبب والله قريب ((واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشي لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك))، وعلى الجملة يلزم سد باب الأسباب والمسببات والوسائل والوسائط، وهو خلاف السنة الإلهية التي قام عليها بناء هذه العوالم كلها من أولها إلى آخرها، فإن قلت: أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل ولا ينافي أن الأمر كله لله فأقول لكم فأنصف فإن هذا يجري في سائر الأسباب، فإن قلت: أن الميت لا يسمع ولا عن نفسه يدفع: فأقول لك أخي هذا رأيك واجتهادك ولكن كثير من العلماء يقولون: أنه الميت يسمع وأن الله قد يعطينا إكرام له إن كان نبي أو ولي صالح، ودليلهم في كونه يسمع: (أهل قليب بدر) و (سماع الميت لقرع النعال)، (والسلام على الأموات عند الزيارة) وغيرها كثير، فلو لم يكن الميت يسمع لكان فعلنا وسلامنا عليه سفهاً، وراجع كتاب الروح لابن القيم وكتاب التذكرة للقرطبي فستعلم أكثر، وأما استدلال من يستدل بقوله تعالى {وما أنت بمسمع من في القبور} على أنه نفي لسماع الأموات للأحياء فليس المقصود ذلك بل المقصود سمع إجابة وإيمان لا مجرد السمع الحسي فإن الكفار يسمعون سمعاً حسي ولكن لا إجابة وكذا الأموات وهذا فيه جمع بين النصوص الدالة على سمع الأموات للأحياء وانظر إلى تفاسير علماء الأمة في ذلك ونسوق الآية بسياقها وسباقها حتى يكتمل المعنى: قال الله تعالى: {ولا يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير}، فالكلام كله كان في هل الكافر يستجيب لدعوة الإسلام أما لا يستجيب كمثل الميت الذي لا يستطيع إجابة دعوة الإسلام، وأما كون دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينفع كسبب فقد ثبت ذلك بالتجربة كما ثبت نفع الدواء في إزالة المرض بالتجربة، ولا يلزم أن يطرد في النتيجة مع كل إنسان وفي كل حال كما لا يلزم أن يحصل الشفاء باستعمال الدواء مع كل إنسان وفي كل حال، وأيضاً ثبت عندهم بأحاديث صحيحة ليس هذا مكان ذكرها ولكن فيها كتب ككتاب إعلاء المنارة في تخريج أحاديث التوسل والزيارة فليراجع أو تجده على شبكة النت، ثم لو سلموا لنا بأن الميت ليس بسبب ينفع أو يضر فغاية ما نقول: إنه كمن يأخذ الدواء في غير ما صنع له كما في المثال السابق، فهل نقول أنه مشرك شركاً أصغر أو أكبر لأنه أخذ بسبب لا نفع فيه، فلم يقل أحد من سلف العلماء ومن اتبعهم أن من تعاطى سبب لا ينفع فهو مشرك شركاً اصغر ولم نسمع به إلا في غربة العلم.
وعليه فللمسألة جهتان: (1) أن يدعو الميت ويناديه على أنه متصرف بالأمر استقلالاً أو أنه شريك وند لله تعالى فهذا كفر وشرك أكبر لا خلاف هنا.
(2) أن يدعو الميت ويناديه على أنه سبب فقط لا متصرف بالأمر استقلالاً ولا شريك لله تعالى فهذا جائز، فإن كان سبب حقيقي فلماذا ننكر عليه وإن كان سبب لا طائل تحته فلماذا التبديع والتكفير؟!
(تنبيه): لماذا نفرق في الاستغاثة بين الحي والميت: فنقول يجوز أن يستغيث المضطر بحي حاضر قادر ولا يجوز بالميت بل هو كفر؟ أخي الحبيب: إن نوى المستغيث بالحي القادر الحاضر أنه شريك لله تعالى أو مستقل بالاقتدار فهو شرك أكبر بلا ريب، وإن نوى أنه سبب فقط والمعطي والنافع حقيقة هو الله فهو جائز.
[إيرادات على قيود الجواز]: (كونه قادراً): وهو قيد خرج به غير القادر، إذن لو كنت تستغيث وأنت معلق على حافة بئر فمر ولد صغير لا يجاوز الثامنة ووزنك مائة كلغ فهل يجوز لك أن تقول له أدركني أغثني يا فلان؟ هذا يا أحبتي ليس فيه شيء من الإثم غاية ما في الأمر أنه استغاث بسبب يرجو أن يستفيد منه، أخي لا أريد أن أطيل عليك ولكن تأمل في الأسباب التي يجوز التوسل بها: ولنضرب مثال على ذلك: بالعمل الصالح فهو سبب متفق على جواز التوسل به، العمل الصالح مخلوق من مخلوقات الله ثبت كونه نافع كسبب من الأسباب النافعة فلو توسلت بهذا العمل المخلوق على أنه مستقل بالنفع أو شريك لله فهو شرك أكبر، والعمل مخلوق والرسول صلى الله عليه وآله وسلم مخلوق فهل الرسول أفضل وأعظم أم عملك أخي الحبيب أجب ولا تستحي؟ إن قلت أن الرسول بل وعلماء الأمة أفضل مني ومن عملي فقل لي بربك ما الفرق بين التوسل بعملنا الأقل شأناً وبين جواز التوسل بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟ مع أن كلاهما سبب ولكن سبب أقوى من سبب ولو كان عبادة أو شبه عبادة لم يجز بالحي ولا بالميت، قال تعالى: {والله خلقكم وما تعملون}.
أخي الكريم: لا يفوتني أن أقول: إن التفرقة بين الحي والميت في هذا المقام لا معنى لها، فإن المتوسل لم يطلب شيئا من الميت أصلاً، وإنما طلب من الله متوسلاً إليه بكرامة هذا الميت عنده أو محبته له أو نحو ذلك، فهل في هذا كله تأليه للميت أو عبادة له، أم هو حق لا مرية فيه، أحبتي الكرام لقد أكثرنا من التبديع والتفسيق لإخواننا المسلمين ولا معنى لأن نستطيل في ذلك إلا الظلم والبغي.
فتلخص مما سبق نقاط لمن أراد الحق وأنصف من نفسه: 1 – أن المسلمين اللذين يتوسلون بالصالحين لا يعبدونهم قطعاً وأنهم لا يعبدون إلا الله وحده لا شريك له.
2 – أن دعاء كفار قريش ونحوهم هو دعاء تعبد أي يعتقدون أنهم آلهة مع الله هذه نيتهم وقصدهم.
3- أن كفار قريش ونحوهم يعتقدون أن الأصنام آلهة مع الله شركاء له قال تعالى ((أجعل الآلهة إلهاً واحدا))، وقال تعالى: (تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين).
4 – أن الأخذ بالسبب على أنه سبب وليس مستقل بالتأثير عن الله ولا شريك لله جائز.
5 – إذا عرفت هذا فتذكر قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)) ([231]) .
(تنبيه): إن قال قائل وكيف أعلم أن الذي يدعوا الأموات ويستغيث بهم أن نيته أنهم أسباب وليسوا شركاء لله أو ليس قصدهم عبادتهم تقرباً إلى الله؟ فجوابه بجوابين: 1- أن الأصل في المسلم السلامة وهم يصرحون وعلماءهم يصرخون بالليل والنهار أننا لا نعبدهم وإنما هم أسباب كسائر الأسباب وأن المعطي حقيقة والمانع هو الله وأنظر رسالة الشوكاني الدر النضيد ورسالة الدجوي وغيرها مئات الرسائل والكتب، 2 – إذا رأيت مريضاً يأخذ الدواء فكيف تعرف أنه ينوي كونه سبباً أو شريكاً لله وكذا لو رأيت غريقاً يستنجد ويقول أغيثوني فكيف تعرف أنه ينوي كونه سبباً أو شريكاً لله أو عبادة لمن يستغيث به؟ فإن قلت الأصل السلامة في المسلم فأقول لك أخي الكريم: كذا قل في المستغيثين فالعاقل خصيم نفسه،
(تنبيه): الاستغاثة والتوسل عندهم بمعنى واحد فقول قائلهم: يا نبي الله أدركني (استغاثة)، هي كقوله يا رب أسألك بجاه محمد أن تغيثني، وهي كقول الحي: يا طبيب أدركني، وقوله اللهم إني أسألك بصلاتي في جوف الليل أن تدركني، لأن كل الصور المذكورة وإن اختلفت ألفاظها فقد اتحدت في كونها من باب السبب لا من باب الاستقلال ولا بنية عبادتهم، فمن اعتقد أن الطبيب مستقل أو شريك لله غير من ينوي أنه مجرد سبب والأمر لله، وكذا قل في الرسول فمن نوى أنه مجرد سبب فالأمر سيان سواء قال يا رسول الله أدركني، أو قال: أسأل الله بجاهك أن يدركني، لأن الرسول والدواء والطبيب والوظيفة وكل ذلك مخلوق وكلها أسباب.
(تنبيه أخير): كل ما تجد من الآيات والأحاديث التي يستدل بها من يكفر المسلمين كفر وصفي أو معين فاحملها على معنى التعبد أي أنهم يعبدون أصنامهم بهذه الأدعية كشركاء لله أو استقلالاً عن الله، {فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} قال القرطبي: في تفسيرها فلا تشركوا فيها صنماً وغيره مما يعبد، أهـ أنظر تفسير القرطبي لسورة الجن، والحاصل أن الآيات والأحاديث في الباب كثيرة وهي لا تخرج عن نوعين: (الأول): عبادة لغير الله وهذا كفر بالإجماع لأن اعتقاد شريك لله أو إلهاً للعالم غير الله فهو كفر، (الثاني): أن يكون دعاءه لغير الله على وجه التعبد لذلك الصنم أو النبي أو أي مخلوق ولو كان بقصد التقرب لله فإنه كفر أيضاً لأن صرف أي عبادة لغير الله كفر لأن العبادة نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تكون إلا لله، (لكن تذكر أن الداعي ناوياً بدعائه عبادة ذلك الغير)، وهذا كطلب بني إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهاً كآلهة الكفار وطلب الصحابة حدثاء العهد بالكفر أن يجعلهم لهم شجرة ذات أنواط كالشجرة التي يعظمها الكفار.
لاحظ أخي: عن أبي واقد الَّليثي قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سِدرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الله أكبر إنها السُنَن قلتم، والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة})) ([232]) .
تنبه أخي الكريم مشكوراً إلى عدة نقاط: (أولها): أنهم حدثاء عهد بكفر والمنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه، لا يأمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العبادة، (ثانيهما): فيه تشبيه لمقالة أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم بمقالة بني إسرائيل لموسى، بجامع أن كُلاً طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان فالمعنى واحد، وفي هذا دلالة على أن اعتقاد ذلك شرك أكبر، أما مقالة بني إسرائيل فواضحة، وأما مقالة أصحابه فلتسويته صلى الله عليه وآله وسلم بين مقالتهم ومقالة بني إسرائيل مؤكداً ذلك بالقسم، ففي الحديث تصريح بأنهم كانوا يريدون عبادته مع الله تعالى كما فعل قوم موسى، فإنزال حديث أناس حدثاء عهد بكفر على أناس قد استقر في قلوبهم الإسلام أعوام مديدة في دول إسلامية عديدة خطأ بين وظلم لإخواننا المسلمين ولذا فإن من تقدم إسلامه من الصحابة لا يجهل هذا، وكذلك قوم موسى فيهم سبعون رجل لا يجهلون أن ذلك أن ذلك من الكفر كما قال أصحاب التفاسير ومنهم، قال ابن جريج: كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول بيان قصة العجل، أنظر تفسير الرازي من الأعراف، وتفسير القرطبي نفس الآية، ([233]) . مثاله: (أن منافق كان يؤذي المؤمنين فقال أبو بكر قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق: فقال: ((إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله)) هذا الحديث ضعيف ولكن على فرض ثبوته فيستفاد منه التالي:
1 – أنه بقصد تعليم الصحابة حتى لا يغلوا فيه كغلو النصارى في المسيح وغلوهم فيه هو عبادته واعتقاد كونه ولد لله وأنه إلهاً مع الله قال تعالى ((لقد كفر اللذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)) فخشي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يعبدوه وهم حدثاء عهد بكفر، وهو كقوله ((وإذا استعنت فاستعن بالله)) فلا يعني ذلك عدم جواز الأخذ بالأسباب وطلب العون من الناس ولا يعني عدم جواز الاستغاثة بالمخلوق.
2 – أن في الحديث استغاثة بحي حاضر قادر صلى الله عليه وآله وسلم ويلزم على هذا إجراء ذلك في الحي والميت، لأنهم استغاثوا به في حياته وحضوره فما دام أننا لا نقول بذلك لأنه بعيد فحمله على الميت أبعد عن الصواب فلم يبق إلا أن نقول: إنه خشي أن يظنوا أنه مستقل بالقدرة والتأثير فنهاهم أو أن من بينهم من هم حدثاء عهد بكفر فبين لهم حتى لا يفعلوا ما فعل قوم عيسى من غلوهم فيه وذلك بعبادتهم له عليه السلام.
[نموذج أخر]: حديث عبدالله ابن الشخير قال انطلقت في وفد بني عامر إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا: أنت سيدنا فقال (السيد الله تبارك وتعالى) قلنا: وأعظمنا طولاً وأفضلنا فضلاً فقال ((قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان))، فلاحظ أنهم حدثاء عهد بكفر أتوا لمبايعته على الإسلام، ولا حظ أنه خشي أن يستجرينهم الشيطان إلى شيء أعظم، بينما تراه مع أصحابه اللذين رسخ الإسلام في أذهانهم مع الزمن يقولون له ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم وصححه من حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه أنه قال: “مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت فيه، فخرجتُ محمولاً فَنَمى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: مروا أبا ثابت يتعوذ، قال: فقلت يا سيدي والرقى الصالحة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “لا رقى إلا في نفس أو حمة أو لدغة”، وتسويد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الخطاب داخل ضمن عموم قول الله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) قال قتادة كما في “تفسير ابن كثير”: “أمر الله أن يُهاب نبيُّه صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يُبَجَّل، وأن يُعَظَّم، وأن يُسًّود” ([234]) .
فانظر إلى الفرق بين الموقفين موقف مع حدثاء عهد بكفر وموقف بعد استقرار الدين، فالنتيجة تتلخص في الآتي: 1- أن كفار قريش غير موحدين لله في جميع الربوبية أي جميع أفعاله، 2- أن كفار قريش وإن أقروا لله ببعض أفعاله لكن لم ينفوا وجود الشريك له بدليل قوله تعالى {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، 3- أن كفار قريش كانوا يعبدون الأصنام فدعاءهم لها وحجهم لها وصلاتهم كان بنية عبادتها كشركاء لله تعالى وفي ذلك أدلة كثيرة منها قال تعالى {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فأخبر سبحانه وتعالى أنهم يعبدونهم من دون الله،، ومنها: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ` قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} فبين أنهم كانوا يعبدونهم، وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} يونس 18 ففي الآية عدة أشياء متلازمة: [أنهم يعبدونهم من دون الله]، [ويكذبون على الله فيدعون أنهم شفعاء لهم عنده، ] [ثم بين أنهم مشركون بالله]، فقال ((سبحانه وتعالى عما يشركون)) فهذه ثلاثة أشياء، قال أهل التفسير ومنهم الإمام القرطبي: (قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض) أي أتخبرون الله أن له شريك في ملكه أو شفيع بغير إذنه والله لا يعلم لنفسه شريكا في السماوات ولا في الأرض لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه،) أهــ، ([235]) . (إيقاظ): هذه الآية تساق في التدريس غالباً مجتزئة عن سياقها وسباقها فيورد منها ((وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)) ولا يذكر ما قبل ذلك ولا ما بعده فتنبه أخي.
4 – أن المسلمين اللذين يكفرهم ويظن بعض طلاب العلم والمشايخ أنهم مثل كفار قريش لا يعبدون الأنبياء ولا الأولياء وإنما هو من باب الأخذ بالأسباب مع اعتقادهم أنهم غير مستقلين بشيء ولا شركاء لله سبحانه وتعالى ففارقوا أهل الإشراك في التالي:
1- إقرارهم وإيمانهم بأن الله لا إله غيره ولا رب سواه، فبيننا وبينهم حرمة لا إله إلا الله فأين أنت منها يوم القيامة.
2- أنهم لا يعبدون الأنبياء ولا الأولياء بخلاف المشركين فإن الله أخبرنا في كتابه وفي سنة رسوله أنهم يعبدون أصنامهم.
3- أن التوسل عندهم إنما هو من باب الأخذ بالأسباب كما تتوسل أنت بالعمل الصالح وكما يستغيث المسلم المضطر بالحي الحاضر القادر، وليس هذا بشرك ولا الأخر بشرك لأنه ليس فيه عبادة أصلاً ولا اعتقاد من المسلم أن هذا المستغاث به سواء كان حياً أو ميتاً مستقل بالأمر من دون الله ولا أنه شريك لله وإنما هو مجرد سبب، بخلاف المشركين فإنهم يعبدونهم ويعتقدون أنهم شركاء لله وهذا صريح في الآيات.
4- لا معنى لأن نجيز الاستغاثة بالحي الحاضر القادر ونجعل الاستغاثة بالميت شرك أكبر مخرج من الملة لأن الشرك هو الشرك سواء استغاث بالحي أو بالميت، فإن كان في الحي من باب الأخذ بالسبب فقط فكذا في الميت، أما لو اعتقد أنه معبود له أو أنه مستقل بذلك أو شريك لله فهو شرك أكبر سواء كان استغاثة بحي أم بميت.
(نقطة مهمة لابد من الكلام عنها): إن قال قائل إن كفار قريش وأصحاب التوسل سواء في كونهم يعبدون غير الله وما كانت عبادة قريش لأصنامها إلا بدعائهم و (الدعاء هو العبادة) كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ الجواب: رغم أن ما مضى في البحث يكفي في ذلك ولكن طلباً للبيان فأقول ولا حول ولا قوة إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش العظيم: أن (الدعاء هو العبادة) كما قال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء عمل من أعمال التعبد يفتقر إلى النية وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى)).
وأقرب لك الصورة أكثر بمثالين: 1- رجل مضطر قد حاصره العدو من كل مكان فاستغاث بحي حاضر قادر ينقذه منه وكان هذا الحي الحاضر القادر ولي من الأولياء فقال: يا فلان أدركني فكيف أعلم أن دعاءه هنا لهذا الولي يريد به دعاء عبادة أو ليس بعباده؟ الجواب أن مرد ذلك إلى نيته وقصده فإن كان يريد أن يعبد هذا الولي فهو مشرك وإن كان مراده أنه سبب لإنقاذه فقط والأمر لله وحده فهو جائز، فتحصل عندنا نوعان من الدعاء: (أحدهما): دعاء بقصد العبادة فهذا لا يجوز إلا لله تعالى وحده كسائر العبادات، (ثانيهما): دعاء بدون قصد العبادة فهذا جائز لأنه ليس بعبادة أصلاً، فليس المراد أن كل دعاء هو عبادة بل قد يكون عبادة أو غير عبادة والضابط في ذلك هو النية.
أمثلة لبيان اختلاف الدعاء: (1) {كهيعص، ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادا ربه نداءً خفيا، قال ربي إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك ربي شقيا،، }، (2) {وادعوا شهداءكم}، (3) وقوله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا}، (4) ويأتي الدعاء بمعنى العبادة ((والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير)) أي والذين تعبدون من دونه، وكقوله تعالى أيضا: (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك) أي ولا تعبد من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فاتضح بأن ليس كل دعاء عبادة فتنبه.
مسألة: فإن قلت بأن المتوسل ينادي الولي والنبي بتذلل وخضوع؟ فجوابه : قد سبق ضابط تعرف به كون العمل يراد به عبادة أو غير عبادة ألا وهي النية، والنية أيضا تضبط كون العبادة لله أو يريد بها غير الله، فما ذكرت من تذلل وخضوع فهو عمل كسائر الأعمال يشترط له النية فإن نوى به العبادة فيشترط فيه أن يكون خالصاً لله فالنية يا أخي تميز العبادة عن غير العبادة وتميز كونها عبادة لله أو لغير الله، ولذا فقد يخضع الإنسان ويتذلل لوالديه محبة وإجلالاً أو للرسول صلى الله عليه وآله وسلم تعظيماً وإكراماً أو يخضع لعدو أو حاكم جائر ظالم فليس كل خضوع يكون عبادة، وقد يخضع ويتذلل بنية عبادة ذلك المعبود فإما أن يكون تذلل وخضوع لله فهو حق أو يكون تذلل وخضوع عبادة لغير الله فهو شرك أكبر، فالفرق هو بالنية لأنه عمل ظاهر ولكل إنسان ما نوى، أخيراً أسوق لكم كلام لبعض العلماء وهو حق لمن أراد الحق فاستفده: قال: ليس كل تعظيم لشئ عبادة له شرعاً، حتى يكون شركا، بل من التعظيم ما يكون واجباً كتعظيم الرسول والوالدين أو مندوبا إذا كان مأمورا به أو مرغبا فيه كتعظيم قدر العلماء الصادقين، ومنه ما يكون مكروهاً أو محرماً كتعظيم الفسقة والمنافقين، ومنه ما يكون مباحاً كتعظيم قدر طالب مجتهد أو زميل وفي، ولا يكون التعظيم لشيء شركاً حتى يقترن معه اعتقاد ربوبية ذلك الشئ، أو خصيصة من خصائص الربوبية، فكل من عظم شيئاً فلا يعتبر في الشرع عابدا له إلا إذا اعتقد فيه ذلك الاعتقاد، وقد استقر في عقول بني آدم ما داموا على سلامة الفطرة أن من ثبتت له الربوبية فهو للعبادة مستحق، ومن انتفت عنه الربوبية فهو غير مستحق للعبادة، فثبوت الربوبية واستحقاق العبادة متلازمان فيما شرع الله في شرائعه وفيما وضع في عقول الناس، وعلى أساس اعتقاد الشركة في الربوبية بنى المشركون استحقاق العبادة لمن اعتقدوهم أرباباً من دون الله تعالى، ومتى انهدم هذا الأساس من نفوسهم تبعه ما بني عليه من استحقاق غير الله للعبادة، ولا يسلم المشرك بانفراد الله تعالى باستحقاق العبادة حتى يسلم بانفراده عز وجل بالربوبية، وما دام في نفسه اعتقاد الربوبية لغيره عز وجل استتبع ذلك الاعتقاد في هذا الغير الاستحقاق للعبادة ولذلك كان من الواضح عند أولي الألباب أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية شئ واحد ولا فرق بينهما وهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود وفي الاعتقاد، فمن اعترف أنه لا رب إلا الله كان معترفا بأنه لا يستحق العبادة غيره، ومن أقر بأنه لا يستحق العبادة غيره كان مذعنا بأنه لا رب سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله في قلوب جميع المسلمين، ولذلك نرى القرآن في كثير من المواضع يكتفي بأحدهما عن الآخر، ويرتب اللوازم المستحيلة على انتفاء أي واحد منهما ليستدل بانتفائها على ثبوته فانظر إلى قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]، وقوله تعالى: {وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} [المؤمنون: 91]، حيث عبر بالإله ولم يعبر بالرب، وكذلك في الميثاق الأول، قال سبحانه: {ألست بربكم} [الأعراف: 172]، ولم يقل بإلهكم، واستفاض عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن الملكين يقولان للميت في قبره (من ربك؟) ويكتفيان بالسؤال عن توحيد الربوبية، ويكون جوابه بقوله: (الله ربي)، كافيا، ولا يقولان له إنما عرفت توحيد الربوبية واعترفت به فقط، ولم تعترف بتوحيد الألوهية، ولا يقولان له ليس توحيد الربوبية كافيا في الإيمان،، ويثبت أنه لا فرق بين توحيد الألوهية والربوبية أيضا أن الله تعالى ذكر عن فرعون أنه قال مرة: {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38]، ومرة أخرى: أنه قال: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24]، فاتضح أن الإله هو الرب، والرب هو الإله ولا فرق.
و[ملخص ما مر]: أن العبادة في اللغة هي مطلق الطاعة والخضوع لأي أحد كان بخلاف العبادة في اصطلاح الشرع فهي غاية التذلل والخضوع لمن يعتقد الخاضع له بعض صفات الربوبية، فإذا فهمت ذلك علمت يقينا أن من أطاع أحدا وخضع له لا لاعتقاده أن له بعض صفات الربوبية لا يسمى عابدا له شرعا وإن كان الخضوع والتذلل لغير الله تعالى قد يحرم في بعض صوره كما إذا كان لغني لأجل غناه، لكنه لا يسمى عبادة شرعا، ولا يكون صاحبه مشركا، كما أفاد ذلك العلامة محمد حبيب الله الشنقيطي في زاد المسلم، ويوضح ذلك أيضا أن نقول: إن العبادة شرعا معناها الإتيان بأقصى الخضوع قلبا وقالبا، فهي إذن نوعان: باطنة وظاهرة، (فالقلبية): هي اعتقاد الربوبية أو خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع أو الضر ونفوذ المشيئة لمن اعتقد فيه ذلك، و (الظاهرة): هي الإتيان بأنواع الخضوع الظاهرة من قيام وركوع وسجود وغيرها مع ذلك الاعتقاد القلبي، فإن أتى بواحد منها بدون ذلك الاعتقاد لم يكن ذلك الخضوع عبادة شرعاً ولو كان سجوداً، وإنما قال العلماء بكفر من سجد للصنم لأنه أمارة وعلامة على ذلك الاعتقاد أي اعتقاد كونه إلهاً، لا لأنه كفر من حيث ذاته، إذ لو كان كفرا لذاته – السجود – لما حل في شريعة قط، وقد حل كما هو معلوم في آيات كثيرة، فكيف حل وهو كفر، والله لا يأمر بالفحشاء، قال تعالى: {إن الله لا يأمر بالفحشاء} [الأعراف: 27]، فقد كان كما هو معلوم السجود لغير الله عز وجل على وجه التحية والتكريم مشروعا في الشرائع السابقة وإنما حرم في هذه الشريعة، فمن فعله لأحد تحية وإعظاما من غير أن يعتقد فيه ربوبية كان آثما بذلك السجود إثماً عظيماً، ولكن لا يكون به كافرا إلا إذا قارنه اعتقاد الربوبية للمسجود له، ويرشدك إلى ذلك قوله عز وجل في سيدنا يعقوب نبي الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وامرأته وبنيه حين دخلوا على سيدنا يوسف {وخروا له سجدا} [يوسف: 100]، قال ابن كثير في تفسيرها: أي سجد له أبواه وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلا، وقد كان هذا سائغا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، لم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام، فحرم هذا في هذه الملة) اه ([236]) .المقصود منه، ويوضح ذلك أيضا أمره عز وجل الملائكة بالسجود لآدم، فكان سجودهم له عليه الصلاة والسلام عبادة للآمر عز وجل، وإكراما لآدم عليه الصلاة والسلام، ومن هنا نعلم أن تعظيم الكعبة بالطواف حولها وتعظيم الحجر الأسود باستلامه وتقبيله ليس عبادة شرعا للبيت ولا للحجر، وإنما هو عبادة للآمر بذلك سبحانه وتعالى، الذي اعتقد الطائف بالبيت ربوبيته سبحانه، أه كلامه.
(المسألة الثالثة):
الشرك الأصغر: ما هو حد الشرك الأصغر؟: عرفه جميع العلماء في المذاهب بتعريف النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد بين بالتعريف المنضبط ما هو حد الشرك بقسميه الأكبر والأصغر فقال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)) قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ ((قال الرياء))، ([237]) .
وسمي الرياء شركاً لأن متعلقه الإخلاص في العبادة لأن الإنسان إما أن يكون إخلاصه منتفياً انتفاء كلياً بأن يجعل لله نداً وشريك يعبده فهذا هو الشرك الأكبر، وإما أن يعبد الله وحده لكنه يزين هذه العبادة لأجل الناس لسمعهم أو لنظرهم وهذا هو الشرك الأصغر، والأحاديث فيه كثيرة فمنها: ما جاء في تفسير ابن كثير الشافعي رحمه الله قال: قال الإمام أحمد حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الحميد يعني ابن مسهر قال قال شهر بن حوشب قال ابن غنم لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء لقينا عبادة بن الصامت فأخذ يميني بشماله وشمال أبي الدرداء بيمينه فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى والله أعلم بما نتناجى به فقال عبادة بن الصامت إن طال أحدكما أو كليكما لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين يعني من وسط قراء القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأعاده وأبدأه وأحل حلاله وحرم حرامه ونزله عند منازله لا يجوز فيكم إلا كما يجوز رأس الحمار الميت قال فبينما نحن كذلك إذ بشداد بن أوس رضي الله عنه وعوف بن مالك فجلسا إلينا فقال شداد ((إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول من الشهوة الخفية والشرك)) فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء اللهم غفرا الم يكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب أما الشهوات الخفية فقد عرفتموها هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها فما هذا الشرك الذي تخوفنا يا شداد؟ فقال شداد أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي لرجل أو يصوم لرجل أو يتصدق أترون أنه قد أشرك قالوا نعم والله إن من صلى لرجل أو صام أو تصدق له لقد أشرك فقال شداد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك قال عوف بن مالك فعند ذلك أفلا يعمد الله إلى ما أبتغي به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به فقال شداد عند ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ((إن الله يقول أنا خير قسيم لمن أشرك بي من أشرك بي شيئا فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني)) ([238]) . ([239]) .طريق أخرى لبعضه قال الإمام أحمد حدثنا زيد بن الحباب حدثني عبد الواحد بن زياد أخبرنا عبادة بن نسي عن شداد ابن أوس رضي الله عنه أنه بكى فقيل له ما يبكيك قال شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأبكاني سمعت رسول الله يقول ((أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية)) قلت يا رسول الله أتشرك وجبت من بعدك ((قال نعم أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ولكن يراؤن بأعمالهم والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك بحال)) ([240]) . ورواه ابن ماجه من حديث الحسن بن ذكوان عن عبادة بن نسي به وعبادة فيه ضعف وفي سماعه من شداد نظر، أ ه ([241]) . من تفسير ابن كثير لسورة الكهف الآية 110 {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي}، ([242]) .
لاحظ أخي وتنبه لما وضعت خط تحته من الحديث ففيه إيقاظ لمريد الحق، والخلاصة: أن الشرك الأصغر في شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الرياء فقط كذا في المذاهب الأربعة خلافاً لما رآه بعض العلماء كالإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله وابن القيم فقد ادخلا غيره من الأعمال وقلدهم في ذلك جمع من أهل العلم، وجاء في تفسير السيوطي: خرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقى عن شداد بن أوس قال ((كنا نعد الرياء على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الشرك الأصغر)) ([243]) .
(فائدة): حكم الحلف بغير الله وبالأمانة وكذلك الطيرة والتمائم والتولة: إذا علمنا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد بين الشرك الأكبر والأصغر بحده فماذا يقال في الأحاديث الأخرى كحديث ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك))، ([244]) . وحديث ((الطيرة شرك)) ([245]) .وحديث ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) ([246]) .
؟ أخي الكريم سددك الله هي تحمل عند جميع العلماء من فقهاء الأمة في المذاهب الأربعة على أحد معنيين: (1) أنه من باب التغليظ، (2) أن المقصود أنه شرك أكبر وذلك إذا أعتقد فيها الاستقلال والتأثير،
(فائدة): كلمة التأثير عند العلماء هي بمعنى الإيجاد من العدم وهو مبني على مسألة السبب هل هو مؤثر أم معرف فأهل السنة والجماعة يقولون أنه معرف والمعتزلة ونحوهم يقولون أنه مؤثر وبناء على هذا التقعيد تبنت المعتزلة كون العبد يخلق فعل نفسه الاختياري وليس هذا موطن الإطناب في المسألة ولكن هي فائدة فقط، فمسألة الحلف بغير الله وكذا الطيرة إن خلت عن نية واعتقاد كون المحلوف به يعظم كتعظيم الله وخلت الطيرة ونحوها كالتولة وغير ذلك عن اعتقاد التأثير المستقل فهي مسألة فقهية اختلف العلماء فيها على أقوال تجدها في الفقه وليس مبحثها العقائد، وراجع في ذلك كتب الفقهاء في المذاهب الأربعة، وراجع شرح الأحاديث كشروح صحيح البخاري ومسلم وجامع الترمذي والتمهيد وغيرها من كتب التي عنت بشرح الأحاديث وكذا راجع كتب التفسير عند قوله تعالى ((قل طائركم عند الله))، وإليكم أخي الكريم بعض النقول في المسألة: قال الإمام ابن حجر العسقلاني الشافعي رحمه الله: خرج الترمذي من وجه آخر عن انه سمع رجلا يقول لا والكعبة فقال لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)) ([247]) .
قال الترمذي حسن وصححه الحاكم والتعبير بقوله فقد كفر أو أشرك للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك وقد تمسك به من قال بتحريم ذلك، قوله من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت قال العلماء السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده وظاهر ثم تخصيص الحلف بالله خاصة لكن قد اتفق الفقهاء على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية واختلفوا في انعقادها ببعض الصفات كما سبق وكأن المراد بقوله بالله الذات لا خصوص لفظ الله وأما اليمين بغير ذلك فقد ثبت المنع فيها وهل المنع للتحريم قولان عند المالكية كذا قال بن دقيق العيد والمشهور عندهم الكراهة والخلاف أيضا عند الحنابلة لكن المشهور عندهم التحريم وبه جزم الظاهرية وقال بن عبد البر لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع ومراده بنفي الجواز الكراهة أعم من التحريم والتنزيه فإنه قال في موضع آخر اجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لأحد الحلف بها والخلاف موجود عند الشافعية من اجل قول الشافعي أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية فأشعر بالتردد وجمهور أصحابه على انه للتنزيه وقال إمام الحرمين المذهب القطع بالكراهة وجزم غيره بالتفصيل فان اعتقد في المحلوف فيه من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به وكان بذلك الاعتقاد كافرا وعليه يتنزل الحديث المذكور وأما إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك ولا تنعقد يمينه، ([248]) .
فتلخص من كلامه رحمه الله عدة أحكام على التفصيل: 1- إن اعتقد تعظيم المحلوف به كتعظيم الله فهو كافر كفر أكبر، (الكاف للتسوية والتشريك)، 2- إن حلف بغير الله على غير نية التعظيم المساوي لتعظيم الله فتقدم فيه ذكر الحكم في المذاهب الفقهية الأربعة لأنها حينئذ مسألة فقهية ومعتمد الحنابلة هو التحريم وليس بكبيرة، 3 – تعرض لمسألة الكفارة إذا حنث في يمينه وهي تأتي على جهتين: (الجهة الأولى): أن يكون حلف بالله أو أسمائه وصفاته فعليه الكفارة بالإجماع، (الجهة الثانية): أن يكون حلف بغير الله فالجمهور أن عليه الكفارة خلافاً للشافعية، 4- إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك ولا تنعقد يمينه، (كالحلف بالنبي والمصحف والكعبة)، ولعلك تعلم سبب الخلاف: وهو أن هذه مسائل اجتهادية لا تبديع فيها ولا تفسيق بين أهل العلم بل المصيب له أجران ومن لم يصب فله أجر واحد ولا يقطع فيه بأن المصيب هذا أو هذا لأن القطع بذلك في المسائل الاجتهادية خطأ فادح فلعل الحق عند الله هو في الرأي الأخر ولكن الإنسان يبذل جهده في طلب الحق مع عدم الجزم به لأن في ذلك تضليل للمخالف وهذا في مسائل الاجتهاد لا في مسائل الإجماع ومعنى المسائل القطعية هي قطعية الثبوت في الدليل وقطعية في دلالة الدليل على المقصود، قال الإمام ابن عبد البر المالكي رحمه الله: خبرنا عبدالرحمن بن يحيى قراءة مني عليه أن علي بن محمد حدثهم قال حدثنا أحمد بن داود حدثنا سحنون حدثنا وهب أخبرني حيوة بن شريح عن خالد بن عبدالله المعافري عن مشرح بن هاعان قال سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ((من علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له)) ([249]) . وقرأت على خلف بن أحمد أن أحمد بن مطرف حدثهم قال حدثنا أبو صالح أيوب بن سليمان وأبو عبدالله محمد بن لبابة قالا حدثنا أبو زيد عبدالرحمن بن إبراهيم قال حدثنا عبدالله بن يزيد المقرئ قال أخبرنا حيوة بن شريح قال أخبرنا خالد بن عبدالله أنه سمع مشرح بن هاعان يقول إنه سمع عقبة بن عامر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له قال أبو عمر التميمة في كلام العرب القلادة هذا أصلها في اللغة ومعناها عند أهل العلم ما علق في الأعناق من القلائد خشية العين أو غيرها من أنواع البلاء وقال الخليل بن أحمد التميمة قلادة فيها عود قال والودع خرز قال فكان المعنى في هذا ثم أن من تعلق تميمة خشية ما عسى أن ينزل أو لا ينزل قبل أن ينزل فلا أتم الله عليه صحته وعافيته ومن تعلق ودعة وهي مثلها في المعنى فلا ودع الله له أي فلا ترك الله له ما هو فيه من العافية أو نحو هذا والله أعلم وهذا كله تحذير ومنع مما كان أهل الجاهلية يصنعون من تعليق التمائم والقلائد يظنون أنها تقيهم وتصرف البلاء عنهم وذلك لا يصرفه إلا الله عز وجل وهو المعافي والمبتلي لا شريك له فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما كانوا يصنعون من ذلك في جاهليتهم أهـ ، ([250]) .
وبالله العصمة والرشاد حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد وعبيد بن محمد قالا حدثنا الحسن بن سلمة بن المعلى حدثنا عبدالله بن الجارود حدثنا إسحاق بن منصور قال قلت لأحمد بن حنبل ما يكره من المعاليق قال ثم شيء يعلق قال من تعلق شيئا وكل إليه قال إسحاق وقال لي إسحاق بن راهويه هو كما قال إلا أن يفعله بعد نزول البلاء فهو حينئذ مباح له قالت ذلك عائشة أخبرنا أحمد بن قاسم بن عبدالرحمن وأحمد بن محمد بن أحمد قالا حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أبو إسماعيل الترمذي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أخبرنا شعبة عن حماد عن إبراهيم قال إنما يكره تعليق المعاذة من والجنب وأما ثم الذي جاء فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال قلدوا الخيل ولا تقلدوها الأوتار فليس من قلائد الإبل المذكورة في هذا الباب في شيء وإنما معنى ذلك ثم في الخيل ما ذكره وكيع بن الجراح في تأويله قال وكيع معناه لا تركبوها في الفتن فمن ركب فرسا في فتنة لم يسلم أن يتعلق به وتر يطلب به أن قتل أحدا على فرسه في مخرجه في الفتنة عليه وهو في خروجه ذلك ظالم قال ولا بأس بتقليد الخيل قلائد الصوف الملون إذا لم يكن ذلك خوف نزول العين، ([251]) .
[الطيرة]: قال ابن حجر: وإنما جعل ذلك شركاً لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعاً أو يدفع ضراً فكأنهم أشركوه مع الله تعالى وقوله ولكن الله يذهبه بالتوكل إشارة إلى أن من وقع له ذلك فسلم لله ولم يعبأ بالطيرة أنه لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك وأخرج البيهقي في الشعب من حديث عبد الله بن عمرو موقوفا من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ([252]) .
وقال: يتعاطاه وقد أخرج الطبري عن عكرمة قال كنت عند بن عباس فمر طائر فصاح فقال رجل خير خير فقال بن عباس ما عند هذا لا خير ولا شر وقال أيضا الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل من طريق حسن الظن بالله والطيرة لا تكون إلا في السوء فلذلك كرهت وقال النووي الفال يستعمل فيما يسوء وفيما يدفع وأكثره في السرور والطيرة لا تكون إلا في الشؤم وقد تستعمل مجازا في السرور اه وكأن ذلك بحسب الواقع وأما الشرع فخص الطيرة بما يسوء والفال بما يدفع ومن شرطه أن لا يقصد إليه فيصير من الطيرة قال بن بطال جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة والأنس بها كما جعل فيهم الارتياح بالمنظر الأنيق والماء الصافي وأن كان لا يملكه ولا يشربه وأخرج الترمذي وصححه من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع يا نجيح يا راشد وأخرج أبو داود بسند حسن عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يتطير من شيء وكان إذا بعث عاملا يسأل عن اسمه فإذا أعجبه فرح به وأن كره اسمه رؤى كراهة ذلك في وجهه وذكر البيهقي في الشعب عن الحليمي ما ملخصه كان التطير في الجاهلية في العرب إزعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة فذكر نحو ما تقدم ثم قال وهكذا كانوا يتطيرون بصوت الغراب وبمرور الظباء فسموا الكل تطيرا لأن أصله الأول قال وكان التشاؤم في العجم إذا رأى الصبي ذاهبا إلى المعلم تشاءم أو راجعا تيمن وكذا إذا رأى الجمل موقرا حملا تشاءم فإن رآه واضعا حمله تيمن ونحو ذلك فجاء الشرع برفع ذلك كله وقال من تكهن أورده عن سفر تطير فليس منا ونحو ذلك من الأحاديث وذلك إذا اعتقد أن الذي يشاهده من حال الطير موجبا ما ظنه ولم يضف ذلك إلى الله تعالى [أي جعله مستقل بالتأثير كما سبق بيانه فهذا شرك أكبر بخلاف ما إذا جعله سبب يتشاءم منه فهو منهي عنه إن لم يدفعه]، فأما إن علم أن الله هو المدبر ولكنه أشفق من الشر لأن التجارب قضت بأن صوتا من أصواتها معلوما أو حالا من أحوالها معلومة فإن وطن نفسه على ذلك أساء وإن سأل الله الخير واستعاذ به من الشر ومضى متوكلا لم يضره ما وجد في نفسه من ذلك وإلا فيؤاخذ به وربما وقع به ذلك المكروه بعينه الذي اعتقده عقوبة له كما كان يقع كثيرا لأهل الجاهلية والله أعلم ([253]) .
وللفائدة فالمسألة فقهية إن اعتقد أن ذلك الشيء لا يؤثر بنفسه استقلالاً وإلا فهو شرك أكبر إن اعتقد أن ذلك يؤثر استقلالاً عن الله أو اعتقد أن الطير تعلم الغيب، وحكمها الفقهي أنها محرمة باتفاق العلماء كما قال ملا علي قاري في شرح مشكاة المصابيح بل ذهب جمع من الحنابلة إلى أنها كبيرة، ولكن لم يقل علماء المذاهب بأنها شرك اصغر لأنه سبق أن ذكرت معنى الشرك الأصغر فقد حده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبينه وتابعه علماء الأمة.
[أخيراً]: من الخير لنا الرجوع إلى أقوال جمهور علماء الأمة في هذه المسائل وترك التعصب، … والأمر كله لله ولا حول ولا قوة إلا به، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الناس أجمعين وعلى آله وصحبه المبجلين. انتهى كلام الشيخ غيث بن عبدالله الغالبي في مسائل في التوحيد والشركز.
([1]) السنن الكبري للنسائي 2/308 ح 1799.
([2]) بيان تلبيس الجهمية: 1/373.
([3]) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول: 1: 62.
([4]) اعتقاد الإمام أحمد (ص 7- 8).
([5]) منهاج السنة النبوية 2/380.
([6]) التبصير في الدين للاسفراييني ص: 112.
([8]) الرسالة القيشرية عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (ت 465هـ) 2/573.
([9]) صحيح البخاري 2/60 ح 1189، صحيح مسلم 2/1014 ح1397.
([10]) لسان الميزان لابن حجر 8/551.
([11]) الدرر الكامنة لابن حجر 1/181.
([12]) العقيدة الطحاوية ص 218.
([13]) مجموعة التوحيد ص 15 – 16.
([14]) صحيح مسلم 4/2289 ح 2985.
([15]) رسالة أربع قواعد ص 201: 202.
([21]) من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي 2/554.
([22]) عنوان المجد في تاريخ نجد عثمان النجدي 1/135.
([24]) صفحات من تاريخ الجزيرة العربية، لمحمد عوض الخطيب، ص 198-199، عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي،ص 139.
([25]) تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام:
([26]) عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي.
([27]) عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي.
([29]) عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي.
([31]) المستدرك علي الصحيحين1/200 ح 394.
([32]) صحيح البخاري 8/105 ح 6502.
([33]) صحيح البخاري 2/33ح 1037.
([34]) صحيح البخاري 4/128 ح3302.، صحيح مسلم 1/71 ح 51.
([35]) صحيح البخاري 4/181 ح 3511، صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([36]) صحيح مسلم 4/2229 ح2905.
([37]) صحيح البخاري4/127 ح3301. صحيح مسلم 4/2229 ح 2905.
([45]) فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الاَكوان: 111.
([63]) صحيح البخاري 4/134 ح3340.
([64]) صحيح البخاري5/77 ح 3980.
([65]) صحيح البخاري 2/98 ح 1370.
([66]) مسند أحمد7/343 ح 4320. رواه الحاكم في المستدرك 2/456 وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه
([67]) السنن الكبري للنسائي 10/504 ح 10366.
([71]) صحيح البخاري 1/20 ح 52.
([74]) نواقض الإسلام، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، مجموعة التوحيد
([76]) سير أعلام النبلاء: ج 9: 343.
([80]) صحيح البخاري 9/53 ح 7092.
([81]) صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([85]) تاريخ نجد ابن غنام ص 309 .
([86]) صحيح البخاري 4/10 ح 2766، صحيح مسلم 1/92 ح 89.
([87]) المغني لابن قدامة 9/29.
([88]) شرح النووي علي مسلم 14/176.
([89]) صحيح البخاري 4/10 ح 2766، صحيح مسلم 1/92 ح 89.
([90]) مسند أحمد40/154 ح 24126،
([91]) المغني لابن قدامة 9/30.
([92]) اضواء البيان في ايضاح القران 4/50.
([93]) صحيح البخاري 6/149 ح 4890.
([94]) صحيح البخاري 8/29 ح 6720.
([96]) صحيح مسلم 4/1728 ح 2203 ، مسند احمد 14/409 ح 8810 .
([97]) سنن ابن ماجة 5/292 ح 4205.
([98]) صحيح البخاري 5/94 ح 4042، صحيح مسلم 4/1796 ح 2296.
([99]) صحيح مسلم 4/2230 ح2907.
([100]) صحيح البخاري 9/58 ح 7116، صحيح مسلم 4/2230 ح 2906.
([101]) صحيح مسلم 4/2285 ح 2940.
([102]) مسند أحمد 37/380 ح 22706.
([103]) السنن الكبري للنسائي 9/362 ح 10759.
([105]) المعجم الكبير للطبراني 10/317 ح 10771، المستدرك علي الصحيين 1/135 ح 220.
([106]) صحيح مسلم 1/192 ح 204.
([107]) الشفا للقاضي عياض 2/521: 526.
([108]) الشفا للقاضي عياض 2/529.
([110]) الصمت وآداب اللسان ص 281.
([112]) جمع الجوامع للسيوطي 1/185.
([113]) الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي 1/199 ح 751.
([114]) سنن الترمذي 3/360 ح 1053.
([116]) الروح لابن القيم ص 102.
([117]) تنوير الحوالك للسيوطي 1/305.
([118]) صحيح مسلم 4/1845 ح 2375.
([119]) حياة الأنبياء في قبورهم ص 69.
([120]) دلائل النبوة لابي نعيم ص 567.
([121]) الاعتقاد للبيهقي ص 305.
([123]) الروح لابن القيم ص 45.
([125]) وفاء الوفاء لابن الجوزي ص
([127]) صحيح البخاري8/105.ح 6502.
([128]) سنن الترمذي 5/585 ح 3609.
([129]) مسند أحمد 22/390 ح 14513.صحيح ابن حبان 4/41 ح 3014.
([130]) الدر المنثور للسيوطي 7/243.
([131]) سنن الترمذي 5/368 ح 3235.
([135]) صحيح البخاري 6/115 ح 4777.
([137]) صحيح البخاري 4/133 ح 3333.
([138]) مستخرج ابوعوانة 2/121 ح 2518.
([139]) صحيح مسلم 1/191 ح 202.
([140]) المعجم الكبير للطبراني 10/317 ح 10771.شعب الايمان للبيهقي 1/286 ح309.
([141]) المستدرك علي الصحيحين 2/672 ح 4228.
([142]) المستدرك 2/671 ح 4227.
([143]) اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي 1/249.
([145]) المواهب اللدنية للقسطلاني 1/88.
([148]) وفاء الوفاء للسمهودي 1/33.
([149]) سنن الترمذي 5/694 ح 3858.
([152]) الفردوس بمأثور الخطاب 4/166 ح 6516.
([153]) المعجم الكبير للطبراني 3/181 ح 3054.
([154]) الشفا للقاضي عياض 1/149.
([156]) كمال الأمة في صلاح عقيدتها “: ص (11).
([158]) كتاب الحوار لابن منيع ص (91) .
([159]) المرجع السابق ص 31- 70 – 106- 123.
([161]) صحيح البخاري 4/167 ح 3445.
([162]) الحوار لابن منيع ص 33: 39.
([163]) صحيح البخاري 4/167 ح 3445.
([164]) مسند أحمد 20/23 ح 12550.
([165]) صحيح مسلم 1/192 ح 204.
([166]) كتاب الحوار ص 26 – 77 – 123.
([167]) الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية ص 103.
([169]) ذخائر العقبى في مناقب ذوى القربى ص 7.
([172]) الدرر السنية ” ج1 ص 41.
([173]) الهدية السنية والتحفة الوهابية ” ص 40
([174]) سنن الترمذي 4/378 ح 2032.
([176]) مسند احمد 16/570 ح 10971.
([177]) صحيح البخاري 6/84 ح 4712.
([178]) المستدرك علي الصحيحين 3/215 ح 4884.
([179]) صحيح البخاري 3/186 ح 2704.
([180]) سنن ابن ماجة 1/86 ح 119.
([181]) سنن الترمذي 5/610 ح 3664.
([183]) المستدرك علي الصحيحين 3/242 ح 4965.
([184]) مسند أحمد 17/10 ح 10987.
([185]) مسند أحمد 25/352 ح 15978.
([187]) صحيح البخاري 3/193 ح 2731.
([188]) صحيح مسلم 2/948 ح 1305.
([189]) صحيح مسلم 4/1812 ح 2324.
([190]) سنن ابن ماجة 4/490 ح 3423.
([191]) الجمع بين الصحيحين للحميدي 4/233 ح 3453.
([192]) الشفا للقاضي عياض 2/127.
([193]) الطبقات الكبري لابن سعد 1/218.
([195]) مصنف ابن أبي شيبة 3: 450.
([197]) سير أعلام النبلاء للذهبي 11: 212.
([200]) الدرر السنية 1 / 28 –40.
([202]) صحيح مسلم 1/377 ح 532.
([203]) صحيح البخاري5/50 ح 3873.
([204]) مسند البزار2/148ح 511.
([205]) الدرر السنية 2 / 3 –4 – 5- 6.
([207]) الشريعة للاجري 5/3268.
([209]) صحيح البخاري 2/60 ح 1189، صحيح مسلم 2/1014 ح1397.
([210]) سنن ابي داود 2/218 ح 2042.
([211]) مسند ابي يعلي9/153 ح 6761.
([212]) السنن الكبري للبيهقي10/504.
([214]) الفتاوي الكبرى ” لابن تيمية 1 /105 و 140و 3/276.
([215]) المدخل لابن الحاج 1/259: 260.
([216]) المستدرك علي الصحيحين 1/707 ح 1930.
([217]) صحيح البخاري 1/35 ح 119.
([218]) صحيح البخاري7/116 ح 5652.
([219]) الاستيعاب لابن عبدالبر 4/1938.
([220]) سنن الترمذي 4/621 ح 2433.
([221]) دلائل النبوة للبيهقي 2/251.
([223]) صحيح البخاري 2/27 ح 1010.
([224]) الانساب للزبير بن بكار
([226]) سنن الترمذي 5/596 ح 3578.
([228]) سنن ابن ماجة 2/395 ح 1385.
([231]) صحيح مسلم 4/1994 ح 2577.
([232]) مسند أحمد 36/225 ح 21897.
([233]) تفسير الرازي 14/348، تفسير القرطبي 7/272.
([237]) مسند أحمد 39/39 ح 23630.، مسند البزار5/333 ح 6829.
([239]) مسند أحمد 28/364 ح 17140.
([240]) مسند أحمد 28/346 ح 17119.
([241]) سنن ابن ماجة 5/292 ح 4205.
([243]) الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 5/470، شعب الايمان للبيهقي 5/337 ح 6840.
([244]) سنن الترمذي 4/110 ح1535.
([245]) المستدرك علي الصحيحين 1/64 ح 43.
([246]) صحيح البخاري 1/19 ح 48.
([247]) المستدرك علي الصحيحين 1/64 ح 43.
([249]) السنن الكبري للبيهقي 19/547 ح 19634.
([250]) التمهيد لابن عبدالبر 17: 161.