الفصل الثالث مفاتيح تنزيل فقه البدع على واقع المسلمين مع تطبيقات لأمثلة عملية لذلك
المبحث الأول: مفاتيح فقه تنزيل البدع والمحدثات على واقع المسلمين بلا إفراط ولا تفريط
المبحث الثاني: مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الاحتفال بالمولد النبوي
المبحث الثالث: مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الذكر الجماعي
المبحث الرابع: مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الذكر الجهري
المبحث الخامس: مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الذكر بالاسم المفرد
المبحث السادس: مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة المبالغة في التعبد والتراويح
المبحث السابع: مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الصلاة على الرسول عقب الآذان
المبحث الثامن: مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة لفظ السيادة للنبي عليه الصلاة والسلام
المبحث التاسع: مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة رفع اليدين عند الدعاء
المبحث العاشر: مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة المصافحة عقب الصلاة
المبحث الحادي عشر: مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة استعمال السبحة في التسبيح
المبحث الثاني عشر: مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة اهداء ثواب القرآن والأعمال
المبحث الثالث عشر: مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على أحكام الجنائز والمقابر
المبحث الرابع عشر: مفاتيح تنزيل علم السنّة والبدعة على العادات التي لا تدخل تحت إطار الدين
المبحث الاول فقه تنزيل البدع والمحدثات على واقع المسلمين بلا إفراط ولا تفريط
[المفتاح الأول]: إنّ فقه تنزيل البدع والمحدثات على واقع المسلمين يحتم على الفقهاء أن يُراعوا ضوابط البدعة، في كل محدثة من المحدثات، فإن كان مجالها ليس في الدين، فلا علاقة لها بالبدعة، إذ الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، وإن كان مجالها الدين، فإن كان مندرجاً تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخل تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، ولا يكون فيه مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا يصادم نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعله إلغاء لسنة من سنن الدين، وأن يكون من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، فهذا جائز لا حرج فيه، وإن كان يخالف الدين ويصادم نصوصه فهو بدعة ضلالة.
[المفتاح الثاني]: لابد من تفعيل ضوابط وشروط البدعة: و(أهم الضوابط الفقهية لبدعة الضلالة): ضابطان: (الأول): أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، و(الثاني): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة.
و(أهم الضوابط الفقهية للمحدثة الحسنة): أنّ المحدث في الدين لا يُطلق عليه لفظ الحسنة إلا في وجود شروط ثلاثة استنبطوها من فقه الكتاب والسنة هي: (الأول): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه، و(الثاني): أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة، و(الثالث): أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير.
ولكي يكون الأمر منضبطاً عندهم، أوضحوا في شروط بدعة الضلالة، حتى لا يختلط الحابل بالنابل، والحسنة بالضلالة، وقالوا: بدعة الضلالة هي مَا اجتمع فيها شروط أربعة: (الأول): أن تكون محدثة بعد زمن التشريع، و(الثاني): أن تكون في الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى، و(الثالث): أن تخالف الشرع، و(الرابع): ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: (أ) ما أُحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، (ب) وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، (ت) وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم أصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف.
[المفتاح الثالث]: [علاج الخلل التبديعي عند المعاصرين]: العلاج يكمن في أمرين: (أولهما): تفعيل الضوابط الفقهية السديدة للبدعة عند الطرفين وحينها ينتظم الأمر للجميع بوحدة علمية عملية صحيحة في مجال البدعة، وذلك من خلال فقه الآيات والأحاديث ووضع الضوابط الصحيحة للبدعة من خلالهما بما يضبط أحكامها دونما غلو أو تقصير، و(الثاني): حمل ذم الفريق الأول للبدعة على أنها بدعة الضلالة (على المعنى الشرعي) التي يكون مجالها في الدين، ولا يكون لها أصل معتبر في الشرع، وحمل مدح الفريق الثاني للبدعة الحسنة (على المعنى اللغوي) أو اسمها الحقيقي السنّة الحسنة (على معناها الشرعي) وذلك للحديث (من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها) بشروطها المعتبرة عندهم وهي أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه، وأن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، وأن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، فإن تم لنا ذلك صار الخلاف لفظيا، ولم يبق لنا إلا تحقيق بعض المسائل المتعلقة بالبدعة، كمسألة الترك، ومسألة الاستناد إلى الحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ومسألة البدعة الإضافية، ومسألة سد الذرائع إلى البدعة، ومسألة التوسط في تقدير البدعة، ومسألة التفريق بين بدعة الاعتقاد وبدعة العمل، ومسألة الفرق بين البدعة والخلاف الفقهي، فإن تم تأصيل تلك المسائل بهدي من استيعاب أدلة الكتاب والسنة وفقهها، تم لنا المراد إن شاء الله تعالى، وتقاربت الافهام نحو فهم علم السنّة والبدعة وتم – إن شاء الله تعالى- القضاء على فتنة التبديع بين طوائف أهل السنّة والجماعة.[المفتاح الرابع]:
المبادئ التي تقرب الافهام في باب التبديع والتضليل: – بعد النظر إلى الضوابط الرصينة التي وضعها الفقهاء لضبط مسائل البدعة – هناك مبادئ تقرب الافهام في باب التبديع والتضليل أهمها: (أ) الاتفاق على أنّ أصول البدع الضالة التي تُخرج من إطار أهل السنّة والجماعة إنما هي الأصول العريضة التي قامت عليها فرق الضلال من الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة والمشبهة والمرجئة والجبرية.
(ب) الحذر من جناية التعاريف على العلم: هناك أحيانا خلاف لفظي على مصطلح البدعة بين لغوي وشرعي يسبب الخلط أحياناً، فما له أصل في الدين يسميه الفريق الاول سنة حسنة أو مصلحة مرسلة، ويمتنع عليه تسميته بدعة لأن البدعة عنده لا تكون إلا سيئة، أما الفريق الثاني وفق تعريفه اللغوي للبدعة فيسميه بدعة حسنة على غرار تسمية الفاروق رضي الله عنه لجمع المسلمين على إمام واحد في قيام رمضان يصلي بهم عشرين ركعة: (نعمة البدعة هذه)، ويحدث الخلاف بسبب اختلاف التعريف، ولذلك قيل: كم للتعاريف من جناية على الألفاظ.
(ت) الاتفاق على خطورة البدعة بمفهومها الشرعي المذموم الإحداث في الدين بما ليس فيه، وأنّه أخطر على الدين من الفسوق والعصيان، لأنّ مآله إلى تغيير معالم الدين وتحريف شرائعه.
(ث) الاتفاق على أن الدين تام كامل بأصوله وقواعده وليس بجميع الفروع والجزئيات إذ ليست محصورة ولم يقل بهذا فقيه قط والدين صالح لكل زمان ومكان والمحدثاث مستمرة لا تتوقف والفقه في الدين أن تعرض المحدثات على اصول الدين وقواعده فما كان له أصل من الدين كان سنة حسنة وما ليس له أصل كان بدعة سيئة.
(ج) أن تطبيق القواعد الفقهية المقيدة والضابطة لمصطلح البدعة عند الطرفين ستؤول إلى نفس النتيجة عند تطبيقها التطبيق الصحيح على أرض الواقع، فالفريق الذي جعل كل محدثة بدعة ضلالة، وضع لها القيود الهادية فلا تكون المحدثة بدعة ضلالة إلا بشرطين اثنين استنبطوهما من فقه الكتاب والسنة: الاول: أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، والثاني: أن لا يكون لها أصل في الشرع يحث عليها، فإن كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة بالاصطلاح المقصود، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة.
والفريق الذي قسّم البدعة إلى حسنة وسيئة، وضع لها القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بضوابط وشروط لابد منها، تجعلها مقبولة في ميزان الشرع، مندرجة تحت غطائه، وليس الأمر بالتشهي ولا باتباع الهوى، وهؤلاء الفقهاء وضعوا شروطا ثلاثة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بتطبيق هذه الشروط التي استنبطوهما من فقه الكتاب والسنة، وقد سبق ذكرها، هي: الاول: أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، والثاني: أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، والثالث: أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير.
وعند التزام تلك الضوابط فلن يكون هناك خلاف حقيقي في علم (السنّة والبدعة) إلا في أذهان المتنطعين أو المتساهلين، ومع تطبيق تلك الضوابط المقيدة للبدعة عند كلا الطرفين وفقه مسائلها تقترب وجهات النظر إلى حد كبير ويضيق الخلاف في فروع البدعة ويؤول إلى خلاف فقهي ناشئ عن اجتهاد معتبر للمصيب فيه أجران وللمخطئ فيه أجر واحد، ومع جمع الضوابط الفقهية للبدعة تتضح الصورة أكثر وتظهر الحلقة المفقودة بين الطرفين وتتواصل سلسلة الود والتفاهم بين كافة أطراف أهل السنة، وبالتالي تتوحد جهود علماء أهل السنة والجماعة نحو محاربة البدع الأصلية التي تأخذ بأصحابها نحو الضلالة واستحقاق النار كبدع الخوارج والروافض والمرجئة والمشبهة والمجسمة والقدرية والجبرية والجهمية وغيرها من الفرق الضالة.
[المفتاح الخامس]: لفظ (كُل) الذي جاء في حديث: (كل محدثة بدعة) عموم مخصوص بكل ما أحدث في الدين مما ليس منه، فإنّ (كل) تأتي في صورة العموم ويُرادُ بها الخصوص كقولهِ تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79]، ومع ذلك لم يأخذ الملك السفينة التي خرقها الخضر عليهِ السلام، لأنّ المقصود (كل سفينة صالحة سليمة) كقولهِ أيضاً سبحانهُ وتعالى: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23]، ومع ذلك فإنها لم تؤتى مُلكَ سليمان، وكقولهِ سبحانهُ وتعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [الأحقاف: 25]، وهي لم تُدمّر الجبال والأرض و السماوات بل حتى مساكنهُم، ف (كل) هنا من صيغ العموم ولكن يُراد بها الخصوص، والخصوص هاهنا في حديث: (كل محدثة بدعة) هو أن تكون محدثة ليس لها أصل في كتاب الله تعالى، فإن كان لها أصل فهي سنّة حسنة وليست بدعة ضلالة، قال الإمام القرطبي في جامع الأحكام: (كُل بدعةٍ صدرت من مخلوقٍ فلا يخلو أن يكون لها أصلٌ في الشرع فإن كان لها أصلٌ كانت واقعة تحت عموم ما ندب إليهِ وحضّ رسولهُ عليهِ فهي في حيّز المدح، وإن لم يكن مثالهُ موجوداً كنوع من الجودِ والسخاء وفعل المعروف، فهذا فعلهُ من الأفعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعل قد سُبق إليهِ، ويَعْضُد هذا قولُ عمر رضي الله عنهُ: نِعْمتِ البدعة هذه، لمّا كانت من أفعال الخيرِ وداخلة في حيّز المدح، وهي وإن كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد صلاها إلا أنهُ تركها ولم يُحافظ عليها، ولا جمع الناس عليها، فمُحافظة عمر رضي الله عنهُ عليها، وجمعُ الناس لها، وندبُهم إليها بدعةٌ لكنها بدعة محمودة ممدوحة، وإن كانت في خلاف ما أمر الله بهِ ورسوله فهي في حيزّ الذم والإنكار) أهــ، ([1]) .(قلت) وقصد القرطبي من البدعة المحمودة إنما هو السنّة الحسنة التي جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فلهُ أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء) وعموم النص مقدم على خصوص السبب ومعنى الحديث أنهُ يُسنُ للمسلمِ أن ينشأ باجتهاده سنة حسنة لها أصلٌ في الشرع وإن لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم من أجلِ زيادة الخير والأجر، ولذلك قال النووي رحمهُ الله في شرح هذا الحديث: (إن فيهِ الحث على الابتداء بالخيرات وسن السُنن الحسنات، والتحذير من الأباطيل والمستقبحات) أهــ، ([2]) . وقال أيضاً (قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كُل بدعة) هذا عام مخصوص والمراد غالب البدع) أهـ، ([3]) .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح حديث البخاري: (وكُل ما لم يكُن في زمنهِ صلى الله عليه وسلم يُسمى بدعة، لكن منها ما يكونُ حسن ومنها ما يكون خلاف ذلك) اهـ، ([4]) .وأخرج أبو نعيم عن إبراهيم الجنيد قال: (سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان، بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم) ([5]) .
[المفتاح السادس]: (فائدة) في بيان معنى قول الفقهاء: (العبادات توقيفية): يفهم بعض أهل الهوس التبديعي هذه القاعدة على طريق الخطأ، فيريدون بها تضييق واسعا من دين الله، بتحريم كل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، صلى عليه الصلاة والسلام قيام الليل ثمان ركعات فما زاد عندهم فهو بدعة، كان صلى الله عليه وسلم يسبح ويحمد ويكبر محتسبا العدد على أنامله ولم يستعمل السبحة إذن هي بدعة، لم يرد عنه بعد اختتام قراءة القران، قول صدق الله العظيم، إذن من قالها فهو مبتدع ضال، لم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم عدد الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة، فمن ألزم نفسه مثلا بألف صلاة في اليوم والليلة يقولون من اين اتى بذلك، وهكذا، انفرط عقد التبديع بسبب الفهم المغلوط لهذه القاعدة، ولذلك ينبغي أن نعلم ما هو المقصود من قول الفقهاء: (العبادات توقيفية)، ومعناها أن أصول العبادات توقيفية، فصلاة العصر أربع ركعات فلا اجتهاد في عددها ومن صلاها خمسا او ستا فهي باطلة وهو مبتدع ضال، والصبح ركعتان فمن زاد بطُلت الصلاة، الركوع في كل ركعة ركوع واحد فمن زاد بطُلت الصلاة، والسجود في كل ركعة من ركعات الصلاة سجدتان، فمن زاد او نقص بطُلت الصلاة، فلا اجتهاد في أصل الصلاة، والحديث: (صلوا كما رأيتموني اصلي) [متفق عليه]، أما من أراد ان يصلي من النوافل ما شاء فليصل ولكن على نفس هيئة الصلاة في كل ركعة، ومقادير الزكاة لا اجتهاد فيها، وهكذا الصيام في رمضان فمن صام شوال بدلا من رمضان بغير عذر، فصيامه باطل، والحج في ذي الحجة واعمال الحج وأركنه وواجباته معلومة معروفة فلا اجتهاد فيها تؤدى كما أدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا ما قصده الفقهاء من قولهم: (العبادات توقيفية)، وليس معناها تبديع كل فعل شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه، ثم لا ننسى أن الأوراد العبادية تحتاج إلى ترتيب من حيث الأوقات والاعداد، فهل إذا ألزم مسلم نفسه بالجلوس في المسجد كل يوم من صلاة المغرب إلى العشاء وخصصها مثلا لتكرار سورة الفاتحة أو سورة الإخلاص أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ما البأس في ذلك، أو إذا ألزم مسلم نفسه بصلاة مائة ركعة قيام ليل يخفف القيام والركوع والسجود، فما الباس في ذلك، وقد ذكر الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء: (أنّ عبد الله ابن الإمام احمد بن حنبل قال: كان أبي يُصلي في كل يوم ثلاث مئة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط أضعفتهُ فكان يصلي كل يوم وليلة مئة وخمسين ركعة) ([6]) . وكذلك ما رواهُ أبو نُعيم في الحلية: (وكان لأبي هريرة رضي الله عنهُ خيط فيه ألفا عُقدة، لا ينام حتى يُسبح بهِ) ([7]) .وما رواه الحاكم في المستدرك: (أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهُ خصص عشية يوم الخميس ليُحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) ([8]) .(تنبيه): هناك فرق لطيف بين العبادات التوقيفية وبين سائر الطاعات، فإن صلاة الظهر عبادة توقيفية لا نملك فيها إلا الاتباع، وبر الوالدين عبادة بالنية، ولكنها عند التحقيق طاعة تأخذ صورا عديدة ومآلها إلى طاعة الله، فليست هي من ضمن العبادات التوقيفية، كما أنّ هناك شعائر ينبغي تعظيمها، وتعظيمها من تقوى القلوب، فالطاعات أوسع من العبادات التوقيفية، وكل عبادة توقيفية تعتبر طاعة وليس العكس، كما أنّ الشعائر أوسع من العبادات، فكُل عبادة شعيرة وليس كل شعيرة عبادة، وعليه فتعظيم شعيرة من شعائر الله تعالى ليس بالضرورة أن يكون عبادة توقيفية.
[المفتاح السابع]: السلف الصالح سنّوا سنناً حسنة: وهذه السنن لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعلها أو قالها، ولم يستأذنوه أولا في فعلها أو الإتيان بها، وإنما بادروا إلى فعلها، ثم بعد ذلك علم هو بها، أو فعلوها بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، والأمثلة على ذلك كثيرة منها: سنة الوضوء التي أحدثها بلال رضي الله عنه، ولم يكن قد أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استأذنه فيها، إلى أن قال له: (يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة، قال: ما عملت عملا أرجى عندي، أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور، ما كتب لي أن أصلي) ([9]) . لقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السنّة، لكن بعد أن أحدثها بلال من اجتهاده في الخير، بما لا يخالف دين الله، وبما له أصل من دين الله تعالى الذي يحث على كثرة الطهارة والصلاة، وأخرج البخاري عن أَنَسِ رضي الله عنه: (كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح قل هو الله أحد حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى فإما تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى فقال ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركتكم وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة فقال إني أحبها فقال حبك إياها أدخلك الجنة) ([10]) .وعن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ: {قل هو الله أحد}، يرددها فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له وكأن الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن) ([11]) . وأخرج البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم ب {قل هو الله أحد} فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخبروه أن الله يحبه) ([12]) . وأخرج البخاري عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: (كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال من المتكلم قال أنا قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول) ([13]) .
فهذه أدلة عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم تدل على أنهم كانوا يبادرون إلى الخير في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم دون انتظار الإذن بذلك، ولو كانت اجتهاداتهم في التقرب إلى الله بشتى أنواع العبادات والقربات ممنوعة، لنهاهم عنها الرسول صلى الله عليه وسلم خوف الابتداع في الدين، كما أنّ هناك سنناً حسنة فعلها الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يفعلها هو في حياته، ولم يمنعهم من فعلها أنه لم يفعلها، ومن ذلك: جمع أبي بكر رضي الله عنه للقرآن، المصحف زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقد أخرج البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: (أرسل إلي أبوبكر فقال: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر،، فتتبع القرآن فاجمعه،، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال) ([14]) .
وجمع عمر رضي الله عنه المسلمين على إمام واحد في صلاة التراويح يصلي بهم عشرين ركعة يروحهم بعد كل أربع ركعات، وقوله رضي الله عنه عندما رآهم مجتمعين على إمام واحد (نعم البدعة هذه) ([15]) . وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل، وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم، وما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها) ([16]) .
فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي فضلها في العلم على نساء المسلمين كفضل الثريد على سائر الطعام، تفعل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسب قولها، وأخرج مسلم عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبدالله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، والناس يصلون الضحى في المسجد فسألناه عن صلاتهم فقال: (بدعة) ([17]) .
قال النووي في شرح مسلم: (مراده أن إظهارها في المسجد بدعة، والاجتماع لها هو البدعة أو يقال: المواظبة عليها بدعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يواظب عليها، خشية أن تفرض) ([18]) .
ولذلك كان من فقه الإمام الشافعي الذي ملأ طباق الأرض أنّه قال: (المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما ما أحدث، مما يخالف كتابا أو سنة، أو أثرا، أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة، والثاني، ما أحدث من الخير، لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة) أهــ ([19]) .
فهذا هو الفقه في الدين، ومن يرد الله تعالى به خيرا يفقه في الدين.
[المفتاح الثامن]:علاقة البدعة الحسنة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم: أنواع السنة عند الأصوليين ثلاثة اقسام: السنة القولية،: وهي ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم، والسنة الفعلية،: وهي ما ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم، والسنة التقريرية، وهي ما أقره الرسول صلى الله عليه وسلم مما صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال، وبقليل من التدبر والنظر نجد انّ سنة الإقرار في أصلها بدعة حسنة أحدثها الصحابي، ثم بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقر فاعلها وجوز فعلها، ولو أن كل بدعة ضلالة في الدين لا يجوز فعلها لأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل فعل للصحابة لم يكن لهم به سند من كتاب أو سنة، ولكن الحاصل عكس ذلك، قبول النبي صلى الله عليه وسلم لتلك الاعمال بل وجعلها من سنن الهدى، ورتب عليها الاجر الكبير.
وفي بيان تلك العلاقة يقول الشيخ عيسى عبد الله محمد الحميري في رسالته: (البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع): إن بين سنة الإقرار ومفهوم البدعة علاقة وثقى ورابطة محكمة وصلة وطيدة، ومع ذلك فإنها مما لم تتبين لكثير من العلماء، ولم يتفطن لها كثير من الفضلاء، وفيما يلي بيان لها: فابتداء نعود فنُذكِّر بمعنى سنة الإقرار بشيء من البيان والوضوح فنقول: إن السنة التقريرية تعني أن يقول أحد الصحابة قولاً أو أن يفعل فعلاً ابتداء من نفسه، دون أن يكون له سند من كتاب أو سنة يخصه بعينه، ثم يبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فيسكت عنه صلى الله عليه وسلم ولا ينكره، أو يقرره بقول منه أو فعل من جنسه أو استبشار به أو دعاء لفاعله، إلى غير ذلك مما يعلم به جواز هذا الفعل أو القول، فيصير سنة نبوية شريفة بهذا الإقرار يعلم بها جواز ما أقره له ولغيره من الأمة كما فصله وقرره علماء الشريعة الغراء.
فالناظر في هذا الكلام يعلم أن للسنة التقريرية أركاناً لابد منها: (أ) إحداث أحد الصحابة الكرام شيئاً لم يكن، (ب) بلوغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، (ت) إقراره صلى الله عليه وسلم لذلك بسكوت أو قول أو فعل أو غير ذلك، ومن هذا البيان والتفصيل تتبين لنا العلاقة الوثقى بين ســنة الإقرار ومفهوم البدعة، حيث إن سنة الإقرار في أصلها بدعة أحدثها الصحابي، ثم بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقر فاعلها وجوز فعلها، ولو أن كل بدعة ضلالة في الدين لا يجوز فعلها لأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل فعل للصحابة لم يكن لهم به سند من كتاب أو سنة، ولكن الناظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أنه يقررهم على كثير من الأفعال والأقوال التي ابتدؤوها من أنفسهم إن كانت داخلة في عموم دليل شرعي أو راجعة إلى قاعدة شرعية، وفي السنة الشريفة أمثلة كثيرة على ما ذكرناه، فمن ذلك:
[1]: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال عند صلاة الفجر: (يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك في الجنة، ……..الحديث)، قال ابن حجر: يستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة، لأن بلالاً توصل إلى ما ذكره بالاستنباط، فصوبه الرسول صلى الله عليه وسلم، انتهى، فانظر ـ رعاك الله ـ إلى سيدنا بلال رضي الله عنه كيف أحدث عبادة لم يرد بها نص من قرآن، أو أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصها بعينها، وواظب عليها مدة من الزمن دون الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقعت موقع القبول من الله تعالى بحيث كانت سبباً في دخوله الجنة، فقد قال له صلى الله عليه وسلم ـ كما في رواية الترمذي ـ) بهما(أي: بهاتين الركعتين نلت هذه المنزلة العظيمة، فكان ذلك إقراراً منه صلى الله عليه وسلم لسيدنا بلال على ما أحدث، وأضحت هاتان الركعتان بعد الوضوء سنة في حق الأمة كلها.
[2]: ما رواه البخاري وغيره عن رفاعة بن رافع قال: كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: (سمع الله لمن حمده)…….الحديث ) قال الحافظ ابن حجر: استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور اهـ.
[3]: ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من القائل كلمة كذا وكذا……الحديث)
فانظر إلى هذا الذكر الذي فتحت له أبواب السماء، وقد قاله الصحابي ابتداء من نفسه دون أن يكون له سند من كتاب أو سنة، ثم أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر فضيلته فصار سنة نبوية شريفة التزمها سيدنا ابن عمر ومن بعده من الأمة كثيرون، والأدلة على ما قلناه كثيرة، والأمثلة وفيرة لمن طالع كتب السنة بعين التحقيق والإنصاف، فسوف يرى أن سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مواجهة البدع والمحدثات لم تكن بردها دائماً، بل منها ما يقبله، بل ويرتضيه ويقرره ويذكر له فضيلة عظيمة كما في الأمثلة السابقة، ومنها ما يرده إن كان يخالف مقاصد الشريعة ويفوت مصالحها أو يصادم نصوصها، كإنكاره صلى الله عليه وسلم على النفر الذين سألوا عن عمله فتقالوه، فشددوا على أنفسهم بصوم الدهر واعتزال النساء وقيام الليل كله، لما في ذلك من التشديد والتنطع المخالف لروح الدين اليسر الحنيف، فنستطيع أن نقول: إنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر مبدأ الإحداث قطّ، وإنما كان ينكر المحدثات إذا لم تتوفر فيها شروط القبول والموافقة للشرع الإسلامي الحنيف، بل إننا لنلاحظ أيضاً أن الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم مع شدة حرصهم على متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله لم يفهموا من ذلك أن كل محدثة بدعة ضلالة لا ينبغي الإتيان بها، بل كانوا يفعلون كما رأينا بعض مالم يكن لهم فيه نص من كتاب أو سنة إن علموا أن مقاصد الشريعة تسعه، ونصوصها لا تأباه.
(فإن قال قائل): إن ذلك جائز في حياته صلى الله عليه وسلم لأنه سيعلمه إما بإخبارهم أو بوحي من الله تعالى، فإن كان هدىً أقره، وإن كان ضلالة رده، أما بعد حياته صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي فذلك غير جائز، (قلنا): إن من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من أحدث أشياء ليس له فيها نص بعينها، وهو يعلم أنه لن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد لينظر فيما فعل أهو سنة حسنة أم بدعة ضلالة، ومن ذلك صلاة سيدنا خبيب بن عدي رضي الله عنه ركعتين قبل أن يقتل حيث جاء في حديث البخاري: فكان خبيب هو سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبراً، قال الدكتور محمود عبود هرموش في كتابه (البدعة وأثرها في اختلاف الأمة): وفي هذا تصريح واضح بأن خبيباً اجتهد في توقيت العبادة ولم يسبق من الرسول صلى الله عليه وسلم، أمر ولا فعل، وهو علم أنه سيموت قبل أن يعرض عمله هذا على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أقدم على هذا العمل وهو يعلم أنه لن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أراد أحد إيقاع الصلاة في غير أوقات الكراهة التي نهى الشارع عن إيقاع الصلاة فيها، فإن هذا الفعل يكون من قبيل السنة الحسنة، وأما من يوقعها في أوقات النهي فإن فعله يكون من قبيل البدعة المذمومة لكونها وقعت مخالفة لهديه وسنته صلى الله عليه وسلم، انتهى.
(أقول): فهل مات سيدنا خبيب مبتدعاً بإحداثه هاتين الركعتين قبل أن يعلم بأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقره عليهما؟!! حاشا وكلا، بل هو المؤمن الصالح والشهيد الكريم الــذي رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سلامه فقال: (وعليك السلام يا خبيب قتلته قريش) ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قد انتقل إلى الرفيق الأعلى وانقطع الوحي، فإن نصوص القرآن والسنة ما زالت موجودة محفوظة ولله الحمد، وما زالت قواعد الشرع الحنيف ومقاصده قائمة معلومة يعرض عليها كل محدث وجديد، فإن قبل في ميزانها كان بدعة حسنة، وإلا فهو بدعة ضلالة نبرأ إلى الله منها، ولسنا ندعي حسن البدعة دون ضوابط وقواعد وعرض على الكتاب والسنة، بل لذلك شروط وقواعد لابد منها سنعرض لها إن شاء الله تعالى في خاتمة بحثنا،) أهـــ [البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع للشيخ عيسى عبد الله محمد الحميري]
***
المبحث الثاني مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الاحتفال بالمولد النبوي
المفتاح الأول: مدخل إلى فقه مسألة الاحتفال بالمولد النبوي:
[1]: ليس المقصد من هذا المبحث الدعوة إلى احداث أعياد جديدة للمسلمين، وإنما للمسلمين عيدان اثنان هما عيد الفطر وعيد الأضحى، وليس لهما من الأعياد سواهما، كما أنّ للعيد في شرع الإسلام شعائر ومناسك تميزه عن غيره من المناسبات السعيدة، أهمها صلاة العيد بالكيفية المخصوصة لها، وإنما المقصد – من هذا المبحث – هو الاعتدال في تقييم البدع والمحدثات بطريقة الفقهاء في الدين دونما غلو أو تفريط، وبيان أنّ المولد النبوي الشريف ليس عيدا بالمعنى الاصطلاحي للعيد، وإنما هو مناسبة اسلامية سعيدة، ويوم من أيام الله العظيمة.وقد امرنا القرآن الكريم بتذكر أيام الله تعالى الجليلة، كما في قوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5]، فهل من مانع شرعي من إظهار الفرح والسرور والاحتفال بهذه المناسبة العظيمة وتذكير المسلمين بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة، وسيرته الكريمة، وقد علم المسلمون أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم هو فضل عظيم من الله تعالى على هذه الامة، وهو رحمة من الله تعالى للعالمين، وقد قال الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]، فإن لم نفرح بميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم فبماذا يفرح المسلمون.
[2]: هل يمكن أن يكون اظهار الفرح والسرور بمولد الرسول حراما، وما هو دليل الحرمة، إن الشرع الحكيم قد جعل لنا ضوابط تضبط الحلال والحرام، قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]، فإن كان نهانا الرسول عنه انتهينا وان كان مما سكت عنه، علمنا أنّ ما سكت الشرع عنه فإنّه في دائرة المباح حتى يأتي ما يدل على استحبابه أو تحريمه، وهل يمكن أنّ يكون اظهار الفرح والسرور بمولد الرسول بدعة ضلالة.إنّ البدعة مصطلح شرعي خطير يسقط عدالة من يُتهم به، ويظل هذا العار في عنقه إلى يوم القيامة، ولهذا كان التحذير من الولوج فيه عظيما، وخطر الولوج فيه جسيما، والمفترض أنّه لا يملك حق وصف المسلم به إلا العلماء الفقهاء أهل التخصص الفقهي الذين بلغوا الغاية في الفقه في الدين، حتى يتمكن أحدهم من انزال حكم البدعة على المبتدع انزالاً صحيحا، فإنها من مسائل الدين الوعرة الخطيرة، لا يحسنها أي أحد، بل تحتاج عند انزالها على المسلمين إلى معرفة واسعة بالدين واحاطة بجوانبه، كما تحتاج إلى معرفة تامة بضوابط التبديع وشروطه وموانعه، كما تحتاج إلى معرفة أقسام البدعة، وحكم كل قسم منها، وهذا لا يقوى عليه الكثير من العلماء فضلاً عن طلبة العلم والمتعلمين، فالحذر الحذر من اطلاق لفظ المبتدع على أحد من المسلمين إلا بدليل واضح كالشمس لا يختلف عليه عالمان من أهل السنّة والجماعة الناجية، أما المشتبهات فالسكوت فيها أولى من حمل ورز تبديع من لا يستحق التبديع، إن البدعة خطرها عظيم وضررها جسيم فهي قرينة الكفر والشرك، وإنه من الخطر أن يتجرأ أحد ويبادر بالتبديع ويرمي المسلمين بالضلالة، إن الغلو في مسائل التبديع قرين الغلو في مسائل التكفير، وهو خطر عظيم على وحدة الأمة المسلمة، وعلى دينها، والمسرف في التبديع كما المسرف في التكفير لن ينجو من حساب الله يوم القيامة، وما أعظمه حساب لأنّه يتعلق بحق المسلم، وقد يتعلق بحق طائفة من المسلمين، لقد عانى المسلمون كثيرا من أهل التكفير الذين يرمون المسلمين بالكفر الأكبر، كذلك عانى المسلمون كثيرا من أهل التبديع الذين يرمون المسلمين بالبدعة والضلالة، قد تجرؤوا على تبديع المسلمين بأقل المخالفات وأهون الاختلافات، وقد أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا يرمي رجل رجلاً بالفسـوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كـذلك).
[3]: أن المقصود من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف إنما هو التعبيرٌ عن الفرح والسرور بمولده صلى الله عليه وسلم، وذلك بقراءة سيرتهِ وشمائلهِ وأخلاقه ودعوته وجهاده من أجل دين الله تعالى، وهذا كله تثبيت لقلوب المؤمنين على الإيمان، وقد كان الله تعالى يثبت قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بذكرِ أنباء الرُسل السابقين عليهِ كما في قوله تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120]، فما أحوج المسلمين لتثبيت قلوبهم بذكر أنباء الرسول صلى الله عليه وسلم، والتقرب إلى الله تعالى بذكره وكثرة الصلاة عليه، فهذا هو المقصد من الاحتفال إما ما عداه من مخالفات شرعية، فهذا ما نبرأ إلى الله تعالى منه، وليس مقصدنا في هذا المبحث سوى الاحتفال الشرعي الصحيح واظهار الفرح والسرور بمقدم رحمة الله تعالى للعالمين، صلى الله عليه وسلم، وإنّه لمن المؤسف أن يبلغ الحال ببعض المسلمين أن يكون إعلان الفرح والسرور والاحتفال بيوم ولادتهِ عليهِ الصلاة والسلام موضع تبديعٍ وإتهام، وهو اليوم الفاضل الذي أكرم الله تعالى به البشرية لأنّه الرحمة المسداة والكتاب المنير والهدى والنور للناس جميعا، بل تعدت رحمته إلى الثقلين الإنس والجن وإلى جميع العالمين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15]، فالنور هو النبي الهادي صلى الله عليه وسلم، والكتاب هو القرآن الكريم. [المفتاح الثاني]: الحجج التي يستدل بها أهل تبديع الاحتفال بالمولد: الحجج التي يستدل بها هؤلاء من جعل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدعة ضلالة تؤول إلى ثلاث حجج، الأولى: كونه محدث وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، والثاني: أنّه لم ينقل عن النبي صلي الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أنّهم احتفلوا به قط، الثالث: أنّ العبادات توقيفية ولا يجوز ادخال ما ليس منها فيها وأنّ الله تعالى أكرمنا بعيدين فلا يجوز أن تجعل ما سواها أعيادا للمسلمين، وجميع تلك الحجج واهية أمام الأدلة الدالة على جواز الاحتفال بالمولد، ففيما يخص حديث (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، فإنّ كلمة (كل) تتعلق بقيدها وضابطها، وهو المحدثة التي تخالف دين الله وليس لها أصل من دين الله والمولد لا يخالف دين الله تعالى في شيء، كما أنّ له أصولاً من دين الله تعالى سنوضحها في النقاط التالية، كما أنّ الترك (ترك الرسول صلى الله عليه وسلم لعملٍ ما) لا يدل على حكم شرعي معين سوى الجواز إلا إن جاء دليل مستقل على النهي، فما بالنا إن دل دليل شرعي على استحباب هذا الاحتفال وسيأتي بيان الأدلة .أما كون العبادات توفيقية، وأنّ الله تعالى أكرمنا بعيدين فلا يجوز أن تجعل ما سواها أعيادا للمسلمين، فالاحتفال بالمولد الشريف ليس من العبادات وليس هو من الأعياد الشرعية، ولم نسمع عن أحدٍ من المسلمين أنّه صلى له صلاة العيد حتى نسميه عيدا بالمصطلح الشرعي للعيد عند أهل الإسلام، ولكنه من باب تعظيم الشعائر، ومن أعظم الشعائر تعظيم شأن النبي صلى الله عليه وسلم والفرح بمولده واظهار السرور بقدومه، والله تعالى يقول: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، إنّ القول بكونه بدعة، ثم تبديع المحتفلين به ووصفهم بالضلالة غلو وتنطع وتحريم ما أحل الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، إنّ يوم المولد النبوي الشريف يوم فاضل قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (هو يوم ولدت فيه، ويوم أنزل علي فيه)، وقال فيه صلى الله عليه وسلم: (فيه ولدت، وفيه أنزل علي)، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سُئِل عن صوم يوم الاثنين، قال: (ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، (أو) أنزل علي فيه) ([20]) .
[المفتاح الثالث]: الاحتفال بالمولد النبوي الشريف سنّة حسنة: [1]: كما ذكرنا في القاعدة السابقة فإنّ لفظ (كُل) في حديث (كل محدثة بدعة) عام مخصوص، والخصوص هاهنا هو أن تكون محدثة ليس لها أصل في كتاب الله تعالى، فإن كان لها أصل فهي سنّة حسنة وليست بدعة ضلالة، قال الإمام القرطبي في جامع الأحكام: (كُل بدعةٍ صدرت من مخلوقٍ فلا يخلو أن يكون لها أصلٌ في الشرع فإن كان لها أصلٌ كانت واقعة تحت عموم ما ندب إليهِ وحضّ رسولهُ عليهِ فهي في حيّز المدح.. ويَعْضُد هذا قولُ عمر رضي الله عنهُ: نِعْمتِ البدعة هذه، لمّا كانت من أفعال الخيرِ وداخلة في حيّز المدح، وهي وإن كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد صلاها إلا أنهُ تركها ولم يُحافظ عليها، ولا جمع الناس عليها، فمُحافظة عمر رضي الله عنهُ عليها، وجمعُ الناس لها، وندبُهم إليها بدعةٌ لكنها بدعة محمودة ممدوحة، وإن كانت في خلاف ما أمر الله بهِ ورسوله فهي في حيزّ الذم والإنكار) أهــ، ([21]) . (قلت) وقصد القرطبي من البدعة المحمودة إنما هو السنّة الحسنة التي جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فلهُ أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء) وعموم النص مقدم على خصوص السبب ومعنى الحديث أنهُ يُسنُ للمسلمِ أن ينشأ باجتهاده سنة حسنة لها أصلٌ في الشرع وإن لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم من أجلِ زيادة الخير والأجر، ولذلك قال النووي رحمهُ الله في شرح هذا الحديث: (إن فيهِ الحث على الابتداء بالخيرات وسن السُنن الحسنات، والتحذير من الأباطيل والمستقبحات) أهــ، وقال أيضاً: (قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كُل بدعة) هذا عام مخصوص والمراد غالب البدع، وقال أهل اللغة: هي كُل شيء عُمل على غيرِ مثال سابق، وهي منقسمة إلى خمسة أقسام الإسلام) أهـ،([22]) . وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح حديث البخاري: (وكُل ما لم يكُن في زمنهِ صلى الله عليه وسلم يُسمى بدعة، لكن منها ما يكونُ حسن ومنها ما يكون خلاف ذلك) اهـ،([23]) . وأخرج أبو نعيم عن إبراهيم الجنيد قال: (سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان، بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم)، ([24]) . وقال الإمام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله: [في أخر كتابهِ (القواعد)]: (البدعة منقسمة إلى واجبة، ومحرمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة) ثم ضرب مثال لكُل واحدةٍ منها، ثم قال: (والطريق في ذلك أن تُعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فواجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فمحرمة، أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة) أهـ ([25]) . [2]: كما ذكرنا أيضا فإنّ هناك فرق بين العبادات التوقيفية وبين سائر الطاعات، فإن صلاة الظهر عبادة توقيفية لا نملك فيها إلا الاتباع، وبر الوالدين عبادة بالنية، ولكنها عند التحقيق طاعة تأخذ صورا عديدة ومآلها إلى طاعة الله، فليست هي من ضمن العبادات التوقيفية، كما أنّ هناك شعائر ينبغي تعظيمها، وتعظيمها من تقوى القلوب، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، ومن أعظم شعائر الله: حب النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم أمره، والاحتفال بمولده الشريف واظهار السرور بمقدمه، وهذا لا علاقة له بالعبادات التوقيفية كهيئة الصلاة وأركانها، فالطاعات أوسع من العبادات التوقيفية، وكل عبادة توقيفية تعتبر طاعة وليس العكس، كما أنّ الشعائر أوسع من العبادات، فكُل عبادة شعيرة وليس كل شعيرة عبادة، وليس في الشريعة ما يمنع من اظهار الفرح والسرور بمولده صلى الله عليه وسلم، بل هو من باب تعظيم شعائر الدين، علماً بأن المولد النبوي الشريف يستمدُ مشروعيتهُ من الأدلة العامة والخاصة كما سيأتي بيانها.[3]: السلف الصالح سنّوا سنناً حسنة: وهذه السنن لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعلها أو قالها، ولم يستأذنوه أولا في فعلها أو الإتيان بها، وإنما بادروا إلى فعلها، ثم بعد ذلك علم هو بها، أو فعلوها بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، والأمثلة على ذلك كثيرة، تقدم ذكر الكثير منها في القاعدة السابقة،، ولذلك كان من فقه الإمام الشافعي الذي ملأ طباق الأرض أنّه قال: (المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما ما أحدث، مما يخالف كتابا أو سنة، أو أثرا، أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة، والثاني، ما أحدث من الخير، لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة) والاحتفال بالمولد وإظهار السرور به، من هذا القبيل الذي ذكرة الشافعي رحمه الله: (ما أحدث من الخير)، مما لا يخالف كتابا أو سنة، بل له أصل من كتاب الله تعالى وسنته، فالمحبة له واجبة، والاقتداء به واجب وقد كان يعتز صلى الله عليه وسلم بيوم مولده – يوم الأثنين – ويصومه ويقول (ذاك يوم ولدت فيه)
[المفتاح الرابع]: أدلة الاحتفال بالمولد:
[1]: أدلة الاحتفال بالمولد عديدة: أهمها: أنّ الآيات القرآنية أشارت إليه، وأنّ له أصلاً في الشرع، وأنّه يدخل ضمن السنة الحسنة لقولهِ عليهِ الصلاة والسلام: (من سن في الإسلام سنة حسنة فلهُ أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء)، ولذلك ورد استحباب الكثير من علماء أهل السنّة والجماعة لفعله.
[2]: أشار القرآن الكريم إلى الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم، وذلك بذكر قصص مولد عددٍ من الأنبياء عليهم السلام، كقصة مولد سيدنا موسى عليهِ السلام في سورة القصص حيثُ تناولت القصة الأحوال قبل مولدهِ وأثناء مولدهِ وبعد مولدهِ إلى أن بعثهُ الله تعالى، في آيات عديدة، ومثل ذلك قصة مولد سيدنا يحي بن زكريا عليهما السلام في سورة مريم وسورة آل عمران، وقصة ميلاد مريم عليها السلام في سورة آل عمران، وكان الهدف من ذكر تلك القصص تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بأخبار الأنبياء والمرسلين، كما في قوله تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120]، فما أحوج المسلمين لتثبيت قلوبهم بذكر أنباء الرسول صلى الله عليه وسلم، والتقرب إلى الله تعالى بذكره وكثرة الصلاة عليه، والتأسي بسيرته العطرة، مع اظهار الفرح والسرور بنعمة مقدمه إلى الدنيا، ومثال الآيات التي تشير إلى مولد بعض الانبياء والمرسلين، قوله تعالى – في حق نبي الله يحيى عليه السلام -: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 15]، وقوله تعالى – في حق نبي الله عيسى عليه السلام: {) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)} [مريم: 33]، واحتفال المسلمين بيوم ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم، هو اقتداء بالنهج القرآني في تعظيم أيام ولادة الأنبياء وأحقهم بذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
[3]: الاحتفال بيوم مولده من تذكر آيات الله تعالى التي أمرنا الله عز وجل بتذكرها، وذلك مستفاد من قوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5]، جاء في التفسير عن حبر القرآن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} قال أيام الله هي أيام نعمهِ وأيام نقمهِ، ومن أجل أيام نعمه يوم مولده صلى الله عليه وسلم، وقد قال الحافظ السيوطي في كتابه الحاوي للفتاوي: (وقد سُئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه: أصلُ عمل المولد بدعة لم تُنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدُها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدُها كانت بدعة حسنة، وقد ظهر لي تخريجها – أي مشروعية عمل المولد – على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدِم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يومٌ أغرق الله فيهِ فرعون، ونجى فيهِ موسى، فنحنُ نصومهُ شكراً لله، فيُستفاد منهُ فعل الشكرِ لله على ما مُنّ بهِ في يومٍ مُعيّن من إسداء نعمةٍ، أو دفع نقمة، إلى أن قال – أي ابن حجر – وأي نعمة أعظمُ من نعمة بروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم، نبي الرحمة في ذلك اليوم، فهذا ما يتعلق بأصل عملهِ، وأما ما يعمل فيه – أي الاحتفال بالمولد – فينبغي أن يُقتصر فيهِ على ما يُفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة) أهـ ([26]) .
[4]: أشار القرآن الكريم إلى إظهار الفرح بمقدمه صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]، ونحن نعلم يقيناً أنّ الله تعالى جعل النبي صلى الله عليه وسلم هو فضل الله تعالى ورحمته، ونص على ذلك نصاً في القرآن الكريم، فهو المنّة والفضل العظيم لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 2 إلى 4]، وهو الرحمة المسداة لجميع الخلائق، لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وإنما بعثت رحمة) ولما كان هو الفضل والرحمة من الله وجب اتباع أمر الله تعالى بإظهار الفرح بمقدمة صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]، ويصدق هذا ما أخرجه السيوطي في الدر المنثور عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} قال فضل الله هو النبي صلى الله عليه وسلم. ([27]) .
[5]: الاحتفال بالمولد النبوي له أصل في الشرع يتمثل فيما أخرجه مسلم (وسئل عن صوم يوم الاثنين قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه) فها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يُسأل عن سبب صيامه ليوم الأثنين، فيذكر السبب وأنّه يوم ولد فيه، فهو يحتفل به بصورة صيامه، وإلا فما علاقة الإجابة (ذاك يوم ولدت فيه) بالسؤال (وسئل عن صوم يوم الاثنين) إلا إذا كان القصد بيان شرف هذا الزمان الذي ولد فيه، وهذا مثله ما جاء في صوم يوم عاشوراء، أنّ اليهود كانوا يصومونه فرحاً باليوم الذي نجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وأغرق آل فرعون، فكان قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا أولى بموسى منهم) فصام هذا اليوم، فقد أخرج البخاري: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوما يعني عاشوراء فقالوا هذا يوم عظيم وهو يوم نجى الله فيه موسى وأغرق آل فرعون فصام موسى شكرا لله فقال: (أنا أولى بموسى منهم فصامه وأمر بصيامه) ([28]) .
فالأصل هنا الذي يدل على شرعية الاحتفال بالمولد الشريف أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم الاثنين من كل أسبوع وندب إلى صيامه لأنّه يوم مولده، وصام يوم عاشوراء لأنّه يوم من أيام الله تعالى نجى فيه موسى عليه السلام وبني إسرائيل، وأغرق أل فرعون، ولا شك أنّ يوم مولده من أعظم أيام الله تعالى فضلاً ورحمة على البشرية، وقد كان من أسباب جعل يوم الجمعة عيد المسلمين الأسبوعي أنّه يوم مولد آدم عليه السلام، فإنّ من أسباب الفرح والسرور بيوم الأثنين الأسبوعي أنّه يوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، فما بالنا بيوم واحد في العام يستبشر المؤمنون بيوم مولده صلى الله عليه وسلم ويعيشون فيه مع سيرته العطرة وأخلاقه العظيمة كتذكير يمتد أثره طوال العام، فبه صلى الله عليه وسلم – وهو الفضل والرحمة – فليفرح المؤمنون هو خير لهم مما يجمعون.
[6]: الاحتفال بالمولد النبوي يدخل ضمن السنة الحسنة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا) وذلك لأنّ الاحتفال بمولده يشمل ذكر شمائله وسيرته وأخلاقه وذكره والصلاة عليه، وقد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم احتفل بيوم مولده وذلك بصيامه، فإن قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم مولده فلم لا تقتصرون على صيامه كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، قلنا الأصل الاحتفال والفرح به، وصيامه سنّة، والاستبشار به والسرور بمقدمه والاجتماع على ذكره أقل ما يقال فيه أنّه مباح، إن لم يكن سنّة حسنة يؤجر عليها المسلم بنيته وفعله، ولهذا قال الحافظ ابن حجر فيما نقله عنهُ السيوطي: (وأما ما يعمل فيهِ فينبغي أن يُقتصر فيهِ على ما يُفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة) أهــ ([29]) . [7]: استحباب الكثير من علماء أهل السنّة والجماعة لفعل المولد: الاحتفال بالمولد الشريف أمرٌ استحسنهُ الكثير من علماء المسلمين، ومن ذلك: قول الحافظ السيوطي: (أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن، والأخبار الواردة في بداية أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع لهُ من الآيات، ثم يُمد لهم سماط يأكلونهُ، وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها لما فيها من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح بمولده الشريف) أهــ ([30]) .وقول الحافظ ابن حجر: فيما نقله عنه الحافظ السيوطي في نفس المرجع السابق ما نصهُ: (وقد سُئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصهُ: أصل عمل المولد بدعة لم تُنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة،) أهـ، ([31]) .
وقول الحافظ العراقي: (إن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مُستحب في كل وقت، فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور بظهور النبي في هذا الشهر الشريف، ولا يلزم من كونهِ بدعة أن يكون مكروهاً، فكم من بدعة مستحبة بل قد تكون واجبة) أهــ ([32]) .
وقول الحافظ السخاوي: (لم يفعلهُ أحدٌ من السلف في القرون الثلاثة، وإنما حدث بعد، ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمُدن يعملون المولد ويتصدقون في لياليهِ بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولدهِ الكريم، ويظهر عليهم من بركاته ِكلُ فضلٍ عميم) أهــ ([33]) .
وقول العلامة ابن عابدين: فقد قال في شرحهِ على مولد ابن حجر: (اعلم أن من البدع المحمودة عمل المولد الشريف من الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم) أهــ، . وقول الحافظ ابن حجر الهيثمي: (والحاصل أن البدعة الحسنة متفقٌ على ندبها، وعمل المولد واجتماع الناس لهُ كذلك) أهــ([34]) .
وقول الحافظ ابن الحاج: (فكان يجب أن نزداد يوم الأثنين الثاني عشر في ربيع الأول من العبادات والخير شكراً للمولى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة وأعظمها ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم) أهــ ([35]) .
وقول إمام القراءات في عصرهِ الحافظ الـمُحدّث الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن عبدالله الجزري – في كتابه عُرف التعريف بالمولد الشريف-: (فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمهِ جوزي في النار بفرحهِ بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فما حالُ المسلم الموحد في أمة النبي، يُسرُ بمولدهِ، ويبذل ما تصل اليهِ قدرتهِ في محبتهِ صلى الله عليه وسلم لَعمري إنما يكون جزاؤهُ من الله أن يُدخلهُ بفضلهِ جنات النعيم) أهــ ([36]) .
وقول الإمام عبد الرحمن بن اسماعيل الدمشقي المعروف بأبي شامة: (ومِن أحسن ما اُبتدِعَ في زماننا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق لمولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مُشعرٌ بمحبته صلى الله عليه وسلم وتعظيمهُ في قلب فاعل ذلك وشكراً لله تعالى على ما منَّ بهِ من إيجاد رسولهِ الذي أرسلهُ رحمةً للعالمين) اهـ ([37]) .
وقول الإمام الشهاب القسطلاني: (فرحِم الله أمرؤا اتخذ ليالي شهر مولدهِ المبارك أعيادا، ليكون أشد علةً على من في قلبهِ مرضٌ وإعياء داء) اهـ ([38]) .
[8]: من الذين ألفوا رسائل في فضل الاحتفال بالمولد: الإمام الحافظ المناوي،شارح الجامع الصغير وصاحب كتاب الترغيب والترهيب لهُ مؤلف في المولد اُشتُهر باسم ـ (مولد المناوي) في ثمانين صفحة طُبعت سنة 1377، والعلامة ابو الوفاء الحُسيني،، والذي ألف رسالةً في المولد الشريف سمّاها (مولد البشير النذير السراج المنير) طبع عام 1307هـ، والشيخ العلامة عطية إبراهيم الشيباني الزبيدي،، وسمى كتابهُ (مولد المصطفى العدناني)، والإمام عبد الغني النابلسي،، وسمى كتابهُ (العلم الأحمدي في المولد المحمدي)، والعلامة الحُجة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي مفتى الشافعية بمكة المكرمة وسمى كتابهُ (إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم)، والإمام ابراهيم الباجوري لهُ حاشية على مولد ابن حجر وسمى كتابهُ (تحفة البشر على مولد ابن حجر)، والإمام الحافظ الشريف محمد بن جعفر الكتاني الحسني وسمى كتابهُ (اليُمن والإسعاد بمولد خير العباد)، والإمام تقي الدين علي ابن عبد الكافي السبكي صاحب طبقات الشافعية والشيخ محمد البناني والشيخ الدرديري في الشرح الكبير والشيخ الدسوقي في حاشيتهِ على الشرح الكبير، والشيخ محمد أحمد عليش المالكي في شرحهِ على مختصر خليل والشيخ الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير، وغيرهم الكثير.[فائدة]: أخرج البخاري: (أن عروة قال: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو لهب، أريه بعض أهله بشر حيبة، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة) ([39]) . وأخرج عبد الرزاق في مصنفه: (قال عروة: قال أبو لهب: لم ألق أو أجد بعدكم رخاء، غير أني سقيت في هذه مني، لعتقي ثويبة، وأشار إلى النقرة التي تلي الإبهام، والتي تليها) ([40]) .
وقال ابن حجر في الفتح:(ذكر السهيلي أن العباس قال لما مات أبو لهب: رأيته في منامي بعد حول، في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين، قال: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، وكانت ثويبة بشرت أبا لهب بمولده فأعتقها) ([41]).
فهذا أبو لهب مخلد في النار، كافر بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك يخفف عنه العذاب، لسروره بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعتقه بهذه المناسبة جاريته ثويبة، فكيف بمن يسر بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وهو مؤمن به، فهذا من باب أولى أن يكتب له القبول، وتناله الرحمة في الدنيا والآخرة، ولله در الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي، حافظ الشام، حيث قال في كتابه ” مورد الصادي في مولد الهادي”: (فقد صح أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين، لإعتاقه ثويبة، سرورا بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أنشد: (إذا كان هذا كافراً جاء ذمّهُ… بتبت يداهُ في الجحيمِ مُخلّدا… أتى أنه ُ في يوم الاثنين دائماً… يُخففُ عنهُ للسرورِ بأحمدا… فما الظنُ بالعبد الذي طول عمرهِ… بأحمد مسروراً ومات مُوحّدا).
[المفتاح الخامس]: خاتمة مبحث المولد النبوي الشريف: محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتوقيره والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وذكره والتعلق به يجب أن يكون في كل حين، وليس ذلك مخصوصاً بليلة مولده وشهر مولده، ولكن لابأس أن يكون شهر ربيع الأول كله هو شهر الرسول نكثر فيه من دراسة سيرته ومعرفة أخلاقه، والإكثار من ذكره والصلاة عليه، وكما أنّ شهر رمضان المبارك هو شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، مع أنّ ذلك ليس مخصوصاً بشهر رمضان، ولكننا نكثر فيه من القيام وتلاوة القرآن، فليكن شهر ربيع الأول هو الفرصة الكبرى لتذكير المسلمين كافة بالنبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، ودراسة كل ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم ابتغاء التخلق بأخلاقه والتأسي بسنته وهذا هو الاحتفال الحقيقي بمولد الرسول، أما ما قد يصاحب المولد من مخالفات أو محرمات فهذه يبرأ كل مسلم إلى الله تعالى مما يغضبه في هذا اليوم من أيام الله تعالى، ويجب انكار تلك المخالفات نصرة لدين الله تعالى، وصدق الله تعالى حيث يقول: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5]، وحيث يقول: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: من الآية32] وحيث يقول: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
***
المبحث الثالث مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الذكر الجماعي
[المفتاح الأول]: كثير من الآيات القرآنية دلت على جواز الذكر الجماعي، والأحاديث الشريفة بينت استحباب الذكر الجماعي وحثت عليه، كما تكاثرت أقوال الفقهاء على جوازه، قال الشيخ يوسف خطار في الموسوعة اليوسفية: [[كثير من الآيات القرآنية تدل على الذكر الجماعي منها: قال الله تعالى {فاذكروني أذكركم}[سورة البقرة الآية (152)]، وقال تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [سورة آل عمران الآية (191)]، وقال تعالى {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما}[سورة الأحزاب الآية (35)]، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} [سورة الأحزاب الآية (41 – 42)].
[المفتاح الثاني]: أحاديث شريفة تبين استحباب الذكر الجماعي والحث عليه:
(1) أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن لله ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال: فيسألهم ربهم – وهو أعلم بهم – ما يقول عبادي؟ قال: يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال فيقول هل رأوني؟ قال فيقولون لا والله ما رأوك قال فيقول كيف لو رأوني؟ قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا قال يقول فما يسألوني؟ قال يسألونك الجنة قال يقول وهل رأوها؟ قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو أنهم رأوها؟ قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال: فمم يتعوذون؟ قال يقولون من النار قال يقول وهل رأوها؟ قال يقولون لا والله ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها؟ فقال: يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم) ([42]) .
(2) وأخرج مسلم عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: (ما أجلسكم؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ علينا قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة) ([43]) .
(3) وأخرج الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر) ([44]) .
(4) واخرج الإمام احمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يقول الله عز وجل يوم القيامة (سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم) فقيل ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال (أهل مجالس الذكر) ([45]) .
(5) واخرج الإمام احمد عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: إنا لعند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال: (ارفعوا أيديكم قولوا لا إله إلا الله ففعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد ثم قال: ابشروا فإن الله قد غفر لكم) ([46]) .
(6) واخرج الإمام احمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: تعال نؤمن بربنا ساعة فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة) ([47]) .
(7) وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي… وغن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) ([48]) .
(8) وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) ([49]) .
(9) واخرج الإمام احمد عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات) ([50]) .
(10) وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليبعثن الله أقواما يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء قال فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله: حلهم لنا – صفهم – نعرفهم؟ قال: المتحابون في الله من قبائل شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه) ([51]) .
[المفتاح الثالث]: من أقوال العلماء والعارفين في مشروعية الذكر الجماعي:
(1) قال العلامة ابن عابدين في حاشيته في معرض ذكر الله تعالى مع الجماعة: (وقد شبه الإمام الغزالي ذكر الإنسان وحده وذكرا لجماعة بأذان المنفرد وأذان الجماعة قال: فكما أن أصوات المؤذنين جماعة تقطع جرم الهواء أكثر من صوت المؤذن الواحد كذلك ذكر الجماعة على قلب واحد أكثر تأثيرا في رفع الحجب الكثيفة من ذكر شخص واحد) ([52]) .
(2) وقال الإمام الشعراني في (ذكر الذاكر للمذكور والشاكر للمشكور): (أجمع العلماء سلفا وخلفا على استحباب ذكر الجماعة في المساجد وغيرها من غير نكير إلا أن يشوش جهرهم على نائم أو مصل أو قارئ) ([53]) .
(3) ويقول الإمام السيد محمد بهاء الدين المشهور بالرواس رحمه الله تعالى: (كمال الأدب حالة ذكر الله سواء كان مع الإخوان أو بالانفراد فإن طريقنا يشمل الذكرين الجلي والخفي أما الجلي فمع الإخوان في حلق الذكر وأما الخفي فهو ورد المرء يخلو به مع الله تعالى ولا ينفع كلاهما بغير الأدب الصحيح وهو صحة الحضور مع المذكور ليذكره الذاكر معتبرا بآياته معظما لجلال سلطانه ألا إلى الله تصير الأمور) ([54]) .
(4) يقول ابن المنير في كتابه (تحفة السالكين) في معرض ذكر جملة من آداب الذكر: (وعليهم مراعاة الوفاق في الأصوات علوا وخفضا لأن في ذلك نشطة للنفس ولذة للروح وراحة للسر وقهرا للشيطان وفرارا ولا يكثر أحدهم الالتفات ولا يعبث بلحيته ولا يلعب بيده ولا بشيء من ثيابه لأنه مجلس الله عز وجل ولا ينظر بعضهم بعضا لأنه مانع من الحضور بل يغمض عينيه)، ثم إن الجماعة قوة قال الله تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [سورة آل عمران: 103]، والحجارة لا يستطيع كسرها إلا الجماعة وقد شبه الله تعالى القلوب القاسية بالحجارة في شدة قساوتها فقال عز من قائل: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [سورة البقرة الآية (74)] فكما أن الحجارة لا يستطيع كسرها إلا الجماعة فكذلك القلب القاسي يسهل تليينه إذا تساعدت عليه جماعة الذاكرين]] أهــ ([55]) .
***
المبحث الرابع مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الذكر الجهري
[المفتاح الأول]: الأدلة على جواز الجهر في الذكر كثبرة جمع بعضها الشيخ يوسف خطار في كتابه القيم الموسوعة اليوسفية – قال -في مبحث عن الذكر الجهري -: [[قال الله تعالى {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [سورة آل عمران الآية (191)]، وقال تعالى {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} [سورة الأحزاب الآيه (35)]، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} [سورة الأحزاب الآية (41- 42)]،
[أحاديث وآثار تبين استحباب الجهر بالذكر والحث عليه]:(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يتلمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال فيقول: هل رأوني؟ قال فيقولون لا والله ما رأوك قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا قال يقول فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة قال: يقول: وهل رأوها؟قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو أنهم رأوها؟ قال فيقلون لو أنهم راوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال فمم يتعوذون؟ قال: يقولون من النار قال يقول وهل رأوها؟ قال يقولون لا والله ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها؟ قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم) ([56]) . وفي رواية عن جابر رضي الله عنه قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة قالوا وأين رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله وذكروا أنفسكم من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه([57]) .
(2) وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر).
(3) وعن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده فقال: إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة) ([58]) .
(4) وعن عبدالرحمن بن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بعض أبياته {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي}[سورة الكهف الآية (28)]،فخرج يلتمسهم فوجد قومه يذكرون الله تعالى منهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد فلما رآهم جلس معهم وقال (الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم) ([59]) وفي رواية لأحمد في الزهد عن ثابت قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله فمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكفوا فقال: (ما كنتم تقولون؟ قلنا نذكر الله قال: إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم)، فكف سيدنا سلمان وأصحابه عن الذكر لقدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم دليل على أنهم كانوا يجهرون فيه قبل قدومه وهذا دليل الجهر به. .
(5) وعن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: قال ابن الأدرع: انطلقت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة، فمر برجل بالمسجد يرفع صوته قلت: يا رسول الله عسى أن يكون ذلك مرائيا؟ قال: لا ولكنه أواه ([60]) .
وفي رواية عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل يقال له ذو البجادين: إنه آواه وذلك أنه كان يذكر الله ([61]) . وقال الحسن بن مسلم: كان رجل من أهل نجد إن دعا رفع صوته وإن صلى رفع صوته وإن قرأ رفع صوته فشكاه أبو ذر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إن هذا الأعرابي قد آذاني لئن دعا ليرفعن صوته ولئن قرأ ليرفعن صوته فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (دعه فإنه أواه) ([62]) .
(6) وعن ابن الزبير رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سلم من صلاته قال بصوته الأعلى: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله) ([63]) .
(7) وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة وبنى له بيتا في الجنة) ([64]) .
(8) وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال: هل فيكم غريب يعني (أهل الكتاب) قلنا: لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب فقال: ارفعوا أيديكم فقولا لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده ثم قال: (الحمد لله اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد ثم قال أبشروا فإن الله قد غفر لكم) ([65]) .
(9) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنا عند ظن عبدي بي،، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) ([66]) . والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ([67]) .
(10) وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ما من قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده)، ([68]) .
(11) وأخرج بقية من مخلد عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بمجلسين أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه والآخر يعلمون العلم فقال: (كلا المجلسين خيرا وأحدهما أفضل من الآخر) ([69]) .
فإقراراه صلى الله عليه وآله وسلم لمجلس الدعاء والذكر الذي يفهم منه الجهر فيما بالخيرية دليل على جواز الجهر فيهما.
(12) وعن عبدالله بن معضل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات) ([70]) .والاجتماع على ذكر الله دليل الجهرية.
(13) وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي رزي العقيلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (ألا أدلك على ملاك الأمر الذي تصيب به خيري الدنيا والآخرة؟ قال: بلى، قال: عليك بمجالس الذكر وإذا خلوت فحرك لسانك بذكر الله)، ([71]) .
(14) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يقول الرب تعالى يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم، قيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر في المساجد) ([72]) .
(15) وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (لأن أذكر الله تعالى مع قوم بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أحب الي مما طلعت عليه الشمس ولأن أذكر الله مع قوم بعد صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس أحب إلي من الدنيا وما فيها) ([73]) .
(16) وعن أبي الجوزاء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم مراؤون) . ([74]) .
(17) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون) ([75]) .
(18) وعن السائب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (جائني جبريل فقال: مر أصحابك يرفعوا أصواتهم بالتكبير) ([76]) .
.. وذكر ابن الجزري في كتاب الحصن الحصين: (أن كل ذكر مشروع أي مأمور به في الشرع واجبا كان او مستحبا لا يعتد بشيء منه حتى يتلفظ به ويسمع نفسه)، ([77]) .
وقال الإمام السيوطي رحمه الله أنه وردت أحاديث تقتضي استحباب الجهر بالذكر واحاديث تقتضي استحباب الإسرار به والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ثم قال: إذا تأملت ما أوردنا من الأحاديث عرفت من مجموعها أنه لا كراهة البتة في الجهر بالذكر بل فيه ما يدل على استحبابه إما تصيحا أو التزاما وأما معارضته بحديث (خير الذكر الخفي) فهو تظهر فيه معارضة أحاديث الجهر بالقرآن بحديث (المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة) ([78]) . وقد جمع النووي بينهما بأن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى به مصلون أو نيام والجهر أفضل من غير ذلك لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته تتعدى ويطرد النوم ويزيد في النشاط وقال بعضهم (يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار لأن المسر قد يمل فيأنس بالجهر والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار). وقال الشيخ عبدالوهاب الشعراني رحمه الله تعالى (وأجمعوا على انه يجب على المريد الجهر بالذكر بقوة تامة بحيث لا يبقى منه متسع إلا ويهتز من فوق رأسه إلى إصبع قدميه) ([79]) .
وقال الشيخ ابن عطاء الله: وينبغي إن كان الذاكرون جماعة فالأولى في حقهم رفع الصوت بالذكر مع توافق الأصوات بطريقة موزونة فذكر الجماعة على قلب واحد أكثر تأثيرا وأشد قوة فيرفع الحجب عن القلب ([80]) .
وأما أن هذا معارض بقوله تعالى {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول} [سورة الأعراف الآية (205)] فالحق ما بينه الإمام السيوطي في كتابه (نتيجة الفكر في الجهر بالذكر) ([81]) حيث قال: إن الجواب عن هذه الآية يكون من ثلاثة أوجه:
(الأول): إنها مكية لأنها من الأعراف وهي مكية كآية الإسراء{ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} [سورة الإسراء الآية (110)] وقد نزلت حين كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبون القرآن ومن أنزله فامره الله بترك الجهر سدا للذريعة كما نهى عن سب الأصنام في قوله: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} [سورة الأنعام الآية (108)] وقد زال هذا المعنى.
و(الثاني): أن جماعة من المفسرين منهم عبدالرحمن بن يزيد بن أسلم شيخ مالك وابن جرير حملوا الآية على الذكرحال قراءة القرآن وأنه أمره بالذكر على هذه الصفة تعظيما للقرآن الكريم أن ترفع الأصوات عنده ويقويه اتصاله بقوله تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون} [سورة الأعراف الآية (204)] قلت: وكأنه لما أمر بالإنصات خشي من ذلك الإخلاد إلى البطالة فنبه على أنه وإن كان مأمورا بالسكوت باللسان إلا أن تمكين الذكر بالقلب باق حتى لا يغفل عن ذكر الله ولذا ختم الآية بقوله{ولا تكن من الغافلين}[سورة الأعراف الآية (205)،].
و(الثالث): ما ذكره علماء الصوفية من أن الأمر في الآية خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم واما غيره فمن هو محل الوساوس والخواطر فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيرا في دفعها وأما قوله تعالى {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [سورة الأعراف الآية (55)] فالجواب عنه من وجهين:
(إحدهما): أن الراجح في تفسيره أنه تجاوز المأمور أو اختراع دعوة لا أصل لها في الشرع فعن عبدالله بن مغفل رضي الله عنه أنه سمع ابنه يقول: (اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول(يكون في الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور) ([82]) .وقرأ هذه الآية فهذا تفسير صحابي وهو أعلم بالمراد.
و(الثاني): على تقدير التسليم فالآية في الدعاء لا في الذكر والدعاء بخصوصه الأفضل فيه الإسرار لأنه أقرب إلى الإجابة ولذا قال تعالى {إذ نادى ربه نداء خفيا}[سورة مريم الآية (3)]، هذا وقد نص الإمام النووي رحمه الله في فتاويه على أن الجهر بالذكر حيث لا محذور شرعا مشروع مندوب إليه بل هو افضل من الإخفاء في مذهب الإمام الشافعي وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد وإحدى الروايتين عن الإمام مالك بنقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري وهو قول قاضيخان في فتاويه وقد قال العلامة الطحاوي في حاشيته على مراقي الفلاح (لا يمنع من الجهر بالذكر في المساجد احترازا عن الدخول تحت قوله تعالى {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [سورة البقرة الآية(114)] ([83]) .
وقال الشيخ حسنين مخلوف رحمه الله تعالى: (الأحاديث الصحيحة مع إثباته مشروعية الجماعة وفضلها في الذكر تثبت الجهرية (ايضا) وفضله فيه لأنه هو الذي صيرهم جماعة (كما هو المعهود لغة وعرفا)،، إلى أن قال: (وبالتأمل في عموم الآيات والأحاديث وما نقله الآلوسي في آية الدعاء تعلم انه لا وجه للقول بكراهة الجهر بالذكر جماعة) إذا خلا من الموانع الشرعية ولم يكن فيه إخلال بشيء من آدابه المعروفة، وقال الشيخ محمد الحامد رحمه الله تعالى: والذكر جائز في انفراد وفي اجتماع بشرط أن لا يكون من الذاكرين جهر يتأذى به الجيران والنائمون والعالمون والعابدون) أهـ ([84]) .
***
المبحث الخامس مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الذكر بالاسم المفرد
[المفتاح الأول]: الذكر بالاسم المفرد (الله، الله، الله) جائز بدليل قول الله تعالى: {واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ وتبتَّلْ إليه تبتيلاً} [المزمل: 8]، وقوله تعالى: {واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ بكرةً وأصيلاً} [الدهر: 25]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله) ([85]) .
فهذا اسم مفرد ورد ذكره مكرراً في هذا الحديث، ثم إن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي رَغَّبَتْ في الذكر جاءت عامة ومطلقة لم تخصص ذكراً معيناً، ولم يرد نص شرعي يُحَرِّمُ الذكرَ بالاسم المفرد (الله)، واعتراض البعض على الذكر بالاسم المفرد بحجة أنه لا يؤلف جملة تامة مفيدة كما في قولنا: الله واحد، مردود وذلك لأن الذاكر بهذا الاسم المفرد لا يكلم مخلوقاً فلا يُشترط أن يكون كلامه تاماً مفيداً، لأنه يذكر الله سبحانه الذي هو عالم بنفسه مطلع على قلبه.
[المفتاح الثاني]: جاء في الموسوعة اليوسفية تحت عنوان: حكم الذكر بالاسم المفرد: قال الشيخ يوسف خطار [[(أما ما ورد في الذكر بالاسم المفرد (الله) من آيات فكثيرة منها قول الله تبارك وتعالى {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} [سورة المزمل الآية (8)]، وقوله تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {قل الله ذم ذرهم} [سورة الأنعام الآية (91)]، وقوله تعالى: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا} [سورة الإنسان الآية (25)]، وقد وردت أحاديث مشروعية الذكر باسم الله الأعظم منها: ما رواه أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله، الله)، وفي رواية أخرى عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله، الله) ، فها هو اسم الله المفرد يرد ذكره مكررا في هذا الحديث، قال العلامة علي القاري في شرح هذا الحديث: أي لا يذكر الله فلا يبقى حكمة في بقاء الناس ومن هذا يعرف أن بقاء العالم ببركة العلماء العاملين والعباد الصالحين وعموم المؤمنين ([86]) .
وأخرج الإمام أحمد في الزهد عن ثابت رضي الله عنه قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله فمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكفوا فقال: ما كنتم تقولون؟ قلنا: نذكر الله، الله، فقال: إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر معهم ([87]) .
وللعلماء في هذا الباب أقوال كثيرة تؤيد مشروعيته فقد قال العلامة ابن عابدين في حاشيته الشهيرة عند شرح البسملة وتبحثه عن لفظ (الله) روى هشام عن محمد عن أبي حنيفة أنه أي الله اسم الله الأعظم وبه قال الطحاوي: وكثير من العلماء وأكثر العارفين حتى أنه لا ذكر عندهم لصاحب مقام فوق الذكر به كما في شرح التحرير لابن أمير حاج[([88]) .
وقال العلامة المحدث المناوي رحمه الله تعالى شارحا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله تعالى يقول: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه ([89]) .فهو مع من يذكره بقلبه ومع من يذكره بلسانه ولكن معيته مع الذكر القلبي أتم وخص اللسان لإفهامه دخول الأعلى بالأولى لكن محبته وذكره لما استولى على قلبه وروحه صار معه وجليسه ولزوم الذكر عند أهل الطرق من الأركان الموصلة إلى الله تعالى وهو ثلاثة أقسام: ذكر العوام باللسان وذكر الخواص بالقلب وذكر خواص الخواص بفنائهم عند ذكرهم عند مشاهدتهم مذكورهم حتى يكون الحق مشهودا في كل حال قالوا: وليس للمسافر إلى الله في سلوكه أنفع من الذكر المفرد القاطع من الأفئدة الأغيار وهو الله وقد ورد في حقيقة الذكر وآثاره وتجلياته مالا يفهمه إلا أهل الذوق ([90]) .
وقال العلامة الخادمي رحمه الله واعلم أن اسم الجلالة (الله) هو الاسم الأعظم عند أبي حنيفة والكسائي والشعبي وإسماعيل بن إسحاق وأبي حفص وسائر جمهور العلماء وهو اعتقاد جماهير مشايخ الصوفية ومحققي العارفين فإنه لا ذكر عندهم لصاحب مقام فوق مقام الذكر باسم الله مجردا قال الله لنبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام: {قل الله ثم ذرهم}، وقال الإمام الجنيد رضي الله عنه: ذاكر هذا الاسم (الله) ذاهب عن نفسه متصل بربه قائم بأداء حقه ناظر إليه بقلبه قد أحرقت أنوار الشهود صفات بشريته، وقال الإمام ابن عجيبة رضي الله عنه فالاسم المفرد (الله) هو سلطان الأسماء وهو اسم الله الأعظم ولا يزال المريد يذكره بلسانه ويهتز به حتى يمتزج بلحمه ودمه وتسري أنواره في كلياته وجزئياته،،) ([91]) .
وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه ليكن ذكرك (الله، الله) فإن هذا الاسم سلطان الأسماء وله بساط وثمرة فبساطه العلم وثمرته النور وليس النور مقصودا لذاته بل لما يقع به من الكشف والعيان فينبغي الإكثار من ذكره واختياره على سائر الأذكار لتضمنه جميع ما في (لا إله إلا الله) من العقائد والعلوم والآداب والحقائق… ([92]) .
ويقول فضيلة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى: ولكن عامة المسلمين من غيرهم أي الذين ينكرون الذكر بالاسم المفرد (الله) لا يجدون حرجا من ان يذكروا الله بأي من أسمائه وصفاته المفردة أو يذكروه بشيء من الصيغ أو الجمل الدالة على معنى يتضمن حكما من أحكام التوحيد أو التنزيه ودليلهم على ذلك صريح قول الله عز وجل {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا} [الانسان: 25]، ومن المعلوم أن أول أسمائه تعالى الله، وقال تعالى {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين} [سورة الأعراف الآية (205)]، وذكر الله في النفس أعم من أن يقيد بمدلول جملة ذات معنى متكامل يتضمن حكما من أحكام التوحيد او التنزيه فإن الجملة من مستلزمات التراكيب اللفظية والذكر النفسي قد لا يعتمد على شيء من هذه التراكيب وإنما يكون بإجراء اسم الجلالة أو أي صفة من صفات الله تعالى كالخالق الرزاق المصور الحكيم الخ على القلب بحيث يكون يقظا لشهود الله تعالى ففي اسمه المفرد أو أي صفة من صفاته المعروفة ([93])
ثم إنه قد وردت آيات وأحاديث كثيرة مطلقة عامة عدا ما مر فيها من أدلة ظاهرة جلية في ذكر اسم الله المفرد تحث على ذكر الله عز وجل من غير تعيين نوع معين من الذكر أو تحريم نوع آخر منه فيتبين لنا من هذا عدم ورود أي دليل يدل أو يشير إلى حرمة الذكر باسم الله المفرد.
ومما يعترض على الذكر باسم الله المفرد أنه لا يؤلف جملة مفيدة تامة يحسن السكوت عليها كقولنا الله غفور والجواب: أن الذاكر باسم الله المفرد إنما يخاطب الله وحده وهو جل جلاله عالم بما في نفسه مطلع على سريرته فلا يشترط في الخطاب معه ما يشترط في الخطاب مع البشر من جعل الكلام تاما مفيدا يحسن السكوت عليه، وقول (الله، الله) إنما هو نداء بحذف أداة النداء وأصله (يا الله، يا الله) كقوله تعالى {يوسف أعرض عن هذا} [سورة يوسف الآية (29)] وأصله يا يوسف ثم إن المنادى عند النحويين مفعول به لفعل محذوف وأصل الكلام (أدع الله) وقد يكون المبتدأ الله والخبر الله أو اسم من أسماء الله عز وجل ويكون هناك في القلب (العفو، الرحيم،،) .. على أن الذكر باسم الله المفرد أسرع في قلع جذور النفس من منابتها من السكين الحاد فهو يزيل علائق الخلق من القلب ويفرغه من الأكوان فترتحل عن قلوب الذاكرين الغفلة حتى يكون السلام ساريا في عروقهم ممزوجا بأرواحهم ويكون المذكور تجاههم لا يغفلون إذا غفل الناس وعندها يتحققون بمقام الإحسان الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله (… الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه…).
وفي نهاية الباب أقول: وأما ما ذهب اليه بعضهم من عدم جواز الذكر بالاسم المفرد فلا دليل له على ذلك بل إن نصوص القرآن الكريم تخالفهم كقوله تعالى {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون}[سورة الأنعام الآية (91)]، وقوله تعالى {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}[سورة لقمان الآية (25)] وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تقوم الساعة وعلى الأرض من يقول الله الله وقول سيدنا بلال الحبشي رضي الله عنه حين كان يعذبه أمية بن خلف أشد العذاب تحت حر شمس مكة: أحد، أحد [كتاب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ص 88] وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسمع قوله ولا ينكر عليه وسكوته عليه الصلاة والسلام إقرار وهذه كلها أدلة على جواز الذكر بالاسم المفرد فإذا كانت قدوتنا وأسوتنا الشريعة المطهرة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فكيف نترك الأدلة الصريحة وننتبع عقولنا إنه لشيء عجاب!! وهل يوجد دليل من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينهانا عن ذكر الله عز وجل، إنه لشيء عجاب!!) أهـ ([94]) .
***
المبحث السادس تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة المبالغة في التعبد وعلى مسألة التراويح عشرين ركعة
[المفتاح الأول:]: الاجتهاد في العبادة ممدوح وليس مذموم:
[1]: الله عز وجل امتدح العابدين، فقال تعالى: {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73] فأثنى عليهم سبحانه لاجتهادهم في عبادة ربهم، وندب الله تعالى عباده إلى المسارعة في العبادة، بقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران: 133] وقال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 21]، وندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستمرار على العبادة فقال في الحديث القدسي عن ربه عز وجل: (وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه)، وقد أمرنا الله تعالى بالاجتهاد في العبادة كما في قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} [السجدة: 15]، وقوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 17-19].
[2]: ليس المقصود من الاجتهاد على العبادات التشدد وتحمل ما لا يطيق المسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)، ([95]) . وقد أخرج البخاري رحمه الله: في باب ما يكره في التشديد في العبادة: عن أنس رضي الله عنه قال: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لـزينب فإذا فترت تعلقت تقوم وتصلي في الليل، فإذا أصابها الفتور والتعب تعلقت بالحبل لتبقى واقفة وتظل قائمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد) ([96]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم من العمل ما تطيقون، فإن الله عز وجل لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله عز وجل أدومه وإن قل) ([97]) .
[3]: لقد كان الصحابة رضي الله عنهم والسلف من أتباعهم يجتهدون في العبادة اجتهادا عظيما وكان اجتهادهم فيها في رمضان أعظم، ولذلك كانوا يصلون الليل إلا قليلاً في رمضان، وقد ثبت أنّهم كانوا يصلون التراويح عشرين ركعة او اكثر، وما ذاك إلا بسبب زيادة اجتهادهم في العبادة في رمضان.
[المفتاح الثاني]: جاء في الموسوعة اليوسفية، قال الشيخ يوسف خطار: [[صلاة التراويح هي قيام الليل في شهر رمضان المبارك وهي سنة صلاها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة منفردين كل على حدة وصلوها جماعة، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما أصبح قال: (قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج اليكم إلا أني قد خشيت أن تفرض عليكم) ([98]) .
فلما علم الصحابة رضي الله عنهم أن مقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يخشى أن تفرض عليهم دون أن يكون فيها أي مخالفة شرعية عادوا إلى المسجد واصبحوا يصلونها فيه بعضهم يصلي منفردا وبعضهم يصلي بجماعة وبقي العمل على هذا حتى جاء عهد سيدنا عمر رضي الله عنه فدخل عليهم المسجد فوجدهم قد كثروا وأصبح المسجد مكتظا بالصحابة والتابعين وكل يصلي على حدة أو بجماعة مع صاحب له فنظر إليهم نظرة متبصر بحالهم نظرة باحث عن الطريقة الأمثل لتأمين كامل الخشوع لهم فقرر أن يجمعهم على قارئ واحد فجمعهم على سيدنا أبي بن كعب رضي الله عنه كما يروي لنا سيدنا عبدالرحمن بن عبد القاري فيقول: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر رضي الله عنه: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة اخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: (نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله) ([99]) فلم ينكر عليه احد من الصحابة رضي الله عنهم ولم يثبت ذلك عنهم أبدا لأنهم علموا أنه ليس في فعله مخالفة للسنة فإن سيدنا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم عندما انقطع عن الخروج إليهم في رمضان إنما كان ذلك خشية افتراض القيام عليهم، والآن قد انتقل سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحياة البرزخية وتوقف نزول الأحكام فلم يعد ثمة أي مانع من اجتماعهم على إمام واحد وصلاتهم جماعة في المسجد لاسيما أنه أكمل في الخشوع وأكثر ثوابا من الصلاة منفردين ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ) ([100]) . ويقول أيضا: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) ([101]) . فكثر سيدنا عمر رضي الله عنه الركعات وخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات لأنه أخف على المأموم من تطويل الركعة الواحدة وعندما قال رضي الله عنه: (نعمت البدعة هذه) إنما قصد بها القيام في بداية الليل لا كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يقوم في أوسطه أو آخره ودل على ذلك قول سيدنا عمر في الحديث نفسه: (والتي ينامون عنها يقصد قيام آخر الليل أفضل من التي يقومون) وأيضا تفسير راوي الحديث سيدنا عبدالرحمن رضي الله عنه لها بذلك وهو أعلم بما يقوله، وقد كانت طائفة من السلف الصالح يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث وآخرون بست وثلاثين ويوترون بثلاث وغير ذلك كما سيمر معنا إن شاء الله، والأدلة على ذلك هي: عن يزيد بن رومان قال: (كان الناس في زمن عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة)، قال الشوكاني: قال ابن إسحاق وهذا أثبت ما سمعت في ذلك ([102]) . وعن سيدنا السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: (كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة وكانوا يقومون بالمئتين وكانوا يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان من شدة القيام) ([103]) .
وممن صححه العيني والقسطلاني في شرحيهما لصحيح البخاري والسبكي في شرح المنهاج والكمال بن الهمام في شرح الهداية والعراقي في شرح التقريب والإمام النووي في المجموع]، وأخرج المروزي عن زيد بن وهب أنه قال: (كان عبدالله بن مسعود يصلي لنا في شهر رمضان فينصرف وعليه ليل) قال الأعمش: (كان يصلي عشرين ركعة يوتر بثلاث)، وكذلك عن داود بن قيس أنه قال: (أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبدالعزيز يعني بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث)، وعن نافع قال: (لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعا وثلاثين ويوترون منها بثلاث)، ونقل الحافظ ابن حجر أن مالكا قال: (الأمر عندنا بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين وليس في شيء من ذلك ضيق)، ونقل عنه أيضا قوله: (أنها بست وأربعين وثلاث وتر)، ([104]) .
وعن زرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم في البصرة أربعا وثلاثين ويوتر بثلاث وعن سيدنا سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه أربعا وعشرين، وعن إسحاق بن منصور قال: قلت لأحمد بن حنبل: كم ركعة يصلى في قيام شهر رمضان؟ فقال: (قد قيل ألوان نحو أربعين وإنما هو تطوع)، وقال الترمذي: أكثر ما قيل ـأنه يصلي إحدى وأربعين مع الوتر، بناء على ذلك تعددت مذاهب الأئمة الأربعة وفقهائهم في عددها إلى المذاهب التالية:
ذهب الشافعية والأحناف والحنابلة إلى أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات آخذين بما صح عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم صلوها في عهد عمر وعثمان وعلي عشرين ركعة وقال به ايضا صاحب كتاب فقه السنة ونقل أنه مذهب داود الظاهري، وقال الترمذي: (وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر وعلي وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو قول النووي وابن المبارك)، وقال الإمام الشافعي: (هكذا أدركنا الناس بمكة يصلون عشرين ركعة) ([105]) .
وذهب الإمام مالك: إلى أنها ست وأربعون عدا الوتر، كما نقله الحافظ ابن حجر في (الفتح) وقال: هذا المشهور عنه، وروي عنه أيضا أنه قال: (الأمر عندنا بتسع وثلاثين) أي التراويح ست وثلاثون وثلاثة للوتر، فنستنتج مما مضى من حياة السلف الصالح والصحابة وأتباعهم أن عدد الركعات في صلاة التراويح غير محدد وقد قال الشيخ ابن تيمية الحنبلي (اعلم أنه لم يوقت رسول صلى الله عليه وآله وسلم في التراويح عددا معينا ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد معين مؤقت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يزيد ولا ينقص فقد أخطأ) ([106]) .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: (فقصر الصلاة المسماة بالتراويح على عدد معين، وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سنة) ([107]) .
وأما ما ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشر ركعة) ([108]) . فكانت تقصد فيه ركعات الوتر وليس التراويح، فقد قالت: (ولا في غيره) وفي غير رمضان لا يوجد صلاة للتراويح أما صلاة الوتر فمشتركة بين رمضان وغيره، وقد قال الإمام الترمذي: (روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوتر بثلاث عشرة وإحدى عشر وتسع وسبع وخمس وثلاث وواحدة) ([109]) . فإذا كان وتره في غير رمضان بإحدى عشر أو ثلاث عشرة ركعة فهل يعقل أن يوتر في شهر العبادة والقيام بثلاث فقط؟! على القول بأن ثماني ركعات للتراويح وثلاث ركعات للوتر هذا بعيد جدا، ثم إن قلنا إن المقصود من كل منها صلاة التراويح والوتر معه، يصبح للتراويح عدد ركعات معين ثابت وهو ثمان ركعات، وهذا يتنافى مع ما مر معنا من عمل الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يصلونها عشرين ركعة حتى عهد الإمام مالك والإمام الشافعي وهل يعقل أن تعلم السيدة عائشة بصلاتهم عشرين ركعة ثم تسكت عنهم إذا كان فعلهم مخالفا لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ هذا والله بعيد جدا وكما هو معلوم أن عدد صلاة التراويح في البيت الحرام عشرون ركعة ولا ينكر هذا العدد احد من العلماء المعتبرين فنسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر([110]) .
ويقوي هذا الحديث أن الصحابة جميعا فمن بعدهم من السلف الصالح اتفقوا على العمل به، وعن السائب بن يزيد: أن عمر جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب وتميم الداري على إحدى وعشرين ركعة ([111]) .
وعن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد الأنصاري: أن عمر بن الخطاب أمر رجلا يصلي بهم عشرين ركعة وقال ابن قدامة المقدسي بعد أن نقل صلاة التراويح بعشرين ركعة عن عمر وعلي قال: وهذا كالإجماع ، ([112]) .
وقال ابن تيمية: قد ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان ويوتر بثلاث فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة لأنه إقامة بين المهاجرين والأنصار ولم ينكر منكر، وهذه هي صورة الإجماع ([113]) .
و(النتيجة): أن الصحابة قد اتفقوا على صلاة التراويح عشرين ركعة وتبعهم على ذلك التابعون فمن بعدهم ولم يخالفهم أحد من السلف الصالح إلا في زيادة العدد على العشرين) أهـ ([114]) .
***
المبحث السابع تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة الصلاة على الرسول عقب الآذان وعقب الصلوات
[المفتاح الأول]: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان سنة بلا خلاف عند جميع المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي) ([115]) .
ومن باب الأولى أن يصلى المؤذن نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان حتى يناله الأجر والثواب، ولكن الاختلاف في كونه إذا صلى جهراً هل تكون سنّة هدى أو بدعة ضلالة، والاختلاف فيها أهون مما حدث بين الموتورين، فإنّه إن قصد به اتباع الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الآذان، وقصد تذكير المسلمين بتلك السنّة، وفصل بين الآذان وبين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للتفريق بينهما فإنّه لا شك على أقل تقدير، ليس من باب بدعة الضلالة أبدا، إذ أنّ لها أصل من الدين، ولا تُخالف شيئا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنّها من امور الخير التي لا يختلف عليها أهل الإسلام، ولهذا لا ينبغي تضخيم الأمر فيها وكأنّها من أصول البدع الضالة، وتحزيب المسلمين على أساسها.
[المفتاح الثاني]: جاء في الموسوعة اليوسفية تحت عنوان: الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقب الأذان: قال الشيخ يوسف خطار: (إن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقب الأذان سنة بلا خلاف عند جميع المسلمين لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي) ([116]) .
وتصح بأي صيغة كانت وينبغي السلام مع الصلاة لقوله تعالى {صلوا عليه وسلموا تسليما}[سورة الأحزاب الآية (56)]، ويعتبر ذلك على ما قاله بعض الحفاظ من المحدثين الآتي بيانهم هو في حد ذاته بدعة حسنة وقد حدثت سنة (781) كما قاله ابن عابدين في حاشيته نقلا عن كتاب القول البديع في الصلاة على النبي الشفيع للإمام الحافظ السخاوي بعد أن ذكر ما يفعله المؤذنون عقب الأذان من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذكر اختلاف العلماء فيه وقال الصواب أنه بدعة حسنة، وقد وافقه على ذلك من الحفاظ الإمام الحافظ السيوطي والحافظ ابن حجر الهيثمي عن شيخه زكريا الأنصاري ولم نعلم أن أحدا من العلماء المعتبرين أنكر عليهم ذلك وقد ذكر صاحب التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول في تعليقه على ما يستحب لسامع الأذان فقال: الصلاة بعد الأذان سنة للسامع والمؤذن ولو برفع الصوت وعليه الشافعية والحنابلة وهي بدعة حسنة كما ذكر ذلك ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار[([117]) .
كتاب الإصابة في نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة ، الموسوعة اليوسفية ، وقال تحت عنوان: – الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الصلاة -: (قد قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [سورة الأحزاب الآية (56)] وأحاديث الحث على الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة تبين فضل الصلاة عليه وما يجنيه العبد جراءها من أنه يصلي الله عليه بها عشرا ويرفع بها عشر درجات ويعطيه بها عشر حسنات ويمحو عنه بها عشر سيئات وما إلى ذلك، وقد جاءت مطلقة دون تقيدها بوقت دون وقت فهي عامة تشمل جميع الأوقات ومعلوم ان العام يعمل به في جميع جزئياته، على أنه قد ورد الحث عليها في أوقات معينة منها عند الأذان وعند الدعاء وعند دخول المسجد وعند الخروج منه ولكن ذلك ليس بعبرة فإن تخصيص بعض أفراد العام بالذكر لا يخصص العام) أهـ ([118]) .
[ المفتاح الثالث]: جاء في إجابة دار الإفتاء المصرية عند هذا السؤال: ما حكم إذاعة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد الأذان، ونصها: “وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم”. بصوت منخفض مغاير لأداء الأذان وبصوت المؤذن نفسه بعد الفصل بالسكوت برهة لا تزيد على ثلاثين ثانية؟ [الجواب]: روى مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ تَعَالَى، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ، حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ». وقد اختلف الفقهاء في الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الأذان الوارد في هذا الحديث، هل يشمل نفس المؤذن فيكون مأمورًا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الأذان أو هو قاصر على من يسمع المؤذن فقط فلا يشمل المؤذن، وبالتالي لا يكون مأمورًا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الأذان؟ بالأول قال الشافعية وذهبوا إلى أنه يسن للمؤذن أن يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الأذان، وهو بعمومه يشمل كل أذان، ونسب البعض إلى الحنابلة مثل هذا الرأي؛ أخذًا من قول الإمام أحمد: “أستحب للمؤذن أن يقول مثل ما يقول خفية”. ولم نجد في كتب الحنابلة التصريح بالرأي. وفي ابن عابدين من كتب الحنفية أن التسليم بعد الأذان حدث سنة 781 هجرية في العشاء، ثم في الجمعة، ثم في باقي الأوقات إلا المغرب، وهي بدعة حسنة، ونقل السيوطي في “حسن المحاضرة” عن السخاوي أنه حدث سنة 791هـ في عهد السلطان الناصر صلاح الدين بأمر منه. ويظهر مما ذكر أن الفقهاء مختلفون في الصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الأذان، وأن الشافعية يرون ذلك سنة، ويقول ابن عابدين من الحنفية: إنه بدعة حسنة. والذين لا يرون زيادة الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الأذان يرون الاقتصار على ما وردت به السنة وأثبته الدليل، وقد يستمر الأمر على هذه الزيادة على وضع أو على آخر، فيقع في النفوس أنها من الأذان. والذي نراه أنه إذا كان هناك ما يقتضي زيادة الصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الأذان بعد الفصل بينهما بسكتة وبصوت منخفض مغاير للصوت الذي أُدِّي به الأذانُ فلا مانع من ذلك.
والله سبحانه وتعالى أعلم) انتهى،
***
المبحث الثامن مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة لفظ السيادة للنبي صلى الله عليه وسلم
المفتاح الأول: النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد البشر وسيد المرسلين ولا شك في ذلك، وقد أشار القرآن الكريم إلى سيادة بعض الأنبياء، فقال تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد الناس يوم القيامة) ([119]) . وفي رواية أخرى لمسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) ([120]) .
وقد أمرنا الله تعالى بالتأدب مع نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا نناديه باسمه، قال تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} [النور: 63]، وهل تسويده صلى الله عليه وسلم إلا اتباع لهذه الآية الكريمة في توقيره واحترامه، وإذا كان القرآن الكريم أشار إلى سيادة البعض بقوله تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ} [يوسف: 25]، فكيف بسيد الاولين والآخرين صلى الله عليه وسلم،
[المفتاح الثاني]: قال تعالى في سورة آل عمران: { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39]، فقد أطلق القرآن الكريم لفظ السيادة على نبي الله يحيى، فهل يصح إطلاق لفظ [السيد] على سيدنا يحيى عليه الصلاة والسلام دون سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم أفضل من نبي الله يحيى، وهو أفضل الأنبياء والرسل، وهو أفضل الخلق اجمعين، فإذا اطلق القرآن الكريم لفظ السيادة على نبي الله يحيى فالرسول صلى الله عليه وسلم أولى بذلك.
[المفتاح الثالث]: عموم آيات القرآن تدعو المسلمين إلى تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الحجرات: 2 إلى 5]، وقال تعالى: { لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9]، ولا شك في أنّ السيادة نوع من أنواع التوقير والتعظيم والاحترام، وهي من هذا الوجه مطلب قرآني، ومن جهة الادب واجب على كل مسلم ، وقال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، جاء في تفسير ابن كثير: (قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك إعظاما لنبيه صلى الله عليه وسلم، وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير، وقال قتادة: أمر الله تعالى أن يهاب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأن يجل ويعظم وأن يسود ، وقال مقاتل ومثله مالك عن زيد بن أسلم أمرهم أن يشرفوه) أهـ ([121]) .
فهذا ابن كثير ينقل عن قتادة بوجوب أن يجل صلى الله عليه وسلم وأن يعظم وان يُسود.
[المفتاح الرابع]: الأدلة على السيادة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
(1) أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) ([122]) . وفي رواية الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر) ([123]) .
واخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد الناس يوم القيامة) ([124]) . فهل يكون سيد الناس يوم القيامة بشهادته عن الله، ويأتي من الناس من يلوك لسانه بأنّ لفظ السيادة بدعة.
(2) أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قصة مجيء سعد بن معاذ ليحكم في بني قريظة قالت: قال صلى الله عليه وآله وسلم: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه…) ([125]) .
قال الخطابي في شرح هذا الحديث: (وفيه من العلم أن قول الرجل لصاحبه: يا سيدي غير محظور إذا كان خيرا فاضلا وإنما جاءت الكراهة في تسويد الرجل الفاجر) أهــ، ([126]) .
فاطلق النبي صلى الله عليه وسلم لفظ السيادة على الصحابي الجليل وسيد الأنصار سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، فالسيادة جائزة في حق سيد الأنصار، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم
(3) أخرج البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر والحسن بن علي على جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: (إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) ([127]) .فالحسن ابن علي رضي الله عنهما سيد، وهو سيد شباب اهل الجنة، فكيف بجده المصطفى صلى الله عليه وسلم.
(4) واخرج الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ([128]) . واخرج الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين) ([129]) . واخرج الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للسيدة الكريمة فاطمة الزهراء رضي الله عنها: (أما ترضين أن تكوني سيدة نساء الجنة) ([130]) . فالسيادة ثابته لأبي بكر وعمر والحسن والحسين والزهراء، كيف لا تثبت لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
(5) أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالا ([131]) . وأخرج البخاري: (فقال عمرُ: بل نُبَايِعُكَ أنتَ، فأنتَ سيدنا وخيرنا وأَحَبُّنَا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فأخذ عمرُ بيدِهِ ، فبايَعَهُ ، وبايَعَهُ الناسُ) ([132]) . فعمر يطلق على أبي بكر رضي الله عنهما لفظ (فأنت سيدنا)، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم
(6) وجاء في صحيح مسلم أن أم الدرداء رضي الله عنها كانت تقول: (أخبرني سيدي أبو الدرداء أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب مستجاب) ([133]) .
فهي تطلق لقب السيادة على زوجها أبي الدرداء، فأي أدب هذا، وكيف يكون الادب مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[المفتاح الخامس]: جاء في الموسوعة اليوسفية: (قال جمهور المتأخرين من علماء أهل السنة والجماعة بجواز إطلاق لفظ السيادة على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل قال بعضهم: أنه مندوب وحيث لم يأت ما يخصص هذه الأدلة والنصوص أو تقيدها فإنها تبقى على عمومها وإطلاقها فتشمل جميع الأوقات من صلاة وغيرها، وها هو الإمام الفقيه ابن عابدين رضي الله عنه يقول في حاشيته موافقة لصاحب الدر وابن ظهيرة والرملي الشافعي في شرحه على منهاج النووي وغيرهم من العلماء قال: والأفضل الإتيان بلفظ السيادة، وورد في كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه الله تعالى في صفحة (4) وروينا عن السيد الجليل أبي علي الفضيل بن عياض رحمه الله قال: ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما، .. ويستحب أن يقول المصلي في التشهد وفي الصلاة الإبراهيمية (سيدنا) قبل ذكر اسم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونقول في الصلاة الإبراهيمية لفظ: سيدنا: ذلك: لأن السنة لا تؤخذ من فعله صلى الله عليه وآله وسلم فقط بل تؤخذ أيضا من قوله وقد ثبتت السيادة بأحاديث كثيرة من سنة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد ناداه الصحابي الجليل ابن مسعود في صيغة الصلاة حيث قال: (إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه قال: فقالوا له: فعلمنا قال، قولوا: اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك…) الخ ([134]) .
واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور، وقد جاء في الدر المختار ورد المحتار ما ملخصه: وندب السيادة لأن زيادة الإخبار الواقع هو عين سلوك الأدب فهو افضل من تركه ذكره الرملي الشافعي أي في شرحه على منهاج النووي وذكر ذلك غيره أيضا([135]) .
وزيادة لفظ (سيدنا) فيها تأدب معه صلى الله عليه وآله وسلم والله تعالى يقول: {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون}[سورة الأعراف الآية (157)]، والتعزير: التوقير والتعظيم ([136]) .
فإثباتها مع ورودها في السنة موافق للقرآن الكريم واستدل قوم على ذلك أيضا بأن التأدب خير من الامتثال وهو استدلال حسن ودلائله من السنة ثابتة في البخاري ومسلم من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم لسيدنا علي (امح رسول الله) قال سيدنا علي لا والله لا أمحوك أبدا([137]) .
ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: (ما منعك أن تثبت إذ أمرتك قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ([138]) .
وما يتناقله الناس من قولهم (لا تسيدوني في الصلاة) فهو موضوع مكذوب مفترى وليس بحديث قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة لا أصل له، وهو لحن أيضا لأنه واوي العين من ساد يسود ([139]) . فالأصح أن تقول (تسودوني)، وفي هذا القدر كفاية لمن يقبل الدليل والحمد لله رب العالمين ” أهـ
***
المبحث التاسع مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة رفع اليدين عند الدعاء
[المفتاح الأول]: رفع اليدين للدعاء مشروع عند كل دعاء: جاءت في مشروعيته أحاديث كثيرة تشمل الدعاء في أي وقت، ويدخل في ذلك الدعاء عقب الصلوات فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردها صفرا)([140]).
وأخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن عمير مولى أبي اللحم انه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء يدعو رافعا كفيه قبل وجهه) ([141]) .
وفي مشروعية رفع اليدين أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء، وسرد منها النووي في (الأذكار)، وفي شرح المهذب جملة أحاديث.
[المفتاح الثاني]: سنية رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة: قال العلامة المحدث: السيد محمد بن مقبول الأهدل الحسيني الشافعي رحمه الله: [بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى وبعد: كثر اللغط في هذه الأيام، حول رفع اليدين في الدعاء بعد الصلوات المكتوبة، وزعم زاعمون أنه ممنوع وأنه بدعة، واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، وقد صليت المغرب في بعض المساجد، ولما خرجت إلى الطريق، سألني شاب قائلا: هل تجوز الصلاة خلف هذا الإمام؟ قلت: ولم لا تجوز؟ قال: لأنه مبتدع، قلت: وما بدعته؟ قال: يرفع يديه في الدعاء بعد الصلاة فأفهمته خطأه، وبينت له الصواب، وتكرر هذا السؤال من غيره، وتكرر الجواب، ثم رأيت أن أنشر رسالة في هذا الموضوع كتبها العلامة المحدث السيد محمد بن مقبول الأهدل الحسيني الشافعي، رحمه الله، فحققتها وصدرتها بهذا التقديم الذي قررت فيه مشروعية رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة، بأدلة وقواعد أصولية، لتخرس ألسنة تجرأت على القول في الدين بغير علم، ولتهتدي قلوب ضلت بتقليد اولئك المجترئين، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
[1]: حرمة الشىء أو كراهته، تستفاد من النهي عنه، فقد تقرر في علم الأصول: أن النهي إذا كان جزمًا أفاد الحرمة وإذا كان غير جازم أفاد الكراهة، مثال نهي التحريم: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب، هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب}، ومقال نهي الكراهة: ” إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين”، ويستفاد التحريم أيضًا: من هذه المادة نفسها نحو: ” قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن”، ومن لغظ الإثم والفسق ونحوهما كما بينته بأمثلته في كتاب تنوير البصيرة ببيان علامات الكبيرة ورفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة لم يرد نهي عنه، فليس هو بحرام ولا مكروه.
[2]: ترك الشيء لا يدل على منعه، لأنه ليس بنهي، والله تعالى يقول: {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ولم يقل: وما تركه فانتهوا عنه، ألا ترى إلى الجمعة، لم تتعدد في العهد النبوي، ولم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العوالي بإقامتها عندهم، مع بعد المسافة بينهم وبين المسجد النبوي، وهي متعددة الآن ولم يقل أحد: أن تعددها حرام، أو بدعة لأنه لم يرد نهي عنه، فترك النبي صلى الله عليه وسلم لرفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة -إن صح- لا يفيد حرمته ولا كراهته.
[3]، تقرر في الأصول: أن الآية أو الحديث إذا شملت بعمومها أمرًا دل على مشروعيته، وحديث: ” إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا خاليتين” يشمل بعمومه رفع اليدين بعد الصلاة فيكون مشروعًا، ولا يجوز أن يسمى بدعة أبدًا بحال ويؤيده حديث ءاخر عام أيضا، وهو ما رواه الطبراني عن سلمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما رفع قوم أكفهم إلى الله عز وجل يسألونه شيئا إلا كان على الله حقا أن يضع أيديهم الذي سألوا” ([142]) .
قال الحافظ الهيثمي، رجاله رجال الصحيح، فرفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة مشروع بعموم هذين الحديثين الصحيحين حتمًا.
[4]: هؤلاء الذين لا يكتفون في المسألة بدليل يشملها بعمومه، ويطلبون دليلاً خاصًا بها، يلزمهم خطر عظيم في الدين، قد يؤدي بهم إلى الكفر وهم لا يشعرون، لأنه لو كانت كل حادثة يشترط في مشروعيتها، ونفي وصف البدعة عنها، ورود دليل خاص يعينها، لتعطلت عمومات الكتاب والسنة وبطل الاحتجاج بها، وذلك هدم لمعظم دلائل الشريعة، وتضييق لدائرة الأحكام ويلزم على ذلك أن تكون الشريعة غير وافية بأحكام ما يحدث من حوادث على امتداد الزمان، وهذه لوازم قد تؤدي إلى نقص في قدر الشريعة والنيل منها وهو كفر بواح.
[5]: ومع تمسكنا بحجية الدليل العام لمسألتنا، عملاً بإجماع الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين نذكر دليلا خاصًا بها يكون شجي في حلوق المتنطعين، وقذى في عيونهم وهو ما رواه الطبراني عن محمد بن أبي يحيى قال: رأيت عبد الله بن الزبير، ورأى رجلا رافعا يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته، فلما فرغ منها قال له: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته، قال الحافظ الهيثمي: رجاله ثقات. ([143]) . وروى الطبراني أيضا عن أبي بكرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها”، ([144]) . قال الحافظ الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عمار بن خالد الواسطي، وهو ثقة، وروى الطبراني أيضا عن خالد بن الوليد: أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيق مسكنه، فقال: ” ارفع يديك إلى السماء وسل السعة” إسناده حسن، وروى الطبراني أيضًا عن خلاد بن السائب عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا رفع راحتيه إلى وجهه، ([145]) . وروى أبو يعلى والطبراني عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن الله تعالى حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع يديه فيردهما صفرا ليس فيهما شيء” ([146]).
فهذه الأحاديث تشمل بعمومها رفع اليدين بعد الصلاة جزما، ولا عبرة بخلاف المتنطعين المتزمتين، وليس كل خلاف جاء معتبرا… إلا خلافًا له حفظ من النظرِ، وللحافظ السيوطي جزء سماه [فض الوعاء عن أحاديث رفع اليدين في الدعاء] ذكر فيه مائة حديث، وهذا عدد التواتر على جميع الأقوال المذكورة في كتب الأصول والمصطلح، ومما ذكره فيه: ما رواه ابن أبي شيبة عن الأسود العامري عن أبيه، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سلم، انحرف ورفع يديه ودعا، والأسود هو عبد الله ابن الحاجب، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي محله الصدق ([147]) .
وأبوه صحابي.
[6]: مما هو معلوم بالضرورة، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المندوبات، بل اكتفى بالإرشاد إليها في عموم الآيات والأحاديث الدالة على فعل الخير، والمرغبة فيه لاشتغاله بواجبات عظام، استغرقت معظم وقته، وهي واجبات كونه رسولا، وخليفه وقاضيًا، ومفتيًا، فكيف يتفرغ بعد هذا ليستوعب المندوبات كلها عملا؟ هذا محال، لا تستطيعه طاقة بشر، فالتعلل في رفض بعض المندوبات بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، سد لأبواب كثيرة من الخير، وحرمان لتاركها من تحصيل ثوابها،
[7]: قال علماء الأصول: السنة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، ولم يقولوا: وتروكه، لأن الترك ليس بحكم شرعي، ولا أثر له في التشريع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر [فأتوا] منه استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، ولم يقل: إذا تركت شيئا فاجتنبوه، لما تقدم بيانه، فترك الشيء لا يدل على منعه، وإنما يدل على جواز تركه فقط، فالنبي صلى الله عليه وسلم حين ترك صلاة الضحى، دل تركه لها على أنها جائزة إذ لو كانت واجبة، ما تركها وكذلك تركه رفع يديه في الدعاء أحيانا، يدل على جواز تركه، لا على أنه ممنوع والله هو الموفق والهادي، أبو الفضل عبد الله بن الصديق، أهـ
[8]: سنية رفع اليدين في الدعاء بعد الصلوات المكتوبة لمن شاء: سئل السيد العلامة محمد بن عبد الله الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل الزبيدي اليماني رحمه الله تعالى: هل يسن رفع اليدين بعد الصلوات المكتوبة؟ وهل ورد من الأحاديث في ذلك ما تقوم به الحجة خصوصا أو عموما؟ بينوا لنا ذلك بيانًا شافيًا جزاكم الله الجنة وأعظم لكم المنة آمين، فأجاب بقوله: اعلم وفقني الله وإياك بأن رفع اليدين في الدعاء -أي دعاء وفي أي وقت كان- بعد الصلوات الخمس أو غيرها دلت عليه الأحاديث خصوصًا وعمومًا، فمن العموم ما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين من حديث سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفر خائبتين”، ([148]) .
وأخرج الحاكم وقال: صحيح الاسناد من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله رحيم كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم لا يضع فيهما خيرًا“، ([149]) . وأخرج البيهقي وأبو داود من حديث مالك بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها”، ([150]) . وأخرج أيضا من حديث ابن عباس نحوه، وزاد فيه: ” فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم“، ([151]) . وأخرج الترمذي من حديث عمر بن الخطاب قال: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه”، وقال في فتح الباري في كتاب الدعوات في باب رفع اليدين في الدعاء: وقد وردت الأخبار في مشروعية الرفع([152]) .
وقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه وغيرهما من حديث سلمان رفعه: ” إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا“، ([153]) .
بكسر المهملة وسكون الفاء أي خالية، وسنده جيد انتهى، ومن الخصوص ما رواه الحافظ أبو بكر أحمد بن اسحاق المعروف بابن السني في كتابه عمل اليوم والليلة، حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا اسحاق يعقوب بن خالد بن يزيد البالسي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي عن خصيف، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبد سبسط كفيه في دبر كل صلاة يقول اللهم إلهي وإله ابراهيم واسحاق ويعقوب وإله جبريل وميكائيل وإسرافيل أسألك أن تستجيب دعوتي فإني مضطر، وتعصمني في ديني فاني مبتلى، وتنالني برحمتك فإني مذنب، وتنفي عني الفقر فإني متمسكن، إلا كان حقًا على الله أن لا يرد يديه خائبتين”، وفي إسناده عبد العزيز بن عبد الرحمن، فيه مقال، وصريح في ميزان الاعتدال وغيره بأنه حديث ضعيف لكنه يعمل به في الفضائل كما سيأتي تحقيق ذلك، وقد صرح الكمال بن الهمام في فتح القدير في كتاب الجنائز بأن الاستحباب يثبت بالحديث الضعيف غير الموضوع انتهى.
ويقويه ما أخرجه الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن الأسود العامري عن أبيه، قال: ” صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فلما سلم انحرف ورفع يديه ودعا،،” ([154]) .
الحديث ولا يخفى أن أئمة الحديث ذكروا أن رواية الضعيف توجب الارتفاع من درجة السقوط إلى درجة الاعتبار، وقال الحافظ السيوطي في رسالته المسماة فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء، أخرج ابن أبي شيبة قال، حدثنا محمد بن أبي يحيى الأسلمي قال: ” رأيت عبد الله بن الزبير ورأى رجلاً رافعًا يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته، فلما فرغ منها قال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته” رجاله ثقات انتهى “ ([155]) .
هذا الحديث ترجم له الطبراني بقوله: محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن عبد الله بن الزبير”، وقال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح: إن الترمذي حسن أحاديث فيها ضعفاء، وفيها من رواية المدلسين ومن كثر غلطه وغير ذلك فكيف يعمل بتحسينه وهو بهذه الصفة، وقد قال الخطيب أجمع أهل العلم على أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به، وقد صرح أبو الحسن بن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل المغرب في بيان الوهم والإيهام بأن هذا القسم لا يحتج به كله، بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام إلا إذا كثرت طرقه أو عضده اتصال عمل أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرءان، وهذا حسن قوي ما أظن منصفا يأباه انتهى، ([156]) .
وقال الإمام النووي في الأربعين: اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ([157]) .
قال العلامة ابراهيم الشبرخيتي المالكي في شرحه قوله: وقد اتفق العلماء إلخ في ذكر الاتفاق نظر، لأن ابن العربي قال: إن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقا، قال المؤلف في الأذكار: وذكر الفقهاء والمحدثون أنه يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام والمعاملات فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع والأنكحة فإن المستحب أن يتنزه عن ذلك ولكن لا يجب، ومحل كونه لا يعمل بالضعيف في الأحكام ما لم يكن [تلقاه] الناس بالقبول، فإن كان كذلك تعين وصار حجة يعمل به في الأحكام وغيرها كما قال الشافعي، وقال ابن حجر المكي في شرحه فتح المبين على الأربعين: ([158]) .
أشار المصنف بحكاية الاتفاق على ما ذكره إلى الرد على ما نازع فيه بأن الفضائل إنما تتلقى من الشارع فإثباتها بما ذكر اختراع عبادة وشرع في الدين بما لم يأذن به الله، ووجه رده أن الإجماع لكونه قطعيًا تارة وظنيًا قويًا أخرى، لا يرد بمثل ذلك لو لم يكن عنه جاب، فكيف وجوابه واضح إذ ليس ذلك من باب الاختراع والشرع المذكورين، وإنما هو من باب ابتغاء فضيلة ورجائها بأمارة ضعيفة من غير ترتب مفسدة عليه، فعرفت من مجموع ما نقلناه من كلام الحفاظ النقاد والفقهاء المحققين الأمجاد: أن الحديث الضعيف يثبت به الاستحباب، وفيما نحن فيه من ذلك وأن عموم الأحاديث المطلقة تقوي ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم، [سنية رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة للعلامة المحدث: السيد محمد بن مقبول الأهدل الحسيني الشافعي].
***
المبحث العاشر مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة المصافحة عقب الصلاة
[المفتاح الأول]: قال الشيخ يوسف خطار في الموسوعة اليوسفية في مبحث طيب عن مسألة المصافحة بعد الصلاة: (المصافحة بعد الصلاة أمر مشروع يزيد المحبة بين المسلمين ويوثق أواصر الأخوة فيما بينهم والأدلة على ذلك ما يلي:
(1) عن سيدنا يزيد بن الأسود رضي الله عنه: أنه صلى الصبح مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: ثم ثار الناس يأخذون بيده يمسحون بها وجوههم فأخذت بيده فمسحت بها وجهي فوجدتها (أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك)، ([159]) . وفي رواية عن سيدنا أبي جحيفة رضي الله عنه قال: ثم صلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة تمر من ورائها المرأة وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم قال فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي (أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك) ([160]) .
(2) وقال البراء بن عازب رضي الله عنه: من تمام التحية أن تصافح أخاك ([161]) .
(3) وعن قلدة بن دعامة الدوسي رضي الله عنه قال قلت لأنس: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم)، ([162]) .
(4) عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما جاء أهل اليمن قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قد جاءكم أهل اليمن، وهم أول من جاء بالمصافحة) ([163]) . وقال الحافظ سنده صحيح]،
(5) وعن سيدنا البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) ([164]) .
فالأحاديث الثلاثة الأخيرة عامة في مشروعية المصافحة وهي تشمل المصافحة بعد الصلاة وفي الأوقات كلها، والحديثان الأولان يخصصان ويبينان جواز السلام والمصافحة بعد الصلاة خصوصا.
[أقوال العلماء في الصافحة بعد الصلاة]:(1) قال الإمام الطحاوي في حاشيته على مراقي الفلاح: (تطلب المصافحة فهي سنة عقب الصلاة كلها وعند كل لقي)، ([165]) .
(2) وقال الشيخ عبدالغني النابلسي عن المصافحة بعد الصلاة: (إنها داخلة تحت عموم سنة المصافحة مطلقا) ([166]) .
(3) وقال الشيخ الإمام أبو محمد عز الدين بن عبدالسلام رحمه الله: (أنها من البدع المباحة)، ([167]) . (4) وقال الإمام النووي في الأذكار: (أنها بدعة مباحة)،؟، ([168]) .
على أن المصافحة بعد الصلاة ودعاء المسلم لأخيه المسلم بأن يتقبل الله منه صلاته بقوله (تقبل الله) لا يخفى ما فيهما من خير كبير وزيادة تعارف وتآلف وسبب لربط القلوب وإظهار للوحدة والترابط بين المسلمين.
(قلت) وبعد تلك الأدلة فإنّه من الهوس التبديعي أن يجعل البعض ذلك بدعة ضلالة، ويعادي عليها ويجيز إحداث الشغب والضوضاء في المساجد من اجل ابطال تلك العادة التي لا تمت إلى الصلاة بصلة، بل هي عقب انتهاء الصلاة، فإذا سلّم المسلم جاز له أن يسلم على من بيمينه او يساره، وقصارى الأمر أنه من الأمور الجائزة التي لا تثريب على من فعلها او تركها، وقد جاء في الحديث أنّه إذا التقى المسلمان فتصافحا تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر اليابس إذا عصفت به الريح، وهذه الفضيلة باقية في كل وقت، فلا تنتفي بعد الصلاة، وقد جاء في سنن أبي داود في كتاب الصلاة: عن سمرة بن جندب قال: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نردّ على الإمام وأن نتحاب وأن يسلّم بعضنا على بعض)، ([169]) .
***
المبحث الحادي عشر مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة مسألة استعمال السبحة في التسبيح
[المفتاح الأول]:
من العجائب أن نتحدث عن مشروعية استعمال السبحة في التسبيح، وكأنّ لها دخل بالتسبيح، مع أنّها آلة لضبط عدد التسبيح، وهي آلة تساعد على الذكر وتنشط صاحبها على دوام ذكر الله، فهل يأتي زمان نتحدث فيه على بدعية لبس الساعة لكونها تُعلمنا بوقت الصلاة وتُعين على ضبط الوقت الخاص بالصلوات، إنّ إدخال مسالة السبحة في باب البدعة هو من باب الهوس التبديعي، والوسوسة التبديعية التي أُبتلي بها كثير ممن لم يُؤت الفقه في دين الله تعالى.
[المفتاح الثاني]: قال الشيخ يوسف خطار في الموسوعة اليوسفية تحت عنوان: – السبحة -: (تعريف السبحة في اللغة: قال الإمام محي الدين النووي في تهذيب الأسماء واللغات (سبحة بضم السين وإسكان الباء الموحدة خرزات منظومة يسبح بها معروفة يعتادها أهل الخير مأخوذة من التسبيح والمسبحة: بضم الميم وفتح السين وكسر الباء المشددة الإصبع السبابة وهي التي تلي الإبهام وسميت بذلك لأن المصلي يشير بها إلى التوحيد والتنزيه أهـ)، ([170]) .
وفي المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للشهاب الفيومي: التسبيح: التقديس والتنزيه ويكون بمعنى الذكر والصلاة فريضة كانت أو نافلة ويسبح على راحلته أي يصلي النافلة عليها وصلى سبحة الضحى أي صلاة الضحى ومنه {فلولا أنه كان من المسبحين}[سورة الصافات الآية (143)] أي من المصلين والسبحة خرزات معروفة منظومة قال الفارابي وتبعه الجوهري: كلمة مولدة وجمعها سبح مثل غرفة وغرف، أهـ ([171]) .
[نقل شارح القاموس عن شيخه أنها ليست من اللغة في شيء ولا تعرفها العرب وإنما حدثت في الصدر الأول إعانة على الذكر]، وفي القاموس: السبحة خرزات للتسبيح تعد والدعاء وصلاة التطوع، وفي شمس العلوم [للإمام أبي الحسن نشوان بن سعيد بن فشوان اليمني الحميري الفقيه اللغوي المحقق المؤرخ الشاعر المتوفى سنة (573) هـ باليمن]: السبحة: الصلاة يقال قضيت سبحتي والسبحة الخرزات التي يسبح بها وجمعها سُبَح ([172]) . [1] مشروعية اتخاذ السبحة: عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعقد التسبيح بيده ([173]) .وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النساء بالعقد بأصابعهن فقال: (عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات ومستنطقات) ([174]) . وصححه الذهبي في المختصر وحسنه الحافظ ابن حجر في أمالي الأذكار والنووي في الأذكار].
وعن صفية قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بنه فقال: ما هذا يا بنت حيي؟ قلت: قد سبحت منذ قمت على راسك أكثر من هذا قلت: علمني يا رسول الله قال قولي سبحان الله عدد خلقه ([175]) .
وأخرج الإمام أحمد في الزهد عن يونس بن عبيد عن امه قالت: رأيت أبا صفية رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان جارنا قالت فكان يسبح بالحصى وأخرج أحمد في الزهد: عن عبدالرحمن قال: كان لأبي الدرداء رضي الله عنه نوى العجوة في كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجهن واحدة واحدة يسبح بهن حتى ينفذن ([176]) . وأخرج أبو داود في باب (ما يكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابة أهله) من كتاب النكاح عن أبي نضرة حدثني شيخ من طفاوة [أبو نضرة: هو المنذر بن مالك تابعي جليل وطفاوة بضم الطاء حي من قيس عيلان] قال تثويت أبا هريرة بالمدينة فلم أر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد تشميرا ولا أقوم على ضيق منه، فبينما أنا عنده يوما وهو على سرير له معه كيس فيه حصى أو نوى وأسفل منه جارية له سوداء وهو يسبح بها حتى إذا نفذ ما في الكيس القاه إليها فجمعته فأعادته في الكيس فرفعته إليه فقال: ألا أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحديث ([177]) . قال السيوطي في مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود معنى تثويت: تضيفت ونزلت عنده ضيفا أهـ ([178]) .
وكذلك أخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري أنه كان يسبح بالحصى وكذلك صح أنه كان لأبي هريرة أيضا خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مولاة لسعد أن سعدا كان يسبح بالحصى أو النوى، وأخرج ابن سعد أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى، وأخرج أيضا عن أبي هريرة أنه كان يسبح بالنوى المجزع: أي ما فيه سواد وبياض، وأخرج ايضا عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب أنها كانت تسبح بخيط معقود فيها، وورد في الأثر: نعم المذكر السبحة،
[2] أقوال العلماء في اتخاذ السبحة: ورد في حديث مسلسل أن الحسن البصري كان يستعمل السبحة وكان هو في عصر الصحابة، وقال عمر المكي: رأيت أستاذي الحسن البصري وفي يده سبحة فقلت له: يا أستاذ مع عظم شأنك وحسن عبادتك أنت إلى الآن مع السبحة؟ فقال لي: هذا شيء كنا استعملناه في البدايات ما كنا نتركه في النهايات إني احب أن أذكر الله بقلبي ويدي ولساني، وقال محمد الأمير في رسالته: قال الشيخ أبو العباس الرواد: تبين من قول الحسن أن السبحة كانت موجودة في زمن الصحابة لأن بدايته في زمنهم ([179]) .وفي الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر المكي الهيتمي الشافعي: يحل نحو الجلوس على الحرير بحائل ولو رقيقا ومن استعماله المحرم التدثر به ويحل جعل الطارز منه على الكم إذا كان بقدر أربعة أصابع وخيط السبحة [أي يحل خيط السبحة وما عطف عليه إذا كان من الحرير] وعلم الرمح وكيس المصحف، ([180]) .
وقال ابن علان وقد أفردت السبحة بجزء لطيف سميته (إيقاد المصابيح في اتخاذ المسابيح) وأوردت فيه ما يتعلق بها من الأخبار والآثار والاختلاف في تفاصيل الاشتغال بها أو بعقد الأصابع في الأذكار وحاصل ذلك أن استعمالها في أعداد الأذكار الكثيرة التي يلهي الاشتغال بها عن التوجه للذكر أفضل من العقد بالأنامل ونحوه ..إلى آخر كلامه وقال عند قوله صلى الله عليه وآله وسلم (وأن يعقدن الأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات بعد كلام (ولهذا اتخذ أهل العبادة وغيرهم السبحة)([181]).
وفي شرح المشكاة لابن حجر: ويستفاد من الأمر المذكور في الحديث ندب اتخاذ السبحة وزعم أنها بدعة غير صحيح، وقال ابن الجوزي: إن السبحة مستحبة لما في حديث صفية أنها كانت تسبح بنوى أو حصى وقد أقرها صلى الله عليه وآله وسلم على فعلها والسبحة في معناها إذ لا يختلف الغرض عن كونها منظومة أو منثورة، وقال عكرمة: قد اتخذ السبحة سادات يشار إليهم مؤخذ عنهم ويعتمد عليهم كأبي هريرة كان له خيط فيه ألفا عقدة فكان لا ينام حتى يسبح به ثنتي عشرة ألف تسبيحة، وفي الدر المختار (في مذهب الحنفية) لا بأس باتخاذ السبحة لغير رياء كما بسطه في البحر، ([182]) .
وقال الإمام السيوطي: وقد أخذ السبحة سادات يشار اليهم ويؤخذ عنهم ويعتمد عليهم فلو لم يكن في اتخاذها غير موافقة هؤلاء السادة والدخول في مسلكهم لكفى، وذكر القاضي أبو العباس أحمد بن خلكان في وفيات الأعيان أنه رؤي في يد أبي القاسم الجنيد بن محمد يوما سبحة فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟ قال: طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه ([183]) .
وقد قال العلامة ابن عابدين في حاشيته المشهورة: لا بأس باتخاذ السبحة ودليل الجواز ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به فقال (أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما بين ذلك) ([184]) .
فلم ينهها عن ذلك وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل ولو كان مكروها لبين ذلك ولا تزيد السبحة على مضمون هذا الحديث إلا بضم النوى في خيط ومثل ذلك لا يظهر تأثير المنع فلا جرم أنه نقل اتخاذها والعمل بها عن جماعة من الصوفية الأخيار وغيرهم ([185]) .
وقال علي القاري في المرقاة في شرح حديث سعد المذكور: هذا أصل صحيح لتجويز السبحة بتقريره صلى الله عليه وآله وسلم تلك المرأة إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة ولا يعتد بقول من عدها بدعة وقد قال المشايخ إنها سوط الشيطان [أي: السوط الذي يزجر به ويطرد]، وقال بعض العلماء: عقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة ولكن يقال: إن المسبح إن أمن الغلط كان عقده بالأنامل أفضل وإلا فالسبحة أولى، ([186]) .
[3] الشبهات في اتخاذ السبحة: (شبهة): لو كان فيها حسن لاتخذها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهدى الصحابة اليها، وجوابه: أنه ليس كل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه فهو ليس بحسن فإن ما رغب فيه أو قرر عليه أو على نظير له وجد بين يديه أيضا حسن [وهنا قرر صلى الله عليه وآله وسلم النظير وهو التسبيح بالحصى]، والدليل على ذلك عقده صلى الله عليه وآله وسلم بالأنامل وأمره النسوة أن يعقدن بها كما في الأدلة في أول الباب، (شبهة): أن بعض الفقهاء قد حكم بأن مطلق العد بدعة فما بالك بالعد بالسبحة والأمر إذا دار بين الحسن والابتداع ترك حذار عن شبهة الاختراع، وجوابه: أن قول من قال مطلق العد بدعة مردود ذلك بنص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وفعل أصحابه الأجلاء، فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة كانت له عِدْلَ عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة … ومن قـال سـبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة حُطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) ([187]) .وأمّا استعمال الحصى في العد، فلا شيء فيه لأنّه وسيلة إلى ضبط العدد، وقد أخرج ابن حبان وغيره عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وفي يدها نوى أو حصى تسبح به، فقال لها: (ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا؟)… الحديث ([188]) .
والسبحة أيسر في عد الذكر من الحصى، والأمر الدائر بين الحسن والابتداع إنما يترك إذا تساوى فيه طرفا الحسن والابتداع وههنا قد ترجح جانب الحسن بالوجوه العديدة فتكون العبرة له لا للشبهة السخيفة، وأما القول بأن السبحة منقولة عن الأديان أو الأوطان الأخرى فغير صحيح بعد ما قدمنا من نشوئها وتطورها في الوسط الإسلامي فإن اتفق وجه شبه بين هذا وذاك فليس معناه النقل والتقليد ولكنه نوع من توارد الخواطر والأفكار علما بأنه ليس كل نقل أو تقليد حرام!!
ولو اتخذ السبحة من نوع جيد بنية تعظيم الذكر والمذكور سبحانه كان لا بأس به ولا حرج عليه فإن اتخذها من نوع غال بنية المفاخرة والشهرة ولفت النظر كانت حراما واتخاذ السبحة الكاملة أفضل من اتخاذ الثلث قولا واحدا كما يحرم اتخاذ السبحة للهو واللعب والمفاخرة ومجرد اشتغال اليد لأنها أداة عبادة كما يحرم العد عليها من غير ذكر لأنه تشبه كاذب وعبث كما أفتى بذلك الإمام ابن الحاج رضي الله عنه وقد أفتى الشيخ العدوي بعدم اتخاذ السبح الكبار جدا اللافتة للأنظار ووضعها في العنق أو نحو ذلك نقول: لما في ذلك من طلب الشهرة والرياء وحب زعم الولاية واستغلال السبح واستغفال العامة والله الموفق للصواب.
(الخاتمة): ومن مجموع هذه الآثار نجد أن أصل اتخاذ السبحة قائم في الإسلام لإحصاء الذكر وإن الذي تطور إنما هو النوى والحصى وتطورت العقد في الخيط وعلى الأنامل إلى حبات مثقوبة على صورة العقد يجمعها خيط يحملها العابد فتذكره بربه وبورده، وفي هذا القدر كفاية لمن أراد أن يكتفي والحمد لله رب العالمين،
***
المبحث الثاني عشر مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على مسألة اهداء ثواب القرآن والأعمال إلى المسلمين
[تمهيد]: قراءة القرءان على الميت، من المسائل الفقهية الفرعية المختلف فيها بين العلماء، وجمهور الفقهاء لاسيما المتأخرين على جوازها، وهي ليست من مسائل العقيدة ولا من مسائل الأصول حتى تُعقد الألوية على الولاء والبراء من أجلها، والمبالغة في إنكارها، هذا مع أنّ القائلين بالوصول هم جمهور الفقهاء، وينقلون ذلك عن الصحابة وعن السلف.
[المفتاح الأول]: أخرج أبو داود عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر الله له اقرؤوها على موتاكم) ([189]) . والمراد من (موتاكم) أي الميتين حقيقة وليس المحتضرين (موتاكم): في الحديث اللفظ نص في الأموات وتناوله للمحتضرين مجاز فلا يصار إليه إلا لقرينة، وحيث لا توجد قرينة تصرف ظاهر اللفظ عن حقيقته إلى المجاز فلا يصار إلى المجاز أي لتفسير كلمة (موتاكم) الواردة في الحديث بالمحتضرين لعدم القرينة الصارفة ويبقى معنى موتاكم الميتين حقيقة، وأخرج الطبراني: عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال لي أبي اللجلاج: (يا بني إذا أنا مت فالحد لي لحدا فإن وضعتني في لحدي فقل: بسم الله وعلى ملة رسول الله ثم سن التراب علي سنا ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك) ([190]) .
وجمهور الفقهاء والأصوليين نصوا على الاستدلال بالحديث المرسل، في فضائل الاعمال، وليس افضل من قراءة القرآن، قال ابن كثير في كتابه الباعث الحثيث: قال ابن الصلاح والاحتجاج بالمرسل مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما قلت: أي ابن كثير- وهو محكي عن الإمام أحمد بن حنبل في رواية ([191]) .
[ المفتاح الثاني]: ثبت في الأحاديث الصحيحة وصول الصدقة والصوم والحج والعمرة إلى الميت وهذه عبادات، وقراءة القرءان عبادة أيضًا، فتصل إلى الميت لأنه لا فارق بينها وبين تلك العبادات المذكورة، وهذا من القياس الجلي، الذي لا خلاف في حجيته، والعمل به، قال القرطبي في التذكرة: أصل هذا الباب الصدقة التي لا اختلاف فيها، فكما يصل للميت ثوابها، فكذلك تصل قراءة القرءان والدعاء والاستغفار، إذ كل ذلك صدقة، فإن الصدقة لا تختص بالمال قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن قصر الصلاة في حالة الأمن: ” صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته” وقال صلى الله عليه وسلم: ” يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى” ([192]) . ولهذا استحب العلماء زيارة القبور، لأن القراءة تحفة الميت من زائره اهـ، ([193]) . فأفاد أن القراءة يشملها لفظ الصدقة في عرف الشرع، لاسيما ولم يأت دليل يحرم قراءة القرءان على الميت، لا من القرءان ولا من السنة ولا صرح به أحد من أئمة المذاهب الأربعة المعتمدة.
[المفتاح الثالث]: جاء في رسالة توضيح البيان لوصول ثواب القرءان للسيد الحسيني عبد الله بن الصديق الغماري “: قال رحمه الله تعالى: [[اقرأ على الموتى كلام إلهنا… ودع الخصومة في وصول ثوابهِ… وإذا سئلت عن الدليل فأفصحنْ… بجواب طالبه وحسن خطابهِ… يصل الدعاء كذا الصيام تفضّلا… من ربنا فكذلك حكم كتابهِ… لا فرق بين عبادة وعبادةٍ… ومن ادعى التفريق ليس بنابهِ… وحديث لجلاجٍ يؤيد قولنا… ويعيض عن خطإ بوجه صوابهِ… وإذا أتاك معاند بلجاجة… فأصم أذنك عن سماع سبابهِ… لا تفتحنْ باب الجدال فإنهُ… يفضي بصاحبه لسوء عقابهِ، بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن آله الأكرمين وصحابته والتابعين، أما بعد: فهذا بحث محرر مفيد بينت فيه وصول ثواب القرءان للميت إذا أهداه القارئ بلفظه أو نيته، بعد أن استعرضت الأقوال وأدلتها، وأجبت عن أدلة المانعين للوصول، بما يفيد ضعف ما ذهبوا إليه، والله أسأل أن يهديني سواء السبيل، فهو حسبي ونعم الوكيل: اختلف العلماء في إهداء قراءة القرءان للميت، هل يصل ثوابها إليه ؟مشهور مذهب مالك والشافعي: أن قراءة القرءان لا تصل للميت، ومذهب أحمد وأكثر المتقدمين: أنها تصل، وهو وهو الذي رجحه متأخرو المالكية وغيرهم، قال النووي في الأذكار -بعد حكاية الإجماع على أن الدعاء يصل الميت وينفعه ثوابه- ما نصه: واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرءان؟ فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة: أنه لا يصل وذهب أحمد وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل، فالاختيار: أن يقول القارئ بعد فراغه: اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان اهـ وقال ابن القيم: واختلفوا في العبادة البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرءان والذكر فمذهب الإمام أحمد وجمهور السلف وصوله، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، نص على هذا الإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال قال: قيل لأبي عبد الله: الرجل يعمل الشيء من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك، يجعل نصفه لأبيه أو أمه، قال: أرجو، وقال: الميت يصل إليه كل شيء من صدقة أو غيرها، وقال أيضًا: اقرأ ءاية الكرسي ثلاثة مرات، وقل هو الله أحد، وقل: اللهم إن فضله لأهل المقابر، والمشهور من مذهب مالك والشافعي أن ذلك لا يصل، وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنه لا يصل إلى الميت شيء البتة لا دعاء ولا غيره اهـ، وقال الحافظ ابن حجر في الجواب الكافي عن السؤال الخافي ما نصه: وأما الحادي عشر وهو هل يصل ثواب القراءة للميت؟ فهي مسألة مشهورة، وقد كتبت فيها كراسة والحاصل أن أكثر المتقدمين من العلماء على الوصول، وأن المختار الوقف عن الجزم في المسألة، مع استحباب عمله والإكثار منه اهـ، وأفتى ابن رشد من أئمة المالكية أن الميت ينتفع بقراءة القرءان ويصل إليه نفعه ويحصل له أجره إذا نوى القارئ هبة ثواب قراءته له اهـ، واعتمده غير واحد من متأخري المالكية، قال ابن هلال في نواز له: وبه جرى عمل الناس شرقًا وغربًا، ووقفوا على ذلك أوقافًا، واستمر عليه الأمر أزمنة سالفة اهـ، ([194]) .
[دليل المانعين للوصول]: استدلوا بقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ومن هذه الآية استنبط الشافعي رحمه الله ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولو كان خيرًا ما سبقوا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما اهـ، ([195]) . قلت: قوله: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يندب أمته إلى ذلك، وأن الصحابة لم يفعلوه، منقوض بما يأتي إن شاء الله ودعواه أن القربات لا يتصرف فيها بالقياس، مخالف لما قرره أهل الأصول والفقه، أما الآية، فالجواب عنها من وجوه: (الأول): أنها لم تبق على عمومها، بل أخرج منها الدعاء والصيام والصدقة والحج، وفي حجية العام بعد تخصيصه خلاف كبير بين الأصوليين، وإن كان الراجح بقاءها ففي الاستدلال بالآية نزاع كما ترى، (الثاني): أنها منسوخة بقوله تعالى: {لحقنا بهم ذريتهم} الآية، روى عن ابن عباس ولا يصح، لأن الآية خبر، والخبر لا يدخله نسخ، (الثالث): أنها إخبار عن شريعة إبراهيم وموسى، أما هذه الأمة فلها ما سعت وما سعى لها غيرها، للأحاديث الدالة على ذلك، قاله عكرمة، (الرابع): أنها في الكافر، أما المؤمن فله ما سعى وما سعي له قاله الربيع بن أنس، (الخامس): أن اللام في الإنسان بمعنى [على] أي ليس على الإنسان إلا ما سعى، وهذا ضعيف أو باطل، (السادس): أن في الآية حذفًا تقديره وأن ليس للإنسان إلا ما سعى أو سعى له، وهذا باطل، (السابع): أن المراد بالإنسان في الآية الحي، لا الميت وهذا باطل، (الثامن): أنها في الذنوب، وقد اتفق على أنه لا يحتمل أحد ذنب أحد، ويدل على هذا قوله قبلها: {ألا تزر وازرة وزر أخرى} وكأنه يقول: لا يؤخذ أحد بذنب غيره ولا يؤاخذ إلا بذنب نفسه، وهذا ضعيف، (التاسع): أن للإنسان ما عمل بحق، وله ما عمل له غيره بهبة العامل له فجاءت الآية في إثبات الحقيقة، دون ما زاد عليها، (العاشر): أن ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، فأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله تعالى ما شاء قاله الحسين بن الفضل، (الحادي عشر): أنها لم تنف انتفاع الرجل بسعي غيره وإنما نفت ملكه لغير سعيه وبين الأمرين فرق لا يخفى، فأخبر الله تعالى أن الإنسان لا يملك إلا سعيه، أما سعي غيره فهو ملك لساعيه: فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه وهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلا بما سعى قال ابن القيم وكان شيخنا -يعني ابن تيمية- يختار هذه الطريقة ويرجحها اهـ، ([196]) .وقال القرطبي: وقيل إن الله عز وجل إنما قال: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ولام الخفض معناها في العربية الملك والإيجاب فلم يجب للإنسان إلا ما سعى، فإذا تصدق عليه غيره، فليس يجب له شيء، إلا أن الله عز وجل يتفضل عليه، بما لا يجب عليه، كما يتفضل على الأطفال بادخالهم الجنة بغير عمر اهـ، ([197]) .(الثاني عشر): أن معنى {إلا ما سعى} إلا ما نوى بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ” يبعث الناس على نياتهم” قاله أبو بكر الوراق، (الثالث عشر): أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته، اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد ونكح الأزواج، وأسدى الخير وتودد إلى الناس، فترحموا عليه، وأهدوا له العبادات وكان ذلك أثر سعيه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ” أن أطيب ما أكل الرجل من كسب يده وأن ولده من كسبه” قال أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي، قال ابن القيم: وهذا جواب متوسط، يحتاج إلى تمام، فإن العبد بإيمانه وطاعته لله ورسوله، قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين، مع عمله، كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في الجماعة، فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفًا، لمشاركة غيره له في الصلاة فعمل غيره كان سببًا لزيادة أجره، كما أن عمله سبب لزيادة أجر الآخرين، بل قد قيل: إن الصلاة يضاعف ثوابها بعدد المصلين، وكذلك اشتراكهم في الجهاد والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا” وشبك بين أصابعه، ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام، من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه، في حياته وبعد موته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم وقد أخبر الله تعالى عن حملة العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم، وأخبر عن دعاء رسله واستغفارهم للمؤمنين، كنوح وإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم، فالعبد بإيمانه، قد تسبب في وصول هذا الدعاء إليه، فكأنه من سعيه، يوضحه: إن الله سبحانه وتعالى جعل الإيمان سببًا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به، فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه ذلك، وقد دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص: “إن أباك لو كان أقر بالتوحيد نفعه ذلك”([198]) .يعني العتق الذي فعل عنه بعد موته، فلو أتى بالسبب لكان قد سعى في عمل يوصل إليه ثواب العتق، وهذه طريقة لطيفة حسنة جدًا اهـ، والحديث الذي أشار إليه، رواه أحمد وغيره عن عبد الله بن عمرة أن العاصي بن وائل، نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاصي نحر خمسًا وخمسين، وأن عمرًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك، أفاد الحديث أن السبب في انتفاع الميت بما يهدى إليه من الأعمال إيمانه وتوحيده، وفي تفسير الألوسي ما نصه: وقال بعض أجلة المحققين: أنه ورد في الكتاب والسنة ما هو قطعي في حصول الانتفاع بعمل الغير، وهو ينافي ظاهر الآية، فتقيد بما لا يهبه العامل، وسأل والي خراسان عبد الله بن طاهر، الحسين بن الفضل عن هذه الآية، مع قوله تعالى: {والله يضاعف لمن يشاء} فقال: ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بالفضل ما شاء الله تعالى فقيل عبد الله رأس الحسين اهـ وقال الألوسي أيضًا بعد إيراد بعض أجوبة عن الآية ما نصه: والذي أميل إليه كلام الحسين، ونحوه كلام ابن عطية، قال: والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو اللام من قوله سبحانه {للإنسان} فإذا حققت الشيء الذي يحق للإنسان أن يقول فيه: لي كذا، لم تجده إلا سعيه، وما يكون من رحمة بشفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو نحو ذلك، فليس هو للإنسان، ولا يسعه أن يقول: لي كذا وكذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو حقيقة اهـ، ويعلم من مجموع ما تقدم أن استدلال المعتزلة بالآية على أن العبد إذا جعل ثواب عمله أي عمل كان، لغيره لا ينجعل ويلغو جعله غير تام وكذا استدلال الشافعي بها على أن ثواب القراءة لا يلحق الأموات اهـ كلام الألوسي، ([199]) .
وما نقله عن المعتزلة ليس متفقًا عليه بينهم فالزمخشري وهو من كبارهم يقول بالوصول، قال في الكشاف عند تفسير هذه الآية ما نصه: فإن قلت: أما صح في الأخبار الصدقة عن الميت والحج عنه وله الأضعاف، قلت: فيه جوابان: أحدهما أن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنيًا على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمنًا صالحًا، وكذلك الإضعاف، كان سعي غيره كأنه سعي نفسه لكونه تابعًا له، وقائمًا بقيامه، والثاني: أن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه ولكن إذا نواه به، فهو بحكم الشرع كالنائب عنه، والوكيل القائم مقامه اهـ ([200]) .
وفي فتاوى الحافظ ابن الصلاح ما نصه: مسألة في قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} وقد ثبت أن أعمال الأبدان لا تنتقل، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: ” إذا مات ابن ءادم انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له” ([201]) وقد اختلف في القرءان: هل يصل إلى الميت أو لا؟ وكيف يكون الدعاء يصل إليه والقرآن أفضل أجاب رضي الله عنه: هذا قد اختلف فيه، وأهل الخير وجدوا البركة في مواصلة الأموات بالقرآن، وليس الاختلاف في هذه المسألة، كالاختلاف في الأصول، بل هي من مسائل الفروع، وليس نص الآية المذكورة دالاً على بطلان قول من قال: أنه يصل، فإن المراد به -أي نص الآية- أنه لا حق له ولا جزاء إلا فيما يسعى، ولا يدخل ما يتبرع به الغير من قراءة ودعاء وأنه لا حق في ذلك ولا مجازاة، وإنما أعطاه الغير تبرعًا، وكذلك الحديث لا يدل على بطلان قوله، فإنه في عمله، وهذا من عمل غيره اهـ، ([202]) .
وقال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه: (أحدها): أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير، (ثانيها): أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها، ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار، (ثالثها): أن الملائكة يستغفرون ويدعون لمن في الأرض، (رابعها): أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط، بمحض فضله ورحمته، وهذا انتفاع بغير عملهم، (خامسها): أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل ءابآئهم، (سادسها): قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين {كان أبوهما صالحًا}، (سابعها): أن الميت ينتفع بالصدقة عنه وبالعتق، بنص السنة والإجماع، (ثامنها): أن الحج المفروض يسقط عن الميت لحج وليه عنه بنص السنة، (تاسعها): أن الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره، بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير، (عاشرها): أن المدين قد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب، وانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو من عمل الغير اهـ باختصار، فتبين مما تقدم أن الاستدلال بالآية على منع وصول القراءة للميت، غير صحيح لأن الآية لا تفيد ذلك، ([203]) .
[أدلة القائلين بالوصول]: استدلوا بأمور: (أحدها): قال الطبراني في معجمه الكبير، حدثنا الحسين بن اسحاق التستري ثنا علي بن حجر ثنا مبشر بن اسماعيل حدثني عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال: قال أبي اللجلاج أبو خالد: يا بني إذا أنا مت فألحدني فإذا وضعتني في لحدي فقل: بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم شن عليّ التراب شنًا، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، ([204]) .قال الحافظ الهيثمي رجاله موثقون، قلت فإسناده حسن.(ثانيها): روى الطبراني والبيهقي عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره وليقرأ عند رأسه فاتحة الكتاب” ([205]) .ولفظ رواية البيهقي [بفاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمة البقرة في قبره].
(ثالثها): ثبت في الأحاديث الصحيحة وصول الصدقة والصوم والحج والعمرة إلى الميت وهذه عبادات، وقراءة القرءان عبادة أيضًا، فتصل إلى الميت لأنه لا فارق بينها وبين تلك العبادات المذكورة، وهذا من القياس الجلي، الذي لا خلاف في حجيته، والعمل به، قال القرطبي في التذكرة: أصل هذا الباب الصدقة التي لا اختلاف فيها، فكما يصل للميت ثوابها، فكذلك تصل قراءة القرءان والدعاء والاستغفار، إذ كل ذلك صدقة، فإن الصدقة لا تختص بالمال قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن قصر الصلاة في حالة الأمن: ” صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته” وقال صلى الله عليه وسلم: ” يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى” ولهذا استحب العلماء زيارة القبور، لأن القراءة تحفة الميت من زائره اهـ، ([206]) .فأفاد أن القراءة يشملها لفظ الصدقة في عرف الشرع. وقال ابن القيم – بعد أن أطال في بيان وصول الأعمال المهداة إلى الميت، وأفاض في الاستدلال لذلك-، ما نصه: وأما قراءة القرءان، وإهداؤها له تطوعًا بغير أجرة، فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج فإن قيل: فهذا لم يكن معروفًا في السلف، ولا يمكن نقله عن واحد منهم، مع شدة حرصهم على الخير ولا أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام، فلو كان ثواب القراءة يصل، لأرشد إليه، ولكانوا يفعلونه فالجواب: أن مورد هذا السؤال، إن كان معترفًا بوصول ثواب الصوم والحج والدعاء والاستغفار قيل له: ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرءان واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات؟ وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت، فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع، وأما الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف، فهو أنه لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده، كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يشهد من حضره من الناس أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت، بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم، ثم يقال لهذا القائل: ولو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم ثواب هذا الصوم لفلان، لعجزت، فإن القوم كانوا أحرص شيء على كتمان أعمال البر، فلم يكونوا ليشهدوا على الله بإيصال ثوابها إلى أمواتهم، فإن قيل: فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج، دون القراءة، قيل: هو صلى الله عليه وسلم لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه، مخرج الجواب لهم: فهذا سأله عن الحج عن ميته، فأذن له وهذا سأله عن الصيام عنه، فأذن له وهذا سأله عن الصدقة، فأذن له، ولم يمنعهم مما سوى ذلك، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر؟ والقائل أن أحدا من السلف لم يفعل ذلك قائل ما لا علم له به، فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك، ولا يشهدون من حضرهم عليه، بل يكفي إطلاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم، لا سيما والتلفظ بنية الإهداء لا يشترط كما تقدم، وسر المسألة: أن الثواب ملك للعامل، فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله الله إليه، فما الذي خص من هذا الثواب قراءة القرءان؟ وحجر على أن يوصله إلى أخيه؟ وهذا عمل الناس حتى المنكرين؟ في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء اهـ، كلامه، ([207]) . وهو جيد مفيد وإليك بعض الآثار عن السلف في قراءة القرءان على الميت، قال البيهقي في السنن: حدثنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس ابن يعقوب ثنا العباس بن محمد، قال: سألت يحيى بن معين عن القراءة عند القبر؟ فقال: حدثني مبشر بن إسماعيل الحلبي عن عبد الرحمن بن العلاء ابن اللجلاج، عن أبيه، قال لبينه: إذا أنا مت، فضعوني في قبري، وقولوا: بسم الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنوا علي التراب سنًا، ثم اقرأوا عند رأسي أول سورة البقرة وخاتمتها، فإني رأيت ابن عمر يستحب ذلك، ([208]) . قال الحافظ ابن حجر في أمالي الأذكار: هذا موقوف حسن، وقال الحافظ عبد الحق في كتاب العاقبة: يروى أن عبد الله بن عمر، أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة وممن رأى ذلك عبد الرحمن بن العلاء، وقال الخلال في الجامع: كتاب القراءة عند القبور.: أخبرنا العباس بن محمد الدوري ثنا يحيى بن معين، وذكر الأثر الذي نقلناه عن البيهقي ءانفًا ثم نقل عن عباس الدوري قال: سألت أحمد بن حنبل، قلت، تحفظ في القراءة على القبر شيئًا؟ قال، لا وسألت يحيى بن معين، فحدثني بهذا الحديث قال الخلال، وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق حدثني علي بن موسى الحداد -وكان صدوقًا- قال، كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة فلما دفن الميت، جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد، يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر، قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل، يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال كتبت عنه شيئًا؟ قال: نعم، قال: فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه: أنه وصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك، فقال له أحمد فارجع وقل للرجل: ” يقرأ” وقال الحسن بن الصباح الزعفراني سألت الشافعي عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا بأس بها ومروى الخلال عن الشعبي، قال: كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرأون عنده القرءان. وقال الخرائطي في كتاب القبور: سنة في الأنصار، إذا حملوا الميت أن يقرأوا معه سورة البقرة اهـ قال الخلال وأخبرني أبو يحيى الناقد، قال: سمعت الحسن بن الجروي يقول: مررت على قبر أخت لي، فقرأت عندها [تبارك] لما يذكر فيها فجاءني رجل فقال: إني رأيت أختك في المنام، تقول: ” جزى الله أبا علي خيرًا، فقد انتفعت بما قرأ” أخبرني الحسن بن الهيثم قال: سمعت أبا بكر بن الأطروش ابن بنت أبي نصر التمار يقول: كان رجل يجيء إلى قبر أمه يوم الجمعة، فيقرأ سورة يس فجاء في بعض أيامه فقرأ سورة يس ثم قال: اللهم إن كنت قسمت لهذه السورة ثوابًا، فاجعله في أهل هذه المقابر، فلما كان في الجمعة التي تليها، جاءته إمرأة فقالت: أنت فلان بن فلانة؟ قال: نعم، قالت: إن بنتا لي ماتت، فرأيتها في النوم جالسة على شفير قبرها فقلت: ما أجلسك هاهنا؟ قالت: إن فلان بن فلانة، جاء إلى قبر أمه، فقرأ سورة يس، وجعل ثوابها لأهل المقابر، فأصابنا من روح ذلك أو غفر لنا أو نحو ذلك اهـ، ([209]) .
قلت: يؤيد هذا ما رواه أحمد وأبو داود -والنسائي واللفظ له- وابن ماجه عن معقل بن يسار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” قلب القرءان يس لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له اقرأوها على موتاكم” ([210]) وذكر ابن حبان: أن المراد بالموتى من حضره الموت، ورجحه ابن القيم في كتاب الروح بوجوه لكن أخذ ابن الرفعة بظاهر الحديث، فصحح أنها تقرأ بعد الموت، وذكر الشوكاني أن لفظ الموتى حقيقة فيمن مات، ولا يعدل عن الحقيقة إلا بقرينة، ولا مانع عندي من قراءتها على المحتضر، ليتدبر ما فيها وعلى الميت لينفعه ثوابها وقال محمد بن أحمد المروزي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا دخلتم المقابر، فأقرأوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد، واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر، فإنه يصل إليهم، وقال النووي في الكلام على زيارة القبور من شرح المهذب: ويستحب أن يقرأ من القرءان ما تيسر ويدعو لهم عقبها، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب اهـ، ([211]) .
وقال في الأذكار في باب ما يقوله بعد الدفن؟ قال الشافعي والأصحاب: يستحب أن يقرأوا عنده شيئًا من القرءان، قالوا: فإن ختموا القرءان كله كان حسنًا وروينا في سنن البيهقي بإسناد حسن: أن ابن عمر استحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها اهـ، ([212]) .
وذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ: في ترجمة الخطيب البغدادي: أنه لما توفي قرئ على قبره عدة ختمات فتبين مما أوردناه أمران، [الأول]: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أرشد إلى قراءة القرءان على الميت، و [الثاني]: أن القراءة عند القبر، كانت معروفة عند السلف، ([213]) .
قال القرطبي في التذكرة، وقد قيل: أن ثواب القراءة للقارئ، وللميت ثواب الاستماع ولذلك تلحقه الرحمة، قال تعالى: {وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ولا يبعد في كرم الله تعالى أن يلحقه ثواب القراءة والاستماع جميعًا، ويلحقه ثواب ما [يُهدى] إليه من قراءة القرءان وإن لم يسمعه، كالصدقة والدعاء والاستغفار لما ذكرنا قلت لا يلحق الميت ثواب الاستماع لانقطاع تكليفه لكن يلحقه ثواب ما يهدي إليه، رابع الأدلة: ما ذكره القرطبي، حيث قال: وقد استدل بعض علمائنا على قراءة القرءان، بحديث العسيب الرطب الذي شقه النبي صلى الله عليه وسلم باثنين، ثم غرس على هذا واحدًا، وعلى هذا واحدًا ثم قال: ” لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا” خرجه البخاري ومسلم، وفي مسند الطيالسي: فوضع على أحدهما نصفًا، وعلى الآخر نصفًا وقال: ” إنه يهوّن عليهما ما دام فيهما من بلوتهما شيء” قالوا: ويستفاد من هذا، غرس الأشجار، وقراءة القرءان على القبور، وإذا خفف عنهم بالأشجار، فكيف بقراءة الرجل المؤمن للقرآن؟ اهـ، ([214]) . وهذا قياس أولوي.
خامسها: صلاة الجنازة، فإنها ما شرعت إلا لانتفاع الميت، والاستشفاع له لما فيها من قراءة ودعاء واستغفار، فإذا كان يصل إلى الميت ما تشمل عليه الصلاة من دعاء واستغفار، فكذلك يصل إليه ما تشمل عليه من القرءان، سواء بسواء والتفريق في العبادة الواحدة بين مشمولاتها، تحكم غير مقبول، ولم أر من سبقني إلى هذا الدليل، وهو نص في الموضوع، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
[خاتمة]: تشتمل على مسألتين: [المسالة الأولى]: قراءة القرءان على الميت، من المسائل الفرعية المختلف فيها بين العلماء وليست من مسائل العقيدة فالتهويل في شأنها، والمبالغة في إنكارها جهاد في غير عدو، وإنكار لما ليس بمنكر، وتمسك بمبدأ خالف تعرف والذين قالوا بعدم الوصول صرحوا بأن القارئ إذا دعا بعد قراءته بإيصال ثوابها إلى الميت، وصله بلا خلاف، لأنها تكون حينئذ من قبيل الدعاء المجمع على وصوله، و [المسألة الثانية]: لم يأت دليل يحرم قراءة القرءان على الميت، لا من القرءان ولا من السنة ولا صرح به أحد من أئمة المذاهب، فكيف يتجرأ بعض الناس اليوم على التصريح بتحريم قراءة القرءان على الميت؟ ولم يقل به أحد قبله، لقد كان الواجب عليه أن يراعي جانب القائلين بالوصول وهم أكثر السلف وفيهم من الصحابة ابن عمر أشد الصحابة تمسكًا بالسنة، ومن الأئمة: أحمد بن حنبل، أتبع الأئمة للآثار، وأن يراعي الدلائل التي أتوا بها، وليس معه منها دليل واحد، نعم لقد كان الواجب عليه أن يراعي ذلك، فلا يصرح بالتحريم، بل يحكي القولين ويرجح ما يراه راجحًا، من غير تشنيع ولا تهويل، لكن الإنصاف عزيز وحب العناد والظهور، قاصم للظهور، كما قال الصوفية رضي الله عنهم، وبالله التوفيق.[المفتاح الرابع]: جاء في مبحث: (وصول ثواب القرآن) من الموسوعة اليوسفية، قال الشيخ يوسف خطار: [(الأدلة النقلية والعقلية:
عن سيدنا معقل بن يسار رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال(يس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر الله له اقرؤوها على موتاكم) ([215]) .والمراد من (موتاكم) أي الميتين حقيقة وليس المحتضرين وقال الشوكاني والمحب الطبري في شرح موتاكم الواردة في الحديث اللفظ نص في الأموات وتناوله للمحتضرين مجاز فلا يصار إليه إلا لقرينة ([216]) .
وحيث لا توجد قرينة تصرف ظاهر اللفظ عن حقيقته إلى المجاز فلا يصار إلى المجاز أي لتفسير كلمة (موتاكم) الواردة في الحديث بالمحتضرين لعدم القرينة الصارفة ويبقى معنى موتاكم الميتين حقيقة ومعلوم لدينا ان الأموات إنما هم أحياء في قبورهم يسمعون قراءتنا ودعاءنا وقد مر معنا التفصيل في هذا في باب التوسل والاستغاثة في بداية فصل التوسل بالأموات (المنتقلين) فليراجع هناك، عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال لي أبي اللجلاج: (يا بني إذا أنا مت فالحد لي لحدا فإن وضعتني في لحدي فقل: بسم الله وعلى ملة رسول الله ثم سن التراب علي سنا ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك) ([217]) . وقال البعض: إن هذا الحديث مرسل وإننا لو سلمنا أنه مرسل فجمهور الفقهاء والأصوليين نصوا على الاستدلال بالحديث المرسل، قال ابن كثير في كتابه الباعث الحثيث: قال ابن الصلاح والاحتجاج بالمرسل مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما قلت: أي ابن كثير- وهو محكي عن الإمام أحمد بن حنبل في رواية [الباعث الحثيث مصطلح الحديث]، ([218]) . وقولهم مرسل: مردود لأن الحديث متصل وهذا سنده: قال الطبراني: حدثني الحسين بن إسحاق التستري ثنا علي بن حجر ثنا مبشر بن إسماعيل حدثني عبدالرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أ بيه قال أبي اللجلاج أبو خالد (يا بني إذا أنا مت… الحديث) ([219]) .
واخرج الحافظ السيوطي وأبو القاسم في قواعده (من دخل المقبرة فقرأ الفاتحة وألهاكم التكاثر وقل هو الله أحد ثم قال: إني جعلت ثواب ما قرأته من كلامك لأهل القبور من المؤمنين والمؤمنات كانوا شفعاء له يوم القيامة)، وعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنه (يستحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها) ([220]) .وعن سيدنا أبي الدرداء وأبي ذر رضي الله عنهما: (ما من ميت يموت فتقرأ عنده يس إلا هون الله عليه) ([221]) .وعن أبي الشعثاء صاحب ابن عباس: أنه يستحب قراءة سورة الرعد وأن ذلك يخفف عن الميت وفيه عن الشعبي قال: كانت الأنصار يستحبون أن تقرأ عند الميت سورة البقرة ([222]) . وعن الإمام أحمد قال: حدثنا ابن المغيرة حدثنا صفوان قال: كانت المشيخة يقولون: إذا قرئت أي يس عن الميت خفف عنه بها ([223]) .
[مذهب السادة الشافعية]: قال الحافظ السيوطي في شرح الصدور ما نصه: باب قراءة القرآن للميت أو على القبر اختلف في وصول ثواب القرآن للميت فجمهور السلف والأئمة الثلاثة قالوا بالوصول وخالف ذلك إمامنا الشافعي مستدلا بقوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ثم أقر ذلك لقوله رحمه الله تعالى… وأما القراءة على القبر فجزم بمشروعيتها أصحابنا وغيرهم قال الزعفراني: سألت الشافعي رحمه الله تعالى عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا بأس بها قال الإمام النووي في كتابه رياض الصالحين (باب الدعاء للميت بعد دفنه): قال الشافعي رحمه الله: ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن وإن ختموا القرآن عنده كان حسنا ([224]) .
وقال النووي رحمه الله في شرح المهذب: يستحب لزائر القبور أن يقرأ ما تيسر من القرآن ويدعو لهم عقبها نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب وزاد في موضع آخر: وإن ختموا القرآن على القبر كان أفضل، ([225]) .
وقال القرطبي: وقد استدل بعض علمائنا على قراءة القرآن على القبر بحديث: العسيب والرطب الذي شقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم باثنين ثم غرس على قبر نصفا وعلى قبر نصفا وقال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ([226]) .
قال يستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور وإذا خفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن، ([227]) .
وقال النووي: استحب العلماء قراءة القرآن عن القبر واستأنسوا لذلك بحديث الجريدتين وقالوا: إذا وصل النفع إلى الميت بتسبيحهما حال رطوبتهما فانتفاع الميت بقراءة القرآن عند قبره أولى فإن قراءة القرآن من إنسان أعظم وأنفع من التسبيح من عود وقد نفع القرآن بعض من حصل له ضرر في حال الحياة فالميت كذلك، قال ابن الرفعة: الذي دل عليه الخبر بالاستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت وتخفيف ما هو فيه نفعه إذ ثبت أن الفاتحة لما قصد بها القارئ نفع الملدوغ نفعته وأقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بقوله (وما يدريك أنها رقية) ([228]) . وإذا نفعت الحي بالقصد كان نفع الميت بها أولى ([229]) . وتبعه السبكي في ذلك، وقال في شرح الروض في كتاب الإجارة فرع الإجارة للقراءة على القبر مدة معلومة أو قدرا معلوما جائزة للانتفاع بنزول الرحمة حين يقرأ القرآن ويكون الميت كالحي الحاضر سواء أعقب القرآن بالدعاء أو جعل أجر قراءته له أم لا فتعود منفعة القرآن إلى الميت في ذلك ولأن الدعاء يلحقه وهو بعدها أقرب إجابة وأكثر بكرة ولأنه إذا جعل أجره الحاصل بقراءته للميت فهو دعاء بحصول الأجر له فينتفع به فقول الشافعي إن القراءة لا تصل إليه محمول على غير ذلك، وقال الإمام النووي: عن القاضي حسين في الفتاوى أن الاستئجار لقراءة القرآن على رأس القبر مدة جائز كالاستئجار للأذان وتعليم القرآن واعلم أن عود المنفعة إلى المستأجر شرط فيجب عودها في هذه الإجارة إلى المستأجر أو الميت فالمستأجر لا ينتفع بقراءة غيره ومعلوم ان الميت لا يلحقه ثواب القراءة المجرد فالوجه تنزيل الاستئجار على صورة انتفاع الميت ذكر الشيخ عبدالكريم الشالوسي أنه إن نوى القارئ بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه وإن قرأ ثم جعل ما حصل من الأجر له فهذاء دعاء بحصول ذلك الأجر للميت فينتفع الميت، قال النووي ظاهر كلام القاضي حسين صحة الإجارة مطلقا وهو المختار فإن موضع القراءة موضع بركة وبه تنزل الرحمة وهذا مقصود ينفع الميت والله اعلم ([230]) .
وفي الرملي على المنهاج في باب الوصايا: أن الدعاء بوصول ثواب القراءة للميت مقبول قطعا فإنه إذا كان مقبولا بما لاحق فيه للداعي فكيف بما لا حق فيه ولا عمل؟ أي فهو مقبول من باب أولى وقال ابن الصلاح وينبغي الجزم بنفع قوله اللهم أوصل ثواب ما قرأناه لأنه إذا نفعه الدعاء بما ليس للداعي فماله أولى ويجري هذا في سائر الأعمال وقال الشبرملسي على الرملي: إنه إن نوى ثواب قراءته أو دعا عقبها بحصول ثوابها للميت أو قرأ عند قبره حصل له ثواب القراءة وحصل للقارئ أيضا الثواب فإذا سقط ثواب القارئ لمسقط كأن غلب الباعث الدنيوي فينبغي أن لا يسقط مثله بالنسبة إلى الميت فيها إذا كانت القراءة بأجرة وينبغي أن تكفي نية القارئ الثواب للميت ولو لم يدع واختار السبكي وابن حجر والرملي وغيرهم جواز إهداء القراءة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قياسا على الصلاة عليه، وفي شرح المنهاج لابن النحوي: والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته وينبغي الجزم به لأنه دعا فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعي فلأن يجوز ما هو له أولى ([231]) . وفي باب الإجارة من فتاوى شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ما نصه: سئل عن إجارة من يقرأ لحي أو ميت بوصية أو نذر أو غيرهما ختمة هل يصح ذلك من غير تعيين زمان أو مكان أو لابد من التعيين حتى يمتنع ذلك فيمن أوصى بالقراءة ثم مات غريقا أو لا يعرف له قبر؟ وإذا قلتم بالأول فهل تصح الإجارة لقراءة قرآن بالتعيين المذكور أو لا؟ وإذا فرغ القارئ من القراءة فما صورة ما يدعو به؟ هل يقول: اللهم اجعل ثواب ما قرأته لفلان أو مثل ثوابه؟ وهل يهديه أولا للأنبياء والصالحين ثم للمستأجر له أو يهديه أولا له ثم لهم؟ فأجاب: بأن الإجارة تصح لقراءة ختمة من غير تقدير بزمن وتصح قراء قرآن بتقدير ذلك سواء عين مكانا أم لا وقد افتى القاضي حسين بصحتها بقراءة القرآن على رأس القبر مدة كالإجارة للأذان وتعليم القرآن قال الرافعي والوجه تنزيله على ما ينفع المستأجر له إما بالدعاء عقب القراءة وهو بعدها أقرب إجابة وأكثر بركة وإما بجعل ما حصل من الأجر له والمختار كما قاله النووي صحة الإجارة مطلقا كما هو ظاهر كلام القاضي لأن محل القراء محل بركة وتنزل الرحمة وهذا مقصود بنفع المستأجر له وبذلك علم انه لا فرق بين القراءة على القبر وغيره وصورة ما يدعو به: اللهم اجعل مثل ثواب ذلك … الخ إذ المعنى على مثل ثواب ذلك كما لو أوصى لزيد بنصيب ابنه فإنه يصح على معنى مثل نصيب ابنه، وإن كان المعنى على ذلك فله أن يهدي ثواب ذلك للأنبياء والصالحين ثم للمستأجر له بل هو أولى لما فيه من التبرك بتقديم من يطلب بركته وهو أحب للمستأجر غالبا، وقال العسقلاني عندما سئل عن وصول ثواب القراءة للميت ما يلي: هي مسالة مشهورة والحاصل ان اكثر المتقدمين من العلماء نصوا على الوصول وان المختار الوقف عن الجزم على المسالة مع استحباب عمله والإكثار منه ([232]) .
وقال العلامة الشربيني ([233]) . في تفسير قوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [سورة النجم الآية (39)]، ما يلي: وأن ليس للإنسان كائنا من كان إلا ما سعى فلابد أن يعلم الحق في أي جهة فيسعى فيه ودعاء المؤمنين للمؤمن من سعيه بموداته ولو بموفقته لهم في الدين فقط وكذا الحج عنه والصدقة ونحوها فكذلك وتضحية النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أمته أصل كبير في ذلك فإن من تبعه واده وهو أصل في التصدق عن الغير وإهداء ماله من الثواب في القراءة ونحوها إليه وقال ابن عباس رضي الله عنهما هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة أي وإنما هو في صحف موسى وإبراهيم عليهما السلام بقوله {الحقنا بهم ذريتهم}فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء وقال عكرمة إن ذلك لقوم موسى وإبراهيم عليهما السلام أما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لما يروى أن امرأة رفعت صبيا فقالت: يا رسول الله ألهذا حج فقال: (نعم ولك أجر) ([234]) . وقال رجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إن أمي افتلتت نفسها[افتلتت نفسها: ماتت وأراها بضم الهمزة أي أظنها] وأراها لو كلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال نعم ، ([235]) .
وقال السيد الآلوسي في تفسير الآية السابقة ما نصه: (وقال بعض أجلة المحققين إنه ورد في الكتاب والسنة ما هو قطعي في حصول الانتفاع بعمل الغير وهو ينافي ظاهر الآية فتقيد بما لا يهنه العامل)، ([236]) . وقال الشيخ محمد العربي معقبا على قول الآلوسي السابق: على أن المحققين من المفسرين قالوا: إن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنيا على سعي نفسه (وهو أن يكون مؤمنا) كان سعي غيره كأنه سعي نفسه لكونه تابعا له وقائما بقيامه ولأن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه ولكن إذا نواه به فهو به فهو بحكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه، وقد قال تعالى {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [سورة المدثر الآية (48)] ولو آمنوا لانتفعوا بشفاعة إخوانهم المؤمنين وكذلك سعي المؤمن لأخيه المؤمن لو لم يكن مؤمنا لا انتفع به فإيمانه هو سبب قبول شفاعة أخيه وسعيه وحيث إن إيمانه من سعيه وعليه ترتب قبول سعي غيره له دخل ذلك تحت نطاق قوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}[سورة النجم الآية (39)]، حيث قد سعى بإيمانه في قبول سعي الغير له، ويدل على ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده[وقد حقق ابن القيم في إعلام الموقعين صحة مسند عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]: أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة وأن هشاما ابنه نحر عنه حصته خمسين وأن عمرا ابنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال له: (أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك) ([237]) .
[مذهب السادة الحنفية]: قال العلامة المرغيناني في كتابه (الهداية) في أول باب الحج عن الغير ما نصه: (الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوما أو صدقة أو غيرها عند أهل السنة والجماعة لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أنه ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته ممن أقر بوحدانية الله وشهد له بالبلاغ) ([238]) .
وقال العلامة البدر العيني في شرحه على كنز الدقائق ما نصه: يصل إلى الميت جميع أنواع البر من صلاة أو صوم أو حج أو صدقة أو ذكر أو غير ذلك، ([239]) .
وقال العلامة الزيلعي في شرحه على الكنز أيضا في باب الحج عن الغير ما نصه: الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أهل السنة والجماعة صلاة كان أو صوما أو حجا أو صدقة أو قراءة قرآن أو الأذكار إلى غير ذلك من جميع أنواع البر ويصل ذلك إلى الميت وينفعه… ([240]) . فقد ورد في الأثر إن من البر بعد الموت أن تصلي لهما – أي الوالدين – مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صومك، وورد أيضا: من مر على المقابر وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة ثم وهب أجرهما للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات، وورد: من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات، وورد أنه: يصل ثواب من يهدي اليهم ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه،؟ وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اقرؤوا على موتاكم سورة يس ([241]) . وعنه عليه الصلاة والسلام أنه ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته، [أخرجه وقد تقدم تخريجه بلفظ مقارب] أي جعل ثوابه لأمته،وهذا تعليم منه عليه الصلاة والسلام ان الإنسان ينفعه عمل غيره والاقتداء به هو الاستمساك بالعروة الوثقى، وعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك) ([242]) .
وقال ابن كثير في تفسيره: إنساده صحيح]، ولهذا قال تعالى {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [سورة محمد الآية (19)] وما أمر الله به من الدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم وما ذكره في كتابه العزيز من استغفار الأنبياء والملائكة لهم حجة لنا عليهم لأن كل ذلك عمل الغير وأما قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [سورة النجم الآية (39)] فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما إنها منسوخة بقوله تعالى {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان} [سورة الطور الآية (21)] وقيل هي خاصة بقوم موسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام لأنه وقع حكاية عما في صحفهما بقوله تعالى {أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى} [سورة النجم الآية (36 -37)] وقيل: أريد بالإنسان الكافر وأما المؤمن فله ما سعى له أخوه، وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى: صرح علماؤنا في باب الحج عن الغير بأن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوما أو صدقة أو غيرها واستدلوا بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وإذا تصدق بصدقة تطوعا فيجعلها عن أبويه فيكون لهما أجرها ولا ينقص من أجره شيئا) ([243]) .
بل قال بعضهم: إن الأفضل لمن يتصدق نفلا أن ينوي لجميع المؤمنين والمؤمنات لأنها تصل اليهم ولا ينتقص من أجره شيء وهو مذهب أهل السنة والجماعة وقال أيضا والذي حرره المتأخرون من الشافعية وصول القراءة للميت إذا كانت بحضرته أو دُعي له عقيبها – ولو غائبا – لأن محل القراءة تنزل فيه الرحمة والبركة والدعاء عقبها أرجى للقبول ولهذا اختاروا في الدعاء: اللهم أوصل مثل ثواب ما قراءته إلى فلان وأما عند (الحنفية) فالواصل إليه الثواب نفسه، وقال أيضا: وبهذا علم أنه لا فرق بين أن يكون المجعول له ميتا أو حيا والظاهر أنه لا فرق بين أن ينوي به عند الفعل للغير أو يفعله لنفسه ثم بعد ذلك يجعل ثوابه لغيره وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي افتُلِتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، وعن سيدنا بريدة رضي الله عنه قال: بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت قال: فقال (وجب أجرك ورجعت اليك في الميراث)، قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال (صومي عنها) قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال(حجي عنها) ([244]) .
وقال أيضا وفي شرح اللباب للملا علي القاري ثم من آداب الزيارة (أي زيارة القبور) ما قالوا أنه يأتي الزائر من قبل رجلي المتوفى لا من قبل رأسه لأنه أتعب لبصر الميت بخلاف الأول لأنه يكون مقابل بصره هذا إذا أمكنه وإلا فقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم (قرأ أول سورة البقرة عند رأس الميت وآخرها عن رجليه) ([245]) . ويقرأ يس لما ورد (من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها من حسنات) ([246]) .
[مذهب السادة المالكية]: قال القاضي عياض في شرحه على صحيح مسلم في حديث الجريدتين عند قوله صلى الله عليه وآله وسلم (لعله يخفف عنهما مادامتا رطبتين) ما نصه: (أخذ العلماء من هذا الحديث استحباب قراءة القرآن على الميت لأنه إذا خفف عنه بتسبيح الجريدتين وهما جماد فقراءة القرآن أولى)، ([247]) . وقال ابن رشد في كتابه النوازل ما نصه: (وإن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميت جاز ذاك وحصل للميت أجره)، ([248]) .
وقال العلامة ابن الحاج في كتابه (المدخل) ما نصه: (لو قرأ في بيته وأهدى إليه لوصلت وكيفية وصولها: أنه إذا فرغ من تلاوته وهب ثوابها له أو قال: اللهم اجعل ثوابها له فإن ذلك دعاء بالثواب لأن يصل إلى أخيه والدعاء يصل بلا خلاف)، ([249]) .
وقال العلامة عبدالحق الإشبيلي في كتابه (العاقبة) ما نصه: (واعلم أن الميت كالحي فيما يعطاه ويهدى إليه بل الميت أكثر وأكثر لأن الحي قد يستقل ما يهدى إليه ويستحقر ما يتحف به والميت لا يستحقر شيئا من ذلك ولو كان مقدار جناح بعوضة أو وزن مثقال ذرة لأنه يعلم قيمته وقد كان يقدر عليه فضيعه وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو ولد صالح يدو له أو علم ينتفع به) فهذا دعاء الولد يصل إلى والده وينتفع به وكذا أمره عليه الصلاة والسلام بالسلام على أهل القبور والدعاء لهم ما ذاك إلا لكون ذلك الدعاء لهم والسلام عليهم يصل اليهم ويأتيهم والله أعلم، وورد في الأثر أن: الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها، وقال صاحب كتاب مواهب الجليل ما نصه: ونقل ابن الفرات عن القرافي انه قال: الذي يتجه أنه لهم (الأموات) بركة القراءة كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده ثم قال في مسألة وصول القراءة للميت ما نصه: وإن حصل الخلاف فيها فلا ينبغي إهمالها فلعل الحق هو الوصول ([250]) .
[مذهب السادة الحنابلة]: قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: الأمر الذي كان معروفا بين المسلمين في القرون المفضلة أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها من الصلاة والصيام والقراءة والذكر وغير ذلك وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات كما امر الله بذلك لأحيائهم وأمواتهم في صلاتهم على الجنازة وعند زيارة القبور وغير ذلك وروي عن طائفة من السلف: عند كل ختمة دعوة مجابة فإذا دعا الرجل عقيب الختم لنفسه ولوالديه ولمشايخه وغيرهم من المؤمنين والمؤمنات كان هذا من الجنس المشروع وكذلك دعاؤه لهم في قيام الليل وغير ذلك من مواطن الإجابة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بالصدقة عن الموتى من الأعمال الصالحة وكذلك ما جاءت به السنة في الصوم عنهم وبهذا وغيره احتج من قال من العلماء إنه يجوز إهداء ثواب العبادات المالية والبدنية إلى موتى المسلمين كما هو مذهب أحمد وأبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعي فإذا أهدي لميت ثواب صيام او صلاة أو قراءة جاز ذلك، وقال رحمه الله تعالى أيضا: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة: (أحدها): ان الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير، (ثانيها): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار وهذا انتفاع بعمل الغير، (ثالثها): أن كل نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير، (رابعها): أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض وذلك منفعة بعمل الغير، (خامسها): أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم، (سادسها): أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض عمل الغير، (سابعها): قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين (وكان أبوهما صالحا) فانتفعا بصلاح أبيهما وليس هو من سعيهما، (ثامنها): أن الميت ينتفع بالصدقة عنه وبالعتق بنص السنة والإجماع وهو من عمل الغير، (تاسعها): أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير، (عاشرها): أن الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير، (حادي عشرها): أن المدين الذي امتنع صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب وانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبردت جلدته بقضاء دينه وهو من عمل الغير، (ثاني عشرها): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمن صلى وحده (ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه)) ([251]) . فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير، (ثالث عشرها): أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه وذلك انتفاع بعمل الغير، (رابع عشرها): أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا انتفاع بعمل الغير، (خامس عشرها): أن الجار الصالح ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر وهذا انتفاع بعمل الغير، (سادس عشرها): أن جليس أهل الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له والأعمال بالنبيات فقد انتفع بعمل غيره، (سابع عشرها): الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره، (ثامن عشرها): أن الجمعة تحصل باجتماع العدد وكذلك الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض، (تاسع عشرها): أن الله قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}[سورة الأنفال الآية (33)] وقال تعالى {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات}[سورة الفتح الآية (25)] {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} [سورة الحج الآية (40)] فقد دفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير، (عشرونها): أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل فينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي له(حادي عشرينها): أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي له ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى فكيف يجوز أن تتأول الآية على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة والمراد بالإنسان العموم ([252]) .
وقال الشيخ ابن القيم في كتاب الروح ما نصه: وقد ذكر عن جماعة من السلف أنهم أوصوا أن يقرأ عند قبورهم وقت الدفن قال عبدالحق: يروى أن عبدالله ابن عمر أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة وكان الإمام أحمد ينكر ذلك أولا حيث لم يبلغه فيه أثر ثم رجع وقال الخلال في كتاب الجامع: القراءة عند القبور عن عبدالرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال: قال أبي إذا أنا مت فضعني في اللحد وقل: بسم الله وعلى سنة رسول الله وسن علي التراب سنا واقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت عبدالله بن عمر يقول ذلك قال عباس الدوري: سألت أحمد بن حنبل قلت تحفظ في القراءة عند القبر شيئا فقال: لا وسألت يحيى بن معين فحدثني بهذا الحديث قال الخلال: وأخبرني الحسن بن أحمد الوارق حدثني علي بن موسى الحداد وكان صدوقا قال: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد: يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة فلما خرجا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل: يا أبا عبدالله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة قال: كتبت عنه شيئا؟ قال نعم قال: فأخبرني مبشر عن عبدالرحمن بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها وقال سمعت ابن عمر يوصي بذلك فقال له أحمد: فارجع وقل للرجل يقرأ (وورد مرفوعا في بداية الباب)، وذكر الخلال عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرؤون عنده القرآن، وعزا رحمه الله وصول ثواب العبادات البدنية للميت كالصلاة والصوم وقراءة القرآن والذكر للإمام أحمد وجمهور السلف وعدم الوصول إلى أهل البدع من علماء الكلام، وقال رحمه الله وصول ثواب العبادات البدنية للميت كالصلاة والصوم وقراءة القرآن والذكر للإمام أحمد وجمهور السلف وعدم الوصول إلى أهل البدع من علماء الكلام، وقال رحمه الله أيضا في جواب عن قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [سورة النجم الآية (39)]، ما لفظه: وقالت طائفة أخرى: القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره وإنما نفى ملكه لغير سعيه وبين الأمرين من الفرق مالا يخفى [فقد يسكنك صديقك في داره بلا أجر فقد انتفعت بما ليس لك فإن ادعيت ملكيتها وأنها لك فهذا كذب وخطأ وبهذا يتضح أن انتفاعك بما لا تملك قد يصح وبخلاف دعوى المالكية من غير سعيك فإنه لا يصح]، وأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه وأما سعي غيره فملك لساعيه فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أبقاه لنفسه وهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلا بما سعى وكان ابن تيمية يختار هذه الطريقة ويرجحها، وقال رحمه الله في الجواب على شبه المانعين ما نصه: فصل وأما استدلالكم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا مات العبد انقطع عمله)، فالاستدلال ساقط لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل انقطع انتفاعه وإنما أخبر عن انقطاع عمله وأما عمل غيره فهو لعامله فإن وهبه له فقد وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله هو فالمنقطع شيء والواصل إليه شيء آخر، وقال رحمه الله أيضا: وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج فإن قيل فهذا لم يكن معروفا في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصهم على الخير ولا ارشدهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليه وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه ولكانوا يفعلونه: فالجواب أن مورد هذا السؤال إن كان معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار قيل له: ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال؟ وهل هذا الا تفريق بين المتماثلات؟ وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع (وقد مرت معنا الأدلة واضحة جلية)، ثم إنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له وهذا سأله عن الصيام عنه فأذن له وهذا سأله عن الصدقة فأذن له ولم يمنعهم مما سوى ذلك وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر؟ وقال رحمه الله ما نصه: وهذا عمل الناس حتى المنكرين في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء أهـ، ([253]) .
وقال الشيخ الإمام أبو محمد بن قدامة المقدسي في آخر كتاب الجنائز من (مغنيه) ([254]) .
ما نصه: لا بأس بالقراءة عند القبر وقد روى عن أحمد أنه قال: (إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا آية الكرسي وثلاث مرات قل هو الله أحد ثم قل: اللهم إن فضله لأهل المقابر)، وقال الخلال: حدثني أبو علي الحسن بن الهيثم البزار شيخنا الثقة المأمون قال: رأيت أحمد بن حنبل يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور وقد ورد في الأثر أنه من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يؤمئذ وكان له بعدد من فيها حسنات وورد أيضا أنه (من زار والديه فقرأ عنده أو عندهما يس غفر له) ثم قال: فصل: وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله تعالى، أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافا إذا كانت الواجبات مما تدخله النبيابة وقد قال تعالى {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [سورة الحشر الآية (10)] وقال تعالى {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [سورة محمد الآية (19)] ودعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي سلمة حين مات وللميت الذي صلى عليه في حديث عوف بن مالك ولكل ميت صلى عليه وسأل رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال (نعم)، وروي ذلك عن سعد بن عبادة رضي الله عنه وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: (نعم) ([255]) . وقال للذي سأله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال (نعم) وهذه أحاديث صحاح وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادة بدنية وقد أوصل نفعها إلى الميت وكذلك ما سواها مع ما ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ يس وتخفيف الله تعالى عن أهل المقابر بقراءته وروى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمرو بن العاص (لو كان أبوك مسلما فأعتقتم أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك) وهذا عام في حج التطوع وغيره ولأنه عمل بر وطاعة فوصل نفعه وثوابه كالصدقة والصيام والحج الواجب ثم قال: والدليل لنا ما ذكرناه وأنه إجماع المسلمين فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرؤون القرآن ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير ولأن الحديث صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) ([256]) . والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه الثواب، أهـ،([257]) . وقال صاحب الروض المربع شرح زاد المستنقع ما نصه: ولا تكره القراءة على القبر… وصح عن ابن عمر (أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها) ثم قال: وأي قربة من دعاء واستغفار وصلاة وصوم وحج وقراءة وغير ذلك فعلها مسلم وجعل ثوابها لميت مسلم أوحي نفعه، قال أحمد: (الميت يصل إليه كل شيء من الخير للنصوص الواردة فيه)، وذكره المجد وغيره حتى ولو أهداها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم جاز ووصل إليه ثوابها ([258]) .
وقال الشيخ محمد المنبجي الحنبلي في كتابه (تسلية أهل المصائب): أما احتجاج بعض من خالف من اصحاب الشافعي ومالك بهذه الآية: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [سورة النجم الآية (39)] على أن الميت لا ينتفع بثواب من سعي غيره لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)، قالوا: لأن نفع العبادة لا يتعدى فاعلها، فيقال لهم: قد ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة أن الميت يصلى عليه ويدعى له ويستغفر له وهذا من سعي غيره، والرد بالنسبة للآية: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الآية منسوخة بقوله تعالى {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريهم} [سورة الطور الآية (21)] فأدخل الأبناء بصلاح الآباء،([259]) . ولا خلاف بين العلماء في مشروعية تلقين من حضره الموت لا إله إلا الله للحديث الصحيح (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) ([260]) .وأما تلقينه بعد الدفن على القبر فاستحبه الشافعية والأكثر من الحنابلة والمحققون من الحنفية والمالكية لحديث أبي أمامة، وقال المحقق ابن الهمام: ولا مانع من حمل موتاكم في الحديث الصحيح على حقيقته فيشمل التلقين على القبر وهذا نص كيفية التلقين: عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم عليها التراب فليقم أحدكم على رأس القبر ثم ليقل: يا فلان بن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعدا ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله ولكن لا تشعرون فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وانك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما نقعد عند من لقن حجته فيكون الله حجيجه دونهما قال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ قال: (ينسبه إلى حواء – يا فلان بن حواء) ([261]) .
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير إسناده صالح وقد قواه الضياء في أحكامه ونقل الكلام الحافظ ابن حجر عن الإمام النووي في المجموع وقالوا: ويكون تلقينه بعد انصراف المشيعين بصوت بين الجهر والإسرار والله أعلم، ([262]) .
المبحث الثالث عشر تنزيل فقه علم السنّة والبدعةعلى أحكام الجنائز والمقابر
(تنبيه): أنقل ها هنا مباحث فقهية قيّمة تُعالج الغلو في باب التبديع، وتنقل أغلب الخلاف من باب العقيدة وبدعة الضلالة إلى الخلاف في الفروع والفقهيات التي لا تثريب على أحد فيها ما كان معه شيء من الادلة، فالخلاف في الفقه بين راجح ومرجوح، وليس بين هدى وضلال كما هو الشان في خلاف الأصول وقواعد العقيدة.
المبحث الأول: فصل: أمور خلافية تتعلق بالجنائز: من كتاب اللُّمَع في تَجلية البدع: للشيخ محمد حسين
(1) النعى للميت: وهو أن يبعث مناديًا ينادى في الناس: إن فلانًا قد مات ليشهدوا جنازته، روى حذيفة رضى الله عنه قال: (سمعت النبى صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي) ([263]) .
قال ابن قدامة الحنبلي في المغني: استحب جمــاعة من أهل العلـــم ألا يعلم الناس بجنائزهم، قال: وقال كثير من أهل العلم لا بأس أن يعلم بالرجل إخوانه ومعارفه وذوو الفضل من غيرا نداء، قال إبراهيم النخعى: لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه وإنما كانوا يكرهون أن يطاف في المجالس: أنعى فلانا كفـــعل الجاهلية، وممن رخَّص في هذا: أبو هريرة وابن عمرو وابن سيرين، وروى عن ابن عمر أنه نعى إليه رافع بن خديج قال: كيف تريدون ان تصنعوا به؟ قـــالوا: نحبسه حتى نرسل إلى قــباء وإلى من بات حول المدينة ليشهدوا جنازته، قال: نِعْم ما رأيتم، وقال النبى صلى الله عليه وسلم في الذى دفن ليلا: ” ألا أذنتمونى؟” وقد صح عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” نعى للناس النجاشي في يوم الـــذى مات فيه، وخـــرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربع تكبيرات” ([264]) .ولأن في كثرة المصلين عليه أجراً لهم ونفعًا للميت، فإنه يحصل لكل مصل منهم قيراط من الأجر. ([265]) .
وقال الإمام النووي في المجموع: والصحيح الذى تقتضيه الأحاديث الــصحيحة وغيرها أن الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه، بل إن قصد به الإخبار لكثرة المصلين فهو مستحب وإنما يكره ذكر المآثـــر والمفاخر والتَّطواف بين الناس بــــذكره بهذه الأشياء، وهذا نعى الجاهلية المنهى عنه، فقد صحت الأحاديث المحققين ([266]) .
(2) وأما النَّدب: فهو تعداد محاسن الميت وما يلقون بفقده بلفظ النداء، مثل قولهم: وارجلاه واجبلاه وانقطاع ظهراه، وأشباه ذلك، وأما النياحة وخمش الوجوه وشق الجيوب وضرب الخدود والدعاء بالويل والثبور، قال ابن قدامه في المغنى: قال بعض أصحابنا: هو مكروه، ونقل حرب عن أحمد كلامًا فــيه احتمال إباحة النوح والندب اختاره الخلال وصاحبه لأن واثلة بن الأسقع وأبا وائل رضى الله عنهما كــان يستمعان النوح ويبكيان، وقال أحمد بن حنبل: إذا ذكـــرت المرأة مثل ما حكى عن فاطمة رضى الله عنها في مثل الدعاء لا يكون مثل النوح، يعنى لا بأس به، روى عن فاطمة رضى الله عنها أنها قالت: ” يا أبتاه، من ربه أدناه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه، يا أبتاه أجاب ربَّا دعاه” قال ابن قدامة: وظاهر الأخبار تدل على تحريم النوح، قالت أم عطية: ” أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البيعة أن لا ننوح” ([267]) . وعن أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” ليس منا مَن ضــرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية”، ([268]) . وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إن الميت يعذَّب في قبره بما يناح عليه” انتهى، ([269]) .
(3) وأما تلقين الميت عند دفنه: قال ابن تيمية في الفتاوى : تلقين الميت في قبره بعد الفراغ من دفنه نُقل عن طائفة من الصحابة: أنهم أمروا به كأبى أمامة الباهلى وغيره، وروى فيه حديثًا عن النبى، مما لا يحكم بصحته، ولم يكن كثير مـــن الصحابة يفعل ذلك، فلهــذا قال الإمام أحمد وغيره من العلماء: إن هذا التلقين لا بأس به، فرخضوا فيه ولم يأمروا به، واستحبه طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وكرهه طائفة من الــــعلماء من أصحاب مالك وغيرهم، وقد ثبت أن المقبور يسأل ويمتحن وأنه يؤمر بالدعاء له، فلهذا قيل: إن التلقين ينفعه فإن الميت يسمع الــــنداء كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إنه ليسمع قرع نعالهم” وأنه أمرنا بالسلام على الموتى فقال: ” ما من رجل يمر بقبر الرجل الذى يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا ردّ الله روحه حتى يرد عليه السلام”،([270]) .
وقال ابن قيم الجوزية الحنبلي في كتاب الروح : ويدل على أن الميت يعـــلم من حال الأحياء وزيارتهم له وسلامهم عليه، ما جـرى عليه عمل الناس قديمًا وإلى الآن: من تلقين الميت في قبره، وقد سئل الإمام أحمد رحمة الله تعالى فاستحسنه واحتج عليه بالعمل، ويروى فيه حديث ضعيف ذكره الطبرانى في مــعجمه من حديث أبى أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا مات أحدكم فسوًّيتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب، تم ليقل: يا فلان بن فلانة، الثانية، فإنه يستوى قاعداً، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، يقول أرشدنا رحمك الله، ولكنكم لا تسمعون، فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله الله، وأن محمدأ رســول الله، وأنك رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا، فإن منكراً ونكيراً يتأخر كل واحد منها ويقول: انطلق بنا، ما يقعدنا عندهذا وقد لقن حجته؟ ويكون الله ورسوله حجيجه دونهما، فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمَّه؟ قال: يَنسبُه إلى أمه حواَّء: يا فلان بن حواء”، قال ابن القيم: فهذا الحديث وإن لم يثبت فاتصال العـــمل به في سائر الأمــصار والأعـــصار من غــير إنكار: كافٍ في العــــمل به، انتهى، ([271]) .
وأقول وعلى هذا القول فإن ترك التلقين هذا يعتبر بدعة تركية،
(4) الوقوف على القبر بعد ما يدفن ويدعى للميت: قال ابن قدامة الحنبلي: ســــئل عن ذلك أحمد فقال: لا بأس به، قد وقف علىّ والأحنف، وروى أبو داود عن عثمــان قال: ” كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا دفن الرجل وقف عليه وقال: استـــغفروا لأخــيكم واسألوا له التــثبيت، فإنه الآن يسأل” وروى السرَّى قال: ” لما حضــرت عمرو بن العاص الوفاة قال: اجلسوا عند قــبرى قدر ما ينحرجزور ويقسم فإنى أســتأنس بكم” ([272]) .
قال ابن تيمــية في الفتـــاوى : القراءة على القبــر كرهها أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين ولم يكن يكرهها في الأخرى، وإنما رخص فيها لأنه بلغه أن ابن عمر أوصى أن يقرأ عند قبره بفواتح البقرة وخواتيها، وروى عن بعض الصحابة قراءة سورة البقرة، فالقراءة عـــند الدفن مأثورة في الجملة، وأمابعد الدفن فلم ينقل فيه أثر، وأما المستحب الذى أمر به وحضَّ عليــه النبى صلى الله عليه وسلم فهو الدعاء للميت، انتهى، ([273]) .
(5) العزاء والتعزية: وهما الصبر على ما به من مكروه وعزَّاه أى صبّره وحثّه على الصبر، وأصلهـــا التصبـــير لمن أصيب بمن يعزَّ عليه، عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مَن عزَّى مصابًا فله مثل أجره” ([274]) . وعن أبى برذة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من عزّى ثكلى كُسى بردا في الجنة” ([275]) .، وعن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده رضى الله عن ه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ما من مؤمن يعزى أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة” ([276]) . قال ابن قدامة في المغنى: والمقصود بالتعزية تسلية أهل المصيبة، وقضاء حقوقهم والتقرّب إليـــهم، والحاجة إليها بعد الدفن كالحاجة إليها قبله، ويستحب تعزية أهل المصيبة كبارهم وصغارهم، ويُخصُّ خيارهم والمنظور إليه من بينهم، قال: ولا نعلم في التعزية شيئًا محدوداًَ إلا أنه يروى أن النبى صلى الله عليه وسلم عزى رجلا فقال: ” رحمك الله وآجرك” وعزى أحمد أبا طالب فوقف على باب المسجد فقال: أعظم الله أجرك وأحــسن عزاءك، وأن الردّ من المعــــزى فيقول: استجاب الله دعاك، ورحمن وإياك، قال ابن قدامة أيضًا: وتوقّف أحمد بن حنبل عن تعزية أهل الذمة وهى تخرَّج على عيادتهم وفيها روايتان: إحداهما: لا نعودهم فكذلك لا نعزيهم، لقـــول النبى صلى الله عليه وسلم ” لا تبدءوهم بالسلام” وهذا في معناه، والرواية الثانية: نعودهم: لأن النبى صلى الله عليه وسلم: ” أتى غلامًا من اليهود كان مرض يعوده فقعـــــد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عند رأســـه فقال له: أطلع أبا القاسم، فأسلم، فقام النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذى أنقذه بى من النار“([277]) . فعلى هذا نعزيهم، وقال ابن بطة يقول له: أعطاك الله على مــصيــــبتك أفضل مـــا أعطى أحداً من أهل دينك، ([278]) . وقال النووي في المجموع: يعزى الكافر فيقول: أخلف الله عليك، قال النووي: وتجوز التعزية قبل الدفن وبعده، لــــكن بعد الدفن أحـــسن وأفضل لأن أهله قبل الدفن مشغولون بتجهيزه، ولأن وحشتــهم بعد دفنه لفراقه أكثر، فكان ذلك الوقت أولى، ويكره الجلوس للتعزية فإن ذلك يجدّد الحزن ويكلف المؤنة، ولكن ثبت في البخاري عن عائشة رضى الله عنها قالت: ” لما جاء النبى صلى الله عليه وسلم قتل زيد بن حارثة وجعفر وابنت رواحة رضى اله عنهم جلس يعرف الحزن وأنا أنظر من شق الباب” ([279]) .
أقول: وذلك جـــاء في فقه المالكية (من بلغة السالك للصـــاوى وشرحـــه للدردير): يجوزأن يجلس الرجل للتعزية كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم حين جاء خبر جعفروزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ومن قتل مـــعهم يوم مؤتة، والأولى عند رجوع الوالى إلى بيته من الدفن، انتهى، ([280]) .
(6) قال في المغنى: يستـــحب إصلاح طعام لأهل الميت يبعث به إليهم إعانة لهم وجبرا لقلوبهم، فأنهم ربما اشتغلوا بمصيبــــتهم وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم، وروى عن عبد الله بن جعفر قال:لما جاء نعي جعفر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصنعوا لآل جعفر طعامًا فإنه قد أتاهم أمر شغلهم” قال: وهل يجتمعون عند أهل الميت ويجعلون طعامًا؟ قال: إذا دعت الحاجــــة إلى ذلك جاز، فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأمــاكن البعيدة ويبيــــــت عندهم ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه، ([281]) .
وأقول: وهذا ما عليه الناس في القــرى الآن من صنع الطعـــام وتقديمه لمن حضر للعزاء، وقال الشافعي في المختصر: وأحب لقرابة الميت وجيرانه أن يعملوا لأهل الميت في يومهم وليلتهم طعامًا فإنه سنه.
(7) أقامة السرادقات لأخذ العزاء من العادات وليست من العبادات، والحكم عليها من قِبَل المصالح، أى النفع والضرر، والحسن والقبح، فإن احتيج إليها للإيواء من الشـــمس والبرد وللجلوس لعدم وجود مكان يتسع لمن يجئ للعزاء، فهى من المصالح المرسلة يفعلها الناس عادة ولا يتقربون بها إلى الله، يفــــعلها البروالفاجر، والمسلم وغير المسلم، وقد ثبت في البخاري ومسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم جلس لأخذ العزاء في قتلى مؤتة، قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين: فـــــصل في تغير الفـــــتوى واختلافـــــها بحـــسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيـــــات والعوائد، قال: هذا فصل عظيم النفع جداّ، وقع بسبب الجهل به غلط غلط عظيم على الشريعة الباهرة التى في أعلى رتب المصالح لا تأتى به، فإن الشريعة مبناها على الحكم ومــــــصالح الــعبــــاد في المعاش والمعاد، وهى كلهـــــا عدل ورحمة ومصالح وحكمة، فكل مســألة خرجت عن الرحــــمة إلى ضـــدها وعن المصلحة إلى المفـــسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليـــست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل، انتهى، ([282]) .
ويقول الإمام الشاطبى في الموافقات: إن مثل هذا النوع ينظر فـــيه على ضوء الشــــريعة ويجرى الحكم فيه على ما تقرر في كلياتها، ومن أمثلة ذلك ما أحدثه السلف الصالح من تدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر له ذكر في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم تكن من نوازل زمانه، ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها، وأن القصد الشرعى في مثل هذه الأمور معروف من الجهات التى ثبت لها الحكم بالنص، وعلى ذلك فمثل هذا القسم يشرع له أمر زائد يلائم تصرفات الشرع في مثله وهو المصالح المرسلة ” انتهى، ([283]) .
***
المبحث الثاني : تلقين الميت بعد الدفن هذه المسألة فيها اختلاف بين الفقهاءعلي قولين:
اتفق الفقهاءعلي ان الصبي لا يلقن باتفاق الفقهاء ، وإنما الكلام في البالغ:
القول الأول : عدم مشروعية تلقين الميت بعد دفنه . وهو مذهب جمهور المالكية : جاء في الفواكه الدواني للمالكية ( وليس العمل عند مالك على التلقين بعد الدفن) ([284]) .
القول الثاني : مشروعية تلقين الميت بعد دفنه .: هو مذهب جمهور الفقهاء ( الحنفية والشافعية وبعض المالكية والحنابلة
جاء في الجوهرة النيرة للحنفية : ( وأما تلقين الميت في القبر فمشروع عند أهل السنة لأن الله تعالى يحييه في القبر وصورته أن يقال : يا فلان بن فلان أو يا عبد الله بن عبد الله اذكر دينك الذي كنت عليه وقد رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً. ([285]) . وجاء في الفواكه الدواني للمالكية ( قال ابن الطلاع من المالكية : هو الذي نختاره ونعمل به ، وقد روينا فيه حديثاً ليس بالقوي ، لكن اعتضد بالقواعد وبعمل أهل الشام ([286]) ..وجاء في التاج والإكليل للمالكية ( قال أبو حامد : ويستحب تلقين الميت بعد الدفن. ([287]) .. وجاء في الإقناع للشافعية ( ويسن تلقين الميت المكلف بعد الدفن لحديث ورد فيه. ([288]) . وجاء في الإنصاف للحنابلة ( يستحب تلقين الميت بعد دفنه عند أكثر الأصحاب ، ([289]) . قال في الفروع : استحبه الأكثر .. فيجلس الملقن عند رأسه. ([290]) .
إذاً فقد اتفق على استحبابه شيخا المذهب الشافعي الرافعي والنووي .وقال النووي في الأذكار ( وسئل أبو عمرو بن الصلاح عنه فقال : التلقين هو الذي نختاره ونعمل به ([291]) . والحديث المذكور رواه أبو أمامة وهو في معجم الطبراني . وهو حديث طويل ..
قال النووي في الروضة ( والحديث الوارد فيه ضعيف لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم من المحدثين وغيرهم ، وقد اعتضد هذا الحديث بشواهد من الأحاديث الصحيحة كحديث : اسألوا الله له التثبيت ([292]) . لكن قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير ( وإسناده صالح وقد قواه الضياء في أحكامه) ([293]) .
قال النووي أيضاً في الروضة ( ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا التلقين من العصر الأول ، وفي زمن من يقتدى به .. وأما الطفل ونحوه فلا يلقن ) . ([294]) .
من الموسوعة اليوسفية للشيخ يوسف خطار: (استدل القائلون بجواز تلقين الميت بعد دفنه في قبره بالأدلة التالية:
(1) أخرج الطبراني وعبدالعزيز الحنبلي عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم احدكم على رأس قبره ثم يقول: يا فلان فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله ولكن لا تشعرون فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته، فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ فقال: ينسبه إلى أمه حواء يا فلان ابن حواء، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني إسناد صالح وذكر له شواهد في كتابه التلخيص ([295]) .
(2) وأخرج الحافظ سعيد بن منصور حديثا وهو: إذا سوي على الميت قبره وانصرف الناس عنه كانوا (أي الصحابة) يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان قل لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله ثلاث مرات يا فلان قل ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم ينصرف، قال الشوكاني ذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص وسكت عنه ([296]) .
(3) حديث: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) ([297]) . قال المحب الطبري وابن الهمام والشوكاني وغيرهم لفظ موتاكم نص في الأموات وتناوله للحي المحتضر مجاز فلا يصار إليه إلا بقرينة وحيث لا توجد قرينة تصرفه عن حقيقته إلى مجازه فشموله للأموات أولى إن لم يقتصر عليهم فقط والله أعلم،
(4) أخرج مسلم وغيره أن الصحابي عمرو بن العاص قال لأهله: إذا دفنتموني فأقيموا بعد ذلك حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع رسل ربي ([298]) .
المبحث الثالث: ” حكم الذكر خلف الجنائز” من الموسوعة اليوسفية للشيخ يوسف خطار: (جرت عادة الماشين خلف الجنازة أنهم يشتغلون باللغو وبأحوال الدنيا فينبغي أن لا ينكر على المؤذن الذي يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ولا ينبغي لفقيه ان ينكر ذلك إلا بنص أو إجماع فإن للمسلمين الإذن العام من الشارع بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله كل وقت شاؤوا يا لله!! العجب ممن ينكر مثل هذا وهو يرى المنكرات علنا ولا ينكر عليها وينكر شيئا سنه المسلمون على جهة القربة إلى الله ورأوه حسنا، فكيف ينكر ذلك؟ وقد فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الباب لعلماء أمته وأباح لهم أن يسنوا ما استحسنوه ويلحقوه بالشريعة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم (من سن في الإسلام سنة حسنة فله اجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء) ([299]) .
ولا إله إلا الله محمد رسول الله من أكبر الحسنات ولو كان ذكر الله تعالى في الجنازة منهيا عنه بلغنا ولو في حديث كما بلغنا في قراءة القرآن في الركوع وشيء سكت عنه الشارع في أوائل الإسلام لا يمنع منه في آخر الزمن وبالجملة فلا يجوز لأحد أن يمنع الناس من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا أن يجد في ذلك حديثا يمنع ذلك، أهـ ([300]) .
ما يقول زائر القبور: عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت: قلت كيف اقول لهم يا رسول الله؟! قال: (قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين المسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) ([301]) . وفي رواية: (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية) ([302]) .
وعن الحسن البصري رضي الله عنه قال: من دخل المقابر فقال: اللهم رب الأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أدخل عليها روحا منك وسلاما مني استغفر له كل مؤمن مات منذ خلق الله آدم فالسلام على الأموات مشروع عند زيارتهم وكذا الدعاء لهم بالعافية وباستحباب ذلك قال جمهور العلماء، وقال النووي رحمه الله: ويستحب للزائر أن يسلم على المقابر ويدعو لمن زيوره ولجميع أهل المقبرة والأفضل أن يكون الدعاء والسلام بما ثبت في الحديث ويستحب أن يقرأ من القرآن ما تيسر ويدعو له عقيبها نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب والزائر بالخيار إن شاء زار قائما وإن شاء قعد كما يزور الرجل أخاه حال الحياة وروي القيام عند القبر عن عدد من الصحابة كأبي امامة والحكم بن الحارث وابن عمر وانس رضي الله عنهم وعن جماعة من السلف، ([303]) .
***
المبحث الرابع عشر مفاتيح تنزيل فقه علم السنّة والبدعة على العادات التي لا تدخل تحت إطار الدين
[المفتاح الأول]: الأشياء العاديّة التي لا تتعلق بالدين فلا يدخلها الابتداع: مر بنا عند الحديث على ضوابط بدعة الضلالة، أنّ لها ضابطان هما: (الاول): أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، و (الثاني): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة، وعلى ذلك فإنّ الأشياء العاديّة التي لا تتعلق بالدين فلا يدخلها الابتداع، ومن ذلك الاحتفالات الوطنية، والمناسبات الشعبية، كما أنّ هناك مناسبات دينية يكون القصد منها تعظيم شعائر الله تعالى، وليس على سبيل الدين ونسبة الامور إلى الدين، ومن تلك المناسبات مناسبة المولد الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو مناسبة للحديث عن أخلاق وفضائل سيد الأنبياء والمرسلين بقصد التأسي بسيرته، ومناسبة الاسراء والمعراج للحديث عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، ومناسبة الهجرة للحديث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الله تعالى.
وقد تقدم أنّ تلك المناسبات وإن كانت دينية إلا أنّها ليست داخلة في العبادات التوقيفية، وإنما هي داخلة في وسائل الدعوة ونشر الدين بالاستفادة من تلك المناسبات في تذكير المسلمين بأمور دينهم، وهي كذلك من باب تعظيم شعائر الله تعالى، فهي أبعد ما تكون عن بدع الضلالة التي حذرنا منها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تكاد أن تكون من السنن الحسنة في الدين، لأنّه كما مر بنا أنّ الفقهاء جعلوا المحدث في الدين لا يُطلق عليه لفظ الحسنة إلا في وجود شروط ثلاثة استنبطوها من فقه الكتاب والسنة هي: (الأول): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه، و(الثاني): أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة، و(الثالث): أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، ولكي يكون الأمر منضبطاً عندهم، أوضحوا شروط بدعة الضلالة، حتى لا يختلط الحابل بالنابل، والحسنة بالضلالة، وقالوا: بدعة الضلالة هي مَا اجتمع فيها شروط أربعة: (الأول): أن تكون محدثة بعد زمن التشريع، و(الثاني): أن تكون في الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى، و(الثالث): أن تخالف الشرع، و(الرابع): ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف.
[المفتاح الثاني]: قال الشيخ محــمـد حســين في كتابه اللُّمَع في تَجلية البدع: ” تقسيم البدعة إلى عادية وتعبدية “: (يُراد بالأمر العادى بحسب الاستعمــال اللغوى: الأمر يعاوده صاحبه، أى يرجع إليه مرة بعد أخرى حتى يصبح له عادة، سواء في ذلك أكان هذا الأمر متصلا بالفــرد نفسه، أو متصلا بالجماعة فيما بين أفرادها، أو فيما بينها و بين جماعة أخرى، (الأمر التعـــبدى): فــهو الأمر القائم على أســاس الانقيـــاد والذل والخضوع، وقد وضع بذاته للتقرب إلى الله تعالى، كالذكر، والصلاة، ويراد ب (الأمــر العادى) بحسب استعـــمال الشرع: ما يجرى بين الناس من تصرفات لتحقيق المصلحة فيها مما لا يقصد به التـــقرب إلى الله تعالى ولكنها تحقق المقاصد التى يراعيها الشرع مثل تسهيل سبل الحياة، وما يصلح للناس ويحقق لهم السعادة وطيب العيش وقوة الرابطة، وأما في الأمور التعبدية فقد حتمت الشريعة على الفرد أن يسير تبعًا لتوجيهات محددة ومفصلة، لا يجوز له أن يحيد عنها تحت أى زعم أو استناد لأى تعليل، ولا خــلاف بين العلماء في أن الابتـــداع المنهى عنه هو مـــا يدخل في الأمور التعبدية، سواء أكانت من أمور الاعتقاد وأعمال القلب كاعتقادات الفرق المخالفة لأهل السنه والجماعة، أو كانت من أمور الجوارح والأعمال الظاهرة، وأما الأمور غير التعبدية، أى العادية، المبتدعة لتحقيق منفعة لا ينهى عنها الشرع فــلا حرج منها، بل لو عُدَّ كل محدث من العادات بدعة لزم عدّ مـــا لم يكن من المآكل وطرقــهــا، والمشــارب وتنوّعــهــا، والمســاكن ولواحقها، والملابس وأنواعها، وغير ذلك مما لا عهد للزمن الأول، لعُدَّ ذلك بدعًا، وهذا أمر شنيع لأن العوائد تخـتلــف بحــسب الأماكن والأزمنة، ولكان في ذلك مشقة شديدة وحرج عظيم ينافى الشرع الكريم الصالح لكل الناس في كل مكان، في كافة الأزمان، فسبحان الله العليم الحكيم، فما دام الأمر المعتاد، والعادة الدنـيوية لم تخرج عن دائرة ما نُهى عنه، فللإنسان أن يغيَّر في مثل هذا النوع ويبتدع فيه كما يريد، ما دام لا يضر بالمصلحة، أو يخرج على مقاصد الشرع،..
(ما يسّمى أعياد الميلاد وعيد الأم): عادة الاحتفال بيوم الولادة للشخص أو للولد يفعلها الناس وليست من أمور الدين، فلا نعلم أن أحد المسلمين يتقرب إلى الله تعالى بعمل حفل يوم مولد أو يوم ولده أو أحد من أسرته، ولا نعلم أن أحداً يُمْدح لشدّة تدينه لأنه لا يترك يوم ميلاد إلا ويتقــرب به إلى الله بجعله الحفل عبادة بل لا يخطر بباله أو ببال أحد أن ذلك قربه ودين، ولكنها عادة ألفها واعتادها الناس، ولم نر أيضًا أحداً مـــن العلماء يحص المسلمين على التقرب إلى الله بعملها أو اللوم على تركها، فالكل يأتي بهذه الاحتفال بعيدا عن الدين، وقد يقول قـــائل: فيها تشبه بغير المسلمين، والرد عليه أن ذلك مثل سائر أمور الدنيا ليس فيها تشبه بالكفـــار، ولكن فيها مــا يراه كل أحد ومصلحته، كما يقول أحد: هذا تشريع لعيد وليس للمسلمين غير عيدين، وأقول من قال إن هذا الحفل عيد؟! وهل عيد المسلمين يعتاده كل شخص على حده؟! بل كل المسلمين يعلمون أن عيدى المسلمين هما عيدا الفطر والأضحى وأنهما دين، أما هذا فهو حفل، ومع ذلك كله فأقول: إن مصالح الناس يحكم عليها بالُحْسن والقبيح، والنفع والضرر، فمناط الحكم العقل والاستحسان، أما أمور الدين بالحكم فيها للشرع فقط، فإذا قام أحد المسلمين بعمل حفل ليوم مولد ولده وأنفق أموالا طائلة، أو صاحب الحفل أمور تخالف الدين، فنقول له: هذا إسراف، وهذا مخالف للدين ولكن الاحتفال مباح، وإن قام أحد من المسلمين بعمل هــذا الحــفل بدون إسراف، والإسراف شأن نسبى، فنقول له هذا عمل حسن وجزاك الله خيرا) أهـ من كتاب اللُّمَع في تَجلية البدع
***
([2]) شرح النووي علي مسلم 7/104.
([3]) شرح النووي علي مسلم 6/154.
([6]) سير أعلام النبلاء11: 212.
([8]) رواهُ الحاكم في المستدرك: ج 1 ص 194، وابن أبي شيبة في المصنف 8: 565.
([9]) صحيح البخاري 2/53 ح 1149.، صحيح مسلم 4/1910 ح 2458.
([10]) صحيح البخاري 1/154. المستدرك 1/267 ح 787.
([11]) صحيح البخاري 6/189. ح 5013.
([12]) صحيح البخاري 9/115 ح 7375، صحيح مسلم 1/557 ح813.
([13]) صحيح البخاري 1/159ح 799.
([14]) صحيح البخاري 6/183 ح 4987.
([15]) صحيح البخاري3/45 ح 2010، موطأ مالك1/114 ح 3.
([16]) معرفة السنن والاثار للبيهقي 5/211. الحاوي في الفتاوي 1/225.
([17]) صحيح البخاري3/2 ح 1775 صحيح مسلم 2/917 ح 1255.
([18]) شرح مسلم للنووي ج 5 ص 230.
([19]) معرفة السنن والآثار 2: 521 والحاوي للسيوطي 1: 192.
([20]) صحيح مسلم 2/819 ح 1162.
([22]) شرح النووي علي مسلم 2/592.
([26]) الحاوي للفتاوي للحافظ السيوطي ص189.
([28]) صحيح البخاري 4/153 ح 3397.
([29]) الحاوي للفتاوي للحافظ السيوطي ص189.
([30]) باب حُسنُ المقصَدَ في عمل المولد، من كتابه الحاوي للفتاوى ص189.
([32]) شرح المواهب اللدنية للزرقاني 1/262.
([36]) نقله القسطلاني في المواهب اللدنية 1/89.
([37]) الباعث على إنكار البدع والحوادث ص33.
([39]) صحيح البخاري 7/9 ح 5101.
([40]) مصنف عبدالرازق 7/477 ح 13955.
([42]) صحح البخاري 8/86 ح 6408.
([43]) صحيح مسلم 4/2075 ح 2701.
([44]) مسند أحمد 19 /498 ح 12522، سنن الترمذي 5/532 ح 3510.
([45]) مسند أحمد 18 / 249 ح 11722، صحيح ابن حبان 1/345 ح 441.
([46]) المستدرك 1/679 ح 1844، مسند احمد 28/348 ح 17121.
([47]) مسند أحمد 21/309 ح 13795.
([48]) صحيح البخاري 9/121 ح7405/، صحيح مسلم 4/2061 ح 2675.
([49]) صحيح مسلم 4/2074 ح 2700.
([50]) مسند أحمد 19 /437 ح 12452.
([51]) المعجم الكبير للطبراني 8/112 ح 7527.صحيح الترغيب والترهيب 2/212.
([52]) حاشية ابن عابدين 5/263.
([53]) حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح ص 318.
([54]) تنبيه الفكر إلى حقيقة الذكر ص 42.
([55]) انظر لهذه الآثار الموسوعة اليوسفية ص 269 إلى 274.
([56]) صحح البخاري 8/86 ح 6408.
([57]) المستدرك علي الصحيحين 3/67 ح 2501، المعجم الكبير للطبراني 1/671 ح 1820.
([59]) الحاوي للفتاوى للإمام السيوطي 2/27.
([60]) مصنف عبد الرازق 3/522 ح 6559.
([61]) مسند أحمد 28 /655 ح 17453.
([62]) مصنف عبدالرازق 3/522 ح 6559.
([63]) مسند الشافعي ص 44 ، معرفة السنن والاثار 3/105 ح389.
([64]) سنن ابن ماجة 3/345 ، سنن الترمذي 5/491 ح 3428، المستدرك 1/721 ح 1974.
([65]) المستدرك 1/679 ح 1844، مسند احمد 28/348 ح 17121.
([67]) صحيح البخاري 1/168 ح 841.
([68]) صحيح مسلم 4/2074ح 2699.
([69]) المعجم الكبير للطبراني 13 /51 ح 125.
([70]) مسند أحمد 19/437 ح 12452، مسند البزار 13/102 ح 6467، المعجم الأوسط 2/154 ح 1556.
([71]) الترغيب والترهيب اسماعيل الاصفهاني 2/171 ح 1375.
([72]) مسند أحمد 18/ 249ح 11722، صحيح ابن حبان 1/345 ح 441. مجمع الزوائد (16763).
([73]) الجامع الصغير للسيوطي ص 10107.
([74]) الجامع الصغير 3032، الترغيب والترهيب للمنذري 2/399.
([75]) مسند أحمد 18/195 ح 11652، مسند ابي يعلي 2/531.
([76]) مسند أحمد 27/102 ح 16569، السنن الكبري 4/55 ح 3719 ، سنن ابن ماجة 2/975 ح 2923
([77]) الحصن الحصين لابن الجزري
([78]) مسند أحمد 29/332. الحاوي للفتاوي 1/470.
([81]) نتيجة الفكر في الجهر بالذكر للسيوطي
([82]) مسند أحمد 27/351 ح16796، صحيح ابن حبان 6/76 ح4904، المستدرك 1/724 ح 1979.
([84]) [الموسوعة اليوسفية ص: 131 إلى 139]
([86]) أخرجه البخاري في الأدب المفرد 1006.
([87]) الحاوي للفتاوى مجلد 1/469.
([88]) حاشية ابن عابدين ج1ص5 -7.
([89]) صحيح البخاري 9/153 ،سنن ابن ماجة 4/707 ح 3792، المستدرك 1/673 ح 1824.
([90]) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 309.
([91]) تجريد ابن عجيببة على شرح متن الأجرومية ص 15
([93]) كتاب السلفية لفضيلة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله تعالى ص 193- 194.
([94]) الموسوعة اليوسفية ص: 139 إلى 144.
([95]) صحيح البخاري 1/16 ح 39.
([96]) صحيح البخاري 2/53 ح1150
([97]) مسند أحمد 43/189 ح 26706.
([98]) صحيح البخاري 2/11 ح 924،سنن ابي داو 2/524 ح1373.
([99]) صحيح البخاري3/45 ح 2010، موطأ مالك1/114 ح 3.
([100]) مسند أحمد 28/375 ح 17145، سنن ابي داود 7/16 ح 4607. المستدرك 1/174 ح 329.عون المعبو 4/329.الفتح الرباني 5/2229.
([101]) مسند أحمد 38/280 ح 23244، سنن الترمذي 5/609 ح 3662.
([102]) موطأ مالك 1/115 ح 5، نيل الاوطار 5/187.
([103]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 4/390 ح 3617.
([105]) فقه السنة 1/206 ، والترمذي 3/160 ح 806.
([106]) شرح مشكاة المصابيح 3/972.
([108]) صحيح البخاري 2/53 ح 1147، صحيح مسلم 1/509 ح 738 ، مسند أحمد 40/503 ح 24446.
([110]) مصنف ابن ابي شيبة 2/163 ح 7680.
([111]) مصنف عبدالرازق 4/260 ح 7730.
([112]) مصنف ابن شيبة 2/163 ح 7682. المغني لابن قدامة 2/123.
([113]) الفتاوى لابن تيمية 23/112.
([114]) الموسوعة اليوسفية مبحث: صلاة التراويح ص 670 إلى 676.
([115]) صحيح مسلم 1/288 ح 384.
([116]) صحيح مسلم 1/288 ح 384، سنن ابي داود 1/393 ح 522.
([117]) حاشية ابن عابدين 1/390.
([118]) كتاب الإصابة في نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة ص (1615) الموسوعة اليوسفية ص: 664.
([119]) صحيح البخاري 6/84 ح 4712، صحيح مسلم 184 ح 194.
([120]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2278.
([123]) مسند احمد 17 /10 ح 10987، سنن ابن ماجة 5/362 ح4308. سنن الترمذي 5/587 ح 3615
([125]) صحيح البخاري 8/59 ح 6262، صحيح مسلم 3/1388 ح 1786.
([126]) معالم السنن للخطابي 4/155.
([127]) صحيح البخاري 3/186 ح2704.
([128]) مسند أحمد 18/161 ح 11618.
([129]) سنن الترمذي 5/611 ح 3666.
([130]) صحيح البخاري 8/64 ح 6285.
([131]) صحيح البخاري 5/27 ح 3754.
([132]) صحيح البخاري 5/6 ح 3667.
([133]) صحيح الترغيب والترهيب 3/213 ح3131.
([134]) المعجم الكبير9/115 ح8594.
([136]) مختار الصحاح مادة (ع ز ر)ص 207.
([137]) صحيح البخاري 3/184 ح 2698.
([138]) صحيح البخاري 1/137 ح 684، موطأ مالك 1/163 ح 61.
([139]) المقاصد الحسنة للسخاوي ص 720. الموسوعة اليوسفية مبحث: السيادة ص: 220 إلى 226.
([140]) سنن أبي داود 2/160 ح 1489، سنن الترمذي 5/556 ح 3556.
([141]) مسند أحمد 36/ 275 ح 21944، سنن أبي داود 2/369 ح 1167، صحيح ابن حبان 7/453 ح 6781.
([142]) المعجم الكبير 6/254 ح 6142.
([143]) المعجم الكبير الطبراني 13/129 ح 324. مجمع الزوائد10 / 169.
([144]) السنن الكبري 4/158 ح 1395.
([145]) المعجم الكبير 7/141 ح6625.
([146]) مسند البزار 6/478 ، مسند أبي يعلي 3/348 ح 1866، المعجم الكبير للطبراني 12/423 ح 13557.
([147]) في تهذيب التهذيب1/341.
([149]) المستدرك 1/675 ح 1832.
([150]) سنن ابي داود 2/608 ح 1486. السنن الكبري 4/185 ح 3195.
([151]) سنن ابي داود 2/607 ح1485.
([154]) مصنف ابن أبي شيبة 1/269 ح 3093.
([155]) فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء ص 86.
([156]) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر 1/402.
([157]) الاربعون النووية ص 42.
([158]) الفتح المبين في شرح الأربعين ص 109.
([159]) مسند أحمد 29/24 ح 17479.
([160]) صحيح البخاري 4/188 ح 3553.
([162]) صحيح البخاري 8/59 ح 6263.
([163]) الأدب المفرد ص 538، سنن ابي داود 7/503 ح 5263.
([164]) مسند أحمد 30/517 ح 18546.
([165]) حاشية الطحاوي علي مراقي الفلاح ص 530.
([166]) شرح الطريقة المحمدية للشيخ النابلسي (2/150)
([169]) سنن ابي داود 2/242 ح 1001، سنن ابن ماجة 2/84 ح 923.
([170]) تهذيب الأسماء واللغات3/142.
([173]) سنن الترمذي 5/521 ح 3486، صحيح ابن حبان 1/402 ح 555.
([174]) سنن الترمذي 5/571 ح 3583، صحيح ابن حبان 1/402 ح 554.
([175]) سنن الترمذي 5/555 ح 3554، المستدرك 1/732 ح 2008.
([176]) الزهد لأحمد ابن حنبل ص 116.
([177]) سنن ابي داود 3/501 ح2174.
([178]) مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود 2/ 569. نزهة الفكر ص 12.
([179]) نزهة الفكر في سبحة الذكر للإمام اللكنوي (ص 16 – 18 – 36.
([180]) الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/ 255.
([181]) من الفتوحات الربانيةعلى الأذكار النووية للعلامة محمد بن علان الصديقي المتوفى سنة (1057هـ) 1/251.
([184]) سنن ابي داود 2/615 ح 1499، سنن الترمذي 5/562 ح 3568. المستدرك 1/732وقال صحيح الإسناد.
([185]) حاشية ابن عابدين ج1/ ص457.
([186]) مرقاة المفاتيح 4/1601.
([187]) صحيح مسلم 4/ 2071 ح 2691.
([188]) سنن ابي داود 2/615 ح 1499، صحيح ابن حبان 2/512 ح 1785.
([189]) مسند أحمد 33/417 ح 20300، سنن النسائي 9/394 ح 10847.
([190]) المعجم اكبير للطبرني 19/220، معجم الزوائد 3/44. [ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رجاله موثوقون]، والحديث مرسل.
([191]) الباعث الحثيث مصطلح الحديث ص 133.
([192]) صحيح مسلم 1/498 ح 720.
([193]) التذكرة للقرطبي ص 279.
([194]) رسالة توضيح البيان لوصول ثواب القرءان للسيد الحسيني عبد الله بن الصديق الغماري ص
([196]) الروح لابن القيم ص 129.
([198]) مصنف ابن ابي شيبة 3/58 ح 12078.
([201]) صحيح مسلم 2/1255 ح 1631.
([202]) فتاوي ابن الصلاح 1/149
([203]) مجموع الفتاوي 24 /317 وما بعدها.
([205]) المعجم الكبير 12/444 ح 13613، شعب الايمان للبيهقي 7/16 ح 9292.
([206]) التذكرة للقرطبي ص 277.
([207]) الروح لابن القيم ص 142.
([208]) السنن الكبري للبيهقي 7/446 ح 7149.
([209]) القراءة عند القبور من الجامع للخلال ص 88.
([214]) التذكرة للقرطبي ص 276.
([215]) مسند أحمد 33/417 ح 20300، سنن النسائي 9/394 ح 10847.
([217]) المعجم الكبير للطبراني 19/220، مجمع الزوائد 3/44 ح4241.
([218]) الباعث الحثيث مصطلح الحديث ص 133.
([219]) الرد المحكم المتين للشيخ عبدالله الصديق ص 283 ونصب الراية للزيلعي (2/302)
([220]) [الأذكار للنووي ص 162.
([221]) الفردوس بمأثور الخطاب 4/32 ح 6099.
([222]) [ذكره الشوكاني في نيل الأوطار (3/25) وورد في سبل السلام 3/253.
([223]) تفسير ابن كثير (6/562) والتلخيص 2/213.
([224]) المجموع للنووي (5/294) ورياض الصالحين (947)
([225]) المجموع للنووي (5/294).
([226]) صحيح البخاري 1/53 ح 218 ، صحيح مسلم 1/240 ح 292.
([227]) التذكرة للقرطبي ص 276.
([228]) صحيح البخاري 7/133 ح 5749.
([229]) [المقالات السنية ص (170 -172) وإتحاف السادة المتقين (10/369).
([230]) روضة الطالبين للنووي 5/191.
([231]) [نيل الأوطار (4/113 سبل السلام 3/37.
([232]) [الرسائل المنبرية 4/41
([233]) السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير4/135.
([234]) صحيح مسلم 2/974 ح 1336 سنن ابن ماجة 4/153 ح 2910، موطأملك 1/422 ح 244.
([235]) صحيح البخاري 2/102 ح 1388، صحيح مسلم 3/1254.
([237]) مسند أحمد 11/307 ح 6704، مصنف ابن ابي شيبة 3/58 ح 12078.
([238]) مسند أحمد 43/66 ح25886، سنن ابن ماجة 4/301 ح 3122.معرفة السنن والاثار 14/23 ح 18933.
([239]) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 2/83.
([240]) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 2/83.
([242]) مسند أحمد 16/357 ح 10611.
([243]) المعجم الكبير للطبراني 7/358 ح 7726.
([244]) صحيح مسلم 2/805 ح 1149 ،سنن الترمذي 3/45 ح 667. شرح النووي علي مسلم 8/25.
([245]) المعجم الكبير للطبراني 20/230,
([249]) المدخل لابن الحاج 1/266.
([251]) مسندـ أحمد 18/158 ح 11614، المستدرك علي الصحيحين 1/328 ح 758.
([252]) إسعاف المسلمين والمسلمات ص (50 -53) وحاشية الصاوي على تفسير الجلالين (6/28)]
([253]) الروح لابن القيم ص 10،11.
([254]) المغني لابن قدامة 2/422.
([255]) صحيح البخاري 2/132 ح 1513، صحيح مسلم 2/973 ح 1334.
([256]) صحيح البخاري 2/84 ح 1304، صحيح مسلم 2/642 ح 931.
([257]) المغني لابن قدامة 2/422.
([259]) تسلية أهل المصائب ص 182.
([260]) صحيح مسلم 2/631 ح 917،
([261]) المعجم الكبير للطبراني 8/249 ح 7979،مجمع الزوائد 2/324.
([262]) التلخيص الحبير2/270. المجموع للنووي ج5 ص243]
([263]) سنن الترمذي 3/304 ح 986. وقال: حديث حسن.
([264]) صحيح مسلم 2/656 ح 951.
([265]) المغني لابن قدامة2/426.
([267]) صحيح البخاري 2/84 ح 1306
([268]) صحيح البخاري 2/81 ح 1294.
([269]) مسند أحمد30/71 ح 18140.
([270]) مجموع الفتاوي 24/296. وما بعدها.
([271]) المعجم الكبير للطبراني 8/ 249 ح 7979، الروح لابن القيم ص 14.
([272]) صحيح مسلم 1/112 ح 121.
([274]) سنن ابن ماجة 2/533 ح 1602. سنن الترمذي 3/377 ح 1073.
([275]) سنن الترمذي 3/379 ح 1076.
([276]) سنن ابن ماجة 2/532 ح 1600.
([277]) صحيح البخاري 2/94 ح 1356.
([278]) المغني لابن قدامة 2/405.
([279]) صحيح البخاري 5/143 ح 4263، المجموع للنووي 5/306.
([281]) المغني لابن قدامة 2/410.
([282]) اعلام الموقعين لابن القيم 1/39.
([283]) الموافقات للشاطبي 3/285.
([284]) الفواكه الدواني 1/284.
([286]) الفواكه الدواني 1/284.
([288]) الاقناع في حل الفاظ ابي شجاع 1/210.
([289]) الانصاف في معرفة الراجح من الخلاف 6/226.
([290]) الفروع لابن مفلح 3/384.
([293]) . التلخيص الحبير 2/270.
([295]) سبق تخريجه والحكم عليه.
([297]) صحيح مسلم 2/631 ح 917،
([298]) صحيح مسلم 1/112 ح 121.
([300]) باختصار من شرح الطريقة المحمدية لسيدي عبدالغني النابلسي قدس الله تعالى سره ورحمه، [إسعاف المسلمين والمسلمات بجواز القراءة ووصول ثوابها إلى الأموات للعلامة محمد العربي المغربي المكي، ص (60 – 61).
([301]) صحيح مسلم 2/669 ح 974.