الفصل السادس مفاتيح مسائل فقهية أُلحقت بباب التوحيد والشرك وليست منه.
المبحث الأول: مفاتيح تحقيق القول في التوسل.
المبحث الثاني: مفاتيح تحقيق القول في الاستغاثة والاستعانة.
المبحث الثالث: مفاتيح تحقيق القول في التبرك.
المبحث الرابع: مفاتيح تحقيق القول في بناء المساجد على المقابر.
المبحث الخامس: مفاتيح تحقيق القول في شد الرحال إلى زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
تنبيه
ليس المقصد من تحقيق تلك المسائل هو الانتصار لرأي فقهي على حساب آخر، وإنما المقصد الأساسي من ذلك ثلاثة أمور:
(الأول): هو بيان أنّ هذه المسائل تتبع الفقه ولا تتبع التوحيد، وتتبع الصواب والخطأ ولا تتبع السنّة والبدعة لأنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – مهما بلغ الجهل منهم مبلغه، فلم يعبدوا إلا الله ولم يصرفوا العبادة إلا إلى الله، كيف وشعارهم هو (لا إله إلا الله).
(الثاني): تهذيب مسائل التوحيد والشرك ومسائل السنّة والبدعة، فلا يشوبها شائبة الغلو والجفاء، واتهام المسلمين بالشرك الأكبر وهم منه برآء، واتهام المسلمين بالبدعة في مسائل فقهية خلافية لكل فقيه فيها ادلته، فعلاج الخلل لا يكون بالخلل، وعلاج الخطأ لا يكون بالخطأ، وعلاج التفريط لا يكون بالإفراط، ودين الله تعالى عدل بين ظلمين، ووسط بين طرفين، والله الهادي إلى صراطه المستقيم.
(الثالث): أنّ جمهور الفقهاء في هذه المسائل يخالفون الوهابيين فيما ذهبوا إليه فكيف يصل بهم الامر إلى جعلها مسائل عقدية يتخذونها ذريعة لتكفير المسلمين واتهامه بالشرك واستحلال دماءهم واموالهم بسبب تلك المسائل الفقهية.
المبحث الأول مفاتيح تحقيق القول في التوسل
وتشتمل على تلك المفاتيح: (1) معنى التوسل، (2) درر ومعلومات عن التوسل جاءت في الموسوعة الفقهية، (3) خطأ في فهم المقصود من التوسل، (4) تحرير المعنى المقصود من التوسل، (5) أنواع واقسام التوسل، (6) أدلة التوسل وتقييمها شرعاً، (7) هل هناك فرق بين التوسل بذوات الأنبياء والصالحين، وبين التوسل بالعمل الصالح، (8) هل هناك فرق في التوسل بالصالحين بين الحي والميت، (9) لا يوجد في الشرع دليل واحد يمنع من التوسل الصحيح بكافة انواع التوسل، (10) هل التوسل من أبواب العقيدة أم أبواب الفقه، (11) التوسل في مذاهب الفقهاء الأربعة والعلماء، (12) أخطاء الوهابيين في باب التوسل.
***
[المفتاح الأول]: معنى التوسل: التوسل في اللغة: هو ما يتقرب به إلى الغير، قال الجوهري في الصحاح مادة ((وسل)) (5: 1841): (الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير، والجمع: الوسيلة والوسائل، والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل) اهـ، وجاء في لسان العرب الوسيلة: المنزلة عند الملك والدرجة والقربة، ووسل فلان إلى الله وسيلة: إذا عمل عملاً تقرب به إليه، والواسل كالراغب إلى الله، اهـ، ([1]) .
والتوسل في الشرع: هو ما يُتقرب به إلى الله تعالى، قال الإمام القرطبي فى تفسيره): قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة}، الوسيلة: هى القربة عن أبي وائل، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، والسُدِّي، وابن زيد، وعبد الله بن كثير، وهى فعلية من توسلت إليه أى تقربت،، والوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها) أهـ، ([2]) .
ابن كثير في تفسيره : (الوسيلة هي ما يتوصل بها إلى تحصيل المطلوب) اهـ، ([3]) .
وجاء تفسير أبو السعود ({وَابْتَغُوا} أي اطلبوا لأنفسكم {إِلَيْهِ} أي إلى ثوابه والزلفى منه {الْوَسِيلَةَ} هي فعلية بمعنى ما يتوسل به ويتقرب به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا أو تقرب إليه بشيء،، وقبل الجملة الأولى يعني {اتَّقُوا اللَّهَ} أمر بترك المعاصي، والثانية يعني {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أمر بفعل الطاعات) أهـ ([4]) .
[ المفتاح الثاني]: تحرير المعنى المقصود من التوسل: التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، والمتوسِّلُ المسلم الموحد لا يعبد إلا الله، ولا يرجو سوى الله، ولا يدع إلا الله وحده، فالله وحده – في عقيدة كل مسلم – هو المالك القادر المهيمن، وهو وحده المعطي والمانع، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة – رجاء قبول مبتغاه عند الله، وليس التوسل – أبداً – اتخاذ واسطة بين العبد وربه، كما كان يفعل المشركون بقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان، ويشهد بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، عن يقين واعتقاد، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان، ويزعم أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ساحر كذاب، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: آية 4 إلى آية 8].
فهل من العدل والإنصاف في دين الله تعالى أن نساوي بين توسل المسلم الذي أقر بالتوحيد والإسلام والإيمان، وبين اتخاذ المشرك وسائط إلى الله على زعمه الكاذب الذي كذبه القرآن الكريم، وجعله كاذب كفار حرمه الله تعالى من الهداية، قال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام، وهنا إذ تحرر موضع النزاع في معنى التوسل، بقي أن نعلم ما هي أنواع التوسل الجائزة شرعا، فنقول لها سمعاً وطاعةً، ولا نتقدم على الشرع الحكيم برأي أو هوى أو غلو أو تقصير، أو إفراط أو تفريط.
[المفتاح الثالث]: خطأ في فهم المقصود من التوسل: ظن البعض أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا، وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا، وهذا هو السر في الخلاف الحاصل بين طوائف أهل السنة والجماعة، فلو حررنا موضع النزاع في فهم التوسل، ونظرنا إلى الوسائل المشروعة للتوسل، فما أجازه الشرع من معاني التوسل أجزناه، وما منعه الشرع من معاني التوسل منعناه، لا نفتئت على الشرع ولا نتقدم عليه برأي دون دليل.
قال الشوكاني رحمه الله – وهو يحاول تصحيح هذا الخطأ -: (وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ونحو قوله تعالى {فلا تدعوا مع الله أحداً} ونحو قوله تعالى {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النـزاع بما هو أجنبي عنه، فإن قولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} مصرح بأنهم عبدوهم لذلك، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك، وكذلك قوله {ولا تدعوا مع الله أحداً} فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم وكذلك قوله {والذين يدعون من دونه} الآية فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه، وإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النـزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه كاستدلالهم بقوله تعالى {وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله} فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله {ليس لك من الأمر شيء} {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً} فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره، وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل قوله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} يا فلان بن فلان لا أملك لك من الله شيئاً، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئا ً، فإن هذا ليس فيه إلا التصريح بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يستطيع نفع من أراد الله ضره ولا ضر من أراد الله تعالى نفعه، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله، وهذا معلوم لكل مسلم وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين)) أهـ ([5]) .
ويمكن القول بأن الذين يفسرون الشرك بالتعلق والتوسل بغير الله، إنما يصح كلامهم هذا إذا اعتقد الانسان بتأثير الوسائل والاسباب على نحو الاستقلال والاصالة، أما إذا اعتقد بأنها تؤثر بإذن الله فإنه لاشك لا علاقة له بالشرك، لاسيما إذا اتخذ الوسائل المشروعة للقربى من الله.
[المفتاح الرابع]: درر ومعلومات عن التوسل جاءت في الموسوعة الفقهية: (أ) التوسل لغة: التقرب، يقال: توسلت إلى الله بالعمل: أي تقربت إليه، وتوسل إلى فلان بكذا: تقرب إليه بحرمة آصرة تعطفه عليه، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} ووسل إلى الله تعالى توسيلا: عمل عملا تقرب به إليه كتوسل، والواسل: الراغب إلى الله تعالى، ولا يخرج التوسل في الاصطلاح عن معناه في اللغة، فيطلق على ما يتقرب به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المنهيات، وعليه حمل المفسرون قوله تعالى: {وابتغوا إليه الوسيلة}.
(ب) ويطلق التوسل أيضا على التقرب إلى الله بطلب الدعاء من الغير، وعلى الدعاء المتقرب به إلى الله تعالى باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، أو بخلقه كنبي، أو صالح، أو العرش، وغير ذلك، على خلاف وتفصيل بين الفقهاء كما سيتضح.
(ت) من الألفاظ ذات الصلة بموضوع التوسل: (الاستعانة)، والاستعانة لغة طلب العون، وفي الاصطلاح كذلك، وتكون الاستعانة بالله وبغيره، أما الاستعانة بالله فهي مطلوبة في كل خير، وأما الاستعانة بغير الله ففيها تفصيل يرجع إليه في مصطلح استعانة، والتوسل والاستعانة لفظان متساويان لغة واصطلاحا، و (الاستغاثة): وهي طلب الغوث والنصر، وفي الاصطلاح كذلك، والاستغاثة غير التوسل ; لأن الاستغاثة لا تكون إلا في حال الشدة، والتوسل يكون في حال الشدة وحال الرخاء.
(ث) اتفق الفقهاء على أن التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته مستحب لأي شأن من أمور الدنيا والآخرة، وأجمع الفقهاء على جواز التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة التي يعملها الإنسان متقربا بها إلى الله تعالى، (ج) التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا خلاف بين العلماء في جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في: طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحياة الدنيا وطلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة والتوسل بالنبي على معنى الإيمان به ومحبته، وذلك كأن يقول: أسألك بنبيك محمد ويريد: إني أسألك بإيماني به وبمحبته، وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته، ونحو ذلك.
(ح) التوسل بالنبي بعد وفاته: اختلف العلماء في مشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته كقول القائل: اللهم إني أسألك بنبيك أو بجاه نبيك أو بحق نبيك، على أقوال: [القول الأول]: ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة) إلى جواز هذا النوع من التوسل سواء في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد وفاته، [القول الثاني]: في التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته: التوسل بمثل قول القائل: بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك، أو بحق البيت فقد ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى كراهته، قال الحصكفي: لأنه لا حق للخلق على الله تعالى وإنما يخص برحمته من يشاء من غير وجوب عليه، قال ابن عابدين: قد يقال: إنه لا حق لهم وجوبا على الله تعالى لكن الله سبحانه وتعالى جعل لهم حقا من فضله، أو يراد بالحق الحرمة والعظمة، فيكون من باب الوسيلة، وقد قال تعالى: {وابتغوا إليه الوسيلة}.
[القول الثالث]: في التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته: ذهب تقي الدين بن تيمية وبعض الحنابلة من المتأخرين إلى أن التوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز، (خ) لا يخرج حكم التوسل بالصالحين من غير النبي عما سبق من الخلاف في التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم) أهـ ([6]) .
[ المفتاح الخامس]: أنواع واقسام التوسل: من جهة الاتفاق والاختلاف بين طوائف أهل السنة والجماعة، فإن هناك قسمان، [القسم الاول]: متفق عليه، ويشمل التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، والتوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، كحديث الغار المتفق على صحته، وفيه توسل الثلاثة بالعمل الصالح، والتوسل إلى الله تعالى بدعاء المسلم الحي لأخيه، كما في الحديث الذي أخرجه أخرج أبو داود في سننه ((أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قـال: استأذنت رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العمرة، فأذن لي، وقـال لي: لا تنسنا يا أخي من دعائك، أو قـال: أشركنا يا أخي في دعائك، قال عمر: فقال كلمة مـا يسرني أن لي بها الدنيا))، ([7]) . فهذا من التوسل المتفق عليه بين طوائف أهل السنة، والتفصيل فيه لا داعي له لأنه تحصيل حاصل بحمد الله تعالى.
[القسم الثاني]: مختلف فيه، ويشمل التوسل إلى الله تعالى بذات وشخص المتوسل بهم من الانبياء والصالحين، والتوسل إلى الله تعالى بحق الأنبياء والصالحين، أو جاههم، أو حرمتهم، وهذا القسم ينبغي فيه الرد إلى الكتاب والسنة، كما أمرنا الله تعالى بقوله سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10]، وقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
[المفتاح السادس]: أدلة التوسل وتقييمها شرعاً: (تنبيه): انظر لتفصيل هذا المبحث كتاب رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل والزيارة للشيخ الفاضل محمود سعيد ممدوح فأكثره مستفاد منه جزاه الله خيرا،
[الدليل الأول]: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل،
[الدليل الثاني]: قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57]، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض كذلك لبيان الوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل.
[الدليل الثالث]: قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، تصرّح الآية الكريمة بأن التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستشفاع به إلى الله عز وجل والاستغفار منه لمغفرة المعاصي، مؤثر وموجب للتوبة والرحمة الإلهية، والآية الكريمة مطلقة لم تحدد الاستغفار بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حياته فقط، أو أنها صالحة إلى يوم القيامة، قال المانعون للتوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الآية تتعلق بحياته دون موته لأنه لا إدراك له بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فكيف يتوسل إلى الله تعالى لمغفرة ذنوبهم، وقال المجيزون للتوسل – وهم جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة) [الموسوعة الفقهية: مادة وسل]: إن هذه الآية صالحة إلى يوم القيامة سواء في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد وفاته، لاسيما وقد جاءت الأدلة التي تدل على إدراك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبره لحال أمته – سياتي بيان أدلتهم -، وبالتالي فلا فرق بين حياته وموته، ومن فرق بين حياته وموته صلى الله عليه وآله وسلم فعليه أن يأتي بدليل مقيد للإطلاق الذي عليه الآية الكريمة، ([8]) .[الدليل الرابع]: أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه: ((حدثنا عمرو بن علىّ، قال: حدثنا أبو قتيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب: (وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال عصمة للأرامل)، ([9]) . وقال عمر بن حمزة: حدثنا سالم عن أبيه “ربما ذكرت قول الشاعر، وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب: (وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال عصمة للأرامل) وهو قول أبي طالب)) ([10]) .
وفي فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه جواز التوسل إلى الله تعالى بوجه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قضاء الحاجات ومنها نزول المطر، ولكن قد ترد عليه شبهة أن المقصود هو التوسل بذات الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في حياته ووجوده وقيامه بالدعاء، والامر محتمل، ولكن إذا ثبت ان مشاركة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأمته لم تنقطع عنها بوفاته، فلا فرق إذن عند التوسل به في حياته أو بعد انتقاله للرفيق الاعلى حديث الاستسقاء بالعباس.
[الدليل الخامس]: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه: ((أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا))، قال فيسقون)) ([11]) .
قال ابن حجر في الفتح: ” ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة) أهـ ([12]) .
والحديث صريح في التوسل بالصالحين، لا سيما إذا كانوا من أهل البيت النبوي عليهم السلام، ولكن قد يرد عليه اعتراض أن الصحابة كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، فلما انتقل إلى الرفيق الاعلى كان توسلهم بالعباس رضي الله تعالى عنه، بمعنى أنه يدعو لهم الله تعالى وهم يؤمنون على دعائه، ولكن قد يرد على الاعتراض اعتراض أنه ليس في الحديث ما يدل على تحريم التوسل بذات العباس على المعنى الصحيح للتوسل، ولا في الحديث ما يدل على تحريم التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم بعد انتقاله للرفيق الأعلى سبحانه،
[الدليل السادس]: حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا شعبة بن أبي جعفر، عن عمارة بن خزيمة ابن ثابت عن عثمان بن حنيف: ((أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي (صلي الله عليه وسلم) فقال: ادع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقضى لِي اللهم فشفعه في)) ([13]) .
وقد جاءت زيادة موقوفة عن المرفوع، قال الطبراني في المعجم الصغير: حدثنا طاهر بن عيسى بن قيرس المقري المصري التميمي، حدثنا أصبغ بن الفرج، حدثنا عبد الله بن وهب عن شعيب بن سعيد المكي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أمامة ابن سهل ابن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف: ((أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقى عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف اءت الميضاة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك (ربي) جل وعز فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليّ حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قاله عثمان ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذلك ذهاب بصره، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أفتبصر؟)، فقال: يا رسول الله إنه لي قائد وقد شق علي، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم ايت الميضأة فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات، قال عثمان ابن حنيف: ((فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط)) ([14]) .
وقد اختلف في صحة هذه الرواية الموقوفة لعدة أسباب تقبل الأخذ والرد والاجتهاد، منها أن شيخ الطبراني (طاهر بن عيسى)، مجهول في زعم البعض، ولكن يرده أن الطبراني صحح الحديث، وتصحيحه يعني توثيق رجال إسناده ومنهم شيخه طاهر بن عيسى المصري وهو أعلم به من غيره، ومنها أن شبيب بن سعيد الحبطي تفرد بالقصة، وهو ضعيف الحفظ عند البعض، ولكن قد وثقه علي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي، والدار قطني، والطبراني، وابن حبان والحاكم، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم والنسائي: لا بأس به.
[الدليل السابع]: قال الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة، ثنا روح بن صلاح، ثنا سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجلس عند رأسها فقال: ((رحمك الله يا أمي كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعيني وتعرين وتكسيني وتمنعين نفسك طيباً وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة))، ثم أمر أن تغسل ثلاثاً، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده ثم خلع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاضطجع فيه ثم قال: ((الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين))، وكبر عليها أربعاً وأدخلوها اللحد هو والعباس، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما، ([15]) .
[الدليل الثامن]: أخرج الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا يوسف بن موسى، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شرٍ استغفرت لكم))، ([16]) .
[الدليل التاسع قوله صلي الله عليه وآله وسلم ((من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمع وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك))، ([17]) . حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم التستري، ثنا الفضل بن الموفق أبو الجهم، ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك)، ([18]) .
[الدليل العاشر]: قال الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل، ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري، ثنا إسماعيل ابن مسلمة، أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه، قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى إسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك))، ([19]) .
وبعد فتلك أهم الأدلة الواردة في باب التوسل، ومنها يتبين أمران: (الأول): أن هناك أدلة تدل على جواز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبجاهه عند الله تعالى، وحق الأنبياء والصالحين وجاههم عند الله تعالى، ولكن هذه الادلة على كثرتها لا ترقى لان تكون أدلة قطعية الثبوت والدلالة على جواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين وجاههم وحقهم على الله تعالى، بحيث يبدع المخالف فيها، ولكنها أدلة قوية محتملة عليها جمهور أهل العلم، ولا يمكن إهمالها بحال من الأحوال إلا بنوع من الجفاء والتعصب البغيض، وفي نفس الوقت لا يمكنها إلزام الخصم بقبول هذا النوع من التوسل إلا بنوع من التعنت، و(الثاني): أن الخلاف في باب التوسل مسألة خلافية من باب الفقه وليس من باب العقيدة، وهو خلاف يدخل فيه الاجتهاد بين صواب وخطأ، وليس – أبداً – خلاف عقدي بين توحيد وشرك، أو بين إيمان وكفر، أو بين هدى وضلال.
[المفتاح السابع]: هل هناك فرق بين التوسل بذوات الصالحين وبين التوسل بالعمل الصالح: عند التحقيق نجد انّ المتوسلين لا يتوسلون بالأجساد لأنها جميعها خلقت من طين، وإنما يتوسلون بصلاح الصالحين واعمال الصالحين التي جعلتهم صالحين مقربين من الله، قال الشوكاني في رسالته الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد: (التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله، فإذا قال القائل: (اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني) فهو باعتبار ما قام به من العلم، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة) أهـ [رسالة الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد للشوكاني]
[المفتاح الثامن]: هل هناك فرق في التوسل بالصالحين بين الحي والميت:
(أ) هناك خلاف – اليوم – بين السلفية والصوفية حول جواز التوسل بالصالح الميت، وهذا الخلاف منشؤه التفريق بين الحي والميت، فالطائفة السلفية تزعم أنه بموت الإنسان ينقطع عن الدنيا، ولا علاقة له بها، ولا ينتفع منها إلا من ثلاث: عمل صالح ينتفع به، وولد صالح يدعو له، وصدقة جارية، وبعد ذلك فلا علاقة له باهل الدنيا ولا بأحوالهم وبالتالي فلا يجوز اتخاذهم وسيلة إلى الله تعالى لأنه ليس لديهم علم بمن طلب منهم التوسل واتخذهم وسيلة إلى الله تعالى، وليست لديهم قدرة على التوسل، بينما تزعم الطائفة الصوفية أن الأنبياء والاولياء الصالحين أحياء في قبورهم حياة برزخية كاملة، حياتهم أكثر كمالاً من الحياة الدنيا، وأنهم يسمعون من يطلب منهم الإعانة، وأنهم يتوسلون إلى الله تعالى لمن يطلب منهم التوسل، وأنهم أقدر من الأحياء على نجدة من طلبهم، وعلى ذلك فليس في باب التوسل فرق بين الحي والميت، في اتخاذهم وسيلة إلى الله تعالى ما داموا أنبياءً أو أولياءَ صالحين، ولذا فلابد أن نبحث أولاً في تحقيق أدلة الطرفين، ومن ثم الرد إلى الكتاب والسنة للوصول إلى الصواب في المسالة،.
(ب) تستدل الطائفة التي تُجيز التوسل بالصالح الميت على مذهبها بعدة أدلة تتمثل في: [الدليل الاول]: قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 إلى 171]، و قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154]، ووجه الاستدلال في الآيتين أنه إذا كان الشهيد حياً وهو أقل منزلة من النبي والولي والصديق، فمن باب الاولى ان يكون النبي والولي الصديق أحياءً لأنهم أعلى منزلة من الشهيد.
[الدليل الثاني]: أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ((وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال: أنهم الآن يسمعون ما أقول))، وفي رواية في صحيح البخاري: ((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فأنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، ([20]) .
[الدليل الثالث]: أخرج الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام)) ([21])
[الدليل الرابع]: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام)) ([22]) .
[الدليل الخامس]: أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول إذا ذهب إلى المقابر: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسال الله لنا ولكم العافية)) ([23]) .
يقول ابن القيم في كتابه الروح: (فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، وهذا السلام والخطاب والنداء الموجود يسمع، ويخاطب، ويعقل، ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد، وإذا صلى قريبا منهم شاهدوه، وعلموا صلاته، وغبطوه على ذلك) أهـ،([24]) .
[الدليل السادس]: قال الحافظ السيوطي (روى الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار و التمهيد من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله: ((ما من أحد يمر على قبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلِّم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام)) ([25]) .
[الدليل السابع]: قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت لكم)) ([26])
[الدليل الثامن]: أخرج النسائي وأبو دواد وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في إثبات عذاب القبر: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر خروج الروح وقال في روح المؤمن ((فيؤتى به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه فيسألون ما فعل فلان؟ وما فعل فلان؟ فيقولون دعوه فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟!! قالوا ذُهب به إلى أمه الهاوية)) ([27]) .
ومن أقوال علماء المسلمين التي تدل على إدراك الأموات وسماعهم: ما قاله ابن القيم في كتابه “الروح”: (المسألة الأولى: وهي هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا؟، قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي أنه قال ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام فهذا نص في أنه يعرفه بعينه ويرد عليه السلام وفي الصحيحين عنه من وجوه متعددة أنه أمر بقتلى بدر فألقوا في قليب ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم يا فلان ابن فلان و يا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربى حقا فقال له عمر يا رسول الله ما تخاطب من أقوام قد جيفوا فقال والذي بعثنى بالحق ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جوابا، وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه وقد شرع النبي لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به،، إلى أن قال: ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائرا، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائرا فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال زاره هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم وكذلك السلام عليهم أيضا فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال وقد علم النبي أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية، وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويردوا إن لم يسمع المسلم الرد وإذا صلى الرجل قريبا منهم شاهدوه وعلموا صلاته وغبطوه على ذلك) أهـ ([28]) .
وقال الإمام ابن مفلح في الفروع:: (ويسمع الميت الكلام ولأحمد من حديث سفيان عمن سمع أنسا عنه مرفوعا إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن جابر مرفوعا وهو ضعيف قال أحمد يعرف زائره يوم الجمعة بعد الفجر قبل طلوع الشمس وفي الغنية يعرفه كل وقت وهذا الوقت آكد وأطلق أبو محمد البربهاري من متقدمي أصحابنا أنه يعرفه، إلى أن قال:… قال شيخنا استفاضت الآثار بمعرفته بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا وأن ذلك يعرض عليه وجاءت الآثار بأنه يرى أيضا وبأنه يدري بما يفعل عنده ويسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا وكان أبو الدرداء يقول اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبدالله بن رواحة وهو ابن عمه ولما دفن عمر عند عائشة كانت تستتر منه وتقول إنما كان أبي وزوجي وأما عمر فأجنبي تعني أنه يراها) أهـ ([29]) .
وقال البهوتي في كتابه: “كشاف القناع عن متن الإقناع” (ويسمع الميت الكلام بدليل حديث السلام على أهل المقابر قال الشيخ تقي الدين واستفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا وإن ذلك يعرض عليه وجاءت الآثار بأنه يرى أيضا وبأنه يدري بما فعل عنده ويسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا وكان أبو الدرداء يقول اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أجزى به عند عبد الرحمن بن رواحة وكان ابن عمه ولما دفن عمر عند عائشة كانت تستتر منه وتقول إنما كان أبي وزوجي فأما عمر فأجنبي، ويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس قاله أحمد وفي الغنية يعرفه كل وقت وهذا الوقت آكد وينتفع بالخير ويتأذى بالمنكر عنده) أهـ ([30]) .
ومن الأدلة السابقة – وغيرها – استدلت الطائفة الصوفية على أن أموات المسلمين أحياء في قبورهم حياة الأرواح وأنهم يتزاورون ويكلم بعضهم بعضاً، وإذا كان ذلك عاما في حق أموات المسلمين، فمن باب الاولى أنه آكد في حق الانبياء والأولياء والصالحين، وأن لهؤلاء الاكرمين ادراك بمن يزورهم ويسلم عليهم ويتوسل بهم إلى الله، وأنهم يدعون الله تعالى – ودعاؤهم أقرب للإجابة بما لهم من منزلة عند الله تعالى – أن يقضي حاجة من توسل بهم إلى الله،
(ت) وتستدل الطائفة التي لا تُجيز التوسل بالصالح الميت على مذهبها بعدة أدلة تتمثل في: [الدليل الاول]: قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22]، فالآية تدل على أنه لا يستوي الحي والميت، وأن أهل القبور لا يسمعون، ولكن قد يرد اعتراض بأن الآية محمولة على حياة القلوب وموتها، فإن القلب الحي (وهو قلب المؤمن) هو الذي يسمع القرآن ويتأثر به، والقلب الميت (وهو قلب الكافر) لا يسمع القرآن ولا يتأثر به، قال ابن جرير في تفسيره: (يقول تعالى ذكره: (وما يستوي الأعمى) عن دين الله الذي ابتعث به نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم (والبصير) الذي قد أبصر فيه رشده، فاتبع محمداً وصدقه وقبل عن الله ما ابتعثه به (ولا الظلمات) يقول: وما تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان (ولا الظل) قيل: ولا الجنة، (ولا الحرور) قيل: النار.. وقوله (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) يقول: وما يستوي الأحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله، ومعرفة تنزيل الله، والأموات القلوب لغلبة الكفر عليها، حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه، ولا تعرف الهدى من الضلال، وكل هذه أمثال ضربها الله للمؤمن والإيمان، والكافر والكفر، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) أهـ، ([31]) .
ويؤيده كذلك قول ابن جرير: في تفسير قوله تعالى {أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} قال: الهدى الذي هداه الله به ونور له، هذا مثل ضربه الله لهذا المؤمن الذي يبصر دينه، وهذا الكافر الأعمى فجعل المؤمن حيا وجعل الكافر ميتا ميت القلب(أومن كان ميتا فأحييناه) قال: هديناه إلى الإسلام كمن مثله في الظلمات أعمى القلب وهو في الظلمات، أهذا وهذا سواء) أهـ، وقال ابن كثير: (وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين وهم الأحياء، وللكافرين وهم الأموات، كقوله تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}أهـ، وقال: وقوله: {إن الله يسمع من يشاء} أي: يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها {وما أنت بمسمع من في القبور} أي: كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم، وهم كفار بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم) أهـ ([32]) .
، ومنه نعلم أن المقصود هو سمع الهداية لا السمع الحسي، ولذلك فليس وجه الشبه بين من في القبور وبين الكفار هو السمع الحسي بل هو سمع الاستجابة والهداية فقط، فكما أن الميت لا يستجيب لدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام لأنه انتقل من دار التكليف إلى دار الجزاء فكذلك الكفّار لا يستجيبون ولا يهتدون إلى الإسلام، فإذا تبين أن الآية التي استدلوا بها قد تحمل على السماع المؤدي إلى الإيمان (سماع الهداية) فلا حجة فيها على عدم سماع الأموات لاسيما وأن هناك أدلة عديدة تدل على سماع الأموات للأحياء.
[الدليل الثاني]: أن جميع الأدلة التي ساقها الصوفية على ادراك الاموات من المسلمين هي أدلة خاصة لأنها تعارض الآية السابقة: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22]، وهذا الدليل بعيد لان المفسرين حملوا المقصود بالأحياء والاموات على معنى حياة القلوب بالإيمان، وموت القلوب بالكفر، وان القلب الحي قلب المؤمن يسمع كلام الله تعالى سماع قبول واتعاظ، وان القلب الميت قلب الكافر لا يسمع كلام الله تعالى سماع قبول وهداية، وبالتالي فلا تعارض بينها، وأن الآية ليس لها علاقة بالمسألة، والأدلة على عمومها في الدلالة على سماع الأموات للأحياء لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والأصل هو بقاء العام على عمومه حتى يرد ما يخصصه ولا يوجد له مخصص يخصصه.
[الدليل الثالث]: أن الميت في دار جزاء لا دار تكليف فلا يمكن أن يعاون الحي في شيء لأنه لا تكليف عليه في البرزخ، ولكن يرد عليه بأن ذلك من باب النعيم والثواب لا من باب التكليف، كما أن أصحاب الجنة يسبحون لله تعالى من باب التنعم لا من باب التكليف، وكما أن الأنبياء يصلون في قبورهم كما في قصة الإسراء وكما أنهم نفعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته بما أشاروا عليه في قصة موسى عليه السلام في تخفيف الصلاة، فإذن ليس معاونتهم للحي من باب التكليف، بل هم يفعلونه كما يفعلون سائر الخير من باب التنعم لا التكليف، وبعد، فإنه مما سبق يتبين أن الخلاف في مسألة التفريق بين الحي والميت في مبحث التوسل خلاف فقهي يخضع للاجتهاد، وأنه يجوز التسوية في التوسل بين الحي والميت، لان لكلٍ منهما حياة تتعلق به يستطيع من خلالها الادراك، كما أنه لا يجوز بحال تبديع الفريق المخالف والاعتراض عليه، لاسيما وانه خلاف فقهي لا يجوز فيه الأمر أو النهي، إذ لكل فقيه فيه ما يرى، كما هو مقرر في قواعد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر – عند أهل السنة والجماعة – أنه لا أمر ولا نهي في المسائل المختلف على صحتها.
[المفتاح التاسع]: لا يوجد في الشرع دليل واحد يمنع من التوسل الصحيح بكافة انواع التوسل:
(أ) سبق ان ذكرنا أن (التوسل) معناه في الشرع: هو ما يُتقرب به إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وذكرنا أن هناك خطأ في فهم المقصود من التوسل، أدى إلى الغلو في الحكم على التوسل وخلطه بما يتعلق بالتوحيد والشرك، ويتمثل ذلك الخطأ في ظن الوهابيين أنَّ التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، مع ان المتوسِّل المسلم الموحد لا يعبد إلا الله، ولا يرجو سوى الله، ولا يدع إلا الله وحده، لان (الله) تعالى وحده – في عقيدة كل مسلم – هو المالك القادر المهيمن، وهو وحده المعطي والمانع، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة – رجاء قبول مبتغاه عند الله، وليس التوسل – أبداً – من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه، كما كان يفعل المشركون بقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان، ويشهد بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، عن يقين واعتقاد، لا يستويان مثلا عند الله تعالى، وعند المؤمنين، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام.
(ب) ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل – على معناه الصحيح – بذوات الانبياء والاولياء والصالحين، وكل مسلم يعلم أن حب ذواتهم ليس حباً للأجساد، إذ كل بنى آدم – حتى الكفار منهم – أجسادهم من طين، ولكنه حب لما حوته تلك الذوات من الإيمان بالله والطاعة لله وتعظيم أمر الله تعالى، ولذلك حرّم الله تعالى على الارض أن تأكل أجساد الانبياء، إن ذوات هؤلاء معظمة في قلب كل مسلم لما حوته من تعظيم لأمر الله تعالى، ثم أليس اعتقاد حرمة ذوات الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين هو ناشئ عن الإيمان بهم والإيمان بالرسل، أليس هو ركن من أركان الإيمان، لا يصح الإيمان إلا به، وأليس جائز في دين الله تعالى، ولا خلاف فيه بين المسلمين، أنه يجوز التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، فإن حب ذواتهم واعتقاد حُرمتها ومكانتها عند الله والتقرب بذلك الحب والاعتقاد إلى الله تعالى، أليس هذا من أعظم الإيمان والعمل الصالح، فلم لا نحمل التوسل بذوات الانبياء واتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى بانه توسل بالأعمال الصالحة المتمثلة في اعتقاد حرمة تلك الذوات ومنزلتها العظيمة عند الله تعالى.
(ت) ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل – على معناه الصحيح – بجاه الصالحين، لأن الاعتراف بجاه هؤلاء هو من الإيمان والعمل الصالح، ولولا الإيمان لما اعترف المسلم بجاه هؤلاء الصالحين عند الله تعالى، وكل مسلم يعلم ان للأنبياء والأولياء والصالحين وجاهة عند الله، ألم يقل الله تعالى في حق موسى عليه السلام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69]، وألم يصف الله تعالى عيسى عليه السلام بالوجاهة عند الله تعالى، بقوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45]، وألسنا نتفق أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مقدم في الوجاهة على غيره من الانبياء والمرسلين، فأي مخالفة للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم – التوسل الصحيح – إلى الله تعالى بجاه هؤلاء الوجهاء عند الله تعالى، لاسيما وقد دلت الآثار والأحاديث على جواز ذلك وتواترت أقوال العلماء الذين رزقهم الله تعالى القبول عند أهل السنة والجماعة على جواز التوسل بجاه الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى.
(تنبيه): يظن الوهابيون أن مجرد اعتقاد قرب الصالحين ووجاهتهم عند الله تعالى هو من الشرك، ويظنون أن نبي الله تعالى نوح عليه السلام إنما أرسل إلى قومه لما غلوا في الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، وهذا خطأ لأنه أرسل إليهم عندما تبدل اعتقاد صلاحهم ووجاهتهم عند الله تعالى، باعتقاد ألوهيتهم وأنهم شركاء لله تعالى في ربوبيته، وعبدوهم من دون الله تعالى، بدليل قولهم كما حكاه القرآن الكريم عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، فقد أقروا بعبادتهم لهم من دون الله واتخاذهم آلهة مع الله تعالى وقالوا لا تذرن آلهتكم، كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23]، وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: {وقالوا لا تذرُنَّ آلهتكم ولا تذرُنَّ وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً}، قال: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم، عُبدت)، والمسلم مهما بلغ اعتقاده في الصالحين، فلن يعبدهم من دون الله، ولن يعتقد ألوهيتهم وشراكتهم لله في استحقاق العبودية، فشتان بين اعتقاد الوجاهة في الصالحين عند الله تعالى وهو حق وإيمان، وبين اعتقاد استحقاقهم للعبادة من دون الله وهو باطل وشرك.
(ث) ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل – على معناه الصحيح – بحق الانبياء والصالحين على الله تعالى، وهو ليس بالحق الواجب على الله تعالى، بل هو حق التفضل والرحمة والوعد الذي كتبه الله تعالى – تفضلاً – على نفسه لعباده المرسلين والصالحين والمؤمنين، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) } [يونس: 103]، وقوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، ووعد الله تعالى حق وصدق، كما قال تعالى: {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف: 98]، وقوله تعالى: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 111]، فأي مخالفة بعد ذلك للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم – التوسل الصحيح – إلى الله تعالى بحق ذوي الحرمة والحقوق على الله تعالى – وهو كما أسلفنا ليس حقاً ذاتياً لهم، بل هو الحق الذي قطعه الله تعالى على نفسه تفضلاً ورحمة -، لاسيما وقد دلت الآثار والأحاديث على جواز ذلك وتواترت أقوال العلماء الذين رزقهم الله تعالى القبول عند أهل السنة والجماعة على جواز التوسل بحق الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى، ثم أليس الإيمان بان لهؤلاء المكرمين حق على الله تعالى، هو من باب الإيمان بهم، وهو جزء كما تقدم من الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وألا يصلح ذلك الإيمان أن يكون بمثابة العمل الصالح الذي نتوسل به إلى الله تعالى .
[المفتاح العاشر]: هل التوسل من أبواب العقيدة أم أبواب الفقه: التوسل ليس من مباحث الاعتقاد، ولا يوجد – في حد علمي – في السابقين من علماء السلف من جعل التوسل من أبواب العقيدة، وإنما كانت البداية في القرن السابع عندما حدث الخلاف بين ابن تيمية وبين جماهير العلماء في عصره، وإنما كان التوسل من موضوعات الفقه، وهذا هو الصواب لأسباب عديدة أهمها:
(أ) أن حقيقته اتخاذ قربة إلى الله تعالى، والقربة من الطاعات، والطاعات مجالها الفقه وليس العقيدة، إذ لا يوجد بين المسلمين من يعتقد أن لغير الله تعالى قدرة مستقلة على تصريف أو تدبير أي شيء، بل جميع طوائف أهل السنة بمن فيهم الصوفية يعتقدون أن الأمر كله لله وحده بيده مقادير كل شيء، ويعتقدون أن جميع الأنبياء والأولياء لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف، لا في حياتهم ولا مماتهم، وأن الأمر كله أولاً وآخراً لله، وإنما التوسل بهم وطلب الدعاء منهم هو لأن دعاءهم مستجاب وهم أهل ومحل رضا الله تعالى، فلا يوجد أي وجه لإدخال التوسل في أبواب العقيدة إلا إذا اتهمنا سواد المسلمين الأعظم بالشرك وأخرجناهم من ملة الإسلام.
(ب) إن أصل التوسل مشروع لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بعض أنواع التوسل، وجميعها أستدل لها مؤيدوها بأدلة مقبولة في الجملة، وعليها جمهور علماء أهل السنة على مر عصور الإسلام، وعلى ذلك فالخلاف فيها فقهي محض، يدور على الاجتهاد، ولا يجوز في أبواب الاجتهاد إلزام وأمر ونهي، وهذا من أهم قواعد الحسبة على الدين: أن الأمر المختلف فيه لا يجوز فيه إلزام المخالف ولا أمره أو نهيه ما كان الخلاف في أمر فقهي يخضع للاجتهاد، ولكل فريق أدلته الشرعية التي يستدل بها.
(ت) كما أن التوسل على أنواعٍ وأمره يدور بين الجواز والندب، والحرمة، وما كان أمره كذلك فهو من الأحكام الشرعية التي موضوعها علم الفقه، وإقحام موضوعات الفقه في التوحيد والعقائد خطأ يجب مجانبته.
(ث) السادة الفقهاء يذكرون استحباب التوسل أو جوازه، في باب الاستسقاء في كتاب الصلاة وعند زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتاب الحج، وهذا يدل على أن بحث التوسل يخص الفقه ولا يخص العقيدة.
(ج) من أمثلة ذلك الغلو في جعل التوسل من باب العقيدة وليس الفقه، قول أحدهم: (التوسل في الدعاء بذوات الصالحين أو حقهم أو جاههم يعتبر أمرأً مبتدعاً، ووسيلة من وسائل الشرك، والخلاف فيه يعتبر خلافاً في مسائل العقيدة لا في مسائل الفروع، لأن الدعاء فيه أعظم أنواع العبادة ولا يجوز فيه إلا ما ورد في الكتاب والسنَّة) أهـ، والجواب على ذلك الغلو يتمثل في أن هذا الكلام به مغالطات قد لا يدركها قائل الكلام، منها أن الدعاء من أعظم أنواع العبادة، ولكن هل المتوسل يدعو غير الله، إن التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، والمتوسِّلُ المسلم الموحد لا يعبد إلا الله، ولا يرجو سوى الله، ولا يدع إلا الله وحده، فالله وحده – في عقيدة كل مسلم – هو المالك القادر المهيمن، وهو وحده المعطي والمانع، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة – رجاء قبول مبتغاه عند الله، وهو في توسله إنما يتوسل اتباعاً لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة}، وقصارى الامر أن بعض أنواع التوسل مختلف في جوازها، ولكل فريق أدلته، فأين هذا من علم العقيدة والخلاف في العقيدة، إ، محل هذا الخلاف موضوع علم الفقه، أما علم العقيدة أو التوحيد فيتكلم في الإلهيات والنبويات والسمعيات، فلا معنى لإدخال بحث التوسل في العقيدة.
(ح) ومن أمثلة ذلك الغلو في جعل التوسل من باب العقيدة وليس الفقه، استدلالهم في تحريم بعض اقسام التوسل بقول الله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}، وقوله تعالى: {فادعوا الله مخلصين}، وهذا أيضا خلط بين أبواب العلم، فالآية الأولى فيها طلب دعاء الله تعالى، والثانية فيها حث على الدعاء مع الإخلاص، أما التوسل فهو اتخاذ قربة لله رغبة في إجابة الدعاء، وهذه القربة على أنواع كما هو معلوم فلا تنافي بأي وجه للتوسل مع الدعاء وإخلاصه لله، بل التوسل يوفقهما من حيث أن المسلم يدعوا الله تعالى ولا يدعو غيره، ولكن المتوسل يتوسل بما يراه أقرب عند الله رجاء قبول مبتغاه عند الله ورجاء استجابة دعائه من الله، وأصل التوسل جائز شرعا، واقسامه منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف عليه، والجمهور من علماء أهل السنة والجماعة المقبولين عند المسلمين على جواز المختلف فيه، فأي دخلٍ للعقيدة في باب التوسل بعد ذلك.
(خ) ومن أمثلة ذلك الغلو في جعل التوسل من باب العقيدة وليس الفقه، زعمهم أن التوسل المختلف فيه يجر إلى الشرك، فإذا كان التوسل يجر إلى الشرك، فهل جماهير علماء اهل السنة والجماعة الذين أجازوا التوسل، وتوسلوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كالإمام احمد بن حنبل وغيره من العلماء وما أكثرهم، هل يعقل أنهم انجروا إلى الشرك، و أليست الشريعة الغراء تحوي على أدلة تجيز هذا النوع من التوسل، وقد تقدم كثير من تلك الأدلة، فإما إن تكون الشريعة تجر إلى ذلك – وحاشاها من ذلك – وإما أن هناك خلل وغلو ينبغي علاجه، وهذا أهون من سب المسلمين وفيهم الكثير من العلماء بمسبة الشرك، وحاشاهم من ذلك، إنّ جعل بحث التوسل في العقائد، وجعله وسيلة من وسائل الشرك، فمسلك خطير يؤدي إلى الغلو في الدين، وتغيير حقائق الإسلام وتوازناته الربانية، وتلاعب بباب التوحيد، وفتح لباب التشريك واتهام المسلمين بالشرك على أمور فقهية خلافية لا يجوز أصلاً فيها احتساب وامر ونهي ما كان لكل فريق دليله المعتبر.
(د) إذا كان في المسألة وجهان أو قولان محتملان شرعاً، فلا بأس لكل مسلم أن يأخذ بأحد القولين، ولكن التحجر على قول واحد وتبديع الطرف المخالف أو اتهامه بالشرك، مع أن له من الأدلة ما له وجه مقبول في الشريعة هذا ليس من باب التدين والورع، لان الله تعالى حذرنا أشد التحذير من تحريم ما أحل الله، {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، لان الشرع لله والدين لله يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء، ولحكمة يعلمها الحكيم الخبير، وقد لا نعلمها نحن، جعل الشرع واسعا، بتوازنات ربانية إلهية لا يمكن أن نتدخل فيها لتضييق واسع من دين الله أو توسيع ضيق، فالدين دينه والشرع شرعه لا معقب لحكمه، وتضييق واسعاً من دين الله وتحريم ما أحل الله تعالى بحجة الخوف على التوحيد، أخشى أن يكون من باب الهوى والتعصب، وإلا فهل الخوف على التوحيد مبرر لاتهام سواد الامة الأعظم بالشرك وما يترتب على ذلك من استحلال دماء المسلمين وحرماتهم، فهل نحن بهذا الصنيع نضرب مثلاً في الحفاظ على الدين وأهله، أم نمثل نكبة وعقدة في طريق الحفاظ على الدين ووحدة أهله.
[المفتاح الحادي عشر]: التوسل في مذاهب الفقهاء الأربعة والعلماء: ذهب جمهور الفقهاء سلفا وخلفا ومنهم السادة المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة إلى جواز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وألحق به صلى الله عليه وآله وسلم الصالحين من المسلمين، المالكية والشافعية ومتأخري الحنفية، بمعنى أن جمهور الفقهاء على جواز التوسل بالأنبياء والصالحين سواء في حياتهم أو بعد مماتهم، وإليك التفصيل من داخل المذاهب الفقهية الأربعة وبعض المستقلين كالشوكاني وغيرهم.
(تنبيه): أكثر مراجع هذا المبحث مستفاد من كتاب: (التوسل بالصالحين بين المجيزين والمانعين) تأليف د عبد الفتاح قديش اليافعي حفظه الله.
(أ) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الأحناف: المذهب الحنفي هو احد أعمدة الفقه الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وقد استقرت فتوى المذهب الحنفي على جواز التوسل إلى الله تعالى بذات الرسول، وحملوا قول المتقدمين على الكراهة في باب الإقسام على الله تعالى، وليس في باب التوسل، وممن أجاز ذلك النوع من التوسل – على سبيل المثال لا الحصر – الائمة العلماء: الكلاباذي البخاري الحنفي (ت: 380 هـ)، والقدوري الحنفي، و ابن العديم الحنفي (ت: 660 هـ)، ومجد الدين الموصلي الحنفي (ت: 683 هـ) صاحب الاختيار فيما يقال عند زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والزيلعي (ت: 743هـ)، وابن أبي الوفاء القرشي الحنفي(ت: 775 وابن نجيم الحنفي (ت 710 هـ)، والسيد الشريف الجرجاني الحنفي (ت: 816 هـ) وابن حجة الحموي الحنفي (ت: 837 هـ)، والإمام العيني (ت: 855 هـ) والإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي (ت: 861هـ)، وأبو العباس أحمد الزبيدي الحنفي(ت: 893 ه)، والصالحي الشامي الحنفي (ت: 942 هـ)، وطاش كبري زاده الحنفي (ت: 968 هـ) والشيخ علي القاري المكي الحنفي (ت: 1014ه) وحاجي خليفة الحنفي (ت: 1067 هـ) والشرنبلالي الحنفي (ت: 1069 هـ) وعبد الرحمن أفندي داماد المدعو بشيخي زاده (ت: 1078هـ)، وعلاء الدين الحصكفي (ت: 1088هـ)، وخاتمة اللغويين الحافظ مرتضى الزبيدي الحنفي (ت: 1089هـ)، وعبد القادر البغدادي الحنفي (ت: 1093هـ)، والعلامة محمد الخادمي ت (1176ه) وإسماعيل حقي (ت: 1137هـ) والمرادي الحنفي (ت: 1206 هـ) والشيخ أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي المصري شيخ الحنفية بالديار المصرية (ت 1231 هـ)، والجبرتي الحنفي (ت: 1237 هـ)، وخاتمة المحققين الشيخ ابن عابدين الحنفي (ت: 1252 هـ)، والمحدث محمد عابد السندي الحنفي (ت 1257 هـ)، وشهاب الدين الألوسي (ت: 1270هـ)، وأحمد عارف الحسيني الحنفي (ت: 1275هـ) والعلامة الفقيه عبد الغني الغنيمي الحنفي(ت: 1298هـ)، والعدوي الحمزاوي (ت: 1303 هـ)، والشيخ محمد علاء الدين ابن الشيخ ابن عابدين (ت: 1306 هـ)، والشيخ عبد الرزاق البيطار (ت: 1335هـ)، وخليل أحمد سهارنبوري (ت: 1349 هـ) ومحمد بخيت المطيعي الحنفي، ومحمد زاهد الكوثري، والحافظ أبي الحسنات محمد عبد الحي بن الحافظ محمد عبد الحليم اللكنوى الانصاري الايوبي الحنفي (ت: 1304 ه).
ومن أقوال علماء المذهب الحنفي في جواز التوسل: قال الإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي في كتاب الحج، باب زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ويسأل الله حاجته متوسلا إلى الله بحضرة نبيه ثم قال يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشفاعة فيقول يا رسول الله أسألك الشفاعة يا رسول الله أتوسل بك إلى الله،) ([33]) .
وذكر الشرنبلالي الحنفي (ت: 1069 هـ) في مراقي الفلاح في آداب الزيارة: (يقف عند رأسه الشريف ويقول: اللهم انك قلت وقولك الحق: {ولو انهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللّه توابا رحيما}، وقد جئناك سامعين قولك، طائعين أمرك، مستشفعين بنبيك، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا انك رؤوف رحيم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد للّه رب العالمين، ويدعو بما يحضره من الدعاء) أهـ، ([34]) .
وقال الشيخ أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي شيخ الحنفية بالديار المصرية (ت 1231 هـ): (قوله فيتوسل إليه بصاحبيه ذكر بعض العارفين أن الأدب في التوسل أن يتوسل بالصاحبين إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ثم به إلى حضرة الحق جل جلاله وتعاظمت أسماؤه فإن مراعاة لواسطة عليها مدار قضاء الحاجات) أهـ ([35]) .
وقال العلامة شهاب الدين الألوسي (ت: 1270هـ): (وبعد هذا كله أنا لا أرى بأساً في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حياً وميتاً، ويراد من الجاه معنى يرجع إلي صفة من صفاته تعالى، مثل أن يراد به المحبة العامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته، فيكون معنى قول القائل أتوسل إليك بجاه نبيك صلى الله عليه وآله وسلم أن تقضي لي حاجتي يعني إلهي اجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي) ([36])
وقال العدوي الحمزاوي (ت: 1303 هـ) (ومن أحسن ما يقول بعد تجديد التوبة في ذلك الموقف الشريف، وتلاوة {ولو انهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول} الآية: نحن وفدك يا رسول اللّه وزوارك، جئناك لقضاء حقك وللتبرك بزيارتك والاستشفاع بك مما اثقل ظهورنا واظلم قلوبنا) أهـ، ([37]) .
وفي كتاب الفتاوى الهندية (ج1: 266) وقد قام بتأليفه جماعة من علماء الهند برئاسة الشيخ نظام الدين البلخي بأمر من سلطان الهند أبي المظفر محيى الدين محمد أورنك زيب في كتاب المناسك: (باب: خاتمة في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بعد أن ذكر كيفية وآداب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ذكر الأدعية التي يقولها الزائر فقال: “ثم يقف (أي الزائر) عند رأسه صلى الله عليه وآله وسلم كالأوّل ويقول: اللهم إنك قلت وقولك الحق: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ،، } الآية، وقد جئناك سامعين قولك طائعين أمرك، مستشفعين بنبيك إليك”) أهـ ([38]) .
وقال خليل أحمد سهارنبوري (المتوفي 1349 هـ) في كتابه المهند على المفند وهو من كبار علماء أحناف ديوبند بالهند، في جواب هذا السؤال: هل للرجل أن يتوسل في دعوته بالنبي والصالحين والصديقين والشهداء والأولياء؟ (عندنا وعند مشايخنا يجوز التوسل بهم في حياتهم وبعد وفاتهم بأن يقول: ” اللّهم إني أتوسل إليك بفلان أن تجيب دعوتي وتقضي حاجتي “، كما صرح به الشاه محمد إسحاق الدهلوي والمهاجر المكي ورشيد أحمد الكنكومي) أهـ ([39]) .
[وأيد ووافق على هذا الكتاب حوالي 75 نفراً من علماء الأحناف الكبار في باكستان]، وقال الإمام محمد زاهد الكوثري في كتاب ” مقالات الكوثري ” (وعلى التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتا جرت الأمة طبقة فطبقة) أهـ ([40]) .(ب) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند المالكية: يكاد المذهب يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى، لاسيما وفي المذهب نصوص واضحة جلية لإمام المذهب بذلك، وممن نص على ذلك من علماء المذهب، الإمام مالك رحمه الله، والائمة ابن خويز منداد، والقاضي عياض (ت: 544 هـ)، وعبد الحق الإشبيلي (ت: 582 هـ)، وأبو عبد الله محمد بن موسى المراكشي المالكي (ت: 683)، صاحب كتاب “مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام عليه السلام في اليقظة والمنام”، وابن جبير المالكي (ت: 614 هـ): وأبو عبد الله القضاعي المالكي المعروف بابن الأبار (ت: 658 هـ)، والإمام القرطبي (ت: 671 هـ)، والقرافي المالكي (ت: 682 هـ)، وابن عطاء الله السكندري المالكي (ت: 709 هـ)، وابن أبى جمرة المالكي (ت: 699 ه) والإمام الفكهاني (ت: 734)، ومحمد بن محمد العبدري المالكي الشهير بابن الحاج (ت: 737 هـ)، وابن جزي الكلبي المالكي (ت: 757 ه)، والبلوي المالكي (ت: 767ه)، وابن خلدون (ت: 808 هـ)، وابن الخطيب المالكي (أو ابن قنفد) (ت: 810 هـ)، وأبو الطيب المكي الفاسي المالكي (ت: 832 هـ)، ومحمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل أبو عبد لاله المغربي الأندلسي ثم القاهري المالكي والمعروف بالراعي (ت: 853هـ)، ومحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشمس بن الشمس المسوفي الأصل المدني المالكي (ت: 885هـ)، والشيخ أحمد زروق المالكي (ت: 899 هـ)، وأبو الحسن المالكي (ت: 939 هـ)، والقسطلاني (ت 923 هـ)، وابن عاشر المالكي (ت: 1040 هـ)، وإبراهيم اللقاني المالكي (صاحب جوهرة التوحيد) (ت: 1041 هـ)، والمقري التلمساني المالكي (ت: 1041 هـ)، وميارة المالكي (ت: 1072 هـ)، والإمام الزرقاني اليوسي المالكي (ت: 1102هـ)، وأحمد بن غنيم بن سالم النفراوي (المتوفى: 1126هـ)، والعدوي المالكي (ت: 1189هـ)، والإمام الصاوي المالكي، والشيخ عليش (ت: 1299هـ)، وأبو العباس الناصري السلاوي المالكي (ت: 1315هـ)، وخلق غيرهم من علماء المالكية كثير.
ومن أقوال علماء المذهب المالكي في جواز التوسل: أخرج أبو الحسن على بن فهر في كتابه فضائل مالك بسنده: (أن مالكا رضي الله عنه لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي – ثاني خلفاء بن العباس- يا أبا عبد الله: أأستقبل رسول الله صلى الله عليه سلم أم استقبل القبلة وأدعو؟ فقال الإمام مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك أدم عليه السلام إلى الله عز وجل يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفع فيك) أهـ وقد أخرج هذه القصة القاضي عياض في الشفا بسنده الذي قال فيه الخفاجي (ولله دره حيث أوردها بسند صحيح وذكر أنه تلقاها عن عدة من ثقات مشايخه) أهـ، ([41]) .
وذكرها القسطلاني في المواهب: والزرقاني شارح المواهب في شرحه وقال في معرض رده على من أنكرها (وهذا تهور عجيب فإن الحكاية رواها أبو الحسن على بن فهر في كتابه فضائل مالك بإسناد حسن، وأخرجها القاضي عياض في الشفاء من طريقه عن عده من ثقات مشائخه، فمن أين أنها كذب؟ وليس في لسنادها وضاع ولا كذاب)، وكذا نقلها السمهودي في وفاء الوفا عن القاضي عياض، وقال ابن حجر في الجوهر المنظم قد روي هذا بسند صحيح، وجاء ذكرها في اكثر كتب المذهب كالمدخل ، والقوانين الفقهية ([42]) .
وقال العلامة ابن الحاج المالكي(توفى737 هـ) – في آداب زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (ويحضر قلبه وخاطره إليهم، وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره، لأنهم لا يبلون ولا يتغيرون، ثم يثني على الله تعالى بما هو أهله، ثم يصلي عليهم ويترضى عن أصحابهم، ثم يترحم على التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم ويجزم بالإجابة ببركتهم ويقوي حسن ظنه في ذلك فإنهم باب الله المفتوح، وجرت سنته سبحانه وتعالى في قضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم، ومن عجز عن الوصول إليهم فليرسل بالسلام عليهم، وذكر ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه إلى غير ذلك، فإنهم السادة الكرام، والكرام لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم، ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم هذا الكلام في زيارة الأنبياء، والمرسلين عليهم الصلاة والسلام عموما)، وقال ابن جزي الكلبي المالكي في القوانين الفقهية: (ينبغي لمن حج أن يقصد المدينة فيدخل مسجد النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فيصلي فيه ويسلم على النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وعلى ضجيعيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويتشفع به إلى الله ويصلي بين القبر والمنبر ويودع النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – إذا خرج من المدينة، ([43]) .
وقال ابن خلدون (ت: 808 هـ) في تاريخه (6: 43): (نسأله سبحانه و تعالى من فيض فضله العميم، و نتوسل إليه بجاه نبيه الكريم، أن يرزقنا إيمانا دائما، و قلبا خاشعا، وعلما نافعا..،) أهـ، ([44]) .
وقال القسطلاني (ت 923 هـ) في المواهب اللدنية: (وينبغي للزائر له صلي الله عليه وسلم ان يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل به صلي الله عليه وسلم، فجدير بمن استشفع به ان يشفعه اللّه فيه،، إلى أن قال: وان الاستغاثة هي طلب الغوث فالمستغيث يطلب من المستغاث به اغاثته ان يحصل له الغوث، فلا فرق بين ان يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التوجه أو التجوه لانهما من الجاه والوجاهة، ومعناهما علو القدر والمنزلة وقد يتوسل بصاحب الجاه الى من هو اعلى منه، قال: ثم ان كلا من الاستغاثة، والتوسل والتشفع، والتوجه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم واقع في كل حال: النصرة قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة،) ([45]) .
وقال الإمام الزرقاني في شرح المواهب: (ونحو هذا في منسك العلا مة خليل، وزاد: وليتوسل به صلى الله عليه وآله وسلم، ويسال اللّه تعالى بجاهه في التوسل به، اذ هو محط جبال الاوزار واثقال الذنوب، لان بركة شفاعته وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب، ومن اعتقد خلاف ذلك فهو المحروم الذي طمس اللّه بصيرته واضل سريرته، الم يسمع قوله تعالى: {ولو انهم اذ ظلموا انفسهم جاؤوك فاستغفروا اللّه} الاية) ([46]) .
وقال الإمام الصاوي المالكي في حاشية الصاوي على الشرح الصغير (والأفضل في الزيارة القرب من القبر الشريف، بحيث يكون النبي يسمع قوله على حسب العادة، ويلزم في تلك الحضرة الأدب الظاهري والباطني ليظفر بالمنى،، وحين يدخل المسجد الشريف يأتي الروضة فيصلي بها ركعتين تحية المسجد، ثم يأتي قبالة القبر الشريف ويقول: ” السلام عليك يا سيدي يا رسول الله،، ثم يتوسل به في جميع مطلوباته) أهـ، ([47]) .
(ت) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الشافعية: يكاد المذهب الشافعي يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى، لاسيما وفي المذهب نصوص واضحة جلية لإمام المذهب بذلك، وممن نص على ذلك من علماء المذهب: الإمام الشافعي، والإمام البيهقي الشافعي (384 هـ)، والقاضي أبو الطيب الشافعي (450هـ)، والحافظ ابن عساكر الشافعي (ت: 571 هـ)، والعماد الأصبهاني (ت: 597هـ)، والإمام الرافعى القزويني الشافعي (623هـ)، والحافظ ابن الصلاح الشافعي (ت: 643 هـ)، والإمام النووي (ت: 676 هـ)، وابن خلكان الشافعي (ت: 681 هـ)، والمحب الطبري الشافعي (ت: 694 هـ)، وعماد الدين بن العطار(ت: 724 هـ)، وتقي الدين بن دقيق العيد الشافعي (ت: 702هـ)، وابن الزملكاني الشافعي (ت: 727 هـ)، وتقي الدين أبو الفتح السبكي (ت: 744 هـ)، والإمام السبكي (ت: 756 هـ)، والصفدي (ت: 764هـ)، والحافظ الحسيني الدمشقي الشافعي (ت: 765 هـ)، والعفيف اليافعي الشافعي (ت: 768 هـ)، وابن الرفعة الشافعى، وابن الزملكانى الشافعى، والعلامة الفيومي الشافعي (ت: 770 هـ)، وسعد الدين التفتازاني الشافعي (ت: 791 هـ)، وتقي الدين الحصني الشافعي (ت: 829هـ)، والحافظ ابن الجزري الشافعي (ت: 833 هـ)، والقلقشندي الشافعي (ت: 821 هـ)، والإمام السمهودي (ت: 911 هـ)، والأبشيهي الشافعي (ت: 850 هـ)، وشمس الدين الرملي (ت: 894 هـ)، والحافظ السخاوي (ت: 902 هـ)، وشمس الدين محمد بن أبي بكر الأنصاري الشافعي (ت: 903)، والإمام السيوطي (ت: 911 هـ)، وأبو الحسن البلبيسي المكي الشافعي (ت: بعد 916هـ)، والإمام زكريا الأنصاري (ت: 919 هـ)، والشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي (ت: 973 هـ)، والخطيب الشربيني (ت: 977 هـ)، والإمام الرملي (ت: 1004هـ)، ومحمد بن محمد شمس الدين القدسي الشافعي الدمشقي المعروف بالسيد الصادي (ت: 1008 هـ)، وعبد الرؤوف المناوي (ت: 1030 هـ)، وأبو المواهب بن محمد بن علي البكري الصديقي المصري الشافعي (ت: 1037هـ)، وابن علان المكي الشافعي (ت: في حدود 1057 هـ)، والغزي الشافعي (ت: 1098 هـ)، والمحدث إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي الشافعي (ت: 1162 هـ)، والبجيرمي (ت: 1221 هـ)، والهوريني الشافعي (ت: 1291هـ)، والشرواني (ت: 1301هـ)، والجاوي الشافعي (ت: 1315 هـ)، تاريخ دمشق لابن عساكر و طبقات الشافعية الكبرى للسبكي في و البداية و النهاية لابن كثير ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي: أن الإمام الشافعي توسل وتبرك بقميص الإمام أحمد ابن حنبل، وروى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في التاريخ والعلامة ابن حجر في كتابه الخيرات الحسان، والخوارزمي في مناقب أبي حنيفة والكردري في مناقبه وطاش كبرى زادة في مفتاح السعادة[.
ومن أقوال علماء المذهب الشافعي في جواز التوسل: قال الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، باب زيارة المدينة وآدابها: (يقول الزائر، اللهم قصدنا نبيك مستشفعين به إليك في ذنوبنا وقال في آخره ونسألك بمنزلته عندك وحقه إليك)، ([48]) .
وقال الإمام النووي في المجموع كتاب صفة الحج، باب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (ثم يرجع إلى موقفه الأول قُبالة وجه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه)، ([49]) .
وقال الإمام السبكي في كتابه شفاء السقام: (اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى وجواز ذلك وحُسْنُه من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الأزمان حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار) اهــ ([50]) .
وقال الإمام تقي الدين الحصني في كتابه دفع شبه من شبه وتمرد : (والمراد أن الاستغاثة بالنبي واللواذ بقبره مع الاستغاثة به كثير على اختلاف الحاجات، وقد عقد الأئمة لذلك باباً، وقالوا: إن استغاثة من لاذ بقبره وشكى إليه فقره وضره توجب كشف ذلك الضر بإذن الله تعالى) أهـ، ([51]) .
وفي فتاوى الإمام شمس الدين الرملي (فتاوى الرملي بهامش الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي ما نصه: ” سئل عما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان، يا رسول الله، ونحو ذلك من الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين فهل ذلك جائز أم لا؟ وهل للرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والمشايخ إغاثة بعد موتهم؟ وماذا يرجح ذلك؟ فأجاب: بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم، لأن معجزة الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم، أما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم، وأما الأولياء فهي كرامة لهم فإن أهل الحق على أنه يقع من الأولياء بقصد وبغير قصد أمور خارقة للعادة يجريها الله تعالى بسببهم) أهـ، ([52]) .
وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء (وأسأل الله تعالى أن يقبضنا إلى رحمته قبل وقوع فتنة المائة التاسعة!! بجاه محمد صلى الله عليه و سلم و صحبه أجمعين، آمين)، وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي في خاتمة كتابه “تحفة الزوار إلى قبر المختار” داعياً: (ختم الله لنا ولمن رأى في هذا الكتاب بالسعادة والخير ورفعنا وإياهم في الجنة إلى المقام الأسنى (بجاه سيد الأولين والآخرين) أهـ، ([53]) .
وقال الإمام الرملي في كتابه نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج داعيا للإمام النووي: (تغمده الله برحمته، ونفعنا والمسلمين ببركته بجاه محمد وآله وعترته)، ويقول: (ومن خطه نقلت المعروض على المسامع الكريمة حرسها الله تعالى من كل سوء بجاه محمد صلى الله عليه وآله وسلم)، ويقول في منتصفه: (وأسأله الإعانة على الإتمام بجاه محمد سيد الأنام ومصباح الظلام)، وفي آخره: (والله أسأل، وبرسوله أتوسل، أن ينفع به كما نفع بأصله)، ([54]) .
وجاء في إعانة الطالبين في ذاكرة القصد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم:) بل يقصد أنه مفتقر له عليه الصلاة والسلام وأنه يتوسل به إلى ربه في نيل مطلوبه لأنه الواسطة العظمى في إيصال النعم إلينا) ([55]) .
(ث) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الحنابلة: يكاد المذهب الحنبلي يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى، وممن نص على ذلك من علماء المذهب: الإمام احمد بن حنبل، والشيخ عبد القادر الجيلاني (ت ٥٦١ هـ)، والإمام بن قدامة المقدسي الحنبلي، والإمام ابن عقيل الحنبلي (ت 503)، وابن الجوزي (ت 597 هـ)، وأبو عبد الله محمد بن الحسين السامري الحنبلي (ت: 616 هـ)، والشيخ العلامة أبو زكريا الصرصري البغدادي الحنبلي (ت: 656 هـ)، والإمَامُ المرْدَاوي (ت 885هـ)، وابن مفلح الحنبلى، والبهوتى الحنبلي ت (1051هـ)، وابن كنان الحنبلي (ت: 1153هـ)،.
ومن أقوال علماء المذهب الحنبلي في جواز التوسل: قال الإمام احمد بن حنبل في منسكه الذي رواه عنه المروزي ما نصه: (وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) تُقْضَ من الله عز وجل)، هكذا ذكره ابن تيمية في الرد على الأخنائي ([56]) ..
وفي كتاب العلل ومعرفة الرجال ما نصه: (سألته عن الرجل يمس منبر النبي (صلّى الله عليه و سلّم) و يتبرك بمسّه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد التقرب إلى الله جل وعز فقال: لا بأس بذلك) أهـ ([57]) .
وقال الشيخ أبو الفرج بن قدامة إمام الحنابلة صاحب الشرح الكبير وهو الشيخ شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة الحنبلي: (مسألة): فإذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وقبر صاحبيه رضي الله عنهما، ثم ذكر الشيخ ابن قدامة صيغة تقال عند السلام على النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وفيها أن يقول: (اللهم إنك قلت وقولك الحق: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم اجعله أول الشافعين ثم قال: ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ولا تقبيله، قال أحمد رحمه الله: ما أعرف هذا، قال الأثرم: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم -، يقومون من ناحية فيسلمون، قال أبو عبد الله: وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل، قال: أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه إبراهيم ابن عبد الله بن عبد القارئ إنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – من المنبر ثم يضعها على وجهه، ([58]) .
وقال الإمام بن قدامة المقدسي الحنبلي في وصيته : (وإذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى تريد طلبها منه فتوضأ، فأحسن وضوءك، واركع ركعتين، وأثن على الله عز وجل، وصلَ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قل: لا إِلَهَ إِلاَّ الله الحَلِيمُ الكَريمُ، سُبحَانَ رَبِّ العَرشِ العَظيمِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينِ، أَسأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحمَتِكَ وَعَزَائمَ مَغفِرَتِكَ وَالغَنيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لا تَدَعْ لي ذَنباً إِلاَّ غَفَرْتَهْ وَلا هَمَّاً إِلاَّ فَرَّجْتَهْ، وَلا حَاجةً هِيَ لَكَ رِضاً إِلاَّ قَضَيتَهَا يَا أَرحَمَ الرَّاحمين، وإن قلت: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، وروي عن السلف أنهم كانوا يستنجحون حوائجهم بركعتين يصليهما ثم يقول: اللهم بك أستفتح وبك أستنجح، وإليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم أتوجه، اللهم ذلل لي صعوبة أمري، وسهل من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف) أهـ، ([59]) .
وقال ابن عقيل الحنبلي (ت 503): في زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربى) ، ([60]) .
وفال ابن الجوزي (ت: 597 هـ) في المدهش (لم يزل ذكر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم منشورا وهو في طي العدم توسل به آدم وأخذ له ميثاق الأنبياء على تصديقه)، ([61]) .
وقال أبو عبد الله محمد بن الحسين السامري الحنبلي (ت: 616 هـ) في المستوعب ” باب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ” وذكر آداب الزيارة، وقال: (ثم يأتي حائط القبر فيقف ناحيته ويجعل القبر تلقاء وجهه، والقبلة خلف ظهره، والمنبر عن يساره، وذكر كيفية السلام والدعاء ومنه: (اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك مستغفرا، فأسألك أن توجب لي المغفرة كم أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك (صلى الله عليه وآله وسلم)، ([62]) .
وقال الإمَامُ المرْدَاوي (ت 885هـ) في “الإنْصاف” (يَجُوز التوسُّل بالرجل الصالح، على الصحيح من المَذْهَب، وقيل يُسْتَحب قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ: يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فِي دُعَائِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ)، ([63]) .
وقال البهوتى الحنبلي ت (1051هـ) في كتاب كشاف القناع الجزء الثاني: (وقال السامري وصاحب التلخيص: لا بأس بالتوسل للاستقاء بالشيوخ والعلماء المتقين، وقال في المذهب: يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح وقيل للمروذي: إنه يتوسل بالنبي في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره، ثم قال: قال إبراهيم الحربي: الدعاء عند قبر معروف الكرخي الترياق المجرب، وذكر أبو عبد الله الأردبيلي: سمعت أبا بكر بن أبي الخصيب يقول: ذُكر صفوان بن سليم عند أحمد بن حنبل فقال: هذا رجل يستسقى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره) أهـ ([64]) .
، قال عبد الله ابن أحمد ابن حنبل في ” المسائل “: ” سمعت أبي يقول: حججت خمس حجج منها ثنتين [راكبا] و ثلاثة ماشيا، أو ثنتين ماشيا و ثلاثة راكبا، فضللت الطريق في حجة و كنت ماشيا، فجعلت أقول: (يا عباد الله دلونا على الطريق!) فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق، أو كما قال أبي) أهـ، ([65]) .
وذكر القصة البيهقي في ” الشعب ” وابن عساكر من طريق عبد الله، وذكرها ابن مفلح في الاداب الشرعية، وقال الإمَامُ السَّامُري في “المُسْتوعِب” : (ولا بَأسَ بالتوسُّل إلى اللهِ تعالى في الإستسقاء بالشيوخ والزهَّاد وأهلِ العلم والفضل والدين من المسلمين،) ([66]) . وقال الإمَامُ تقيُّ الدين الأدَمي في “المُنوّر”: (ويُبَاحُ التوسُّلُ بالصُلَحَاء) أهـ، و ([67]) . قال الإمامُ ابنُ مُفْلح في “الفروع” (ويَجُوزُ التوسُّلُ بصالحٍ، وقيْلَ يُسْتحبُّ) أهـ، وقال الإمام الحجاوي في “الإقناع” مع شرحِهِ للإمام البُهوتي (ولابأس بالتوسل بالصالحين) أهـ، وقال الإمامُ ابنُ النجّار في “منتهى الإرادات” مع شَرْحِهِ للإمَام الُبهوتي : (وأُبيْحَ التوسُّلُ بالصَالحيْن)، ([68]) .
وقال الإمُامُ مرْعيُّ الكرْمي في “غاية المُنْتَهى” مع شرْحه للإمَام الرحيْبَاني (وكذا أبيْحَ توسلٌ بصالحيْن) أهـ، ([69]) .وقال الإمام منصور بن يونس البيهوتي الحنبلي المتوفى سنه 1051هـ في كتاب كشاف القناع الجزء الثاني: (وقال السامري وصاحب التلخيص: لا بأس بالتوسل للاستقاء بالشيوخ والعلماء المتقين، وقال في المذهب: يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح وقيل للمروذي: إنه يتوسل بالنبي في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره، ثم قال: قال إبراهيم الحربي: الدعاء عند قبر معروف الكرخي الترياق المجرب) أهـ، ([70]) .
وقال الإمام ابن الجوزي الحنبلي في كتاب مناقب الإمام أحمد (عن عبد الله بن موسى أنه قال: خرجت أنا وأبي في ليلة مظلمة نزور « أحمد » فاشتدت الظلمة، فقال أبي: يا بني تعال حتى نتوسل إلى الله تعالى بهذا العبد الصالح حتى يضاء لنا الطريق، فمنذ ثلاثين سنة ما توسلت به إلا قضيت حاجتي، فدعا أبي وأمنت على دعائه، فأضاءت السماء كأنها ليلة مقمرة حتى وصلنا إليه) اهــ، ([71]) .
وبعد فتلك اقوال الفقهاء من مختلف المذاهب والتي تدل على جواز هذا النوع من التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهه عند الله تعالى.
(ج) قول الشوكاني في التوسل: للشوكاني كلام قوي جدا في نصرة التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهه عند الله تعالى، وألحق به جواز التوسل بالصالحين عموماً، كما اعتبر ذلك التوسل بمثابة التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، وهو اعتقاد فضلهم والإيمان بمنازلهم عند الله تعالى، كما أنه رد على الغالين في هذا الباب ممن ألحق التوسل بباب التوحيد والشرك وليس باب الفقه والاجتهاد، ومن ذلك: قوله رحمه الله في تحفة الذاكرين – عند شرح حديث الضرير: (وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى وأنه المعطي المانع، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن) أهـ، ([72]) .
وقوله فيها في شرح قول صاحب العمدة: (ويتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين) ما لفظه: (ومن التوسل بالأنبياء، ما أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن أعمى أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر الحديث ثم قال: وأما التوسل بالصالحين فمنه ما ثبت في الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال عمر رضي الله عنه اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا الخ) أهـ، ([73]) .
وقوله في رسالته (الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد (: (وأما التوسل إلى الله سبحانه بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه فقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام إنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إن صح الحديث فيه اهـ، ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في سننه والترمذي وصححه وابن ماجه وغيرهم أن أعمى أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني أصبت في بصري فادع الله لي، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((توضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، يا محمد إني أستشفع بك في رد بصري اللهم شفع النبي فيّ)) وقال: ((فإن كان لك حاجة فمثل ذلك)) فرد الله بصره، وللناس في معنى هذا قولان: (أحدهما): أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال: كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا وهو في صحيح البخاري وغيره فقد ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته في الاستسقاء، ثم توسل بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في مثل هذا شافعاً وداعياً لهم، و (القول الثاني): أن التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه، ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعاً سكوتياً لعدم إنكار أحد منهم على عمر رضي الله عنه في التوسل بالعباس رضي الله عنه، وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين: (الأول): ما عرفناك به من إجماع الصحابة رضي الله عنهم، و(الثاني): أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله، فإذا قال القائل: (اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني) فهو باعتبار ما قام به من العلم، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة، فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركا كما يزعمه المتشددون في هذا الباب كابن عبد السلام ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة لهم ولا سكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم، وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ونحو قوله تعالى {فلا تدعوا مع الله أحداً} ونحو قوله تعالى {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النـزاع بما هو أجنبي عنه، فإن قولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} مصرح بأنهم عبدوهم لذلك، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك، وكذلك قوله {ولا تدعوا مع الله أحداً} فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده، كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم وكذلك قوله {والذين يدعون من دونه} الآية فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه، وإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النـزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه كاستدلالهم بقوله تعالى {وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله} فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله {ليس لك من الأمر شيء} {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً} فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره، وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل قوله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} يا فلان بن فلان لا أملك لك من الله شيئاً، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئا ً، فإن هذا ليس فيه إلا التصريح بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يستطيع نفع من أراد الله ضره ولا ضر من أراد الله تعالى نفعه، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله، وهذا معلوم لكل مسلم وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين)) أه ([74]) .
[المفتاح الثاني عشر]: أخطاء الوهابية في باب التوسل: هناك غلو شاب بعض أتباع الدعوة السلفية المعاصرة تجاه مسائل التوسل تمثل فيما يلي:
(أ) جعلوا مسألة التوسل من مسائل العقيدة وبهذا يترتب على المتوسل الكفر والشرك والابتداع والخروج من الملة، وهذا غلو كبير، فمسألة التوسل من مسائل الفقه وليست من مسائل العقيدة، والخلاف في العقيدة خلاف بين توحيد وشرك، وبين ايمان وكفر، وبين حق وباطل، أما الخلاف في الفقه فهو خلاف بين صواب وخطأ، واين هذا من ذاك، وقد اتفق الفقهاء على أن الخلاف في مباحث التوسل خلاف فقهي لاسيما وان جميع المسلمين، لا يعبدون إلا الله، ولا يدعون إلا إياه، ولا يطلبون قضاء الحاجات أصلا إلا من الله تعالى.
(ب) جعلوا التوسل المختلف فيه من باب الشرك، وساووا بين المتوسلين من الموحدين وبين مشركي العرب، بل أضل على زعمهم لان مشركي العرب كانوا يشركون في الشدة فقط والمتوسلين يشركون في الشدة والرخاء – هذا على زعمهم، والبون شاسع، والفرق كبير بين المتوسلين من أهل الإسلام والتوحيد وبين مشركي العرب، إذ مشركي العرب بجميع فرقهم كانوا يتخذون من يدعونه إلهاً من دون الله كما صرح به القرآن، فالتوسل غير الشرك، فدعاء المشركين دعاء ألوهية وتعبد، ودعاء المسلمين توسل واستشفاع، وفرقٌ كبير بين مَنْ يقول: يا رب أعطني كذا بحق فلان، وبين من يقول: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}، إنّ الإشراك الذي حصل من المشركين الذين ذمهم القرآن هو عبادتهم للأنبياء والملائكة والأولياء بناءً على اعتقادهم فيهم أنهم شاركوا الله في الألوهية وأن لهم تأثيراً في الأشياء، وهم كانوا يعبدون آلهتهم ويعتقدون أنها تستطيع أن تقربهم إلى الله، وهذا بنص القرآن، فاعترفوا على أنفسهم بأمرين عظيمين: أنهم يعبدون آلهتهم التي يعتقدون أنها تؤثر في الكون مع الله تعالى، وهذا كفر، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم “لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك”، وقد علم في علم التوحيد أنه لا فعل إلا لله، وأنه من أثبت لغير الله فعلاً كفعله فإنه كافر بالله تعالى، وإن زعم أنه مؤمن.
(ت) ظنهم أنَّ التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، مع ان المتوسِّل المسلم الموحد لا يعبد إلا الله، ولا يرجو سوى الله، ولا يدع إلا الله وحده، لان (الله) تعالى وحده – في عقيدة كل مسلم – هو المالك القادر المهيمن، وهو وحده المعطي والمانع، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة – رجاء قبول مبتغاه عند الله، وليس التوسل – أبداً – من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه، كما كان يفعل المشركون بقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان، ويشهد بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، عن يقين واعتقاد، لا يستويان مثلا عند الله تعالى، وعند المؤمنين، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام.
(ث) الجفاء في فهم مباحث التوسل لأن غاية ما في التوسل هو الاستعانة بالأسباب المعينة على تحقيق المطالب، كما ان ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل – على معناه الصحيح – بذوات الانبياء والاولياء والصالحين، وكل مسلم يعلم أن حب ذواتهم ليس حباً للأجساد، إذ كل بنى آدم أجسادهم من طين، ولكنه حبها لما حوته تلك الذوات من الإيمان بالله والطاعة لله وتعظيم أمر الله تعالى، ولذلك حرّم الله تعالى على الارض أن تأكل أجساد الانبياء، إن ذوات هؤلاء معظمة في قلب كل مسلم لما حوته من تعظيم لأمر الله تعالى، ثم أليس اعتقاد حرمة ذوات الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين هو ناشئ عن الإيمان بهم والإيمان بالرسل، أليس هو ركن من أركان الإيمان، لا يصح الإيمان إلا به، وأليس جائز في دين الله تعالى، ولا خلاف فيه بين المسلمين، أنه يجوز التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، فإن حب ذواتهم واعتقاد حُرمتها ومكانتها عند الله والتقرب بذلك الحب والاعتقاد إلى الله تعالى، أليس هذا من أعظم الإيمان والعمل الصالح، فلم لا نحمل التوسل بذوات الانبياء واتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى بانه توسل بالأعمال الصالحة المتمثلة في اعتقاد حرمة تلك الذوات ومنزلتها العظيمة عند الله تعالى.
(ج) زعمهم أنه لا يجوز التوسل بالموتى – ولو كانوا من الانبياء أو الاولياء والعباد الصالحين – بزعم أنه خطاب لمعدوم، وانّ ذلك قبيح عقلا، لعدم قدرة الميت على الإجابة، وهذا جفاء لان للميت من الإدراك والشعور والالتفات والسماع ما دل عليه الشرع الحكيم، وقد تقدمت الادلة عليه، حتى قال الغزالي: (ظن بعضهم أن الموت هو العدم، وهذا رأي الملحدين، وكل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا معنى ما يقال: الناس نيام وإذا ماتوا انتبهوا، فإن أول ما ينكشف له ما يضره وما ينفعه من حسناته وسيئاته، فلا ينظر إلى سيئة إلا ويتحسر عليها) .
(ح) كما أنه ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل – على معناه الصحيح – بجاه الصالحين، لأن الاعتراف بجاه هؤلاء هو من الإيمان والعمل الصالح، ولولا الإيمان لما اعترف المسلم بجاه هؤلاء الصالحين عند الله تعالى، وكل مسلم يعلم ان للأنبياء والأولياء والصالحين وجاهة عند الله، فأي مخالفة للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم – التوسل الصحيح – إلى الله تعالى بجاه هؤلاء الوجهاء عند الله تعالى، لاسيما وقد دلت الآثار والأحاديث على جواز ذلك وتواترت أقوال العلماء الذين رزقهم الله تعالى القبول عند أهل السنة والجماعة على جواز التوسل بجاه الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى، كما أنه ليس هناك دليل شرعي واحد صحيح يدل على حرمة التوسل – على معناه الصحيح – بحق الانبياء والصالحين على الله تعالى، وهو ليس بالحق الواجب على الله تعالى، بل هو حق التفضل والرحمة والوعد الذي كتبه الله تعالى – تفضلاً – على نفسه لعباده المرسلين والصالحين والمؤمنين، كما في قوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].
فأي مخالفة بعد ذلك للعقيدة الصحيحة إن توسل المسلم – التوسل الصحيح – إلى الله تعالى بحق ذوي الحرمة والحقوق على الله تعالى – وهو كما أسلفنا ليس حقاً ذاتياً لهم، بل هو الفضل الذي تفضل به الله تعالى تفضلاً ورحمة -، لاسيما وقد دلت الآثار والأحاديث على جواز ذلك وتواترت أقوال العلماء الذين رزقهم الله تعالى القبول عند أهل السنة والجماعة على جواز التوسل بحق الانبياء والمرسلين وأتباعهم من الاولياء والصالحين إلى الله تعالى، ثم أليس الإيمان بان لهؤلاء المكرمين حق على الله تعالى، هو من باب الإيمان بهم، وهو جزء كما تقدم من الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، ألا يصلح ذلك الإيمان أن يكون بمثابة العمل الصالح الذي نتوسل به إلى الله تعالى.
(خ) يتشدق هؤلاء بأنّ حديث توسل عمر بالعبـاس دليل على أنه لا يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم يعد وفاته، ولا حجة لهم، والحديث صحيح رواه البخاري عن انس رضي الله عنه: (أن عمر بن الخطاب، كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال: فيسقون) ([75]) .
ومفاتيح فهم الحديث: (1): اختيار عمر للعباس رضي الله عنهما لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتوسل الأصل بالرسول صلى الله عبليه وسلم، لأنّ عمر افضل من العباس، رضي الله عن الجميع، (2) اختيار العباس كان لهدف ان يتقدم العباس فيدعو بالناس، فلا بد من صالح يدعو ويؤمن المسلمون على دعائه، (3) توسل الصحابة بالعباس لا يتنافى مع التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبره لأن سبب توسلهم به رضي الله عنه هو قرابته من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فكأنهم توسلوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، (4) أخرج ابن أبي شيبة عن مالك الدار بسند صحيح كما في فتح الباري وأخرجه البخاري في التاريخ وابن أبي خثيمة والبيهقي في الدلائل (أن بلال بن الحارث المزني الصحابي، أتى إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الرماد في عهد عمر بن الخطاب وقال: (يا رسول الله استسق لأمتك فانهم قد هلكوا،)، ([76]) .
وهو نص في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر أحد على الصحابي الجليل، فكانه اجماع على صحة التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في قبره، ومعلوم عند كل مسلم انّ حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا، وجاهه عند الله حيا كجاهه ميتا، ولذلك فإنّ مذهب الجماهير من الفقهاء على صحة التوسل وجوازه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعد وفاته، وكذا بغيره من الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين، ولا يوجد مسلم موحد يعتقد لهم تأثيرا ولا نفعاً ولا خيراً إلا بإذن لله وحده لا شريك له، فلا فرق في التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو غيره من الأنبياء، أو بالأولياء والصالحين، ولا فرق بين كونهم أحياءً أو أمواتاً، لأنهم لا يملكون من الامر شيء إلا بإذن الله، وإنما يتبرك المسلمون بهم في إجابة الدعاء، لكونهم أحب الخلق إلى الله.
(فائدة): التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس به: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [ الأحزاب: 69]، وقال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [ آل عمران: 45]، والمراد بالوجاهة استجابة الدعاء، لا يرد لهم دعاء، لأنّ لهم المحبة التامة من اللهن والنبي صلى الله عليه وسلم خير منهما صلى الله وسلم وبارك عليهم أجمعين، وعلى ذلك فما البأس في التوسل إلى الله بجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حياً وميتاً، فيكون معنى قول القائل: إلهي أتوسل إليك بجاه نبيك صلى الله عليه وآله وسلم أن تقضي حاجتي إلهي اجعل محبتك له وسيلةً في قضاء حاجتي، ولا فرق بين هذا وقولك إلهي أتوسل إليك برحمتك أن تفعل كذا.
(فائدة): قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 64]، [ الآية صالحة لكل زمان ومكان، والأنبياء أحياء في قبورهم]: فإذا كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، لقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [ البقرة: 154]، وقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [ آل عمران: 169]، فكيف بالأنبياء، ثم كيف بسيدهم وخاتمهم صلى الله عليه وسلم، وقد دلت الآثار على أنه صلى الله عليه وسلم يرد السلام على من يسلم عليه وتبلغه صلاة المسلمين عليه، روى النسائي عن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) ([77]) .
وروى البيهقي في كتاب الأنبياء وصححه من حديث أنس رضي الله عنه أنـه صلى الله عليه وآله وسلم قال (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)، ([78]) . وروى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (مررت على موسى ليلة اسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره)، ([79]) . وروى الحافظ الهيثمي عن عبد الله بن مسعود وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (حياتي خير لكم تحدثون ويُحدّث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم تُعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيراً حمدت الله وان رأيت شراً استغفرت لكم)، ([80]) .
وعلى ذلك فإنّ قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 64]، هذه الآية حكمها باق إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، ثم إنّ كل مسلم موحد يعلم أن جميع الأنبياء والأولياء لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف، لا في حياتهم ولا مماتهم، على سبيل الاستقلال، وأن الأمر كله لله، وإنما التوسل بهم وطلب الدعاء منهم هو لأنهم محل نظر ورعاية وولاية الله تعالى، فيستوي بذلك الأمر في حياتهم الدنيوية والبرزخية، وإذا كان أصل التوسل مشروع لا خلاف فيه، فما المشكلة في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته أو بعد مماته، هل يظن احد من المسلمين أنّ نبوته انتهت بمماته معاذ الله، وهل يظن أحد أن له القدرة استقلالا من دون الله، المسلمون في مأمن من الامرين، فلماذا يصرفون معنى التوسل إلى معنى الشرك فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
***
المبحث الثاني مفاتيح تحقيق القول في الاستغاثة والاستعانة
[المفتاح الأول]: (الاستعانة) طلب المعونة، قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، أي لا نطلب العون إلا منك يا ألله، وكل مسلم وكل موحد يعتقد أنّ النفع والضر بيد الله، لا يملك النفع والضر أحد سواه، و(الاستغاثة): طلب الغوث والنصر، قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} الآية، إذ تطلبون منه النفع لأنه مالك النفع والضر وحده فهو النافع الضار على الحقيقة ابتداء واستقلالا وهو مجيب الدعوات وقاضي الحاجات ومستجيب الدعوات، ولكن الله تعالى جعل لنا أسبابا نطلبها ولكن في اطار التوكل على الله مسبب الأسباب، ولذلك جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة”: 153]، وفال تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [ القصص:15]، وفال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ{ [الأنفال:72]، وفال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } [ النساء:64]، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [ المائدة:2]، وفي صحيح مسلم في حديث أويس القرني: (فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، فقال له عمر: فاستغفر لي، فاستغفر له) [ رواه مسلم]، وثبت بالتواتر أن الصحابة كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء في الأمور الدنيوية والأخروية.
[المفتاح الثاني]: فهم معاني العبودية ضروري لفهم مسألة الاستغاثة: العبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية واستحقاق العبودية، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق، أو المعبودات الباطلة من دون الله، إن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء:24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، إذ قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} لم يكن سجود عبادة لآدم وإنما سجود تكريم لم أكرمه الله تعالى بالعلم، فشتان ما بين السجود للتكريم، والسجود بنية العبادة، كذلك: الفرق بين سجود نبي الله يعقوب وبنيه لله وسجودهم ليوسف عليه السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف في قوله تعالى: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}، وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة فشتان ما بين السجود للتكريم، والسجود بنية العبادة، ومن سجد بنية العبادة، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده إلها وربا ومعبودا، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة.
[المفتاح الثالث]: خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة (اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود): العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، ولها (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال.
[المفتاح الرابع]: خلاصة الأمر في التعريف الصحيح العبادة: التعريف الصحيح للعبادة ينبغي أن يشتمل على الضابط الذي يمنع من اتهام المسلم بالشرك الاكبر وهو لم يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر، ويكون التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الألوهية والربوبية واستحقاق العبودية في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل أو القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة أو البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
[المفتاح الخامس]: الفقه في مفهوم (الاستعانة) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل فيجميع مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية أو بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده، والقصد على وجه الاستقلال، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو، وكما علمنا القرآن الكريم توحيد الاستعانة بالله تعالى، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [البقرة: 153]، وضابط الاستعانة، أنّ من اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله، وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله، وصرفها لمن نعتقد فيه الربوبية والالوهية (لأنهما متلازمان) أو بعض صفاتهما فهو كفر وشرك بالله، وإن خلت من النية والاعتقاد، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب.
[المفتاح السادس]: الاستغاثة جائزة بالرسول صلى الله عليه وسلم: روى البخاري في صحيحه: » أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: »إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسي، ثم بمحمد، فيشفع ليقضى بين الخلق …، « وروى البخاري في صحيحه من كتاب الاستسقاء عن أنس بن مالك: » أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائما فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فأدع الله يغيثنا -أي يمطرنا- قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم أسقنا، اللهم اسقنا، قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال: فطلعت من وراءه سحابة مثل الترس ثم انتشرت، ثم أمطرت… « ([81]) . وروى الترمذي عن عثمان بن حنيف: (أن ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أدع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء »اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في « ([82]) وروى الطبراني في معجمه » أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له وكان عثمان رضي الله عنه لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقى الرجل عثمان بن حنيف فشكى ذلك إليه فقال عثمان بن حنيف: أئت الميضأة فتوضأ ثم أئت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل »اللهم أني أسألك … إلخ الدعاء … وأذكر حاجتك فانطلق الرجل فصنع ما قاله له ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان رضي الله عنه فأجلسه معه على الطنفسة وقضى حاجته« ([83]) .
ورويابن أبي شيبة والبيهقي بسند صحيح ورواه – في دلائل النبوة البيهقي بسنده إلى الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار وكان خازن عمر قال: »أصاب الناس قحط في زمن عمر رضي الله عنه فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقال: ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبره أنهم مسقون وقل له عليك الكيس، قال فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر رضي الله عنه وقال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه، ([84]) . فهذا الرجل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته وطلب منه الاستسقاء لأمته فلو كان الطلب منه بعد انتقاله محرما لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يلمه عمر ولا أحد من الصحابة على فعله بل صدق رؤيته واستسقى بالمسلمين [صحح هذا الحديث إلى مالك الدار الحافظ ابن حجر في فتح الباري وأقر ابن تيمية بثبوته في اقتضاء الصراط المستقيم ([85]) .
ومما قاله حسان بن ثابت في وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (يَا رُكنَ مُعتَمِدٍ وَعِصْمَةَ لائِذٍ * ومَلاذَ مُنتجعٍ وَجَارَ مُجَاوِرِ)،
المفتاح السابع: خلل الوهابيين في فهم معاني الاستغاثة: لما رأى الوهابيون أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة ظن أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، وهذا مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة، الذين فقهوا أن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الإلهية أو الربوبية أو استحقاق العبادة، فإن المشركين لما اعتقدوا لآلهتهم تلك الخصائص زاولوا تلك الأعمال لهم بنية عبادتهم، (تنبيه): لا معنى لبناء الجواز والمنع في الاستغاثة على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأنه لا يعتقد أنّ العبد يخلق أفعال نفسه إلا المعتزلة ومن قلَّدهم، والمسلمون حين يدعون أحداً أو يستنجدون به أو يستعينون به حياً كان أو ميتاً، حاضراً أو غائباً يعتقدون أنه لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله، ولا معنى كذلك لبناء الجواز والمنع على الحياة والموت لأن المعنى الذي أجيزت به الاستغاثة مثلاً بالأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء وغيره وذلك موجود على أتم وجوهه في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم إذ صحت الأحاديث بحياتهم ولوازمها من السمع والبصر والكلام والسلام والتزاور والقدرة على دعائهم للأحياء لا سيما لقرابتهم وزوارهم، وفي كتاب “الروح” لابن القيم فصول تُفيد ” أنه قد تواتر بأنّ لأهل القبور قدرة على التصّرف والترائي للأحياء “.
ومن الأدلة على صحة كلامه: (1) أن الله تعالى أخبر عن الشهداء بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [سورة البقرة: 154]{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون} [سورة آل عمران: 169]، وإن الأنبياء، والصديقين وكثيرًا من صالحي المسلمين الذين ليسوا بشهداءَ كأكابر الصحابة، أفضل من الشهداء بلا شك ولا مرية، فإذا ثبتت الحياة للشهداء فثبوتها لمن هو أفضل منهم أولى.
(2) ما رواه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال: أنهم الآن يسمعون ما أقول، وفي رواية في الصحيح (البخاري): أن النبي صلى الله عليه واله وسلم جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: ((يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فأنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، ([86]) .
(3) وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام) ([87]) . رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الحافظ الذهبي،
(4) حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام) رواه أبو داود وغيره وصححه النووي في رياض الصالحين وفي الأذكار، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، كما في فيض القدير، ([88]) .
(5) حديث (: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يقول إذا ذهب إلى المقابر: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسال الله لناولكم العافية.)، ([89]) . وهذا السلام والخطاب والنداء دليل على أنّ اهل المقابر يسمعون ويعلمون.
(فائدة): إذا تبين فساد هذه الضوابط التي قال بها أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجواز والمنع، تبين أنّ الضابط الصحيح للتفرقة بين الجواز والمنع هو (الاعتقاد)، فإذا كان العمل أو القول لمن لا يعتقده رباً فليس من العبادة في شيء، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته واستقلاله بالنفع والضر وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يعتبر عبادة إن صرف لله، وشركاً إن صُرف لغيره لا فرق في ذلك بين حاضر وغائب ولا ميت وحي وكل المسلمين على عقيدة لا إله إلا الله، وعلى ذلك فإنه لا يدخل في الشرك أبداَ كل ما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة وغيرهما، لأنها تفتقد إلى اعتقاد الربوبية والإلهية لمن تصرف إليه هذه الأعمال، وعدُّ ذلك من الشرك المخرج عن الملة إنما يجر إليه الجهل بمعنى الشرك والعبادة، و (الخلاصة): أنّ غلط الوهابيين في مفهوم العبادة كان هو السبب في تكفيرهم لعوام المسلمين بالدعاء والاستغاثة
[المفتاح الثامن]: النبي صلى الله عليه وسلم كان يراعي حالة السائل فيجيب وفق حاله من قوة الإيمان وضعفه: الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستغيثون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويستعينون به ويطلبون منه الشفاعة وشكون إليه حالهم من فقر أو مرض أو بلاء أو دين أو جدب وقلة مطر، وكانوا يعلمون أنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يفعل ذلك بذاته أو بقوته، وإنما يفعله بإذن الله وأمره وقدرته وأنه عبد مأمور وله مقامه وجاهه وكرامته وأنّ الحقيقة هو مجرد سبب من أسباب الإجابة ولا فاعل إلا الله، وكان موقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع السائلين تارة الاستجابة لطلبهم وتارة يخيرهم بين الصبر أو كشف البلاء كما خير الأعمى والمرأة التي تصرع وقتادة الذي أصيبت عيناه، وتارة يقول لهم: (إنما يستغاث بالله)، وتارة يقول لهم: (إذا سألت فسأل الله و وإذا استعنت فاستعن بالله)، وتارة يقول: (السيد هو الله)، وتارة يقول: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، وواضح من اختلاف أجوبته صلى الله عليه وآله وسلم للسائلين أنه كان يراعي حالة السائل حين يسأله فيجيبه بما يصلح شأنه، والصحابة الكرام كانوا لا يعنون من الطلب منه صلى الله عليه وآله وسلم إلا وساطته ووسيلته بالتوجه إلى الله ليدعو ويشفع، ومع ذلك راعى صلى الله عليه وآله وسلم حالة السائل في الجواب لمن يخشى على اعتقاده، ومن ذلك انّهم لما قالوا: ((قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا المنافق))، قال صلى الله عليه وسلم لهم: ((إنما يستغاث بالله ولا يستغاث بي))، ليحقق له كمال التوحيد، ومثل ذلك أيضا: أنّه لما قال له رجل: (ما شاء الله وشئت) فأجابه صلى الله عليه وآله وسلم: ((أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله)) ([90]) .
مراعاة لحال السائل وسدا لذريعة الاعتقاد، أن يسبق إلى الظن أن تتساوى المشيئتان، وإلا فإنه فقد ورد في القرآن الكريم العطف بالواو الذي استنكره على السائل في آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ}، إذ لا يشتبه معنى أغنى حين ينسب إلى الله وحين ينسب إلى الرسول، وقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} إذ لا يشتبه ولاية الله بولاية جبريل وصالح المؤمنين، وقوله تعالى: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} إذ لا يشتبه الفضل حين ينسب إلى الله وحين ينسب إلى الرسول، ومنه قول الصحابة رضي الله عنهم في كل ما لا يعلمونه: ((الله ورسوله أعلم)) إذ العلم لله هو غير العلم لرسوله، وحسان رضي الله عنه حين يقول: (يا ركن معتمد وعصمة لائذ * وملاذ منتجع وجار مجاور) كان يعلم أنّ الله هو الفاعل لكل ذلك، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو فقط سبب من أسباب ذلك، وهو من باب الإسناد المجازي، ويؤيده حثه صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين القادرين على تفريج كرب المكروب في قوله صلى الله عليه وسلم: (من فرج عن مؤمن كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة)، والمسلمون جميعا يعلمون علم اليقين أن المعين والميسر والمفرج هو الله بالأساس، وليس الناس إلا أسبابا في ذلك، ولا يوجد في المسلمين من يعتقد لأحد مع الله فعل أوترك أو رزق أو نصر أو إحياء أو إماتة، وإن وجدنا ذلك عند بعض العامة، فهو على سبيل الاسناد المجازي، وليس الحقيقي، لوجود قرينة التوحيد وقولهم واعتقادهم لشهادة التوحيد: (لا إله إلا الله)، فشتان بين قول المسلم النبي صلى اله عليه وسلم شفيعنا عند الله، وقول المشركين: { هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18]، لأنّ المشركين يعبدون الآلهة المزعومة، ويتسبون لها الشفاعة الإجبارية على الله، كما نرى ذلك أول الآية نفسها، قال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]، قال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ}، فهم يعبدونها ويعتقدون أنّ شفاعة آلهتهم محتمة القبول عليه تعالى بحكم شراكتهم له في الربوبية كما قال تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}، فالفرق بين واضح.
((تنبيه)): كل ما يجري على الاستغاثة من مسائل وأحكام فإنه يجري على الاستعانة، وذلك لأنّ معناهما واحد هو طلب العون والغوث، وإنما الفرق أنّ الاستعانة تكون غالباً في الرخاء، والاستغاثة لا تكون إلا في الشدة، والاستعانة مصدر استعان، وهي: طلب العون، والأصل في الاستعانة أنها تُطلب من الله تعالى، لقوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين}، وقد تكون بفعل الطاعات، كقوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة}
***
المبحث الثالث مفاتيح تحقيق القول في التبرك
[المفتاح الأول]: التبرك: لغة: طلب البركة، والبركة هي: النماء والزيادة، والتبريك: الدعاء للإنسان بالبركة، وبارك الله الشيء وبارك فيه وعليه: وضع فيه البركة، وتبركت به تيمنت به، قال الراغب الأصفهاني: البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، قال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}، وقال تعالى: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} تنبيها على ما يفيض به من الخيرات الإلهية، و (التبرك) على المعنى الاصطلاحي هو: طلب ثبوت الخير الإلهي في الشيء [الموسوعة الفقهية – تبرك]،
[المفتاح الثاني]: أدلة التبرك:
[ الدليل الأول]: قوله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام لإخوته: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً}، ثم قال تعالى {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}، فكان هذا دليلا على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين والاستشفاء بهما.
[الدليل الثاني]: قال تعالى: {) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ ص: 29]، فالقرآن كتاب مبارك فيه الهدى وفيه الفلاح وفيه النجاح وفيه الهداية وفيه النجاة فهو كتاب مبارك وذكر مبارك، كما في قوله تعالى: { وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [ الأنبياء: 50].
[الدليل الثالث]: قال تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً}، وجعلني مباركا أي للناس، أينما ذهبت حلت البركة، بالنماء والزيادة والهداية والخير،.
[الدليل الرابع]: قال تعالى: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}، فليلة القدر ليلة مباركة تعم المسلمين بالخير والعفو والعافية.
[الدليل الخامس]: قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً}، {مُبَارَكاً} كثير الخير والبركة والنماء، فالبيت الحرام كان أمنا للناس وسلاما ووسيلة إلى الله.
[الدليل السادس]: قال تعالى: {أَنـزلْنِي مُنـزلاً مُبَارَكاً} أي إنـزالا كله خير وعافية لا أرى فيه ما أكره، {مُبَارَكاً} يعني بالسلامة والنجاة، والخير العميم.
[الدليل السابع]: أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ((.. فأقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال: اسقنا يا سهل، فخرجت لهم بهذا القدح فأسقيتهم فيه، فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه، قال: ثم استوهبه عمر بن عبدالعزيز بعد ذلك فوهبه له)) ([91]) .
يقول الإمام النووي: «هذا فيه التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما مسه أو لبسه أو كان منه فيه سبب، وهذا نحو ما أجمعوا عليه وأطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة في مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الروضة الكريمة ودخول الغار الذي دخله صلى الله عليه وآله وسلم وغير ذلك، من هذا إعطاؤه صلى الله عليه وآله وسلم أبا طلحة شعره ليقسمه بين الناس، وإعطاؤه صلى الله عليه وآله وسلم حقوه لتكفن فيه بنته رضي الله عنها، وجعله الجريدتين على القبرين، وجمعت بنت ملحان عرقه صلى الله عليه وآله وسلم، وتمسحوا بوضوئه صلى الله عليه وآله وسلم، ودلكوا وجوههم بنخامته صلى الله عليه وآله وسلم، وأشباه هذه كثيرة مشهورة في الصحيح، وكل ذلك واضح لا شك فيه» ([92]) .
[الدليل الثامن]: أخرج الترمذي عن كبشة الأنصارية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها وعندها قربة معلقة، فشرب منها وهو قائم، فقطعت فم القربة تبتغي بركة موضع في (أي فم) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ([93]) . قال الإمام النووي في رياض الصالحين: (وإنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتتبرك به: وتصونه عن الابتذال) انتهى([94]) .
[الدليل التاسع]: أخرج مسلم عن أنس بن مالك قال: (دخل علينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال عندنا فعرق، وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا أم سليم! ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب) ([95]) .
[الدليل العاشر]: أخرج البخاري في صحيحه قصة صلح الحديبية وفيه مجيء عروة بن مسعود رسول قريش: ((… قال: ثم إن عروة جعل يرمق صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعينه فوالله ما يتنخم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم انقادوا لأمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له) ([96]) . فقد كانوا رضي الله عنهم وهم أعلم الناس بالدين، كانوا يتبركون بآثاره، حتى أنهم: إذا توضأ كادوا يقتتلون على بقية وَضوئه تبركا بما مسته يداه الشريفتان.
[الدليل الحادي عشر]: روى الحاكم في المستدرك: حدثنا عبدالحميد بن جعفر عن أبيه أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك، فقال: اطلبوها، فلم يجدوها فوجدوها وإذا هي قلنسوة خلقة، فقال خالد: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلق رأسه وابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر) ([97]) . فكان خالد رضي الله عنه يتبرك بشعرة النبي صلى الله عليه وسلم.
[الدليل الثاني عشر]: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإصبعه هكذا ووضع سبابته بالأرض ثم رفعها: باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى بها سقيمنا بإذن ربنا) ([98]) . فالتبرك بالتربة وقد خالطها ريق النبي صلى الله عليه وسلم، مع رقية النبي صلى الله عليه وسلم شفاء بإذن الله تعالى من كل داء
المفتاح الثالث:
أمثلة على التبرك: جاء في الموسوعة الفقهية:
(1) التبرك بالبسملة والحمدلة: ذهب بعض أهل العلم إلى سنية ابتداء كل أمر ذي بال يهتم به شرعا – بحيث لا يكون محرما لذاته، ولا مكروها لذاته، ولا من سفاسف الأمور ومحقراتها – بالبسملة والحمدلة، كل في موضعه على سبيل التبرك، وجرى العلماء في افتتاح كلماتهم وخطبهم ومؤلفاتهم وكل أعمالهم المهمة بالبسملة عملا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر أو أقطع أو أجذم} ([99]) . وفي رواية أخرى: {كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر أو أقطع أو أجذم}
ومن هذا الباب الإتيان بالبسملة عند الأكل، والشرب، والجماع، والاغتسال، والوضوء، والتلاوة، والتيمم، والركوب والنزول، وما إلى ذلك.
(2) التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اتفق العلماء على مشروعية التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأورد علماء السيرة والشمائل والحديث أخبارا كثيرة تمثل تبرك الصحابة الكرام رضي الله عنهم بأنواع متعددة من آثاره صلى الله عليه وآله وسلم نجملها فيما يأتي: (أ) في وضوئه صلى الله عليه وآله وسلم: ((كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه))، ([100]) .
لفرط حرصهم على التبرك بما مسه صلى الله عليه وآله وسلم ببدنه الشريف، وكان من لم يصب من وضوئه يأخذ من بلل يد صاحبه، (ب) في ريقه ونخامته صلى الله عليه وآله وسلم ((كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يبصق بصاقا ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها، وأخذوها من الهواء، ووقعت في كف رجل منهم، فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ومسحوا بها جلودهم وأعضاءهم تبركا بها))، ([101]) . ((وكان يتفل في أفواه الأطفال، ويمج ريقه في الأيادي، وكان يمضغ الطعام فيمجه في فم الشخص))، ((وكان الصحابة يأتون بأطفالهم ليحنكهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجاء البركة)) ([102]) .
(ت) في دمه صلى الله عليه وآله وسلم: ثبت أن بعض الصحابة شربوا دمه صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التبرك، فعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: ((أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد فشربه، فلما رجع، قال: يا عبد الله ما صنعت؟ قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه مخفي عن الناس، قال: لعلك شربته؟ قلت: نعم، قال: ويل للناس منك،، وويل لك من الناس،،))، ([103]) . فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم، وفي رواية ((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: من خالط دمه دمي لم تمسه النار))، ([104]) .
(ث) في شعره صلى الله عليه وآله وسلم: ((كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوزع شعره بين الصحابة عندما يحلق رأسه الشريف))، وكان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على أن يحصلوا شيئا من شعره صلى الله عليه وآله وسلم ويحافظون على ما يصل إلى أيديهم منه للتبرك به، فعن أنس رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال: للحلاق: خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس)) ([105]) .
وفي رواية: ((لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن، فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر فقال: احلق، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: اقسمه بين الناس))([106]) . وفي رواية: ((فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك))، وروي أن خالد بن الوليد رضي الله عنه: فقد قلنسوة له يوم اليرموك، فطلبها حتى وجدها، وقال: اعتمر رسول الله فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر، وعن أنس رضي الله عنه قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل، ([107]) .
(هـ) في سؤره وطعامه صلى الله عليه وآله وسلم: ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتنافسون في سؤره صلى الله عليه وآله وسلم ليحوز كل واحد منهم البركة التي حلت في الطعام أو الشراب من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه: ((أن رسول الله أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: – وهو ابن عباس رضي الله عنهما -: والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا، فتله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يده)) ([108]) .((وعن عميرة بنت مسعود رضي الله عنها: أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي وأخواتها يبايعنه، وهن خمس، فوجدته يأكل قديده، فمضغ لهن قديدة، ثم ناولني القديدة، فمضغتها كل واحدة قطعة قطعة، فلقين الله وما وجد لأفواههن خلوف))، ([109]) . وفي حديث خنس بن عقيل: ((سقاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شربة من سويق شرب أولها وشربت آخرها، فما برحت أجد شبعها إذا جعت، وريها إذا عطشت، وبردها إذا ظمئت))، ([110]) .
(و) في أظافره صلى الله عليه وآله وسلم: ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم قلم أظافره، وقسمها بين الناس للتبرك بها، فقد ذكر الإمام أحمد رحمه الله، من حديث محمد بن زيد أن أباه حدثه: ((أنه شهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنحر ورجلا من قريش، وهو يقسم أضاحي، فلم يصبه منها شيء ولا صاحبه، فحلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه في ثوبه، فأعطاه فقسم منه على رجال، وقلم أظافره فأعطاه صاحبه))، ([111]) . وفي رواية ((ثم قلم أظافره وقسمها بين الناس))
(ز) في لباسه صلى الله عليه وآله وسلم وأوانيه: ثبت كذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحرصون على اقتناء ملابسه وأوانيه للتبرك بها والاستشفاء، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: ((أنها أخرجت جبة طيالسة وقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها))، ([112]) . وفي رواية: ((فنحن نغسلها نستشفي بها))،
(ح) في ما لمسه صلى الله عليه وآله وسلم ومصلاه: كان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون فيما تلمس يده الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ذلك ((بركة يده فيما لمسه وغرسه لسلمان رضي الله عنه حين كاتبه مواليه على ثلثمائة ودية وهو صغار النخل يغرسها لهم كلها، تعلق وتطعم، وعلى أربعين أوقية من ذهب، فقام صلى الله عليه وآله وسلم وغرسها له بيده، إلا واحدة غرسها غيره، فأخذت كلها إلا تلك الواحدة، فقلعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وردها فأخذت)) ([113]) . وفي رواية: ((فأطعم النخل من عامه إلا الواحدة، فقلعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغرسها فأطعمت من عامها، وأعطاه مثل بيضة الدجاجة من ذهب، بعد أن أدارها على لسانه، فوزن منها لمواليه أربعين أوقية، وبقي عنده مثل ما أعطاهم))، ([114]) .
(ووضع يده الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم على رأس حنظلة بن حذيم وبرك عليه، فكان حنظلة يؤتى بالرجل قد ورم وجهه، والشاة قد ورم ضرعها، فيوضع على موضع كف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيذهب الورم)([115]) وكان يؤتى إليه صلى الله عليه وآله وسلم بالمرضى وأصحاب العاهات والمجانين فيمسح عليهم بيده الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم فيزول ما بهم من مرض وجنون وعاهة، وكذلك كانوا يحرصون على أن يصلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكان من بيوتهم، ليتخذوه مصلى لهم بعد ذلك، وتحصل لهم بركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعن عتبان بن مالك رضي الله عنه – وهو ممن شهد بدرا – قال: ((كنت أصلي لقومي بني سالم، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار، فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت له: إني أنكرت بصري، وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه، فوددت أنك تأتي فتصلي في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سأفعل إن شاء الله فغدا علي رسول الله وأبو بكر رضي الله عنه بعدما اشتد النهار، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكبر وصففنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم، وسلمنا حين سلم)) ([116]) .
(3) التبرك بماء زمزم: ذهب العلماء إلى سنية شرب ماء زمزم لمطلوبه في الدنيا والآخرة، لأنها مباركة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ماء زمزم لما شرب له))، ([117]) .
(4) التبرك ببعض الأزمنة والأماكن في النكاح: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب مباشرة عقد النكاح في المسجد، وفي يوم الجمعة للتبرك بهما، فقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف)) أهـ. ([118]) .
[المفتاح الرابع]: بعض نصوص الحفاظ والعلماء والمحدثين في مشروعية التبرك بالصالحين: (1) الإمام ابن عبد البر، حافظ المغرب في زمانه، قال – بعدما روى بسنده أثرا عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كنت بين الأخشبين من منى ، ونفخ بيده نحو المشرق فإن هناك واديا يقال له السرر ، به شجرة سر تحتها سبعون نبيا)، قال الحافظ: (وفي هذا الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم) ([119]) . وقال عن قبر سيدنا أبي أيوب الأنصاري الموجود عند سور القسطنطينية: (وقبر أبي أيوب قرب سورها معلوم إلى اليوم مُعظَّم يستسقون به فيسقون) ([120]) .
(2) القاضي عياض المالكي، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، قال: (فيه التبرك بالفضلاء، ومشاهد الأنبياء وأهل الخير ومواطنهم، ومواضع صلاتهم) ([121]) .
(3) الحافظ الكبير ابن حِبان البُستي (ت354) عَنْوَن في صحيحه بقوله (ذكر ما يستحب للمرء التبرك بالصالحين وأشباههم) وقال في كتابه «الثقات»: (وَما حلّت بِي شدَّة فِي وَقت مقَامي بطوس، فزرت قبر عَلي بن موسَى الرِّضا صلوَات الله على جده وَعَلِيه، ودعوت الله إِزالَتها عَني، إلا استجيب لي وزالت عَنى تِلك الشدَّةُ، وَهَذَا شَيء جربته مرَارًا فَوَجَدته كَذَلِك، أماتنا الله على محبَّة المصطفى وَأهل بَيته صلى الله وسلم عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِين) ([122]) .
(4) الإمام شيخ الإسلام، محيي الدين النووي قال في شرحه لصحيح مسلم: (وفيه التبرك بالصالحين وآثارهم، والصلاة في المواضع التي صلَّوا بها، وطلب التبريك منهم) ([123]) . وقال أيضا: (وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم) ([124]) .
(5) الإمام شمس الدين الذهبي، قال في ترجمة السيدة نفيسة بنت الحسن رحمها الله: (كانت من الصالحات العوابد، والدعاء مستجاب عند قبرها، بل وعند قبور الأنبياء والصالحين) ([125]) .
وقال: (وعن إبراهيم الحربي، قال: قبر معروف أي الكَرْخي التِّرياق المجرَّب، يريد إجابة دعاء المضطر عنده؛ لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء) ([126]) .
(6) الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، قاضي القضاة، وشيخ الإسلام، وأمير المؤمنين في الحديث، نص على جواز التبرك بالصالحين في مواضع كثيرة من كتابه فتح الباري – الذي هو أعظم شروح كتب السنة على الإطلاق – منها: قوله: (حديث عتبان مالك… فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين) ([127]) . وقوله: (وفيه الحرص على مجاورة الصالحين في القبور، طمعا في إصابة الرحمة إذا نزلت عليهم، وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير) ([128]) . وقوله: (وفيه التبرك بطعام الأولياء والصلحاء) ([129]) .
(7) الإمام المحدث، شهاب الدين القسطلاني، صاحب الشرح الفريد لصحيح البخاري المسمى: إرشاد الساري قال: (أما مَن اتخذ مسجدًا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه، لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه، فلا يدخل في الوعيد المذكور) ([130]) .
(8) قال الحافظ أبوبكر الخطيب في تاريخ بغداد. (9) وابن أبي يعلى الحنبلي في طبقات الحنابلة (10) وابن مفلح الحنبلي في المقصد الأرشد (11) وابن الجوزي في المنتظم (12) والعليمي الحنبلي في المنهج الأحمد في ترجمة علي بن محمد بن بشار الزاهد العارف الولي الصالح شيخ الحنابلة المتوفى سنة 313هـ: دفن بالعقبة وقبره إلى الآن ظاهر معروف يتبرك الناس بزيارته انتهى ([131]) .
(13) وقال ابن أبي يعلى في الطبقات (2: 255) أبو بكر أحمد بن علي بن أحمد العلثي أحد المشهورين بالصلاح والزهد، صحب الوالد السعيد سنين يسمع درسه والحديث منه، فعادت بركته عليه فصار عالما زاهدا عابدا فظهر له في الناس القبول والمحبة وإجابة الدعاء، انتهى، وقال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة: أبو الحسن علي بن محمد بن عبدالرحمن البغدادي، أحد الفقهاء العقلاء والمناظرين والأذكياء، مات بآمد سنة سبع أو ثمان وستين وأربع مائة، وقبره هناك يقصد ويتبرك به انتهى ([132]) .
(14) وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي في المقصد الأرشد (15) والعلامة العليمي الحنبلي في المنهج الأحمد في ترجمة علي بن محمد المذكور: وقبره هناك مقصود بالزيارة، انتهى
(16) وفي الفروع للعلامة ابن مفلح: ” نقل ابن القاسم وشندي أن أحمد سئل عن الرجل يأتي المشاهد ويذهب إليها ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى وعلى نحو ما كان يفعل ابن عمر يتبع مواضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأثره فليس بذلك بأس) ([133]) .
[المفتاح الخامس]: كلام السادة الحنابلة حول التبرك:
(1) جاء في دليل الطالب: وسن أن يحمد الله إذا فرغ، ويقول الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، ويدعو لصاحب الطعام، ويفضل منه شيئا لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته ([134]) .
وفي الإنصاف: قال ابن الزاغوني وغيره: وليأت المنبر فيتبرك به تبركا بمن كان يرتقي عليه، وفيه أيضا: ويستحب للضيف أن يفضل شيئا لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته أو كان ثم حاجة ([135]) .
(2) وفي منار السبيل: ويفضل منه –أي الضيف- شيئا ولاسيما إن كان ممن يتبرك بفضلته، أو كان ثم حاجة، قال أبو أيوب كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتى بطعام أكل وبعث بفضله إلي فيسأل أبو أيوب عن موضع أصابعه فيتبع موضع أصابعه ([136]) .
(3) وفي كشاف القناع: ويستحب للضيف أن يفضل شيئا من الطعام لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته أو كان ثم حاجة إلى إبقاء شيء منه ([137]) .
(4) وفي المغني: ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم، وكذلك في البقاع الشريفة، وقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما أن موسى عليه السلام لما حضره الموت سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر» ([138]) .
(5) وفي الفروع: ويجوز لمس القبر باليد، وعنه – أي الإمام أحمد -: يكره، لأن القرب متلقى من التوقيف ولم يرد به سنة، ولأنه عادة أهل الكتاب، وعن الشافعية كهذا، وعن الحنفية مثله والذي قبله، وعنه: يستحب، صححها أبو الحسين في التمام، لأنه يشبه مصافحة الحي، لا سيما ممن ترجى بركته ([139]) .
(6) وفي الإنصاف: يجوز لمس القبر من غير كراهة.. وعنه: يكره، وأطلقهما في الحاويين، والفائق، وابن تميم، وعنه: يستحب، قال أبو الحسين في تمامه: وهي أصح ([140]) .وفي غاية المنتهى: ولا بأس بلمس قبر بيد لا سيما من ترجى بركته ([141]) .
وانظر [كلمة هادئة في أحكام القبور للدكتور عمر كامل]، فكثير من مفاتيح هذا المبحث مستفادة منه.
***
المبحث الرابع مفاتيح تحقيق القول في اتخاذ القبور مساجد
[المفتاح الأول]: الأحاديث الواردة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، والفهم الصحيح لمعاني تلك الاحاديث: لقد وردت أحاديث صحيحة تنهى عن اتخاذ القبور مساجد: منها: (الحديث الاول): أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ([142]) . قالت: فلولا ذاك أُبرِز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً.
و(الحديث الثاني): أخرج البخاري ومسلم عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، وهو يقول: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائِهم مساجِد يحذر ما صنعوا)) ([143]) .
و(الحديث الثالث): أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((قاتلَ اللهُ اليهودَ اتخذوا قُبُورَ أنبيائِهِمْ مَسَاجِد)) ([144]) .
و(الحديث الرابع): أخرج مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي، أنه قال: ((سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، قبلَ أن يموتَ بخمسٍ، وهو يقولُ: إني أبرأُ إلى اللهِ أن يكونَ لي منكم خليلٌ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاُ، كما اتخذ إبراهيمَ خليلاً، ولو كنتُ متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلاً، ألا وإن من كان قبلَكم كانوا يتخذون قبورَ أنبيائِهم وصالحيهم مساجدَ، ألا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ، إني أنهاكم عن ذلك)) ([145]) .
(علة النهي): في الاحاديث الأربعة هي: (اتخذوا قُبُورَ أنبيائِهِمْ مَسَاجِد)، فما هو المعنى المقصود من اتخاذ القبور مساجد: له ثلاث احتمالات (الأول): الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها، و(الثاني): السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء، و(الثالث): بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها، وهنا يأتي دور الفقيه لتحديد المعنى المقصود من النهي في الأحاديث.
فلا شك بأن المعنى الأول والمعنى الثاني داخل في النهي، فلا يجوز اتخاذها مساجد بمعنى السجود عليها أو استقبالها والسجود إليها، فكلا الامرين داخل في النهي، ومستحق للعن، لكن (المعنى الثالث): بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها هل هو مقصود ام لا، وهل يتناوله النهي أم لا، ها هنا بيت القصيد، بمعنى أنه إذا كان المسلم بجوار قبر ولكنه لا يسجد عليه ولا يتخذه قبلة للصلاة والسجود، بل هو عند الصلاة يتجه للقبلة كما يفعل كل المسلمين، فهل هذا مستحق للعن، لو كان كذلك لما سلم المسلمون من أول الرسالة وإلى اليوم من هذا الوعيد، ولكن لله الحمد، فالملعون هو من سجد إلى القبر أو سجد على القبر.
أما المعنى الثالث: بناء المساجد عليها وقصد المسلم الصلاة فيها إلى قبلة المسلمين المعروفة وسجد على الأرض وإلى الكعبة فلا يدخل فيه النهي النبوي الشريف، ولو نظرنا إلى كتاب الله وسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وإلى عمل المسلمين على مر العصور وجدنا أن النهي لا يدخل فيه المعنى الثالث أبدا أبدا، فمما جاء في كتاب الله تعالى مما يُخالف المعنى الثالث، قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21]، قال الفقهاء فقد ذكر الله تعالى عنهم بناء المسجد على قبورهم، ولم يعقب القرآن الكريم على فعلهم ولو كان شركا كما يظن البعض لما سكت عنه القرآن، ولو كان كبيرة لنوه إلى ذلك القرآن الكريم لأنّه بالأساس كتاب تشريع وهدى وبيان ولم يأت لغرض الإخبار فقط عن حالهم، وهذا أمر يتنزه القرآن عنه أن يسرد واقعة فيها شرك أو كبيرة من الكبائر ثم لا يُشير إليها ولا يعقب عليها، ثم لم يعقب عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان فيه شرك لحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تكلم فيه الصحابة رضي الله عنهم، وجمهور المفسرين على ان الذين غلبوا على امرهم هم المؤمنون، فهل إلى زمان الشيخ النجدي لم ينتبه احد إلى هذا الأمر سواه، واعجباه!!!، وكذلك صلاة النبي صلى الله عليه و سلم في مسجد الخيف مع أن فيه قبر سبعين نبيا كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم [ وهذا صححه ابن حجر العسقلاني وذكره البزار في مسنده وعده من فضائل مسجد الخيف]، وأيضا ما ذكر في بعض الآثار الصحيحة أن قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى المصلى فيه، والشاهد أن النبي لم ينبش هذه القبور ويخرجها من المسجد بل ولم يضع حولها سورا ويمنع الصلاة عندها، ولو نظرنا إلى قبر النبي صلى الله عليه و سلم في مسجده الشريف ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه صلى الله عليه و سلم في مسجده، وقد اخبر هو صلى الله عليه وآله وسلم أنّ قبره سيكون داخل المسجد، ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) ([146]) .ورواه النسائي وأحمد والبزار (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) ([147]) .
وأيا كان لفظ الحديث فإنّ الصديق أبا بكر لما اختلفوا في مكان دفنه صلى الله عليه وآله وسلم استدل لهم بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – شيئا ما نسيته، قال: ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه، ادفنوه في موضع فراشه)) ([148]) .
فقبره صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد النبوي الشريف، بل في أفضل بقاع المسجد الروضة الشريفة، ولم يقل أحد من الصحابة إن دفنه في المسجد النبوي حرام ولا يجوز، وعند توسعة المسجد النبوي وإدخال القبر في المسجد، كان الكثير من الصحابة على قيد الحياة، فضلا عن جل التابعين، ولم يعترض منهم أحد على ذلك ولا ذكر أنه حرام أو أنه يتعارض مع حديث: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، ولا قال احد منهم انه يفتح بابا إلى الشرك، وكذلك ما ورد في السيرة أنّ أول من بُنى عليه مسجد في الإسلام كان بناء أبي جندل رضي الله عنه مسجدا على قبر أبي بصير رضي الله عنه في عهد النبي صلى الله عليه و سلم كما جاء في « الاستيعاب » لابن عبد البر، وذكر ذلك ابن الأثير في (أسد الغابة) والسهيلي في الروض الأنف، كما أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، فالخبر ثابت وأقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى مر عصور الإسلام كان المسلمون إذا مات العالم أو الصالح دفنوه في المسجد، ولهذا فإنّ أقصى ما وصل إليه الفقهاء في المسألة (بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها): هو كراهة بناء المساجد على المقابر، عدا المذهب المالكي فإنّه لا يرى الكراهة ولكن يرى الجواز بلا كراهة، ورواية عن الإمام أحمد بحرمة ذلك، وهذه المسألة إذا بُني المسجد على القبر، ولكن إن دُفن الرجل الصالح في المسجد فلم يقل أحد من الفقهاء المعتبرين ببطلان الصلاة في تلك المساجد، والأمر كما ترى خلاف فقهي في مسائل لا تبلغ حد التحريم.
فمن الخلل الجسيم ادراجها ضمن مباحث التوحيد، ومن أوردها فإنه أوردها بسبب الفهم الخطأ للحديث المرسل الذي اخرجه الإمام مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) ([149]) .
وقد ورد الحديث مسندا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، هكذا من دون كلمة (يعبد)، قال الحافظ ابن رجب في ” فتح الباري ” عن حديث أبي هريرة: ” بإسناد فيه نظر “، فالمقصود إن صح الحديث: اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى إليه، ويسجد نحوه ويعبد من دون الله، ([150]) .
قال ابن عيد البر في الاستذكار: (وليس فيه حكم أكثر من التحذير أن يُصلَّى إلى قبره، وأن يتخذ مسجدا، وفي ذلك أمر بأن لا يعبد إلا الله وحده، وإذا صنع من ذلك في قبره، فسائر آثاره أحرى بذلك، وقد كره مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان، وذلك والله أعلم مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك) أهـ ([151]) .
وقد نقل هذا الكلام الحافظ ابن رجب رحمه الله، وأكده، ثم قال: (وقد اتفق أئمة الإسلام على هذا المعنى: قال الشافعي رحمه الله: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره مسجدا، خشية الفتنة عليه وعلى من بعده، وقال صاحب ” التنبيه ” من أصحابه: أما الصلاة عند رأس قبر رسول الله متوجها إليه فحرام، قال القرطبي: بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا الداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين، فتتصور إليه الصلاة بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره، ولهذا المعنى قالت عائشة: (ولولا ذلك لأبرز قبره) أهـ [([152]) . ، إذن المعنى المنهي عنه في الاحاديث كلها هو استقبالها بالصلاة والدعاء والسجود إليها، أما بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها فعمل المسلمين على مر عصور الإسلام لا يمنع من ذلك البته، بل وأقوال الفقهاء على مر عصور الدين لا يرى هذا المعنى داخلا في النهي النبوي أبدا، (تنبيه) أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أن أمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأَيْنَهَا بالحبشةِ فيها تصاويرُ، فذكرتا للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ فمات، بَنَوْا على قَبرِهِ مَسجِدًا، وصَوَّرُوا فيه تلك الصورَ، أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ)) ([153]) .
وأخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: (أن أمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأينها بالحبشةِ، فيها تصاويرُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ” إن أولئك، إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ، فمات بنوْا على قبرِه مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصورَ، أولئك شرارُ الخلقِ عند اللهِ يومَ القيامةِ)([154]).
فعلة النهي في الحديث أمران: الأول اتخاذها قبلة للصلاة والدعاء، والثاني: التصاوير التي نهى الشرع الحنيف عنها في البيوت فكيف بأماكن العبادة، فالذم في الحديث منصب على اتخاذ قبور انبيائهم قبلة للسجود والدعاء، وكذلك التصاوير، فليس الذم منصرفا إلى بناء المسجد، ولكن على اتخاذ قبور انبيائهم قبلة للسجود والدعاء، وعمل التصاوير حولها في أماكن العبادة،.
(فائدة) في بيان معنى اتخاذ القبور مساجد: جاء في سلسلة مفاهيم يجب أن تصحح، كلمة هادئة في أحكام القبور للدكتور عمر كامل رحمه الله: (أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فالحديث لا يتناول أيَّ مكان آخر غير عين القبر، فلا يدخل فيه ما حول القبر أو ما جاوره أو ما كان فوق القبر غير مسامِتٍ له، أي على غير فتنة، فالمقصود بالحديث هو عين القبر من حيث: السجود عليه أو له، فإن المساجد جمع مسجد وهو ما يسجد (عليه) كما هو مقتضى اللغة العربية، قال العلامة البيضاوي: (كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم ويجعلونها قبلة لهم يتوجهون في الصلاة نحوها فقد اتخذوا أوثانا ولذلك لعنهم الله ومنع المسلمين عن مثل ذلك) أهـ([155]) . فبين صلى الله عليه وآله وسلم أن المحذور هو أمران: (الأول): السجود للقبور وهو غاية التعظيم، (الثاني): جعلها قبلة والتوجه في الصلاة إليها – وإلى صاحبها- قلبيا وحسيا أي: عبادتها، ولا يخفى أن بعضهم قد بالغ – بعد تغيير كتبهم وتحريفها- في تعظيم أنبيائهم فعبدوهم كما أخبر القرآن: {وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله}.
قال ابنُ عبد البر: (في هذا الحديث إباحة الدعاء على أهل الكفر، وتحريم السجود على قبور الأنبياء، وفي معنى هذا أنه لا يحل السجود لغير الله عزَّ وجلّ، ويحتمل الحديث أن لا تُجْعل قبور الأنبياء قِبلة يُصلَّى إليها، ثم قال: وقد زعم قوم أنَّ في هذا الحديث ما يدل على كراهية الصلاة في المقبرة وإلى المقبرة، وليس في ذلك عندي حجة » ([156]) .
وقال ابن عبد البر في موضع آخر من التمهيد: «وكانت العرب تصلِّي إلى الأصنام وتعبدها، فخشى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم: كانوا إذا مات لهم نبي، عكفوا حول قبره كما يُصْنَعُ بالصنم، فقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُصَلَّى إليه، ويُسْجَدً نحوه ويُعْبَدُ فقد اشتدَّ غضبُ الله على من فعل ذلك، وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يحذِّر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله الذين صَلُّوْا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدًا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، فكان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه ممَّا لا يرضاه خشية عليهم امتثال طرقهم .. ثم قال: (وقد احتجَّ بعضُ من لا يرى الصلاة في المقبرة بهذا الحديث، ولا حجة له فيه) ([157]) . والاتِّخاذُ الموجب لِلَّعن شرحه العلامة السيِّد عبد الله بن الصِّدِّيق الغُمَاري رحمه الله تعالى في رسالته [إعلام الراكع السَّاجد بمعنى اتِّخاذ القبور مساجد : فقال: (اتِّخاذ القبور مساجد، معناه: السجود لها على وجه تعظيمها وعبادتها، كما يسجد المشركون للأصنام والأوثان، وهو شرك صريح، وهذا المعنى، منطوق اللفظ وحقيقته، وثبتت أحاديث مبينة له ومؤيدة: منها: حديث عائشة عند الشيخين، قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، قالت: (فلولا ذلك أبرزوا قبره، غير أنه خشى أن يُتَّخَذَ مسجدًا)، أي يسجد له، ومنها: ما رواه ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: « اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ، ومعنى الحديث: اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُسْجَدُ له ويُعْبَدُ كما سجد قوم لقبور أنبيائهم) أهــ ([158]) .
(تنبيه): زعم الالباني أنّ النهي يتناول المعاني الثلاثة، ولكنه عندما وصل إلى المعنى الثالث الذي نختلف معه في فهمه، تبين مدى ضعف الاستدلال، حيث نسب القول بالمعنى الثالث إلى البخاري، وذلك على زعمه لأنّ البخاري بوب الباب بقوله: (باب ما يكره من اتخاذ القبور مسجدا على القبور)، وقصارى ما فعله البخاري أنّه جعله من باب الكراهة وليس التحريم وشتان بين الكراهة وبين التحريم وشتان ما بين التحريم وما بين الشرك، وها هنا انقل كلامه كله في رسالته تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، بعدما ساق أحاديث النهي، قال الألباني: (تبين من الأحاديث السابقة خطر اتخاذ القبور مساجد، وما على من فعل ذلك من الوعيد الشديد عند الله عز وجل، فعلينا أن نفقه معنى الاتخاذ المذكور حتى نحذره، فأقول: الذي يمكن أن يفهم من هذا الاتخاذ إنما هو ثلاث معان: الأول: الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها، الثاني: السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء، الثالث: بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها، وبكل واحد من هذه المعاني قال طائفة من العلماء، وجاءت بها نصوص صريحة عن سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، أما الأول، فقال ابن حجر الهيتمي في ” الزواجر ” : « واتخاذ القبر مسجدا معناه الصلاة عليه أو إليه »، ([159]) .فهذا نص منه على أنه يفهم الاتخاذ المذكور شاملا لمعنيين أحدهما الصلاة على القبر، وقال الصنعاني في « سبل السلام » « واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها »، ([160]) .ويشهد للمعنى الأول أحاديث:
(الأول): عن أبي سعيد الخدري: ((أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى أن يبنى على القبورأو يقعد عليها أو يصلى عليها)) ([161]) .
و(الثاني): قوله صلى الله عليه و سلم: ((لا تصلوا إلى قبرولا تصلوا على قبر)) ([162]) . وعنه الضياء المقدسي في « المختارة » عن عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا وقال المقدسي: ” وعبد الله بن كيسان قال فيه البخاري: منكر الحديث قال أبو حاتم الرازي ضعيف وقال النسائي: ليس بالقوي إلا أني لما رأيت ابن خزيمة والبستي أخرجا له أخرجناه ” ([163]) قلت: لكن الحديث صحيح، فإن له عند الطبراني طريقا آخر خيراً من هذه عن ابن عباس علقه البخاري في « التاريخ الصغير » (ص 163)، وشطره الأول له شاهد من حديث أبي مرثد]،
و(الثالث): عن أنس: أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن الصلاة إلى القبور ([164]) .
و(الرابع): عن عمرو بن دينار – وسئل عن الصلاة وسط القبور – قال: ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فعلنهم الله تعالى)) ([165]) وهو مرسل صحيح الإسناد، وموضع الشاهد منه أن عمرا استشهد بالحديث على النهي عن الصلاة بين القبور، فد على أنه يعني المعنى المذكور]،
وأما المعنى الثاني: فقال المناوي في « فيض القدير » حيث شرح الحديث الثالث المتقدم: ” أي اتخذوها جهة قبلتهم مع اعتقادهم الباطل، وإن اتخاذها مساجد لازم لاتخاذ المساجد عليها كعكسه، وهذا بين به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم، ([166]) قال القاضي (يعني البيضاوي): لما كانت اليهود يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثاناً لعنهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه.. “، ([167]) قلت: وهذا معنى قد جاء النهي الصريح عنه فقال صلى الله عليه و سلم: « لا تجلسوا على القبور و لا تصلوا إليها)) ([168]) . قال الشيخ علي القاري في « المرقاة » (معللا النهي: ” لما فيه من التعظيم البالغ كأنه من مرتبة المعبود، ولو كان هذا التعظيمُ حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم، وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة (يعني قبلة المصلين) وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها “، ([169]) .ونحو الحديث السابق ما روى ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال: (كنت أصلي قريباً من قبر، فرآني عمر بن الخطاب فقال: القبر القبر فرفعت بصري إلى السماء، وأنا أحسبه يقول: القمر!)) ([170]) .
وأما المعنى الثالث: فقد قال به الإمام البخاريُّ، فإنه ترجم للحديث الأول بقوله « باب ما يكره من اتخاذ القبور مسجدا على القبور »، فقد أشار بذلك إلى أن النهي عن اتخاذ القبور مسجداً يلزمُ منه النهي عن بناء المساجد عليه، وهذا أمر واضح، وقد صرح به المناوي آنفا وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: ” قال الكرماني: مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجداً، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر ومفهومها متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم ” ([171]) .([172]).
(قلت): لعلنا نلحظ التدليس في قوله: (وأما المعنى الثالث: فقد قال به الإمام البخاريُّ، فإنه ترجم للحديث الأول بقوله « باب ما يكره من اتخاذ القبور مسجدا على القبور) أهــ وكلنا يرى صنيع البخاري فقد جعله من باب الكراهة وليس التحريم وشتان بين الكراهة وبين التحريم وشتان ما بين التحريم وما بين الشرك الذي يزعم الألباني أنه مناط النهي في الحديث لعلة انه يفتح بابا إلى عبادة غير الله، وليس هذا مذهب احد من المسلمين على حد علمي سوى اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
[المفتاح الثاني]: درة من كلام الشيخ عبدالله بن الصديق الغماري في كتاب اتقان الصنعة في معنى البدعة تبين الفقه الصحيح للأحاديث، قال رحمه الله: (استدل الذين قالوا بكراهة بناء المساجد على القبر بحديث: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) والحديث صحيح ولكن الاستدلال به غير صحيح لأمور: (1) أن معنى اتخاذ القبور مساجد: الصلاة اليها تعبدا أو السجود لها، (2) أنّ عائشة لما روت قوله صلى الله عليه وآله وسلم أعقبته بقولها: (ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا)، (3) قال الحافظ في الفتح: قولها لأبرزوا أي لكشف قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتخذ عليه الحائل والمراد الدفن خارج بيته، (4) بقي أمر لابد أن ننبه عليه وهو: إذا كان مسجد مبنيا ثم دفن فيه ميت أو أدخل فيه قبر فلا يدخله الخلاف في بناء المسجد على القبر لأنه لم يبن عليه.
والدليل على ذلك أمور:
(أ) استشارة سيدنا أبي بكر للصحابة الكرام في اختيار موضع دفنه عليه الصلاة والسلام فقال بعضهم: عند المنبر وقال بعضهم حيث كان يصلي يؤم الناس، فهؤلاء الصحابة لم يشيروا بدفنه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأماكن إلا لعلمهم بأن هذا لا يشمله بناء مسجد على قبره وهؤلاء هم أصحابه الكرام.
(ب) أن القبر الشريف أدخل في المسجد النبوي في عهد الوليد بن عبد الملك على يد عمر بن عبد العزيز ولم يغير ذلك خلفاء بني العباس ولا أرشدهم أحد إليه مع كثرة من زار المسجد النبوي من الأئمة والحفاظ والفقهاء والزهاد وغيرهم وكان الإمام مالك مسموع الكلمة عند المنصور ولو أشار عليه بإقامته حاجز بين القبر والمسجد لفعله وما ذاك إلا لأن إدخال قبر في مسجد ليس كبناء المسجد عليه وهو في المسجد النبوي إجماع من الأمة بجميع طبقاتها وامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تجتمع على ضلالة، ومما يستأنس به في هذا الباب حكاية الله عز وجل لقول الذين اكتشفوا أهل الكهف وقالوا: {لنتخذن عليهم مسجدا} وهم مسلمون كما قال ابن عباس فذكر الله جل جلاله قولهم ولم ينكر عليهم، والآن وبعد جميع ما ذكر من صور إحداث الصحابة رضي الله عنهم لأمور في زمن النبوة وبعدها لم تكن موجودة في عهد النبوة وأنها من باب قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها))، ([173]) . نستطيع أن نصل إلى قاعدة نجعلها أساسا لنا خلال مسيرتنا في هذه الحياة لنكون دعاة إلى جمع شتات المسلمين ألا وهي (ليس كل جديد بدعة) لأن الحياة ما تزال تتحول بأصحابها من حال إلى حال ومن طور إلى طور وهذه سنة الله تعالى في الكون فلا مطمع في إمكان التغلب عليها وربطها بمسمار من الثبات والجمود على حالة واحدة على مر الأزمنة والعصور وكانت هذه التطورات موجودة في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكان يرحب بسنة الحياة إذا لم تكن مخالفة لقواعد الشريعة، فالبدعة بمعناها الشرعي هي التي يجب الابتعاد عنها والتحذير من الوقوع فيها، وأصل ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) ([174]) .وليس المقصود منها معناها اللغوي وهو ما تعارف عليه الناس بأنه كل جديد طارئ على حياة المسلم مما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه الكرام ولم يكن معروفا لديهم، إذ لو كان المقصود من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))، المعنى اللغوي إذا لكان المسلمون اليوم كلهم يعانون من ضلالات لا مفر لهم منها ويتقلبون في بحار من البدع أينما حلوا وأينما سكنوا أبنية بيوتهم وموائدهم وطراز ثيابهم والأساليب التي تنهض عليها أنشطتهم الثقافية والعلمية والاجتماعية طامات متراكمة بدأت بعد عصر الصحابة إلى يومنا هذا ولا مطمع في إمكانية التغلب عليها!! فلا يعقل إذا أن يكون المقصود من البدعة هو المعنى اللغوي، على أننا بعد هذا كله لابد لنا أن نتذكر قول إبراهيم النخعي التابعي: (كانوا يكرهون اشياء لا يحرمونها) وكذلك كان مالك والشافعي وأحمد كانوا يتوقون إطلاق لفظ الحرام على ما لم يتيقن تحريمه لنوع شبهة فيه أو اختلاف أو نحو ذلك بل كان أحدهم يقول (أكره كذا) لا يزيد على ذلك ويقول الإمام الشافعي تارة: أخشى أن يكون حراما ولا يجزم بالتحريم، يخاف أحدهم إذا جزم بالتحريم أن يشمله قول الله تعالى {لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} فمن نحن أمام الإمام الشافعي والإمام أحمد وأئمة السلف الصالح؟!! هل بلغنا من العلم القدر الذي فقناهم فيه حتى يجوز لنا أن نسارع بالتحريم والتحليل من ذات أنفسنا؟!! اللهم اهدنا سواء السبيل والحمد لله رب العالمين ” أهـ ([175]) .
[المفتاح الثالث]: درة أخرى من كلام الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري في رسالته: إعلام الراكع الساجد بمعنى اتخاذ القبور مساجد: قال رحمه الله:
[1] (معنى الحديث اتخاذ القبور مساجد): السجود لها على وجه تعظيمها وعبادتها، كما يسجد المشركون للأصنام والأوثان وهو شرك صريح، وهذا المعنى، منطوق اللفظ وحقيقته، وثبتت أحاديثه مبينة له ومؤيدة منها: حديث عائشة عن الشيخين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مرضه الذي لم يقم منه ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، قالت: فلولا ذلك، أبرزوا قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً أي يسجد له، قال القاضي عياض: شدد في النهي عن ذلك، خوف أن يتناهى في تعظيمه، ويخرج عن حد المبرة إلى حد النكير فيعبد من دون الله عز وجل، ولذا قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)) لأن هذا الفعل كان أصل عبادة الأوثان ولذا لما كثر المسلمون في عهد عثمان واحتيج إلى الزيادة في المسجد وامتدت الزيادة حتى أدخلت فيه بيوت أزواجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أدير على القبر المشرف حائط مرتفع، كي لا يظهر القبر في المسجد، فيصلى إليه العوام، فيقعوا في اتخاذ قبره مسجداً ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من جهة الشمال، حتى لا يمكن استقبال القبر في الصلاة، ولذا قالت: لولا ذلك لبرز قبره اهـ، وهذا يبين أن اتخاذ القبر مسجداً، هو السجود له، ومنها: ما رواه ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً لعن الله قوماً اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد)) ([176]) .جملة لعن الله قوماً، بيان لمعنى جعل القبر وثناً، ومعنى الحديث: اللهم لا تجعل قبري وثناً يسجد له ويعبد كما سجد قوماً لقبور أنبيائهم، ومنها: ما رواه البزار عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((اللهم إني أعوذ بك من أن يتخذ قبري وثناً فإن الله تبارك وتعالى اشتد غضبه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ([177])إسناده ضعيف، لكن حديث أبي هريرة شاهد له، ومنها: ما رواه ابن سعد في الطبقات قال: أخبرنا معن ابن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) .([178]) . ، مرسل صحيح الإسناد، ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يصلى له، اشتد غضب الله على قوم، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، ([179]) .
ورواه عبد الرازق، عن معمر، عن زيد به وإسناده صحيح، تقرر في علم المعاني: أن الجملتين إذا كانتا بمعنى واحد فإنهما يجردان عن العاطف، كما في هذه الأحاديث، لإفادة اتحادهما في المعنى، هل للحديث معنى آخر؟: ذكر كثير من شراح الحديث: أن اتخاذ القبور مساجد يحتمل معنيين: السجود لها وعبادتها، كما سبق، وبناء المساجد عليها، وهذا المعنى خطأ لا يصح، وبيان ذلك من وجوه: (الأول): أنه مجاز، والمجاز لا يجتمع مع الحقيقة في كلمة، كما تقرر في علم البيان وهو الراجح عند جمهور الأصوليين، (الثاني): وعلى القول الضعيف بجواز اجتماعهما، فإنما يمكن ذلك إذا كان في سياق نفي، فيصح نفي الحقيقة، والمجاز معاً في كلمة، كأن يقال: ما رأيت أسداً، ويراد الحيوان المفترس والرجل الشجاع، والنفي أوسع دائرة من الإثبات، والفعل في الحديث مثبت، وهو اتخذوا، والفعل المثبت لا يعم، فلا يراد به إلا الحقيقة.
(الثالث): أن بناء المساجد على القبور، ثبت فيه حديث بخصوصه وهذا يبين أنهما معنيان مختلفان بالحقيقة والمجاز،
[2] [بناء المساجد على القبور]: روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا كنيسة رأيناها بالحبشة، فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم {أن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فما بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة}؟ فهذا الحديث وراد في بناء المسجد على القبر، ومن ضمه إلى حديث اتخاذ القبور مساجد، وجعل معناهما واحد فقد أخطأ ووهم وهماً كثبيراً، يظهر ذلك بكلام على معنى الحديث وشرحه، فقوله {أولئك شرار الخلق} قال الأبي: الأظهر في الإشارة أنها لمن نحت وعبد وأن كانت لمن نحت فقط فيحتمل كونهم شرار بتصويرهم، لحديث وعيد المصورين، فذم أولئك ليس لبنائهم المسجد ولكن لنحتهم التصاوير يؤيد هذا أن البخاري قال في الصحيح: باب الصلاة في البيعة وقال عمر رضي الله عنه: أنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور، وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل، قال الحافظ: أثر عمر وصله عبد الرازق من طريق أسلم مولى عمر قال: لما قدم الشام صنع له رجل من النصارى طعاماً وكان من عظمائهم وقال: أحب أن تجيبني وتكرمني، فقال له عمر: أنا لا ندخل كنائسكم إلخ، وأثر بن عباس وصله البغوي في الجعديات، وزاد: فإن كان فيها تماثيل، خرج فصلى في المطر، أي في محل بارز للمطر، فصح أن الذكم في الحديث لنحت التصاوير والتماثيل، لا لبناء المسجد، لأنه مكان للعبادة لا ذم يلحق فاعله، أما قول ابن عباس: لعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج فهو وأن حسنه الترمذي حديث ضعيف، في سنده أبو صالح اسمه باذان ويقال باذام ضعيف مدلس وكيف يلعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زائرات القبور مع أنه أباح لهن زيارتها؟ وأخرج ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء أخبرنا عوف عن الحسن، قال: ائتمروا أن يدفنوه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسجد فقالت عائشة: كان واضعاً رأسه في حجري إذ قال {قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} .فأجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة، ([180])قلت: عزم الصحابة على دفنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسجد، إذ لم يروا في ذلك حرجاً، لكن منعهم حديث عائشة وخاف أن يتخذ قبره مسجداً يسجد له، وقال البيضاوي: (لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثاناً، لعنهم ومنع المسلمين على مثل ذلك، فأما من اتخذا مسجداً في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب منه، لا للتعظيم له، ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد) اهـ، ([181]) .
وقال التوربشتي في شرح المصابيح في حديث (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مسجد) هو مخرج على وجهين: (أحدهما): كانوا يسجدون لقبور الأنبياء، تعظيماً لهم وقصد العبادة في ذلك، و (ثانيهما): أنهم كانوا يرون الصلاة في مدافن الأنبياء وأتوجه إلى قبورهم في حالى الصلاة والعبادة لله نظراً منهم أن ذلك الصنيع أعظم موقعاً عند الله، لاشتماله على الأمرين: عبادة ومبالغة في تعظيم الأنبياء، وكلا الطريقين غير مرضيه، أما الأولى فشرك جلي، وأما الثانية فلما فيها من معنى الإشراك بالله عز وجل، وإن كان خفياً، والدليل على ذم الوجهين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم {اللهم لا تجعل قبري وثناً، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} والوجه الأول أظهر وأشبه اهـ، ([182]) .
[3] [الصلاة إلى القبر]: روى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم {لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها} قال العلماء: النهي في الحديث للكراهة، قال البخاري: رأى عمر، أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال: القبر، القبر ولم يأمره بالإعادة، قال الحافظ: استنبطه من تمادي أنس على الصلاة، ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف، قال: واثر عمر، رويناه موصلاً في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ البخاري ولفظه بينما أنس يصلي إلى قبر، ناداه عمر: القبر، القبر، فظن أنه يعني القمر، فلما رأى أنه يعني القبر، جاز القبر وصلى، وعلى الكراهة التشبه بعباد القبور.. (الخلاصة): … أن بناء المسجد على القبر غير اتخاذه مسجداً، وغير دفن الميت في مسجد مبني، .. قال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قالا: قال: أبو بكر أبين يدفن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قال قائل منهم عند المنبر وقال قائل منهم: حيث كان يصلي يؤم الناس، وقال أيضاً: أخبرنا معن بن عيسى أخبرنا مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما توفى قال ناس يدفن عند المنبر، ([183]) .
فهؤلاء الناس لم يشيروا بدفنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند المنبر أو حيث يؤم الناس، إلا لعلمهم بأن هذا لا يدخل في بناء مسجد على القبر وهؤلاء كانوا صحابة، وهنا ينتهي ما أردته من الكلام على معنى اتخاذ القبور مساجد، هاهنا مسائل يجب أن ننبه عليها:
[المسألة الأولى]: تقرر في علم الأصول أن الأمة الإسلامية لا تجتمع على ضلالة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يجمع الله أمتي على الضلالة) وله طرق كثيرة ذكرتها في تخريج أحاديث منهاج البيضاوي، وهو متواتر، فالأمة معصومة في إجماعها عن الخطأ والضلال، وهذا مقرر في علم الأصول بأدلته.
[المسألة الثانية]: ضاق المسجد النبوي عن المصلين، فلم يعد يستوعبهم بعد الزيادة التي زادها عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، فأمر الوليد بن عبد الملك، عامله على المدينة المنورة عمر بن عبد العزيز بهدم بيوت أمهات المؤمنين وإدخالها في المسجد توسعة له، فدخل فيه بيت عائشة رضي الله عنها وفيه القبور الثلاثة فبكى يومئذ كثير من الناس على هدم البيوت، لا على دخول القبور في المسجد، وكان لا بد من الهدم، لأن المصلحة اقتضته والذي قام بذلك ونفذ عمر بن عبد العزيز العالم الصالح، ولم ير هو ولا غيره من العلماء أن إدخال القبور في المسجد مخالف للدين وللحديث، ومباين لمقاصد الشريعة، ثم تولى الخلافة بعد ذلك – وكان خليفة راشداً – فلم يبن جدار يحجز بين القبر الشريف والمسجد، ولم يقترح عليه ذلك أحد من العلماء في عصره، ثم جاء أئمة المسلمين لزيارة المسجد النبوي وفيه القبور، فلم ينكروا ذلك، وكان الإمام مالك مسموع الكلمة عند أبي جعفر المنصور، الخليفة العباسي، ولو أشار عليه بعمل حاجز بين الروضة والمسجد لنفذه في الحال، لكنه لم يشر عليه بذلك، وتوالت القرون، والمسجد النبوي يزار من طبقات الأمة على اختلاف أنواعها، والروضة الشريفة داخلة، يزورنها ويتبركون بها، واهدوا لها الهدايا المختلفة، وهذا إجماع قطعي، يفيد أن وجود القبر في المسجد لا شيء فيه، يضاف إلى هذا الإجماع القطعي حديث ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)) ([184]) . هذا الحديث ترجم له البخاري بقوله: باب فضل ما بين القبر والمنبر، وإن كان قد رواه بلفظ بيتي فالإشارة إلى أن قبره في بيته، وجاء في صحيح البخاري بلفظ قبري في رواية ابن عساكر، ورواه جماعة بلفظ قبري أيضاً، قال البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم ثنا محمد بن إسحاق، حدثنا عبيدة بنت نابل عنعائشة بنت سعد عن أبيها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ((ما بين قبري ومنبري أو قبري ومنبري روضة من رياض الجنة))، قال الحافظ والهيثمي: رجاله ثقات، قلت: سعد هو ابن أبي وقاص، ومحمد بن إسحاق روى له البخاري، وهو ضعيف في روايته عن مالك، وقال البزار أيضاً حدثنا عبد الصمد ابن سليمان المروزي ثنا أبو نباته ثنا سلمة بن وردان عن أبي سعيد بن المعلى عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة))، وقال الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق: أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيبي ثنا الحسن بن المثنى ثنا عفان ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا إسحق بن شرفي مولى ابن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: حدثني أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة))، وقال الخطيب في الموضح أيضاً أخبرني الأزهري حدثنا علي بن عمر الحافظ حدثني محمد ابن محمد بن داود السجستاني ثنا مكي بن عبدان ثنا يحيى بن محمد بن يحي الذهلي حدثنا أحمد بن المنذر القرشي ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة))، ورواه أبو النعيم في الحلية من طريق عبد الله بن نافع عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة وإن منبري لعلى حوضي))، وللحديث طرق عن ابن سعيد الخدري وأم سلمة وعبد الله بن زيد وجابر بن عبد الله وعمر بن الخطاب وأبي هريرة، وأسانيد أحاديثهم مذكورة في كتاب إحياء المقبور وهو حديث صحيح جداً، ([185]) .
ويؤخذ منه أمران: (احداهما): استحباب زيارة القبر الشريف، والصلاة في الروضة الشريفة، و (الآخر): الإشارة إلى إدخال القبر في المسجد، لأنه لا يتيسر أن يكون ما بين القبر والمنر روضة إلا بكونهما داخل المسجد، لا خارجه، وهذا مدرك بالضرورة الحسية، فاقتراح بعض المتزمتين في هذا العصر: أن يبني جدار يحجز الروضة الشريفة عن المسجد، خروج عن إجماع الأمة، وغفلة عما يفيده الحديث، وتنطع يأبه الدين.
[المسألة الثالثة]: أول ما بني المسجد على القبر، في العهد النبوي وبيان ذلك: أن أبا بصير الثقفي رضي الله عنه انفلت من المشركين بعد صلح الحديبية، وذهب إلى سيف البحر، ولحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو، انفلت من المشركين أيضاً، ولحق بهم أناس من المسلمين حتى بلغوا ثلاثمائة وكان يصلي بهم أو بصير وكان يقول: ” الله العلي الأكبر.. من ينصر الله فسوف ينصر ” وهذا رجز، فلما لحق به أبو جندل، كان هو يؤمهم وكان لا يمر بهم عير لقريش، إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تناشده الله، والرحم ألا أرسل إليهم، فمن أتاك منهم فهو آمن، وكتب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه، ومن معهم من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أبي جندل، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيده يقرأه، فدفنه أبو جندل مكانه، وبنى على قبره مسجداً، رواه موسى بن عقبة في المغازي، وابن إسحاق في السيرة عن الزهيري عن عروة عن المسور ومروان، وكان الإمام مالك يقول: عليكم بمغازى الرجل الصالح موسى بن عقبة، فأنها أصح المغازي، وكان يحيى بن معين يقول: كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب، قال أخي في كتاب إحياء المقبور: وبلا شك يدري كل ذي حس سليم يعرف سيرة الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لا يمكن إحداث أمر عظيم مثل هذا ولا يذكرونه له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذلك يستحيل أن يحدث مثل هذا من أصحابه، ويكون حراماً يجر إلى كفر وضلال، ثم لا يعلمه الله تعالى به، كما أعلمه بمسجد الضرار وبقصد أصحابه من بنائه، وأمر بهدمه، فإذن لا شك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم ببناء المسجد على قبر أبي بصير ولم يأمر بهدمه، إذ لو أمر بذلك لنقل في الخبر نفسه أو في غيره لأنه شرع لا يجوز أن يضيع اهـ، ويؤيد هذا أن أبا جندل رجع إلى المدينة بأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا بد أنه حكى له جميع أعمالهم في سيف البحر – وسيف بكسر السين – ساحل البحر.
[المسألة الرابعة]: لا يوجد دليل على حرمة الصلاة في مسجد فيه قبور، ولم يقل أحدمن الأئمة بذلك، بل هم مجمعون على وجود القبور في المسجد النبوي، وحديث {{لعن الله اليهود اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد}} لا يجوز الاستدلال به من جهة معارضة القرآن له، ولا يوجد وجه للجمع بينهما، وحديث {{أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصورا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة}} ([186]) .
سبب وروده أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهما رأتا بالحبشة كنيسة يقال لها مارية، فيها تماثيل وتصاوير، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن وضع التصاوير في أماكن عبادتهم من قبيح فعلهم، مع أن التصاوير منهي عنها في البيوت فكيف بأماكن العبادة؟ فالذم في الحديث منصب على التصاوير لا على بناء المسجد، لأنه يوافق القرآن في قول الله تعالى {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً} ويؤيد هذا أن عمر رضي الله عنه لما ذهب إلى بيت المقدس وعزمه راهب أن يتغدى عنده في الكنيسة قال له عمر: إنا لا ندخل كنيستكم لما فيها من التصاوير، وتغدى معه خارجها، فالتصاوير هي مصدر الذم ومبعثه، ومن استدل بالحديث على حرمة بناء المسجد على القبر، لم يفهم معناه لغفلته عن سبب وروده.
[المسألة الخامسة]: اعترض الألباني، في استدلاله لبناء المسجد على قبر بآية الكهف، لأن الله تعالى أقرهم على ما قالوا، وبنى اعتراضه على أمرين: (الأول): لا يصح اعتبار عدم الرد عليهم إقرار لهم، إلا إذا ثبت أنهم كانوا مسلمين صالحين، وليس في الآية إشارة إلى ذلك، بل يحتمل أنهم كانوا كفار وفجار وهو الأقرب، (الثاني): أن الله رد صنيعهم على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذكر حديث {لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد} ثم قال: فأي رد أوضح من هذا؟ وذكر أنّ من يستدل بهذه الآية على خلاف الأحاديث الصحيحة كمثل من يستدل على جواز صنع التماثيل والأصنام، بقوله تعالى في الجن المذللين لسليمان عليه السلام {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات}، وما أبداه خطأ محض لا نصيب له من الصواب وبيان ذلك: أن احتمال أن يكون مقترحو بناء المسجد كفار بعيد جداً يأباه السياق، وإن قال به بعض المفسرين، والصواب: ما ذكره ابن عباس والسدى وغيرهما أن أهل البلد كان فيهم مشركون ينكرون البعث، وملكها ومن معه مسلمون، فلما عثروا على أهل الكهف، وعلم أهل البلد أنهم قاموا بعد قرون، انتصر الملك على منكري البعث بدليل مادي محسوس، ولما رجع الفتية إلى كهفهم، تنازع أهل البلد في شأنهم، فقال المشركون {ابنوا عليهم بنيانا} وقال الذين غلبوا على أمرهم – هم الملك وأصحابه – {لنتخذن عليهم مسجدا}، من المعقول جدا أن يبنى المسلمون على فتية مؤمنين، وليس من المعقول أبدأ أن يقترح المشركون بناء مسجد ولا يوافقون عليه، ولم يقع ولا يجوز أن يقع أن يحكى الله تعالى عملا أو قولا لكافر ثم يقره عليه.
وإليك أمثلة من ذلك: (1) نبه الله على مسجد الضرار وفساد نية بانييه وقال لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم {لا تقم فيه أبدا} وقال اليهود والنصارى {نحن أبناء الله وأحباؤه}، فرد عليهم بقوله {قل فلم يعذبكم بذنوبكم * بل أنتم بشر ممن خلق}.
(2) وقال اليهود {يد الله مغلولة}، فرد عليهم {غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا}
(3) وقال اليهود {إن الله فقير ونحن أغنياء}، فرد عليهم {سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق}، وقال المشركين {اتخذ الله ولدا}، فرد عليهم {بل عباد منكرون}، وهكذا لا نجد قولاً لكافر أو مشرك يحكيه الله تعالى إلا أعقبه برده، وهذا ما يرجح أن مقترح بناء المسجد على أهل الكهف مسلمون.
[المسألة السادسة]:
حديث الصحيحين {لا تشد الحال إلا إلى ثلاث مساجد، المسجد الحرام ومسجدي والمسجد الأقصى} ([187]) .
أخذ بظاهره بعض العلماء فمنع السفر إلى غير هذه المساجد المذكورة في الحديث، وهذا ضعيف، لأنه يقتضي منع السفر للتجارة وطلب العلم وصلة الرحم وغير ذلك، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قال بعض المحققين {إلا إلى ثلاث مساجد} المستثنى منه محذوف، فأما أن يقدر عاماً فيصير: لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى ثلاثة مساجد، أو أخص من ذلك، لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها فتعين الثاني، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاث، فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف، وغيره من قبور الصالحين أهـ، ([188]) .
وقال تقي الدين السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها غير البلاد الثلاثة، ومرادي بالفضل ما شهد الشرع باعتباره، ورتب عليه حكما وشرعياً، وأما غيرها من البلاد فلا تشد الرحال إليها لذاتها، بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات، قال: وقد التبس ذلك على بعضهم، فزعم أن شد الرحال لمن في غير الثلاثة داخل في المنع، وهو خطأ، لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه، فمعنى الحديث: لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد، أو إلى مكان من الأمكنة، لأجل ذلك المكان إلا إلى الثلاثة المذكورة، وشد الرحال إلى زيارة أو طلب علم ليس إلى المكان، بل من في ذلك المكان اهـ، ([189]) .
ويؤيده ما رواه أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد – وذكر عنده الصلاة في الطور – فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ((لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلا إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي))، ([190]) .
قال الحافظ: وشهر حسن الحديث، وإن كان فيه بعض الضعف اهـ، وروى البزار عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم {أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يزار، ويشد إليه الرواحل، المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي} ([191]) .في سنده عن موسى ابن عبيدة الربذي وثقه ابن سعد ووكيع، والجمهور ضعفوه لكنهم وصفوه بالصلاح، وقال زيد بن الحباب: كنا عند موسى بن عبيدة بالربذة فأقمنا عنده ومرض ومات فأتيت قبره ومعي رفيق لي، فجعل ريح المسك يفوح من قبره، فجعلت أقول لرفيقي: أما تشم؟ أما تشم؟ وليس بالربذة يومئذ مسك ولا عنبر، قال البزار: موسى بن عبيدة رجل مفيد وليس بالحافظ وأحسب إنما قصر به عن حفظ الحديث شغله بالعبادة، وهذا الحديث مؤيد بحديث شهر، وهما يفيدان ترك شد الرحلة إلى مسجد غير المساجد الثلاثة، فلو نذر شخص صلاة ركعتين أو أكثر، بجامع القرويين أو الأزهر، لم يلزمه أن يشد الرحلة إليه ويفي بنذره بالصلاة في أي مسجد ببلده، ولو نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة، لزمه الرحلة إليها عند الجمهور، لأنها مساجد الأنبياء، وروى أبو الفتح الأزدي وأبو الحسن العسكري وأبو موسى المديني من طريق يقية عن عمرو بن عتبة عن أبيه عن زيادة ابن سمية سمعت زكرة بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول ((لو أعرف موضع قبر يحيى لزرته)) ([192]) . قال أبو حاتم: زيادة بن سمية ليس هو الأمير المشهور الذي استخلفه معاوية، وقال ابن عبد البر: ليس إسناده بقوي، ومن المعلوم أن قبر يحيى عليه السلام بالشام، فالحديث يفيد جواز الرحلة لزيارة القبور، والقرآن يؤيده في ذلك لأن الله تعالى رخص في كتابه الكريم للمسافر أن يتيمم ويقصر الصلاة، ويفطر في رمضان، وبم يقيد السفر بأن يكون للمساجد الثلاثة، بل جعله سفراً عاماً يشمل السفر للتجارة وطلب العلم وصلة الرحم وزيارة الأخوان والصالحين أحياء وأمواتاً، وزيارة الفسحة والنزهة وكل سفر واجب أو مندوب أو مباح، وهذا هو اليسر الذي أراده الله لنا في قوله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.
[المسألة السابعة]: تواتر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال {جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهورة} وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بإجماع العلماء، والخصائص لا تنسخ ولا يستثنى منها ولهذا حمل العلماء الحديث الوارد عن الصلاة في المقبرة على الكراهة ولم يحملوه على البطلان، بل حتى من حمل النهي عن التحريم قال أن الصلاة صحيحة، ونص الحافظ البيهقي والحافظ ابن عبد البر، والحافظ بن حجر على أن الحديث {لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها} محمول على الكراهة فقط، بل رجح حافظ المغرب ابن عبد البر عدم الكراهة واعتمادهم في ذلك كله على الحديث السابق ذكره.
[فتاوي الديار المصرية]: وأما نص الفتوى لمفتي الديار المصرية على المذاهب الأربعة: 1- قال فقهاء مذهب أبي حنيفة: تكره الصلاة في المقبرة إذا كان القبر بين يدي المصلي بحيث لو صلى صلاة الخاشعين وقع بصره عليه فإذا كان القبر خلف المصلي وهو مستقبل القبلة فلا كراهة، 2- وقال فقهاء مذهب مالك: الصلاة في المقبرة جائزة بلا كراهة إذا خلت عن النجاسة، 3- وقال فقهاء مذهب الشافعي: تكره الصلاة في المقبرة غير المنبوشة، سواء كانت القبور أمامه أو خلفه، أو على يمينه أو على شماله، أما الصلاة في المقبرة المنبوشة بلا حائل فباطلة لوجود النجاسة بها، 4- وقال فقهاء مذهب أحمد بن حنبل: أن الصلاة في المقبرة التي تحتوي على أقل من ثلاث قبور صحيحة بلا كراهة إذا لم يستقبل المصلي القبر، وأن استقبله كانت الصلاة مكروهة، لذا كانت الصلاة في المصلى المسؤول عنها صحيحة بلا كراهة في فقه الأئمة أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، ومكروهة في فقه الإمام الشافعي رحمهم الله اهـ، ومن هنا يعلم أن من قال أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبور باطلة، فهو كاذب، يدخل في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ((أجراؤكم على الفتيا أجراؤكم على النار)) وحديث ((من حدث بحديث يظن أنه كاذب فهو أحد الكذابين)) والله سبحانه وتعالى أعلم [انتهى من كتاب إعلام الراكع الساجد بمعنى اتخاذ القبور مساجد للشيخ الحافظ عبد الله بن محمد الصديق الغماري]،
[المفتاح الرابع]: درة من كلام الشيخ عبد الرحمن المكي الهاشمي في كتابه السلفية المعاصرة شبهات وردود تبين الفقه الصحيح للحديث ويشير إلى تشدد علماء نجد في المسألة وفهمهم الخاطئ للاحاديث: قال رحمه الله:
(أ) زعمهم أن المساجد عند قبور الصالحين هو من اتخاذ القبور مساجد: روى الشيخان واللفظ لمسلم: ((ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون من قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك))، وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها حين ذكر له صلى الله عليه وآله وسلم تصاوير في كنيسة بالحبشة فقال: ((إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا تلك الصور أولئك شِرارُ الخَلْقِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ)) ([193]) .
كل ذلك لا يدل على منع زيارته صلى الله عليه وآله وسلم لوقوع القبر في المسجد ولا يدل كذلك على منع أن يتخذ مسجد في جوار رجل صالح قصد التبرك بالقرب منه، بل المقصود من النهي في الحديثين هو أن يقصد القبر بالصلاة إليه أو عليه كما يقصد المسجد تعظيماً للقبر أو للمدفون فيه كما هو فعل اليهود والنصارى كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم وصالحيهم، ولما صوره من صورهم كما يسجد للأوثان فهذا هو الذي يكون ذريعة للشرك، ولذا فإن هجو الموسوسين للمساجد التي فيها قبر وتسميتها مساجد الشرك وزعم أن الصلاة فيها شرك وذريعة للشرك إنما هو تعمق في الجهل وإغراق لسوء الفهم للأحاديث، فإن هذه المساجد لم تبن إلا لما بنيت له المساجد من التعبد وليس ذلك بمحرم ولا مكروه، ولذا بنيت في القرون الأولى مساجد عند القبور من غير أن تكون صلاة إلى القبر أو عليه ولو كان المراد بالحديثين هو النهي من اتخاذ المساجد في جوار قبر رجل صالح بقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا التوجه نحوه أو هجر المساجد لأجل القبر فبها لوجب أن يهجر مسجده صلى الله عليه وآله وسلم بعد إدخال القبر فيه، ولما أصبح مما تشد إليه الرحل والصلاة فيه بألف صلاة مع علمه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه سيدفن في هذا الموضع لما جاء في رواية البزار بسند صحيح والطبراني ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)) ([194]) .
ولأنكر الصحابة والتابعون على عمر بن عبد العزيز إدخاله حجر أمهات المؤمنين في المسجد لتوسيعه ولكنهم لم ينكروا ولم ينزل المسجد الشريف في أنظارهم باشتماله على القبور فيه بل ما زالوا ومن بعدهم يتوافدون لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده، ولو كان في الأمر ما هو منكر لغير ذلك عمر بن عبدالعزيز لما آلت إليه الخلافة وهو الذي أحيا سنة جده عمر بن الخطاب ولما أقر علماء التابعين فاطمة بنت الحسين على ضربها قبة على قبر الحسن بن على بن أبي طالب واقامت به سنة كما رواه البخاري معلقاً وهي لا محالة تقيم فيها عبادتها من صلاة وذكر وتلاوة وهي ومن معها، والعصر كان عصر الفقه وإنكار المنكر فالمراد من النهي على ذلك هو قصد القبر بالصلاة إليه أو عليه كما بقصد المسجد تعظيماً للقبر أو ممن فيه، قال الإمام البيضاوي في شرحه الطوالع (لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثاناً لعنهم ومنع المسلمين من مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجداً في جوار رجل صالح وقصد التقرب بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد)، ونقل ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح وأقره، ومما يجب أن يعلم أنه لو وقع استقبال القبر في الصلاة من غير قصد إلى تعظيمه أو تعظيم صاحبه لم يكن على المصلي بأس وليس ذلك من جعل القبر مسجداً في شيء، قال ابن القاسم: كان مالك لا يرى بأساً من الصلاة في المقابر بينما من يصلي في المقبرة تكون القبور بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله، قال مالك: وبلغني أن بعض الصحابة كانوا يصلون في المقبرة، ولذا فإن الدعوة المحمومة لإخراج القبر الشريف من المسجد والتي نشرت قبل حين في بعض الصحف لا يحمل عليها إلا جهل أو غيظ متأصل تنطوي عليه القلوب، نساله تعالى السلامة والإخلاص وحسن الإيمان.
(ب) اعتبارهم البناء ونحوه على القبور يصيرها أوثاناً تعبد: علل الوهابية منع البناء على القبور بأن البناء عليها يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله، وقد سبق في مقدمة هذه الرسالة أن محمد بن عتيق (قد جعل من اسباب كفر أهل مكة هو عدم هدمهم للقباب)، وجهلوا أن المؤدي إلى الشرك هو اتخاذ القبور مساجد بمعنى قصد القبر لعبادته أو عبادة من فيه كما يقصد المسجد وذلك بالعكوف عليها وتصوير الصور فيها، والمسلمون بحمد الله ليس تعظيمهم للقبور، وإنما تعظيم من فيها من الأنبياء والصالحين إذا لم يتجاوز التعظيم مراتبهم من العبودية، ولا يوجد إن شاء الله من زوار الأنبياء والصالحين من هو عابد لهم ولا متخذهم مع الله آلهة، ولا من يقصد الصلاة إلى قبورهم فالحمد الله على حفظ دينه، وقد علمت أن التوسل والاستغاثة بهم ليس من العبادة في شيء، وأن التشريك والتكفير بذلك هو نتيجة جهل بمعنى العبادة، وللعلماء في الأبنية على القبور ثلاثة أقوال: فمنهم من كره البناء في الأرض سواء كانت مملوكة أو مسبلة، ومنهم من كره البناء في المملوكة وحرمه في المسبلة، ومنهم من أجاز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين وجعل ذلك مستثنى من أحاديث النهي عن البناء، واعلم أن من منع البناء من الأئمة والعلماء لم يجعل علة المنع أن البناء عليها يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله كما زعم الوهابية، بل عللوا المنع بخوف التضيق على الناس لئلا يحجر عليهم موضع القبر فلا يدفن أحد فيه فيضيق ذلك بالناس لا لأن البناء شرك أو ذريعة للشرك.
(أحاديث النهي عن البناء): من كره البناء استدل بحديث مسلم عن أبي الهياج الأسدي أن علياً رضي الله عنه قال له: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أن أدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته))، ([195]) .
واستدلوا أيضاً على الكراهة بحديث مسلم وأبي داود عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجصص القبر أو يبنى عليه وأن يكتب عليه، زاد أبو داود أو يزاد عليه أي على ترابه، ([196]) .
والقائلون بالمنع قد اختلفوا: فمنهم من كره البناء سواء كانت مملوكة أو مسبلة ولكنه لا يقول بهدمه إذا بني مستنداً إلى وجود البناء على قبر الشيخين في الحجرة فإنها غير مملوكة حيث أن الأنبياء لا يورثون ولم يقل بهدمه أحد، ومنهم من كره البناء في المملوكة ولم يهدمه إذا بني وحرمه في المسبلة وقال بهدمه فيها، قال الشافعي في الأم: (قد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني فيها فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك قال: فإن كانت القبور في الأرض يملكها الموتى في حياتهم أو ورثتهم بعدهم لم يهدم شيء منها، وإنما يهدم إن هدم ما لا يملكه أحد فهدمه لئلا يحجر على الناس موضع القبر فلا يدفن فيه أحد فيضيق على الناس) أهـ، ([197]) .
فأنت تراه لا يحتم الهدم في غير المملوكة بل يقول: إن هدم ولا يقول بالهدم فيما بني على أرض مملوكة لأنه بني بحق ولا يذهب في تعليل منع البناء في غير المملوكة إلا إلى خوف التضيق به على الناس ولم يقل أن البناء على القبور شرك ولا ذريعة للشرك، ولم يقل كذلك ولا أحد من أهل العلم الذي يقتدى بهم أن البناء على القبر يصيره طاغوتاً وصنماً يعبد من دون الله، وأنه شرك وأن الذاهب لزيارة هذا القبر مشرك وعابد صنم حتى جاء ابن تيمية المتوفي في القرن الثامن فقال بهذا وتبعه على ذلك من تبعه من الوهابيين فكفروا الأمة الإسلامية كما رايته في فتوى ابن عتيق، وقال ابن مفلح في كتاب الجنائز (القبة والحظيرة والتربة إن كانت في ملكه فعل ما شاء وإن كانت في مسبلة كره للتضيق)، ([198]) .
(أدلة من قال أن أحاديث النهي عن البناء مخصصة بغير قبور الأنبياء والصالحين): ومن أجاز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين ذهب إلى أحاديث النهي عن البناء على القبور ليست عامة في جميع القبور، بل يستثني منها قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين، فقالوا يجوز البناء عليها واستدلوا على تخصيص ذلك من أحاديث النهي بأن الصحابة قد دفنوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت عائشة موضع ما قبض لما روي لهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما دفن نبي إلا في مكانه الذي توفي فيه)) ([199]) . ودفن في الحجرة بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وبنى عمر ابن الخطاب في حائطاً عليها وبنت عائشة رضي الله عنها كذلك القبور الثلاثة وكانت تسكنها وتصلي فيها قبل الحائط وبعده، وبناها عبدالله بن الزبير أيام خلافته ثم سقط حائطها فبناها عمر بن عبدالعزيز ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بإدخال حجر أمهات المؤمنين فيه بني الحجرة التي فيها القبور الثلاثة وأزرها بالرخام ولم ينكر عليه من وجد من الصحابة ولا فقهاء التابعين، واستحسان بعضهم إبقاء الحجرة على ما كانت دون هدمها هو لميلهم أن يبقى البناء القديم عظة لما كان عليه سكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بساطة وبناء بالطين ويسقف من الجريد غير المرتفع، وعمر بن عبد العزيز في خلافته مع حرصه على إبطال المنكرات أقر الحجرة على ما بنيت عليه فدل ذلك على أن البناء على القبر غير منكر ولم يزل الأمر على ذلك يتنافس في عمارتها أمراء المسلمين وتفصيل ذلك في (وفاء الوفاء) ولو كان البناء على القبور شركاً لهدموا الحجرة قبل دفنه بها ولما أحدث عمر وعائشة وغيرهما فيها بناء، ولما أعادوا بناءها بعد الانهدام أي من الصحابة الموجودين والتابعين، ولذلك لم يهدم المسلمون بعد فتحهم بيت المقدس وبلاد الشام ما وجد من المباني على قبر الخليل وقبور أولاده إسحاق ويعقوب وغيرهما من صالحي أهل بيته، ومما على قبر داود وغيره في بيت المقدس ولم يأمر عمر ولا الصحابة ولا التابعون بهدم ذلك، والمقصود أنه لذلك كله ذهبت طائفة من العلماء إلى جواز البناء على قبور الأنبياء والصالحين والعلماء المشهورين مستندين في ذلك إلى إبقاء حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المحيطة بقبره وقبر صاحبيه وتجديد بنائها في العصور الفاضلة وعدم إنكار الأئمة على ذلك وإلى عدم هدم المسلمين بعد فتح الشام ما على قبور الأنبياء من المباني كما إنه قد بنيت مباني في القرون الأولى على قبور بعض علماء هذه الأمة كما يؤخذ من (وفاء الوفاء)، فتخصيص أحاديث النهي عن البناء باستثناء قبور الأنبياء والصالحين والعلماء بالعمل المتوارث في قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه، وفي ترك الأبنية على القبور على حالتها بعد فتح الشام، وعدم هدمها هو أمر له وجه قوي إذ استنباط معنى يعود على حكم العام أو المطلق بالتخصيص أو التقييد إذا قام الدليل على ذلك هو أمر شائع بين العلماء ولا مؤاخذة فيه، علاوة على أن البناء على القبر هو بمثابة تعليمه بعلامة كما روى ابن ماجه وأبو داود أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد علم قبر عثمان بن مظعون بصخرة وقال: أتعلم به قبر أخي، ولا يلزم تعيين هذه العلامة وإنما المراد هو ما يفيد معرفة القبر حيث علل رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم وضعها بأنها لمعرفة القبر، ورأي من أجاز البناء على القبور أنه مما تشمله العلامة، إذ لما وقعت حوائط الحجر لم يكتفوا بوضع حجر عند قبر الصديق والفاروق بل أدخلوهما في بنائها ورفعوا البناء وأحكموه حتى يكون علامة باقية، قال التوربشتي: (وقد أباح السلف البناء على قبور المشايخ والعلماء المشهورين ليزورهم الناس وليستروحوا بالجلوس فيه)، ([200]) .
وفي حاشية ابن حمدون المالكي على شرح عبارة لمنظومة ابن عاشر: وإذا جاز عند القصار ومن تبعه بناء البيت على مطلق القبور في الأرض المملوكة وفي المباحة إن لم يضر بأحد كان البناء بقصد تعظيم من يعظم شرعاً أجوز)،. وقال عبدالقادر الفاسي: (لم يزل الناس يبنون على مقابر الصالحين وأئمة الإسلام شرقاً وغرباً كما هو معلوم، وفي ذلك تعظيم حرمات الله واجتلاب مصلحة عباد الله وانتفاعهم بزيارة أوليائه، وفي ذلك المحافظة على تعين قبورهم وعدم اندراسها، وما اندرست قبور الأنبياء والأولياء من الأمم المتقدمة إلا من قلة العناية بأمرهم) اهـ، .قلت: بل لذلك لم يبقي قبر مقطوع به من قبور الأنبياء إلا قبه صلى الله عليه وآله وسلم، وفي التحفة من باب الوصية (إجازة الوصية بالبناء على قبر نحو عالم في المملوكة وكذلك تسوية قبره) اهـ وفي النهاية في باب الجنائز الوصية بالتسوية وعمارة قبور الأنبياء والصالحين حتي في المسبلة) اهـ، قلت: والغاية من البناء حفظ قبورهم من الاندثار وأن تعرف فيزورهم الناس تبركاً بهم واستظلال الزائرين بها وتيسير مكثهم للذكر والتلاوة وحفظاً للقبر الذي ثبتت حرمته من دخول الدواب واكلاب ووقوع القاذورات، لا خلاف إذا كان البناء لغرض صحيح شرعي: واعلم أن الخلاف في منع البناء بالكراهة والتحريم والتفريق بين المسبلة والمملوكة ووجوب الهدم أو عدمه محله إذا لم يكن للبناء غرض صحيح شرعي، أما إذا وجد الغرض الشرعي فلا حرمة ولا كراهة ولا هدم يستوي في ذلك المسبلة والمملوكة، كأن دعت حاجة إلى البناء خوف نبش سارق أو سبع أو خرق سيل للقبر، وما كان هذا شأنه لا يجوز هدمه بعد بنائه لأنه قد بني بحق، وعلى العموم من قال بحرمة البناء إلى قبور الصالحين فقد خصصه بالمسبلة وبعدم الحاجة إليه، وعلل الحرمة بعدم التضييق على الناس نتيجة احتكار القبر فلا ينتفع المسلمون بموالاة الدفن فيه وليست العلة أن البناء يصير القبر طاغوتاً وصنماً كما قال الوهابيون ” أهـ ، ([201]) .
[المفتاح الخامس]: حكم الصلاة في مسجد به قبر: إذا أردنا الفقه في المسألة فلابد وان نتطفل على مائدة المذاهب الأربعة فهم السادة المتخصصون في الفقه، وقد قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) } [سورة النحل: الآية: 43]، و [سورة الأنبياء: الآية: 7]، فأهل الذكر في السألة هم أهل التخصص وهم هاهنا الفقهاء، فإلى المدارس الفقهية الأربعة الاحناف والمالكية والشافعية والحنابلة في المسألة، تلك المدارس التي وضع الله تعالى القبول لها بين المسلمين في الفقه على مر عصور الإسلام، وقد قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور : 40]، ولا يوجد من الفقهاء من قال انه شرك ولا ذريعة إلى الشرك كما تفعل الوهابية، بل يدور الامر على الاباحة وهو قول المالكية، أو الكراهة والصلاة صحيحة، وهو مذهب الجمهور الشافعية والاحناف ورواية عند الحنابلة، أو انّ ذلك حرام وهو الرواية الأخرى عند الحنابلة وعليها المذهب، وفي صحة الصلاة عندهم روايتان والأصح عدم الصحة، والفتوى عند الحنابلة إنما هو إذا كانت الصلاة في مقبرة مخصصة للمقابر، أما القبر والقبران فلا يمنعون من الصلاة عندها، فأين هذا الفقه ممن قال بأنه شرك وذريعة إلى الشرك، الأمر مختلف تماما، وأنقل هنا مبحث حكم الصلاة في المقبرة وفي مسجد فيه قبر دراسة فقهية مقارنة على المذاهب الفقهية الأربعة للشيخ عبد الفتاح قديش اليافعي حفظه الله تعالى، حيث يقول: (فهذا بحث موجز في حكم الصلاة في مسجد فيه قبر وقد جعلته في مبحثين: (المبحث الأول): حالات الصلاة في مسجد فيه قبر وحكم كل حالة، و (المبحث الثاني): في أدلة أهل العلم في المسألة.
[1] حالات الصلاة في مسجد فيه قبر وحكم كل حالة]: الصلاة بالنسبة للقبور لها ثلاثة أحوال: 1- أن تكون على القبور 2- أن تكون إلى القبور 3- أن تكون عند القبور، ولكل من ذلك حالتان: الحالة الأولى: أن توجد في موضع الصلاة نجاسة من صديد الموتى فلا خلاف بين أهل العلم في حرمة الصلاة في ذلك الموضع والصلاة عندئذ باطلة، والحالة الثانية: ألا توجد في الموضع نجاسة وقد اختلف أهل العلم في هذه الحالة على ثلاثة أقوال: (القول الأول): أن ذلك مكروه والصلاة صحيحة وهو مذهب الجمهور وعليه الشافعية وهو رواية عند الحنابلة وعليه الحنفية في حالة الصلاة إلى القبور، وكذا في حالة الصلاة على القبور مالم يكن قبر نبي، و (القول الثاني): أن ذلك جائز وهو مذهب المالكية، وهو أيضا مذهب الحنفية في حالة الصلاة عند القبور، و (القول الثالث): أن ذلك حرام وهو الرواية الأخرى عند الحنابلة وعليها المذهب، وفي صحة الصلاة عندهم روايتان والأصح عدم الصحة، ثم الكلام السابق عند الحنابلة إنما هو إذا كانت الصلاة في مقبرة أما القبر والقبران فلا يمنعون من الصلاة عندها وخالف في ذلك بعضهم كما سيأتي إن شاء الله، والآن إليك بعض أقوال أهل العلم من المذاهب الأربعة في المسألة ضمن الفروع التالية:
[الفرع الأول: من أقوال الحنفية]: – حكم الصلاة في مسجد فيه قبر – في بدائع الصنائع (وأما المقبرة فقيل: إنما نهى عن ذلك لما فيه من التشبيه باليهود كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلا تتخذوا قبري بعدي مسجد، وروي أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا يصلي بالليل إلى قبر فناداه: القبر القبر، فظن الرجل أنه يقول القمر القمر فجعل ينظر إلى السماء فما زال به حتى تنبه، فعلى هذا تجوز الصلاة وتكره، وقيل: معنى النهي أن المقابر لا تخلو عن النجاسات لأن الجهال يستترون بما شرف من القبور فيبولون ويتغوطون خلفه، فعلى هذا لا تجوز الصلاة لو كان في موضع يفعلون ذلك لانعدام طهارة المكان) اهـ، ([202]) .
وفي البحر الرائق:(ويكره أن يكون محراب المسجد نحو المقبرة أو الميضأة أو الحمام) اهـ ([203]) وفي حاشية ابن عابدين : (قوله: (ومقبرة) مثلث الباء، واختلف في علته: فقيل: لأن فيها عظام الموتى وصديدهم وهو نجس وفيه نظر، وقيل: لأن أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد، وقيل: لأنه تشبه باليهود وعليه مشى في الخانية، ولا بأس بالصلاة فيها [يعني المقبرة] إذا كان فيها موضع أعد للصلاة وليس فيه قبر ولا نجاسة كما في الخانية ولا قبلته إلى قبر حلية) اهـ، ([204]) .
وفي حاشية الطحطاوي: (قوله: وفي المقبرة بتثليث الباء لأنه تشبه باليهود والنصارى قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وسواء كانت فوقه أو خلفه، أو تحت ما هو واقف عليه، ويستثنى مقابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا تكره الصلاة فيها مطلقا منبوشة أو لا، بعد أن لا يكون القبر في جهة القبلة، لأنهم أحياء في قبورهم ألا ترى أن مرقد إسماعيل عليه السلام في الحجر تحت الميزاب وأن بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى للصلاة بخلاف مقابر غيرهم أفاده في شرح المشكاة، وفي زاد الفقير: وتكره الصلاة في المقبرة إلا أن يكون فيها موضع أعد للصلاة لا نجاسة فيه، ولا قذر فيه اهـ، قال الحلبي: لأن الكراهة معللة بالتشبه وهو منتف حينئذ، وفي القهستاني عن جنائز المضمرات: لا تكره الصلاة إلى جهة القبر إلا إذا كان بين يديه بحيث لو صلى صلاة الخاشعين وقع بصره عليه) اهـ، ([205]) .
[الفرع الثاني من أقوال المالكية]: – حكم الصلاة في مسجد فيه قبر – في المدونة الفقهية : (قلت لابن القاسم: هل كان مالك يوسع أن يصلي الرجل وبين يديه قبر يكون سترة له؟ قال: كان مالك لا يرى بأسا بالصلاة في المقابر وهو إذا صلى في المقبرة كانت القبور أمامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره، قال: وقال مالك: لا بأس بالصلاة في المقابر، قال: وبلغني أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يصلون في المقبرة) اهـ، ([206]) .
وفي الذخيرة للقرافي [2: 95]: (وثالثها المقبرة: قال في الكتاب: لا بأس بالصلاة إلى القبر وفي المقبرة وبلغني أن أصحاب رسول الله كانوا يفعلون ذلك، قال صاحب الطراز: ومنع ابن حنبل من الصلاة إلى القبر وفي المقبرة، والمقبرة تنقسم إلى مقبرة الكفار والمسلمين وعلى التقديرين فإما أن يتيقن نبشها أو عدمه أو يشك في ذلك فهذه ستة أقسام منع أحمد والشافعي جميع ذلك، واختلف قول أحمد في صحة الصلاة فمرة حمل النهي على التعبد لا على النجاسة فحكم بالصحة، وفرق ابن حبيب بين قبور المسلمين والمشركين فمنع من قبور المشركين لأنه حفرة من حفر النار وقال: يعيد في العامرة أبدا في العمد والجهل لبقاء نبشها النجس ولا يعيد في الداثرة لذهاب نبشها وبين قبور المسلمين فلم يمنع كانت داثرة أو عامرة، قال صاحب الطراز: ويحمل قوله في الكتاب على أن المقبرة لم تنبش أما المنبوشة التي يخرج منها صديد الأموات وما في أمعائهم فلم يتكلم عليه مالك، حجتنا: أن مسجده عليه السلام كان مقبرة للمشركين فنبشها عليه السلام وجعل مسجده موضعها ولأنه عليه السلام صلى على قبور الشهداء، وهذه المسألة مبنية على تعارض الأصل والغالب فرجح مالك الأصل وغيره الغالب، حجة المخالف: ما في الترمذي نهى عليه السلام أن يصلى في سبعة مواضع في المزيلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق ومعاطن الإبل وفي الحمام وفوق ظهر بيت الله عز وجل وقال عليه السلام لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) اهـ، ([207]) .
وفي مواهب الجليل (ومن صلى وبين يديه جدار مرحاض أو قبر فلا بأس به إذا كان موضعه طاهرا، قال ابن ناجي: ظاهره وإن ظهر على الجدار نجاسة وهو كذلك لأن المعتبر محل قيام المصلي وقعوده وسجوده وموضع كفيه لا أمامه أو يمينه أو شماله انتهى) اهـ، ([208]) .
وفي حاشية الدسوقي : (قوله: وجازت بمربض بقر أو غنم ولو على القبر) أي هذا إذا صلى بين القبور بل ولو صلى فوق القبر فإن قلتَ: سيأتي أن القبر حبس لا يمشى عليه ولا ينبش والصلاة تستلزم المشي، قلتُ: يحمل كلامه على ما إذا كان القبر غير مسنم والطريق دونه فإنه يجوز المشي عليه حينئذ، (قوله: منبوشة أو لا) فيه أن المقبرة إذا نبشت صار التراب الذي نزل عليه الدم والقيح من الموتى ظاهرا على وجه الأرض فيكون قد صلى على تراب نجس فكيف يحكم بجواز الصلاة؟ وحاصل الجواب: أنه سيأتي في كلام المصنف تقييد الجواز بالأمن من النجاسة بأن يعتقد أو يظن طهارة المحل الذي يصلي عليه والمقبرة إذا نبشت يمكن أن يعتقد أو يظن طهارة ما صلى عليه وأنه من غير المنبوش أو أن الدم والصديد النازل من الموتى لم يعم التراب، أو يقال إن جواز الصلاة في المقبرة المنبوشة مبني على ما قاله مالك من ترجيح الأصل وهو الطهارة على الغالب وهو النجاسة عند تعارضهما فتأمل، (قوله: خلافا لمن قال بعدم الجواز في مقبرتهم) الذي في المواق ترجيح هذا القول فانظره اهـ.. (قوله: إن أمنت من النجس) أي بأن تحقق أو ظن طهارة الموضع الذي صلى فيه منها.. (قوله: كموضع منها) أي كأن يصلي في موضع من هذه الأمور الأربعة المقبرة والزبلة والمحجة والمجزرة منقطع عن النجاسة أي بعيد عنها) اهـ، ([209]) .
[الفرع الثالث من أقوال الشافعية]: – حكم الصلاة في مسجد فيه قبر – في الأم : روى حديث (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) ثم (قال الشافعي): وبهذا نقول ومعقول أنه كما جاء في الحديث ولو لم يبينه لأنه ليس لأحد أن يصلي على أرض نجسة لأن المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم وذلك ميتة وإن الحمام ما كان مدخولا يجري عليه البول والدم والأنجاس (قال الشافعي) والمقبرة الموضع الذي يقبر فيها العامة وذلك كما وصفت مختلطة التراب بالموتى وأما صحراء لم يقبر فيها قط قبر فيها قوم مات لهم ميت ثم لم يحرك القبر فلو صلى رجل إلي جنب ذلك القبر أو فوقه كرهته له ولم آمره يعيد لأن العلم يحيط بأن التراب طاهر لم يختلط فيه شيء وكذلك لو قبر فيه ميتان أو موتى) اهـ، ([210]) .
وقال الإمام البيهقي: (عن أنس قال: قمت يوما أصلى وبين يدي قبر لا أشعر به فنادانى عمر القبر القبر فظننت أنه يعني القمر فقال لي بعض من يليني إنما يعني القبر فتنحيت عنه وروينا عن أبي ظبيان عن بن عباس أنه كره أن يصلى إلى حش أو حمام أو قبر وكل ذلك على وجه الكراهية إذا لم يعلم في الموضع الذي تصيبه ببدنه وثيابه نجاسة لما روينا في هذا الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعلت لي الأرض طيبه طهورا ومسجدا) اهـ، ([211]) .
وقال النووي في المجموع : (حكم المسألة: إن تحقق أن المقبرة منبوشة لم تصح صلاته فيها بلا خلاف إذا لم يبسط تحته شيء، وإن تحقق عدم نبشها صحت بلا خلاف وهي مكروهة كراهة تنزيه، وإن شك في نبشها فقولان: أصحهما تصح الصلاة مع الكراهة، والثاني لا تصح، هكذا ذكر الجمهور الخلاف في المسألة الأخيرة قولين كما ذكره المصنف هنا، ممن ذكرهما قولين الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي والشيخ أبو علي البندنيجي وصاحب الشامل وخلائق من العراقيين، ومعظم الخراسانيين ونقلهما جماعة وجهين منهم المصنف في التنبيه وصاحب الحاوي قال في الحاوي: القول بالصحة هو قول ابن أبي هريرة وبالبطلان قول أبي إسحاق والصواب طريقة من قال: قولان، قال صاحب الشامل: قال في الأم: لا تصح، وقال في الإملاء: تصح واتفق الأصحاب على أن الأصح الصحة وبه قطع الجرجاني في التحرير، قال أصحابنا: ويكره أن يصلي إلى القبر هكذا قالوا يكره، ولو قيل: يحرم لحديث أبي مرثد وغيره مما سبق لم يبعد، قال صاحب التتمة: وأما الصلاة عند رأس قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوجها إليه فحرام، ([212]) .
وقال النووي في المجموع (فرع): في مذاهب العلماء في الصلاة في المقبرة: قد ذكرنا مذهبنا فيها، وأنها ثلاثة أقسام، قال ابن المنذر روينا عن علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة ولم يكرها أبو هريرة وواثلة بن الأسقع والحسن البصري وعن مالك روايتان أشهرهما لا يكره ما لم يعلم نجاستها، وقال أحمد: الصلاة فيها حرام، وفي صحتها روايتان وإن تحقق طهارتها، ونقل صاحب الحاوي عن داود أنه قال: تصح الصلاة وإن تحقق نبشها) اهـ، ([213]) .
وفي المجموع أيضا : (اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهورا بالصلاح أو غيره، لعموم الأحاديث، قال الشافعي والأصحاب: وتكره الصلاة إلى القبور، سواء كان الميت صالحا أو غيره قال الحافظ أبو موسى: قال الإمام أبو الحسن الزعفراني رحمه الله: ولا يصلى إلى قبره، ولا عنده تبركا به وإعظاما له للأحاديث والله أعلم) اهـ، ([214]) .
وفي فتح المعين للمليباري في شروط صحة النذر: (وخرج بالقربة المعصية كصوم أيام التشريق وصلاة لا سبب لها في وقت مكروه فلا ينعقدان، وكالمعصية المكروه كالصلاة عند القبر والنذر لأحد أبويه أو أولاده فقط) اه ([215]) .
وقال الحافظ في الفتح (قوله: (وما يكره من الصلاة في القبور) يتناول ما إذا وقعت الصلاة على القبر أو إلى القبر أو بين القبرين وفي ذلك حديث رواه مسلم من طريق أبي مرثد الغنوي مرفوعا: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها أو عليها) قلت: وليس هو على شرط البخاري فأشار إليه في الترجمة وأورد معه اثر عمر الدال على أن النهي عن ذلك لا يقتضي فساد الصلاة) اهـ، ([216]) .
وقال الحافظ أيضا: (استنبط من قوله في الحديث ولا تتخذوها قبورا أن القبور ليست بمحل للعبادة فتكون الصلاة فيها مكروهة … قال بن التين: تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا يصلون كأنه قال لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور، قال: فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك) اهـ، ([217]) .
[الفرع الرابع من أقوال الحنابلة]: – حكم الصلاة في مسجد فيه قبر – في المغني لابن قدامة : (اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الصلاة في هذه المواضع، فروي أن الصلاة لا تصح فيها بحال، وممن روي عنه أنه كره الصلاة في المقبرة علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر، وعن أحمد رواية أخرى أن الصلاة في هذه صحيحة ما لم تكن نجسة، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي; لقوله عليه السلام (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) وفي لفظ (فحيثما أدركتك الصلاة فصل، فإنه مسجد)، وفي لفظ (أينما أدركتك الصلاة فصل، فإنه مسجد) متفق عليها ولأنه موضع طاهر فصحت الصلاة فيه كالصحراء، وقال بعض أصحابنا: إن كان المصلي عالما بالنهي في هذه المواضع، لم تصح صلاته فيها ; لأنه عاص بصلاته فيها، والمعصية لا تكون قربة ولا طاعة، وإن لم يكن عالما فهل تصح صلاته؟ على روايتين: إحداهما: لا تصح لأنه صلى فيما لا تصح الصلاة فيه مع العلم، فلا تصح مع الجهل، كالصلاة في محل نجس، والثانية: تصح لأنه معذور) اهـ، ([218]) .
وفي المغني لابن قدامة : (فصل: قال القاضي: المنع من هذه المواضع تعبد لا لعلة معقولة، فعلى هذا يتناول النهي كل ما وقع عليه الاسم فلا فرق في المقبرة بين القديمة والحديثة، وما تقلبت أتربتها أو لم تتقلب ; لتناول الاسم لها، فإن كان في الموضع قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها لأنها لا يتناولها اسم المقبرة، وإن نقلت القبور منها، جازت الصلاة فيها; لأن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت فيه قبور المشركين، فنبشت متفق عليه، ويحتمل أن المنع في هذه المواضع معلل بأنها مظان للنجاسات، فإن المقبرة تنبش ويظهر التراب الذي فيه صديد الموتى ودماؤهم ولحومهم، ومعاطن الإبل يبال فيها.. فنهي عن الصلاة فيها لذلك وتعلق الحكم بها وإن كانت طاهرة لأن المظنة يتعلق الحكم بها وإن خفيت الحكمة فيها، ومتى أمكن تعليل الحكم تعين تعليله، وكان أولى من قهر التعبد ومرارة التحكم) اهـ، ([219]) .
وفي المغني لابن قدامة (فصل: ويكره أن يصلي إلى هذه المواضع فإن فعل صحت صلاته نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة إلى المقبرة والحمام والحش؟ قال: لا ينبغي أن يكون في القبلة قبر، ولا حش ولا حمام، فإن كان يجزئه، وقال أبو بكر: يتوجه في الإعادة قولان ; أحدهما: يعيد ; لموضع النهي، وبه أقول والثاني: يصح ; لأنه لم يصل في شيء من المواضع المنهي عنها، وقال أبو عبد الله بن حامد: إن صلى إلى المقبرة والحش فحكمه حكم المصلي فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل ; لما روى أبو مرثد الغنوي، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها)) ([220]) .وقال الأثرم: ذكر أحمد حديث أبي مرثد، ثم قال: إسناده جيد، وقال أنس: رآني عمر، وأنا أصلي إلى قبر، فجعل يشير إلي: القبر، القبر، قال القاضي: وفي هذا تنبيه على نظائره من المواضع التي نهي عن الصلاة فيها، والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة ; لأن قوله عليه الصلاة والسلام ((جعلت الأرض مسجدا)) يتناول الموضع الذي يصلي فيه من هي في قبلته، وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح لأن النهي إن كان تعبدا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه، وإن كان لمعنى مختص بها، وهو اتخاذ القبور مسجدا، والتشبه بمن يعظمها ويصلي إليها، فلا يتعداها الحكم ; لعدم وجود المعنى في غيرها.. فعلى هذا لا تصح الصلاة إلى القبور للنهي عنها، ويصح إلى غيرها لبقائها في عموم الإباحة وامتناع قياسها على ما ورد النهي فيه، والله أعلم) اهـ، ([221]) .
وفي الفروع لابن مفلح : (ويحرم إسراجها واتخاذ المسجد عليها، وبنيها ذكره بعضهم، وقال شيخنا: يتعين إزالتها لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين قال: ولا تصح الصلاة فيها على ظاهر المذهب للنهي واللعن وليس فيها خلاف لكون المدفون فيها واحدا وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد هل حدها ثلاثة أقبر أو ينهي عن الصلاة عند القبر الفذ على وجهين) اهـ، ([222]) .
وفي الإنصاف للمرداوي (الثانية: إن بنى المسجد بمقبرة: فالصلاة فيه كالصلاة في المقبرة وإن حدثت القبور بعده حوله أو في قبلته، فالصلاة فيه كالصلاة في المقبرة على ما يأتي قريبا، هذا هو الصحيح من المذهب قال في الفروع: ويتوجه تصح يعنى مطلقا، وهو ظاهر كلام جماعة، قلت: وهو الصواب، وقال الآمدي: لا فرق بين المسجد القديم والحديث، وقال في الهدى: لو وضع القبر والمسجد معا لم يجز، ولم يصح الوقف ولا صلاة، وقال ابن عقيل في الفصول: إن بنى فيها مسجد بعد أن انقلبت أرضها بالدفن: لم تجز الصلاة فيه، لأنه بنى في أرض الظاهر نجاستها، كالبقعة النجسة وإن بنى في ساحة طاهرة، وجعلت الساحة مقبرة جازت لأنه في جوار مقبرة) اهـ، ([223]) .
وفي الإنصاف للمرداوي : (قوله: (وتصح الصلاة إليها) هذا المذهب مطلقا مع الكراهة، نص عليه في رواية أبي طالب وغيره، وعليه الجمهور، وجزم به في الوجيز، والإفادات، وقدمه في الهداية، والمستوعب، والخلاصة، والتلخيص، والفروع، وابن تميم، والحاويين، والفائق، وإدراك الغاية، وغيرهم، وقيل: لا تصح إليها مطلقا، وقيل: لا تصح الصلاة إلى المقبرة فقط، واختاره المصنف، والمجد وصاحب النظم، والفائق، وقال في الفروع: وهو أظهر، وعنه لا تصح إلى المقبرة والحش، اختاره ابن حامد، والشيخ تقي الدين، وجزم به في المنور، وقيل: لا تصح إلى المقبرة، والحش، والحمام، وعنه لا يصلى إلى قبر أو حش أو حمام أو طريق، قاله ابن تميم، قال أبو بكر: فإن فعل ففي الإعادة قولان، قال القاضي: ويقاس على ذلك سائر موضع النهى إذا صلى إليها إلا الكعبة.
(تنبيه): محل الخلاف إذا لم يكن حائل فإن كان بين المصلى وبين ذلك حائل، ولو كمؤخرة الرحل صحت الصلاة على الصحيح من المذهب، وقدمه في الفروع وغيره، وجزم به في الفائق وغيره، قال في الفروع: وظاهره أنه ليس كسترة صلاة، حتى يكفي الخط، بل كسترة المتخلى، قال: ويتوجه أن مرادهم لا يضر بعدٌ كثير عرفا، كما لا أثر له في مار أمام المصلى، وعنه لا يكفي حائط المسجد، نص عليه، وجزم به المجد، وابن تميم، والناظم، وغيرهم، وقدمه في الرعايتين، والحاويين، وغيرهم، لكراهة السلف الصلاة في مسجد قبلته حش وتأول ابن عقيل النص على سراية النجاسة تحت مقام المصلى، واستحسنه صاحب التلخيص، وعن أحمد نحوه، قال ابن عقيل: يبين صحة تأويلي لو كان الحائل كآخرة الرحل: لم تبطل الصلاة بمرور الكلب، ولو كانت النجاسة في القبلة كهي تحت القدم لبطلت، لأن نجاسة الكلب آكد من نجاسة الخلاء، لغسلها بالتراب قال في الفروع: فيلزمه أن يقول بالخط هنا، ولا وجه له وعدمه يدل على الفرق، (فائدة): لو غيرت مواضع النهى بما يزيل اسمها كجعل الحمام دارا ونبش المقبرة ونحو ذلك: صحت الصلاة فيها، على الصحيح من المذهب، وحكى قولا: لا تصح الصلاة، قلت: وهو بعيد جدا) اهـ، ([224]) .
وفي الفتاوي الكبرى لابن تيمية : (ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك، وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة، لأنه لا يتناول اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولاً لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه، أي المسجد الذي قبلته إلى القبر، حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر) اهـ ([225]) .
، وفي شرح العمدة لابن تيمية (وعن ابن عمر و ابن عباس كراهة الصلاة في المقبرة وهذا أولى أن يكون صحيحا مما ذكره الخطابي عن ابن عمر أنه رخص في الصلاة في المقابر فلعل ذلك إن صح أراد به صلاة الجنازة وعن علي رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا قال من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد رواه عبد الرزاق.. وعن عبد الله بن عمرو قال: تكره الصلاة إلى حش وفي حمام وفي مقبرة، وقال إبراهيم: كانوا لا يصلون التطوع فإذا كانوا في جنازة فان حضرت صلاة مكتوبة تنحوا عن القبور فصلوا رواهما سعيد.. وهذه مقالات انتشرت ولم يعرف لها مخالف إلا ما روى عن يزيد ابن أبي مالك قال كان واثلة بن الأسقع يصلي بنا صلاة الفريضة في المقبرة غير أنه لا يستتر بقبر رواه سعيد وهذا محمول على أنه تنحى عنها بعض التنحي ولذلك قال: لا يستتر بقبر أو لم يبلغه نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة فيها فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن الصلاة إليها تنحى عنها لأنه هو راوي هذا الحديث ولم يبلغه النهي عن الصلاة فيها عمل بما بلغه دون ما يبلغه، وأما الأحاديث المشهورة في جعل الأرض مسجدا فهي عامة وهذه الأحاديث خاصة وهي تفسر تلك الأحاديث وتبين أن هذه الأمكنة لم تقصد بذلك القول العام) اهـ، ([226]) .
وفي شرح العمدة أيضا : (وأما الصلاة إلى هذه المواضع فقد نص احمد في مواضع على كراهة الصلاة إلى المقبرة والحش والحمام قال في رواية الاثرم: إذا كان المسجد بين القبور لا تصلى فيه الفريضة وإن كان بينها وبين المسجد حاجز فرخص أن يصلى فيه على الجنائز ولا يصلى فيه على غير الجنائز وذكر حديث أبي مرثد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تصلوا إلى القبور وقال إسناده جيد، وقال في رواية الميموني وقد سئل عن الصلاة إلى المقابر والحش فكرهه، وقال في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة في المقبرة والحمام والحش وكرهه وقال: لا يعجبني أن يكون في القبلة قبر ولا حش ولا حمام وإن كان يجزيه ولكن لا ينبغي، قال أبو بكر في الشافي: يتوجه من الإعادة قولان: أحدهما لا يعيد بل يكره وهذا هو المنصوص في رواية أبي طالب وهو اختيار القاضي، والثاني: يعيد لموضع النهي قال أبو بكر: وبه أقول، قال ابن عقيل: نص احمد على حش في قبلة مسجد لا تصح الصلاة فيه وكذلك قال ابن حامد: لا تصح الصلاة في المقبرة والحش ولم يذكر الحمام، وقال كثير من أصحابنا منهم الآمدي: لا تجوز الصلاة إلى القبر وصرح جماعة منهم بان التحريم والابطال مختص بالقبر، وذهبت طائفة من أصحابنا إلى جواز الصلاة إلى هذه المواضع مطلقا من غير كراهة وهو قول ضعيف جدا لا يليق بالمذهب، ومنهم من لم يكره ذلك إلا في القبر خاصة،، فأما المقبرة إذا كانت قدام حائط المسجد فقال الآمدي و غيره: لا تجوز الصلاة إلى المسجد الذي قبلته إلى المقبرة حتى يكون بين حائطه وبين المقبرة حائل آخر وذكر بعضهم أن هذا منصوص احمد لقوله المتقدم في رواية الاثرم، وقال القاضي: إذا لم يكن يعني المصلي في ارض المقبرة بل كانت المقبرة أمامه فقال شيخنا: إن كان بينه وبينها حاجز جازت الصلاة لأنه ليس يصلي فيها ولا إليها وإن لم يكن بينه وبينها حاجز لم تجز الصلاة كما لو كان في أرضها فان كان بينه وبين هذه الأشياء عدة اذرع لم تكره الصلاة على ما نص عليه في رواية المروذي) اهـ ([227]) .
[2] أدلة الجمهور: – على أن حكم الصلاة في مسجد فيه قبر أنها مكروهة والصلاة صحيحة– أدلة الجمهور هي:
1- حديث جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا: وهو الصحيحين عن جابر رضي الله عنه وله شواهد كثيرة قالوا: فهو عام وقد جاء على سبيل الامتنان فلا يصح تخصيصه، وقالوا إن النهي عن الصلاة في المقبرة الوارد في بعض الأحاديث – إن صحت – فهو للكراهة لا التحريم بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على كثير من الأموات على قبورهم وكذا صلى عند قبر أمه ركعتين حيث قال: (أخبرنا الحسين بن محمد بن أبي معشر قال حدثنا عبد الرحمن بن عمرو البجلي قال حدثنا زهير بن معاوية عن زبيد الإيامي عن محارب بن دثار عن بن بريدة عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب فصلى بنا ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام إليه عمر ففداه بالأب والأم وقال: مالك يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إني استأذنت في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي فدمعت عيني رحمة لها من النار) اه ([228]) . هـ، وقال ابن حبان : (أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع قال حدثنا أحمد بن عيسى المصري قال حدثنا بن وهب قال حدثنا بن جريج عن أيوب بن هانئ عن مسروق بن الأجدع عن بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوما فخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فجلس إليه فناجاه طويلا ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باكيا فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أقبل علينا فتلقاه عمر رضوان الله عليه وقال: ما الذي أبكاك يا رسول الله؟ فقد أبكيتنا وأفزعتنا فأخذ بيد عمر ثم أقبل علينا فقال: أفزعكم بكائي؟ قلنا: نعم فقال: إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني سألت ربي الاستغفار لها فلم يأذن لي فنزل علي (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) فأخذني ما يأخذ الولد للوالد من الرقة فذلك الذي أبكاني ألا وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة) اهـ، ([229]) .
كما حكى صلى الله عليه وآله وسلم صلاة بعض الناس عند القبور مستحسنا ففي منتخب عبد بن حميد ( حدثني بن أبي شيبة ثنا وكيع عن الربيع بن سعد عن بن سابط عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحدثوا عن بني إسرائيل فإنه كانت فيهم الأعاجيب، ثم أنشأ يحدث قال: خرجت طائفة منهم فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين فدعونا الله عز وجل يخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت، قال ففعلوا فبينا هم كذلك إذ طلع رجل رأسه من قبر بن عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم إلي فوالله لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى كان الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت) اه ([230]) .
2- أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون عند القبور: كما ورد عن فاطمة رضي الله عنها ففي المستدرك 3: 30: (عن جعفر بن محمد عن أبيه أن أباه علي بن الحسين حدثه عن أبيه: أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة بن عبد المطلب في الأيام فتصلي وتبكي عنده) اهـ، ([231]) .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، لكن قال الذهبي في التلخيص: سليمان بن داود مدني تكلم فيه، وفي موارد الظمآن (أخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت أسامة بن زيد يصلي عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرج مروان بن الحكم فقال تصلي إلى قبره فقال إني أحبه، فقال له قولا قبيحا، ثم أدبر فانصرف أسامة بن زيد فقال له: يا مروان إنك آذيتني وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله يبغض الفاحش المتفحش وإنك فاحش متفحش) اهـ ([232]) وقال المحقق اسناده صحيح، ورواه المقدسي في الأحاديث المختارة (أخبرنا عبد الله بن محمد اللفتواني بأصبهان أن الحسن بن عبد الملك الأديب أخبرهم قراءة عليه أنا عبد الرحمن بن أحمد المقرئ أنا جعفر بن عبد الله أنا محمد بن هارون نا محمد بن بشار وابن المثنى قالا نا وهب بن جرير نا أبي قال سمعت مع محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال رأيت أسامة بن زيد مضطجعا على باب حجرة عائشة رافعا عقيرته يتغنى ورأيته يصلي عند قبر النبي..) اهـ ([233]) .
وقال المحقق: اسناده حسن، وفي تاريخ الطبري : (قال أبو مخنف: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، قال: لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحة واحدة: يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا، فاغفر لنا ما مضى منا، وتب علينا أنت التواب الرحيم، وارحم حسينا وأصحابه الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، قال: فأقاموا عنده يوما وليلة يصلون عليه ويبكون ويتضرعون، فما أنفك الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه وعلى أصحابه، حتى صلوا الغداة من الغد عند قبره، وزادهم حنقا، ثم ركبوا، فأمر سليمان الناس بالمسير، فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتي قبر الحسين فيقوم عليه، فيترحم عليه، ويستغفر له قال: فو الله لرأيهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر) اهـ، ([234]) .
وفي صحيح البخاري : (باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وما يكره من الصلاة في القبور ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال القبر القبر ولم يأمره بالإعادة) اهـ، ([235]) .
قال الحافظ في الفتح: : (وقوله ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادي أنس على الصلاة ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف) اهـ، ([236]) .
وقال في الفتح أيضا : (وإيراده له هنا يحتمل أن يكون أراد أن الكراهة في الأبواب المتقدمة ليست للتحريم لعموم قوله: جعلت لي الأرض مسجدا أي كل جزء منها يصلح أن يكون مكانا للسجود أو يصلح أن يبني فيه مكان للصلاة، ويحتمل أن يكون أراد أن الكراهة فيها للتحريم وعموم حديث جابر مخصوص بها والأول أولى لأن الحديث سيق في مقام الامتنان فلا ينبغي تخصيصه، ولا يرد عليه أن الصلاة في الأرض المتنجسة لا تصح لأن التنجس وصف طارئ والاعتبار بما قبل ذلك) اهـ، ([237]) .
والصحابة رضوان الله عليهم هم أدرى بمراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الشيخ عليش في فتح العلي المالك (نقل صاحب المدخل عن ابن بطال: أن العلماء قالوا: الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة كيف تلقوها من صاحب الشريعة صلى الله عليه و سلم فإنهم أعرف بالمقال وأقعد بالحال) اهـ، ([238]) .
3- أن السلف كان يحصل ذلك منهم بلا نكير: ففي الروح لابن القيم : (قال يزيد بن هارون: أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، أن ابن ساس خرج في جنازة في يوم وعليه ثياب خفاف، فانتهى إلى قبر، قال فصليت ركعتين ثم اتكأت عليه، فوالله إن قلبي ليقظان إذ سمعت صوتا من القبر: إليك عني لا تؤذني فإنكم قوم تعملون ولا تعلمون ونحن قوم نعلم ولا نعمل، ولأن يكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من كذا وكذا، فهذا قد علم باتكاء الرجل على القبر وبصلاته، وقال ابن أبي الدنيا: حدثني الحسين بن علي العجلي، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ثابت بن سليم، حدثنا أبو قلابة قال: أقبلت من الشام إلى البصرة، فنزلت منزلا، فتطهرت، وصليت ركعتين بليل، ثم وضعت رأسي على قبر، فنمت، ثم انتبهت فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول: قد آذيتني منذ الليلة، ثم قال: إنكم تعملون ولا تعلمون، ونحن نعلم ولا نقدر على العمل، ثم قال: الركعتان اللتان ركعتهما خير من الدنيا وما فيها، ثم قال: جزى الله أهل الدنيا خيرا، أقرئهم منا السلام، فإنه يدخل علينا من دعائهم نور أمثال الجبال) اهـ، ([239]) .
وفي شعب البيهقي (أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو أنا أبو عبد الله الصفار نا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني الحسين بن علي العجلي نا عبد الله بن نمير نا مالك بن مغول عن ابن منصور عن زيد بن وهب قال:: خرجت إلى الجبانة فجلست فيها فإذا رجل قد جاء إلى قبر فسواه ثم تحول إلى مجلس فقلت له ما هذا القبر؟ قال: أخ لي مات، فقلت: أخ لك؟ فقال: أخ لي في الله رأيته فيما يرى النائم فقلت فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال: قد قلتها لأن أقدر على أن أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم قال: ألم تر حيث كانوا يدفنوني فإن فلانا قام فصلى ركعتين لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إلي من الدنيا وما فيها) اه ، وفي شعب البيهقي أيضا (أخبرنا أبو سعيد بن عمرو أنا أبو عبد الله الصفار نا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني أبو بكر التيمي نا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني حميد الطويل عن مطرف بن عبد الله الجرشي قال: شهدت جنازة ثم اعتزلت من ناحية قريبا من قبر فركعت ركعتين خففتهما لم أرض إنفاقهما قال: فنعست فرأيت صاحب القبر يكلمني فقال: ركعت ركعتين لم ترض إنفاقهما، فقلت: قد كان ذلك، قال: تعلمون ولا تعلمون ولا تستطيع أن تعمل لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها، فقلت: من هاهنا؟ فقال: كلهم مسلم وكلهم قد أصاب خيرا، فقلت: من هاهنا أفضل؟ فأشار إلى القبر فقلت في نفسي: اللهم ربنا أخرجه إلي فأكلمه قال: فخرج من قبره فتى شاب، فقلت: أنت أفضل من هاهنا؟ قال: قد قالوا ذلك، قلت: فبأي شيء نلت ذلك فوالله ما أرى لك تلك السن فأقول نلت ذلك بطول الحج والعمرة والجهاد في سبيل الله عز وجل والعمل، قال: ابتليت بالمصائب فرزقت الصبر عليها فبذلك فضلتهم) اهـ، ([240]) .
[3] [أدلة المالكية]: – على انّ حكم الصلاة في مسجد به قبر صحيحة والامر جائز لا حرمة فيه ولا كراهة – وأما أدلة المالكية فهي:
1 – حديث (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا): وضعفوا الأحاديث التي تمنع من ذلك أو قالوا هي منسوخة قال ابن عبد البر في التمهيد : عن حديث جعلت لي الأرض: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اولئك قوم اذا مات الرجل الصالح عندهم بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله، قال أبو عمر: هذا يحرم على المسلمين ان يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد وقد احتج من لم ير الصلاة في المقبرة ولم يجزها بهذا الحديث وبقوله: ان شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا في بيوتكم ولا تجعلها قبورا وهذا الاثار قد عارضها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا، وتلك فضيلة خص بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يجوز عند أهل العلم في فضائله النسخ ولا الخصوص ولا الاستثناء وذلك في غير فضائله، إذا كان أمرا أو نهيا، أو في معنى الأمر والنهي، وبهذا يستبين أن الناسخ منها هو قوله صلى الله عليه و سلم جعلت لي الأرض مسجدا طهورا) اهـ، ([241]) .
وقال في التمهيد : عن حديث إلا المقبرة والحمام: (فلو صح لكان معناه أن يكون متقدما لقوله: جعلت لي الأرض كلها مسجدا طهورا ويكون هذا القول متأخرا عنه، فيكون زيادة فيما فضله الله به صلى الله عليه وآله وسلم) اهـ، ([242]) .
ومما يقوي القول بالنسخ أن حديث جعلت لي الأرض.. كان في غزوة تبوك ففي فتح الباري (قوله: (أعطيت خمسا،،) بين في رواية عمرو بن شعيب أن ذلك كان في غزوة تبوك وهي آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) اهـ، ([243]) .
2– أن موضع مسجد النبي صلى الله عليه وآله سلم كان مقبرة للمشركين فنبشها وبنى المسجد عليها.
[3] [أدلة الحنابلة]: – على أنّ حكم الصلاة في مسجد فيه قبر أن ذلك حرام وهو الرواية الأخرى عند الحنابلة وعليها المذهب، وفي صحة الصلاة عندهم روايتان والأصح عدم الصحة – أدلة الحنابلة هي:
1 – حديث إلا المقبرة والحمام: ففي سنن الترمذي (عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)، ([244]) .
لكن هذا الحديث فيه كلام قال أبو عيسى الترمذي بعد روايته: (وفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وجابر وبن عباس وحذيفة وأنس وأبي أمامة وأبي ذر قالوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين منهم من ذكره عن أبي سعيد ومنهم من لم يذكره وهذا حديث فيه اضطراب) اهـ، ([245]) .
وفي مسند الدارمي (عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، قيل لأبي محمد [الدارمي]: تجزئ الصلاة في المقبرة؟ قال: إذا لم تكن على القبر فنعم وقال: الحديث كلهم أرسلوه) اهـ، ([246]) .
وقد ذكر الحافظ في التلخيص :طائفة ممن تكلموا في الحديث وهم: الدارقطني في العلل فقال: المرسل المحفوظ، وقال الشافعي: وجدته عندي عن بن عيينة موصولا ومرسلا، ورجح البيهقي المرسل أيضا، وقال النووي في الخلاصة: هو ضعيف، وأفحش بن دحية فقال في كتاب التنوير له: هذا لا يصح من طريق من الطرق، وقال ابن عبد البر في التمهيد : وفي إسناد هذا الخبر من الضعف ما يمنع الاحتجاج به، ([247]) .
2- حديث نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يصلي في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله) ([248]) .
قال الترمذي بعد إخراجه: حديث ابن عمر ليس بذلك القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وقال الزيلعي في نصب الراية : اتفق الناس على ضعفه، وقال ابن عبد البر في التمهيد : (الحديث منكر، لا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله) اهـ، ([249]) .
3- حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (نهاني حبّي صلى الله عليه و سلم أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة) ([250]) .
قال ابن عبد البر: هذا إسناد ضعيف مجمع على ضعفه، وهو مع هذا منقطع غير متصل بعلي رضي الله عنه، وقال العيني: قال ابن القطان: هو حديث واه وقال البيهقي في المعرفة: إسناده غير قوي، وقال الخطابي رحمه الله: في إسناد هذا الحديث مقال.. وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو قوله صلى الله عليه و سلم: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) اهـ ([251]) .
4- أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد فمنها: عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: في مرضه الذي مات فيه لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا قالت ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مساجد) ([252]) .
5- حديث ولا تصلوا إليها: فعن أبي مرثد الغنوي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) ([253]) .
6- حديث لا تجعلوا بويتكم قبورا: فعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) ([254]) .
هذا هو آخر المطاف والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين] أهــ [انتهى من مبحث: حكم الصلاة في المقبرة وفي مسجد فيه قبر دراسة فقهية مقارنة على المذاهب الفقهية الأربعة للشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي]،
[خاتمة المبحث]: ليس المقصد من المبحث الترجيح بين من رأى جواز الصلاة دونما كراهة في المساجد التي بها قبور بعض الصالحين كالمالكية، أو الكراهة كالشافعية والأحناف ورواية عن الحنابلة أو التحريم كرواية أخرى عند الحنابلة، وإنما المقصد هو اثبات أنّ هذا المبحث يتعلق بعلم الفقه والاختلاف في الفروع لا علم العقيدة والتوحيد، وقد ذكرت في مقدمة المبحث أن المعنى المقصود من اتخاذ القبور مساجد له ثلاث احتمالات (الأول): الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها، و(الثاني): السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء، و(الثالث): بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها، وأنّه ها هنا يأتي دور الفقيه لتحديد المعنى المقصود من النهي في الأحاديث، والفقهاء على أنّ (علة النهي): في الاحاديث الواردة في الباب هي: (اتخذوا قُبُورَ أنبيائِهِمْ مَسَاجِد)، وانه لا شك بأن المعنى الأول والمعنى الثاني داخل في النهي، فلا يجوز اتخاذها مساجد بمعنى السجود عليها أو استقبالها والسجود إليها، فكلا الامرين داخل في النهي، أما (المعنى الثالث): بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها فليس هو المقصود من النهي، ولو نظرنا إلى كتاب الله وسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وإلى عمل المسلمين على مر العصور وجدنا أن النهي لا يدخل فيه المعنى الثالث أبدا، فمما جاء في كتاب الله تعالى مما يُخالف المعنى الثالث، قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21]، قال الفقهاء فقد ذكر الله تعالى عنهم بناء المسجد على قبورهم، ولم يعقب القرآن الكريم على فعلهم ولو كان شركا كما يظن البعض لما سكت عنه القرآن، ولو كان كبيرة لنوه إلى ذلك القرآن الكريم لأنّه بالأساس كتاب تشريع وهدى وبيان ولم يأت لغرض الإخبار فقط عن حالهم، وهذا أمر يتنزه القرآن عنه أن يسرد واقعة فيها شرك أو كبيرة من الكبائر ثم لا يُشير إليها ولا يعقب عليها.
ولو نظرنا إلى قبر النبي صلى الله عليه و سلم في مسجده الشريف ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه صلى الله عليه و سلم في مسجده، وكذلك صلاة النبي صلى الله عليه و سلم في مسجد الخيف مع أن فيه قبر سبعين نبيا كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وأيضا ما ذكر في بعض الآثار أن قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى المصلى فيه، وعلى مر عصور الإسلام كان المسلمون إذا مات العالم أو الصالح دفنوه في المسجد، ولهذا فإنّ أقصى ما وصل إليه الفقهاء في المسألة (بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها): هو كراهة بناء المساجد على المقابر، عدا المذهب المالكي فإنّه لا يرى الكراهة ولكن يرى الجواز بلا كراهة، ورواية عن الإمام أحمد بحرمة ذلك، وهذه المسألة إذا بُني المسجد على القبر، ولكن إن دُفن الصالح في المسجد فلم يقل أحد من الفقهاء المعتبرين ببطلان الصلاة في تلك المساجد، والأمر كما ترى خلاف فقهي في مسائل لا تبلغ حد التحريم، فمن الخلل الجسيم ادراجها ضمن مباحث التوحيد، ومما يهون الخلاف في المسألة أنّه على مر عصور الإسلام كان المسلمون إذا مات العالم أو الصالح دفنوه في المسجد، ولذلك فإنّ أقصى ما وصل إليه الفقهاء في المسألة هو كراهة بناء المساجد على المقابر، عدا المذهب المالكي فإنّه لا يرى الكراهة ولكن يرى الجواز بلا كراهة، وهناك رواية عن الإمام أحمد بحرمة ذلك، وهذه المسألة إذا بُني المسجد على القبر، ولكن إن دُفن الصالح في المسجد فلم يقل أحد من الفقهاء المعتبرين ببطلان الصلاة في تلك المساجد، والأمر كما ترى خلاف فقهي في مسائل لا تبلغ حد التحريم، فمن الخلل الجسيم ادراجها ضمن مباحث التوحيد.
المبحث الخامس مفاتيح تحقيق القول في الزيارة وشد الرحال
[المفتاح الأول]: بيان حرص المسلمين على زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بألف صلاة، ومع ذلك نجد سواد المسلمين الاعظم، وعلى مر عصور الإسلام، يتوجهون إلى المدينة المنورة وقد تركوا ثواب صلاة بمائة ألف صلاة في مكة المكرمة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله))، ([255]) .
وشدوا رحالهم إلى المدينة المنورة، والتي الصلاة بها بألف صلاة، وما ذاك إلا لزيارة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه أجرها على الله الكريم الوهاب، لأنها دليل على تعلق المسلم بحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جاء في الحديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)) ([256]) .
[المفتاح الثاني]: بيان فضل البقعة الشريفة التي حوت ذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الخلق أجمعين، قال الإمام النووي رحمه الله في حديث مسلم ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ)) ([257]) . قال رحمه الله: (وهذا الحديث دليل لتفضيله صلى الله عليه وآله وسلم على الخلق كلهم، لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين – يعني المؤمنين منهم – أفضل من الملائكة، وهو صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الآدميين وغيرهم) أهـ ([258]) .
وبذلك شرفت البقعة الطاهرة (القبر) الذي به جسده الطاهر، وقد نقل القاضي عياض رحمه الله تعالى إجماع الجمهور أن البقعة التي دفن فيها المصطفى أفضل بقاع الأرض، قال القاضي عياض (ولا خلاف أن موضع قبره أفضل البقاع)، ([259]) .
وقال الشيخ الخفَّاجي (قال القاضي عياض اليحصبي في كتابه الشفا: ولا خلاف أن موضع قبره صلى الله عليه وآله وسلم أفضل بقاع الأرض، بل أفضل من السموات والعرش والكعبة كما نقله السبكي رحمة الله)، اهـ ([260]) .
وقال الإمام النفراوي في الفواكه الدواني ((قال ابن عبد السلام: والتفضيل مبني على كثرة الثواب المترتب على العمل فيهما، والخلاف المذكور بين الأئمة في غير قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لقيام الإجماع على أفضليته على سائر بقاع الأرض والسموات وعلى الكعبة وعلى العرش كما نقله السبكي لضمه أجزاء المصطفى الذي هو أفضل الخلق على الإطلاق، ولعل معنى فضل القبر على غيره أنه أعظم حرمة من غيره، لا لما قاله ابن عبد السلام في تفضيل المساجد على بعضها فافهم)، أهـ، ([261]) .
وقال المناوي في شرحه المسمَّى فيض القدير (والخلاف فيما عدا الكعبة فهي أفضل من المدينة اتفاقا خلا البقعة التي ضمت أعضاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهي أفضل حتى من الكعبة كما حكى عياض الإجماع عليه) اهـ ([262]) .
وقال الإمام الحصفكي الحنفي في الدر المختار، وهذا الكتاب من أشهر كتب الحنفية يقول صاحبه (لا حرم للمدينة عندنا ومكة أفضل منها على الراجح إلا ما ضم أعضاءه عليه الصلاة والسلام فإنه أفضل مطلقا حتى من الكعبة والعرش والكرسي، وزيارة قبره مندوبة، بل قيل واجبة لمن له سعة) ([263]) .
وقال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي في شرحه على مختصر الخليل (ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضمه صلى الله عليه وآله وسلم فإنه أفضل من الكعبة والسماء والعرش والكرسي واللوح والقلم والبيت المعمور) ([264]) .
وقال الإمام السخاوي في التحفة اللطيفة: (مع الإجماع على أفضلية البقعة التي ضمته صلى الله عليه وآله وسلم، حتى على الكعبة المفضلة على أصل المدينة، بل على العرش، فيما صرح به ابن عقيل من الحنابلة، ولا شك أن مواضع الأنبياء وأرواحهم أشرف مما سواها من الأرض والسماء، والقبر الشريف أفضلها، لما تتنزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، التي لا يعملها إلا مانحها، ولساكنه عند الله من المحبة والاصطفاء ما تقصر العقول عن إدراكه) اهـ ([265]) .
وقال ملا علي القاري الحنفي في المسلك المتقسط في المنسك المتوسط (قال الجمهور: فما ضمّ أعضاءه الشريفة فهو أفضل بقاع الأرض بالإجماع حتى من الكعبة ومن العرش) أهـ ([266]) .
وقال الإمام البهوتي: (الكعبة أفضل من مجرد الحجرة فأما والنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها فلا والله ولا العرش وحملته والجنة، لأن بالحجرة جسدا لو وزن به لرجح) ([267]) .
وقال الإمام ابن عابدين الحَنَفِي في رد المحتار علي الدر المختار: (الكعبة أفضل من المدينة ما عدا الضريح الأقدس وكذا الضريح أفضل من المسجد الحرام، وقد نقل القاضي عياض وغيره الإجماع على تفضيله حتى على الكعبة، وأن الخلاف فيما عداه، ونقل عن ابن عقيل الحنبلي أن تلك البقعة أفضل من العرش، وقد وافقه السادة البكريون على ذلك، وقد صرح التاج الفاكهي بتفضيل الأرض على السموات لحلوله صلى الله عليه وآله وسلم بها، وحكاه بعضهم على الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها ([268]) .
وقال النووي: الجمهور على تفضيل السماء على الأرض، فينبغي أن يستثنى منها مواضع ضم أعضاء الأنبياء للجمع بين أقوال العلماء) اهـ ([269]) .
[وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج (إلا التربة التي ضمت أعضاءه الكريمة صلى الله عليه وآله وسلم فهي أفضل إجماعا حتى من العرش) اهـ، ([270]) .وفي حاشية البجيرمي على الخطيب : قال الرملي في شرحه: التربة التي ضمت أعضاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من جميع ما مر حتى من العرش] أهـ، ([271]) .
فيستفاد من أقوال العلماء السابقة أن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الخلق كلهم، وبذلك شرفت البقعة الطاهرة التي بها جسده الطاهر و التربة التي ضمت أعضاءه.
[المفتاح الثالث]: بيان أنه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم): حديث ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) ([272]) . حديث صحيح كثر اللغط حوله بسبب سوء الفهم في المقصود من النهي، وما هو المعنى الصحيح المراد منه، أما المعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضلها فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد، وهي المذكورة في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى، أما سوء الفهم في بيان المراد من الحديث هو ظن التيميون والوهابيون أن المراد من الحديث هو النهي عن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بحجة أنه شد للرحال لذلك، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم، لا شيء فيها، بل جميع اهل العلم على مر عصور الإسلام، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد، كما أن شد الرحال للتجارة جائز كما قال تعالى: {وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: 20]، وشد الرحال للسفر والاستمتاع جائز، وشد الرحال لزيارة الإخوان في الله تعالى جائز، فهل كل ذلك جائز، وشد الرحال لزيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم غير جائز، اللهم غفرانك.
[المفتاح الرابع]: بيان خطأ الإمام ابن تيمية في فتواه بحرمة شد الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وآله وسلم: لأنه لا علاقة لحديث شد الرحال الذي استدل به ابن تيمية على عدم جواز السفر لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وزيارة المقابر كلها مسنونة، فكيف بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أمّا حديث ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) فالمعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضل الصلاة فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد، وهي المذكورة في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها، على أنّه لم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات، والجمهور على ندبها، وقال بعض المالكية: إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله في هذه المسألة هو ابن تيمية، ومن العجيب أنّ لازم كلام ابن تيمية هو تحريم السفر لطلب العلم وصلة الرحم وزيارة الاخوان في الله والسفر للتجارة … إلخ، لأنّ حديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة حسب فهمه يدخل فيه كل ذلك، وهذا لم يقل به أحد من الأمة أبدا، ولهذا توالت ردود العلماء عليه،، قال الحافظ ابن حجر في “الفتح” (والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شدِّ الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال الحافظ: وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية) أهــ، ([273]) . وقال الحافظ أبو زرعة العراقي في بعض أجوبته المسماة (الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية (وما أبشع مسألتي ابن تيمية في الطلاق والزيارة، وقد رد عليه فيهما معاً الشيخ تقي الدين السبكي وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد وأحسن ” اهـ، ([274]) .
وقال أيضاً في طرح التثريب (: وللشيخ تقي الدين ابن تيمية هنا كلام بشع عجيب يتضمن منع شد الرحل للزيارة، وأنه ليس من القرب، بل بضد ذلك، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في شفاء السِّقام فشفى صدور قوم مؤمنين اهـ، ([275]) .
[المفتاح الخامس]: الاستثناء المذكور في الحديث استثناء مفرغٌ، ولا بدَّ من تقدير المستثنى منه، وهو إما أن يُحمَل على عمومه فيكون التقدير: (لا تشدُ الرحالُ إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة)، وهذا باطل لأنه يستلزم تعطيل السفر مطلقاً إلا للمساجد الثلاثة، أو أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فيكون المعنى: (لا تشد الرحال -بخصوص المساجد- إلا إلى المساجد الثلاثة)، وذلك لأفضلية تلك المساجد الثلاث ومزيتها على غيرها، فالأجر فيها مضاعف عن سائر المساجد، ومن الخطأ أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كما في المثال الخاطئ (جاء القوم إلا حماراً)، لأن الحمار لم يدخل في القوم، أو (له عندي مائة درهم إلا ديناراً) فلا يصح المعنى، والخلاصة أنّه لابد من كون المستثنى أن يكون من جنس المستثنى منه.
[المفتاح السادس]: الادلة على استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم: [أولا] قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً}، هذه الآية عامة تشمل حالتيْ الحياة وبعد الانتقال إلى الرفيق الأعلى، ومن أراد تخصيصها بحال الحياة فقط، يلزمه الدليل، لأن الفعل في سياق الشرط يفيد العموم، وعلى ذلك فإنّ الآية عامة تشمل حالة الحياة وحالة الوفاة وتخصيصها بأحدهما يحتاج إلى دليل، ولا دليل، لأنّ القاعدة المقررة في الأصول أن الفعل إذا وقع في سياق الشرط كان عاماً، ولأنّ الفعل في معنى النكرة لتضمنه مصدراً منكراً، والنكرة الواقعة في سياق النفي أو الشرط تكون أعلى درجات للعموم، فالآية الشريفة عامة ويؤيد عمومها ما رواه البزار عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (حياتي خير لكم، تحدثون ونحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ([276]) . وقد ضعفه بعض اهل العلم، ولكن حتى الضعيف ما لم يكن شديد الضعف يؤخذ به في فضائل الاعمال، واما اعتراض بعضهم على أنّ (إذ) في الآية تفيد الفعل الماضي، فيقتصر على ما مضي فباطل لأنه لو كان كذلك لما صلح أن يأتي أحد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا في حياته بعد نزول الآية ولا بعد مماته، ولم يقل بذلك أحد ممن ينتسب إلى العلم، أضف إلى ذلك أنّ (إذ) كما تستعمل في الماضي فتستعمل في المستقبل أيضاً، ومنه قوله تعالى: {ولو ترى إذ وُقِفُوا عَلَى النَّار} [الأنعام الآية 27}، وقوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} [الأنعام الآية 30]، وقوله تعالى: {{ولو ترى إذ الظالمون في غمرات} [الأنعام الآية 93]، وقوله تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم} [السجدة الآية 12]،وزعم بعضهم أنّ استغفار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر متعذر لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث اهـ، فخطأ، لأنّه قد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) ([277]) .وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مررت على موسى وهو قائم يصلي في قبره) ، وإذا كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فما بالنا بالأنبياء، وما بالنا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خير الأنبياء وسيد المرسلين، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد صلى إماماً بالأنبياء عليهم السلام في الإسراء، وكانوا قد ماتوا جميعاً، وراجعه موسى عليه السلام في الصلوات، ورأى جملة من الأنبياء في السموات، فمن كان هذا حاله فكيف يتعذر عليه الاستغفار؟ والصلاة دعاءٌ، واستغفارٌ، وتضرعٌ، وكذلك فإنّ استغفار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حاصل لجميع المؤمنين سواء من أدرك حياته أو من لم يدركها كما في قوله تعالى: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}، ولهذا فإنّ المجئ إلى مسجده صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ثم الاستغفار، مع يقيننا باستغفار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين، في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ولذلك فهم الفقهاء والمفسرون والمحدثون من الآية العموم واستحبوا لمن جاء إلى القبر الشريف أن يقرأ هذه الآية: {وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً}، ويستغفر الله تعالى، وهذه التفاسير بين أيدينا والمناسك التي صنفها علماء المذاهب كذلك وكلها تظهر صدق دعوى الاستدلال بالآية، قال ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني ( في صفة زيارة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ما نصُّه: (ثم تأتي القبر فتولِّ ظهرك وتستقبل وسطه وتقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه … إلى أن قال بعد الثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إنك قلت وقولك الحق: {وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً}} وقد اتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربِّي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم اجعله أول الشافعين، وأنجح السائلين، وأكرم الآخرين والأولين، برحمتك يا أرحم الراحمين، ثم يدعو لوالديه ولإخوانه المسلمين أجمعين، ([278]) . انتهى باختصار.
[ثانيا] قوله صلى الله عليه وآله وسلم: وردت في ذلك احاديث عدة، منها ما أخرجه أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكرة الآخرة) ([279]) .
وقبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى القبور بالزيارة، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) ([280]) .
قال القاضي عياض، في الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: ((زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم سنَّة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها) اهـ ([281]) .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ((واحتج أيضاً من قال بالمشروعية بأنه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحج في جميع الأزمان على تباين الديار، واختلاف المذاهب الوصول إلى المدينة المشرفة لقصد زيارته، ويعدون ذلك من أفضل الأعمال فكان إجماعاً))، اهـ، ([282]) .
وقال العلامة أبو الحسنات محمد عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي في ” إبراز الغي الواقع في شفاء العيّ “: ((وأما نفس زيارة القبر النبوي فلم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات، واختلفوا في ندبها ووجوبها، فقال كثير منهم بأنها مندوبة، وقال بعض المالكية والظاهرية: إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله هو ابن تيمية)) اهـ، ([283]) .
[ثالثاَ]: من أقوال العلماء في استحباب السفر لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (واعلم أن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهم القربات، وأنجح المساعي، فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحباباً متأكداً أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم، وينوي الزائر من الزيارة التقرب وشد الرحل إليه والصلاة فيه) اهـ ([284]) .
وقال أيضاً في الإيضاح في مناسك الحج: (إذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزيارة تربته صلى الله عليه وآله وسلم فإنها من أهم القربات وأنجح المساعي، وقد روى البزَّار والدار قطني بإسنادهما عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) اهـ ([285]) .
وقال الإمام ابنُ حجر الهيثمي في حاشية الإيضاح: (الحديث يشمل زيارته صلى الله عليه وآله وسلم حياً وميتاً، ويشمل الذكر والأنثى، الآتي من قرب ومن بعد، فيستدل به على فضيلة شد الرحال لذلك، وندب السفر للزيارة إذ للوسائل حكم المقاصد)، اهـ ([286]) .
وقال الكمال ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير: (المقصد الثالث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قال مشايخنا رحمهم الله تعالى: من أفضل المندوبات، وفي مناسك الفارس وشرح المختار: إنها قريبة من الوجوب لمن له سعة) اهـ ([287]) .
وفي رد المختار على الدر المختار: (“قوله مندوبة”: أي بإجماع المسلمين كما في اللباب، قوله: ((بل قيل واجبة)) ذكره في شرح اللباب، وقال كما بينته في ” الدرة النبوية في الزيارة المصطفوية “، ([288]) .
وقال القاضي عياض في الشفا (فصل في حكم زيارة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وفضيلة من زاره وسلَّم عليه، وكيف يسلم ويدعو وزيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم سنَّة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلةً مرغب فيها، اهـ، ([289]) .
وقال أبو محمد بن قدامة المقدسي: (ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي))، وفي رواية ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) رواه باللفظ الأول سعيد سنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قُسَيْط عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من أحد يسلم علىَّ عند قبري إلا رد الله علىَّ روحي حتي أرد عليه السلام)، .. ويروى عن العتبي قال: كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً}، وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول: (يا خير من دُفنت بالقاع أعظمه.. فطاب من طيبهنَّ القاع والأكم.. نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه.. فيه العفاف وفيه الجود والكرم)، ثم انصرف الأعرابي فحملتني عيني فنمت فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم، فقال: يا عتبى ألحَقْ الأعرابيَّ فبشره أنَّ الله غفر له، اهـ ([290]) وقال أبو الفرج ابن قدامة الحنبلي في الشرح الكبير: ((مسألة)): ” إذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما”، تستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)، وفي رواية: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) رواه باللفظ الأول سعيد، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قُسيط عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من أحد يسلم على عند قبري إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام)، ([291]) .
ثم ذكر قصة العتبي التي تقدمت.
(وقال الشيخ منصور البهوتي في كشَّاف القناع: ((فصل)): وإذا فرغ من الحج استحب له زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لحديث الدارقطني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)، وفي رواية: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) رواه باللفظ الأول سعيد، (تنبيه): قال بن نصر الله: لازم استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم استحباب شد الرحال إليها لأنَّ زيارته للحاج بعد حجة لا تمكن بدون شد الرحال، فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم))، اهـ ([292]) .
وفي متن المقنع: (إذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزيارة قبر صاحبيه رضي الله عنهما) أهـ ([293]) .
وقال أبو الحسن المرداوي في الإنصاف (قوله إذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه”، هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة ً متقدمهم ومتأخرهم)، اهـ، ([294]) .
وفي زاد المستقنع مختصر المقنع: (ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقبر صاحبيه رضي الله عنهما))، اهـ ([295]) .
[رابعاَ] المبحث الرابع: موقف الفقهاء من الزيارة: وقد اتفق جمهور العلماء والفقهاء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم على استحباب زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام وفي مقدمتهم الحنابلة، وسنبين هنا توجهات فقهاء الأمة في هذا الشأن من المذاهب الأربعة،
[أولا: موقف الحنابلة من الزيارة]: نقل المرداوي الحنبلي في الإنصاف اتفاق الحنابلة على الاستحباب فقال «قوله فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة متقدمهم ومتأخرهم »، ([296]) .
وقال ابن قدامة في المغني: « (فصل) ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي» وفي رواية: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» رواه باللفظ الأول سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام» ([297]) .
ثم ذكر قصة العتبي مستشهدا بها، وكتب الفقهاء الحنابلة كلها تنص على استحباب الزيارة لقبره الشريف صلى الله عليه وآله وسلم انظر: عمدة الفقه لابن قدامة أيضا وأخصر المختصرات لمحمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي والروض المربع لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتي شرح منتهى الإرادات وله أيضا، مطالب أولي النهى لمصطفى السيوطي الرحيباني ومنار السبيل لإبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان والفروع لمحمد بن مفلح المقدسي أبو عبد الله و المبدع لإبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح الحنبلي أبو إسحاق ودليل الطالب لمرعي بن يوسف الحنبلي، وزاد المستقنع لموسى بن أحمد بن سالم المقدسي الحنبلي أبو النجا و كشف المخدرات لعبد الرحمن بن عبد الله البعلي الحنبلي وغيرها.
وحتى من يرى كراهة زيارة المرأة للقبور من الحنابلة فإنه استثنى من ذلك زيارتها لقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه قال صاحب كتاب المبدع بعد أن ذكر الخلاف في زيارة المرأة للقبور (ويستثنى منه زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما)، وهذا متفق عليه عند الفقهاء الحنابلة فارجع إلى كتبهم التي بينا مواضع هذه المسألة فيها سلفا، وأما فهمهم لحديث (لا تشد الرحال) فهو يتبين في النقولات التالية: قال الشيخ الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني: «وأما قوله عليه السلام (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، فيحمل على نفي التفضيل لا على التحريم، وليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر، فلا يضر انتفاؤها » ([298]) . ومثله لأبي الفرج ابن قدامة في الشرح الكبير
ففي المغني لابن قدامة: «(فصل) فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد متفق عليه والصحيح إباحته وجواز القصر فيه لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأتي قباء راكبا وماشيا وكان يزور القبور وقال زوروها فإنها تذكركم الآخرة وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فيحمل على نفي التفضيل لا على التحريم» وفي المغني: «ولا يتعين شيء من المساجد بنذره الاعتكاف فيه إلا المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسجد الأقصى لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا([299]) .
[ثانيا موقف الشافعية من الزيارة]: قال الإمام النووي في المجموع: «واعلم أن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهم القربات وأنجح المساعي فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحبابا متأكدا أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم وينوي الزائر من الزيارة التقرب وشد الرحل إليه والصلاة فيه » ([300]) .
وفي مغني المحتاج: «(و) تسن (زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) لقوله صلى الله عليه وآله وسلم من زار قبري وجبت له شفاعتي رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ومفهومه أنها جائزة لغير زائره »[ ([301]) .
وفي أسنى المطالب في شرح روض الطالب: «ومن نذر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لزمه الوفاء به لأن زيارة قبره من القرب المطلوبة» ([302]) .
واتفاق فقهاء الشافعية على سنية زيارة القبر الشريف أمر مشهور معلوم لا يحتاج إلى طول شرح وتبيين، وكذلك فهمهم لحديث (لا تشد الرحال)، ففي الوسيط «إذا نذر إتيان مسجد سوى المسجد الحرام والمدينة وبيت المقدس لم يلزمه شيء قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد إيلياء) أي المسجد الأقصى وهذا لا يوجب تحريما وكراهية في شد الرحال إلى غيره على الصحيح بل بين أن القربة في هذا فقط» ([303]) .
[ثالثا: موقف المالكية من الزيارة]: قال الإمام في الخلاصة الفقهية للقروي: « تُندب زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهي من أعظم القربات» ([304]) .
وفي الذخيرة للقرافي: «وزيارة النبي من السنة المتأكدة » ([305]) .
واتفاق فقهاء المالكية على سنية زيارة القبر الشريف المؤكدة أمر مشهور معلوم لا يحتاج إلى طول شرح وتبيين، وكذلك فهمهم لحديث (لا تشد الرحال)، ففي منح الجليل: «وحديث لا تعمل المطي مخصوص بالصلاة قاله ابن عبد البر وكذا خبر لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد لا دليل فيه على منع الزيارة إذ المستثنى منه محذوف أي المسجد بدليل أن المستثنى مساجد والأصل فيه الاتصال » ([306]) .
[رابعا: موقف الأحناف من الزيارة]: قال الإمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد في شرح فتح القدير: «المقصد الثالث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال مشايخنا رحمهم الله تعالى من أفضل المندوبات وفي مناسك الفارسي وشرح المختار أنها قريبة من الوجوب لمن له سعة» ([307]) .
وفي نور الإيضاح لحسن الوفائي الشرنبلالي: «لما كانت زيارة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أفضل القرب وأحسن المستحبات بل تقرب من درجة ما لزم من الواجبات فإنه صلى الله عليه وآله وسلم حرض عليها وبالغ في الندب اليها فقال من وجد سعة ولم يزرني فقد جفاني»[ ([308]) .
وفي مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: «ومن أحسن المندوبات بل يقرب من درجة الواجبات زيارة قبر نبينا وسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد حرض عليه السلام على زيارته وبالغ في الندب إليها» ([309]) .
[واتفاق فقهاء الأحناف على سنية زيارة القبر الشريف أو وجوبها أمر مشهور معلوم لا يحتاج إلى طول شرح وتبيين، وكذلك فهمهم لحديث (لا تشد الرحال)، ففي حاشية ابن عابدين: «وفي الحديث المتفق عليه: «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» والمعنى كما أفاده في الإحياء أنه لا تشد الرحال لمسجد من المساجد إلا لهذه الثلاثة لما فيها من المضاعفة بخلاف بقية المساجد فإنها متساوية في ذلك فلا يرد أنه قد تشد الرحال لغير ذلك كصلة رحم وتعلم علم وزيارة المشاهد كقبر النبي وقبر الخليل عليه السلام وسائر الأئمة» ([310]) .[خاتمة]: ولازم استحباب زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم استحباب شد الرحال إليها، لأن زيارته للحاج بعد حجه لا تمكن بدون شد الرحل، فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم، وقد درج علماء الإسلام (وفي مقدمتهم الحنابلة) على هذا الفهم واتفقوا على جواز شد الرحال واستحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى أن جاء ابن تيمية في القرن الثامن وخالف عامة المسلمين، وقال لا تستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولنوكل مهمة الرد على ابن تيمية إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي قال في الفتح عند الكلام على حديث (لا تشد الرحال): «والحاصل أنهم الزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل الى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنكرنا صورة ذلك، وفي شرح ذلك من الطرفين طول، وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية!» .
والحاصل أن الحديث إن حمل على عمومه وفق مراد ابن تيمية، فهو لا يرِد على الزيارة مطلقاً، لأن المسافر للزيارة مسافر لساكن البقعة كالعالم والقريب وهذا جائز إجماعاً، وقد نقلنا إجماع المسلمين على مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مختلف الأزمنة، وأنه لم يخالف في ذلك غير ابن تيمية ومن تبعه، فهل من الحكمة أن نأخذ بقوله وفهمه للمسألة، وندع إجماع أئمة المسلمين في عصور ما قبل ابن تيمية؟ مع أن إجماعهم في عصر واحد حجة ملزمة!! فضلا عن أقوال أكثر أئمة المسلمين بعد عصر ابن تيمية، ومقتضى الحمل على الأحسن أن نقول: إن المسألة اجتهادية فلابن تيمية ومن تبعه في اجتهاده أن يعملوا بما يرونه من عدم استحباب الزيارة وحرمة شد الرحال، ولغيرهم أن يعمل بما هو خلاف ذلك، فليكن الأمر على الأقل محل خلاف فقهي يدع كل ذي رأي فيه لصاحب الرأي الآخر قوله ولكل مجتهد نصيب، والله الهادي إلى الصراط المستقيم، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين [رسالة: كلمة هادئة في الزيارة وشد الرحال للدكتور عمر كامل].
[المفتاح السابع]: تعليق أخير في تلك المسألة أختم به مبحثنا عن الزيارة النبوية الشريفة: وهو أنه لولا تسرع ابن تيمية وتعجله في فهم حديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) لما تكلفنا عناء هذا السجال الطويل، فإنّ أول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله في هذه المسألة هو ابن تيمية، وتلقف القول الشيخ النجدي واتباعه الوهابيون وهم كما نعلم مغرمون بكل شاذ غريب يضيع الجهود ويبعثر العلم ويشتت الامة، وهذا ديدنهم في كل المفردات التي يأكلون عليها ويشربون وكلها مفردات حشو وخلل وخطل وخبال وجهل مركب يأخذ الامة بعيدا عن أهدافها التي خلقت من اجلها، وكم من مسألة نشاذ تتبعوها لإلهاء الامة عن المحكمات إلى المتشابهات، وقد قال تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7 و 8]، فكم من متشابه تتبعوه، وكم من فتنة ادخلوها على الامة، وقد اعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بما يكون في نجد من فتنة هؤلاء، فأبى أن يدعو لها بالبركة، كما في حديث البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قَال: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)) وأخرج البخاريُ ومسلم عن عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ ((الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلاَ إِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)) ([311]) .وأخرج البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الفتنة من قبل المشرق) من طريق معمر عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قام على المنبر فقال: ((الفتنة ههنا، الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال قرن الشمس)) ([312]) . وأخرج البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الفتنة من قبل المشرق) ، ومسلم في كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان.
ومن نظر إلى الخريطة وجد أنّ نجد تقع تماما في جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا يفند زعم بعض المغرضين والمنتفعين والكذابين: أنّ نجد المقصودة هي منطقة بالعراق، وآخرون أنّها منطقة بالشام، وكلامهم يفتقد إلى أدنى التحقيق والإنصاف، وذلك لأنّ نَجد الحِجاز كانت أرض الفَدّادين رِعاءِ الإبِل، والعراق كانت أرض زراعة وصناعة وتجارة وما كانت آنذاك أرضًا لرِعاء الإبل، كما أنّ “نجد” الحجاز هي بلاد ربيعة ومضر وليس نجد العِراق أو الشام ثم نحن لا نعلم نجدا معروفا إذا أطلق لفظ ” نجد ” سوى نجد الحجاز، والتي ظهر منها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأتباعه من علماء الدعوة النجدية، التي ينتسبون إليها، وليس القصد من ذلك التجريح في اهل نجد.
ولكن المقصود الحذر ثم الحذر مما ينفرد به (الشيخ النجدي) ومن يتسمون بـ (علماء الدعوة النجدية) من علوم الدين لأنه آنذاك يكون يقينا من الباطل الذي نفخ فيه الشيطان بقرنه، لأن الأحاديث دلت على التحذير من هذه المنطقة ومما يخرج منها من الضلال الذي يُخالف ما عليه عامة أهل السنة والجماعة من علوم الدين، فالحذر الحذر من مفاهيم هؤلاء المغلوطة المعكوسة عن الإسلام وعن الإيمان والكفر، وعن التوحيد وعن الشرك، وعن السنّة والبدعة وعن كل ما تفردوا به عن علماء المسلمين، ومعنى الحديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) فهو بتقدير محذوف معناه: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضل الصلاة فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد، وهي المذكورة في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم، لا شيء فيها، بل جميع اهل العلم على مر عصور الإسلام، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد، على أنّه لم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
***
الخاتمة وأهم التوصيات
[1] علم التوحيد وفقه مسائله وأحكامه على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة من أهم العلوم التي تحتاج إلى مفاتيحها الصحيحة وإلا آل الامر إلى خلل فكري وعقدي بالغ، لقد انحرف أهل الغلو في باب التوحيد بسبب الفهم المغلوط لآيات نزلت في حق المشركين الأصليين فأنزلوها على المسلمين، وما دروا حقيقة الإسلام، ولا ما هو إطاره الصحيح الذي يدخل فيه كل مسلم، اصطفاه الله تعالى للإسلام، وما هي حقوق المسلم على المسلم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته)) والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ)) أما أهل الغلو في باب التوحيد والشرك: فأتوا بآيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين، وما دروا حقيقة الشرك، ولا حقائق التوحيد، ويصدق فيهم قول ابن عمر رضي الله عنهما في صنيع الخوارج: ((إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين)) [علقه البخاري بصيغة الجزم في باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين].
[2] إنّ فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة: يجعلنا نفرق بين أصل العبادة الذي هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، وبين صور العبادة، فإنّ (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال.
[إنّ التعريف الصحيح للعبادة] هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل أو القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة أو البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد
[إنّ من أعظم الخلل في باب التوحيد والشرك المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين]: المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء، والمسلم يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله، ويقول: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا، لقوله تعالى: {قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً}[الزمر: 44] وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله، وإنما لمن ارتضى، لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة – على اعتقادهم الباطل – مع الله، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94]، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى: {فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً} [فاطر: 10]ولذلك لا يصح مقارنة أفعال المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً قد تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال، كالطواف حول القبور، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية والربوبية أو شيء من صورهما، ومنه يتبين خطأ من أقدم على تكفير طائفة عريضة من المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر، واستحلال دمائهم وأموالهم، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريره الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله، وهذا لا يكون من مسلم أبدا.
[3] يدخل في علم التوحيد سبعة معان تستوفي معاني شهادة التوحيد (لا إله إلا الله): أولها: توحيد الله تعالى في جناب ذاته ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وثانيها: توحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى، وثالثها: توحيد الله تعالى في صفاته، ورابعها: توحيد الله تعالى في أفعاله، وخامسها: توحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه، فلا رب للعالمين سواه، وسادسها: توحيد الله تعالى في عبوديته، فلا معبود بحق إلا إياه، وسابعها: البراءة من الشرك في الإلهية بأقسامها الستة: توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية، وذلك بالبراءة من الشرك فيما يتعلق بجناب الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية، فهذه المعاني السبعة جميعها يدخل في توحيد الإلهية، الذي يشهد به كل مسلم عند قوله: ((أشهد أن لا إله إلا الله))، ولذلك فإن علم التوحيد يشتمل على سبعة مباحث هي: توحيد جناب ذات الله تعالى وتقدس، وتوحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى، وتوحيد الله تعالى في صفاته العلا، وتوحيد الله تعالى في أفعاله فلا خالق إلا الله، وتوحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه فلا رب لهم سواه، وتوحيد الله تعالى في استحقاقه للعبودية فلا معبود بحق إلا هو، والبراءة من الشرك ذلك الذنب الذي لا يغفره الله إلا أن يتوب منه صاحبه، وبحمد الله تعالى قد استوفينا ما يتعلق بتوحيد جناب ذات الله تعالى وتقدس، وتوحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى، وتوحيد الله تعالى في صفاته العلا، وتوحيد الله تعالى في أفعاله، عند الحديث عن مفاتيح علم التقديس، ولذا اقتصر هاهنا بالإشارة إلى توحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه فلا رب لهم سواه، وتوحيد الله تعالى في استحقاقه للعبودية فلا معبود بحق إلا هو، والبراءة من الشرك ذلك الذنب الذي لا يغفره الله إلا أن يتوب منه صاحبه.
[4] توحيد جناب الذات: هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي الذي هو أعلى واجل من مجرد تسبيح اللسان، كما أنّ توحيد الذات هو أساس التوحيد، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى، والمسمى هو ذات الله، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات، ومن هنا كان توحيد الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد، كما أنّ توحيد الذات هو أهم قسم من أقسام التوحيد، وهو علم التقديس والتنزيه، وهو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد.
[5] توحيد الله تعالى في أسمائه: الله تعالى له وحده الأسماء الحسنى، تقدست أسماؤه، وتعالت صفاته، التي دلت عليها أسماؤه، قال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سورة طه: 8] و قال تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الْأَعراف: 180]، وأسماء الله الحسنى توقيفية لا مجال للاجتهاد إذ العقل قاصر عن الاجتهاد فيما لا يدركه لقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]، وقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33]، والعلم بأسماء الله تعالى الحسنى أشرفُ العلوم لأنها تتعلق بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته العلى، وكل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة علية يتصف بها الله عز وجل، والأسماء الحسنى تقدست عن العد والحصر، ولهذا جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أو عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أو أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أو اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ)) ، ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)) ومقصود الحديث أن من أحصى هذا القدر من أسماء الله الحسنى (مائة إلا واحداً) دخل الجنة، ومن توحيد الله تعالى في أسمائه أن ندعوه بها وأن نبرأ ممن يلحد في أسمائه، قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) [الأعراف: 180]، ومن ذلك ما كان يفعله المشركون من تسمى المعبودات الباطلة بما تسمى به الله تعالى من الأسماء الحسنى، وذلك كتسميتهم اللات من الإله، والعزَّى من العزيز، ومنَاةَ من المنَّان، وتسميتهم للأصنام آلهة، يضاهئون بذلك أسماء الله تعالى الحسنى، ومنها اعتقادهم أن من أسماء آلهتهم العزيز والنصير، وأن من صفات آلهتهم النصرة والعزة، كما قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81].
[6] توحيد الله تعالى في صفاته: ليس كمثل صفاته صفات، له سبحانه وحده صفات الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية، وله صفات الكمال، وله صفات الجلال والإكرام، وكما أنّ جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والمقدار، والمثيل والند والشبيه، فكذلك صفات الله تعالى ليس لها حد تنتهي إليه، إذ له سبحانه كمال الذات وكمال الصفات، وكما أنّ ذات الله تعالى وتقدس له الكمال المطلق منزه عن الكفء والمثيل، فكذلك الصفات تابعة للذات، ليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، له سبحانه كمال صفة العلم التي تدل على أنّ الله تعالى بكل شيء عليم، لا يغيب عن علمه شيء، وله سبحانه كمال صفة الرحمة، وسعت رحمته كل خلقه ووسعت كل شيء، وهكذا سائر الصفات العلى لا ندرك من معانيها إلا ما تحتمله عقولنا، وأنى للعقول المحدودة والأفهام المخلوقة أن تحيط علماً بالصفات المنزهة عن التناهي والحدود، ولهذا كانت القاعدة التنزيهية أنّ الله تعالى أجلّ من أن تدرك صفاته، وإنّما نصفه على قدر إمكاناتنا المحدودة لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله علواً كبيراً عن أن يدرك المخلوق قدر صفاته، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 66]، والصفات الواجبة لله تعالى في الحكم العقلي: الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وذلك لأن كل واجب عقلي يقابله ويضاده المستحيل العقلي، بمعنى إنه إذا كانت له سبحانه صفات الوجود والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والحياة والقيام بالنفس والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام، وهي واجبة لله تعالى عقلا فإن أضدادها مستحيلة في حق الله تعالى، وهي العدم والفناء ومشابهة الحوادث ووجود الشريك والموت والاحتياج والعجز والاضطرار والجهل والصمم والعمى والبكم، و هناك فرق في الاصطلاح بين الحكم العقلي والحكم السمعي، إذ الحكم السمعي هو ما كان إثباته عن طريق الشرع، ولا يلزم من اثباته استحالة ضده وانتفائه في حق الله تعالى، إذ أنّ الشرع دل على ثبوت صفة الرحمة لله وثبوت ضدها وهو شدة العقاب، وعند تطبيق تلك المصطلحات بدقة لن يكون هناك لبس في تعلم العلم، فإنّه إذا قيل واجب عقلي، فإنّ معناه الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وبالتالي فإنّ وجود الله تعالى واجب عقلي لأنّه لا يُتصور في العقل عدمه، إذ وجود جميع تلك المخلوقات والنظام الذي هي فيه يوجب في العقل وجود خالقها الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، أما (الرحمة) التي يتصف بها الرحمن سبحانه فإنّها واجب سمعي وليس عقلي، وتعريفه كما ذكرنا هو الذي دل الشرع على وجوبه، وقد أعلمنا الله تعالى بتلك الصفة بقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 98]، ومن ذلك نعرف خطأ غير المتخصص عندما يخلط بين الواجب العقلي والواجب السمعي، ويتهم السادة الأشاعرة أو السادة الماتريدية المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة بأنّهم أثبتوا ثلاث عشرة صفة، وألغوا بقيتها، وحاشاهم من ذلك، فإنّهم يتكلمون على الواجب العقلي الذي لا يُتصور في العقل عدمه، وأما عند حديثهم على الواجب السمعي فإنّهم يجعلون جميع الأسماء الحسنى تدل على صفات واجبة لله تعالى من طريق السمع فلا يستلزم اثباتها نفي أضدادها كما هو الحال في الصفات الواجبة لله تعالى من جهة الحكم العقلي.
[7] توحيد الله تعالى في أفعاله: ومعناه اعتقاد أنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته، هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة، ليس في الوجود خالق غيره، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء وعمدة هذا التوحيد: قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، ومع توحيد الأفعال يمكن أنّ نفهم مدى مسؤولية الإنسان عن أفعاله وأعماله: فالإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، ولكن ليس معنى ذلك، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، إن فعل الخير يحمد الله، وإن فعل الشر يجأر إلى الله بطلب الهداية والعفو، فلا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.
[8] توحيد الله تعالى في الربوبية: يتفرّع عن توحيد الأفعال توحيد الربوبية بجميع أقسامه: لما كان المقصود من توحيد الأفعال هو الاعتقاد بأنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته، وأنّه سبحانه وحده المنفرد بخلق الخلق، وأن كل وجود و كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، كما قال سبحانه:{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، لما كان المقصود من توحيد الأفعال كذلك، كان توحيد الربوبية فرع من توحيد الأفعال، إذ توحيد الربوبية معناه أنّه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين، ولا رازق في الكون كله إلا الله رب العالمين، ولا مالك ولا متصرف ولا مدبر للكون كله إلا الله رب العالمين، إنّ (الرب) هو المربي وهو المالك وهو المدبر المتصرف الذي بيده مقاليد تصريف الأمور، وهو السيد المطاع وهو الحاكم المهيمن، وعلى ذلك فالربوبية مصطلح شامل يحمل معاني أساسية لا يقوم بتلك المعاني مجتمعة إلا في مسمى الربوبية وتتمثل في كل معاني الخلق والإيجاد وفي كل معاني التربية من التنشئة والرعاية والتعهد والاستصلاح ثم كل معاني التملك من الملك والتصرف والتدبير والتصريف ثم كل معاني العلو والسيادة والرئاسة والحكم والأمر ثم كل معاني الهيمنة من العز والذل والنفع والضر فمن ذلك كله تنشأ معاني الربوبية، ولا يصلح لفظ آخر أن يحل محل لفظ (الربوبية) في الإحاطة بكل معانيه.
ولهذا تكرر لفظ (الرب) في القرآن الكريم قريب من ألف مرة، بصيغ مختلفة تدل على شمول الربوبية لجميع العالمين منها (رَبِّ الْعَالَمِينَ) و (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) و (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) و (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) و (رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) و (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) و (رَبُّكُمْ) و (رَبِّ الْفَلَقِ) و (رَبِّ النَّاسِ)، ووفقاً لتعريف الربوبية، فإنّ (توحيد الربوبية) مصطلح شامل يحمل اعتقاد معاني أساسية لا يقوم بتلك المعاني مجتمعة إلا مسمى توحيد الربوبية، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا، وإلا كان الشرك في الربوبية جليا، وتتمثل تلك الاعتقادات في اعتقاد أنه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا رازق على الحقيقة في الكون كله إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا مالك لا متصرف بيده ملكوت كل شيء ولا مدبر للكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا سيد ولا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا شفيع في شيء من أمور الكون كله إلا من بعد إذن الواحد الأحد الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا شريك للرب الواحد الأحد الله رب العالمين في شيء من تلك المعاني التي يشملها توحيد الربوبية، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا بحصر معاني الربوبية في اللّهِ وحده، ولا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا لله رب العالمين وحده لا شريك له.
[9] توحيد الربوبية قسم عظيم من أقسام التوحيد: جاءت الآيات القرآنية متتالية تشير إلى حصر الربوبية لله رب العالمين، ومن ذلك: قوله تعالى: {قُل أَئنَّكُم لَتكفُرونَ بِالّذي خلقَ الارضَ في يَومينِ وَتَجعَلونَ لَه أَندادا ذلكَ رَبُّ العالمين} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) [الْأَنعام: 102]، وجاءت الآيات القرآنية تترا تدعو إلى توحيد الربوبية، ومن ذلك قوله تعالى {لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 38]، وقوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، وقوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}[التوبة: 31]، وقوله تعالى {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}[الأنعام: 164].
[10] أسس وركائز تمنع من الغلو في توحيد الربوبية: المشركون كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية: مفردات الربوبية كثيرة تشمل الخلق والرزق والتدبير والتصريف والرعاية والهداية والحفظ والسيادة والقهر والحكم والأمر، وتوحيد الربوبية لا يطلق إلا على من اعتقدها خالصة لله ليس له فيها شريك ولا معين، وقد كان المشركون على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الألوهية والربوبية في اعتقادهم، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله، كما أنه لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد العبودية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة، وقد أشار القرآن الكريم إلى الشرك الواقع في الربوبية عند الأمم السابقة في العديد من الآيات منها قوله تعالى {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [آل عمران: 64]، وقوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) [التوبة: 31،]، وقوله تعالى: {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]، والأدلة على كون المشركين في كل زمان وفي زمان الرسول كانوا على الشرك في الربوبية كثيرة (منها): اعتقادهم بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا يعني ربوبيتها وهذا شرك في توحيد الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله، في مثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وقد كانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36]، وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم معرة معاداة الأوثان، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون، و(منها): اعتقاد المشركين بوجود الشريك الذي له تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير، و(منها): اعتقاد المشركين بوجود الند لله:، والند هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير، والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله، قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30]، وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، و(منها): أنهم كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الإلهية والربوبية: قال تعالى واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98] فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه، ونستفيد مما سبق أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً، وأنّ من ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن على صواب في ذلك،.
[11] توحيد الله تعالى في استحقاق العبودية: من أهم أقسام توحيد الألوهية توحيد العبودية: ومن الفقه في الدين ملاحظة الفرق في الاصطلاح بين الألوهية وبين العبودية، وذلك لأنّ توحيد الألوهية يشمل جميع معاني التوحيد ويدخل فيه توحيد الذات، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد (لا إله إلا الله) شيء سواها.
[12] معنى العبودية وبيان المقصود من توحيد العبودية: العبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية واستحقاق العبودية، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق، أو المعبودات الباطلة من دون الله، إن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء:24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، إذ قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} لم يكن سجود عبادة لآدم وإنما سجود تكريم لمن أكرمه الله تعالى بالعلم، فشتان ما بين السجود للتكريم، والسجود بنية العبادة، وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة فشتان ما بين السجود للتكريم، والسجود بنية العبادة، ومن سجد بنية العبادة، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده إلها وربا ومعبودا، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة.
[13] خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة (اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود): العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، ولها (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال.
[14] خلاصة الأمر في تعريف العبادة: التعريف الصحيح للعبادة ينبغي أن يشتمل على الضابط الذي يمنع من اتهام المسلم بالشرك الاكبر وهو لم يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر، ويكون التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الألوهية والربوبية واستحقاق العبودية في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل أو القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة أو البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
[15] أسس وركائز مهمة تمنع من الغلو في توحيد العبودية:
(أ) الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر.
(ب) الفقه في مفهوم مفردات العبادة التي من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر: العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له لعبادة، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، ولكل مفردة من هذه العبادات ركنان: الركن الأول: الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة، والركن الثاني: العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة أو البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
(ت) الفقه في مفهوم (السجود) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له – كأن فعله تكريماً أو تعظيماً فلا يكون عبادة.
(ث) الفقه في مفهوم (الدعاء) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله.
(ج) الفقه في مفهوم (الذبح) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في السجود يقال مثله في الذبح، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الذبح تبعاً للعقيدة، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام، وكذلك كل من ذبح بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له، فهذا كله لا يدخل في باب الشرك الأكبر.
(ح) الفقه في مفهوم (النذر) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في السجود يقال مثله في النذر، فمن نذر لمن يعتقد فيه الربوبية وصفاتها، فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر، وإن كان النذر خاليا من ذلك الاعتقاد فليس بعبادة.
(خ) الفقه في مفهوم (الشفاعة) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، السجود يقال مثله في الذبح، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الشفاعة تبعاً للعقيدة، فمن صرفها لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها كالشراكة في التدبير أو الشفاعة اللازمة على الله تعالى، فهذا الشرك الأكبر.
(د) الفقه في مفهوم (الاستعانة) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية أو بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا.
(ذ) التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة: إنّ التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة هو إفراد الله تعالى باعتقاد الربوبية والألوهية، وافراد الله تعالى بأفعال العبد من سائر مفردات العبادة من صلاة وصيام ودعاء وذبح، ومن سائر أعمال القلوب كالتوكل والاستعانة واليقين، وقد شاب تعريف (العبادة) قصور عند الوهابيين ولهذا لابد من تصحيح هذا التعريف لما يترتب عليه من آثار تتعلق بالتوحيد والشرك، ومتى يكون المرء موحداً، ومتى يكون مشركا، (ر) التعريف الصحيح الضابط لفهم معنى الشرك الأكبر المناقض لتوحيد الألوهية: إنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في عبوديته لله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه.
[16] الشرك بالله ونواقض التوحيد: الشرك يحرم على صاحبه الجنة ويوجب عليه الخلود في النار، قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72]، والشرك يحبط العمل، لقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر: 65، 66]، وهو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى أبداً إلا أن يتوب صاحبه، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116]، وهو أعظم الذنب و أكبر الكبائر: كما جاء في الصحيح المتفق على صحته – عندما سئل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أي الذنب أعظم قال: ((أن تجعل لله ندًا وهو خلقك))
[17] مفردات الشرك في عقائد المشركين: من مفردات الشرك في عقائد المشركين: (أ) اعتقاد الشريك مع الله، وهذا كقول النصارى إن الله ثالث ثلاثة، قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73]، وقوله تعالى – في حق مشركي العرب -: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5، 6]، (ب) اعتقاد الولد والبنت لله: كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88 إلى 95]، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس، وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص]، وقد نسب النصارى واليهود الولد إلى الله، كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30]، وقد نسب مشركو العرب البنت إلى الله تعالى، كما في قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57]، وقوله تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} [الصافات: 149]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} [الطور: 39]، وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 19 إلى 22]، (ت) اعتقاد الند لله: والند هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير، ويدل عليه قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ: 33]، وقوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30].
(ث) اعتقاد الشريك في الربوبية ومفرداتها من التصريف والتدبير: كما في قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [سورة الأنعام: 164]، وقوله تعالى: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [آل عمران: 64]، وقوله تعالى: {والذين هم بربهم لا يشركون} [المؤمنون: 59].
(ج) اعتقاد الشريك في الملك: كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وقوله تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].
(ح) اعتقاد القدرة الذاتية على النفع والضر والإعزاز والنصر: كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء: 43]وقوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ} [هود: 101]، والمعنى أنّهم كانوا يدعونهم ويعبدونهم وهم ينتظرون أن يغنوا عنهم من الاله شيئا، وقد كان الكفار يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54].
(خ) اتخاذهم أولياء ينصرونهم من دون الله: كما في قوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9]، وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41]، وقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الانعام: 14].
(د) اعتقادهم استحقاق معبوداتهم للعبادة من دون الله: كما في قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]
(ذ) اعتقاد التسوية بين الله وبين معبوداتهم في الربوبية: كما في قوله تعالى: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98]، فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات الربوبية.
[18] أنواع الشرك: الشرك أنواع، فمنه الشرك الأكبر، وهو المخرج من الملة، والموجب للخلود الأبدي في النار وهو شرك اعتقاد يوجب اعتقاد شريك مع الله تعالى في ذاته أو اسمائه أو صفاته أو أفعاله أو في ربوبيته أو في ألوهيته أو في هذه الأقسام جميعها، ومنه الشرك الأصغر، وهو (الرياء) شرك العمل بغير اعتقاد الشريك مع الله، ومنه الشرك الخفي وهو تعلق القلب بغير الله تعالى من سائر الأسباب، والشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة، وصاحبه مخلد في النار، وهو محبط لجميع الأعمال مبيح للدم والمال، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزُّمَر: 65]، والشرك الأصغر لا يخرج من الملة، ينقص التوحيد ولكنه لا ينقضه، ولا يخلد صاحبه في النار، بل يعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج من النار، وقد يتوب الله عليه فلا يدخل النار.
والشرك الأصغر لا يحبط جميع الأعمال، وإنما يحبط العمل الذي خالطه، ولا يبيح الدم والمال كالأكبر، وحكم فاعله حكم عصاة الموحدين، والشرك الخفي: أخفى على القلب من دبيب النمل، وتخفى دقائقه على أهل التوحيد، ولهذا لا ينجو منه إلا الأنبياء والمرسلين، ومحاربة هذا النوع من الشرك هو من كمال التوحيد، ومثاله، تعلق القلب بالأسباب، وتعلق المحبة بالأبناء والأموال، وهكذا، وقد علمنا الرسول الكريم الاستعاذة من هذا الشرك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم واستغفرك لما لا أعلم)).
[19] ضابط الشرك الأكبر المحبط للعمل: الشرك قسمان: أكبر يتعلق بالقلب والاعتقاد، وأصغر يتعلق بالعمل والجوارح، وهذا من أعظم الفقه في دين الله تعالى ومن الموازين الربانية لضبط مسائل وأحكام الشرك، وإلا دخلت الأمة في فوضى اتهام الأمة الإسلامية بالشرك والتكفير واستحلال دماء وأموال وحرمات أهل القبلة، واتهام أهل الجهل والبدعة بالشرك الأكبر المخرج من الملة والعياذ بالله، وشرك العبادة الأكبر شرك اعتقاد: ويتناول اعتقاد إلوهية أو ربيوبية أو استحقاق عبودية غير الله، وعلى ذلك فمناط الشرك الأكبر هو الاعتقاد القلبي، وإن الاضطراب الحاصل في تحديد حقيقة الشرك الأكبر أوقع الكثير من المنتسبين للعلم في اتهام المسلمين بالشرك الأكبر في مسائل لا تبلغ بهم هذا المبلغ لأنها خالية من اعتقاد شريك مع الله في ألوهيته أو ربوبيته أو استحقاقه للعبودية، ومن أعظم قواعد أهل السنة والجماعة في ضبط مسائل الشرك: قولهم أنّ: الشرك الأكبر اعتقادي والشرك الأصغر عملي: فلا يكون العمل الشركي دالا على الشرك الأكبر إلا باعتقاد ألوهية غير الله أو ربوبيته أو استحقاق غيره للعبادة، وهذا الضابط هو العاصم من التكفير واتهام المسلم بالشرك الاكبر المخرج من الملة، بمعنى أنه كل من يقول أنا لا أعبد إلا الله وما أقوم به ليس عبادة لغير الله، لا يمكن أن يقال له: لا بل أنت مشرك، أنت تعبد غير الله لأننا نحن نعرف معنى العبادة وأنت لم تعرفها، هو مسلم بمجرد اعتقاده بأن العبادة لا تكون إلا لله ولم يقصد غير الله بالأعمال العبادية، وكل مقر بلسانه بكلمة التوحيد مسلم ليس لنا أن تتهمه بالشرك ما دام يأبى الشرك بالله، والاتهام بالشرك أخطر أنواع التكفير والمقر بلسانه بكلمة التوحيد(لا إله إلا الله) مسلم، ليس لنا أن تتهمه بغير ذلك، ما كان مقرا بأن الله هو الخالق المدبر المعبود وحده لا شريك ولا يمكن أن نحكم بكفره إلا إذا أنكر ما هو ضروري من الدين مع انتفاء الشبهة في حقه، وقد ردع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن اتهام اي مسلم بالشرك أو الكفر . ففي صحيح مسلم: ((إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما).
[20] أخطاء الوهابيين في باب الشرك: تتمثل في: (1) خطأ المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين: المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء، والموحد يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله، ويقول: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا، لقوله تعالى: {قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً}[الزمر: 44] وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله، وإنما لمن ارتضى، لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة – على اعتقادهم الباطل – مع الله، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94]، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى: {فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً} (فاطر: 10) والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى: {وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81]، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) معتقدين لها، والمشرك لا يؤمن بالرسول، ويقول – كما حكاه عنه القرآن الكريم -: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 4 إلى 8]، ولذلك لا يصح مقارنة أفعال جهلاء المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال، كالطواف حول القبور والتبرك بالصخور، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية والربوبية أو شيء من صورهما، ومنه يتبين خطأ الوهابيين حين أقدموا على تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر، واستحلال دمائهم وأموالهم، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريره الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله، وهذا لا يكون من مسلم أبدا.
(2) الشفاعة معتقد صحيح في دين الله ولا علاقة لشفاعة المسلمين بالشرك: هناك فرق أصيل بين عقيدة المسلمين في الشفاعة وعقيدة المشركين في الشفاعة، فالمسلم يعتقد أنّ الشفاعة تكون للصالحين فيما يأذن به الله ويرضاه سبحانه، كما في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109]، وقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، وقوله تعالى {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3]، واعتقاد الشفاعة بهذه الضوابط لا يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر، بل هو على النقيض من ذلك توحيد وطاعة ووسيلة إلى رضا الله تعالى، أما المشركون فيعتقدون شفاعة آلهتهم ومعبوداتهم إلزاما على الله تعالى بموجب شراكتهم لله تعالى في ملكه وربوبيته وألوهيته، فهذه شفاعة شرك وكفران، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94]، فالمشركون – كما تدل الآية -: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} يزعمون أن شفاعة معبوداتهم واجبة بما لها من شراكة مع الله، تعالى الله عما يشركون، ومنه يتبين خطأ الوهابيين حين استدلوا بآية الزمر على اتهام المسلمين بالشرك لاتخاذهم بعض الصالحين شفعاء عند الله، فالمسلم يعتقد أنّ الشفاعة تكون للصالحين فيما يأذن به الله ويرضاه سبحانه، أما المشركون فيعتقدون شفاعة آلهتهم ومعبوداتهم إلزاما على الله تعالى بموجب شراكتهم لله تعالى في ملكه وربوبيته وألوهيته.
(3) خطأ من ظن أن اعتقاد الشفاعة يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر: استدل الوهابيون بالآية: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 43، 44] على اعتبار اعتقاد الشفاعة المجردة موجب مستقل للشرك الأكبر، وقد تقدم أنّ هناك فرق بين اعتقاد الشفاعة عتد المسلمين والمشركين، وكذلك فإن اعتقاد المشركين لم يكن بمجرد الشفاعة بمعنى الواسطة ولكن اعتقادهم كان بالشفاعة الجبرية بما لها من شراكة في الملك والتدبير، ومن تدبر آية الأنعام علم ذلك، قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94]، فجمع الله تعالى بين اعتقادهم الشفاعة وزعمهم أن لها الشراكة في الربوبية والملك والتدبير {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}
(4) خطأ الوهابيين عندما استدلوا بآية الزمر للتوصل إلى اتهام جهلاء المسلمين بالشرك: قال تعالى {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}[سورة الزمر: 3]، تبدأ الآية بذكر الدين الخالص الذي هو (التوحيد) ويشمل كافة أقسام التوحيد من توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال ويشمل توحيد الربوبية بكافة مفرداتها وتوحيد الإلوهية بكافة مفرداتها، ثم قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء}، الولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}[مريم: 81]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}[يس: 74]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}[سورة هود] وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله.
(5) خطأ الوهابيين حين استدلوا بآية يونس للتوصل إلى اتهام جهلاء المسلمين بالشرك: قال تعالى {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]، والمتدبر في الآيات يفقه منها أمور ضرورية: (الأول): الإقرار بعبادة غير الله {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، و (الثاني): اعتقاد شركاء مع الله في ألوهيته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، و (الثالث): تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم بأنهم يتخذون هذه الأصنام مجرد شفعاء لهم عند الله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، و (الرابع): ضابط الشرك الأكبر في الآيات هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، مما سبق يعلم خطا من جعل ضابط الشرك الأكبر في الآية هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء.
(6) الفارق العظيم بين التوسل وبين الشرك بالله: (أ) التوسل هو التقرب إلى الله، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، تصرّح الآية الكريمة بأن التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستشفاع به إلى الله عز وجل والاستغفار منه لمغفرة المعاصي، مؤثر وموجب للتوبة والرحمة الإلهية، والآية الكريمة مطلقة لم تحدد الاستغفار بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حياته فقط، أو أنها صالحة إلى يوم القيامة، قال الوهابيون المانعون للتوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الآية تتعلق بحياته دون موته لأنه لا إدراك له بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فكيف يتوسل إلى الله تعالى لمغفرة ذنوبهم، وقال المجيزون للتوسل – وهم جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة): إن هذه الآية صالحة إلى يوم القيامة سواء في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد وفاته، لاسيما وقد جاءت الأدلة التي تدل على إدراك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبره لحال أمته.
(ب) الخطأ في فهم المقصود من التوسل: ظن الوهابيون أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا، وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا، وهذا هو السر في الخلاف الحاصل في المسالة، فلو حررنا موضع النزاع في فهم التوسل، ونظرنا إلى الوسائل المشروعة للتوسل، فما أجازه الشرع من معاني التوسل أجزناه، وما منعه الشرع من معاني التوسل منعناه، لا نفتئت على الشرع ولا نتقدم عليه برأي دون دليل، والمسألة فقهية بابها الفقه وليس العقيدة والتوحيد والشرك، (ت) تحرير المعنى المقصود من التوسل: التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، والمتوسِّلُ المسلم الموحد لا يعبد إلا الله، ولا يرجو سوى الله، ولا يدع إلا الله وحده، فالله وحده – في عقيدة كل مسلم – هو المالك القادر المهيمن، وهو وحده المعطي والمانع، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة – رجاء قبول مبتغاه عند الله، وليس التوسل – أبداً – اتخاذ واسطة بين العبد وربه، كما كان يفعل المشركون بقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان، ويشهد بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، عن يقين واعتقاد، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان، ويزعم أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ساحر كذاب، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: آية 4 إلى آية 8]، فهل من العدل والإنصاف في دين الله تعالى أن نساوي بين توسل المسلم الذي أقر بالتوحيد والإسلام والإيمان، وبين اتخاذ المشرك وسائط إلى الله على زعمه الكاذب الذي كذبه القرآن الكريم، وجعله كاذب كفار حرمه الله تعالى من الهداية، قال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3].
وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام، وهنا إذ تحرر موضع النزاع في معنى التوسل، بقي أن نعلم ما هي أنواع التوسل الجائزة شرعا، فنقول لها سمعاً وطاعةً، ولا نتقدم على الشرع الحكيم برأي أو هوى أو غلو أو تقصير، أو إفراط أو تفريط، والمسألة بابها الفقه وليس العقيدة، وجمهور أهل الفقه على جواز التوسل إلى الله تعالى بذوات الأنبياء والصالحين.
[21] تقييم مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في علم التوحيد لمعرفة مدي تمثيله لمذهب السلف، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في بعض أقسام العلم: لقد تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الإمام ابن تيمية – بما فيها من أخطاء – بقوة السيف والسنان، ولكن أيضاً إضافة إلى تبنيه أخطاء ابن تيمية، كانت له كذلك اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وبسبب هذا الخلل في استيعاب مسائل وأحكام التوحيد على منهاج أهل السنة والجماعة غالى في اتهام المسلمين بالشرك الأكبر في مسائل لا تبلغ بهم هذا المبلغ، وكانت النتيجة أن أعلن الحرب على طوائف عديدة من المسلمين، واستحل دماءهم وأموالهم وحرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا.
[22] حال نجد الحجاز التي خرج منها الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما وردت في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أخرج البخاريُ في صَحيحِه عن مُحَمَّدِ بْنُ الْمُثَنَّى عَن حُسَيْنِ بْنُ الْحَسَنِ عَن ابنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا”، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: “هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ))، وأخرج البخاريُ ومسلم عن مُسَدَّدٌ عن يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عن قَيْسٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ ((الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلاَ إِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)) ونجد الحجاز هي جهة المشرق تماما بالنسبة إلى أهل المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أخرج البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الفتنة من قبل المشرق) (من طريق معمر عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قام على المنبر فقال: ((الفتنة ههنا، الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال قرن الشمس))، وأخرج البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الفتنة من قبل المشرق) ، ومسلم في كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان بنحوه كلاهما من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مستقبل المشرق يقول: ((ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان))، قلت: ومن نظر إلى الخريطة وجد أنّ نجد تقع تماما في جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا يفند زعم البعض أنّ نجد المقصودة هي منطقة بالعراق، وآخرون أنّها منطقة بالشام، وكلامهم يفتقد إلى أدنى التحقيق والإنصاف، وذلك لأنّ نَجد الحِجاز كانت أرض الفَدّادين رِعاءِ الإبِل، والعراق كانت أرض زراعة وصناعة وتجارة وما كانت آنذاك أرضًا لرِعاء الإبل، كما أنّ “نجد” الحجاز هي بلاد ربيعة ومضر وليس نجد العِراق أو الشام ثم نحن لا نعلم نجدا معروفا إذا أطلق لفظ ” نجد ” سوى نجد الحجاز والتي ظهر منها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأتباعه من علماء الدعوة النجدية، التي ينتسبون إليها، وليس القصد من ذلك التجريح في اهل نجد، ولكن المقصود الحذر ثم الحذر مما ينفرد به أهل نجد من علوم الدين لأنه آنذاك يكون يقينا من الباطل الذي نفخ فيه الشيطان بقرنه، لأن الأحاديث دلت على التحذير من هذه المنطقة ومما يخرج منها من الضلال الذي يُخالف ما عليه عامة أهل السنة والجماعة من علوم الدين.
[23] أخطاء محمد بن عبد الوهاب في فهم توحيد الألوهية: أخطأ في تفسير العبادة، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو (الاعتقاد) اعتقاد الربوبية والإلهية لمن يصرف إليه العمل العبادي، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، وهو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، أو خاصة من خواصها كما سيأتيك تفصيله لا يصحّ أن يكون السجود لغير اللّه فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد، عبادة شرعاً (كسجود الملائكة لآدم)، فانّه حينئذٍ يكون كفراً، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع، ولا يأمر اللّه عزّ وجلّ به {قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ} [الاَعراف: 28]، {وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْر} [الزمر: 7]، وذلك ظاهر إن شاء اللّه، ولكن لما رأى الشيخ النجدي محمد بن عبد الوهاب أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ ظنّ أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، فأدى ذلك إلى الغلط في تصور العبادة والشرك المقابل لها، وإنّ الغلط في تفسير العبادة، كان المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، الذي أُستحِلت به دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، وتقاطعت فيه أرحام أمر اللّه بها أن توصل، عياذاً باللّه من المزالق والفتن.
[24] أخطاء محمد بن عبد الوهاب في فهم توحيد الربوبية:
الخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون، وكذلك فإن اعتقاد المشركين كان يقوم على اعتقاد وجود الشريك الذي له تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير، وكذلك اعتقاد المشركين بوجود الند لله، والند كما جاء في معاجم اللغة هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير [انظر: تهذيب اللغة ج14 ص 51 و المفردات ص 486]، والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله، والأدلة من القرآن الكريم على ذلك كثيرة منها: قوله تعالى:: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30]، وقوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة: 22]، وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9]، وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41]، كما أنّ المشركين كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم، كما في قوله تعالى – واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار-: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98]، فهذه الآيات ـ التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه، كما أنّ المشركين كانوا يلهجون بدعاء آلهتهم رجاء نصرتها لهم واعزازها لهم، إذ لا يعقل في تاريخ البشر أن يدعو أحد أحدا لا يرجوه لتحقيق منفعة أو رد ضر وإلا خرج من دائرة العقلاء، ورد الله تعالى عليهم اعتقادهم الباطل بقوله تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون * أمواتٌ غير أحياءٍ وما يشعرون أيّان يبعثون * إلهكم إلهٌ واحدٌ} [النحل: 20إلى 22]، وبقوله عز وجل {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب) [هود: 101]، وقوله تعالى: {وما يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [يونس: 66]، ويظهر جليا من هذه الآيات أن مشركي العرب كانوا يتخذون آلهة لهم من دون الله وكانوا يدعونهم عند الشدائد ويستغيثون بهم اعتقادا أن آلهتهم هذه تسمع دعاءهم وتقدر على نصرهم وأنهم شركاء لله في ملكه العظيم، ومن هنا نعلم مدى الخطأ الجسيم في ادعاء أن المشركين كانوا على توحيد الربوبية،
[25] أخطاء محمد بن عبد الوهاب في تقرير حقيقة الشرك الأكبر: كما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الاكبر، ومن ذلك الخطأ في فهم آية الزمر، ومعرفة حقيقة اعتقاد المشركين بربوبية معبوداتهم: قال تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}[سورة الزمر: 3]، والولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}[مريم: 81]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز،وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}[يس: 74]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}[سورة هود] وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية والألوهية (ما نعبدهم)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده، وفي الحديث (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك)، وقوله تعالى: {كَاذِبٌ كَفَّارٌ} صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته وكذبوا على الله ورسوله.
[26] أخطاء محمد بن عبد الوهاب في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وليس المقصد من الدعاء إلى تحقيق تلك المسائل هو الانتصار لرأي فقهي على حساب آخر، وليس هو من قبيل تهوين ما فعله الجهلاء من بناء المساجد على القبور، وما يفعلونه عند مقابر الصالحين، فإن المساجد بيوت الله تعالى في الأرض، وهي دور العبادة والطاعة والصلاة، ولابد من تنزيهها عن أفعال الجاهلين وغلو المغالين وتسيب المستهترين، وإنما المقصد الأساس من ذلك هو بيان أنّ هذه المسائل تتبع الفقه ولا تتبع التوحيد، وتتبع السنّة والبدعة ولا تتبع الشرك والتوحيد، وتتبع الصواب والخطأ ولا تتبع الإيمان والكفر لأنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – مهما بلغ الجهل منهم مبلغه، فلم يعبدوا إلا الله ولم يصرفوا العبادة إلا إلى الله، كيف وشعار هم هو (لا إله إلا الله)، ومن ثم تهذيب مسائل التوحيد والشرك، فلا يشوبها شائبة الغلو والجفاء، واتهام المسلمين بالشرك الأكبر وهم منه برآء، فعلاج الخلل لا يكون بالخلل، وعلاج الخطأ لا يكون بالخطأ، وعلاج التفريط لا يكون بالإفراط، ودين الله تعالى عدل بين ظلمين، ووسط بين طرفين.
[27] أخطاء محمد بن عبد الوهاب في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، وإخراجهم من دين المسلمين أو من اطار أهل السنّة والجماعة بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وقد كان الإمام ابن تيمية يفصل في مسائل التصوف، وجعلهم طوائف منهم الصديقون والأولياء، ومنهم الأدعياء المرتزقة، ومنهم أهل الجهل والخرافة، ومنهم أهل البدعة والضلالة، ولكن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يفصّل وإنما اعتبر التصوف برمته ضلال ينبغي أن يُزال، مع أنّ السبب الاساس الذي أُنشأ من أجله التصوف هو تزكية الباطن، وقد كان هو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وتخليته عن صفاته الذميمة، وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد وغيرها من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، كما أنّه هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية الحقة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، وبالتالي فإن إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على بعضهم، أو قالها بعضهم في ساعة ذهول لا يقصدها، أمر لا ينبغي، إن كلمة (صوفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة – منذ القرن الثالث الهجري وإلى يومنا هذا – كلمة ثناء، وصفة مدح، فلا يعقل أن ينادي اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى اقتلاع التصوف من جذوره، وابادة التصوف وأهله، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا من تنطع، وأين يذهب أكثرية أهل السنة والجماعة في العالم اليوم في مصر والسودان وبلاد الشام، ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين، وليس معنى ذلك أن نبرأ جميع الصوفية من الخطأ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف.
[28] أخطاء محمد بن عبد الوهاب في باب الغلو في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم: إذ هناك العديد من نصوص الإمام محمد بن عبد الوهاب والتي آلت به إلى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم، ومن تلك النصوص، قوله: – وهو يتحدث عن أربع قواعد في التوحيد -: (الأُولى): إنّ الكفار الذين قاتلهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم مقرّون بأنّ اللّه هو الخالق الرازق المدبر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبصَارَ ..،فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس: الآية ٣١]، (الثانية): إنهم يقولون: ما دعونا الأصنام وما توجهنا إليهم الاّ لطلب القرب والشفاعة لقوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِياءَ مَا نَعْبُدُهُم اِلاّ لَيُقَرِّبُونا إلى اللّه زُلفَى} [الزمر: الآية ٣]، وقوله: {وَيَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّه مَالا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُونَ هَؤلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨]، (الثالثة): إنّه ظهر صلى الله عليه وآله وسلم على قوم متفرقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم الأنبياء والصالحين، وبعضهم الأشجار والأحجار، وبعضهم الشمس والقمر، فقاتلهم ولم يفرق بينهم، (الرابعة): إنّ مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين، لأن أولئك يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة، وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: {فَإِذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُم إلَى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: الآية ٦٥]، وهو يقصد بمشركي زمانه كافة المسلمين دون أتباعه، وذلك لأنهم يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في شدتهم ورخائهم، ولذلك صاروا عنده أغلظ من مشركي عهد الرسالة، هذا مع أن التوسل بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم جائز عند جمهور الفقهاء، وقصاراه أنّه من المسائل الفقهية الخلافية وليس من مسائل التوحيد والشرك، كما أنّ هناك فرقاً جلياً بين المسلمين وعبدة الأوثان والأصنام، فإنّ المسلمين يعبدون اللّه وحده، ولا يتوجّهون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ بقصد أن يدعو لهم عند اللّه، ويشفع لهم عنده، وأين هؤلاء من عبدة الطاغوت الذين كانوا يعبدون الأصنام ولا يعبدون اللّه، ويتوجهون إليها على أنها آلهة تملك ضرهم ونفعهم، وهذا الخطأ أدى به إلى استحلال دمائهم على أنّهم مشركون، وقد تكرر هذا الخطأ في رسالته كشف الشبهات، حيث يقول في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ” أرسله إلى أُناس يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات بينهم وبين اللّه، يقولون نريد منهم التقرب إلى اللّه، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأُناس غيرهم من الصالحين ” [كشف الشبهات: ص ٣]، فانظر كيف وصف المشركين بأنّهم يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، وهذه مغالطة فجة، فإنّ كفرهم كان في عبادة غير الله، وانكار رسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ثم اتخاذهم واسطة على سبيل الشراكة، فالوساطة لم تكن قط سبب شركهم، وإنّما عبادة غير الله: {ما نعبدهم إلا}، فقد أقروا بعبادتهم، ثم الوساطة الجبرية على سبيل الشراكة مع الله، وهذه وتلك لم يفعلها مسلم قط، إذ المسلم لا يعبد إلا الله، وهو بريء عن عقيدة الواسطة الشركية التي تكون جبرا على الله، وقصاراه التوسل بمن لهم جاه عند الله لقبول الأعمال، دون أي اعتقاد في شفاعتهم الجبرية على الله، ويقول في موضع آخر ما نصه: ” إنّ التوحيد الّذي جحدوه هو توحيد العبادة، الّذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون اللّه سبحانه ليلا ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من اللّه ليشفعوا له، أو يدعو رجلا صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى ” وهو هنا لا يفرق بين الدعاء وبين العبادة، مع أنّ الدعاء لا يكون عبادة حتى يصاحبه اعتقاد الإلهية أو الربوبية لمن يدعوه، ولو كان الدعاء لعبد صالح من عباد الله، لعل الله تعالى ان يستجيب دعوته، فلا تكون الدعوة لهذا العبد عبادة له، وإنّما توسل به إلى الله، ويقول أيضاً: ” تحققت أنّ رسول اللّه قاتلهم ليكون الدعاء كله للّه، والذبح كله للّه، والنذر كله للّه، والاستغاثة كلها باللّه ” أهـ، وهذه كما ذكرت في كتاب التجديد الثالث ” التجديد في علم التوحيد ” كلها مفردات للعبادة إن اشتملت على اعتقاد الإلهية والربوبية لمن تُصرف له كانت عبادة، وإن لم تشتمل على تلك العقيدة لم تكن عبادة، ويقول أيضاً: « إنّ المشركين يقرّون بالربوبية وإن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء »، وهذا خطأ، لأن كفرهم إنما كان لعبادتهم الملائكة والأنبياء لا لتعلقهم بها إذ ليس مجرد التعلق مع الاعتراف بعبوديتهم وعدم تفويض الأمر إليهم موجباً للتكفير، ويقول أيضاً: « إنّ الذين قاتلهم رسول اللّه مقرّون بأن أوثانهم لا تدبّر شيئاً وإنما أرادوا منها الجاه والشفاعة »، وهذا أيضاً خطأ، لأنّ كفرهم لم يكن لأجل طلب الشفاعة، بل لعبادتهم قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُون هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨]، ويقول: ” إنّ اللّه كفّر من قصد الأصنام، وكفّر من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول اللّه ” أهـ، وهذا أيضاً خطأ، لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كفّر من عبد الصالحين، لا من قصدهم، فمن قصد الصالحين لطلب الدعاء لا يكون كافراً أبداً، ويقول أيضاً – وهو يعلّم أتباعه كيف يناظرون المخالف-: ” اقرأ عليه: {ادعوا ربّكم تضرعاً وخفيةً إنه لا يحبّ المعتدين} فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة للّه ؟ فلا بد أن يقول نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنها عبادة، ثم دعوت تلك الحاجة نبياً أو غيره، هل أشركت في عبادة اللّه غيره؟ فلابد أن يقول نعم ” أهـ، وهذا أيضاٍ خطأ، لأنّ الدعاء بنية العبادة، والدعاء لمن يعتقده ربا وإلهاً، عبادة، وما خلا عن ذلك فليس بعبادة، والدعاء مخ العبادة لمن دعا من يعتقد أنه يدعو الرب الإله، فأين ذلك من دعوة الأنبياء والصالحين بمعنى التوسل بهم إلى الله، والذين يتكلم عنهم الشيخ مسلمون موحدون، لا يعبدون غير الله، ويعلمون أنّ هؤلاء جميعا عباد صالحون لا يملكون شيئاً لأنفسهم ولا لغيرهم، إلا الشفاعة بفضل الله، فلا يجوز تشبيه دعاء الكافرين والمشركين بدعاء المسلمين الموحدون، وبسبب بتلك القواعد المغلوطة توصل الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى تكفير المسلمين، وجعلهم أشد كفراً من المشركين الأصليين، ومن ثم استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام، نعلم كيف كانت (الغزوات) ! على أعراب نجد والحجاز، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان، لا مسلمين يقولون (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ويعتقدون أنّه لا إله ولا رب لهذا الكون إلا الله، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون به لله، (تنبيه ضروري): لقد مرت تلك المحنة وانتهت والحمد لله، والجميع اليوم يأبى ذلك ويرفضه، ولكن لابد من تصفية المنهج واعتماد التخصص العلمي لأنّه ما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة الحشو على أنّها البديل العلمي لجميع التخصصات العلمية الإسلامية.
[29] تقييم مدى أصالة الحركة السلفية المعاصرة المنتسبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب: إنّ مسمَّى الحركة السلفية المعاصرة نقصد به امتداد المدرسة النجدية، التي أسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد، ثم انتشرت في انحاء العالم الإسلامي في مشارقه ومغاربه، إن أكثر أصحاب هذه الحركة يعتبرون جماعتهم هي الامتداد الصحيح الوحيد للفكر الإسلامي السليم الذي ينبغي أن يكون عليه كافة المسلمين، ومع ذلك فلا بد من التأكيد على وجود أخطاء منهجية في الفكر، والتطبيق على السواء، حيث تتسم تلك الحركة على تنوع فصائلها بالجمود في التفكير، وأنها ترى الحق حكرا عليها في آرائها العقدية الساذجة التي هي أقرب إلى السطحية منها إلى العلم الراسخ المتخصص، وفي آرائها الفقهية المتشددة المولعة بتحريم الحلال والتضييق على عباد الله فيما جعل الشرع الحكيم فيه سعة ودفعا للحرج، كما أنّها تعمل جادة بلا هوادة على إحياء قضايا عقائدية خاطئة، تشق بها وحدة المسلمين العلمية والعقدية، وهم فيها ضد أهل التخصص وأهل العلم الراسخ والحق الزلال، مثل إثبات العلو الحسي والفوقية المكانية، لقد دخلت الحركة السلفية المعاصرة بسبب التصورات الخاطئة في صراعات كبيرة مع بقية طوائف اهل السنّة والجماعة، وزاد الطين بلة أنّهم تصوروا أنهم الأوصياء على الجميع، فما فهموه هو الإسلام وهو الهدى والرشاد، وما عارضوه فهو الضلال، فشددوا النكير على المخالفين، وصارت علاقتهم مع غيرهم من المسلمين علاقة التبديع والتاثيم والتفسيق، ثم لم تلبث تلك الحركة السلفية المعاصرة أن انقسمت على نفسها إلى سلفية جهادية أُبتليت بالغلو في تكفير المخالفين، ولو كانوا من السلفية نفسها، والسلفية المُدخلية والجامية التي تُبدع المجاهدين والدعاة والمصلحين، والسلفية العلمية التراثية التي تستخرج من بطون الكتب الكثير مما يثير الخلاف ويشق الصف، والسلفية العلمية الحسبية السرورية، وهكذا انشطرت السلفية إلى عشرات الطوائف والفصائل، أكثرها يبدع أكثرها، وبعضها يكفّر بعضها، والعلاقة السائدة بينها هي علاقة العداوة والبغضاء، إنّ السلفية الحقة هي امتثال هذا الدين بأخلاقه ومبادئه وعقائده وشرائعه، والرجوع في فهمه والعمل من أجله إلى السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، إنّ أهم ما يميز السلفيين الصادقين هو الرجوع إلى الكتاب والسنة والتمسك بهما، والاستعانة على فهمهما بما كتبه المتخصصون من أهل العلم السائرين على منهاج الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، إنّ للحركة السلفية المعاصرة تورطت في أخطاء كثيرة، لابد من تصحيحها، وقد ذكرتها ببعض التفصيل في (المبحث الخامس): تقييم الحركة السلفية المعاصرة ما لها وما عليها، من الفصل الخامس: تعقيبات على أخطاء في باب التوحيد والشرك تهذب هذا العلم، لقد كان السلف الصالح هم خير قرون الإسلام علما وعملا، وفقها وفهما، وهم أعلم الناس بدين الله عز وجل وأرسخ الناس إحاطة بعلومه وجوانبه وأقل الناس تكلفا في أمره وأبعد الناس غلوا في فهمه أو تفريطا في القيام بجوانبه، واهل السنة والجماعة يعرفون لسلفنا الصالح فضلهم ويسيرون على هديهم ومناهجهم فإنهم كانوا على الهدى القويم والصراط المستقيم، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا تخصصهم العلمي وابداعهم الفكري، وظل المسلمون يحترمون أهل التخصص في العلوم الشرعية إلى أن جاءت فوضى عدم احترام التخصص متمثلة في طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية، إن الحركة السلفية المعاصرة تعيش أزمة منهجية عقدية علمية عملية، وصارت في امس الحاجة إلى مراجعات عقائدية وفقهية وتزكوية صحيحة، وإلى مراجعات علمية وعملية جادة من أجل تصحيح المسار، وبعد فهذه أهم مفاتيح علم التوحيد التي ارجو من الله أن تسهم في الفهم الصحيح للتوحيد والاحاطة بأهم جوانبه، كما أرجو من الله ان توحيد كلمة طوائف أهل السنة والجماعة على علم التوحيد، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
***
([1]) الصحاح للجوهري 5/1841، لسان العرب 11/724.
([5]) رسالته الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد
([6]) الموسوعة الفقهية – وزارة الأوقاف – دولة الكويت – مادة وسل 10/69: 70.
([7]) سنن ابي داود 2/80 ح 1498.
([8]) الموسوعة الفقهية – وزارة الأوقاف – دولة الكويت – مادة وسل 10/69: 70.
([9]) صحيح البخاري 2/27 ح 1008.
([11]) صحيح البخاري 2/27 ح 1010.
([13]) أخرجه الإمام في المسند 28/478، والترمذي 5/569 وابن ماجة 2/395 والنسائي في عمل اليوم والليلة ص 417، والبخاري في التاريخ الكبير 6: 210 والطبراني في الكبير 9/30 والبيهقي في دلائل النبو6/166 والحاكم1/313 كلهم من طريق عثمان بن عمر (شيخ أحمد فيه): أنا شعبة عن أبي جعفر المدني قال: سمعت عمرة بن خزيمة يحدث عن عثمان به، وقال الترمذي: “حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي “، وفي ابن ماجة ” قال أبو إسحاق: حديث صحيح ” ثم رواه أحمد: ثنا شعبة به وفيه الرواية الأخرى، وتابعه محمد بن جعفر ثنا شعبة به، رواه الحاكم 1/519 وقال: ” صحيح الإسناد ” ووافقه الذهبي، وقد أعله بعضهم بأن في اسناده أبا جعفر، قال الترمذي: ” لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر، وليس الخطمي ” فقالوا: هو إذا الرازي، وهو صدوق ولكنه سيء الحفظ، ولكن هذا مدفوع بأن الصواب أنه الخطمي نفسه، وهكذا نسبه أحمد في رواية له [4: 138]، وسماه في أخرى: ” أبا جعفر المدني ” وكذلك سماه الحاكم، والخطمي هذا لا الرازي هو المدني، وقد ورد هكذا في ” المعجم الصغير ” للطبراني، وفي طبعة بولاق من سنن الترمذي أيضاً، ويؤكد ذلك بشكل قاطع أن الخطمي هذا هو الذي يروي عن عمارة بن خزيمة ويروي عنه شعبة كما في إسناده هنا، وهو صدوق، وعلى هذا فالإسناد جيد لا شبهة فيه.
([14]) المعجم الصغير 1/306 ح 508، الدعاء للطبراني ص 320 ح 1050، دلائل النبوة للبيهقي (6: 167 – 168.
([15]) المعجم الكبير (24: 352 ح871. ورواه من هذا الوجه الطبراني في الأوسط 1/67.، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية 3/121 ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/57 : رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح وثقة ابن حبان، والحاكم، وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح، اهـ، وروح بن صلاح قد اختلف فيه فوثقه قوم وضعفه آخرون فمثله يحتاج لإعمال النظر لبيان حاله، فقال عنه الحاكم في سؤالات السجزي: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في الثقات (8: 244)، وروى عنه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (3: 406) فهو ثقة عنده، قال الفسوي (التهذيب: 11: 378): كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات، اهـ، أما من ضعفه فالدارقطني في المؤتلف والمختلف للدارقطني (3: 1377) قال: روح بن صلاح ابن سيابه يروي عن ابن لهيعة وعن الثوري وغيرهما كان ضعيفاً في الحديث سكن مصر، اهـ،، ومثله لابن ماكولا في الإكمال (5: 15) وابن عدي في الكامل (3: 1005).
([16]) كشف الأستار: 1/397 ، قال الحافظ العراقي في (طرح التثريب) 3/297 إسناده جيد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/24. رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، اهـ، وصححه السيوطي في الخصائص الكبري 2/281 وفي تخريج الشفا، والحديث أيضاً فيه مقال من جهة عبد المجيد بن أبي رواد، فقد ضعفه البعض، قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (4: 148): (أخرجه البزار من حديث عبد الله بن مسعود، ورجاله رجال الصحيح إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد، وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين، والنسائي، فقد ضعفه كثيرون، ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس بنحوه بإسنادٍ ضعيف)
([17]) سنن ابن ماجة 1/497 ح 777، مسند أحمد 17/248 ح 11157. عمل اليوم والليله لابن السني ص 75، مصنف ابن ابي شيبة 6/25 ح 29202. الدعوات الكبير للبيهقي 1/125 ح 65.
([18]) مسند احمد 17/284 ح 11157. عمل اليوم والليله لابن السني ص 75، مصنف ابن ابي شيبة 6/25 ح 29202. الدعوات الكبير للبيهقي 1/125 ح 65. وقد حسن الحديث جمع من الحفاظ منهم الحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ الحافظ المنذري كما في الترغيب والترهيب (2/459 ، والحافظ العراقي في تخريج أحاديث الحياء ص 384 وقال الحافظ البوصيري في مصباح الزجاجة1/98 لكن رواه ابن خزيمة في صحيحه، من طريق فضيل بن مرزوق، فهو صحيح عنده، اهـ، ومع قبول هؤلاء الحفاظ للحديث إلا أن الحديث به ثلاث علل، تتمثل في الكلام في فضيل بن مرزوق، والكلام في عطية العوفي، والاختلاف بين وقف الحديث ورفعه، أما فضيل بن مرزوق فهو من رجال مسلم في صحيحه، ووثقه جماعة من الأئمة منهم: العجلي في ثقاته ص384 فقال: جائز الحديث، ثقة، ووثقه السفيانان: ابن عيينة، والثوري، وقال ابن عدي في الكامل 7/129 : ولفضيل أحاديث حسان، وأرجو أنه لا بأس به، ووثقه ابن شاهين بإدخاله في الثقات ص185، وكذا ابن حبان فذكره في الثقات 7: 316، والإمام مسلم أدخله في صحيحه، واحتج به، أما من تكلموا فيه، فقد قال الحاكم في (سؤلات مسعود السجزي) له: فضيل بن مرزوق ليس من شروط الصحيح فعيب على مسلم بإخرجه في الصحيح، وقال الذهبي في سير النبلاء 7: 342: إنما يروي له مسلم في المتابعات، وقال أبو حاتم الرازي (7: 75 الجرح): صدوق صالح الحديث يهم كثيراً يكتب حديثه، قال ابن أبي حاتم: يحتج به؟ قال: لا، اهـ،، أما عن العلة الثانية وهي الكلام في عطية بن سعد العوفي، بسبب تدليسه وتشيعه وروايته شيئاً أنكر عليه، وقد جرحه بعض علماء الجرح والتعديل كما جاء في العلل ومعرفة الرجال (1/548. والجرح والتعديل 6: 383 والكامل لابن عدي 5: 2007 عطية العوفي بسبب روايتهم تدليسه تدليس الشيوخ، قال ابن حبان في المجروحين 2: 176: سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث فلما مات أبو سعيد جعل يجالس الكلبي ويحضر قصصه، فإذا قال الكلبي: قال رسول الله كذا فيحفظه وكناه أبا سعيد ويروي عنه، فإذا قيل له من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري وإنما أراد الكلبي، اهـ، وعلى ذلك فعطية العوفي مختلف في مدى الاحتجاج به، فمن المحدثين من قبل حديثه ومنهم من لا يحتج به، قال ابن سعد في “الطبقات الكبرى” (6: 304): (وكان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة، ومن الناس من لا يحتج به) اهـ، والعلة الثالثة اختلاف المحدثين بين وقف الحديث ورفعه، فقد قال ابن أبي حاتم في “العلل” 5/365: سألت أبي عن حديث رواه عبد الله بن صالح بن مسلم، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إذا خرج الرجل من بيته فقال: اللهم بحق السائلين عليك وبحق ممشاي” وذكر الحديث، رواه أبو نعيم، عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد موقوفاً قال أبي: موقوف أشبه، اهـ، وأيده الذهبي في “الميزان”، فإن الحديث قد اختلف فيه عن فضيل بن مرزوق فروى مرفوعاً وموقوفاً
([19]) المستدرك علي الصحيحين 2/672 ح 4228. قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد، ولكن تعقبه الحافظ بقوله – في النكت على ابن الصلاح 1/318 -: (ومن عجيب ما وقع للحاكم أنه أخرج لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال _ بعد روايته: هذا صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه)، وأخرج الحديث كذلك البيهقي عن الحاكم في دلائل النبوة5/489 وقال: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه، وهو ضعيف، وقال الذهبي في مختصر تلخيص الذهبي للمستدرك2/1069: موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا عن إسماعيل بن مسلمة عنه، وقال في ترجمة عبد الله بن مسلم من الميزان 5/12 روى عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً فيه: يا آدم لولا محمد ما خلقتك.
([20]) صحيح البخاري 2/98 ح 1370.
([21]) مسند أحمد7/343 ح 4320. رواه الحاكم في المستدرك 2/456 وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الحافظ الذهبي، وفي فيض القدير (2: 479): رواه أحمد في المسند والنسائي وابن حبان والحاكم، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ العراقي: الحديث متفق عليه دون قوله سياحين.
([22]) السنن الكبري للنسائي 10/504 ح 10366.
([25]) الحاوي 2/205 والحديث صححه الحافظ أبو محمد بن عبد الحق الأشبيلي، (وهو إمام في العلل ومعرفة الحديث كما في تذكرة الحفاظ للذهبي) (و أشار إلى صحة الحديث صاحب “عون المعبود ” (3: 370) ]
([26]) سبق تخريجه قال الحافظ العراقي في (طرح التثريب) (3: 297): إسناده جيد، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) 9/24 رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، اهـ، وصححه السيوطي في الخصائص 2/491 وفي تخريج الشفا.
([27]) أخرجه النسائي في الكبرى 2/383 ح 1972 وابن حبان في صحيحه 6/149 ح والحاكم في مستدركه 1/504. والحديث قال عنه الحاكم: إسناده صحيح، وقال الحافظ العراقي إسناده جيد وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 4/198. إسناده صحيح، والحديث دليل على أن المؤمن حي حياة الأرواح وأنها تتزاور وتكلم بعضها وتحس بغيرها.
([28]) كتاب الروح: ص 5 وما بعدها.
([29]) الفروع لابن مفلح 3/416.
([33]) فتح القدير للكمال ابن الهمام 3/181.
([35]) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 551.
([36]) تفسير روح المعاني: ج 2 ص 297.298
([37]) كنز المطالب العدوي الحمزاوي (ص216).
([39]) المهند على المفند خليل أحمد سهارنبوري (المتوفي 1349 هـ) (ص 86-87).
([40]) مقالات الكوثري ” (صـ 410).
([41]) الشفا للقاضي عياض 2/ 92.
([42]) المواهب اللدنيه 3/594. شرح الزرقاني علي المواهب 12/194. وفاء الوفاء للسمهودي 4/197. المدخل لابن الحاج 1/260، القوانين الفقهية ص 96.
([43]) المدخل لابن الحاج 1/258 ، القوانين الفقهية ص 95،
([45]) المواهب اللدنية: 3/604.
([47]) حاشية الصاوي على الشرح الصغير1/284.
([48]) احياء علوم الدين 1/259.
([51]) دفع شبه من شبه وتمرد ص 89.
([56]) الرد علي الاخنائي ص 410.
([57]) العلل لأحمد بن حنبل (2: 492).
([58]) الشرح الكبير ج3 ص495) .
([59]) الإمام بن قدامة المقدسي الحنبلي في وصيته (ص 92).
([61]) المدهش لابن الجوزي ١: /١٤١.
([62]) المستوعب محمد بن الحسين السامري (3: 88)
([63]) الإنْصاف” للمرداوي 2: 456.
([65]) تهذيب الكمال للحافظ المزي 13: 186 . مسائل الامام أحمد ص 245.
([67]) المُنوّر تقيُّ الدين الأدَمي ص 190.
([68]) “الفروع لابن مفلح 3: 229،
([69]) شرح منتهي الاردات 2/534.
([71]) مناقب الامام أحمد ص 400.
([72]) تحفة الذاكرين للشوكاني ص 60.
([74]) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد للشوكاني
([77]) سنن ابن ماجة2/186 ح 1085. سنن ابي داود 1/275 ح 1047.
([78]) مسند البزار 13/299 ح 6888.
([79]) مسند احمد 21/215.ح 13594.
([83]) المعجم الكبير للطبراني 9/30، المعجم الصغير1/ 306.
([84]) مصنف ابن أبي شيبة 6: 356. دلائل النبوة للبيهقي 7/47.
([85]) فتح الباري 2/495 وما بعدها. اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 254.
([86]) صحيح البخاري 5/76 ح 3976. صحيح مسلم 4/ 2203 ح 2874.
([87]) رواه الحاكم في المستدرك 2/456 وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه
([90]) السنن الكبري للنسائي 9/362 ح 10759.
([91]) صحيح البخاري 7/113 ح 5637، صحيح مسلم 3/1591 ح 2007.
([92]) شرح النووي على صحيح مسلم 13: 178- 179.
([93]) سنن ابن ماجة 4/490ح 3423، سنن الترمذي 4/306 ح 1892.
([95]) صحيح مسلم 4/1815 ح 2331.
([96]) صحيح البخاري 3/193 ح 2731.
([97]) المستدرك للحاكم 3/338 ح 5299.
([98]) البخاري 7/133 ح 5746، صحيح مسلم 4/1724 ح 2194.
([99]) سنن ابن ماجة 3/90 ح 1895.
([100]) صحيح البخاري 3/163 ح 2731.
([102]) السنن الكبري للبيهقي 7/479 ح 7210.
([103]) المستدرك 3/638 ح 6343.
([104]) التوضيح لشرح الجامع الصحيح21/185.
([106]) المرجع السابق 4/82 ح 1305.
([107]) المرجع السابق 7/79 ح 2325.
([108]) صحيح البخاري 2/865 ح 2319.
([109]) المعجم الكبير للطبراني 24/341.
([110]) جامع المسانيد والسنن لابن كثير 10/105.
([111]) مسند أحمد 26/395 ح 16474.
([112]) صحيح مسلم 3/1641 ح 2069.
([115]) المعجم الكبير للطبراني 4/13 ح 3501.
([116]) صحيح البخاري 1/396 ح1130.
([117]) المستدرك علي الصحيحن 23/244 ح14996.
([118]) سنن الترمذي 3/390 ح 1089.
([122]) الثقات لابن حبان : 8: 457
([123]) النووي على شرح مسلم: 5: 161.
([124]) النووي على شرح مسلم: 14: 44.
([125]) سير أعلام النبلاء: 10: 107.
([126]) سير أعلام النبلاء: 9: 343.
([131]) الخطيب في تاريخ بغداد13: 534 وابن أبي يعلى الحنبلي في طبقات الحنابلة2: 63 وابن مفلح الحنبلي في المقصد الأرشد 2: 254 وابن الجوزي في المنتظم 13: 252 والعليمي الحنبلي في المنهج الأحمد2/213.
([132]) طبقات الحنابلة 2: 234.
([135]) الإنصاف للمرداوي 4: 54. 8: 333.
([138]) مسند احمد 21/215.ح 13594. المغني 2: 380.
([141]) غاية المنتهى مع مطالب أولي النهى 1: 934.
([142]) صحيح البخاري 2/88 ح 1330. صحيح مسلم 1/376. ح 529.
([143]) صحيح البخاري 1/95 ح 435. صحيح مسلم 1/377 ح 531.
([144]) صحيح البخاري 1/95 ح 437، صحيح مسلم 1/377 ح 530.
([145]) صحيح مسلم 1/377 ح 532.
([146]) صحيح البخاري 2/61 ح 1195.صحيح مسلم 2/1010ح 1390.
([147]) مسند أحمد 18/ 154 ح 11610. السنن الكبرى للنسائي 4/263 ح 4276. مسند البزار 2/148.
([148]) سنن الترمذي 3/329 ح 1018.
([152]) فتح الباري لابن رجب 2: 442-443
([153]) صحيح البخاري 1/93 ح 427.
([154]) صحيح مسلم 1/375 ح 528.
([155]) تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة 1/257.
([158]) إعلام الراكع السَّاجد بمنع اتِّخاذ القبور مساجد ص 3. [ كلمة هادئة في أحكام القبور للدكتور عمر كامل]
([159]) الزواجر لابن حجر 1/112.
([160]) سبل السلام الصنعاني 2/141.
([161]) مسند ابي يعلي 2/321 ح1020. وإسناده صحيح وقال الهيثمي (3: 61): ” ورجاله ثقات.
([162]) المعجم الكبير للطبراني 11/376.
([163]) الاحاديث المختارة ضياء الدين المقدسي 12/119.
([164]) صحيح ابن حبان 3/73 ح 2002.
([165]) مصنف عبدالرازق 1/406 ح 1591.
([166]) فيض القدير للمناوي 4/466.
([168]) صحيح مسلم 2/668 ح 972، سنن ابي داود 5/133 ح 3229
([169]) مرقاة المفاتيح 3/1217.
([170]) صحيح البخاري 1/93 ، السنن الكبرى 2/610 ح 4277.
([171]) فتح الباري لابن حجر 3/201.
([172]) تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للألباني
([173]) صحيح مسلم 2/704 ح 1017.
([174]) صحيح البخاري 3/184 ح 2697.
([175]) من كتاب اتقان الصنعة في معنى البدعة للشيخ عبدالله الغماري]
([180]) سبق تخريجه. الطبقات الكبرى لابن سعد 2/241.
([182]) الميسر في شرح مصابيح السنة 1/204.
([187]) صحيح البخاري 2/60 ح 1189.
([189]) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 10/149.
([190]) مسند أحمد 18/ 152 ح 11608.
([192]) جامع المسانيد والسنن 3/41 ح3162.
([195]) صحيح مسلم 2/666 ح 969.
([196]) صحيح مسلم 2/667 ح 970. سنن ابي داود 5/130 ح 3225.
([198]) كتاب الجنائز ابن مفلح ص 681 – 682.
([200]) الميسر في شرح مصابيح السنة 2/397.
([201]) السلفية المعاصرة شبهات وردود عبد الرحمن المكي الهاشمي
([203]) االبحر الرائق: 5: 217.
([204]) حاشية ابن عابدين 1: 380.
([207]) الذخيرة للقرافي 2: 95.
([218]) المغني لابن قدامة 2/51.
([221]) المغني لابن قدامة 2/54.
([222]) الفروع لابن مفلح 2: 214.
([223]) الإنصاف للمرداوي 1: 493.
([224]) الإنصاف للمرداوي 1: 493.
([225]) الفتاوي الكبرى لابن تيمية 5: 326.
([226]) شرح العمدة لابن تيمية 4: 438.
([227]) شرح العمدة أيضا 4: 479.
([228]) صحيح ابن حبان 6/502 ح 5704، المستدرك 1/532 ح 1391.
([229]) صحيح ابن حبان 7/185 ح 6279.
([230]) منتخب عبد بن حميد ص 349 ح1156. وذكره الديلمي في فردوسه 2: 193.
([231]) المستدرك 3/ 30 ح 4319.
([232]) موارد الظمآان 6/270 ح1974.
([233]) الأحاديث المختارة للمقدسي 4: 105.
([238]) فتح العلي المالك 1/52.
([240]) شعب الايمان للبيهقي 7/19 و 7/298. وهو في تاريخ ابن عساكر 58: 330.
([241]) التمهيد لابن عبدالبر 1/168.
([244]) سنن الترمذي 2: 131 ح317.
([246]) مسند الدارمي 1/449 ح 1412.
([247]) تلخيص الحبير 1/659 ، التمهيد لابن عبدالبر5/220.
([248]) سنن الترمذي 2/177 ح 346، سنن ابن ماجة 1/479 ح 745.
([249]) التمهيد لابن عبدالبر 5/226، نصب الراية 2/323.
([250]) سنن ابي داود 1/363 ح 490، السنن الكبرى للبيهقي 2/632 ح4364.
([251]) عون المعبود وحاشية ابن القيم 2/110.
([255]) مسندأحمد 31/12 ح 18716.
([256]) صحيح البخاري 1/12 ح 15.
([257]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2278.
([258]) شرح النووي على صحيح مسلم 17/35.
([259]) الشفا للقاضي عياض 2/213.
([261]) الفواكه الدواني 1/422.
([264]) منح الجليل شرح مختصر الخليل 3/133.
([265]) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة السخاوي 1/20.
([266]) المسلك المتقسط في المنسك المتوسط ص351 – ص352.
([268]) رد المحتار علي الدر المختار 2/226.
([269]) المجموع للنووي 2/ 688.
([271]) حاشية البجيرمي على الخطيب1/72.
([274]) الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية ص96–98.
([276]) سبق تخريجه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. اه. وصححه السيوطي، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: ورجاله رجال الصحيح اهـ]
([277]) حياة الأنبياء في قبورهم ص 69.للبيهقي مسند البزار 13/299 ح 6888.
([278]) المغني لابن قدامة 3/478.
([281]) الشفا يتعريف حقوق المصطفى 2/194.
([283]) إبراز الغي الواقع في شفاء العيّ “: أبو الحسنات محمد عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي
([285]) الايضاح في مناسك الحج للنووي ص 447.
([286]) حاشية الايضاح لابن حجر
([287]) شرح فتح القدير 3: 179 _ 180.
([288]) رد المحتار على الدر المختار 2/498.
([289]) الشفا للقاضي عياض 2/194.
([290]) المغني لابن قدامة 3/477.
([293]) المبدع شرح المقنع 2: 284.
([296]) الإنصاف للماوردي 4: 53.
([297]) المغني لابن قدامة 3/477.
([298]) المغني: 2/195.و 3/ 210، الشرح الكبير لأبي الفرج ابن قدامة 2: 93.
([303]) الوسيط للغزالي 7: 277.
([305]) الذخيرة للقرافي 3: 375.
([307]) شرح فتح القدير 3: 179 _ 180.