الفصل الخامس مفاتيح البدع الحقيقية لا المزيفة ومعرفة أصول الضلال عند أهل تلك البدع الضالة
المبحث الأول: ظهور الفرق الضالة وتمايز أهل السنّة والجماعة عنها.
المبحث الثاني: أصول البدع الضالة عند الخوارج
المبحث الثالث: أصول البدع الضالة عند النواصب
المبحث الرابع: أصول البدع الضالة عند المعتزلة
المبحث الخامس: أصول البدع الضالة عند المرجئة
المبحث السادس: أصول البدع الضالة عند الجهمية
المبحث السابع: أصول البدع الضالة عند الشيعة
المبحث الثامن: أصول البدع الضالة عند الحشوية والمجسمة والمشبهة
المبحث التاسع: أبرز الفرق الضالة في زماننا المعاصر: (1) (الرافضة الصفوية الخمينية)
المبحث العاشر: أبرز الفرق الضالة في زماننا المعاصر: (2) (الوهابية والدين الموازي)
المبحث الحادي عشر: الهدي الإسلامي في معاملة الفرق الضالة
***
المبحث الأول ظهور الفرق الضالة وتمايز أهل السنّة والجماعة عنها
[المفتاح الأول]: ظهور الفرق الإسلامية أمر مقدر: فقد ورد الخبر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فقد أخرج أحاديث الافتراق ورواياته المتعددة جم غفير من أئمة الحديث منهم الإمام أحمد في مسنده والأئمة أبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن والحاكم في المستدرك وابن أبي عاصم في السنّة والهيثمي في مجمع الزوائد والبغوي في شرح السنة، وابن حجر في المطالب العالية والسيوطي في الجامع الصغير والدر المنثور والألباني في صحيح سنن الترمذي وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، وقد صحح روايات هذا الحديث جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي وغيرهم من المحققين كثير، وعلى ذلك فالخبر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في افتراق الأمة ثابت معتبر عند أهل السنّة والجماعة، ذكر السيوطي أنه حديث متواتر والتواتر هو أعلى درجات الصحة والتوثيق([1]).
ومن روايات الحديث الدالة على حدوث التفرق: (الرواية الأولى): عن أبي هريرة – رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([2]).
و(الرواية الثانية): عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ” ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ” ([3]).
و(الرواية الثالثة): عن معاوية ابن أبي سفيان – رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([4]).
و(الرواية الرابعة): عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) ([5]).
[المفتاح الثاني]: قصة بداية ظهور الفرق الضالة: في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كان هو صلى الله عليه وسلم المرجع الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى عند كل خلاف، وكان الصحابة رضي الله عنهم جميعا على قلب رجل واحد خلف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وظل الحال على الخيرية والصفاء طيلة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وزمان أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وردحاً من زمان عثمان رضي الله عنه، والفتنة آنذاك نائمة وبابها موصد وطريقها مغلق، والصحابة جميعا على كلمة سواء، ولما كان من سنن الله تعالى الكونية أنه ليس بعد التمام والكمال إلا النقص، فقد شاءت حكمة الله تعالى أن تضطرم الفتنة على آخر عهد الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، وتولي كبرها وإثمها غوغاء الأمصار وصفاؤهم، وأدت تلك الفتنة إلى مقتل الخلفة الراشد عثمان رضي الله عنه مظلوما شهيدا مبشرا بالشهادة وبالجنة، واتجهت الأنظار بعد مقتله رضي الله عنه إلى الأمام علي رضي الله عنه، وبويع بالخلافة ليصبح رابع الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالعض بالنواجذ على سننهم، ولم تهدأ الفتنة بعد مبايعة الإمام علي بالخلافة إذ سيطر الغوغاء والسفهاء على جيشه ولم يستطع أن يقتص لدم عثمان رضي الله عنه، فطالبه الصحابيان المبشران بالجنة الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما بدم عثمان وخرجا إلى البصرة مخالفين له فخرج إلى البصرة وقابلهما وتكلم معهما فرجعا عن خلافهما معه وخرجا من عنده راضيين، إلا أن الغوغاء والسفهاء قتلوهما غدرا وغيلة مخافة أن يجتمع أمر الصحابة جميعا على القصاص لدم الخليفة الراشد عثمان رضي الله وهم قتلته، وكانت قد خرجت مع طلحة والزبير رضي الله عنهما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقصد الإصلاح بين الناس، ولكن بعد مقتل الزبير وطلحة رضي الله عنهما غلبها السفهاء والغوغاء على رأيها وخالفوا أمرها وقاتلوا جيش الإمام علي رضي الله عنه ظنا أنه هو الذي أمر بقتلهما، وكان من موقعة الجمل ما كان، ولولا سفهاء الطرفين ممن لا خلاق لهم ما كانت فتنة ولا قتال، ولما اختلف صحابي مع أخيه فضلا عن قتاله، ثم ما كادت تهدأ تلك الفتنة حتى تجددت المطالبة بدم الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه وكان الصحابي معاوية بن أبي سفيان هو المطالب بدم عثمان بن عفان رضي الله عنه هذه المرة، وذلك لقرابته من الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، والامام علي رضي الله عنه آنذاك لم يستتب له أمر جيشه وذلك لكثرة الغوغاء والسفهاء فيه فكان يريد المهلة حتى يستتب له الأمر ثم يأخذ بدم عثمان، ولكن معاوية لم يمهله وأصر على طلبه لدم الخليفة عثمان رضي الله عنه وقد كان له وجه اجتهاد ولكنه اجتهاد خاطئ وبغي على الإمام الحق، والحق كان مع وكان أقرب إلى الخليفة الرابع الراشد علي رضي الله عنه، وظل الخلاف حتى كانت موقعة صفين وكان فيها ما كان، وأدنى الطائفتين وأقربهما إلى الحق طائفة الإمام الراشد على رضي الله عنه، والبغي من نصيب الطائفة الأخرى، وللصحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم حُرمة عظيمة، لا يتعداها إلا جريء ضال، وجميعهم أكابر وأخطاؤهم مغمورة في بحر حسناتهم، ولا يحق لمن جاء بعدهم إلا ما جاء في قوله تعالى – بعد ذكر فضائل المهاجرين والأنصار -: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، وهكذا وجدنا الإمام علي رضي الله عنه بين تأديب السفهاء والقصاص لدم عثمان رضي الله عنه وبين المطالبين بدم الإمام عثمان رضي الله عنه، وهو أشد ما يكون حرصا على وحدة الأمة ووحدة صفوفها، فإذا بالفتنة الحقيقية تطل برأسها متمثلة في ظهور (الخوارج) وخروجهم عليه، وكانت أول فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الخوارج انتقصوا من الإمام علي وكفروه وخرجوا عليه بعد (صفين) محققين ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من خروج هؤلاء الضالين الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وقاتلهم الإمام علي رضي الله عنه وسن للأمة من بعده إحكام التعامل مع هؤلاء، وبحمد الله تعالى قتل الكثير منهم وتحققت على يديه بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى النقيض من هؤلاء الخوارج الذين كفروا الإمام علي واستحلوا دمه ظهر (الروافض) وكانوا بمثابة ثاني فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الروافض غالوا في الإمام علي وادعوا له ما ليس من حقه، وما لا يرضاه هو رضى الله عنه لنفسه، حيث قدموه على الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما تقديم تنقيص لهما واتهام لهما بظلمه وسلب الخلافة منه وهو الأحق بها، وقد ظل الإمام علي رضي الله عنه يبغض هؤلاء وهؤلاء (أي الخوارج والروافض)، ويحمل في قلبه ثقيل هم جمع الأمة ووحدة صفوفها على الحق كما كانت على عهد الخلفاء الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، وظل رضي الله عنه على ذلك حتى تمكن أحد الخوارج المارقين من قتله غدرا وهو في طريقه إلى صلاة الفجر، فرضي الله عنه وأرضاه، ثم بايع أصحابه الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالإصلاح بين فئتين عظيمتين من المسلمين فتنازل بالخلافة للصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وبذلك توحدت الأمة واجتمعت كلمتها وسمي هذا العام بعام الصلح، وعام الجماعة وكان ذلك عام واحد وأربعين من الهجرة، ومن ساعتها بدأ تمايز أهل الطائفة الظاهرة المنصورة والفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، واجتماعهم على تقديم الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان على الخليفة الراشد علي، والترضي عنهم جميعا، رضي الله عنهم وأرضاهم، وذلك في مقابل الشيعة الذين خالفوا هدى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، والذين قدموا الإمام علي رضي الله عنه على الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا، تقديم تنقيص واتهام لهما بسلبه حقه، مخالفين بذلك إجماع الصحابة على تقديم الشيخين واتفاقهم على تقديم الخليفة الراشد عثمان على الخليفة الراشد علي رضي الله عنهم جميعا، ثم لم يكتف هؤلاء الضالة بذلك، حتى وقعوا في الصحابة وسفهوهم، ثم آل بهم الغلو إلى تكفير الصحابة والحكم بردتهم جميعا إلا قليلا، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق ولزومهم طاعة أولي الأمر وأئمة المسلمين وخلفائهم وحكامهم ما كانوا على الإسلام وأقاموا شرع الله تعالى، وتحريم الخروج عليهم بالسيف إلا لكفر بواح للمسلمين فيه من الله تعالى، وذلك في مقابل الخوارج الذين كفروا الإمام علي رضي الله عنه وقتلوه واستحلوا دماء المسلمين وأعراضهم من خلفه.
[المفتاح الثالث]: تمايز السواد الأعظم أهل السنّة والجماعة عن الفرق الضالة: إنّ بداية ظهور وترسيخ هذا القب (أهل السنة والجماعة)، كان مقترنا مع تصالح سيد شباب أهل الجنّة الحسن بن علي رضي الله عنهما مع معاوية رضي الله عنه، وتنازله بالخلافة له، حتى يصلح بين المسلمين ويجمع كلمتهم، ومن ساعتها بدأ تمايز (أهل السنة والجماعة) الذي تمسكوا بالسنة في مقابل الروافض الذين تمسكوا بالبدعة والضلالة، والخوارج الذين تمسكوا بالبغي والعصيان والخروج والفرقة، ومع اجتماع أهل الحق الخالص (أهل السنة والجماعة) ظل الخوارج والروافض تتجارى بهم الأهواء والبدع والضلالات، وهم على قلتهم كما تمادى بهم زمان اختلفوا وانقسموا فيما بينهم إلى فرق داخل الفرق وأهواء داخل الأهواء كلها يخالف بعضه بعضا ويرميها بالكفر والمروق من الدين، وهذا شأن أهل البدعة والضلالة والباطل وصدق الله تعالى حيث يقول: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، فشأن الحق أهله مجتمعون عليه، وشأنه الباطل أهله منقسمون عليه متنازعون فيه والله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الانعام: 159]، فالخوارج انقسموا إلى قريب من عشرين فرقه كلها يكفر بعضها بعضا وسائر المسلمين، والشيعة انقسموا فيما بينهم إلى قريب من ثلاثمائة فرقة لكل مقال يخالف بعضها بعضا ويرميها بالكفر والضلال، ولم ينته الأمر إلى ظهور الخوارج والروافض، فقد امتد الزمان ببعض الصحابة حتى ظهرت (القدرية)، وانقسموا بعد ذلك إلى فرق ضالة تكفر بعضها بعضا، وعلى النقيض منهم ظهر الجهمية الجبرية وفتحوا بابا عريضا نحو الانحلال والزندقة والاحتجاج على الله تعالى بالمعاصي، وعلى النقيض من الخوارج ظهر المرجئة كرد فعل لتكفيرهم وغلوهم فأخرجوا الأعمال عن الإيمان وجعلوه إيمان العصاة كإيمان الملائكة وفتحوا بابا عريضا أيضا نحو التفسخ والانحلال والاستهانة بالمعاصي والذنوب، وظهرت فرقتان متناقضتان كلاهما خبيث الطوية، وهما (المعتزلة) و (المجسمة)، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، فتحكموا في نصوص الشرع بأهوائهم، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، واستدلوا بالضعيف والموضوع، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الله تعالى وحق أنبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي المدرسة (الأثرية)، وعليها الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة (الأشعرية)، وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة (الماتريدية)، وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وبمرور العصور توالت ظهور الفرق الضالة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستبلغ اثنتين وسبعين فرقة، وظل أهل الحق خالص (أهل السنة والجماعة) على الحق مجتمعون وبالسنة متمسكون فكانوا على مر العصور الطائفة المنصورة والجماعة الناجية فلله الحمد والمنة والفضل والثناء الحسن أن جعلنا في زمرة أهل الحق بعيدين كل البعد عن اهل الأهواء والبدع والضلالات، وأهل البغي والغلو والخروج والعدوان والفرقة.
[المفتاح الرابع]:الفرقة الناجية من فرق المسلمين هي سواد أهل الإسلام الأعظم أهل السنّة والجماعة: إذ جميع الفرق الإسلامية ترى نفسها الفرقة الناجية، ولكن لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنّة والجماعة لأسباب ثمانية عريضة:
[السبب الأول]: أهل السنّة والجماعة هم الخط العام لجماعة المسلمين التي انشقت منها بقية الفرق، فلم يقبض النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا والصحابة رضي الله عنهم على مثل بيضاء ناصعة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلما فبض النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، واجتمع الأنصار في السقيفة ولحق بهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة من المهاجرين، وأسفر هذا الاجتماع على انتخاب أبي بكر خليفة للمسلمين، وتمت البيعة العامة بعدها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، باتفاق الصحابة، وصار انتخابه هو الخط العام للجماعة فكل من خالف خرج عن الخط العام، وكان زمانه زمان الخير والبركة قضى على المرتدين وأرسل الجيوش لفتح فارس والروم وكانت انتصارات عظيمة للمسلمين في كل الجهات، ثم اجمع المسلمون على قبول ترشيح أبي بكر لعمر كخليفة للمسلمين من بعده واستقر الامر عليه كخليفة وكان عبقريا رسخ أكبر امبراطورية إسلامية قضت على فارس والروم ونشرت الإسلام عزيزا في أرجاء الأرض كلها، فكل من اعترض على عمر فقد خرج عن إطار الجماعة، ثم اغتاله المجوسي في صلاة الفجر ورشح ستة يختار المسلمون من بينهم الخليفة واستقر أمر المهاجرين والانصار على عثمان وتمت له البيعة وأجمع عليه المسلمون فكل من خرج على عثمان خرج عن الخط العام للجماعة الناجية، أكمل عثمان رضى الله عنه فتح البلدان في أقاصي الشرق والغرب وحكم إمبراطورية مترامية الأطراف لم يتيسر لأي أمة قبل أمة الإسلام أن تحكم مثلها عبر التاريخ، وفي آخر عهده كانت هناك جهة تعمل في الخفاء للانتقام والثأر من أهل الإسلام يقودها اليهودي ابن السوداء ابن سبأ حيث جمع أوباش الناس من مختلف الأنصار وكانت له معرفة بتزوير الأختام والرسائل فكان يكاتب الأوباش ويرسل الرسائل المزورة على عثمان في الأمصار ويرسل الرسائل المزورة على كبار الصحابة بوجوب قتل عثمان وتخليص الامة الإسلامية منه، ولم يتفطن الصحابة لذلك المخطط حتى حاصر الاوباش الخليفة عثمان في موسم الحج وانتهزوا فرصة خلو المدينة من اكثر الصحابة ومن حاميتها لان أغلب الصحابة إما كانوا على ثغور الجهاد وإما في مكة المكرمة لأداء مناسك الحج وتجمع الأوباش حول بيت عثمان واقتحموا عليه بيته وقتلوه، وظلوا أربعة أيام هم الممسكون بزمام الأمور في المدينة حتى كان احدهم هو من يأمّ بالناس في الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى لا ينفرط عقد الخلافة سارع الصحابة لمبايعة الإمام علي رضي الله عنه خليفة للمسلمين وكان اول من بايعه الصحابي الجليل المبشر بالجنة طلحة بن عبيد الله واسرع الصحابة لمبايعة علي رضي الله عنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمت له البيعة وكل من كان معه هم خط الجماعة الناجية ومن خالفهم كان على الباطل، وكل الصحابة بمن فيهم أم المؤمنين عائشة والزبير وطلحة ومعاوية رضي الله عنهم وأتباعهم لم ينازعوا عليا رضي الله عنه في الخلافة وإنما كان الخلاف على سرعة الاقتصاص من قتلة عثمان وكان القتلة في جيش الإمام علي رضي الله عنه وكان يطلب المهلة لإدارة أمور الحكم فهي اهم ويأتي بعد ذلك وقت القصاص من قتلة عثمان، الشاهد حدثت خلافات بين الصحابة، كان الحق في جميعها مع وأقرب إلى الإمام علي رضي الله عنه وكان مع الصحابة الذين خالفوه وجه اجتهاد مقبول ولكنهم كانوا أبعد الطائفتين عن الحق، وكانت يستحيل ان تؤول هذه الخلافات إلى حروب لولا كيد السبئية اتباع عبد الله بن سبأ وسعيهم لانشاب القتال كلما كاد الصحابة ان يتفقوا، وهذا قدر الله.
وظل علي رضي الله عنه يجاهد من اجل توحيد كلمة المسلمين والحفاظ على الخلافة الواحدة حتى مرقت أولى الفرق الضالة وهي (الخوارج): خرجوا عن خط الجماعة وكفروا الإمام علي بزعم أنه قبل بالتحكيم وانه لا حكم إلا لله، وقد قال لهم تقولون كلمة حق أريد بها باطل لأنه لابد من وجود قاض يبين حكم الله فاستحلوا دمه ودم أصحابه فقاتلهم في النهروان وقضى على أكثرهم ولكن تمكن أحدهم من ضربه بخنجر مسموم وهو ينادي في الناس لصلاة الفجر، فطالبه المسلمون ان يستخلف فأبى فاختار الناس ابنه الحسن بن علي رضي الله عنه سيد شباب أهل الجنة فكان له رأي آخر يجمع به المسلمين على راية واحدة فتنازل عن الخلافة لمعاوية على ان تتوحد الامة وتسقط الدماء المطلوبة وتحققت به بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري في صحيحه أبي بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر – والحسن بن علي إلى جنبه -، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) ([6]).
فهذا الحسن رضي الله عنه وأرضاه ترك الخلافة لا عن جبن ولا عن قلة ولا عن ذلة بل لمراعاة أمر الدين ومصلحة المسلمين وحقن دمائهم ولرغبته فيما عند الله، فكان سيدا أصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فئة علي وفئة معاوية، لما رآه من حقن دماء المسلمين، ومن تدبر نص الرسول صلى الله عليه وسلم علم أن الفئتين من المسلمين، وانه يجوز للخليفة أن يخلع نفسه إذا كان في ذلك مصلحة للامة، الشاهد اجتمعت الامة في هذا العام عام (41 هجري) وسمي عام الجماعة، فمن خرج على خط الجماعة كان من أهل الضلال، وبعد الصلح صارت الجماعة هي الخط العام الراضي بخلافة معاوية بعدما تنازل له الإمام الحسن رضي الله عنه.
وهكذا في مقابل الخوارج ظهر الروافض من شيعة الإمام علي، ومن تدبر الأمر بإنصاف وجد ان أهل السنّة والجماعة هم شيعة الإمام علي عن فقه وعلم وحكمة، والروافض هم كل من قدم الإمام علي على أبي بكر وعمر تقديم تنقيص لهما أو اتهام لهما بأنهما استبدا بالأمر وظلما علي واخذا حقه وكيف ذلك وقد أجمع صحابة النبي رضي الله عنهم على البيعة لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن خالف في ذلك فقد أزرى بكل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم العدول بشهادة القرآن والحديث وإجماع أهل السنّة والجماعة، فالروافض يبغضون الصحابة على زعم انهم ظلموا آل البيت حقوقهم وظهر في المقابل تيار آخر يبغض آل البيت وهم النواصب، لقد كان الخط العام للجماعة الأم الترضي عن الصحب كافة والآل كافة فالصحب هم حملة القرآن والدين والسنّة إلينا وهم الذين حكم القرآن والحديث بعدالتهم، والآل هم الاطهار المطهرون ذرية النبي صلى الله عليه وسلم وأهل وصيته وهم الثقل الثاني للأمة على مر العصور بعد القرآن، فالجماعة الام تترضى عن الجميع، ولكن (الخوارج) يكفرون كل المسلمين إلا انفسهم و(النواصب) يبغضون آل البيت خاصة و(الروافض) يبغضون الصحابة خاصة، ولم يطل الزمان حتى ظهرت (القدرية) تنفي قدر الله وفي مقابلها (الجهمية الجبرية) تدعي أن الأمر جبر والإنسان كالريشة في مهب الريح واحتجوا على الله بالمعاصي، وكلاهما خط جانبي عن الخط الأساس جماعة المسلمين الام (أهل السنّة والجماعة)، فالجماعة تجعل الخلق لله الخالق والكسب للإنسان المخلوق فيما أقدره الله عليه.
وعلى نقيض الخوارج ظهر (المرجئة)كرد فعل لتكفيرهم وغلوهم فأخرجوا الأعمال عن الإيمان وجعلوا إيمان العصاة كإيمان جبريل وميكائيل وفتحوا بابا عريضا أيضا نحو التفسخ والانحلال والاستهانة بالمعاصي والذنوب.
وظهرت فرقتان متناقضتان كلاهما خبيث الطوية، وهما (المعتزلة) و (المجسمة)، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، فتحكموا في نصوص الشرع بأهوائهم، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، واستدلوا بالضعيف والموضوع، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف جماعة المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
وأكرم الله تعالى الجماعة الأم (الخط العام للمسلمين) بثلاثة مدارس عقدية بها اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وقامت بالتأصيل لعقائد الكتاب والسنّة واجتهدت في تطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وأكرم الله تعالى الجماعة الأم بعلماء تلك المدارس الأجلاء، الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنّة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول.
وأول تلك المدارس: وهي المدرسة (الأثرية)، وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس.
والمدرسة الثانية هي المدرسة (الأشعرية): وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أوالاعتزال.
والمدرسة الثالثة هي المدرسة (الماتريدية): وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وبمرور الأزمان توالى ظهور بقية الفرق الضالة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستبلغ اثنتين وسبعين فرقة، وظل الخط العام للجماعة (أهل السنّة والجماعة) على الحق مجتمعون وبالسنّة متمسكون فكانوا على مر العصور الجماعة الناجية فلله الحمد والمنة أن جعلنا في زمرة أهل السنّة والجماعة بعيدين كل البعد عن أهل الأهواء والبدع والضلالات، وأهل البغي والغلو والخروج والعدوان والفرقة.
[السبب الثاني]: أهل السنّة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، وكل الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين، ولا تقوى فرقة من فرق المسلمين أن تنسب إلى نفسها حفظ القرآن وتدوينه وتدوين علومه والتي وأوصلها الحافظ السيوطي في كتابه “الإتقان في علوم القرآن” إلى ثمانين علما متعلقا بالقرآن، وتفسيره ونشره سوى أهل السنّة والجماعة الذين يرون عدالة الصحابة أجمعين ويأخذون عنهم القرآن والسنّة، كان اول من جمعه في مصحف واحد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وجمعه على تشكيل واحد الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه، والصحابة رضي الله عنهم هم من جمع القرآن وهم من كتبوه، وهم من نسخوه، وهم من نشروه، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب كلها إلى قراء أهل السنّة والجماعة، الذين تتلمذوا على يد الصحابة، ولهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم، منها سبع قراءات مشهورة، وكل هذه القراءات ونطقها ووردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناقلها الصحابة ثم التابعون ثم تابعوا التابعون، وقد انتشرت الروايات في أنحاء الأرض، وأكثرها انتشاراً رواية حفص عن عاصم حيث تنتشر في معظم الدول الإسلامية لاسيما في المشرق، ورواية قالون في ليبيا تونس، ورواية ورش في الجزائر والمغرب وموريتانيا ومعظم الدول الإفريقية، ورواية الدوري عن أبي عمرو في السودان والصومال، ولا يمكن لأي فرقة أن تزعم أنّ لها في القرآن ما لأهل السنّة من جهود في حمل راية القرآن مصدر الدين الأول والأساس لأنهم أهل القرآن وخاصته.
[السبب الثالث]: أهل السنّة والجماعة هم أهل الحديث وخاصته، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين البخاري ومسلم وكتب السنن للترمذي والنسائي وابي داود وابن ماجة والمسانيد كمسند الإمام أحمد بن حنبل وكتب الجرح والتعديل، التي تمنع من أن يتقول متقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، ولا يوجد حديث مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا عند مدرسة أهل السنّة والجماعة ولا يعرف أحد علوم الحديث والتي أوصلها ابن الصلاح في مقدمته إلى خمسة وستين علما، إلا عند أهل السنّة والجماعة، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة ومعرفة السنّة.
[السبب الرابع]: كل الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين. والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين، هم أهل السنّة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع.
[السبب الخامس]: كل الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي، لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنّة والجماعة، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة.
وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه.
وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان، فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي، وبهذا التخصص العلمي الرصين: صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنّة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم.
[السبب السادس]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض، ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون الجماعة الناجية هم أهل السنّة والجماعة، أهل التوسط والاعتدال.
[السبب السابع]: أهل السنّة والجماعة هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، قال صلى الله عليه وسلم: ((وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة)) لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنّة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنّة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال.
[السبب الثامن]: أهل السنّة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ” إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم “، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)) ([7]).
ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنّة والجماعة)، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية الإصلاح والتجديد سوى راية أهل السنّة والجماعة.
[المفتاح الخامس]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين الفرق الضالة: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض.
(أولاً): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر: بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، فالخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة جميعهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، فأما الخوارج والمعتزلة فأدخلوا فيه عمل الجوارح، ولهذا فالخوارج يعتبرون مرتكب الكبيرة كافراً، والمعتزلة يسلبون منه مسمى الإيمان، فيجعلونه لا مؤمناً ولا كافراً، والجهمية والمرجئة يعتبرونه مؤمناً كامل الإيمان، أما أهل السنّة والجماعة فهم يجعلون الإيمان منه ما نهو أصل ضده الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومنه ما هو واجب، وضده الكفر دون كفر والفسوق والعصيان، ومرتكب الكبيرة عندهم مسلم لا يزال في مرتبة الإسلام، وهو عندهم مؤمن فاسق عاص، مؤمن بأصل إيمانه فاسق بكبيرته، فلا يسلبون عنه أصل الإيمان الناقل من الكفر الأكبر إلى الإسلام كما تفعل الخوارج والمعتزلة، ولا يصفونه بالإيمان الكامل كما تفعل الجهمية والمرجئة.
(ثانيا): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام القضاء والقدر: بين الجهمية والجبرية من جهة الغلو وبين القدرية والمعتزلة من جهة التفريط فيه، فالجهمية والجبرية أفرطوا في القضاء والقدر، فنفوا فعل العبد أصلا، وجعلوا الإنسان مجبورا ليس له أي اختيار، وقالوا الإنسان مجبور على عمله كالريشة في مهب الريح، والقدرية والمعتزلة فرطوا في القضاء والقدر، وقالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله وليس لله تأثير على هداية العبد أو على إضلاله، أما أهل السنّة والجماعة: فتوسطوا وجعلوا له اختيارا، ولكن اختياره مربوط بمشيئة الله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وقالوا: إن العباد فاعلون والله خالقهم وخالق أفعالهم، كما ذكر القرآن: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، وعندهم أنّ الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، ولكن ليس معنى ذلك، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وعندهم أنّ من طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، والله تعالى يقول: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23].
(ثالثاً): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب التوفيق بين المعقول والمنقول: بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد، أو حتى في تدبر وفهم النصوص المتعارضات، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة، ويتجنبون تفريط المجسمة المشبهة، فمذهبهم في ذلك أوسط المذاهب، يعرفون ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى في اطار صريح المعقول، وليس المقصود به عقل الجأهل ولا عقل القاصر، وإنما عقل العالم المتخصص الفاهم الفقيه، ثم يوفقون بينه وبين صحيح الشرع، في توسط وفقه واعتدال حبى الله تعالى به أهل السنّة والجماعة دوناً عن أهل البدع والأهواء من أهل الإفراط والتفريط.
(رابعاً): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه بين (النواصب) و(الخوارج) من جهة التفريط، وبين (الرافضة) من جهة الغلو والافراط، فالنواصب قالوا: بفسق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والخوارج قالوا: بكفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والرافضة قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أما أهل السنّة والجماعة: قالوا بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة راشد وإمام عادل، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء، وقالوا أنّه يهلك فيه فريقان أحدهما يقصر عن فضله حتى يكفره، والثاني يغالى فيه حتى يرفعه فوق منزلته ويكفّر من أجله أبا بكر وعمر وعثمان وعامة الصحابة رضي الله عنهم.
(خامساً): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب الصحابة بين (الرافضة) الذين يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل يكفرونهم إلا نفراً يسيراً، وفي المقابل (الخوارج) يكفرون علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون من والاه، أما أهل السنّة والجماعة، فهم يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا ولا يكفرون أحد منهم، وإنما يؤمنون ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم.
(سادساً) وسطية أهل السنّة والجماعة في باب آل البيت: بين الرافضة والنواصب، فالرافضة يصلون ببعض آل البيت إلى درجه العصمة، وببعض آل البيت إلى الفاحشة والنفاق والفجور، والنواصب يبغضون آل البيت ويكرهونهم، أما أهل السنّة والجماعة فهم يحبون آل البيت جميعا، ويوالونهم جميعا، وكذلك لا يرضون لما نالهم من الأذى، ويحبونهم المحبة الشرعية التي جعلها الله تبارك وتعالى لسائر المؤمنين وزيادة لقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم.
[المفتاح السادس]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التخصص العلمي في كل علوم الدين: إذ تطرق القرآن الكريم إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى، اتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص، فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه، احتاج الناس إلى ضبط القرآن وعدم اللحن فيه، فنشأ علم النحو، وعلم أحكام التلاوة وعلم القراءات، ثم احتاج الناس إلى معرفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم تدوين الحديث، انتشر الحديث وخاف العلماء من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم الجرح والتعديل وبقية علوم الحديث، واحتاج الناس إلى معرفة معاني آيات القرآن فنشأ علم التفسير، واحتاج الناس إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام فنشأ تدوين علم الفقه،، ثم احتاج الناس إلى معرفة أدلة الفقه الأساسية فنشأ تدوين علم أصول الفقه، ظهرت الآراء الضالة في العقيدة واحتاج الناس إلى معرفة أصول الدين وعقائده فنشأ تدوين علم التوحيد (علم العقيدة وأصول الدين)، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم الزهد والتزكية وهو ما عُرف باسم (التصوف)، وهذا على وجه الإجمال، أمّا بعض التفصيل:
(احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه): فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين: مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء، وتفرعت وتعددت مجالاتها، وظهرت داخلها علوم القراءات، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل، وصار أهل السنّة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، لا يشاركهم في جمع القرآن وضبطه غيرهم من فرق الإسلام، وجميع فرق المسلمين عالة عليهم في القرآن وعلومه، وصار لهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم، منها سبع قراءات مشهورة، وكل هذه القراءات ونطقها ووردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناقلها الصحابة ثم التابعون ثم تابعوا التابعون، وقد انتشرت الروايات في أنحاء الأرض، وأكثرها انتشاراً رواية حفص عن عاصم حيث تنتشر في معظم الدول الإسلامية.
(ثم احتاج الناس إلى الحديث)، فظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وكان من أعلامها المتخصصين في علم الحديث: البخاري، ومُسْلِم، أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والأعلام المتخصصين في الجرح والتعديل وعلم الرجال مثل شُعْبة بن الحجَّاج، ويحيى بن سعيد القَطَّان، وعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وعلي بن المَديني، والإمام أحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وابن أبي حاتم، فهؤلاء وأمثالهم ومن جاء بعدهم من تلامذتهم هم المرجع في علم الحديث وعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال وعلم مصطلح الحديث.
(ثم احتاج الناس إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام) فظهرت مدرسة الفقه، وانتسب إليها طلاب العلم، وعرفوا باسم الفقهاء، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين ((مذاهب)) ولم تسمى ((فرق))، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين التي يؤدي الخلاف فيها إلى التفرق المذموم وظهور البدع والفرق الضالة في مقابل الفرقة الناجية ؛ وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع: وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا، والاختلاف فيها اختلاف تنوع وليس تضاد، ولا يدخل في الاختلاف المذموم، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر.
وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، وهل يستطيع طالب علم – اليوم – أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة، لقد كان لكثير من علماء السلف الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة، ولكن آراء الصحابي أو العالم لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه، كما أنها لم تُخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام.
لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة، مع العلم بأنّها (المذاهب الفقهية) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة.
(ثم استفحل أمر الفرق الضالة) والتي كان أهم أسباب ظهورها هو الجهل بالدين، أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق:
(فالخوارج) جمعوا آيات في توحيد الحاكمية، ولم يجمعوا إليها علمها الفقهي الذي يكون بمثابة الضابط لها، ولم يحترموا المتخصصين فيها كالإمام على رضي الله عنه، وحبر الأمة وفقيهها عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما، وماذا كانت النتيجة كفّروهما وكفروا سادة الامة من الصحابة والتابعين خبر قرون الإسلام، واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم، وكانوا كلاب أهل النار كما ورد بذلك الخبر، مع أنّ جباههم تقرحت بسبب قيام الليل وطول السجود.
(والشيعة) نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على فضل الإمام علي رضي الله عنه، وفضل آل البيت، ولم يجمعوا إليها الآيات والأحاديث الدالة على فضل الصحابة ومناقبهم، ثم لم يحترموا تخصص أكثر الصحابة في السياسة الشرعية للأمة واختيارهم لخيرهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم – أبو بكر الصديق رضي الله عنه – ليكون خليفة للمسلمين، فانتقصوا من المهاجرين والأنصار الذين قام على أكتافهم بناء دعوة الإسلام، ثم تعدوا ذلك إلى تكفير أكثرهم، وبدأ الانحراف العقدي يزداد ميلا.
(والقدرية) نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على مسؤولية الإنسان على أعماله، دون النظر إلى غيرها من الأدلة على أنّه لا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاء الله، فأنكروا القدر، ولم يطلبوا العلم الوافي ولم يحترموا المتخصصين فيه أمثال عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، وكما قيل عنهم أرادوا أن ينزهوا الله تعالى عن الظلم، فوصفوه بالعجز، تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيرا، وماذا كانت النتيجة إنها الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
(والمعتزلة) نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، وماذا كانت النتيجة إنها الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
(والمشبهة)، (والمجسمة) على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وماذا كانت النتيجة إنها الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
(ولما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة، لبيان عقائد الفرقة الناجية، والرد على الفرق الضالة، فظهرت مدارس العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة)، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه.
(ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، وإذا كان أهل السنّة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) كمدارس متخصصة في العقيدة، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة) كمدارس متخصصة في الفقه، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: ((قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”) (الحديث سبق تخريجه) وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق، والتصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنّة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان.
وعلى ذلك استقر لهم (أهل السنّة والجماعة) على مر عصور الإسلام السابقة: في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية، والثانية: الأشعرية، والثالثة: الماتريدية، واستقر لهم (أهل السنّة والجماعة) في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنّة والجماعة يشمل هؤلاء، وهم سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة.
[المفتاح السابع]: ضرورة احترام المدارس العلمية المتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل الحق والعدل، أهل الرسوخ في العلم، أهل السنّة والجماعة الناجية، إنّ احترام التخصص العلمي والرد في علوم الشريعة إلى أهلها المتخصصين، ضرورة علمية، وطلب العلم بالدين لا يتأتى أبداً إلا باحترام التخصص العلمي، واتباع أحسن ما أنتجه المتخصصون في علومهم، وقد أمرنا الله تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه، ومظانه عند أهل التخصص فيه، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها، وهكذا، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه.
[المفتاح الثامن]: تتبع المتشابهات هو أهم سبب لظهور الفرق الضالة: أصول الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي أربعة هم (الخوارج) و (الروافض) و (المعتزلة) و (الحشوية)، وكان من أهم أسباب ظهورها هو تتبع المتشابه الذي حذر منه القرآن الكريم قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ ثم قال: ((فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم)) ([8]).
لقد وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وفي الحديث السابق حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم، وعلى ذلك فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنّة في ذلك هي التوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}
ومن المتشابهات بعض النصوص التي يوهم ظاهرها نسبة النقص إلى جناب الذات الإلهي، فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى كالوجه والعين واليد، ومنها نصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء، وهناك نصوص توهم الحدوث والتغير من حال إلى حال، وكل ذلك مستحيل على جناب الله الأحد الصمد القديم بجناب ذاته وصفاته، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه سبحانه.
[المفتاح التاسع]:مناهج السلف الصالح في المتشابهات منهجان صحيحان:
للسلف الصالح في معاملة المتشابهات منهجان صحيحان واضحان: (المنهج الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات إلى علم الله، و(المنهج الثاني) حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، ولأهمية المنهجين أفرد لكل واحد منهما مفتاح يشمل أدلته من أقوال السلف الصالح، منهج السلف الصالح في المتشابهات.
للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، منهجان صحيحان:
المنهج الأول:هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات،لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله.
والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، والآية الكريمة في سورة آل عمران، {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].
الوقف محتمل عند قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، والواو من قوله تعالى {والراسخون}، واو الابتداء، وهذا يمثل المنهج الأول للسلف.
والوقف محتمل أيضا عند قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، فحرف الواو في قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ}، واو العطف، وقوله تعالى: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}، على الابتداء بعد الوقف أي انهم يعلمون التأويل ويفوضون حقائق التأويل إلى علم الله وانه كله -المحكم والمتشابه- من عند الله،، المحكم لنعمل به والمتشابه اختبار من الله للمؤمنين، فالصادقين في الإيمان يفوضون علمه إلى الله والذين في قلوبهم زيغ ومرض وشك ييتبعون المتشابه فيهلكون، وهنا تظهر قيمة العلم والعلماء فيردون المتشابه إلى امه من المحكم فيظهر المعنى المراد، وتزول الفتنة وينعدم الزيغ، وهذا يمثل المنهج الثاني للسلف وهو مذهب حبر الامة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
وغالب من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه:
فمن قال: أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة {الله} من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، قال: لا يعلم المتشابه إلا الله وحده، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ (أي المتشابه) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (أي المحكم والمتشابه) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله.
ومن قال: أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} قال: إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين([9]) .
والامر قريب جدا، فمن المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، وذلك لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس له مثال يُقاس عليه، وكل ما يحكم البشر والخلق من قوانين ونواميس فهي من خلق الله تعالى ووضعه، ومحال أن تسري هذه النواميس والقوانين على الله تعالى خالقها وخالق كل شيء، فلا يكون في مكان، ولا يحيط به مكان ولا يسري عليه زمان، ولا ينتقل من مكان إلى آخر، لأنه محال أن يحل في شيء من مخلوقاته ومن مخلوقاته الزمان والمكان والحركة والسكون، وهو بكل شيء محيط وهو من كل شيء قريب وهو على كل شيء قدير، ليس كمثله شيء، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه، وحمله ما أمكن على محكمه، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده.
ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص، وحمل المتشابه على المحكم، ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله.
ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على: لفظ الجلالة (الله) أو بالوقف على: (الراسخون في العلم)، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد والاستنباط، ومنه نعلم أيضا جمال التشريع واعجاز القرآن في تعدد المذاهب الصحيحة وفق معايير الوقف والوصل في القرآن الكريم، ولا يقول قائل بأن القول الأول هو الصحيح او القول الثاني هو الصحيح، لأن الوقف محتمل أراد الله في كتابه ان يكون محتملا، ولأنّه قال بالقول الأول: وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم كثير من التابعين، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله، وقال بالقول الثاني: عمالقة الفهم في القرآن منهم ترجمان القرآن عبد الله ابن مسعود واعلم الناس بالقرآن أبي بن كعب وحبر القرآن عبد الله ابن عباس وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وكفى بها من أعلم الناس بالقرآن، وهو أيضا قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم كثير من التابعين.
والحاصل: هو صحة المذهبين عن السلف، المذهب الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله، والمذهب الثاني: حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ.
[ المفتاح العاشر]: المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات: وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال.
ومذهب السلف الأول فيها: أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة، – حاش لله من هذا الظن السيئ بهم – بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس.
ومما يدل على مدى حرصهم الشديد على هذا المنهج: مقالاتهم التي نُقلت عنهم والتي تتركز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، وقولهم: ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله، وقولهم: أمروا الأحاديث كما جاءت، وقولهم: كانوا لا يفسرون شيئا، وقولهم: قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره، وقولهم: فتفسيره تلاوته والسكوت عليه، وقولهم: فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها، وقولهم: كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا: ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت، وقولهم: وما يعلم تأويله إلا الله، وقولهم: كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه، وقولهم: نكل علمه إلى الله، وقولهم: ونفوض علمه إلى الله، وقولهم: هذا من متشابه القرآن الذي نؤمن به ولا نتعرض لمعناه، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: المذهب في هذا وأمثاله السكوت عن الخوض في معناه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض معناها إلى الله، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، وقولهم: نكل علمه إلى الله تعالى، وقولهم: والسؤال عنه بدعة، وقولهم: من تكلم في معناها فقد ابتدع، (قلت): وهذه العبارات الممتلئة علماً وورعاً تدل على مدى حذر السلف من الخوض في المتشابه حذراً من قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7].
وفي بيان دقة هذا المنهج وتورعه وبيان أهم الأسس والضوابط التي يقوم عليها هذا المنهج العظيم، يقول الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه التفكير الفلسفي في الاسلام:
( نتساءل عن موقف السلف من الصورة واليد والنزول والاستواء وما يجرى مجراها مما ورد في الكتاب والسنه مما يوهم التشبيه ؟ 1- إن أول موقف يقفه السلفي من هذه الاخبار: إنما هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها، فإذا سمع كلمة الصورة: مثلا في قوله صلى الله عليه وسلم (إني رأيت ربى في أحسن صوره) فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلق ويراد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفه، مرتبه ترتيبا مخصوصا، مثل الأنف، والعين، والفم، والخد التي هي أجسام، وهى لحوم العظام، وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئه في جسم، كما تقول: صورة هذه المسألة كذا وصورة الواقعة كذا، ولقد صورت للمسألة صوره في غاية الحسن، فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق الله لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذى هو جسم وهيئه، وإن خالق الاجسام ليتنزه عن مشابهتها وصفاتها: وإذا علم هذا يقينا فهو مؤمن، فإن خطر له أنه، عليه الصلاة والسلام، إن لم يرد هذا المعنى الجسم فأي معنى أراد ؟ فينبغي أن يعلم أن ذلك لم يؤمر به، بل أمر بأن لا يخوض فيه فإنه ليس على قدر طاقته، لكن ينبغي أن يعتقد أنه أريد به معنى يليق بجلال الله وعظمته ما ليس بجسم ولا عرض في جسم، وعلى هذا النمط يكون موقفه في بقية ما ورد: كالفوقية والنزول واليد والقدم يجب أن ينفي في كل ذلك المعنى المادي وأن يحدد معنى يخترعه هو.
2- ويجب عليه الايمان والتصديق: وهو أن يعلم قطعا أن هذه الألفاظ أريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته وأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم صادق في وصف الله تعالى به، فليؤمن بذلك وليوقن بأن ما قاله صدق، وما أخبر عنه حق لا ريب فيه ويقول آمنا وصدقنا وأن ما وصف الله، تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذى أراده، وعلى الوجه الذى قاله، وإن كان لا يقف على حقيقته.
3- ويجب أمام هذه الاخبار أن يعترف بالعجز فإن التصديق واجب وهو عن إدراك المعنى عاجز فإن ادعى المعرفة فقد كذب، وأوائل حقائق هذه المعاني بالإضافة الى عوام الخلق كأواخرها بالإضافة الى خواص الخلق.
4- وبالسؤال عن هذه الامور، يتعرض الإنسان لما لا يطيقه وقد ضرب عمر بالدرة من سأله عن المتشابهات ويرى الامام “الغزالي” أنه يحرم على الواعظ على رؤوس المنابر الجواب عن أسئلة المتشابهات وإنما يجب عليهم المبالغة في التقديس، ونفي التشبيه.
5- ولا يجوز تبديل لفظ من الالفاظ المتشابهة بلفظ آخر غير متشابه سواء كان بالعربية أو بالفارسية وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر إبهاما للباطل من البعض، فتفسيرها وترجمتها إذن ممنوعان ولا يجوز النطق إلا بالفظ الوارد.
6- ويجب الاحتراز عن التصرف: فلا تقول في قوله تعالى:(استوى) أنه (مستو) فاسم الفاعل يدل على كون المشتق ممكنا ومستقرا، أما لفظ الفعل فدلالته على هذا المعنى ضعيفة.
7- ولا يجوز الجمع بين هذه الألفاظ المتشابهة في مكان واحد: لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت كثرتها: أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل وكما لا يجوز الجمع بين متفرق لا يجوز التفريق بين مجتمع فإن ما يسبق الكلمة وما يلحقها له تأثير في تفهيم معناها، والله سبحانه وتعالى: لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينه من سابق أو لا حق تدل على زوال الوهم الباطل، فذكر العبودية، عند وصف الله تعالى بالفوقية في قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده}، يدل على أن المراد من تلك الفوقية شيء آخر غير الفوقية المكانية.
8- ولا يقاس على هذه الألفاظ فإذا ورد لفظ اليد فلا يجوز إثبات الساعد أو العضد أو الكف مصيرا الى أن هذا من لوازم اليد كل ذلك محال وكذلك زيادة قد يتجاسر عليها بعض الحمقى.
9- وكما يجب على الانسان إمساك اللسان عن التصرف فإنه يجب عليه كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور: وهذا ثقيل على النفس ولكن من الممكن أن يشغل الانسان نفسه عنه بمختلف أنواع العبادة أو بهواية من الهوايات العلمية أو العملية، ويرى الامام الغزالي أن الاشتغال بلعب أو لهو خير له من الخوض في هذا البحر البعيد غوره العظيم خطره بل لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية ربما كان أسلم له ن أن يخوض في البحث عن معرفة الله تعالى فإن ذلك غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
وأخيرا فإن حاصل هذا المذهب – كما يقول الرازي – هو: أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها الى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها ” أهـــ ([10])
[ المفتاح الحادي عشر]: تطبيقات السلف فيما يتعلق بالمنهج الأول (تفويض المعنى المُراد من المتشابهات) قال الإمام الترمذي رحمه الله في السنن: (قد قال غير واحد من أهل العلم في هذه الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، فإنهم قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم، ولا يقال كيف هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمرُّوها بلا كيف وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة) أهـ([11]).
وجاء في كتاب اعتقاد أهل السنة للحافظ هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي: ” … سمعت شداد بن حكيم يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ” أهـ([12]) . وجاء فيه أيضا: “ أخبرنا محمد بن رزق الله قال أخبرنا بن عثمان قال نا عيسى بن موسى بن إسحاق الأنصاري قال سمعت أبي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل) أهـ،([13]) وجاء فيه أيضا: ” سمعت محمد بن الحسن يقول اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له) أهـ([14])
وجاء فيه أيضا: ” أخبرنا أحمد أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا أبو علي الحسن بن يوسف بن يعقوب قال ثنا أبو محمد أحمد بن علي بن زيد الغجدواني قال ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي قال ثنا عمرو بن وهب يقول سمعت شداد بن حكيم، يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ” أهـ([15])
، وجاء فيه أيضا: ” أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القزويني قال ثنا محمد بن أحمد بن منصور القطان قال ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال ثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال ثنا الهيثم بن خارجة قال سمعت الوليد بن مسلم يقول: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا: أمروها بلا كيف ” أهـ([16])
وجاء في طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي: ” وسئل الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله فقال: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه ومن تقصى وفتش وبحث وجد أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والصدر الأول لم يكن دأبهم غير الإمساك عن الخوض في هذه الأمور وترك ذكرها في المشاهد ولم يكونوا يدسونها إلى العوام ولا يتكلمون بها على المنابر ولا يوقعون في قلوب الناس منها هواجس كالحريق المشعل وهذا معلوم بالضرورة من سيرهم” أهـ([17])
وجاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد بن حنبل: (نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل: …… وسئل قبل موته بيوم عن أحاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منها شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير “ أهـ ([18])
[المفتاح الثاني عشر]: المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات، وذلك بتفسير النصوص وفق السياق القرآني مع مراعاة السباق واللحاق لتلك الآيات دون التعرض للخوض في جناب الذات، وهو ما اصطلح العلماء على تسميته بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم: والتأويل نوعان:
تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة.
وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة، وهذا (تعطيل) وليس تأويل، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة، وهذا (التعطيل) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة. أما (التأويل الصحيح بضوابطه)، فهذا قد ورد عن السلف الكرام، ومما يدل عليه أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله([19])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([20])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([21])، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي([22])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد([23]) .
فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
ومن تأويلات التابعين: تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله. ([24])، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر. ([25])، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه)، في قوله تعالى (فأينما تولُّوا فثم وجه الله) بقبلة الله ([26])، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى (كلُّ شيء هالك إلا وجهه): أي إلا هو([27])، وتأويل الحسن البصري (المجيء) في قوله تعالى: (وجاء ربك): بمجيء أمره وقضاؤه([28])، وتأويله (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) قال: في طاعة الله. ([29])
ومن تأويلات تابعي التابعين: تأويل سفيان الثوري للاستواء في قوله تعالى (ثم استوي إلى السماء) بالقصد إليها ([30])، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول، بقوله: (ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ([31])
وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى، في قوله تعالى (وجاء ربك) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه ([32])
، ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى (أو يأتى أمر ربك) ومثل هذا في القرآن (وجاء ربك) قال: إنما هو قدرته. ([33])
وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى (كلّ شـئ هالك إلا وجهه) (إلا ملكه) ([34])
وقد تأول الإمام الطبري: (العين) في قوله تعالى (ولتصنع على عيني) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ([35])، وتأول (الاستواء) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته….علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) ([36]) ، وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه، الأول تفويض المعنى المراد منه إلى الله ورسوله، والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز.
المبحث الثاني أصول البدع الضالة عند الخوارج
(تنبيه) سبق الحديث عن الخوارج في الكتاب الثاني من هذه المجموعة، كتاب مفاتيح علم الإيمان والكفر، لذا اكتفي هاهنا بما يدل على مجمل البدع وأحيل القارئ إلى الفصل الخامس من فصول كتاب مفاتيح علم الإيمان والكفر للاستزادة.
[المفتاح الأول]: التعريف بالخوارج: الخوارج لغةً: جمع خارج، وخارجي اسم مشتق من الخروج، وفي الاصطلاح يمكن تعريفهم بتعرفين هما الأشهر: (الأول): أنهم هم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه وقاتلهم ولذا سموا خوارج، و(الثاني): كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة يسمى خارجيًّا، سواءً كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو غيرهم من التابعين لهم بإحسان،([37]).
فالتعريف الأول باعتبار أول ظهور الخوارج، والتعريف الثاني باعتبارها فرقة استقلت بعقائد معينة ضالة تجعل كل من اعتقد اعتقادها داخل في مسماها، والخوارج ليسوا فرقة واحدة وإنما هم ربما اكثر من عشرين فرقة كل منها يكفر سائرها وسائر المسلمين دونهم، وكل فرقة منهم لا ترى الحق إلا معها ولا ترى الجنة إلا حكر على أتباعها نعوذ بالله من الضلال، وقد ذكروا فيما يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها، فذكر الكعبي في مقالاته: أن الذي يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها: إكفار علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وكل من رضي بتحكيم الحكمين، والإكفار بارتكاب الذنوب، ووجوب الخروج على الإمام الجائر ” أهــ ([38]).
والذي يجمع الخوارج في الصدر الأول إكفار سيدنا علي رضي الله عنه وسيدنا عثمان رضي الله عنه وأصحاب الجمل وقد كان فيهم من الصحابة عدد كبير منهم الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم وإكفار الحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عنهما وأصحاب صفين، وعلى ذلك فحقيقة مذهبهم كان تكفير غالب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان الخوارج في الصدر الأول يتبرأون من أمير المؤمنين عثمان وأمير المؤمنين علي رضي الله عنهما ومن كل من والاهما ويقدمون إعلان ذلك على كل طاعة حتى كانوا لا يصححون مناكحاتهم إلا بهذا التبرؤ، ولقد بلغ بهم الحال إلي تكفير عامة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالذنوب، وليس من أحد بمعصوم عن الذنب فلذلك فإنّ عامة أهل الإسلام في نظرهم كفار حتى يثبت العكس أو حتى ينضم إلى فرقتهم الضالة.
[ المفتاح الثاني]: أول الخوارج ظهوراً: أول الخوارج ظهوراً كان على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة تحت باب (ذكر الخوارج وصفاتهم): عن جابر بن عبد الله قال: ((أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجمرانة منصرفة من حنين: وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس فقال: يا محمد اعدل قال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله! فأقتل هذا المنافق فقـال معـاذ الله! أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية)) ([39]).
وأخرج مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري، قال: بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن، بذهبة في تربتها، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر، فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين نأتي الجبين محلوق الرأس فقال: اتق الله يا محمد! قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن يطع الله إن عصيته! أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ قال: ثم أدبر الرجل فأستأذن رجل من القوم في قتله (يرون أنه خالد بن الوليد) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن من ضئضي هذا قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد))، ([40]).
وأخرج مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً أتاه ذو الخويصرى وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله ! اعدل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ويلك ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل ” فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ” يا رسول الله! ائذن لي فيه أن أضرب عنقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء رافيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضبه فلا يوجد فيه شيء (وهو القدح) ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس)) قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فألتمس فوجد فأتى به حتى نظرت إليه، على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت، ([41]).
[ المفتاح الثالث]: بداية ظهور الخوارج كفرقة ضالة: بدأ ظهـور الخوارج كفرقة ضالة تكفر المسلمين وتستحل دماءهم وأعراضهم في عام 37 هـ عندما بايع الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي أميرا عليهم، واتهموا أمير المؤمنين على رضي الله عنه بأنّه رضي بتحكيم الرجال في دين الله تعالى: وأن هذا التحكيم كفر أكبر مخرج من الملة، واعتلوا لذلك بقول الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، فكفروه بهذا الزعم الضال، وقد حاول رضي الله عنه أن يزيل ما التبس عليهم من أمر التحكيم وأنه إنما حكم كتاب الله عز وجل وشرط على الحكمين أن يحييا ما أحياه القرآن ويميتا ما أماته القرآن، وبين لهم أن القرآن إنما خط مسطوراً بين دفتين لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال، وأرسل إليهم حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فحاورهم وتاب منهم كثير، وأما الباقون فقد انحازوا عن جماعة المسلمين بمكان يسمى النهروان، وتركهم الإمام علي رضي الله عنه وشأنهم حتى استحلوا دماء المسلمين وأعراضهم، وكان أول من قتلوه عبد الله بن الصحابي الجليل خباب بن الأرت ثم قتلوا ولده وجاريته أم ولده، وانتهى خبرهم إلى الإمام علي رضي الله عنه فسار إليهم في أصحابه حتى إذا اقترب منهم أرسل إليهم أن سلموا قاتل عبد الله بن خباب فأرسلوا إليه إنا كلنا قتلناه ولئن ظفرنا بك قتلناك، فقاتلهم رضي الله عنه وأكرمه الله عز وجل بقتل أكثرهم وصار سيفه في الخوارج سيف حق إلى قيام الساعة.
[المفتاح الرابع]: الأحاديث الواردة في ذم الخوارج: وردت آثار عديدة في ذم الخوارج وقد جمع أكثرها الإمام مسلم في صحيحه، وهي تدل على أن الخوارج قوم غلاة يقرأون القرآن يحسبونه لهم وهو عليهم، لا تقبل لهم صلاة، يمرقون من الدين بسرعة شديدة ثم لا يعودون إليه مرة ثانية، وأنهم شر قتلى من أهل القبلة تحت أديم السماء، ومن تلك الأحاديث: [1] ما أخرجه مسلم رحمه الله تحت باب (التحريض على قتل الخوارج): عن علي رضي الله عنـه يقول: سمعـت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقـول: ((سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً، لمن قتلهم، عند الله يوم القيامة)) ([42]).
[2] وما أخرجه مسلم رحمه الله تحت باب (الخوارج شر الخلق والخليقة): عن أبي ذر قـال: قـال رسـول الله صلى الله عليه وسلـم ((إن بعدي من أمتي أو سيكون بعدي من أمتي) قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة)) ([43]).
[3] وما أخرجه مسلم في صحيحه تحت باب (الخوارج شر الخلق والخليقة) عن يسير ابن عمرو قال: سألت سهل بن حنيف: هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج؟ فقال: سمعته (وأشار بيده نحو المشرق) ((قوم يقرأون القرآن بألسنتهم لا يعدوا تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) ([44]).
[4] وما أخرجه مسلم في صحيحه تحت باب (التحريض على قتل الخوارج) عن علي رضي الله عنه قال: أيها الناس: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)) لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم، لاتكلوا عن العمل ([45]).
[ المفتاح الخامس]: أصول الضلال عند الخوارج: الخوارج على اختلاف فرقهم ومذاهبهم تكاد تجمعهم معتقدات ضالة تنبئ عن غلوهم وتنطعهم وصدق ما وصفهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من سفاهة عقولهم وتمكن الأهواء من قلوبهم ومروقهم من الدين بسرعة وعجلة، ومن هذه المعتقدات الضالة:
(أ) غلوهم في الإمامة: فيشترطون في الإمام أن يكون على نفس معتقدهم وإلا كفروه واستحلوا دمه وأوجبوا الخروج عليه.
(ب) غلوهم مع أهل القبلة: يكفرون أصحاب الكبائر من أمة الإسلام، ويقولون كل ذنب مغلظ كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان، ومرتكب الكبيرة كافر مشرك عابد للشيطان، ويحكمون على صاحب الكبيرة إذا مات عليها أنه خالد مخلد في النار أبداً كالكفار الجاحدين بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر، ويقولون إذا كفر الرجل كفرت نساؤه وأولاده ويحكمون بانهم مع آبائهم في النار، والكافر حلال الدم والعرض والمال ولذلك فهم يستحلون دماء وأموال وأعراض من يكفرونه من أهل القبلة، وقلما ينجو من تكفيرهم مسلم موحد.
(ت) غلوهم في حق أنفسهم: يقرون لأنفسهم بالإيمان، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ودار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم.
(ث) يقولون بأن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر مرتد حلال المال والعرض والدم دونما تفصيل أو فقه في الدين، ويقولون بأن كل من وافقه أو سكت عنه فهو كافر مثله.
(ج) من صفاتهم يدعون أهل الشرك إلى الإسلام، ويكفرون أهل الإسلام الأصليين، ويطبقون الآيات التي نزلت في المشركين على أهل الإسلام فيكفرونهم ويستحلون حرماتهم، يمرقون من الدين بأدنى شبهة، فهذه صور من غلو الخوارج كلاب أهل النار، ومن أمثلة هؤلاء في زماننا الخوارج المعروفون باسم الدواعش نسأل الله السلامة والهداية.
[المفتاح السادس]: الإباضية أعدل فرق الخوارج: (الإباضية) يمثلون غالب المسلمين في دولة عمان بالخليج العربي، وهم أقرب فرق الخوارج إلى أهل السنّة، كما أنّ الزيدية من الشيعة هم أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنّة، و(الإباضية): ينتسبون في مذهبهم حسبما تذكر مصادرهم إلى جابر بن زيد الأزدى الذى يقدمونه على كل أحد ويروون عنه مذهبهم، وذكر ابن حجر في التهذيب أن جابر بن زيد تبرأ منهم، والإباضية لهم كتاب واحد اسمه: (مسند الربيع بن حبيب)، والربيع نفسه مجهول، لم تترجم له كتب الرجال المعروفة، وترجمته مقصورة على كتب الإباضية، وهو غير الربيع بن حبيب الذي ترجم له البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل والإمام أحمد في العلل، فلا يصح الاعتماد عليه، وقد نُسِبوا إلى عبد الله بن إباض لشهرة مواقفه مع الحكام، واسمه عبد الله بن يحيى بن إباض المري من بنى مرة بن عبيد، وينسب إلى بنى تميم، وهو تابعي، عاصر معاوية وابن الزبير وكانت له آراء واجه بها الحكام، وقد قامت للإباضية دولتان، إحداهما في المغرب والأخرى في عُمَان، وساعد انتشار المذهب الإباضي في عُمَان بُعْدُها عن مقر الخلافة، ثم مسالكها الوعرة، ويرجع دخول المذهب الإباضي عُمَان إلى فرار بعض الخوارج بعد معركة النهروان إلى هذا البلد، كما ذكر ذلك بعض أهل التاريخ.
والإباضية من الخوارج لموقفهم من سيدنا عثمان وسيدنا علي رضي الله عنهما، وذلك انهم يرون أحقية الخوارج في الخروج على عثمان ثم على علي رضي الله عنهما، ويتبرؤون من الإمام علي رضي الله عنه، وكذلك من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، رضي الله عنهما، ويتبرؤون من سائر من شارك في الفتنة، من الصحابة او من التابعين وقد كانوا أكثر أهل الإسلام آنذاك، والإباضية في باب الإلهيات والعقيدة على مذهب المعتزلة، حيث يرون نفى الصفات خوفاً من التشبيه بزعمهم، ويرجعون الصفات إلى الذات، يقولون: إن الله عالم بذاته وقادر بذاته وسميع بذاته إلى آخر الصفات، وذهبت الإباضية في باب رؤية الله تعالى إلى إنكار وقوعها، لأن العقل كما يزعمون يحيل ذلك، واستدلوا بقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}، وأولوا معنى الآية تأويلاً خاطئاً على طريقة المعتزلة، ومن عقائد الإباضية في كلام الله تعالى القول بخلق القرآن، وهو معتقد المعتزلة أيضا، وفي باب طاعة الامراء والحكام فهم يرون كسائر الخوارج جواز الخروج عليهم عند الجور او الفسق، فإذا صدر منه الذنب فإما أن يعتدل ويعلن توبته وإلا فالسيف جزاؤه العاجل، ولكن تكفير الإباضية لمرتكب الكبيرة يختلف عن تكفير سائر الخوارج، فإنهم يرونه كفر نعمة لا كفر شرك، ولا يحكمون عليه بالخروج من الملة، ولكنهم مع ذلك يحكمون على مرتكب الكبيرة الذي لم يتب عنها بأنه من المخلدين في النار، وتتسم معاملة الإباضية لمخالفيهم باللين والمسامحة وجوزوا تزويج المسلمات منهم من مخالفيهم، وأنّهم في معاركهم كانوا لا يقتلون النساء والأطفال كما تفعل الازارقة من الخوارج، وهذا ما يذكره علماء الفرق عنهم، قال الإمام الأشعري عنهم: (وأما السيف فإن الخوارج جميعاً تقول به وتراه، إلا أن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف)
وقال عنهم: (وفي المعركة لا يقتلون النساء ولا الأطفال على عكس ما يفعله الأزارقة) ، ([46]). وقال عنهم: (والإباضية يقولون إن جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان، وإن كل كبيرة فهي كفر نعمة، لا كفر شرك، وإن مرتكبي الكبائر في النار خالدون فيها) اهـ ([47]).
وعموما فإنّ كل من خالط الإباضية علم منهم الشدة في محاسبة النفس عند الطاعة والمسامحة وحسن المعاملة للمخالفين، وعدم استحلال أموالهم ولا حرماتهم، وهذا -والله تعالى أعلم- يجعلهم أعدل فرق الخوارج واقربها إلى أهل السنّة والجماعة.
***
المبحث الثالث أصول البدع الضالة عند النواصب
[المفتاح الأول]: النواصب: قوم يبغضون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، أو أحدا منهم أو يبغضون أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه على وجه الخصوص، جاء في لسان العرب: (النواصب قوم يتدينون ببغض علي عليه السلام) ([48]) .
وقال ابن حجر: (والنصب بغض علي وتقديم غيره عليه والخوارج الذين أنكروا على علي التحكيم وتبرءوا منه ومن عثمان وذريته وقاتلوهم فإن أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة منهم) ([49]) .
وقال الذهبي: من تعرض للإمام علي بذم فهو ناصبي يعزر فإن كفره فهو خارجي مارق بل سبيلنا أن نستغفر للكل ونحبهم ونكف عما شجر بينهم) ([50]) .
[ المفتاح الثاني]: النواصب فرقة ظهرت في بدايات العصر الإسلامي: كانت تبغض آل البيت أو أفرادا منهم كالإمام علي رضي الله عنه، او الحسين رضي الله عنه، وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيهم كل مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ: وهم: ذريته، من أبناء الحسن والحسن، وأزواجه أمهات المؤمنين، وبنو هاشم وبنو المطلب، ومواليهم، وهذه الفرقة كانت تفسق الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وتشكّك في أفضليته، وكانوا يتهمونه بالظلم، وأنه كان طالباً للدنيا، وانّه كان طالباً للخلافة لنفسه، وأنّه قاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من الصحابة والتابعين في الجمل وصفين، ومنهم من يقول بأنّه شارك في دم عثمان، ومنهم من يقول: أنّه رضى بقتله وفرح بذلك، ومنهم من يقول أنّه لم يقاتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كافرًا ولا فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة في الجمل وصفين والنهروان يريد التنقيص منه، ومنهم من يقول أنّ الحسين رضي الله عنه خرج على إمام زمانه، وكانوا يجوزون قتله، ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) ([51]) . وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، والفرق بين الخوارج والنواصب، أنّ النواصب والخوارج كليهما اشتركوا في مناصبة علي العداء، ولكن النواصب يفسقون الإمام علي رضي الله عنه، أما الخوارج فيكفرون الإمام علي رضي الله عنه، وكذلك فإن النواصب يقبلون عثمان أما الخوارج فيكفرونه، وأهل السنة والجماعة يحبون أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الإسلام، ويتبرؤون من طريقة الخوارج الذين يكفرون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومن طريقة النواصب الذين يفسقون آل البيت ويؤذون آل البيت بقول أو عمل، وأهل السنة والجماعة ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وأهل السنة والجماعة يمسكون عما شجر بين الصحابة اجلالا لقدرهم وحفظا لفضلهم وحفظا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم فيهم.
[المفتاح الثالث]: حب آل البيت إيمان، وبغضهم نصب ونفاق: قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، قال ابن حجر الهيتمي: (هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدأت بـ (إنما) المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة) أهـ ([52]) .
وروى البخاري في صحيحه عن كعب بن عجرة قال: (لما نزلت هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، قلنا يا رسول الله: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) ([53]) .، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) ([54]) . ففي هذا الحديث منقبة واضحة وفضيلة عالية لأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم حيث قرن الوصية بهم مع الوصية بالالتزام والتمسك بكتاب الله الذي فيه الهدى والنور، فجعلهم صلى الله عليه وسلم ثقلاً دليل واضح على عظم حقهم وارتفاع شأنهم وعلو منزلتهم، وروى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثاً أن يثبت قائمكم وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم وسألت الله فيكم أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء فلو أن رجلاً صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار) ([55]) .
إنّ قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) ([56]) .
وتكرار النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر والتأكيد عليه، هو بمثابة اعلان للأمة الإسلامية أن الواجب عليها أن تقدر أهل البيت وأن تنزلهم منازلهم التي أنزلهم إياها القرآن والسنّة رضي الله عنهم وأرضاهم.
[المفتاح الرابع]: أهل السنّة والجماعة يتبرؤون من معتقد النواصب الذين ناصبوا للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه العداوة، وعلامة هؤلاء أنّهم كانوا يتهمونه بالظلم، وأنه كان طالباً للدنيا، وانّه كان طالباً للخلافة، وأنّه قاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من المسلمين في الجمل وصفين، وأنّه لم يكن مقصده تأليف المسلمين وربطهم بإمام واحد، ومن علاماتهم أنّهم يقولون أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه شارك في دم عثمان، أو من يقول: أنّه رضى بقتله وفرح بذلك، أو من يقول أنّه لم يقاتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كافرًا ولا فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة في الجمل وصفين والنهروان يريد التنقيص منه، ولا شك أن قولهم في هذا كله قول باطل، ولنا ما جاء في (صحيح مسلم) عن زر قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم إليّ أن لا يحبني إلاّ مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق) ([57]) .
وأهل السنّة والجماعة يتبرؤون من معتقد النواصب الذين يبغضون الحسن والحسين رضي الله عنهما، والذين نالوا من سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي رضي الله عنهما وأرضاهما، فقالوا: إن الحسين بن علي خرج على إمام زمانه، وكانوا يجوزون قتله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) فإن الحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسلهما إلى يوم القيامة هم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وحب الحسن والحسين من علامات الإيمان، ولنا ما جاء الصحيحين عن البراء رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهم إني أحبه فأحبه) ([58]) .
وأهل السنّة والجماعة يتبرؤون من معتقد الروافض النواصب الذين يبغضون أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن وأرضاهن، فكل من سبهن او سب إحداهن فهو ناصبي نجس، أمّا اتهام الطاهرة المطهرة الصديقة التي طهرها القرآن الكريم من الفاحشة فهذا كفر وتكذيب للقرآن، والروافض الانجاس بعضهم يتهم الصديقة بنت الصديق بالفاحشة: ففي تفسير القمي أصل تفاسيرهم المعتمدة هذه الرواية:(قال علي بن إبراهيم في قوله (وضرب الله مثلاً) ثم ضرب الله فيهما (يعني عائشة وحفصة زوجتي رسول الله، مثلاً فقال (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) قال: والله ما عني بقوله فخانتاهما إلا الفاحشة، وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان: لا يحل له أن تخرجين – كذا – من غير محرم فزوجت نفسها من فلان) ([59]) .
وكما ترى أن النص ليس فيه تصريح بالأسماء على عادة القوم من الكفر والتدليس عليـه، ولكن في وجود الدولة الرافضية قلت التقيه فصرح عالمهم المجلسي بالأسماء فقال: (وليقيمن الحد أي القائم عليه السلام عند الرجعة وفلانة هي عائشة ” قلت رضي الله عنها ” وفلان هو طلحة بن عبد الله ” قلت رضي الله عنه “) ([60]) .فأي عداء لآل بيت النبوة بعد هذا الذي عليه هؤلاء، يطعنون في الصديقة بنت الصديق التي برأها الله عز وجل مما قذفها به المنافقون، وتحذر المؤمنين من مجرد سماع هذا الإفك العظيم، فقال تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور: 17]، قال ابن كثير في تفسير الآية: ” أجمع أهل العلم قاطبة على أنّ من سبها ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن ” أ.هـ ([61]) .فمن قذف أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر الصديق، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة رضي الله عنها، بما برأها الله منه، وهي فاحشة الزنا، فهو كافرٌ بإجماع المسلمين، لأنه مكذب لكتاب الله، إذ إن الله سبحانه وتعالى برَّأها من ذلك في كتابه الكريم في سورة النور وجعل اتهامها بالفاحشة إفكا، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} إلى قوله تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فالقرآن الكريم جعل اتهامها افكا، وكتب لها البراءة {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}، وذكر أنّ {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}، وليس أطيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس أطيب من زوجاته أمهات المؤمنين، فالله يقول هي بريئة، والقاذف لها يقول هي زانية، فيكون مكذِّباً لكلام الله، فهذا كافر مرتد عن دين الله، فمن قذفها بما برَّأها الله منه وهو الزنا، فقد كفر بالله العظيم، قال النووي في شرح صحيح مسلم : (براءة عائشة رضي الله عنها من الإفك، وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان – والعياذ بالله – صار كافراً مرتداً بإجماع المسلمين. قال ابن عباس وغيره: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهذا إكرام من الله تعالى لهم) انتهى، ([62]) وقال ابن تيمية في الصارم المسلول : (فأما من سب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال القاضي أبو يعلى: “من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف”. وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم) انتهى ([63]) .
المبحث الرابع أصول البدع الضالة عند المعتزلة
[المفتاح الأول]: نشأة المعتزلة وسبب تسميتهم بهذا الاسم: المعتزلة اسم يطلق على فرقة ضالة ظهرت في الإسلام في القرن الثاني الهجري ما بين سنة (105 هـ وسنة 110 هـ)، وكان بداية ظهورها على يد واصل ابن عطاء (80 هـ – 131 هـ)، وكان في بداية أمره من تلامذة الإمام الحسن البصري ثم اعتزله وأسس فرقة الاعتزال، أما سبب تسميتهم بهذا الاسم فلعله ما أورده الشهرستاني وغيره من كتاب الفرق من أنه ” دخل رجل على الحسن البصري فقال يا إمام الدين: لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، فلا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً، ففكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء:أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ولا مؤمن ولا كافر ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل واصل، فسمى هو وأصحابه المعتزلة أهـ([64]).
” قلت “ وعموماً فإن اعتزالهم لأنهم اعتزلوا الأمة جميعها في مرتكب الكبيرة فجاءوا بقول لم يقل به أحد به أحد قبلهم ولا بعدهم وهو المنزلة بين المنزلتين وأنه صاحبها لا هو مؤمن ولا هو كافر في أحكام الدنيا وهو خالد مخلد في النار خلود الكافرين في الآخرة إلا أن عذابه – كما يزعمون – أقل
[المفتاح الثاني]: أصول الضلال الخمسة عند المعتزلة: المعتزلة يظنون أنها من أصول الحق الخمسة وهي في حقيقتها أصول الضلال عند المعتزلة.
[الأصل الأول]: يسمونه التوحيد وهو في حقيقته إفراط في باب التنزيه على حساب الإثبات وخوض في صفات الله تعالى بما لا ينبغي، وقد وصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي جميع صفات الله تعالى: من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، ووصلوا إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنّة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثبوتاً.
[الأصل الثاني] يسمونه العدل وهو في حقيقته نفي القدر والتكذيب به، وهذا الأصل يبحثون فيه أفعال الله تعالى: وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى: فوقعوا في وصفه – سبحانه – بالعجز، ومن ضلالاتهم المتعلقة بهذا الأصل: أنهم يرون أن أفعال العباد هم الخالقون لها والمحدثون لها، ويرون أن من قال: أن الله تعالى هو خالق أفعال العباد فقد عظم خطأه لأنه نسب إلى الله تعالى: الجور والظلم، ونسب إليه فعل القبيح لأن أفعال العباد أكثرها قبيح، ويرون أن الله عز وجل يجب عليه أبدا فعل الأصلح لأنه إذا لم يفعل ذلك كان ظلماً للعباد ونقصاً لما فيه صلاحهم وخلافاً للحكمة التي يجب أن يتصف بهــا، ومعتقد أهل السنّة أنّه لا يجب على الله تعالى شيء.
والرد الموجز على ضلالات هذا الأصل: أراد المعتزلة نفي الجور والظلم عن الله عز وجل فوصفوا الله عز وجل بالعجز وعدم كمال القدرة والمشيئة، وذلك لأنهم جعلوا الإنسان خالق لأعماله، وأنّ في ملك الله تعالى خلق ليس لله، وصفوه – سبحانه – بأنه لا يهدي من يشاء إذا شاء الشخص الضلال لنفسه، ووصفوه بأنه لا يخلق أفعال عباده وبالتالي يقع في ملكه ما لا يشاء وما لا يريد، مع أن القرآن الكريم قد وضح هذه الحقائق مراراً وتكراراً منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقوله تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17] وقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:99] وقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له))، فهذه بعض الأدلة على كمال قدرة الله تعالى: – ومشيئته، وأنه لا يكون في ملكه إلا ما يشاء وما يريد، إرادته كاملة ومشيئته تأخذه، وأما ما ظنه المعتزلة من أن لازم ذلك هو نسبة الظلم والجور إلى الله تعالى: فهو وهم محض وخطأ ظاهر.
فالظلم والجور كلاهما يأتي على أحد معنيين: الأول: أن تأخذ من أحد شيئاً ليس لك، والثاني: أن تعاقب أحداً على شيء لم يفعله ولم تقترفه يداه، وكلاهما منفي عن الله عز وجل، فالمعنى الأول لا يصح ولا يجوز على الله تعالى: لأنه سبحانه مالك الملك، وهو سبحانه الخالق والمالك ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين، فكل ما في الكون هو خلقه وضمن ملكه، فلا يجوز بحال نسبة الظلم إلى الله عز وجل بهذا المعنى، وأما المعنى الثاني وهو الذي تتمسك به المعتزلة وتقول بأنه إذا كان الله عز وجل خالق أعمال الإنسان فكيف يحاسبه على شيء لم تقترفه يداه، وهذا من لبسهم، وما قالوه لا يلزم، وذلك لأن الإنسان يعلم من نفسه يقيناً أن هناك أعمالاً لا إرادية لا دخل له فيها البتة كضربات قلبه ورعشات عضلاته، وهناك أعمال إرادية له دخل فيها وهي غالب أعماله التي يحاسب عليها وهذه الأعمال يشعر الإنسان من نفسه أن له عليها إرادة ومشيئة، ولكن أهل الإيمان الحق – أهل السنّة والجماعة – يقولون أنه من كمال علم الله تعالى: وكمال إرادته وقدرته فإن هذه الأعمال قد كانت قبل أن يعملها البشر في مشيئة الله وعلمه وإرادته، وهو المقدر لها وهو العالم بها وأهلها وما يستحقون من التوفيق والهداية أو ما يستحقون من الخذلان، وعلى ذلك فأعمال الإنسان التي يحاسب عليها هي بمشيئته وقدرته – وكلنا يعلم من نفسه ذلك يقيناً – ولكنها في حقيقة الأمر إن كانت من نوع الخير والطاعة فهي بتوفيق الله تعالى: وهدايته وإن كانت من نوع الشر والمعصية فهي بخذلان الله تعالى:، والمسلم يلجأ إلى باب الدعاء حتى يكون دائماً على هداية الله وتوفيقه، والمجرم لا يهمه من الأمر شيء يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام والنار مثوى له.
والمعتزلة يرون أن الله لا يفعل القبيح بمعنى أنه لا يضل من يشاء، وأهل السنّة والجماعة يرون أن الله تعالى: لا يفعل القبيح بمعنى أنه لا يفعل القبيح المجرد الذي لا منفعة فيه ولا حكمه من وراءه البتة، ويرون أنه سبحانه حتى في إضلاله لمن يشاء من عباده فإن في ذلك حكماً عديدة يطلع البشر على بعضها وعلمها كاملاً عند الله تعالى، وكذلك فإنه ليس من الحكمة أن تسوى بين المجرمين والمهتدين وبين المؤمنين والفاسقين {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]، وهذا من جانب الاستدلال على ضلالهم في المسألة، أما قولهم هذا فهو مخالف نص القرآن الكريم مخالفة صريحة فهم يقولون – أضلهم الله – لا يقدر الله على هداية عبد متى شاء الضلال ولا يضل الله عز وجل أحداً لأنه لا يفعل القبيح، والقرآن الكريم ينص على خلاف قولهم بقوله تعالى: في سورة الكهف: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف:17] وقوله تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 88] وقوله تعالى: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] وقوله تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 178]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 33]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ،} [الشورى: 44]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى: 46]، وقوله تعالى: {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} [الزمر: 37]، …، إلى غير ذلك من آيات عديدة تدل صراحة ونصاً عند المعتزلة (والذي يسمونه العدل) هو غاية الجهل بصفات الله عز وجل وأنهم راموا نفي شبهة الجور عن الله تعالى: وسلبوا عنه كمال القدرة تعالى: الله عما يقولون وعما يظنون علوا كبيراً.
وبقي قولهم أن الله تعالى: يجب عليه فعل الأصلح دائماً وإلا كان ظالماً للعباد لأنه لم يفعل ما فيه اللطف بهم والصلاح لحالهم، وهذا أيضاً من تلبيسهم الحق بالباطل فهم يرمون من هذا الأصل التحكم في أفعال الله تعالى: بمحض عقولهم وإيجابهم عليه – سبحانه – ما يرونه الأصلح لهم وهذا من ضلالهم لأنهم يستنبطون منه أنه يجب على الله أن يفعل بالعباد ما يختارون به الإيمان على الكفر والهداية على الضلال، وأهل السنّة والجماعة يرون أن اللطف بالعباد واختيار الأصلح لهم هو محض تفضل يتفضل به الله تعالى: على من يشاء من عباده، ومعناه التوفيق إلى الهداية والإيمان، وليس هو من باب الواجب على الله، لأنهم – أي أهل السنّة – لا يتقدمون بين يدي الله ورسوله فلا يوجبون على الله تعالى: إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه تفضلاً منه ورحمة، ولو كان كما يقول المعتزلة لكان كل البشر مهتدين لأن الله عز وجل قال: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا،} [يونس: 99]، إذ لوجب على الله أن يهدي أولئك جميعاً لأنه الأصلح لهم، وفي هذا القول من الضلال ومخالفة الحكمة الشيء الكثير ولولا أن الرسالة ليس هذا مجالها لتوسعنا في بيان ضلالهم في هذه المسألة والذي منشأه يقيناً عندهم تقديمهم العقل على الكتاب والسنّة وتقريرهم مسائل الاعتقاد وما يجب على الله وما لا يجب بمحض عقولهم القاصرة وأهوائهم الضالة المنحرفة.
[الأصل الثالث]: يسمونه الوعد والوعيد: وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء، ونفي لعفو الله عز وجل لعباده العاصمين لأصحاب الكبائر من أمة النبي صلى الله عليه وسلم. [الأصل الرابع]: يسمونه المنـزلة بين المنـزلتين: وهو في حقيقته نفي مطلق الإيمان عن أصحاب الكبائر وجعلهم في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة، ومن ثم مضاهاة الخوارج في الحكم عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين، ولهم في هذا الأصل ضلالات تتعلق بمسائل الإيمان والكفر أرجأت الحديث عنها إلى مبحث ضلالات المعتزلة في مسائل الإيمان والكفر. [الأصل الخامس]: يسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر، وهو في حقيقته تهيئة الأجواء للخروج على الحاكم المسلم العاصي أو الفاسق وإثارة الفوضى والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين، وذلك لأنهم يرون الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين، وأهل السنّة والجماعة يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه الشرعية منها أنه لا يجوز إنكار المنكر إذا كان يعقبه منكر أكبر منه، وكذلك فإن حد إنكار المنكر هو تغييره باليد دون استعمال السيف، والسيف عندهم لا يستعمل إلا بضوابط عديدة تضمن صحة تغيير المنكر وإلا فتركه أولى من تغييره، والمعتزلة لا يفرقون في قتالهم بين الفاسق والكافر بخلاف أهل السنّة فإنهم يفرقون بين الفاسق والكافر، بل ويجعلوه في إطار الإسلام ما كان فسوقه لم يخرجه من إطار الملة إلى الكفر بناقض ينقض أصل إيمانه.،***
المبحث الخامس أصول البدع الضالة عند المرجئة
[المفتاح الأول]: من هم المرجئة: (الإرجاء): في اللغة: معناه التأخير، أرجأ الشيء أي أخره ومنه قوله تعالى: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} [الأعراف: 111]، وقوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 106]، و(الإرجاء): في الاصطلاح: هو صفة وعلامة على فرقة ضالة في الاعتقاد وهي المرجئة وإرجاء هؤلاء معناه تأخير العمل عن مسمى الإيمان، فلا يجعلون الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، و (المرجئة): لهم مقالات تدل على إهمال قيمة عمل الجارحة بالكلية منها قول بعضهم (لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة)، وقول بعضهم (المعصية لا تضر صاحب التوحيد) وقول بعضهم (لا يدخل النار مؤمن) ويقصدون بالمؤمن كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها مهما أتى من الذنوب والآثـام.
وأهل السنّة يقولون لا يخلد في النار مؤمن، والفارق بينهما عظيم فالمرجئة يقولون بعدم دخوله النار ابتداءً وهذا إهمال عظيم لعمل الجوارح وإهدار عظيم للطاعات واستهتار واضح بالمعاصي والذنوب، أما أهل السنّة فيقولون بأنه في المشيئة ويدخل فريق منهم النار يقيناً لأنه قد صحت بذلك الآثار، ويمكثون في النار ما شاء الله، ويقولون غمسة في النار لا تساويها الدنيا بأسرها بنعيمها ولذاتها، إلا أن أهل التوحيد لا يخلدون في النار خلود الكفار الجاحدين المكذبين، وغالب فرق الإرجاء ينفون وجود مكفرات من الأعمال، فسب الله عندهم ليس بكفر إلا إن صاحبه استحلال، وكذلك قتال الأنبياء وقتلهم والسجود للأصنام وإلقاء المصاحف في الحشوش، فيقولون ليست هذه الأعمال كفراً حتى يصاحبها استحلال، وليست كذلك عند أهل السنّة لأنهم يقولون إنها لا تصدر إلا مع انتفاء عمل القلب من الانقياد والتعظيم ولا تصدر بقصد إلا من كافر، ولا يلزم معها استحلال لأنها ملازم لها لا ينفك عنها بحال.
[المفتاح الثاني]: درر من أقوال العلماء في بيان حد الإرجاء: (الدرة الأولى): أخرج اللاكائي بسنده عن وكيع يقول ” أهل السنّة يقولون الإيمان قول وعمل والمرجئة تقول الإيمان قول بلا عمل والجهمية يقولون الإيمان المعرفة ” أهـ، ([65]). والمستفاد منها: أن من قال أن الإيمان قول وعمل فهو من أهل السنـة، وأن من قال الإيمان قول بلا عمل فهو من المرجئة، وأن من قال الإيمان مجرد المعرفة فهو جهمي، و(الدرة الثانية): قال وكيع رحمه الله: ” المرجئة يقولون: الإيمان قول بلا فعل و هذا بدعة ” أهـ، [خلق أفعال العباد ص 34] والمستفاد منها: أنّ المرجئة يهملون قيمة أعمال الجوارح وهذا بدعة، و(الدرة الثالثة): أخرج الآجري بسنده عن نافع بن عمر القرشي، قال: كنا عند ابن أبي مليكة فقال جليس له يا أبا محمد إن ناساً يجالسونك يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل، فغضب عبد الله بن أبي مليكة فقال: .. أفجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان لا، ولا كرامة ولا حباً، قال نافع: قد رأيت فهدان كان رجلاً لا يصحو من الشراب ” أهـ، ثم علق الآجري على قول ابن أبي مليكة بقوله: ” من قال هذا فلقد أعظم الفرية على الله عز وجل وأتى بضد الحق وبما ينكره جميع العلماء، لأن قائل هذه المقالة يزعم أن من قال لا إله إلا الله لم تضره الكبائر أن يعملها ولا الفواحش أن يرتكبها وأن عنده: أن البار التقي الذي لا يباشر من ذلك شيئاً والفاجر يكونان سواء وهذا منكر، قال الله عز وجل {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] وقال عز وجل {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] فقال لقائل هذه المقالة المنكرة يا ضال يا مضل إن الله عز وجل لم يسو بين الطائفتين من المؤمنين في أعمال الصالحات حتى فضل بعضهم على بعض درجات قال الله عز وجل {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10] فوعدهم الله عز وجل كلهم الحسنى بعد أن فضل بعضهم على بعض … وكيف يجوز لهذا أن يسوي بين إيمانه وإيمان جبريل وميكائيل ويزعم أنه مؤمن حقاً ” أهــ ([66]).
والمستفاد من هذه الدرة: أن المرجئة يزعمون أن إيمان مدمن الخمر كإيمان الملائكة بل كإيمان جبريل وميكائيل، وأن المرجئة يزعمون أن من قال لا إله إلا الله لا تضره الكبائر أبداً، و (الدرة الرابعة):أخرج اللالكائي بسنده عن سفيان الثوري قال: ” اتقوا هذه الأهواء فقيل له: بين لنا رحمك الله فقال سفيان: أما المرجئة فيقولون الإيمان كلام بلا عمل، من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فهو مؤمن مستكمل الإيمان، إيمانه كإيمان جبريل والملائكة، وإن قتل كذا وكذا مؤمن، وإن ترك الغسل من الجنابة، وإن ترك الصلاة وهم يرون السيف على أهل القبلة ” أهـ ([67]).
والمستفاد منها: أن المرجئة يهملون قيمة العمل تماماً والمعاصي لا تضر مع الإيمان شيئاً كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وأنهم لاستهتارهم بالمعصية واستخفافهم بها يرون السيف على أهل القبلة لأن سفك الدماء عندهم من باب المعاصي وهي عندهم لا تضر الإيمان شيئاً، و (الدرة الخامسة):قال محمد بن الحسين الآجري:” احذروا رحمكم الله قول من يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل ومن يقول: أنا مؤمن عند الله، وأنا مؤمن مستكمل الإيمان هذا كله مذهب الإرجاء” أهــ([68]).
ومنه نعلم: أن المرجئة يقولون إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل، ويقولون كذلك نحن مؤمنون عند الله، ويقولون نحن مؤمنون مستكملون للإيمان، ومن قال بذلك كله فهو مرجئ على مذهب الإرجاء
[المفتاح الثالث]: (أقسام المرجئة): (القسم الأول): من المرجئة: وهم الجهمية الغلاة: وهم الجهمية وسيأتي بيان حالهم، والجهمية يزعمون أنّ الإيمان هو المعرفة، وانه محصور في القلب لا يتعداه إلى أعمال الجوارح، ثم أخرجوا منه أعمال القلوب كالانقياد، ثم بلغ بهم الغلو أن حصروه في مجرد المعرفة القلبية، ولازم هذا القول الفاسد أن إبليس اللعين مؤمن لأنه عارف بربه، وكذا اليهود والمشركون الذين عرفوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يخبر به، ولكنهم كذبوه حسداً وبغياً وكبراً.
و(القسم الثاني): من المرجئة: وهم عامة فرق المرجئة: وهؤلاء يدخلون أعمال القلوب في مسمى الإيمان، ولهذا فليسوا من غلاة الإرجاء (الجهمية) ألا إنهم يخرجون أعمال الجوارح كافة عن مسمى الإيمان، وخلافهم مع أهل السنّة حقيقي لكونهم يهملون قيمة عمل الجوارح بالكلية ولهم في ذلك مقالات شنيعة جعلت السلف يحذرون منهم ويقولون فيهم مقالات شديدة، فمن مقالاتهم الشنيعة: قولهم (من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل والملائكة وإن قتل كذا وكذا وإن ترك الغسل من الجنابة وإن ترك الصلاة) ([69]).
وقولهم “لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة “وقولهم ” ما دون الشرك مغفور لا محالة وأن العبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات “([70]).
وقولهم ” إن الله لا يعذب الفاسقين من هذه الأمة ” أهـ([71]). وقولهم ” لا يدخل النار إلا الكفار فحسب ” ([72]). وقولهم ” من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة إذا مات وإن زنى وإن سرق وشرب الخمر وقذف المحصنات وترك الصلاة والزكاة والصيام إذا كان مقراً بها لم يضره وقوعه على الكبائر وتركه للفرائض وركوبه الفواحش ” ([73]).
ومقصدهم من ذلك عدم دخول النار ابتداءً فالنار محرمة عليهم ولا تمس أجسادهم قط، ” قلت “ وبعد جمع أقوالهم الشنيعة في الإيمان أرجو أن تكون الصورة قد اكتملت تجاه هؤلاء الذين يهدرون تماماً قيمة عمل الجارحة وقيمة الطاعة ويستخفون تماماً بالمعاصي والآثام والذنوب وهم مع ذلك يجزمون لأنفسهم بكمال الإيمان فنعوذ بالله من البدعة والضلالة.
[المفتاح الرابع]:أصول الضلال التي قام عليها الإرجاء الحقيقي:
[الأصل الأول]: الإيمان أصله وفرعه وجميعه لا يخرج عن القلب ولا يتعداه إلى الجوارح وأعمال الجوارح ليست من الإيمان، وإن نسبت إلى الإيمان فهي نسبة مجازية وليست حقيقية لأن الإيمان في القلب لا يتعداه إلى غيره، وهذا الأصل يكاد يجمع غالب فرق المرجئة، وأدلتهم على هذا القول، هو فهمهم الخاطئ والقاصر تمثل قوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ،} [المجادلة: 22] وقوله تعالى: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ،} [النحل:106] وقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89] – وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ،} [الحجرات: 14].
فظنوا من هذه الآيات الكريمات أنها قصرت الإيمان على القلب فلا يتعداه إلى غيره، وكذلك فهموا من مثل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ،} [البقرة: 7] وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 101] وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35]، ومن فهمهم القاصر للآيات، فقالوا الإيمان لا يتعدى القلب وكذلك الكفر لكونه نقيض الإيمان، واستدلوا لهذا الفهم القاصر تمثل قوله – صلى الله عليه وسلم ((التقوى هاهنا ونشير إلى صدره ثلاث مرات)) ([74]) .وقوله صلى الله عليه وسلم ((اللهم ثبت قلبي على دينك)) ([75]) .وقوله – صلى الله عليه وسلم في أحاديث الشفاعة ((فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل)) ([76]) . فقالوا الإيمان محله القلب لا يتعداه إلى أعمال الجوارح، وهنا خطأ منهم وقصور في فهم الإيمان، فالآيات والأحاديث السابقة ليس المراد منها إخراج العمل وإغفال عن الإيمان ولا تدل عليه بل غاية ما فيها التركيز على أهمية الإيمان القلبي وكونه بمثابة الأصل الذي يتفرغ منه أعمال الإيمان الخاصة بالجوارح، وبمثابة المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله.
فإذا ضممنا إلى هذه الأدلة أدلة أخرى من الكتاب والسنّة تدل على دخول أعمال الجوارح في الإيمان علمنا أن إيمان القلب هو الأصل وإيمان الجوارح هو الفرع الذي يستمد من هذا الأصل، وكلاهما يطلق عليه إيمان ولهذا أجمع السلف على أن الإيمان قول وعمل، وقد تقدمت أدلة الكتاب والسنّة الدالة على دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان وكما ذكرت فهناك فرق عظيم عند أئمة أهل السنّة والجماعة المحققين بين مسمى الإيمان (الإيمان المطلق) وبين أصله وحده الأدنى (مطلق الإيمان) الذي لا يصح الإيمان إلا به، فأهل السنّة والجماعة يجلعون أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان خارجة عن أصله ولهذا قالوا القول والاعتقاد ركنان للإيمان في أصله وأعمال الجوارح ركن كمال للإيمان يدخل في الإيمان الواجب ولا يدخل في الأصل الفارق بين الإيمان والكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الكافرين.
وهذا الفهم الصحيح والدقيق لموازين عناصر الإيمان هو الذي ميز الفرقة الناجية عن فرق الضلال، فالجهمية: أخرجوا العمل بجملته (عمل القلب وعمل الجوارح) عن الإيمان بالكلية وجعلوا المرء مؤمناً كامل الإيمان بدون انقياد القلب وإذعانه بل بمجرد المعرفة فجاءوا بأشنع الأقوال، والمرجئة أخرجوا عمل الجوارح عن الإيمان وجعلوا المرء مؤمناً كامل الإيمان وهو لا يعمل بجوارحه خيراً قط.
والخوارج المعتزلة أدخلوا عمل الجوارح في أصل الإيمان وكفروا الأمة بالذنوب والمعاصي، وأهل السنّة المحققين أدخلوا عملوا الجوارح في مسمى الإيمان وأخرجوه عن أصله فكانوا الأمة الوسط الذين أعطوا كل شيء حقه وكل حكم حده وكل عنصر قدره، فالأصل اعتقاد وإقرار وضده الكفر الأكبر والفرع ما زاد على الأصل من أعمال الإيمان وضده الكفر في إطار الملة أو الفسوق والعصيان على حسب التفريط والتقصير، فلم يفرطوا تفريط الجهمية ولا المرجئة الذين أهدروا قيمة العمل بالكلية وجعلوا الفاسق مؤمناً كامل الإيمان، ولم يغالوا غلو المعتزلة والخوارج الذين لم يفهموا موازين الشريعة الحكيمة فكفروا الأمة بالذنوب والآثام.
[الأصل الثاني]: الخطأ في فهم الإيمان وظنهم أنه حقيقة واحدة لا تقبل التجزئة فإما أن توجد وإما أن تنتفي ولهذا جردوه عن الأعمال وقالوا لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وعارضوا بهذا الأصل العقلي القاصر النصوص الصريحة الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه والدالة على أن للإيمان شعب ومراتب وأن للإيمان منازل ودرجات، ومن هذه الآيات الدالة على أن الإيمان يزيد وينقص قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الانفال:2]، وقوله تعالى: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، ومن النصوص الدالة على شعب الإيمان وتفاوتها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون جزء أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) ([77]) . ومن النصوص الدالة على تفاوت درجات الإيمان: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)) ([78]). والأدلة على ذلك مستفيضة.
[الأصل الثالث]: إهمال قيمة عمل الجوارح بالكلية وعدم الاعتداد به، وبالتالي فالنتيجة الحتمية لذلك هي إهمال أداء الواجبات وإهمال قدرها، والاستهانة بالمعاصي والاجتراء عليها، وقد بدا هذا الخلل العظيم واضحاً في مقولات المرجئة: فمنهم من يقول: (الفاسق مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كجبريل وميكائيل وإن لم يعمل واجباً قط وإن لم يدع كبيرة قط)، ومنهم من يقول: (فساق أهل القبلة لا نطلق عليهم اسم الفسوق ولكن نقول فسق في كذا وكذا)، ومنهم من يقول: (لا يدخل من أهل التوحيد أحد النار أبداً)، ومنهم من يقول: (النار محرمة على أهل لا إله إلا الله)، وهكذا من الأقوال التي يبدو فيها الخلل واضحاً في إهمال قيمة الطاعات وأداء الواجبات والكف عن المحرمات، وهذا الأصل العظيم من أصول الضلال عند جمهور المرجئة هو الذي أخرج الحنفية والماتريدية من دائرة الإرجاء الحقيقي إلى دائرة الإرجاء الصوري، وذلك لأنهم مع إخراجهم عمل الجارحة من مسمى الإيمان وقول بعضهم أنه لا يزيد ولا ينقص إلا أنّ كلامهم كله كان على أصل الإيمان وهذا كمثل (النصاب) لا يزيد ولا ينقص، كما أنهم مجمعون على أهمية عمل الجارحة وعلى ضرورة أداء الواجبات والكف عن المحرمات وأن العاصي فاسق مستحق للوعيد بالنار وأن بعض أهل القبلة يدخلون النار يعذبون فيها وأن الطاعات تزيد في الدرجات في الجنة وأن المعاصي تنقص من هذه المنازل بل وتعرض صاحبها للوعيد بالنار، وهذا هو قول أهل السنّة قاطبة فالخلاف صار بينهم صوري محض وبينهم وبين المرجئة حقيقي واضح.
[الأصل الرابع]: زعمهم أنه ما دام الإيمان في القلب فلا يكفر صاحبه مهما أتى به من أعمال الكفر الظاهرة، فمن سجد للصنم أو سب الدين أو استهان بالدين أو أهان المصاحف فهذه الأعمال عندهم لا تضر صاحبها وهو مؤمن كامل الإيمان ما كان في قلبه التصديق وعلى لسانه الإقرار..
[المفتاح الخامس]:غلو بعض المعاصرين في فهم حدود الإرجاء وأثر ذلك الخطير على العقيدة: فقد أبتلينا هذا الزمان بطائفة من المعاصرين الذين لم يحققوا مسائل الإيمان والكفر ولم يضبطوا أحكامهما ولم يعرفوا قواعدهما على منهاج المحققين من علماء أهل السنّة فصاروا يظنون كل من قسم الإيمان إلى أصل وفرع مرجئ، وكل من حقق عناصر الأصل وأخرج أعمال الجوارح عنها إلى الإيمان الواجب مرجئ، وكل من تردد في كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر مرجئ دخل عليه الداخل الذي دخل على المرجئة، وكل من قال الكفر الأكبر كفر اعتقاد وما كان من الأعمال كفراً فلدلالته على كفر القلب مرجئ.
ومن هؤلاء الدكتور سفر الحوالي من علماء الدعوة النجدية، في كتابه (ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي) اتهم فيه غالب علماء الامة بالإرجاء، وهؤلاء المغالين في فهم الإرجاء، لم يفلت من الإرجاء عندهم أحد فالمالكية والشافعية والاحناف مرجئة لأنهم فرقوا بين ترك الصلاة جحداً وتركها تكاسلاً وجعلوا الأول مخرج من الملة وهذه عند هؤلاء المعاصرين فروع فاسدة لم يتكلم فيها الصحابة في ظنهم ولم يعلم هؤلاء المساكين أن هذا هو صريح أدلة الكتاب والسنّة وأن الجمع بين النصوص المتعارضة هو هدى الفقهاء العلماء من أهل السنّة وأنهم جمعوا بين قوله – صلى الله عليه وسلم – ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) وبين قوله – صلى الله عليه وسلم – ((خمس صلوات افترضهن الله على العباد … من أتى بهن … ومن لم يأت بهم لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة)) ولا يكون تحت المشيئة إلا مؤمن، (الشاهد) كل من فرق في الصلاة بين الجاحد والمتكاسل عند هؤلاء الغلاة مرجئة، والحنابلة قسمان قسم على شاكلتهم نجا من الإرجاء – في اعتقادهم- وهم أقل الحنابلة لأن الرواية الصحيحة عندهم والتي صححها وذكرها المرداوي وابن قدامة وابن بطة وغيرهم هو التفريق والقسم الثاني دخل عليه الداخل من الإرجاء، أما الأحناف فهم عندهم – ولا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون فهم أخبث المرجئة وأما الأشاعرة والماتريدية – مع أن قولهم في الإيمان هو محض قول المحققين الفقهاء من أئمة أهل السنة.
وبالتالي فإنّ نسبة العلماء الذين اتهموهم بالإرجاء لا تقل نسبتهم عن 99 ٪ من أمة الإسلام في الإرجاء وهكذا اتهموا في زماننا هذا كل مخالف لهم بالإرجاء حتى أنه إذا ألف أحدهم مؤلف تجده لا تخلو صفحة من مؤلفه من ذكر الإرجاء ووقوع الأمة من براثنه واستفحال أمره ووقوع أكثر العلماء فيه، ومنهم من يتعدى اتهام الأمة بالإرجاء إلى التجهم فهذا مرجئ خبيث وهذا جهمي جلد وهكذا، ولا يدري هؤلاء المساكين أن سواد أهل السنّة الأعظم بحمد الله بعيد عن الإرجاء وأنهم هم الثلة القليلة التي دخل عليها داخل الغلو الذي دخل قبلهم على الخوارج والمعتزلة، يرون أنهم المؤمنون الخلص ولا يدرون أنهم أبعد الناس عن الفقه في دين الله يخلطون الترغيب والترهيب بباب الأحكام والإفتاء والقضاء، والحمد لله عز وجل أن جعل ولاية الإنذار إلى الفقهاء لا إلى العباد والجهال {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] وحديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – وهو في الصحيحين ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) ([79]).
ولعل حال هؤلاء هو الذي دعاني بالضرورة إلى تأصيل هذه المسائل في الإيمان والكفر.
المبحث السادس أصول البدع الضالة عند الجهمية
[المفتاح الأول]: الجهمية: هم أتباع الجهم بن صفوان وهو ضال مبتدع قال عنه الذهبي ” هلك في زمان التابعين وما علمته روى شيئاً، لكنه زرع شراً عظيماً ” أهـ([80]).
والذي يهمنا من الجهمية هو قولهم الضال في مسائل الإيمان، فكما أن الخوارج والمعتزلة غالوا في مسائل الإيمان حتى كفروا أهل القبلة، فالجهمية على النقيض فرطوا وقصروا حتى قالوا أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط وكل عارف بالله فهو مؤمن، وأن الكفر بالله هو الجهل بالله فقط، وأن من عرف الله بقلبه فهو مؤمن كامل الإيمان لا تضره مع معرفته شيئاً من المعاصي والآثام كما لا ينفع مع الكفر شيئاً من الأعمال والطاعات، وهذا هو مقصودنا من هذه الرسالة: بيان ضلالهم في مسائل الإيمان والرد على تلك الضلالات، ولكن ذلك لا يمنع من معرفة شيئاً موجزاً عن أهم ضلالات هذه الفرقة الضالة في مجال الاعتقاد.
[المفتاح الثاني]: إشارة إلى الجهمية وبيان لأهم ضلالاتها: قال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله: ” ذكر قول الجهمية ما تفرد به جهم: الذي تفرد به جهم القول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل بالله فقط، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك وزالت الشمس، وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله – سبحانه ! – إلا أنه خلق للإنسان قوة كان بها الفعل، وخلق له إرادة للفعل واختياراً له منفرداً بذلك، كما خلق له طولاً كان به طويلاً، ولوناً كان به متلوناً، وكان جهم ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقتل ” جهم ” بمرو، قتله مسلم بن أحوز المازني في آخر ملك بن أمية ويحكي عنه أنه كان يقول: لا أقول إن الله – سبحانه! – شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء، وكان يقول: إن علم الله – سبحانه ! – محدث، فيما يحكي عنه، ويقول بخلق القرآن، وأنه لا يقال: إن الله لم يزل عالماً بالأشياء قبل أن تكون ” أهـ([81]).
وقال الشهرستاني رحمه الله: ” الجهمية: أصحاب جهم بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة، ظهرت بدعته بترمذ، وقتله مسلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء، منها قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى: بصفة يوصف بها خلقه لأن ذلك يقضي تشبيهاً فنفى كونه حياً عالما، وأثبت كونه قادراً، فاعلاُ، خالقاً، لا يوصف شيء من خلق بالقدرة والفعل والخلق، ومنها إثباته علوماً حادثة للباري تعالى: لا في محل، قال: لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه، لأنه لو علم ثم خلق، أفبقي علمه على ما كان أم لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل، فإن العلم سيوجد غير العلم بأن قد وجد، وإن لم يبق فقد تغير والمتغير مخلوق ليس بقديم، ووافق في هذا المذهب هشام بن الحكم كما تقرر، قال: وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو: إما أن يحدث في ذاته تعالى:، وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته، وأن يكون محلاً للحوادث، وإما أن يحدث في محل فيكون المحل موصوفاً به لا الباري تعالى:، فتعين أنه لا محل له، فأثبت علوماً حادثة بعدد الموجودات المعلومة، ومنها قوله في القدرة الحادثة: إن الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعـة، وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى: الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازاً كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس، وغربت، وتغيمت السماء وأمطرت، واهتزت الأرض وأنبتت إلى غير ذلك، والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر.
قال: وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضاً كان جبراً، ومنها قوله: إن حركات أهل الخالدين تنقطع، والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها، وتألم أهل النار بجحيمها، إذ لا تتصور حركات لا تناهي آخراً، كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولاً، وحمل قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا} على المبالغة والتأكيد دون الحقيقة في التخليد، كما يقال خلد الله ملك فلان، واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 108] فالآية اشتملت على شريطة واستثناء، والخلود والتأييد لا شرط فيه ولا استثناء، ومنها قوله: من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده، لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد، فهو مؤمن، قال: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى عقد، وقول وعمل، قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الانبياء، وإيمان الأمة على نمط واحد، إذ المعارف لا تتفاضل، وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه، ونسبته إلى التعطيل المحض، وهو أيضاً موافق للمعتزلة في نفي الرؤية وإثبات خلق الكلام وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود السمع ” ([82]).
[المفتاح الثالث]: وعلى ذلك يمكن تلخيص أهم ضلالات الجهمية في هذه الأصول الضالة: (الأصل الأول): تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل، و (الأصل الثاني): القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر، و (الأصل الثالث): القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة، و (الأصل الرابع): القول بفناء الجنة والنار، و (الأصل الخامس): إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى: وعذاب القبر.
فأما الأصل الأول: (تعطيل أسماء الله عز وجل وصفاته) فحجتهم فيه أن وصف الله تعالى: بصفات موجودة في المخلوق توجب التشبيه فينبغي نفي كل صفة نسبت إلى الله تعالى، ومن هذا الباب عطلوا جميع الصفات دون استثناء وذلك لأن الإنسان وهو مخلوق موصوف بالحياة والعلم والسمع والبصر والكلام وغيرها من الصفات، وقد تقدم الرد على ضلالاتهم في الكتاب الأول، مفاتيح علم التقديس.
وأما الأصل الثاني (قولهم بالجبر) فحجتهم فيه أنهم يثبتون لله عز وجل القدرة التامة وأن إثبات القدرة التامة يستلزم الجبر في أعمال الإنسان وأنه مجبور على عمله لا خيار له فيه وعمله بمثابة طوله ولونه وبمثابة حركة الجمادات والنباتات، وأي عاقل سمع كلامهم هذا علم أنه إذا عوقب الإنسان على عمله الرديء وهو لا دخل له فيه البته أن هذا ظلم يتنزه الله تعالى: عنه، فكأنهم إذا جاءتهم الشبهة من باب القدرة نسبوا إلى الله تعالى: الظلم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وأهل السنّة يقولون أن للإنسان مشيئة وإرادة واختيار، وكل منا يعلم من نفسه ذلك، فهل القيام بعمل من أعمال الطاعة أو المعصية يشبه رعشة العضلات اللاإرادية أو دقات القلب اللاإرادية دون دخل من الإنسان هذا لا يقوله منصف ولا عاقل، ولكن إرادة الإنسان واختياره داخل ضمن تقدير الله ومشيئته وإرادته، ويجمع الأمرين قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] فأثبت القرآن الكريم المشيئتين بصورة نؤمن بها تثبت لله القدرة التامة والعدل التام والمسئولية الكاملة للإنسان على أفعاله وتصرفات، ثم الجهمية يدخلون من باب الجبر إلى الاحتجاج على الله عز وجل بالمعاصي والذنوب لأنهم يقولون إذا كان الإنسان مجبوراً على عمله فما ذنب ارتكابه الكبائر وهو مجبور عليها، ويلزمهم في ذلك أنه ما ذنب الكافر في وقوعه في الكفر وهنا ينفرط عقد الإيمان بل عقد الملة بأسرها فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما الأصل الثالث: (ضلالهم في مسائل الإيمان والكفر): فالجهميـة من أشـد الفرق ضلالاً وتفريطاً في حق مسائل الإيمان والكفر، وذلك بانهم قالوا: الإيمان هو المعرفة بالله فقط ومن عرف الله بقلبه فهو مؤمن، والكفر هو الجهل بالله فقط، ومن أتى بالمعرفة القلبية فهو مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل وكإيمان الأنبياء والمرسلين، ومن أتى بالمعرفة والإقرار فلا يضره شيء البتة كما لا ينفع مع الكفر طاعة البتة، وقد مر بنا فيما مضى ضلال تلك الأصول بما يغني عن الرد عليها، والله المستعان.
وأما (الأصل الرابع): القول بفناء الجنة والنار، فإنّه قد دلت الآيات على بقاء الجنّة والنار، منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: 57]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]،.
وأما (الأصل الخامس): إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى وعذاب القبر، فهذا من الضلال المتعلق بعدم الأخذ بأحاديث الآحاد فيما لا تعارضه أدلة النقل والعقل، ولا يُخالف قواعد التقديس،
***
المبحث السابع أصول البدع الضالة عند الشيعة
[المفتاح الأول]: بدايات ظهور التشيع: (الشيعة): في اللغة: هم أنصار الرجل وأتباعه، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة) ([83]). وقال الزبيدي: (كل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو شيعة له، وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة) ([84]). قال الفيروز أبادي: (وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علياً وأهل بيته، حتى صار اسماً لهم خاصاً) ([85]).
ولم يكن استعمال هذه اللفظة في العصر الأول من الإسلام إلا في معناه اللغوي والدليل على ذلك أنّه عند اختلاف معاوية رضي الله عنه مع الإمام علي رضي الله تعالى عنه بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه، كان يقال عن أنصار أمير المؤمنين علي رضي الله عنه شيعة الإمام علي، وكان يُقال لأنصار معاوية شيعة معاوية وهم من يرون أحقية معاوية في الطلب بدم عثمان.
ولسنا الآن بصدد دراسة الفتنة وبيان أسباب الحرب التي دارت بين الإمام علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عن الصحابة أجمعين، ولكننا نريد أن نبين هنا أن فئتين عظميتين من المسلمين ـ كما عبر عنها الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام في مدحه الحسن رضي الله عنه، انحاز كل واحدة منهما إلى جانب وشايعت وناصرت من رأوا الحق معه فسميت كل طائفة من هاتين الطائفتين شيعة علي وشيعة معاوية ولم يكن الخلاف بينهما إلا خلافاً سياسياً محضاً فطائفة كانوا يرون علياً رضي الله عنه خليفة صاحب حق شرعي حيث انعقدت له الخلافة بمشورة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، وطائفة كانوا يرون انه لابد من الثأر لدم عثمان وانّ أحق الناس بالمطالبة بدم عثمان هو معاوية بن أبي سفيان، وذلك لقرابته من الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، والامام علي رضي الله عنه آنذاك لم يستتب له أمر جيشه وذلك لكثرة الغوغاء والسفهاء فيه فكان يريد المهلة حتى يستتب له الأمر ثم يأخذ بدم عثمان، ولكن معاوية لم يمهله وأصر على طلبه لدم الخليفة عثمان رضي الله عنه وقد كان له وجه اجتهاد ولكنه اجتهاد خاطئ وبغي على الإمام الحق، والحق كان أقرب إلى الإمام علي رضي الله عنه، وظل الخلاف حتى كانت موقعة صفين وكان فيها ما كان.
وأدنى الطائفتين وأقربهما إلى الحق طائفة الإمام الراشد على رضي الله عنه، والبغي من نصيب الطائفة الأخرى، وللصحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم حُرمة عظيمة، لا يتعداها إلا جريء ضال، وجميعهم أكابر وأخطاؤهم مغمورة في بحر حسناتهم، ولا يحق لمن جاء بعدهم إلا ما جاء في قوله تعالى – بعد ذكر فضائل المهاجرين والأنصار -: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }
وهكذا وجدنا الإمام علي رضي الله عنه بين تأديب السفهاء والقصاص لدم عثمان رضي الله عنه وبين المطالبين بدم الإمام عثمان رضي الله عنه، وهو أشد ما يكون حرصا على وحدة الأمة ووحدة صفوفها، فإذا بالفتنة الحقيقية تطل برأسها متمثلة في ظهور (الخوارج) وخروجهم عليه، وكانت أول فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الخوارج انتقصوا من الإمام علي وكفروه وخرجوا عليه بعد (صفين) محققين ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من خروج هؤلاء الضالين الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وقاتلهم الإمام علي رضي الله عنه وسن للأمة من بعده إحكام التعامل مع هؤلاء، وبحمد الله تعالى قتل الكثير منهم وتحققت على يديه بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الخوارج، وعلى النقيض من هؤلاء الخوارج الذين كفروا الإمام علي واستحلوا دمه، بدأ ظهور الرفض في شيعة الإمام علي رضي الله عنه متمثلا في جماعة عبد الله بن سبأ، وهؤلاء (السبئية) – على النقيض من الخوارج – غالوا في الإمام علي وادعوا له ما ليس من حقه، وما لا يرضاه هو رضى الله عنه لنفسه، وقد ظل الإمام علي رضي الله عنه يبغض هؤلاء وهؤلاء (أي الخوارج والروافض)، ويحمل في قلبه ثقيل هم جمع الأمة ووحدة صفوفها على الحق كما كانت على عهد الخلفاء الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، وظل رضي الله عنه على ذلك حتى تمكن أحد الخوارج المارقين من قتله غدرا وهو في طريقه إلى صلاة الفجر، فرضي الله عنه وأرضاه، ثم بايع أصحابه الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالإصلاح بين فئتين عظيمتين من المسلمين فتنازل بالخلافة للصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وبذلك توحدت الأمة واجتمعت كلمتها وسمي هذا العام بعام الصلح، وبعام الجماعة وكان ذلك عام واحد وأربعين من الهجرة، وكان كل واحد من الحزبين يعتقد بإيمان الآخر وإسلامه ويحب الإصلاح بينهما ويسعى إلى التوافق والتصالح، وعلى ذلك صالح الحسن بن علي معاوية رضي الله عنهم أجمعين وبايعه، على أنه يعمل بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين وأن يؤمن الناس أينما كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن وأن يؤمن شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه في أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم وأخذ على هذه الشروط العهود المغلظة باليمين.
[المفتاح الثاني]:(الشيعة في زمان الإمام علي رضي الله عنه): كان شيعة الإمام علي رضي الله عنه هم أهل الحق لأنه كان على الحق وكان الحق أقرب إليه من كل من خالفوه، وكانت طائفته هم أهل الحق، ولكن كان أول ما ظهر الخلل متمثلا في (السبئية) أتباع عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وقال إن عليًّا عليه السلام أمره بذلك فأخذه عليّ فسأله عن قوله هذا فأقر به فأمر بقتله فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك فصيره إلى المدائن، وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب الإمام علي عليه السلام أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًّا فأسلم ووالى عليًّا عليه السلام وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى عليه السلام بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في علي عليه السلام بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض ولاية علي رضي الله عنه، وأظهر البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان، وقد أورد خبر ابن سبأ كل من ألمّ بتاريخ التشيع وفرقه سواء كان من الشيعة أم من السنة، ([86]) . لقد كان المتشيعون لعلي في هذه المرحلة معتدلين، فلم يكفروا واحداً من المخالفين لعلي رضي الله عنه ولا من الصحابة، ولم يسبوا أحداً، وإنما كان ميلهم إلى علي نتيجة عاطفة وولاء، وقد اشتهر بهذا الموقف جماعة من أصحابه حتى بدأ التشيع بعد ذلك يأخذ جانب التطرف والخروج عن الحق، وبدأ الرفض يظهر وبدأت أفكار ابن سبأ تؤتي ثمارها الخبيثة بعد ذلك متمثلة في ظهور المذاهب المغالية من الشيعة.
[المفتاح الثالث]: (الشيعة أيام الحسن رضي الله عنه): اجتمع شيعة علي رضي الله عنه بعد استشهاده حول ابنه الحسن رضي الله عنه، وجعلوه إمامًا لهم في اليوم الثالث بعد انتقال أبيه من دار الدنيا إلى دار الآخرة، وعند ذاك ظهرت السبئية بكل قوة وأظهروا العقائد التي طالما أخفوها خوفًا من بطش الإمام عليّ رضي الله عنه، وحذرًا من يقظته ومراقبته الأفكار الهدامة ومن يريد بثها في صفوف شيعته، ومعاقبتهم معاقبة شديدة، ولكن لم يكن محاربته إياهم مثل محاربة أبيه، فبدأ السبئية يزرعون بذور الفتنة والفساد ويبثون سموم الخلاف والشقاق والفرقة بكل حرية وانطلاقة، وخاصة بعد أن تخاذل الشيعة عن الحسن وبعد تفرقهم عنه ودخول بعضهم في السبئية وميول بعضهم إلى معاوية والتحاق البعض الآخرين بالخوارج وغيرهم، ولقد صوّر هذه الأحوال شيخ الشيعة المفيد والأربلي الشيعي والمجلسي في كتبهم وهم يذكرون أنه أمر بهم أن ينادى بالصلاة جامعة فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فكان من قوله: (ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرًا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمريّ ولا تردوا علي رأيي غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا) فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل، ثم شدوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عانقه، فبقي جالسًا متقلدًا السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه وأحدث به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده فقال: ادعوا إليّ ربيعة وهمدان فدعوا فطافوا به ودفعوا الناس عنه رضي الله عنه وسار ومعه شوب من غيرهم، فلما مر في مظلم ساباط بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان فأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال الله أكبر أشركت يا حسن! كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم ثم اعتنقه الحسن عليه السلام وخرّا جميعًا إلى الأرض، فوثب إليه رجل من شيعة الحسن – رضي الله عنه – يقال له عبد الله بن خطل الطائي فانتزع المغول من يده وخضخض به جوفه فأكب عليه آخر يقال له ظبيان بن عمارة فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأخذ آخر كان معه فقتل، وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن فأنزل به على سعد بن مسعود الثقفي وكان عامل أمير المؤمنين عليه السلام بها فأقره الحسن عليه السلام على ذلك، واشتغل الحسن عليه السلام بنفسه يعالج جرحه، وازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم له وفساد نيات المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير له واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصته من شيعة أبيه وشيعته، فكتب إلى معاوية في الهدنة والصلح، واشترط عليه أن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق منهم حقه فأجابه معاوية إلى ذلك كله وعاهد عليه وحلف له بالوفاء”([87]). وبعد ان بايع معاوية بالشام اتجه الحسن إلى المدائن، فلم يزل يعالج بها في منزل سعد بن مسعود الثقفي حتى صلحت جراحته ثم انصرف إلى المدينة فلم يزل جريحًا من طعنته كاظمًا لغيظه متجرد طريقه على الشجا والأذى من أهل دعوته حتى توفي رضي الله عنه في آخر صفر سنة سبع وأربعين وهو ابن خمس وأربعين سنة وستة أشهر.
[المفتاح الرابع]: الشيعة أيام الحسين رضي الله عنه: ولما توفي الحسن رضي الله عنه واجتمع الشيعة حول أخيه الحسين رضي الله عنه حدثت حادثة كبيرة، ووقعت كارثة عظيمة، ألا وهي خروج الحسين على يزيد بن معاوية بعد وفاة أبيه وقتله في كربلاء، ونقف برهة يسيرة قبل أن نذكر تفرق الشيعة بعد هذه الكارثة لسرد وبيان تخاذل الشيعة وغدرهم عن الحسين، فلقد ذكر اليعقوبي المؤرخ الشيعي أن يزيد بن معاوية لما تولى الخلافة بعد أبيه كتب إلى عامله بالمدينة الوليد بن عقبة بن أبي سفيان أن يأخذ البيعة من الحسين بن علي رضي الله عنهما ولما طلب الوليد منه ذلك: فخرج الحسين إلى مكة، فأقام بها أيامًا، وكتب أهل العراق إليه، ووجهوا بالرسل على أثر الرسل، فكان من تلك الكتب كتاب هانئ بن أبي هانئ، وسعيد بن عبد الله الخثعمي: “بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي من شيعته المؤمنين والمسلمين، أما بعد فحيّ هلا، فإن الناس ينتظرونك، لا إمام لهم غيرك، فالعجل ثم العجل والسلام” ([88]). ولما تواترت الرسائل وكثرت، واشتد طلب الكوفيين: وجه إليهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب وكتب إليهم، وأعلمهم أنه إثر كتابه، فلما قدم مسلم الكوفة اجتمعوا إليه، فبايعوه وعاهدوه وعاقدوه، وأعطوه المواثيق على النصرة والمشايعة والوفاء ” ([89]). وزاد المفيد: “فبايعوه وهم يبكون، وتجاوز عددهم ثمانية عشر ألفًا”([90]). وبعد أيام وصل إليه من مسلم بن عقيل: “أن لك مائة أله، ولا تتأخر” ([91]). فتحرك نحو الكوفة، فأتاه الحبر البحر عبد الله بن العباس فقال له: كما نقل المسعودي: “يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد العراق، وإنهم أهل غدر، وإنما يدعونك للحرب، فلا تعجل، وإن أبيت إلا محاربة هذا الجبار وكرهت المقام بمكة فاشخص إلى اليمن، فإنها في عزلة، ولك فيها أنصار وإخوان، فأقم بها وبث دعاتك: واكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق أن يخرجوا أميرهم، فإن قووا على ذلك ونفوه عنها، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم، وما أنا لغدرهم بآمن، وإن لم يفعلوا أقمت بمكانك إلى أن يأتي الله بأمره، فإن فيها حصونًا وشعوبًا، فقال الحسين: يا ابن عم، إني لأعلم أنك لي ناصح وعلي شفيق، ولكن مسلم بن عقيل كتب إلي باجتماع أهل المصر على بيعتي ونصرتي، وقد أجمعت على المسير إليهم، قال: إنهم من خبرت وجربت، وهم أصحاب أبيك وأخيك وقتلتك غدًا مع أميرهم، إنك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشد من عدوك، فإن عصيتني وأبيت إلى الخروج إلى الكوفة فلا تخرجن نساءك وولدك معك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه” ([92]).
ويذكر المسعودي: “واتصل خبر مجيء مسلم الكوفة بيزيد فكتب إلى عبيد الله بن زياد بتولية الكوفة؛ فخرج من البصرة مسرعًا حتى قدم الكوفة على الظهر، فدخلها في أهله وحشمه وعليه عمامة سوداء قد تلثم بها، وهو راكب بغلة والناس يتوقعون قدوم الحسين فجعل بن زياد يسلم على الناس فيقولون؛ وعليك السلام يا ابن رسول الله! قدمت خير مقدم، حتى انتهى إلى القصر وفيه النعمان بن بشير، فتحصن فيه، ثم أشرف عليه، فقال: يا ابن رسول الله مالي وما لك؟ وما حملك على قصد بليد من بين البلدان؟ فقال ابن زياد: لقد طال نومك يا نعيم، وحسر اللثام عن فيه، فعرفه، ففتح له، ثم وضع ابن زياد الرصد على مسلم حتى علم بموضعه، وجعل الناس يتفرقون عنه فإذا ليس معه منهم أحد، فبقي حائرًا لا يدري أين يذهب، ولا يجد أحدًا يدله على الطريق فنزل عن فرسه ومشى متلددًا في أزقة الكوفة لا يدري أين يتوجه، حتى انتهى إلى باب مولاة للأشعث بن قيس، فاستسقاها ماء فسقته، ثم سألته عن حاله، فأعلمها بقضيته، فرقت له وآوته، وجاء ابنها فعلم بموضعه، فلما أصبح غدا إلى محمد بن الأشعث فأعلمه، فمضى ابن الأشعث إلى ابن زياد فأعلمه، فقتله ([93]). فلما بلغ الحسين القادسية لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال: أريد هذا المصر، فعرفه بقتل مسلم وما كان من خبره، ثم قال: ارجع، فإني لم أدع خلفي خيرًا أرجوه لك، فهم بالرجوع فقال له أخوة مسلم: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل كلنا، فقال الحسين: لا خير في الحياة بعدكم” ([94]). ثم قال للناس”أما بعد فإنه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر وقد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ليس معه ذمام فتفرق الناس عنه وأخذوا يمينًا وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب الذين اتبعوه إنما اتبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلدًا قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون، ثم سار حتى وصل كربلاء: “فلما كثرت العساكر على الحسين أيقن أنه لا محيص له فقال: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا ثم هم يقتلوننا، فلم يزل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه وكان جميع من حضر مقتل الحسين من العساكر وحاربه وتولى قتله من أهل الكوفة خاصة، فلم يحضرهم شامي”([95]). فلما قُتل الحسين خرجت نساء الكوفة يصرخن ويبكين، فقال علي بن الحسين: هؤلاء يبكين علينا فمن قتلنا؟،”([96]).
لقد كانت فاجعة لا تحتمل، وبدأ التشيع بعدها يحمل الأفكار الغالية، حتى قال بعض الشيعة من هول الصدمة: إن النار محرمة على كل شيعي.
[ المفتاح الخامس]: تطور المذهب الشيعي بعد مقتل الإمام الحسين رضي الله عنه من المعقول إلى اللامعقول: في الصدر الأول في زمان الإمام علي رضي الله عنه كان الشيعة الأوائل يقدمون علياً على عثمان فقط، وكان هذا مقبولا بعض الشيء، لأنّ بعض الصحابة كان يقدم عليا على عثمان، ولكن جمهور الصحابة كان يُقدم عثمان على علي رضي الله عنهم اجمعين، والشيعة آنذاك ما كانوا يجرؤون على تقديم الإمام علي رضي الله عنه على أبي بكر وعمر، لأنّ المتواتر عن علي رضي الله عنه الترضي عنهما والحرص على الاقتداء بهما، وقد كان التشيع آنذاك يعني المناصرة والمتابعة ولا يعني أبدا المخالفة أو المنابذة، أو تضليل الصحابة او تكفيرهم، لكن لم يظل التشيع على حاله المعقول، بل بدا الانحراف تدريجيا، إلى ان وصلنا إلى أقوام ينتسبون إلى التشيع وهم يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان والصحابة أجمعين إلا قليلا، حتى أصبح التشيع قناعاً يتستر به كل من أراد الكيد للإسلام والمسلمين من الأعداء الموتورين، وهؤلاء لا يصح تسميتهم بالشيعة لأنّهم روافض رفضوا الصحابة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وخسروا محبة الإمام علي رضي الله عنه فإنه لا يرضى بما وصل إليه هؤلاء الضالون، يقينا لا يمكن أن نساوي بين مصطلح التشيع أيام السلف وبين مصطلح التشيع اليوم، لأنّ الشيعة في زماننا لا يستحقون وصف التشيع، بل هم الروافض، ولهذا قال الإمام الذهبي في معرض الحديث عمن رمي ببدعة التشيع من المحدثين أيام السلف الأوائل: (إن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى: كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدَّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيِّنة، ثم بدعة كبرى: كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحطّ على أبي بكر وعمر –رضي الله عنهما- والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، وأيضاً فما أسْتَحضِر -الآن في هذا الضرب- رجلاً صادقاً، ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم، والتَّقِّية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟ حاشا وكلا، فالشيعي الغالي في زمان السلف وعُرْفِهم هو: من تكلم في عثمان والزبير، وطلحة، ومعاوية، وطائفة ممن حارب علياً –رضي الله عنه- وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا وعُرْفِنَا هو: الذي يكفِّر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين، فهذا ضال مفتر) أهــ([97]).
ويقول الإمام الحافظ ابن حجر: (والتشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السبُّ أو التصريح بالبغض، فغالٍ في الرفض، وإن اعتقد الرجعة في الدنيا، فأشد في الغلو) أهــ ([98]).
قال رحمه الله في “التهذيب”: (التشيع في عرف المتقدمين هو: اعتقاد تفضيل عليّ على عثمان، وأن علياً كان مصيباً في حروبه، وأن مخالفه مخطئ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أن علياً أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان معتقِد ذلك ورعاً، ديناً، صادقاً، مجتهداً، فلا تُرَدُّ روايته بهذا، لاسيما إذا كان غير داعية، وأما التشيع في عرف المتأخرين: فهو الرفض المحض، (أي السب والشتم)، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي، ولا كرامة) أهـ ([99]).
إنّ التشيع كفرقة ضالة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت طوراً زمنياً، ومرت بمراحل عديدة لكن أصول التشيع الضالة ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي، وأن علياً وصِي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنّ الصحابة سلبوه حقه الذي أعطاه الله تعالى له، وهذا هو أساس التشيع كما يراه شيوخ الشيعة وهو الذي شهدت به كتب الشيعة أنفسهم بأنّ ابن سبأ وجماعته هم أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرحامه وخلفاؤه وأقرب الناس إليه رضي الله عنهم، والطعن في الصحابة الآخرين، وهذه عقيدة الشيعة في الصحابة كما هي مسجلة في كتبهم المعتمدة.
فالبداية سبئية، لا ريب و (عبد الله بن سبأ) هذا اليهودي الزنديق الذي ادعى الإسلام وأسس عقائد الشيعة الروافض، هو أصل التشيع، وهو المؤسس الأول للرفض الذي عليه الشيعة الإمامية اليوم، وهو الذي زعم بألوهية الإمام علي، وامتد التاريخ لتعطي الشيعة الإمامية الأئمة صفات الإلهية، فيقول الخميني: (إن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) ([100]).
ويقول أيضاً: وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل) ([101]).
وإذا كان من بين العقائد التي جاء بها ابن سبأ القول بالوصية والرجعة، وجدنا الشيعة يدينون بها، ففي الأصول: (فكان علي عليه السلام، وكان حقه الوصية التي جعلت له، والاسم الأكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة) ([102]). ويقول الشيعة عن الرجعة: “واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وإن كان بينهم في معنى الرجعة خلاف) ([103]). وإذا كان عبد الله بن سبأ أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم وجدنا كتب الشيعة تمتلئ بسب الصحابة والبراءة من أعمالهم حتى قال شيخهم المفيد: (واتفقت الإمامية والزيدية والخوارج على أن الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام أجمعين كفار ضُلاَّلٌ ملعونون بحربهم أمير المؤمنين (ع) وأنهم بذلك في النار مخلدون) ([104]). وإذا كان القول بالبداء من عقائد السبئية، فإنّ الشيعة أخذوا بهذا القول عنه، حتى عقد الكليني في كتاب التوحيد “باب البداء” وساق فيه من الأخبار: “ما تنبأ نبي قط حتى يقر لله خمس خصال: بالبدأ والمشيئة والسجود والعبودية والطاعة) ([105]). ونقل أيضاً: “لو يعلم الناس ما في القول بالبدأ من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه) ([106]).
وللتاريخ فإنّ الكليني والمفيد وأعلام الإمامية الذين أسسوا للفرقة الإمامية وألفوا فيه الكتب والمجلدات فإنهم جميعا من أعلام السبئية، ومن أتباع الزنديق عبد الله بن سبأ اليهودي المتأسلم، الذي فعل في الإسلام ما فعل أخوه بولس اليهودي في النصرانية، والملاحظ: أنّ المذهب الشيعي غير ثابت، ومن طبيعته أنه يتطور من وقت لآخر، ويتغير من جيل لجيل، حتى أن ما يعتبر غلواً عند الشيعة الماضين فإنه قد يصبح اليوم من ضرورات المذهب، والملفت للنظر هو كثرة هذه الفرق الشيعية، وتعددها بدرجة كبيرة إذ أنّه بعد وفاة كل إمام من الأئمة عند الشيعة تظهر فرق جديدة، وكل فرقة تنفرد ببعض العقائد والآراء عن الطوائف الأخرى، وتدعي أنها هي الطائفة المحقة، ولكن من الملاحظ أنّ الفرقة الإثنى عشرية قد استوعبت جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى.
وقد انحصرت الفرق الشيعية المعاصرة بثلاث فرق، الزيدية والإسماعيلية والإمامية الإثني عشرية، و(الزيدية): أقرب فرق الشيعة إلى مذهب أهل السنّة والجماعة، و(الإسماعيلية): أبعد القوم عن دين الإسلام واكثرهم باطنية خرجوا عن الملة الإسلامية بمكفر من المكفرات، ولذلك عدهم كثير ممن تكلم في فرق المسلمين انهم ليسوا مسلمين، ولا يُعدون من الفرق الإسلامية الضالة أصلا، و(الإمامية) هي أكبر هذه الطوائف الشيعية اليوم عددا، اختلف علماء المسلمين في تقييمهم اشد الاختلاف وذلك لعقيدة غامضة عندهم سموها التقية فيخفون بها ما يبطنون ويظهرون بها خلاف ما يعتقدون فالله أعلم بحالهم ومآلهم لنا الظاهر أنّهم مسلمون ما لم يأت أحدهم بكفر بواح لنا فيه عند الله برهان.
[المفتاح السادس]: الفرقة الأولى من فرق التشيع:[الزيدية]: (الزيدية): هم من أقرب الفرق الشيعية إلى أهل السنّة والجماعة، حيث تتصف بالاعتدال والقصد والابتعاد عن التطرف والغلو الذي هو سمة الشيعة الإمامية، ولولا الاعتزال الذي اعتقدوه لكانوا أقرب الناس قاطبة إلى أهل السنّة والجماعة، وتنسب الزيدية إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب (80 – 122 هـ) كان تقيّا شجاعا، وقد اتصل برأس المعتزلة واصل بن عطاء، وتدارس معه العلوم، فتأثر به وبأفكاره التي نقل بعضا منها إلى الفكر الزيدي، وبالمقابل تتلمذ أبو حنيفة على الإمام زيد وأخذ منه بعض العلم والفقه.
[الأفـــكار والمعتقــدات]:
(1) الزيدية يُجيزون الإِمامة في كل أولاد فاطمة، سواء أكانوا من نسل الإِمام الحسن أم من نسل الإِمام الحسين، (2) الإِمامة لديهم ليست بالنص، إذ لا يشترط فيها أن ينص الإِمام السابق على الإِمام اللاحق، بمعنى أنها ليست وراثية بل تقوم على البيعة، فمن كان من أولاد فاطمة وفيه شروط الإِمامة كان أهلاً لها، (3) لا يجوز عندهم أن يكون الإِمام مستوراً إذ لابد من اختياره من قبل أهل الحل والعقد، ولا يتم اختياره إلا إذا أعلن عن نفسه مبيناً أحقيته بالإِمامة، (4) يجوز لديهم وجود أكثر من إمام واحد في وقت واحد في قطرين مختلفين، (5) تقول الزيدية بالإِمام المفضول مع وجود الأفضل إذ لا يُشترط أن يكون الإِمام أفضل الناس جميعاً بل من الممكن أن يكون هناك للمسلمين إمام على جانب من الفضل مع وجود من هو أفضل منه على أن يرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا التي يدلي برأيه فيها، (6) معظم الزيدية يقرون خلافة أبي بكر وعمر، ولا يلعنونهما كما تفعل فرق الشيعة، بل يترضون عنهما، ويقرون بصحة خلافة عثمان مع مؤاخذته على بعض الأمور، (7) يميلون إلى الاعتزال فيما يتعلق بالذات والصفات، والجبر والاختيار، ومرتكب الكبيرة يعتبرونه في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة ولكنه غير مخلد في النار إذ يعذب فيها حتى يطهر من ذنبه ثم ينتقل إلى الجنة، (8) وهم يرفضون التصوف رفضاً قاطعاً، (9) ويخالفون الشيعة الإمامية في زواج المتعة ويستنكرونه، (10) هم متفقون مع السنّة بشكل كبير في العبادات والفرائض سوى اختلافات قليلة في الفروع من مثالها: يقولون “حي على خير العمل” في الأذان، وصلاة الجنازة لديهم خمس تكبيرات، ويرسلون أيديهم في الصلاة، وصلاة العيد تصح فرادى وجماعة، ويحكمون ببطلان الصلاة خلف الفاجر، ويرون أنّ تقليد أهل البيت أولى من غيرهم، ويقولون بوجوب الخروج على الإِمام الظالم الجائر ولا تجب طاعته، ولا يقولون بعصمة الأئمة عن الخطأ، ولا يغالون في رفع أئمتهم على غرار ما تفعله الإمامية والإسماعيلية.
[تأثر الزيدية بالمعتزلة]: انعكست اعتزالية واصل بن عطاء على الزيدية وظهر هذا جلياً في اقرارهم بالأصول الخمسة لدى المعتزلة، وأصول المذهب الاعتزالي خمسة يظنون أنها من أصول الدين، وهي في حقيقتها من أصول ضلالة:
[الأصل الأول يسمونه التوحيد] وهو في حقيقته إفراط في باب التنزيه على حساب الإثبات وخوض في صفات الله تعالى بما لا ينبغي]: وقد وصلوا من خلال هذا الأصل إلى إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنّة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثبوتاً.
[الأصل الثاني عندهم يسمون العدل وهو في حقيقته نفي القدر والتكذيب به]: وهذا الأصل يبحثون فيه أفعال الله تعالى: وقد راموا في هذا المبحث نفي الجور والظلم عن الله عز وجل فصار لازم قولهم وصف الله عز وجل بالعجز وعدم كمال القدرة والمشيئة.[الأصل الثالث: يسمونه الوعد والوعيد]: وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء، ونفي لعفو الله عز وجل لعباده العاصمين لأصحاب الكبائر من أمة النبي صلى الله عليه وسلم.
[الأصل الرابع عندهم ويسمونه المنـزلة بين المنـزلتين]: وهو في حقيقته نفي مطلق الإيمان عن أصحاب الكبائر وجعلهم في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة، ومن ثم مضاهاة الخوارج في الحكم عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين.
[الأصل الخامس يسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر]: وهو في حقيقته تهيئة الأجواء للخروج على الحاكم المسلم العاصي أو الفاسق وإثارة الفوضى والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين، وذلك لأنهم يرون الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين.[تأثر الزيدية بقيام الثورة الإمامية بإيران]: جدير بالقول أن الزيدية ظلت لسنوات طويلة زيدية صرفة يحارب أئمتها التشيع والرفض، إلا أن قيام الثورة الإيرانية سنة 1979 شكل خطرا على الاعتدال الزيدي، خاصة وأن إيران مدّت يدها لهؤلاء في خطتها لتصدير الثورة الرافضية ونشر الرفض في العالم ومنه اليمن، وصارت الكثير من الهيئات والمؤسسات الزيدية تنحى منحى إمامياً اثنى عشرياً، لاسيما الجارودية أتباع الحوثي، وصاروا يقلدون الروافض الإمامية بإحياء مناسباتهم ومجالسهم مثل إحياء ذكرى استشهاد الحسين، وإقامة المجالس الحسينية، وإحياء وفاة بعض الأئمة مثل جعفر الصادق ومحمد الباقر وعلي زين العابدين، واتخاذ بعضهم جبلاً في مدينة صعدة أسموه (معاوية) يخرجون إليه في يوم عاشوراء ويطلقون عليه نيران أسلحتهم، والاحتفال بيوم الغدير، مما يثير الشك في تحولهم تماما إلى المذهب الرافضي الذي كانوا بالأمس يرفضونه ويلعنون متبعيه.
[ المفتاح السابع]: الفرقة الثانية من فرق التشيع: [الإسماعيلية]: (الإسماعيلية): فرقة باطنية، انتسبت إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر، وحقيقتها تخالف العقائد الإسلامية الصحيحة، وقد مالت إلى الغلوِّ الشديد لدرجة أن الشيعة الزيدية والاثني عشرية يكفِّرون أعضاءَهَا، ومن فرق الإسماعيلية: الإسماعيلية القرامطية، والإسماعيلية الفاطمية، والإسماعيلية الحشاشون، والإسماعيلية البهرة، والإسماعيلية النصيريون، والاسماعيلية الدروز.
الأفكار والمعتقدات التي تكاد تجمع الإسماعيلية:
(1) ضرورة وجود إمام معصوم منصوص عليه من نسل محمد بن إسماعيل، (2) العصمة لديهم ليست في عدم ارتكاب المعاصي والأخطاء بل إنهم يؤولون المعاصي والأخطاء بما يناسب معتقداتهم، (3) من مات ولم يعرف إمام زمانه ولم يكن في عنقه بيعة له مات ميتة جاهلية، (4) يضفون على الإمام صفات ترفعه إلى ما يشبه الإله، ويخصونه بعلم الباطن ويدفعون له خُمس ما يكسبون، (5) يؤمنون بالتقية والسرية ويطبقونها في الفترات التي تشتد عليهم فيها الأحداث، (6) الإمام هو محور الدعوة الإسماعيلية، ومحور العقيدة يدور حول شخصيته، (7) الأرض لا تخلو من إمام ظاهر مكشوف أو باطن مستور فإن كان الإمام ظاهراً جاز أن يكون حجته مستوراً، وإن كان الإمام مستوراً فلا بد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين، (8) يقولون بالتناسخ، والإمام عندهم وارث الأنبياء جميعاً ووارث كل من سبقه من الأئمة، (9) ينكرون صفات الله أو يكادون لأن الله ـ في نظرهم ـ فوق متناول العقل، فهو لا موجود ولا غير موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا يقولون بالإثبات المطلق ولا بالنفي المطلق فهو إله المتقابلين وخالق المتخاصمين والحاكم بين المتضادين، ليس بالقديم وليس بالمحدث فالقديم أمره وكلمته والحديث خلقه وفطرته، و(الإسماعيلية) في بدايتها كانت إحدى الفرق الشيعية ولكنها غلت في أئمتها أشد من غلو الرافضة، وتأثرت بمؤثرات كثيرة حتى وصل الأمر إلى أن بلغت حد الغلو المخرج من ملة الإسلام حتى اعتبرتها معظم الفرق الإسلامية كافرة وخارجة من الإسلام، لما أسبغوه على إمامهم من صفات تصل به إلى ما يشبه مقام الألوهية، ولقولهم بالتناسخ واستحلال ما حرّم الله.
ومن أبرز الفرق الإسماعيلية الباطنية:
[(1) الإسماعيلية القرامطة]: والقرامطة من غلاة الإسماعيلية، ومن شخصياتهم: عبد الله بن ميمون القداح: (260ه)، وحمدان قرمط بن الأشعث (278ه)، وأحمد بن القاسم: الذي بطش بقوافل التجار والحجاج، والحسن بن بهرام (أبو سعيد الجنابي): ظهر في البحرين ويعتبر مؤسس دولة القرامطة، وابنه سليمان بن الحسن بن بهرام (أبو طاهر): حكم ثلاثين سنة، وفي عهده هاجم الكعبة المشرفة سنة 319ه، ونهب هو وأصحابه الحجاج وقتلوهم في المسجد الحرام، وقلع باب البيت، وقبة زمزم والحجر الأسود، وأخذ كسوة الكعبة ففرقها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة وأقام الخطبة في مكة لعبيد الله المهدي بدلاً من الخليفة العباسي المقتدر ثم عاد إلى الأحساء سارقا الحجر الأسود، وبقي عنده لأكثر من عشرين سنة. [(2) الإسماعيلية الفاطمية (العبيدية)]: قامت الدولة العبيدية الفاطمية على أساس الدعوة الشيعية في ظروف غامضة، والإسماعيلية الفاطمية مرت بعدة أدوار: (أ) دور الستر: من موت إسماعيل سنة 143 هـ إلى ظهور عبيد الله المهدي، وقد اختلف في أسماء أئمة هذه الفترة بسبب السرية، (ب) بداية الظهور: يبدأ الظهور بالحسن بن حوشب الذي أسس دولة الإسماعيلية في اليمن سنة 266هـ وامتد نشاطه إلى شمال أفريقيا واكتسب شيوخ كتامة، (ت) دور الظهور: يبدأ بظهور الإمام عبيد الله الملقب بالمهدي الذي كان مقيما في سلمية بسوريا ثم هرب إلى شمال أفريقيا، وأقام هناك الدولة الباطنية (العبيدية) التي تسمت بالدولة الفاطمية، واستمرت تحكم مصر والحجاز واليمن حتى زوال دولتهم على يد المجاهد صلاح الدين الأيوبي. [(3) الإسماعيلية الحشاشون]: ومن أبرز شخصياتهم: الحسن بن الصباح: وهو فارسي الأصل وكان يدين بالولاء للإمام المستنصر قام بالدعوة في بلاد فارس للإمام المستور ثم استولى على قلعة الموت وأسس الدولة الإسماعيلية النـزارية، وهم الذين عرفوا بالحشاشين لإفراطهم في تدخين الحشيش، وكان شعار الحشاشين (لا حقيقة في الوجود وكل أمر مباح) ووسيلتهم الاغتيال المنظم والامتناع بسلسلة من القلاع الحصينة، وهم يعتقدون أن الله لم يخلق العالم خلقاً مباشراً بل كان ذلك عن طريق العقل الكلي الذي هو محل لجميع الصفات الإلهية، ويسمونه الحجاب، وقد حل العقل الكلي في إنسان هو النبي وفي الأئمة المستورين الذين يخلفونه فمحمد هو الناطق وعلي هو الأساس الذي يفسر، وعنهم يقول الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: (المنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات واستحلالها، وإنكار الشرائع، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم) أهــ. [(4) الإسماعيلية الدروز]: فرقة إسماعيلية باطنية ادعت ألوهية الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي، يعتبرون أنفسهم منذ ألف سنة مضت في دور الستر وهم شديدو التكتم على عقائدهم، وهذه الطائفة قامت على مبادئ الإسماعيلية وزادت عليها بعض العقائد التي ميزتها كالقول بألوهية الحاكم بأمر الله ورجعته في آخر الزمان.ومن معتقداتهم: (1) يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله ولما مات قالوا بغيبته وأنه سيرجع، (2) ينكرون الأنبياء والرسل جميعاً ويلقبونهم بالأبالسة، (3) يعتقدون بأن المسيح هو داعيتهم حمزة، (4) يبغضون جميع أهل الديانات الأخرى والمسلمين منهم بخاصة ويستبيحون دماءهم وأموالهم وغشهم عند المقدرة، (5) يعتقدون بأن ديانتهم نسخت كل ما قبلها وينكرون جميع أحكام وعبادات الإسلام وأصوله كلها، (6) حج بعض كبار مفكريهم المعاصرين إلى الهند متظاهرين بأن عقيدتهم نابعة من حكمة الهند، (7) ولا يكون الإنسان درزياً إلا إذا كتب أو تلى الميثاق الخاص، (8) يقولون بتناسخ الأرواح وأن الثواب والعقاب يكون بانتقال الروح من جسد صاحبها إلى جسدٍ أسعد أو أشقى، (9) ينكرون الجنة والنار والثواب والعقاب الأخرويَّيْن، (10) ينكرون القرآن الكريم ويقولون إنه من وضع سلمان الفارسي ولهم مصحف خاص بهم يسمى المنفرد بذاته، (11) يعتقدون أن القيامة هي رجوع الحاكم الذي سيقودهم إلى هدم الكعبة وسحق المسلمين والنصارى في جميع أنحاء الأرض وأنهم سيحكمون العالم إلى الأبد ويفرضون الجزية والذل على المسلمين، (12) يحرمون التزاوج مع غيرهم والصدقة عليهم ومساعدتهم كما يمنعون التعدد وإرجاع المطلقة، (13) لا يعترفون بحرمة الأخت والأخ من الرضاعة، (14) لا يقبل الدروز أحداً في دينهم ولا يسمحون لأحد بالخروج منه، (15) الدروز تؤمن بالتناسخ بمعنى أن الإنسان إذا مات فإن روحه تتقمص إنساناً آخر يولد بعد موت الأول، فإذا مات الثاني تقمصت روحه إنساناً ثالثاً وهكذا في مراحل متتابعة للفرد الواحد، ويعيش الدروز اليوم في لبنان وسوريا وفلسطين.
[(5) الإسماعيلية البهرة]: وهم إسماعيلية الهند واليمن، تركوا السياسة وعملوا بالتجارة فوصلوا إلى الهند واختلط بهم الهندوس الذين أسلموا وعرفوا بالبهرة، والبهرة لفظ هندي قديم بمعنى التاجر، ومن عقائد البهرة: أنّهم لا يقيمون الصلاة في مساجد المسلمين، وظاهرهم في العقيدة يشبه عقائد سائر الفرق الإسلامية المعتدلة، أما باطنهم شيء آخر فهم يصلون ولكن صلاتهم للإمام الإسماعيلي المستور من نسل الطيب بن الآمر، وهم يذهبون إلى مكة للحج كبقية المسلمين لكنهم يقولون: إن الكعبة هي رمز على الإمام.
[(6) الإسماعيلية (النصيرية)]: فرقة من غلاة الشيعة الباطنية، وقد أرجع أصحاب معاجم الرجال وكتب الملل والنحل المتقدمين سبب تسمية هذه الفرقة إلى محمد بن نصير ويمكن تلخيص أبرز عقائد النصيرية من خلال الجمع بين كل الكتب والمصادر التي تحدثت عنهم بالتالي: (1) حركة باطنية، لها طقوسها وديانتها وعقائدها الخاصة، والتي لا يحق للغير الاطلاع عليها ويتم تداولها بشكلٍ سريٍّ فيما بينهم، (2) هي إحدى فرق غلاة الشيعة، تعود إلى محمد بن نصير الذي كان على عهد الإمامين الهادي والعسكري، (3) جعلوا علياً إلهاً وقالوا بأن الظهور الروحاني بالجسد الفاني كظهور جبرائيل في صورة بعض الأشخاص، (4) يبيحون المحرمات وأباحوا نكاح المحارم ونكاح الرجال، ويستبيحون الزنا بنساء بعضهم لأن المرآة لا يكمل إيمانها إلا بإباحة فرجها لأخيها المؤمن، (5) يؤمنون بتناسخ الأرواح، وأن الإنسان عندما يموت تنتقل روحه إلى جسد جديد إما إنسان آخر في حال عمل الصالح، أو حيوان جراء سلوكه الطالح، وهذا يعد يوم الحساب عندهم، (6) يزعم هؤلاء أن الولاية أعلى من النبوة، لأن الإمام المعصوم – في زعمهم- مصدر الإرادة الإلهية دون وحي أو واسطة لأنه تحت تأثير الإرادة الإلهية المباشرة، وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء النصيريين لا تجوز مناكحتهم، ولا تباح ذبائحهم، ولا يُصلى على من مات منهم ولا يدفن في مقابر المسلمين.
(تنبيه): الإسماعيلية الغلاة ليسوا من أهل القبلة أصلا فلا نرى ضلالهم في الإيمان وحسب، بل هم ربما على ملة غير الإسلام نسأل الله السلامة.
[المفتاح الثامن] : [الشيعة الإمامية الاثنا عشرية]: يقال لهم: (الإماميّة) لقولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على استخلاف علي بن أبي طالب من بعده، ويقال لهم: (الجعفرية) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه ابن محمد الباقر، وهو منهم برآء، لأنّهم يكذبون عليه، فقد اخرج ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) بإسناد صحيح إلى المحدّث الحافظ الكبير أبي حفص ابن شاهين (٣٨٥هـ) أنّه قال: (رجلان صالحان بُليا بأصحاب سوء: جعفر بن محمد، وأحمد بن حنبل)، وهو يقصد كثرة الكذب على جعفر الصادق وعلى أحمد بن حنبل، من غلاة المتعصبين لهما، ويقال لهم (الاثنا عشرية) لانهم يقولون بالنص على اثني عشر إماما معصوما، يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على إمامة علي بن أبي طالب، واستخلفه بعده بعينه واسمه، وأن عليّاً نصّ على إمامة ابنه الحسن بن علي، وهكذا إلى أن سمّوا اثني عشر إماماً من أولاد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخرهم محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب، وينتظرون خروجه، وهو المهدي المنتظر عندهم، ويقال لهم (الرافضة) لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهما للنبي صلى الله عليه وسلم بمثابة الوزيران، وقيل سموا بالرافضة لأنهم رفضوا إمامة زيد بن علي فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، رفضه هؤلاء فقال لهم: رفضتموني، فسُمّوا رافضة لرفضهم إياه.
ومن عقائد الإمامية الاثني عشرية: (1) التشكيك في حفظ القرآن الكريم، (2) تكفير الصحابة إلا قليلاً منهم، (3) التشكيك في نزاهة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، (4) تكفير المسلمين إلا من كان على مثل عقيدتهم، (5) عصمة الأئمة الاثني عشر، وتفضيلهم على الأنبياء، والغلوّ فيهم، (6) جمهورهم يجوِّزون على الله البداء، وهو أن يظهر له الشيء بعد أن خفي عليه، وكل تلك الطوام يرى كثير من أهل العلم أنها مكفرات تُخرج من الدين بالكلية، تسأل الله السلامة، لكن لنا الظاهر والله أعلم بالسرائر.
[المفتاح التاسع]: الإمامية، أقل شرا من الإسماعيلية الغلاة، ولكنهم أشر من الزيدية المعتزلة في باب الإيمان، وهم يرون كفر كل من لم يكن إماميا، وفي ذلك يقول محمد بن علي بن بابويه القمى: ” واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام – والأئمة من بعدهم – عليهم السلام – أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وانكر نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم –أهـ([107]).
ويقول يوسف البحراني: ” وليت شعرى أي فرق بين من كفر بالله سبحانه وتعالى ورسوله وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام مع ثبوت كون الإمامه من أصول الدين ” أهـ ([108]).
والغلو في كلامه واضح لا يحتاج إلى تعليق، ثم من الذي جعل الإمامة من أصول الدين فهل أتت آية واحدة من كتاب الله عز وجل تثبت أن الإمام أصل من أصول الدين، ويقول محمد محسن المعروف بالفيض الكاشاني: ” ومن جحد إمامه أحدهم – أي الأئمة الاثنى عشر – فهو بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام”أهـ([109]).
ويقول الملا محمد باقر المجلسي– وهم يلقبونه بالحجة: ” اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام وفصل عليهم غيرهم يدل على أنهم مخلدون في النار “([110]).
ويقول محمد حسن النخعي: ” والمخالف لأهل الحق كافر بلا خلاف بيننا … كالمحكي عن الفاضل محمد صالح في شرح أصول الكافي بل والشريف القاضي نور الدين في إحقاق الحق من الحكم بكفر منكري الولاية لأنها أصل الدين ” أهـ ([111]).
يقول عبد الله المامقاني: ” غاية ما يستفاد من الأخبار جريان حكم الكافر والمشرك في الآخرة على كل من لم يكن اثنى عشرى ” أه([112]).
ويقول الخميني: ” الإيمان لا يحصل إلا بواسطة ولاية علىّ وأوصيائه من المعصومين الطاهرين عليهم السلام، بل لا يقبل الإيمان بالله ورسوله من دون الولاية ” أهــ ([113]).
ويقول المفيد: ” اتفقت الإمامية على أن منكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى: له من فرض الطاعة فهو كافر قال مستحق للخلود في النار ” أهـ([114]).
ويقول السيد عبد الله شبر الذي يلقبونه بالسيد الأعظم علامة العلماء وتاج الفقهاء رئيس الملة والدين في كتابه ” حق اليقين في معرفة أصول الدين “: ” وأما سائر المخالفين – يقصد للإمامية الاثنى عشرية – ممن لم ينصب ولم يعاند ولم يتعصب فالذي عليه جمله من الإمامية كالسيد المرتضي أنهم كفار في الدنيا والآخرة والذي عليه الأكثر الأشهر أنهم كفار مخلدون في الآخرة” ([115]).
ومن خلال هذه النصوص نعلم اتفاق الإمامية على كفر جميع المسلمين عدا المنتسبين إلى مذهبهم، ولهم أصول أخرى للضلال، وأقتصر هنا على ذكر رؤوسها:
(الأصل الأول): المغالاة في الإمامة وجعلها أصل من أصول الاعتقاد وجعلها الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم. و(الأصل الثاني): المغالاة في الإمام علي وأولاده من بعده رضي الله عنهم جميعاً، و(الأصل الثالث): بُغض الصحابة والانتقاص من قدرهم وتكفيرهم وسبهم ولعنهم والبراءة منهم، و(الأصل الرابع): بغضهم لأمهات المؤمنين زوجات النبي الصديقات الطاهرات العفيفات المطهرات، لاسيما الطاهرة العفيفة الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما والطاهرة العفيفة الصوامة القوامة حفصة بنت الفاروق رضي الله عنهما، و(الأصل الخامس): التشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم وذلك لأنّ الصحابة هم من جمعوه، وهم يكفرون الصحابة لاسيما أبا بكر وعمر وعثمان، وهم من قد جمعوا القرآن، و(الأصل السادس): إهمال الشيعة للسنة النبوية الكريمة: وقد دعاهم إلى ذلك أسباب أهمها أنهم يكفرون أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – ولذلك فهم يشككون، بل وينكرون كل حديث حمله أولئك الأصحاب عن النبي – صلى الله عليه وسلم – إلينا، والنتيجة الحتمية لهذا الأمر أنهم أهملوا السنّة النبوية بكاملها إذ لم يحمل إلينا السنّة سوى الأصحاب الكرام البررة رضي الله عنهم، وانظر إلى اجترائهم على أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث يقول عالمهم محمد حسين آل كاشف الغطاء (إن الشيعة لا يعتبرون من السنّة إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت … أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس لهم عند الإمامية مقدار بعوضة) ([116]).
و(الأصل الثامن): الغلو في الاعتقادات والجناية على التوحيد، ومن ذلك الغلو في الأئمة الاثني عشر (عندهم)، وأكتفي هاهنا بالإشارة إلى اثنين من أوثق علمائهم على مر عصورهم، الأول: هو الكليني صاحب كتاب الكافي، والكليني يغالي في شأن الأئمة حتى أنه بوب أبواباً في كتابه تنم عن ذلك، ومن هذه الأبواب: باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل، باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم شيء، باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب يعرفونها على اختلاف ألسنتها، باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة وأنهم يعلمون علمه كله، باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء، باب أنه ليس شيء من الحق في أيدي الناس إلا ما خرج من عند الأئمة وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، والثاني: هو الخميني قائد ثورتهم المعاصرة فانظر إلى ما يقوله في كتابه ” الحكومة الإسلامية ” (فإن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينيه تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) ويقول في بيان كمال الأئمة: (والأئمة لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة) ([117]).
ويقول في كون الأئمة أفضل من الأنبياء وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل) ([118]). ويقول: (وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة كانوا قبل هذا العالم أنواراً فجعلهم الله بعرشه محدقين وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما يعلمه إلا الله وقد ورد عنهم أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء عليها السلام) ([119]). ثم يكمل بقوله: (إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها واتباعها) ، ([120]).
و(الأصل التاسع): وقوع الرافضة في مسالك الكفر: وذلك بفتحهم التفسير الباطني للقرآن الكريم على مصراعيه، والتفسير الباطني هو قرين الزندقة حيث لا ضابط يحكم تفسير النصوص فكل ٌ يفسر وفق هواه، وللرافضة السبق الأعظم في هذا المجال، فالقرآن الكريم كله نزل فيهم وفي أعدائهم من أهل السنة، وليس الهدف من آيات القرآن – عندهم – هو إقرار التوحيد لله والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم وإنما الهدف هو تقرير المذهب الرافضي، فأركان الدين عندهم في التفسير الباطني تفسر بالأئمة، وآيات التوحيد تفسر بالإيمان بالأئمة، وآيات الشرك تؤول بالشرك في ولاية الأئمة، وآيات الحلال والحرام تفسر بالأئمة وأعدائهم، وهكذا فالقرآن كله في نظرهم ليس له هدف ولا عرض سوى تقرير الإيمان بالأئمة الاثني عشر والبراءة من كل من لم يؤمن بعقيدتهم، وقد غالت الإمامية في اعتقاد باطن القرآن الذي يخالف ظاهره حتى لم يتركوا آية إلا وخرجوا بها عن حدود الشرع واللغة، وقد جاءت روايات في كتبهم تعظم هذا الاعتقاد، ومثال ذلك ما رواه الكليني في الكافي: ” عـن محمد بن منصور قـال سألت عبداً صالحاً ” يقصـدون به موسى الكاظـم “عن قول الله عز وجل ” قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ” فقال إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى: في الكتاب هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق “([121]).
و(الأصل العاشر): وقوع الرافضة في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق، وذلك لأسباب عديدة أهمها: استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الكرام البررة واستحلالهم السب والشتيمة على عامة المسلمين إلا من كان على نفس ضلالهم، والسبب الثاني: استحلالهم أعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة، والسبب الثالث: استحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان، والسبب الرابع: استحلالهم الزنا والفاحشة في صورة المتعة نسأل الله العفو والعافية .
***
المبحث الثامن أصول البدع الضالة عند الحشوية (المتمسلفة أدعياء السلفية)
[المفتاح الأول]: تعريف الحشوية: الحشوية بتسكين الشين وفتحها: لقب أطلق قديما على طائفة من المبتدعة من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث الموضوعة والضعيفة المسرفة في التجسيم من غير نقد، ثم أخذوا بظاهر لفظها، ثم تحزبوا عليها، وامتحنوا الناس على أساسها، والفرق بينهم وبين المجسمة، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى، أمّا الحشوية، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم بقولهم ” بلا كيف “.
ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف (زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء)، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[المفتاح الثاني]: أبرز صفات الحشوية: الحشوية لهم مواصفات معينة، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى، ينسبون إلى الله تعالى الجوارح والأجزاء والأبعاض، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، وهم لا يحترمون تخصص العلماء، ويهجمون على كل أبواب العلم، لا سيما الأصول، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص.
ومن أهم مشاكل هؤلاء، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة، وعلومهم القاصرة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، والغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة.
وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وإلى الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنّة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنّة والجماعة، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها، والغلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان.
وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].
وهم ينتسبون إلى السلف، والسلف برآء منهم، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيين – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم، وبعد فتلك بعض مفردات مذهب الحشوية، والتي يسعى الحشوية في كل زمان إلى نسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث، وجعلها بديل لكافة التخصصات العلمية، وهم أهل الجفاء والغلظة والخيلاء، والقسوة وغمط المسلمين، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا، تراهم دوماً في حروب وهمية مع من يظنونهم مبتدعون مارقون عن مذهب السلف الذي صنعوه بأيديهم ونسبوه إلى السلف، ويدافعون عنه ضد كل من تسول له نفسه مخالفة، ديدنهم الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنّة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنّة والجماعة، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق.
يشنون حروبا لا داعي لها – بين الحين والآخر – على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنّة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وصقلت مدارسهم الفقهية على مر عصور الإسلام كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، فأيهما أجدى البناء على ما بنوه فيرتفع البناء عاليا، أم هدمه والتشكيك فيه، مع استحالة إتقان ما أتقنوه، واستيعاب ما استوعبوه، وبناء ما بنوه.
ويشنون حروبا لا داعي لها على التصوف برمته، صالحه وطالحه، ويدّعون أن له أصل من اليهودية أو النصرانية أو البوذية، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين والأدعياء، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله، فهل جميع أولئك على ضلالة، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّ آثارها السيّئة، كانت ولا زالت تهدم تخصصات الإسلام، وتنخرُ القلاع العلمية الحصينة، التي أسّسها وبناها علماء المسلمين طوال القرون، ولذلك فهم من شر الفرق، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف،.
[المفتاح الثالث]: لماذا سماهم أهل العلم بالحشوية: (أ) لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة، في أبواب العقيدة وما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم والتشبيه والتمثيل ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف.
(ب) لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية، وبكل ما يخالف صريح العقل، وهم أبعد الناس عن العقل، فالشيعة على بدعهم، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف، من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما.
(ت) لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات: لأنّهم أهل التناقض، فهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان، والملك والملكوت، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ويقولون ” لا يعقل ” وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات.
(ث) لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة .
[المفتاح الرابع]: أخطر مشاكل الحشوية عدم احترام التخصص العلمي لعلوم الإسلام: على مر عصور الإسلام ظهرت المدارس المتخصصة في كل فن وعلم من علوم الدين وانتسب إليها الآلاف من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.
فظهر المتخصصون في علم القرآن والقراءات والتفسير وكافة علوم القرآن التي بلغ بها السيوطي ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه: الاتقان في علوم القرآن.
وظهر المتخصصون في علم الحديث، علم المتن وعلم السند وعلم مصطلح الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل، وعلم شرح الحديث وبيان معناه، وغيرها من علوم الحديث وقد بلغ بها ابن الصلاح خمسة وستين نوعا من علوم الحديث في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن الصلاح.
وظهر المتخصصون في الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين ((مذاهب))، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام.
ثم ظهرت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وانتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وبعد ظهور الأئمة الثلاث صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه، و مع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، ثم عندما اتسعت الفتوحات وبدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية.
إنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في: الفوضى العلمية، والفوضى الفكرية، والخطأ في تقييم المواقف واصدار الأحكام، كما يؤدي إلى فوضى التبديع الناشئة عن عدم احترام تخصصات الآخرين، والهجوم على أصحابها واتهامهم بالبدعة والانحراف عن الدين، كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم ولا معرفة لأسباب تبني أهل التخصص لهذا الحكم دون غيره، مع أنّ الحق حتما يكون مع أهل التخصص، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
[المفتاح الخامس]: تاريخ تسلسل ظهور الحشوية: (نصيحة): إذا أردت أن تعرف تاريخ تسلسل ظهور الحشوية فلابد من مطالعة فتاوى الشيخ ابن تيمية لأنّهم سلفه الحقيقيون الذين استند إليهم في رسم صورة العقيدة التي تبناها في ذات الله تعالى، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث في جناب ذاته، وأنه يتجدد له العلم والسمع والبصر والكلام، وأنه يتأثر بالزمان وعليه يكون الزمان فاعلا في ذاته بحيث بتجدد له علم وسمع وبصر وانه يتحرك ويسكن قياسا على الأجسام كلما تجددت الوقائع والحوادث والمخلوقات وأنه يتكلم ويسكت قياسا على الآدميين وانه ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، وان لوازم النزول ممكنه كالحركة والسكون، وان له الوجه واليدين والعينين والقدم والساق صفات عين (ذات) بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف جناب الذات بالحد والنهاية، فوجدت أنّ سلفه في عقيدة الحشو والتجسيم بضع عشرة رجال أحدهم يجوز على الله أن يستوى على جناح بعوضة وابن تيمية لا يرى بأسا بهذا الهراء وعند التحقيق فإني أرى أن نسبة الولد إلى الله أهون من هذا الحمق والجسور على الله، فالبعوضة من أحقر الحشرات أيجوز عند أولي الألباب أن الإله جل جلاله يمكن أن يقعد على جناحها ثم تطير به فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
وبعض هؤلاء يصحح رواية الشاب الأمرد ويعتقدونها، وقصة الشاب الأمرد تتمثل فيما أورده الخلال في المنتخب من العلل وأبو يعلى الفراء في ابطال التأويلات ونقله عنه ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: (أن محمدًا رأى ربه في صورة شاب أمرد من دونه ستر من لؤلؤ)، وفي رواية أخرى (رأيت ربي جعدًا أمرد عليه حلة خضراء) ويزعم الخلال وأبو يعلى أنه حديث صحيح يجب اعتقاد معناه، واستفاض القاضي أبو يعلى في شرح الحديث وانه رؤية حقيقية وليست مناما وأن الله تعالى قد خص نبيه صلى الله عليه وسلم من دون الأنبياء ونقل ابن تيمية كلامه في ذلك كله دون أن يعقب عليه بإنكار أو رفض، بل صحح الحديث الذي استدل به أبو يعلى على طوامه،([122]).
هذا مع أنّ الحديث تالف لا تجوز روايته، وقد ضعَّفه ابن الجوزي في (العِلل المتناهية واستنكره الذهبي كما في (سير أعلام النبلاء: وقال السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى: “موضوع مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم”، والحدبث يمكن حمله على أنه رؤيا منامية ففي احدى رواياته: (رَأَيْتُ رَبِّي فِي المنام في صورة شاب مُوَقّرٍ فِي خَضِرٍ، عليه نَعْلانِ من ذهب، وَعَلَى وجهه فراش مِنْ ذهب)، وحتى هذه الرؤيا المنامية ضعفها واستنكرها جمعٌ من أهل العلم، منهم: الإمام أحمد في (المنتخب من العِلل لابن قدامة، ويحيى بن معين في (تاريخ بغداد للخطيب والنسائي في (العِلل المتناهية لابن الجوزي وابن حبان والسبكي في (طبقات الشافعية الكبري وابن حجر في (تهذيب التهذيب السيوطي في (اللآلئ المصنوعة وقال الذهبي في “ميزان الاعتدال” ” وهذه الرؤية رؤيا منام إن صحت” أهـ،([123]). والمنام لا يبنى عليه أي اعتقاد، ويأبى القاضي إلا الإيمان به واعتقاد تفاصيله حتى صفة الجراد الذي من ذهب على حد قوله، ويزعم أن من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة – على حد قوله – !! فهو: (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد)، فهذا هو مبلغهم من علم التقديس فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
الشاهد: فإنّ هؤلاء الذين استقى منهم ابن تيمية معتقده في جناب الذات،: (الأول) هو مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) وهو الذي ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يدعم مذهبه في التجسيم والتشبيه.
(الثاني) هشام بن سالم (ت 183 هـ)، واتباعه السالمية الذين اثنى ابن تيمية على عقيدتهم، وهو الذي كان يعتقد في معبوده أنه على صورة إنسان: أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء.
(الثالث) محمد بن كرام السجزي المجسم (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه جسمٌ له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وأتباعه هم الكرامية المجسمة.
(الرابع) وهو ذي أضر به أيما ضرر وهو أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي: (ت 282 هــ) وهو الذي زعم أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وأن الله حي ودليل حياته الحركة والانتقال وأن الفرق بين الحي والميت هو الحركة.
(الخامس) ابن أبي عاصم (ت 287 هــ) وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه (السنة) من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، يقصد بعض الرحمن، وكأن سورة الإخلاص لم تبلغه وفيها الأحد تقديس عن الأبعاض والأجزاء، ومنها أن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش.
(السادس) كتاب السنّة لعبد الله بن الإمام أحمد (ت 290 هــ) هذا إن صحت نسبة كتاب السنّة إليه وهذا فيه شك كبير، لأنّ فيه أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، وأبوه الإمام أحمد كان يجل الإمام أبي حنيفة أيما إجلال، بل في بعضها تكفيره، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع.
(السابع) الخلال (ت 311 هــ): كان يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق كافر، وهو صاحب عقيدة جلوس الرحمن على العرش، وعقيدة الشاب الأمرد، (الثامن) ابن خزيمة (ت 311 هــ) صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، باب الوجه باب العين باب اليد باب الساق، ومما فيه من السب لله ونسبة المحال إلى الله، أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو.
(التاسع) البربهاري، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه معه على العرش، وأن من أنكر القعود فهو جهمي كافر.
(العاشر) ابن بطة (ت 387 هــ) الوضاع لكذاب المتهم بوضع الأحاديث وسرقة الكتب وكتابه الإبانة يعد موسوعة في عقيدة الحشو وهو من أوائل من تولى إثم نبذ الأشاعرة بالتجهم وكتابه مبني على التكفير للمخالفين له، أثبت لله صفات الضحك والتعجب وأنه على العرش بذاته وأنه خلق آدم على صورته، وأكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات وتكفير المعارضين له.
(الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر) ثلاثي الإفك الذين أدخلوا الحشو على مذهب الإمام أحمد وهو منه بريء، جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، فأما (ابن حامد الورّاق) فهو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي الورّاق المتوفى (سنة 403 هجرية) له مصنفات وفيها طامات وقد أوردها الإمام ابن الجوزي ورد عليها في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، واما (القاضي أبو يعلى) فهو محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي (المتوفى سنة 458 هجرية)، وقد ألف كتابا سماه إبطال التأويلات وهو كتاب بدعي، وهذا غير مؤلفاته الأخرى له والتي فيها التجسيم والبدع، واما الثالث فهو (ابن الزاغوني) وهو أبو الحسن على بن الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527 هجرية، وهؤلاء أثبتوا لله صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وهؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة وإلى يومنا هذا إذ جروهم إلى بدعة الحشو جرا ودفعوهم إلى التجسيم دفعا وقد تأثر بهم كثير ممن جاء بعدهم كالحافظ عبد الغني المقدسي والشيخ ابن قدامة صاحب المغني وابن تيمية وتلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي والذهبي وغيرهم، وسيأتي ذكر بعض طوامهم وسبهم لله بنسبة المحال إلى جناب ذاته.
(الرابع عشر) الهروي (ت 481 هـ): له كتاب الأربعين في دلائل التوحيد: وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، أضف إلى وقيعته في السادة الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان يحكي تكفيرهم، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث، فهؤلاء جميعا هم سلف ابن تيمية (ت 728 هــ) الذين يريد منا ان نتخذهم سلف لنا، نسأل الله السلامة من البدعة والضلال ونسبة المحال إلى الرحمن.
[المفتاح السادس]: مقاتل بن سليمان ودوره في نشر بدعة الحشو: لقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، لا يأبه بها أحد حتى ظهر مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) حيث ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه، أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أحمد بن سيار أنه قال: (مقاتل متروك الحديث كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه) ([124]).وأخرج بسنده عن الإمام أحمد أنه قال: مقاتل بن سليمان كانت له كتب ينظر فيها([125]). وقال ابن حبان: (كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث) ([126]).
فهو الذي تبنى التشبيه والتجسيم، ونقل أقاصيص الأحبار والرهبان، وكان هو و جهم بن صفوان في مسألة التنزيه والتشبيه على طرفي نقيض، فالأول غلا في التنزيه حتى عطّل، ومقاتل غلا في الاثبات حتى شبّه، قال أبو حنيفة: (أفرط جهم في نفي التشبيه، حتّى قال إنّه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل في الاثبات حتّى جعله مثل خلقه)، قال عنه وكيع: (كان كذّاباً) أهـ، وقد مُلئت كتب التفاسير بأقوال مقاتل وآرائه، وأصبح التجسيم والتشبيه بعد هذا المفسر الضال المبتدع مدرسة سيئة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده من جهلاء المفسرين والمحدثين، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية، قال الإمام الأشعري: (حكي عن أصحاب مقاتل أن الله جسم وأن له جثةً وأنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت وهو مع ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره) ([127]).
وحكى عنه الشهرستاني أنه قال قد ورد في الخبر أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فلا بد من تصديقه [الملل والنحل178] ومن مرويات مقاتل في التجسيم ما أخرجه الذهبي بسنده عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين حبيب الله؟ فيتخطى صفوف الملائكة حتى يصير إلى العرش حتى يجلسه معه على العرش حتى يمس ركبته) ([128]).
وبعد مقاتل ظهر الهشامان: هشام بن الحكم (ت 179ه)، و هشام بن سالم (ت 183 هـ)، وكلاهما مجسم، واتباع الأول هم الهشامية، يحكي الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين أن الهشامية – أصحاب هشام بن الحكم – يذهبون إلى أن الله جسم وله نهاية وحد، وأنه طويل وعريض وعميق، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، وقرروا أنه نور ساطع، وأنه في مكان دون مكان، وهو نفسه لون، وذهبوا إلى أن الله قد كان لا في مكان، ثم حدث المكان بأن تحرك فحدث المكان بحركته، وكان فيه) أهــ،([129]).
وقال الشهرستاني في الملل والنحل: (حكى ابن الرواندي عن هشام أنه قال: إن بين معبوده وبين الأجسام تشابهاً ما بوجه من الوجوه ولولا ذلك لما دلت عليه، وحكى الكعبي عنه أنه قال: هو جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار ولكن لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء، ونقل عنه أنه قال: هو: سبعة أشبار بشبر نفسه وأنه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة وأنه يتحرك وحركته فعله وليست من مكان إلى مكان، وقال: هو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وحكى عنه أبو عيسى الوراق أنه قال: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء عن العرش ولا يفضل من العرش شيء عنه) انتهى من الملل والنحل، واتباع الثاني هم السالمية، قال الشهرستاني في كتابه الملل والنحل” (وقال هشام بن سالم إنه تعالى على صورة إنسان: أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء: هي نور أسود لكنه ليس بلحم ولا دم،) انتهى، ([130]).
ومذهب السالمية أتباع هشام بن سالم الجواليقي، أنهم يقولون: إن كلام الله معانٍ وألفاظ وحروف وأصوات قائمة بذات الرب لم تزل ولا تزال، كلام الرب حروف وأصوات، لكن حروف وكلمات الرب لا يسبق بعضها بعضاً، بل هي مقترنة، فمثلاً: بسم الله الرحمن الرحيم: لا يقولون: إن السين بعد الباء والميم بعد السين، بل يقولون: الحروف مقترنة دفعة واحدة يتكلم الرب سبحانه بها دفعة واحدة، فالباء مع السين مع الميم، لكن بالنسبة لسمع الإنسان يسمعها متعاقبة مرتبة، لكن الرب تكلم بها دفعة واحدة، ولهذا تسمى هذه الطائفة بالاقترانية، لأنهم يقولون الحروف مقترنة ليست متعاقبة.
[المفتاح السابع]: ظهور الكرامية وبدعة التجسيم: الكرامية هم أتباع محمد بن كرام السجزي المجسم (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه – سبحانه -جسمٌ له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وأتباعه هم الكرامية المجسمة، وقد تمكنوا بتدثرهم بلباس الزهد أن يسربوا بدعهم إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية، يقول ابن السبكي: (وكان من خبر ابن كرام هذا وهو شيخ سجستاني مجسم أنه سمع يسيراً من الحديث ونشأ بسجستان ثم دخل خراسان وعاد إلى نيسابور وباح بالتجسيم، وكان من إظهار التنسك والتأله والتعبد والتقشف على جانب عظيم فافترق الناس فيه على قولين، منهم المعتقد ومنهم المنتقد، وأثنى عليه فيما بلغني ابن خزيمة واجتمع به غير مرة) أهــ([131]).
وقال تفي الدين الحصني: (، وسمع الحديث الكثير وأظهر التقشف، واتخذ قطعة فرو يجلس عليها ويحفظ ويحدث ويتخشع حتى أخذ بقلوب العوام والضعفاء من الطلبة لوعظه وزهده، حتى حصر من تبعه من الناس فإذا هم سبعون ألفاً،) ([132]).
ولم تمت الكرامية بموت مؤسسها بل تهذبت مقالته في التجسيم وزُيفت حتى كثر أتباعها، ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الذين قاموا بمذهبه إسحاق بن محمشاد الذي صنف في فضائل ابن كرام، يقول ابن حجر (إسحاق بن محمشاد روى عن أبي الفضل التميمي حديثاً هو وضعه بقلة حياء منه: “يجيء في آخر الزمان رجل يقال له ابن كرام تحيا السنّة به”، فانظر إلى المادح والممدوح وسند حديثة مجاهيل)، ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الشاعر أبو الفتح علي بن محمد البستي (ت 402هـ) الذي اتصل بالملك ناصر الدولة سبكتكين وعمل في خدمته فقربه منه حتى تأثر ملك آل سبكتكين بالكرامية فنصروا المذهب وقسوا على مخالفيه، ومن أتباع ابن كرام أبو عبد الله محمد بن الهيصم الذي اجتهد في إرمام مقالة ابن كرام حتى ردها من المحال الفاحش إلى نوع يُفهم بين العقلاء، فمن ذلك أنه عدل بإثبات الجسم إلى معنى زعم أنه المراد وهو القائم بالذات، وهذا هو الرأي الذي مال إليه ابن تيمية، ومنه أيضاً أنه زعم أن الفوقية بمعنى العلو مع إثبات البينونة غير المتناهية بينه وبين خلقه([133]).
وقال الشهرستاني: (قد تخطى بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية فقال أعني بها القيام بالنفس، وذلك تلبيس على العقلاء … وإلا فمذهب أستاذهم مع كونه محلاً للحوادث، مستوياً على العرش استقراراً مختصة بجهة فوق مكاناً واستعلاءً فليس ينجيه من هذه المخازي تزويراتُ ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القيام بالنفس، وإنما هو إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح، وكيف يستوي الظل والعود أعوج وكيف استوى المذهب وصاحب المقال أهوج) ([134]).
وقال النيسابوري في كتابه الغُنية في أصول الدين: (والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافًا للكرامية والحشوية والمشبهة الذين قالوا إن لله جهة فوق، وأطلق بعضهم القول بأنه جالس على العرش مستقر عليه، تعالى الله عن قولهم، والدليل على أنه مستغن عن المحل أنه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديمًا لأنه قديم، أو يكون حادثًا كما أن المحل حادث، وكلاهما كفر، والدليل عليه أنه لو كان على العرش على ما زعموا، لكان لا يخلو إما أن يكون مِثْل العرش أو أصغر منه أو أكبر، وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد والنهاية وهو كفر، والدليل عليه أنه لو كان في جهة وقدرنا شخصًا أعطاه الله تعالى قوة عظيمة واشتغل بقطع المسافة والصعود إلى فوق لا يخلو إما أن يصل إليه وقتًا ما أو لا يصل إليه، فإن قالوا لا يصل إليه فهو قول بنفي الصانع لأن كل موجودين بينهما مسافة معلومة، وأحدهما لا يزال يقطع تلك المسافة ولا يصل إليه يدل على أنه ليس بموجود، فإن قالوا يجوز أن يصل إليه ويحاذيه فيجوز أن يماسه أيضًا، ويلزم من ذلك كفران: أحدهما: قدم العالم، لأنا نستدل على حدوث العالم بالافتراق والاجتماع، والثاني: اثبات الولد والزوجة) أهـ([135]).
[المفتاح الثامن]: أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي ودوره في نشر بدعة الحشو: أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي: (ت 282 هــ) وهو، وهو غير الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي التميمي السمرقندي صاحب كتاب “سنن الدارمي” (المتوفى سنة 255 هــ) رحمه الله، فالحذر من الخلط بين الاثنين، وأبو سعيد الدارمي السجزي الجأهل بعلم التقديس والتنزيه، له كتابان: (الأول): كتاب الرد على الجهمية، و(الثاني) كتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد، أما كتاب الرد على الجهمية، فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، أما كتابه الآخر: نقض عثمان بن سعيد على المريسي: زاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، ومن مخازيه أنه يقول أن الله تعالى مستقر على العرس ولو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به وأن العرش يقل – أي يحمل – الرحمن، والله حي ودليل على حياته الحركة والانتقال فهناك فرق بين الحي والميت هي الحركة، قال في كتابه ” الرد على بشر المريسي” ص 20 ما نصه: “الحي القيوم.. يتحرك إذا شاء، وينزل ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط إذا شاء، ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن امارة ما بين الحي والميت التحرك، كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة” اهـ،([136]). فهذا هو مبلغ السجزي من علم التقديس، يقيس الله تعالى بخلقة وبهذا الكون، وكأن ما يجري على هذا الكون من أمور يجري على الله والعياذ بالله تعالى، حتى قال الإمام الحافظ محمد زاهد بن حسن الكوثري رحمه الله وهو يرد على كلام الدارمي المجسم: (فإذا معبود هذا الخاسر يقوم ويمشي ويتحرك، ولعل هذا الاعتقاد ورثه هذا السجزي من جيرانه عباد البقر، ومن اعتقد ذلك في إله العالمين يكون كافرًا باتفاق، فياويح من يقتدي بمثله في الصلاة أو يناكحه، فماذا تكون حال من يترضى هذا الكتاب أو يوصي به أشد الوصية أو يطبعه للدعوة إلى ما فية؟ وهذا توحيدكم الذي إليه تدعون الناس) اهـ،
ويقول السجزي هذا في كتابة ص 85 ما نصه: ” ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض، فكيف تنكر أيها النفاج أن عرشه يقلّه،”اهـ، ([137]).
قال الإمام الكوثري: ” هذا كلامه في الله سبحانه كأن جواز استقرار معبوده على ظهر بعوضة أمر مفروغ منه مقبول، فيستدل بذلك على جواز استقراره تعالى على العرش الذي هو أوسع من ظهر البعوضة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ولا أدري أحدًا من البشر نطق بمثل هذا الهذر قبل هذا السجزي والحراني المؤتم به وأشياعهما” اهـ، وللأسف ابن تيمية ينقل كلام الدارمي السجزي في كتابه ” تلبيس الجهمية” مؤيدا له،([138]). فهل هذه هي عقيدة السلف الصالح أهل القرون المفضلة الأولى؟!!
[المفتاح التاسع]: كتاب السنّة لابن أبي عاصم ودوره في نشر بدعة الحشو: أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم (ت 287 هــ): له كتاب (السنة) وكان الأولى أن يسميه كتاب (الحشو) وكان ابن ابي عاصم ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك من مفردات الحشو والتجسيم والبعد كل البعد عن التقديس والتنزيه ومعاني الأحدية والصمدية ونفي المثلية.
[المفتاح العاشر]: كتاب السنّة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد (ت 290 هــ) ودوره في نشر بدعة الحشو: قلت: المنسوب لأنّ الغالب بل اليقين عندي أنّه لا تصح نسبته إليه، لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه، ولكونه اشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، بل في بعضها تكفيره، وأنه أُخِذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من الكفر أكثر من مرة، وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير، وفيه نقلٌ عن الإمام مالك أنه ذكره بسوء، وقال: كاد الدين ومن كاد الدين فليس من الدين وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها الأبدان، وقد كان أبوه الإمام أحمد يُجل الإمام أبي حنيفة وتتلمذ على تلامذته كمحمد بن الحسن الشيباني، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك من الحشو الذي يؤول بصاحبه إلى التجسيم، ومما اشتمل عليه في حق الإمام أحمد أنه نقل عنه تصحيح الأخبار التي تثبت جلوسَه عز وجل على العرش وحصولَ الأطيط من هذا الجلوس، وأنه واضع رجليه على الكرسي وأن الكرسي موضع قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع، ويعلم المحققون أنّ هذه الأخبار مكذوبة على الإمام أحمد وابنه عبد الله، بل الكتاب كله مكذوب عليه، فإن كان هو واضعه فالله حسيبه، والحق أحق أن يُتبع، والكتاب عند المتخصصين في العقيدة لا يمثل سوى طائفة الحشوية وحسب.
[المفتاح الحادي عشر]: كتاب الخلال ودوره في نشر بدعة الحشو: أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي المشهور بالخلال (ت 311 هــ): صاحب عقيدة جلوس الرحمن – عز وجل – على العرش، وكان يعتمد على الموضوعات والواهيات والإسرائيليات في العقائد فجاء بالغرائب صنّف كتابًا سماه كتاب ” السنة” وما أحراه أن يسميه بكتاب البدعة الذي يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق فهذا معنى الاستواء عنده أو المقام المحمود!! العياذ بالله، !! وقد أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام، وفيه أيضاً الكذب على الإمام أحمد وأنه تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو، والكتاب تقرير لعقائد أهل الحشو لا أهل السنّة، والخلال يقول من رد حديث (يقعده على العرش) فهو جهمي ومن رد حديث يقعده على العرش فقد كفر، اعتقاد الجسمية والتكفبر لمن يخالف تلك الوثنية، مع أن الذهبي يقول عن حديث القعود هذا حديث واه والالباني يقول حديث منكر، يكفر المسلمين بحديث منكر واه يخالف الأحدية والصمدية ويجسم الخالق ويحدده فإما ان نعتقد الكفر الموجود في حديث القعود فنكفر عن علم، وإما أن يكفرنا الخصم إن نحن أنكرناه، أمران كلاهما كفر فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[المفتاح الثاني عشر]: كتاب التوحيد لابن خزيمة ودوره في نشر بدعة الحشو: الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت 311 هــ): تأثر – على علمه بالحديث وجلالة قدره فيه – بابن كرام المجسم، صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، ولكنه تاب عنه وندم فقد أخرج البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه قال: (ما لأبي بكر والكلام؟ إنما الأولى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نتعلمه.. ثم قال البيهقي: والقصة فيه طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال والله أعلم ” ([139]).
واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه لا يحسن الكلام فقد نقل البيهقي عنه أنه قال: (ما تنكرون على فقيه راوي حديث لا يحسن الكلام ” أهـ([140]).
وكتاب التوحيد هذا أخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو.
[المفتاح الثالث عشر]: البربهاري ودوره في نشر بدعة الحشو: الحسن بن علي بن خلف البربهاري، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه معه على العرش وأنّ هذا هو المقام المحمود، مستدلا بحديث منكر لا يصلح لإثبات حكم في الاستنجاء، وكان يختبر الناس بهذه العقيدة فيكفر من نفى هذا الخبر ويتهمه بالتجهم والزندقة وله فتنة كبيرة عظمت في بغداد في زمانه بسبب هذه العقيدة الوثنية المتلقاه من عقيدة النصارى في أنّ الأب يجلس ابنه عيسى إلى جانبه على كرسيه تعالى الله عن أباطيلهم علوا كبيرا، يقول ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ: (ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكسبون من دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشى الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو، فأخبرهم، وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداذ، فركب بدر الخرشني، وهو صاحب الشرطة، عاشر جمادى الآخرة ونادى في جانبي بغداذ، في أصحاب أبي محمد البربهاري الحنابلة، ألا يجتمع منهم اثنان ولا يتناظروا في مذهبهم، ولا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشاءين، فلم يفد فيهم، وزاد شرهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد، وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيهم، حتى يكاد يموت، فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم، ويوبخهم باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه تارة أنكم تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، ثم طعنكم على خيار الأئمة، ونسبتكم شيعة آل محمد – صلى الله عليه وسلم – (إلى الكفر والضلال، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة، وتشنيعكم على زوارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف ولا نسب، ولا سبب برسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتأمرون بزيارته، وتدعون له معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، فلعن الله شيطانا زين لكم هذه المنكرات، وما أغواه، وأمير المؤمنين يقسم بالله قسما جهدا إليه يلزمه الوفاء به لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم ضربا وتشريدا، وقتلا وتبديدا، وليستعملن السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالكم) انتهى من الكامل لابن الأثير ([141]).
[المفتاح الرابع عشر]: الحشوية ينسبون كتاب الصفات للإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الدَّارَقُطْنِيّ (ت 385 هــ): وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه، وإنما يصلح أن يكون من صنيع من رواه عنه، فلا تصح نسبته إلى الدارقطني كما نبه عليه الكوثري في تبديد الظلام المخيم، ([142]). لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) قال الذهبي في ترجمته في [ميزان الإعتدال : (أقر بوضع حديث وتاب وأناب)، ([143]). ولا يخفى أن هذه التوبة لا تعني قبول روايته لأمرين (الأول): أن من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت طريقته، حكاه السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين ([144]). (الثاني): أنه حتى على مذهب من يقبل توبته لا يلزم قبولُ روايته لأنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده، نقل ابن حجر في ترجمته أنه كان كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال ([145]). ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري قال الذهبي في ترجمته: (شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي، وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال – فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل) ([146]).
وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن.
[المفتاح الخامس عشر]: ابن بطة ودوره في نشر بدعة الحشو: عبيد الله بن محمد أبو عبد الله العُكبري، المعروف بـ ابن بطة العُكْبَرِيّ: (ت 387 هــ): وهو أحد المتهمين بالوضع وحكِّ الكتبِ وهو الذي ألف كتابه الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، ونال رضا نعسان معطي شهادة الماجستير على تحقيقه وقال: (كتاب الإبانة لابن بطة يعد أكبر موسوعة في العقيدة السلفية، هذا الكتاب يمثل مذهب الإمام أحمد بن حنبل،) وحاشا لمذهب إمام أهل الأثر أن يمثله متهم بالوضع والتصرف في الكتب، أما ابن بطة فقد عُرف صنيعه في ترقيع الأسانيد والتصرف في بعض الكتب بالحك والزيادة والكذب في دعوى السماع عن قوم لم يسمع منهم، كما أشار إليه الخطيب البغدادي في ترجمته وحكم بوضعه أحد الأحاديث [وذلك لأن الدارقطني حكم بانقطاع رواية حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجي فقال هذا محال، وكان ابن بطة قد خرج تلك الأحاديث في تصانيفه فتتبعها وضرب على أكثرها وبقي بقيتها على حاله،حدثني أحمد بن الحسن بن خيرون قال رأيت كتاب ابن بطة بمعجم البغوي في نسخة كانت لغيره وقد حكك اسم صاحبها وكتب اسمه عليها، قلت وكذلك ادعى سماع كتب أبي محمد بن قتيبة ورواها عن شيخ سماه أبا مريم وزعم أنه دينوري حدثه عن بن قتيبة وابن أبي مريم هذا لم برو عنه أحد من أهل العلم ولا ذكره سوى بن بطة والله أعلم، حدثني عبد الواحد بن علي الأسدي قال قال لي محمد بن أبي الفوارس روى ابن بطة عن البغوي عن مصعب بن عبد الله عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام قال طلب العلم فريضة على كل مسلم قلت وهذا الحديث باطل من حديث مالك ومن حديث مصعب عنه ومن حديث البغوي عن مصعب وهو موضوع بهذا الإسناد والحمل فيه على ابن بطة والله أعلم) ([147]). وقال الإمام الكوثري في تكملة السيف الصقيل: (وابن بطة صاحب “الإبانة” فضح نفسه بأن يزيد في رواية حديث موسى عليه السلام (من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة؟) ليجعل كلام الله من قبيل كلام الخلق فجمع بين الاختلاق وسوء المعتقد، وابن بطة هذا من أئمة الناظم، ولست في صدد استقصاء أهل الكذب والزيغ من أئمته، نسأل الله المعافاة) أهـ، وكتابه الإبانة كله مبني على الحشو والغلو في التكفير، ومن ذلك: بيان كفر طائفة من الجهمية زعموا أن القرآن ليس في صدور الرجال باب بيان كفرهم وضلالهم وخروجهم عن الملة وإباحة قتلهم، باب الإيمان بأن الله عز وجل يضحك، باب الإيمان بالتعجب وقالت الجهمية: إن الله لا يعجب، باب الإيمان بأن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه، باب الإيمان بأن الله عز وجل خلق آدم على صورته، باب التصديق والإيمان بما روي أن الله يضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، باب الإيمان بما روي أن الله عز وجل يقبض الأرض بيده، ويطوي السماوات بيمينه، باب الإيمان بأن لله عز وجل يدين، وكلتا يديه يمينان -باب الإيمان بأن الله عز وجل خلق آدم بيده، وجنة عدن بيده، وهكذا أكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات تعالى وتقدس.
[المفتاح السادس عشر]: مُحمد بن إسحاق بن منده العبدي الأصبهاني (ت 395 هـــ): له كتاب التوحيد وله أيضا كتاب الرد على الجهمية، وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه، وعزاه إلى البخاري ومسلم، مع أنه ليس في أحدهما، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من أخبار أهل الحشو لا أهل التخصص والعلم بالعقيدة،
[المفتاح السابع عشر]: حشوية الحنابلة في القرن الخامس ودورهم في نشر بدعة الحشو: حشوية الحنابلة، وهم ثلاثة جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، فأما (ابن حامد الورّاق) فهو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي الورّاق المتوفى (سنة 403 هجرية) له مصنفات وفيها طامات وقد أوردها الإمام ابن الجوزي ورد عليها في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، واما (القاضي أبو يعلى) فهو محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي (المتوفى سنة 458 هجرية)، وهذا القاضي هو غير الإمام أبو يعلى الموصلي صاحب المسند المشهور، فاين الثرى من الثريا، قال الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه ” العواصم من القواصم” “أخبرني من أثق به من مشيختي أن القاضي أبا يعلى الحنبلي كان إذا ذُكِرَ الله سبحانه يقول فيما ورد من هذه الظواهر في صفاته تعالى: ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة ” اهـ،([148]). فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الإمام ابن الأثير في كتابه ” الكامل في التاريخ“: (وفيها أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله سبحانه وتعالى المشعرة بأنه يعتقد التجسيم، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد بجامع المنصور، وتكلم في ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا” اهـ، وفي نفس الكتاب يقول ابن الأثير ما نصه عند ذكر السنّة التي توفى فيها ذلك المجسم: ” لقد خري أبو يعلى على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء ” اهـ،([149]).
وسبب ذلك لأنه ألف كتابا سماه إبطال التأويلات وهو كتاب بدعي، وهذا غير مؤلفاته الأخرى له والتي فيها التجسيم والبدع، واما الثالث فهو (ابن الزاغوني) وهو أبو الحسن على بن عبيد الله بن نصر الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527 هجرية، وهذا من مشايخ الإمام ابن الجوزي، والإمام ابن الجوزي رد عليه كذلك وأبطل عقيدته وأنها ليست عقيدة الإمام ابن حنبل رحمه الله في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه”، قال الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي التيمي القرشي في مقدمة كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه: ((ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي، وابن الزاغوني ” فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم علي صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا وجهة هي السبحات ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم ويتنفس، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات وهي تسمية مبتدعة لادليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم بلتفتوا إلى النصوص الصارمة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا لا نحملها علي توجيه اللغة مثل يد علي نعمة وقدرة ومجيء وإتيان علي معني بر ولطف، وساق علي شدة، بل قالوا نحملها علي ظواهرها، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يجعل علي حقيقته إذا أمكن، وهم يتجرحون من التشبيه ويأنفون من اضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، وكلا منهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: ” كيف أقول ما لم يقل ” فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه، ثم قلت في الأحاديث، تحمل علي ظاهرها، وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم ومن قال: استوي بذاته فقد أجراه مجري الحسيات، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنه به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم أحد، إنما حملكم إياها علي الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل الى يوم القيامة .
[فصل] قلت: وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه: (أحدها): أنهم سموا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات، وليس كل مضاف صفة، فإنه قال سبحانه وتعالى: {ونفخت فيه من روحي} وليس لله صفة تسمي روحا، فقد ابتدع من سمي المضاف صفة، (الثاني): أنهم قالوا: إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، ثم قالوا: نحملها علي ظواهرها، فواعجبا ما لا يعلمه إلا الله أي ظاهر له،؟ فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال، (الثالث): أنهم أثبتوا لله تعالى صفات، وصفات الحق لا تثبت إلا بما يثبت به الذات من الأدلة القطعية، وقال ابن حامد من رد ما يتعلق به بالأخبار الثابتة فهل يكفر؟ علي وجهين، وقال: غالب أصحابنا علي تكفير من خالف الأخبار في الساق والقدم والأصابع والكف ونظائر ذلك وأن كانت أخبار آحاد لأنها عندنا توجب العلم، قلت: هذا قول ما لا يفهم الفقه ولا العقل، (الرابع): أنهم لم يفرقوا في الأحاديث بين خبر مشهور في قوله ((ينزل إلى السماء الدنيا)) وبين حديث لا يصح كقوله ” رأيت ربي في أحسن صورة ” بل أثبتوا هذا صفة وهذا صفة، (الخامس): أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين حديث موقوف علي صحابي أو تابعي فأثبتوا بهذا ما أثبتوا هذا، (السادس): أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع ولم يتأولوها في آخر كقوله ((ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)) قالوا هذا ضرب مثل الأنعام، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال:” إذا كان يوم القيامة جاء الله يمشي ” فقالوا نحمله علي ظاهره فواعجبا من تأول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز، (السابع): أنهم حملوا الأحاديث علي مقتضى الحس فقالوا: ينزل بذاته وينتقل ويتحرك، ثم قالوا: لاكما يعقل، فغالطوا من يسمع فكابروا الحس والعقل فحملوا الأحاديث علي الحسيات، فرأيت الرد عليهم لازما لئلا ينسب الإمام إلى ذلك، وإذا سكتُ نُسبت إلى اعتقاد ذلك، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس، لأن العمل علي الدليل، وخصوصا في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد) انتهى من الباز الأشهب،[قلت]: هؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة وإلى يومنا هذا إذ جروهم إلى بدعة الحشو جرا ودفعوهم إلى التجسيم دفعا وقد تأثر بهم كثير ممن جاء بعدهم كالحافظ عبد الغني المقدسي والشيخ ابن قدامة صاحب المغني وابن تيمية وتلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي والذهبي وغيرهم، وهؤلاء وإن كانوا أعلاما في بعض أبواب العلم إلا أنهم مساكين في أبواب علم أصول الدين عامه كباب الأسماء والأحكام (مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك و السنّة والبدعة) وأشد جهلاً في علوم التنزيه مسلوبي العقل والعرفان عند الحديث على صفات الله يتهافتون على الحشو والتجسيم كما يتهافت الفراش على النار وكم تفطن إلى ذلك بن الجوزي الحنبلي حيث قال فيهم ” فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس، وهم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، وكلا منهم صريح في التشبيه.. ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم.. وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل الى يوم القيامة ” فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين، وأما كتابه ابطال التأويلات ففيه طامات: أهونها أنه أثبت (قعود النبي صلى الله عليه وسلم على العرش مع الله) !! وأن هذا هو المقام المحمود الذي وعده به ربه، وأن من لم يؤمن بذلك فهو من الفرق الهالكة، وذكر في ذلك روايات، و كل تلك الروايات موضوعة، ثم قال أبو يعلى الفراء معتمدا على الروايات الموضوعة: ((فلزمنا الإنكار على من رد هذه الفضيلة التي قالتها العلماء وتلقوها بالقبول، فمن ردها فهو من الفرق الهالكة)) اهـ،([150]). بل ونقل أبو يعلى عن بعضهم تكفير منكر ذلك !!، ، وأثبت (الاستلقاء والاتكاء والقعود، ورفع إحدى الرجلين على الأخرى) !! وذكر في ذلك رواية موضوعة: ((إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: إنها لا تصلح لبشر)) ([151]).
وذكر عن كعب الأحبار أنه قال لمن سأله أين ربنا: ((هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى)) اهـ !!، وقد أثبت أبو يعلى بهذا وذاك وغيره من الباطل صفات لله تعالى وتقدس عن إفكه فقال: ((اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء: منها جواز إطلاق الاستلقاء عليه، لا على وجه الاستراحة بل على صفة لا نعقل معناها، وأن له رجلين كما له يدان، وأنه يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقلها)) اهـ([152]).
ثم لم يهدأ حتى وصف الله تعالى بأنه في صورة (شاب، أمرد، أجعد، في حلة حمراء، عليه تاج، ونعلان من ذهب، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب) !! وكتب في ذلك صفحات كثيرة من الكتاب ليثبت هذه الأوصاف لله ـ تعالى وتقدس عن إفكه ـ وكلها روايات موضوعة، ونقل أن من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة !! فهو: (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد)، ثم قال أبو يعلى في 1/146: (وليس في قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفور إثبات تشبيه، لأننا نثبت ذلك تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتا ونفسا، ولأنه ليس في إثبات الفَرَاش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش،)) اهـ([153]).
، فهذه بعض مخازي أبي يعلى الفراء، كما أثبت (التدلي) !! بقوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) على أن المتدلي هو الله !! فقال ((فعلم أن المتدلي هو الذي يوحي وهو الله تعالى)) اهـ ([154]).
!! يقول هذا مع أن أئمة اللغة قد أجمعوا على أن الضمائر تعود على ما يناسبها ولو بعدت، ولم يتورع أبو يعلى من إطلاق الشمال على الله، ([155]).
ولم يتورع عن اتبات صفات بكلام اليهود، فذكر في عن كعب الأحبار أنه قال: ((إن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إني واط على بعضك، فانتسفت إليه الجبال فتضعضعت الصخرة فشكر الله لها ذلك فوضع عليها قدمه)) اهـ، ([156]).
والمحقق يقول: ((الخبر من الإسرائيليات)) اهـ، لكن أبا يعلى لا يتورع عن إثبات صفات بمثل هذا، ولأن أبو يعلى حشوي جلد، فإنه مغرم بنسبة كل شيء إلى الذات ! لا يتردد أبدا في ذلك فتراه يذكر في رواية (إن الله يدني العبد يوم القيامة) فيقول: ((المراد من دنوه الدنو من الذات)) ! ([157]). ويذكر: ((نزول ذاته)) !! تعالى وتقدس، يستدل لذلك بخبر موضوع: ((إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينـزل نزل بذاته)) ! ([158]). ويذكر: ((هبوط الذات)) و ((الدنو والقرب من الذات)) ([159]). و((فأما التجلي فهو راجع إلى الذات)) ثم أثبت الذراعين والصدر) !! ([160]). برواية مكذوبة باطلة، نصها: ((خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر)) !! ([161]). ثم قال: ((الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في إثبات الذراعين والصدر، والثاني في خلق الملائكة من نوره)) اهـ !! فأثبت الذراعين والصدر والنور صفات، وأثبت (الفخذ والأمام والخلف لله) سبحانه وتعالى عن حشو المجسمة) !!!! برواية باطلة: ((إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له: كن أمامي، فيقول: رب ذنبي، فيقول الله: كن خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له خذ بقدمي)) اهـ، ([162]). ثم يذكر الرواية الباطلة التالية: ((إن الله عز وجل ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه يقول: ادن منا أزلفت لدينا)) اهـ، ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين … ولا نثبت أيضا أماما وخلفا على وجه الحد والجهة، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة …)) اهـ !!!، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، جعل الفخذ صفة لله تعالى وتقدس، والفخذ من العورة في شريعة الإسلام، حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم أثبت (الإبهام والخنصر والسبابة والتي تليها) !! بروايات لا يثبت بها شيء حتى في الوضوء، فأثبت الإبهام صفة للهمستدلا برواية منكرة باطلة: ((أوحى الله إلى داود: ارفع رأسك فقد غفرت لك، ومحوت خطيئتك بإبهام يميني)) اهـ !!، ([163]). ثم قال أبو يعلى متحذلقا: ((وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام،)) اهـ، وقال في خبر تالف باطل. ((الخبر على ظاهره في إثبات الأصابع والسبابة والتي تليها)) اهـ، ([164]) ويقول في ((، الخنصر وهو على ظاهره، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته)) اهـ([165]).
ثم أثبت (اللهوات والأضراس) !! صفاتا لله، ففي يذكر أبو يعلى خبرا باطلا نصه: ((يضحك الله، حتى بدت لهواته وأضراسه)) اهـ([166]). ثم يقول: ((لا نثبت أضراسا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناها)) اهـ،([167]). ولم يكتف بذلك حتى أثبت (الملل) !! صفة لله،برواية: ((إن الله لا يمل حتى تملوا)) فأثبت الملل له تعالى صفة، ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع إطلاق وصفه تعالى بالملل لا على معنى السآمة والاستثقال،)) اهـ !! ([168]). وأثبت (الفم) !! بأثر باطل ((كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن عز وجل يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك)) اهـ([169]). ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه)) اهـ !! وأنه: ((صفة قد ورد الخبر بها)) اهـ !!، وأثبت (الجنب) !! صفة لله فقال ((وأما قوله تعالى: (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) فحكى شيخنا أبو عبدالله رحمه الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله سبحانه)) اهـ ([170]).
،ثم أثبت (الهجو والاستهزاء والسخرية) !! من جملة الصفات وقال: ((واعلم أنه غير ممتنع على أصولنا إطلاق الهجو عليه سبحانه، وكذلك الاستهزاء والسخرية)) اهـ !! ([171]). وعند إثبات الساق أورد روايات موضوعة مآلها كلها إلى التجسيم والعياذ بالله، وقد تقدم بيان تأويل الحبر ر ضي الله عنهما للساق بالشدة، ولكن انظروا لروايات الفراء، أورد أبو يعلى في كتابه من طريق مقاتل بن سليمان قال: ((قال عبدالله بن مسعود في قوله عز وجل: (يوم يكشف عن ساق) يعني ساقه اليمين، فيضيء من نور ساقه الأرض، فذلك قوله: (وأشرقت الأرض بنور ربها)، يعني نور ساقه اليمين)) اهـ !! ([172]).
والرواية حتى أهل الحشو المعاصر لا يقبلونها فقد قال محقق الكتاب وهو حشوي مثله: ((إسناده ضعيف جدا، ومقاتل بن سليمان متهم ورمي بالتجسيم)) اهـ، ثم لم يتورع حتى أسند رواية إلى الجن بأن الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض كان مستقرا على الحوت ([173]).فقد أورد، قال ابن الأثير في أحداث سنة (459هـ) حيث كانت وفاة أبي يعلى: ((وفي شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي، ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة، وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك،)) اهـ،([174]).
[المفتاح الثامن عشر]: الهروي ودوره في نشر بدعة الحشو: هو عبد الله بن محمد الهروي (ت 481 هـ): له كتاب الأربعين في دلائل التوحيد: وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، أضف إلى وقيعته في علماء الأمة الذين رزقهم الله تعالى القبول والتشنيع عليهم وتكفيرهم لاسيما السادة الأشاعرة المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث، وكان يحكي تكفيرهم وشحن كتبه في ذلك، وكان يقول: (وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي) ([175]).
[ المفتاح التاسع عشر]: الامام ابن تيمية (ت 728 هــ) ودوره في التأسيس لبدعة الحشو: كل من سبق كانوا جميعا سلف ابن تيمية في تبني عقيدة الحشو: لقد أضر مقاتل بن سليمان وهشام بن سالم وابن كرام والسجزي الدارمي والخلال وابن خزيمة وابن بطة والبربهاري والهروي وابن حامد الوراق والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، لقد أضر هؤلاء بعقيدة ابن تيمية أيما ضرر، وهؤلاء هم سلف ابن تيمية، ويقينا فإنّ اطلاع ابن تيمية على مؤلفات هؤلاء واحسان ظنه فيها وهو لم يكن دارسا لعلم التقديس ولا ملما بقواعده، فتسربت إليه بدع الحشو، ومذهبه هو الحشو ذاته، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد.
إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف لم يجدد مذهب السلف، بل جدد بناء المدرسة الحشوية بجميع مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد، لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وأهل الحديث.
وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات مثل مباحث منزلة العقل الصحيح في الإسلام ودوره في فهم أدلة التنزيه، والتفريق الأصولي بين القديم والحادث وهل يمكن للقديم ان يقبل الحوادث، والتفريق بين المحكم والمتشابه، والتفريق بين الحقيقة والمجاز، وحجية المتواتر والآحاد في باب العقيدة، والسر في التفريق بينهما، وقواعد التقديس والتوحيد والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها لما تشبع به عقله من الحشو الذي تسرب إليه من مراجع الحشوية، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، ولحمل الآيات والأحاديث على المراد الحقيقي منها والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه النزول ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب الاثرية وهو مذهب السلف الصحيح والذي ليس لهم مذهب سواه، وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنّة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّ ابن تيمية لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، وللأسف، عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق.
[المفتاح العشرون]: الامام محمد ابن عبد الوهاب والتجديد لبدعة الحشو: لقد انطفأت الفتنة بعد موت ابن تيمية، إلى أن جاء زمان محمد ابن عبد الوهاب (ت 1206 هــ) فتبنى نشر كتب وأفكار ابن تيمية بقوة السيف والسنان، واستحل في سبيل ذلك الدماء والأموال، أضف إلى ذلك أنه كانت له اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، فزادت الطين بلة، وقد تقدم بيان ذلك كله في الكتاب الثالث من هذه السلسلة: مفاتيح علم التوحيد والشرك، والله المستعان.
[المفتاح الحادي والعشرون]: العلوم التي أدى غيابها إلى وقوع السلفية المعاصرة في بدعة الحشو: (أ) الجهل بمفاتيح علم التقديس والتنزيه المستمد قواعده من أدلة الكتاب والسنّة (علم توحيد الذات )، أدى إلى تبنيهم بعض مفردات مذهب الحشو على انه مذهب السلف وليس كذلك.
(ب) والجهل بمفاتيح علم الإيمان، وفقه مسائله وأحكامه في ضوء الكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح، وسبيل علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة الأعلام، أدى إلى وجود التكفيريين ممن يقترب مذهبهم من مذاهب المعتزلة والخوارج الضالين.
(ت) والجهل بمفاتيح علم التوحيد المستمد قواعده من أدلة الكتاب والسنّة وهدي السلف الصالح، وسبيل علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة الأعلام، (توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والألوهية)أدى في باب الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة مما لا يصل إلى الشرك الأكبر ابدا.
(ث) والجهل بمفاتيح علم الاتباع والابتداع، وفقه مسائل السنّة والبدعة، في ضوء الكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح، وسبيل علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة الأعلام، فأدى ذلك في باب الغلو إلى الزيادة في التبديع وتبديع ما ليس بمبتدع، وتبديع الأكابر من علماء أهل السنّة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنّة والجماعة، ويرغب هؤلاء في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها.
(ج) والجهل بمفاتيح علم تحديد إطار أهل السنّة والجماعة الواسع الصحيح، وهذا علم مستقل لا يتقنه إلا الراسخون في العلم الحريصون على امة النبي صلى الله عليه وسلم الرحماء بهم.
وقد استقر لهم (أي أهل السنّة والجماعة)على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، والثانية: الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري، والثالثة: الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي، ولا يمكن فصل إحداها بحال، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة، واستقر لهم (أهل السنّة والجماعة)في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ويحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، وهم (أهل السنّة والجماعة)يؤمنون بالكرامات للأولياء الصالحين، ويأخذون بالكشف والإلهام الذين لا يعارضان القرآن والسنة، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية) السنية الراشدة المتمسكة بأصول أهل السنّة والجماعة، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنّة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة.
[المفتاح الثاني والعشرون]: إن الكثير من رموز السلفية المعاصرة ينظر نظرة ضيقة تعتبر جناية على أهل الإسلام عامة وعلى أهل السنّة والجماعة خاصة، فهم ينظرون إلى أنفسهم أنهم فقط الجماعة الناجية، وأنهم البديل الصحيح لمصطلح أهل السنّة والجماعة، ومن عداهم ممن يخالفهم الرأي فرق ضالة مبتدعة خارجة عن إطار السنّة أو فرق كافرة مشركة خارجة عن إطار الإسلام، وهؤلاء قد أُوتوا من ضيق النظرة الأفقية في واقع المسلمين، فإن تعداد المسلمين في العالم يربو على ألف وستمائة مليون نسمة، لو أخرجنا الشيعة والخوارج والمعتزلة والمجسمة والمرجئة وسائر الفرق الضالة، كان تعداد أهل السنّة والجماعة ما يربو على ألف وثلاثمائة مليون نسمة، وهم لا تمثلون سوى نسبة محدودة، والسنية بمدارسها العقائدية والفقهية والسلوكية تمثل الخط العلمي العام لأكثرية العلماء والمتخصصين من علماء أهل السنّة والجماعة.
إنّ النظرة الصحيحة لأهل السنّة والجماعة – بعد معرفة أصولها الصحيحة الراسخة لا الأصول السطحية الخاطئة التي يؤصلها أهل الحشو المنتسبين بالخطأ إلى السلفية والسلف منهم برآء، هذه النظرة الصحيحة لأهل السنّة والجماعة ترى ضرورة احترام التخثصصات العلمية والسلوكية التي تأصلت لأهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، وترى ضرورة إجراء تعديلات علمية وعملية تحتم إصلاح الخلل الموجود عند طوائف السلفية المعاصرة حتى تنتظم على الجادة في سلك الجماعة الناجية ومذاهبها العلمية المتعددة ما بين الفقه والعقيدة والسلوك.
إنّ بعض أتباع السلفية المعاصرة يرون أن منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنّة والجماعة، مع أنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر ابن تيمية ومدرسته، وهكذا تم اختزال كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية الاخرى – والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم مر عصور الإسلام -، بل وقياس قربهم وبعدهم عن أهل السنّة والجماعة بهذه المقاييس الانحيازية، مما يمثل خطرا على سعة الدين واحترام تخصصاته العلمية.
إنّ الخطأ العلمي القائم على احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي، وما بين انتسابهم للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء الإمام ابن تيمية، وآراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب المؤسس الثاني لهذه الدعوى في القرن الثاني عشر، ولاشك أنّ عصور السلف الصالح الثلاثة الأولى التي شهد الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالخيرية العامة هي عصور القدوة المثلى والإتباع الأمثل، ولاشك أنّ أهل السنّة والجماعة يجتمعون على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من خلال فهم السلف الصالح للكتاب والسنة، ولكن ينبغي مناقشة آرائهم جميعها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف، ومدى قربها أو بعدها عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم، وكذلك فإنّ الخطأ في فهم المقصود بالخيرية التي وصفت بها قرون السلف الأولى، والذي تبناه أكثر مراجع السلفية المعاصرة، ظانين أنّ الخيرية اقتصرت على القرون الثلاث الاولى فقط، فاتجهوا الى رفض ومعارضة كل رأي او فهم يأتي من خارج دائرة القرون الثلاث الا بانتقاء الآراء بعد ذلك من العصور المتأخرة، والحقيقة التي يجب معرفتها: أنّ الخيرية لم تكن في جميع من عاش القرون الثلاث الاولى بل الخيرية كانت في العموم والمجموع الغالب، ثم ظهرت التخصصات العلمية بعد ذلك مستمدة أصولها من علماء تلك الحقبة المباركة من عصور الإسلام، فليس المقصود بالخيرية رفض كل صحيح بعدها، وهذا هو الخلل في فهم الخيرية.
إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي، ففي القرن التالي لعصور السلف
ظهر التخصص في الحديث وكان من ثمرته أن حفظت السنّة متمثلة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وعير ذلك من كتب السنن والمسانيد.
وظهر التخصص في الفقه وكان من ثمرته أن دون الفقه وظهرت المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها مما يعد مفخرة أهل السنّة والجماعة في حفظ الشريعة، وانتشرت البدع واحتاج الناس إلى انتصاب العلماء للرد عليها، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنّة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة وتفنيد أخطائهم، وتطهير عقائد المسلمين من بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة وغيرهم، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم.
وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنّة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، وهي المدرسة الأثرية وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة الأشعرية وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة الماتريدية وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف.
ولذلك فإنّ الخطأ والخطر لا يزال قائما عند دعاة السلفية المعاصرة وذلك يتمثل في تقديم مؤسسة واحدة (السلفية بمفرداتها التي اشتهرت بها)على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، لقد كان السلف الصالح هم خير قرون الإسلام علما وعملا، وفقها وفهما، وهم أعلم الناس بدين الله عز وجل وأرسخ الناس إحاطة بعلومه وجوانبه وأقل الناس تكلفا في أمره وأبعد الناس غلوا في فهمه أو تفريطا في القيام بجوانبه، وأهل السنّة والجماعة يعرفون لسلفنا الصالح فضلهم ويسيرون على هديهم ومناهجهم فإنهم كانوا على الهدى القويم والصراط المستقيم، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا تخصصهم العلمي وابداعهم الفكري، وظل المسلمون يحترمون أهل التخصص في العلوم الشرعية إلى أن جاءت فوضى عدم احترام التخصص متمثلة في طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية والعملية الإسلامية.
إنّ دعوى السلفية المعاصرة تنتسب إلى ابن تيمية انتسابا لصيقا لأنّه المؤسس لهذه الدعوى في القرن الثامن، وكل من أثنى عليه ابن تيمية ممن سبقه ونسبه إلى السلف نسبته السلفية إلى السلف، وكل من هاجمه ابن تيمية ممن سبقوه ناصبته السلفية المعاصرة العداء، وليس يعتبر سلفيا من جاء بعده حتى يكون قد تتلمذ على يديه أو كتبه وأفكاره، وعلى ذلك فينبغي قبل مناقشة دعوى السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية ينبغي مناقشة آراء ابن تيمية لمعرفة مدي تمثيله لمذهب السلف، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم، و كذلك فأنّ دعوى السلفية المعاصرة تنتسب إلى محمد بن عبد الوهاب انتسابا لصيقا لأنّه المؤسس لهذه الدعوى في القرن الثاني عشر، وهو قد أحال أغلب آرائه إلى ابن تيمية ثم أضاف أشياء وآراء واجتهادات ينبغي مناقشتها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم، وكذلك فإنه من الأمانة العلمية والضرورة الدينية والأخلاقية أن نعيد تقييم مدى صحة الدعوى بطرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية، ما أجمل السلفية وأكرم بها من مذهب لو عادت إلى سلفية الكتاب والسنّة، واتقنت علوم الدين على مناهج أهل التخصص في العلم، وعالجت القصور والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
المبحث التاسع أبرز الفرق الضالة في زماننا المعاصر (الفرقة الاولى): (الرافضة الصفوية الخمينية)
(تنبيه): أخطر الفرق على أهل السنّة والجماعة في زماننا المعاصر: الفرقة الأولى: الإمامية الصفوية الخمينية الاثني عشرية، والفرقة الثانية: الوهابية التيمية السلفية، وتكمن خطورة هاتين الفرقتين أنّ الأولى تتمسح في حب آل البيت وتدلس على المسلمين بهم، وآل البيت منهم براء، والفرقة الثانية تتمسح في السلف الكرام وتدلس على المسلمين بهم، والسلف الكرام منهم براء، وهاتان الفرقتان هما بحق أخطر الفرق المعاصرة على أهل الإسلام، فلولا الروافض الصفويين لكانت أوروبا اليوم على دين الإسلام لا تعرف دينا غيره، ولولا الوهابيين وبدعهم وضلالاتهم من الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتبديع والتضليل ومحاربة التخصصات الإسلامية في شتى علوم الدين، وطرحهم الموازي لدين الإسلام الحق في كل أبواب الدين والعلم، لكانت الامة الإسلامية اليوم على منهجية علمية واحدة تخترم أهل التخصص وتتفرع لنشر الدين وحمل تكاليف الدعوة والأمانة.
[المفتاح الأول]: الروافض الصفويون الخمينيون: تُـنسب الصفوية إلى (الدولة الصفوية) التي حكمت إيران في الفترة من: (907 إلى 1148هـ)، (1501-1724م)، والتي أسسها الشاه إسماعيل الصفوي، واتخذ مدينة تبريز الإيرانية عاصمة لدولته، وكانت إيران قبل وصوله للحكم سنية على المذهب الشافعي، ولكنه أول ما حكم أعلن أن مذهب دولته الإمامية الإثنى عشرية، وأنه سيعممه في جميع بلاد إيران بالحديد والنار، ثم أمر الخطباء في المساجد بسب الخلفاء الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم، وقد عانى أهل السنة في إيران من ظلمه معاناة هائلة وأجبروا على اعتناق المذهب الرافضي بعد أن قتل منهم مليون إنسان سني في بضع سنوات بشهادة مؤرخ شيعي. وظل يجتاح بلاد المسلمين حتى انتزع بغداد بعد سبع سنوات من قيام دولته، ثم أمر بهدم مدينة بغداد وقتل أهل السنة، وتوجه إلى مقابر أهل السنة ونبش قبور الموتى وأحرق عظامهم، وبدأ يعذب أهل السنة سوء العذاب ثم يقتلهم، وقد أرخ الشيعة في ذلك الزمان لهذه الحادثة إذ قال ابن شدقم الرافضي يحكي سيرته: (فتح بغداد وفعل بأهلها النواصب ذوي العناد ما لم يسمع بمثله قط في سائر الدهور بأشد أنواع العذاب حتى نبش موتاهم من القبور). ووصلت أخبار المذابح العظيمة لأهل السنة إلى الدولة العثمانية، فاجتمع السلطان العثماني سليم الأول في عام عشرين وتسع مئة برجال دولته وعلمائها، وقرروا أن الدولة الصفوية تمثل خطراً على العالم الإسلامي، وأن على السلطان جهادها، وإيقاف ظلمها وتنكيلها بالمسلمين، فحاول السلطان مفاوضة الصفوي إسماعيل فلما لم يستجب له، سار إليه بجيش يقوده السلطان بنفسه قوامه مئة ألف، وجيش الصفوي مئة ألف أيضا، فالتقى الجيشان في صحراء جالديران، فهزمه السلطان هزيمة نكراء وقتل أكثر جنده، فقضى على حكمه في العراق بعد أن حكمها بالحديد والنار ست سنوات، فما كان من الصفوي الخبيث وقد أحس بالضعف إلا أن كاتب قائد البرتغال الصليبيين يطلب نجدته، ولكن الله تعالى خذلهم، إذ استطاع العثمانيون القضاء على دولتهم نهائيا بعد قرنين ونصف من الظلم والعسف، لقد استطاع الصفويون إقامة دولة شيعية على أشلاء الملايين من أبناء أهل السنة والجماعة، الذين كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان إيران، وقد قاد عمليات التصفية هذه الشاه إسماعيل وخلفاؤه، فنقلت نسبتهم من (65%) إلى (10%).
ومن أبرز جرائم الدولة الصفوية: أنها تميزت بجرائم ثلاث كبرى: (الأولى) الإمعان في تحريف الإسلام، (الثانية) اعتماد منهجية العنف الدموي الشديد في نشر التشيع، (الثالثة) إقامة التحالفات مع أعداء الامة ضد أهل السنة.
إقامة التحالفات الغادرة مع أعداء الامة ضد أهل السنة، وعندما قام الخميني بالثورة في إيران على الشاه، بمساعدة وتخطيط الأوربيين أيضا، فإذا به يتبنى كل العقائد الشاذة للتشيع عبر التاريخ، ويحاول بث روح السيطرة على العالم الإسلامي ومحاولة تشييعه، واضطهاد أهل السنّة في إيران، ومن أهم أشكال الاضطهاد الديني منذ الثورة الخمينية تحديداً، في النقاط التالية: تنفيذ الإعدامات ممنهجة تخص رموز أهل السنة بإيران وجرح عقائد أهل السنة والنيل من الصحابة عموماً، عدم السماح لأهل السنة ببناء المساجد والمدارس في المناطق ذات الأكثرية السنية، وتسخير جميع وسائل الإعلام لنشر العقيدة الشيعية في الأوساط السنية، وتنشئة الأطفال وأبناء أهل السنة على أفكار وعقائد الشيعة، وحرمان أهل السنة من شؤونهم الثقافية والاجتماعية والأخلاقية، وفرض مناهج تعليمية شيعية وأساتذة شيعة، والفقه الشيعي على السنة.
[المفتاح الثاني]: معتقدات الروافض الصفويون الباطلة وجنايتهم على مرتكزات الدين:
(أ) اتصفت الرافضة في باب الإيمان والكفر بأشر ما اتصفت به الفرق الضالة سواء الغالية منها والجافية، وسواء المفرطة منها والمفرطة، فهو خوارج على كافة أهل القبلة يكفرون كل من لم يكن على نفس غلوهم، وهم غلاة المرجئة على بعضهم البعض فيكفي المرء للنجاة الإقرار بالأئمة الاثنى عشر ويكفي المرء المحبة لنيل الدرجات العلا ولا يلزم من ذلك لا صلاة ولا صيام ولا غيره.
(ب) تكفير الروافض لأهل السنة والجماعة واعتبار نجاستهم وانهم حلال الدم والمال والعرض: وتكفيرهم لأهل السنّة أشد من تكفيرهم لليهود والنصارى وأشد من تكفيرهم لسائر طوائف المسلمين الذين لا يؤمنون بعقائدهم في الأئمة، وهم يسمون أهل السنة النواصب ثم يستحلون بهذا اللقب دماءهم وأموالهم ويحكمون عليهن بالكفر الأكبر والخلود الأبدي في النار ابتداءً من سيدنا أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة – رضي الله عنهم.
(ت) مغالاة الروافض في الإمامة وجعلها أصل من أصول الاعتقاد وجعلها الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم . (والإمامة) عند أهل السنة والجماعة الناجية: ليست من أصول الدين وأركانه، ولكنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، أما الإمامة عند الشيعة الإمامية فلها وضع عجيب غريب يمتلئ بالغلول والضلال، إذ جعلوها أساس الدين الأعظم وركنه الأكبر، وجعلوها الأصل الأول من أصول الاعتقاد وقدموها على الصلاة والزكاة والصيام والحج، وجعلوها محور الخلود في الجنة أو الخلود في النار.
(ث) مغالاة الروافض في الإمام علي والأئمة من أولاده الذين اختاروهم للإمامة: وأهل السنة والجماعة الناجية: أهل التوسط والاعتدال الشرعي الرباني الحكيم ينظرون إلى الإمام علي رضي الله عنه على أنه خليفة المسلمين الرابع الراشد وهو من المبشرين بالجنة الذين حازوا رضوان الله تعالى في الدنيا والآخرة ومكانته عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين عظيمة، ومناقبه كثيرة وهو ولي الله وولى رسوله وولي لكل مؤمن رضي الله عنه وأرضاه، وولديه الحسن والحسين هما سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وسيدا شباب أهل الجنة رضي الله عنهما وأرضاهما، ونسلهما إلى يوم القيامة هم آل بيت النبي – صلى الله عليه وسلم الذين لهم نصيب من الدعاء في صلاة كل مسلم حيث يقول اللهم صل على محمد وآل محمد … اللهم بارك على محمد وآل محمد . ولكنهم جميعاً رضي الله عنهم بشر يجوز عليه الخطأ والسهو والنسيان وليست لهم العصمة، إذ العصمة للرسول صلى الله عليه وسلم وحده: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}، وكل بعده يصيب وخطئ، أما عند هؤلاء الرافضة الإمامية: فإنهم يدّعون للإمام علي رضي الله عنه والأئمة من أولاده واحفاده أنهم يعلمون الغيب ولهم علم السماوات والأرض وعلم الجنة والنار وعلم ما كان وما سيكون وأنهم معصومون عن السهو والخطأ والنسيان، وأن لهم مقاماً عظيماً بل عجيباً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
(ج) بُغض الروافض للصحابة والانتقاص من قدرهم وتكفيرهم وسبهم ولعنهم والبرآءة منهم: وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الكرام البررة، هم خير أصحاب الأنبياء وصفهم الله تعالى بالصدق والإخلاص، حملوا دين الإسلام ونشروا رسالته إلى أرجاء الأرض ونصروا عقائده وشرائعه وأخلاقه، وبسطوا سلطانه ورفعوا رايته، عاشوا حياتهم كلها لله دعوة وحسبة وجهاداً، يضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وفي سبيل مرضاته، راجين رحمته وخائفين من عذابه، أثنى القرآن الكريم عليهم أعظم ثناء، (ح) الروافض يبغضون الكثير من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بل وينتقصون قدرهم ويحطون من منزلتهم، وأول ذلك إيذاء النني صلى الله عليه وسلم في أهل بيته وزوجاته أمهات المؤمنين لاسيما الصديقة ابنة الصديق عائشة رضي الله عنها وارضاها.
(خ) الروافض والتشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم: يقوم مذهب الشيعة الإمامية الضال على تكفير الصحابة والبرآة منهم وعلى لعنهم وسبهم بأفظع أنواع السباب الذي يتنزه عن فعله العوام فضلاً عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أئمة الصديقين والشهداء والصالحين، ولما كان للصحابة رضي الله عنهم الفضل الأعظم – بعد الله ثم رسوله صلى الله عليه وسلم – في تبليغ القرآن الكريم وفي جمعه وكتابته بين دفتي المصحف، ولما كان القرآن الكريم تمتلئ آياته بالثناء عليهم والترضي عليهم، فكان الشيعة في شر حال إما أن يتوبوا إلى الله من ضلالاتهم ويجزموا بصحة القرآن وصيانته ويترضوا عمن ترضى عنهم القرآن وعمن حملوا لنا القرآن وحفظوه وجمعوه وبالتالي ينسفوا مذهبهم الباطل من أساسه، وإما أن يكفروا الكفر البواح ويعلنوا أن القرآن الذي جمعه الصحابة وحفظوه وقد حرف وزيد فيه ونقص وحذفت منه آيات تنص على الولاية لعلي رضي الله عنه وحذفت منه آيات تفضح أولئك الذين قام المذهب الإمامي الكافر الفاجر على سبهم ولعنهم وتكفيرهم، فاختار الإماميون الجانب الثاني فالصحابة كفار والقرآن محرف وحق لي أن أتساءل ماذا بقي لنا من ديننا، وهل يستطيع أمرؤ الصلاة بقرآن لا يعلم هل هو من التحريف والزيادة ام هو من المحكم المحفوظ، ولما كان القوم هم أئمة التقية والكذب كان حرباً أن تمتلئ كتبهم بالتناقض فهناك روايات تؤكد تحريف القرآن وأنه حدث فيه الحذف والزيادة وهناك روايات تؤكد صيانة القرآن وعدم تحريفه، ولكن المتتبع لكتب الشيعة ومؤلفاتهم وكتاباتهم يجد أن هناك خطا عاماً لا يمكن أن يكون تقيه بحال إلا وهو خط التحريف والزيادة والنقصان، وروايات هذا الخط تزيد على الألف رواية في كافة كتبهم كلها تصب في معين واحد هو تحريف القرآن ووجود قرآن آخر غيره يقوم به المهدي آخر الزمان، وهناك خط خاص – محدود – جعله القوم ذراً للغبار وللتقيه وللاستهلاك المحلي على حد قول البعض، حتى يدلسوا به على المؤمنين الصادقين، وحتى يخفوا عقيدتهم الحقيقية عن أعين الصادقين المخلصين.
(د) الروافض وإنكار السنة النبوية المشرفة: والسنة النبوية الشريفة هي الوحي المحفوظ المعصوم المتمم لكتاب الله تعالى والمكمل لشرائعه وأحكامه، والمفصل لمجمله، والمبين لمبهمه، والشارح لمعانيه، وأجمعت الأمة قاطبة على وجوب قبول سنة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعها والعمل بها وينقل ذلك الإجماع فقيه الأمة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فيقول: (أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد).
أما موقف الروافص من السنة النبوية: فهم في حقيقة الأمر قوم ينكرون السنة، وقد دعاهم إلى إنكار السنة أسباب أهمها: (السبب الأول): أنهم يكفرون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك فهم يشككون، بل وينكرون كل حديث حمله أولئك الأصحاب عن النبي صلى الله عليه وسلم إلينا، والنتيجة الحتمية لهذا الأمر أنهم ألغوا السنة النبوية بكاملها وألغوا كافة أثارها إذ لم يحمل إلينا السنة سوى الأصحاب الكرام البررة رضي الله عنهم، و(السبب الثاني): الروافض يكفرون كل من يقدم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على الإمام علي رضي الله عنه، ولذلك فهم يكفرون الصحب الكرام الذين اجتمعوا على تقديم الشيخين ومروراً بالتابعين الذين ساروا على هدي الصحابة وحفظوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم من خلالهم، ثم من بعدهم تابعي التابعين الذين حملوا الحديث عن التابعين ووصولاً إلى الحفاظ المحدثين الذين سجلوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وحفظوه لمن بعدهم وإلى قيام الساعة، والروافض يكفرون كل هؤلاء وينكرون كل حديث صدر منهم، ولذلك نجدهم يكذبون حديث النبي صلى الله عليه وسلم الموجود في كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول لاسيما ما وجد منها في الصحيحين البخاري ومسلم ثم ما تلاهما من كتب الحديث كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وما تلاها من المستدركات على الصحيحين والمسانيد والجوامع، والروافض ينكرون كل هذه الأحاديث، ولذلك لم يبق لهم من علم الحديث شيء وصار واقعهم العملي الحقيقي هو إنكار سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبها، وصار همهم الحقيقي هو محاربتها ومحاولة تحريفها.
(ذ) الروافض والغلو في الاعتقادات، والغلو في الأعمال: حتى وصل ثواب زيارة قبر الحسين انه يعدل ثواب أربعة ملايين حجة !!!، وأنّ زيارة قبر الحسين عليه السلام لها ألف مليون درجة في الجنة، فمن أمثلة الغلو في الاعتقادات نسبوا إلى الأئمة العصمة وزعموا لهم بعض صفات الربوبية، من علم الغيب والتصريف والتدبير والضر والنفع وهذا لا يشك مسلم في أنه شرك جلي في الربوبية، والغلو في الأعمال والدخول في إطار البدعة والضلال: ولقد غالت الشيعة في الكثير من المبتدعات التي أدخلتها إلى إطار الغلو والانحراف والجهل والخرافة والبدعة والضلال، ومن أمثلة تلك البدع والضلالات: تفضيل الرافضة لكربلاء على مكة المكرمة، وتفضيل الشيعة للصلاة عند قبر الحسين على الصلاة في بيت الله الحرام: وزيارة قبر الحسين رضي الله عنه أفضل بأضعاف مضاعفة من حج بيت الله الحرام.
(ر) وقوع الرافضة في مسالك الكفر ومذاهب الإلحاد والزندقة: وذلك بفتحهم التفسير الباطني للقرآن الكريم على مصراعيه: وللرافضة السبق في هذا المجال، فالقرآن الكريم كله نزل فيهم وفي أعدائهم من أهل السنة، وليس الهدف من آيات القرآن – عندهم – هو إقرار التوحيد لله والاتباع لرسوله ومجانبة الشرك والكفر والفسوق والعصيان وإنما الهدف هو تقرير المذهب الجعفري الضال، فأركان الدين عندهم في التفسير الباطني تفسر بالأئمة، وآيات التوحيد تفسر بالإيمان بالأئمة، وآيات الشرك تؤول بالشرك في ولاية الأئمة، وآيات الحلال والحرام تفسر بالأئمة وأعدائهم، وهكذا فالقرآن كله في نظرهم ليس له هدف ولا عرض سوى تقرير الإيمان بالأئمة الاثنى عشر والكفر والبرآة من كل من لم يؤمن بعقيدتهم الفاسدة.
(ز) الرافضة والفاحشة في صورة المتعة: ونكاح المتعة مُحرَّم بدلالة القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وهو محرم حتى عند الخوارج والزيدية، ولم يحله إلا الشيعة الإمامية،
(س) الرافضة والكذب في صورة التقية: لم تشرع التقية في الإسلام إلا في الضرورة القصوى التي في مثلها اباح الله أكل الميتة للمشرف على الهلاك من الجوع، وتركها أشرف للعبد ولو شارف على الهلاك، أمّا عقيدة التقية عند الرافضة: فقد نقل الكليني: (عن ابن عمير الأعجمي قال: قال لي أبوعبدالله عليه السلام: يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له والتقية في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين) ([176]) . ونقل الكليني أيضا: (قال أبو جعفر عليه السلام: التقية من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له) ([177]) . ونقل الكليني أيضا: (عن أبي عبدالله عليه السلام قال: اتقوا على دينكم واحجبوه بالتقية فإنه لا إيمان لمن لا تقية له) ([178])
(ش) وقوع الرافضة في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق: إنّ التزكية من أهم مهمات النبي صلى الله عليه وسلم ألا وهي تزكية النفوس وطهارة القلوب وتطهيرها من الدنس، قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}، والتزكية شرط أساسي للفلاح والنجاح ودخول الجنة، قـال تعالى: {قـد أفلـح من زكاهـا وقد خـاب من دساهـا}، ونقيض التزكية التدسية وهي سبب الخسران ودخول النيران، والرافضة قوم لا أخلاق ولا تزكية، وذلك لأسباب عديدة آلت بهم إلى التدسية وسوء الخلق: (السبب الأول): استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الكرام البررة واستحلالهم السب والشتيمة على عامة المسلمين إلا من كان على نفس ضلالهم .، وهذا المعتقد عندهم سهل السب على ألسنتهم حتى صار اللعان والسباب صفة متأصلة تملأ صدورهم، و (السبب الثاني):استحلالهم دماء وأموال وأعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة السائرين على هدي النبي صلى الله عليه وأصحابه الكرام البررة، وهذا المعتقد عندهم جعلهم يستحلون دماء وأموال وأعراض أهل السنة، فصاروا بصنيعهم هذا قوماً نهابون سراقون لا خلاق ولا أخلاق، و (السبب الثالث): استحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان، ومعتقد التقية لدى الرافضة سهل عليهم الكذب حتى اتفق علماء أهل السنة والجماعة على أنهم أكذب الناس، و (السبب الرابع): استحلالهم الزنا والفاحشة في صورة المتعة حتى أنهم من خلالها غرقوا في الفاحشة والزنا إلى حد مخيف، أعاروا الفروج فضاعت غيرتهم وصاروا لا أخلاق ولا تزكية، نسأل الله السلامة، و (السبب الخامس) إباحة اللواط بالنساء واتيانهن في أدبارهن مواطن النجاسة فاكتملت عندهم التدسية والنجاسة فإنا لله وإنا إليه راجعون،
***
المبحث العاشر أبرز الفرق الضالة في زماننا المعاصر (الفرقة الثانية): (الوهابية والدين الموازي)
(تنبيه): أخطر الفرق على أهل السنّة والجماعة في زماننا المعاصر: كانت (الفرقة الأولى): هم الإمامية الصفوية الخمينية الاثني عشرية، و (الفرقة الثانية): هم الوهابية التيمية السلفية، وتكمن خطورة هاتين الفرقتين أنّ الأولى تتمسح في حب آل البيت وتدلس على المسلمين بهم، وآل البيت منهم براء، والفرقة الثانية تتمسح في السلف الكرام وتدلس على المسلمين بهم، والسلف الكرام منهم براء، وهاتان الفرقتان هما بحق أخطر الفرق المعاصرة على أهل الإسلام، فلولا الروافض الصفويين لكانت أوروبا اليوم على دين الإسلام لا تعرف دينا غيره، ولولا الوهابيين وبدعهم وضلالاتهم من الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتبديع والتضليل ومحاربة التخصصات الإسلامية في شتى علوم الدين، وطرحهم الموازي لدين الإسلام الحق في كل أبواب الدين والعلم، لكانت الامة الإسلامية اليوم على منهجية علمية واحدة تخترم أهل التخصص وتتفرع لنشر الدين وحمل تكاليف الدعوة والأمانة، وسوف اتناول موضوع الوهابية من خلال تلك الموضوعات:
(1) نجد ما لها وما عليها.
(2) ابن تيمية ما له وما عليه.
(3) ابن عبد الوهاب ما له وما عليه.
(4) هذه هي الوهابية.
***
(1)
نجد ما لها وما عليها
[المفتاح الأول]: لماذا امتنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الدعاء لأهل نجد؟ لعل السبب الأبرز في ذلك تكفيرهم لأهل القبلة واستحلال دمائهم وأعراضهم واموالهم وعداوتهم لأهل التصوف الحق، أهل الله الاولياء، الذين حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من معاداتهم في حديث البخاري: ((إن الله تعالى قال: مَن عادى لي وليًّا، فقد آذنتُه بالحرب))، ([179]) .
فقد أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قَال: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)) ([180]) .وأخرج البخاريُ ومسلم عن عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ ((الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلاَ إِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)) ([181]) .
[المفتاح الثاني]: وقد زعم بعض من لا خلاق لهم: أنّ نجد المقصودة هي منطقة أخرى مجهولة قد تكون بالعراق، أو بالشام، وليست هي نجد الحجاز المعروفة، وكلامهم يفتقد إلى أدنى التحقيق والإنصاف، وذلك لأنّ نَجد الحِجاز كانت أرض الفَدّادين رِعاءِ الإبِل، والعراق والشام كانتا أرض زراعة وتجارة وما كانت آنذاك أرضًا لرِعاء الإبل، كما أنّ (نجد) الحجاز هي بلاد ربيعة ومضر وليس نجد العِراق أو الشام ثم نحن لا نعلم نجدا معروفا إذا أطلق لفظ (نجد) سوى نجد الحجاز التي ظهر منها محمد بن عبد الوهاب النجدي وفرقته الوهابية الذين يسمون أنفسهم بعلماء الدعوة النجدية التي حاصلها تحريف مفاهيم الدين وسفك دماء المسلمين، فلولا أن نجد الحجاز هي المعروفة لما سموا أنفسهم بعلماء الدعوة النجدية، كما أنّ نجد الحجاز هي جهة المشرق تماما بالنسبة إلى أهل المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مستقبل المشرق يقول((ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان) ([182]) .
وأخرج مسلم في كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام عند باب حفصة فقال بيده نحو المشرق: ((الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان)) ([183]) . قالها مرتين أو ثلاثاً، وأخرج مسلم في كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان من طريق سالم عن ابن عمر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بيت عائشة فقال (رأس الكفر من ههنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([184]) .يعني المشرق.
[المفتاح الثالث]: ومن نظر إلى الخريطة وجد أنّ مدينة الرياض عاصمة نجد تقع تماما في جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أحاديث البخاري ومسلم نرى تحذير النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشديد من متابعة أهل نجد (الوهابيين) فيما جاؤوا به من تحريف للدين وغلو في تكفير المسلمين وتضليلهم واستحلال حرماتهم، اضف إلى ذلك تبنيهم لمحاربة التصوف وأهله مع انه روح الدين ولا غني للدين عنه فضلا عن كونه التفسير والتحقيق لمرتبة الإحسان اعلى مراتب الدين، ونستفيد من هذه الأحاديث النبوية الصحيحة التحذير من كل ما انفرد به هؤلاء الذين سموا انفسهم بعلماء الدعوة النجدية عن علماء المسلمين من مفاهيم في الدين لا سيما مفاهيمهم المغلوطة عن التوحيد والشرك التي كفروا بها المسلمين وآلت بهم إلى استحلال دماء أهل القبلة وحرماتهم، وجميع مفاهيمهم المغلوطة عن السنة والبدعة والتي آلت بهم إلى الهوس التبديعي في تبديع أهل الإسلام، وجميع مفاهيمهم المغلوطة عن التصوف والتي آلت بهم إلى معاداة الأولياء ومحاربة كل ما يمت إلى التصوف بصلة مع انه روح الدين والقائم على تحقيق مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، ولعل هؤلاء النجديين هم المقصودون بالفتنة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان، قالها مرتين أو ثلاثاً)) إنّ روايات امتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الدعاء لنجد بالبركة، وتسميتها بــ (قرن الشيطان)، وإقليم نجد المعروف بالسعودية وعاصمته الرياض، لأننا لا نعرف نجدا إذا اطلق سوى نجد المعروفة، بدليل أن علماء هذه المنطقة يسمون أنفسهم علماء الدعوة النجدية،
[المفتاح الرابع]: وأُرجح والله أعلم بأن المقصود بالزلازل والفتن هو ما أحدثته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من فتن لا زلنا نعاني من آثارها إلى اليوم حيث طرح ابن عبد الوهاب دينا موازيا يوازي دين الله تعالى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه علماء الدعوة النجدية يحاولون جاهدين سحب البساط من تحت أقدام أهل السنة كي ينسبونه لأنفسهم، ومن نظر إلى فتن ابن عبد الوهاب في زمانه وقد اشرت إلى طرف منها لعلم قدر الأهوال التي لاقاها المسلمون في زمانه من آثار تلك الحملة التي أكلت الأخضر واليابس من تراث أمة الإسلام، (تنبيه): مرت الفتنة وخفت والحمد لله، ولكن آثارها المغالية لا تزال باقية متمثلة في الطرح العلمي المتشدد في أغلب جوانب الدين، في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، في قضايا الإيمان والكفر وفي قضايا التوحيد والشرك وفي قضايا السنّة والبدعة، أما علم التقديس والتنزيه فهم عنه عراء وجهلهم فيه جهل مركب وهم في باب التقديس حشوية مجسمة لا يعرفون شيئا عن قواعد التقديس والتنزيه، وهم من أضل الفرق في باب التقديس والتنزيه، والشيعة على ما هم عليه من الضلال والخوارج على طوامهم أحسن منهم حالا في علم التقديس، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[ المفتاح الخامس]: ميزان نبوي لمعرفة الحق في هذه الامة: حتى نعرف الحق عند كثرة الاختلاف بين طوائف الامة، وضح لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميزانا دقيقا، أخرج ابن ماجة في سننه : عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، يَقُولُ: ((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ))، ([185]) .
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ))، يدل على أن اجماع علماء الامة حق، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ)) يدل على أنه عند الاختلاف يكون الصواب والرشاد مع رأي الكثرة من العلماء، والمراد (بالسواد الأعظم) هم سواد علماء أمته صلى الله عليه وآله وسلم لأن العلماء ورثة الانبياء وهم أهل الاستنباط والإفتاء، ولا يرد على ذلك استدلال البعض بقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، وقوله تعالى: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، فإن مورد تلك النصوص هو كثرة الكفار في الأرض وقلة المؤمنون فيها، ولم يزعم أحد أن الصواب يكون في جانب الكثرة المطلقة من كفار ومؤمنين، ولكن ندعي أن الصواب يكون في جانب السواد الأعظم من علماء الأمة، وأنّ الخطأ يكون فيمن شذ عنهم، فالقاعدة النبوية ترشدنا إلى اتباع سواد علماء الامة الاعظم على مر عصور الإسلام، لقد اصطلحت هذه الجماعة التي تمثل سواد الأمة الإسلامية الأعظم منذ أوائل ظهورها: على تسمية العلم الذي يشرح أركان الإسلام بعلم الفقه، والعلم الذي يشرح أركان الإيمان بالعقيدة، والعلم الذي يشرح مقام الإحسان بعلم التصوف، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وقد تنوعت طرق التزكية التي يسلكها الربانيون في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإحسان أعلى منازل الدين، وبهذا التخصص الفريد، صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ومدارسه العلمية والسلوكية الرصينة، لقد حاولت الوهابية مزاحمة أهل السنة والجماعة في مسماها، بل وحاولت حين غفلة من أهل العلم سحب البساط من تحت أقدام أهل السنة والجماعة لتنسبه لنفسها، ولكن الميزان النبوي لا زال عاملا، اليوم وبالأمس وعلى مر عصور الإسلام، واليوم إن شاء الله هم أهل السنة والجماعة الحقة أهل العلم والحلم، أهل التقديس والتنزيه، أهل التخصص العلمي الرصين، أهل احترام المدارس العلمية العقائدية والفقهية والسلوكية التي تُعد مفخرة التراث الإسلامي علة مر عصور الإسلام.
(2)
ابن تيمية ما له وما عليه
[المفتاح الأول]: ابن تيمية رحمه الله كان موسوعة علمية، ولكن كانت تنقصه دقة المتخصصين في كل علم على حدة، فكل علم فيه المحكم والمتشابه ولا يعرف ذلك حق المعرفة إلا المتخصصين في هذا العلم أو ذاك، ولم يكن هو مطالبا بجمع العلوم كلها بدقه أهلها ومتخصصيها وهذا غير متيسر إلا للأنبياء، وللأسف لم يدع علماً من علوم الإسلام إلا تكلم فيه وخالف أهله بما يراه هو حقاً، وهاجم أهلَ كل علم في تخصصهم، فلم يحترم التخصص العلمي ولا اهله القائمين عليه، مع انّ الله تعالى دعانا إلى احترام أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء: 83 ]، فأهل الاستنباط لكل علم هم اهل الخبرة والتخصص ولا يمكن الهجوم على كل العلوم دفعة واحدة إلا بدراسة مقدماتها والتفريق بين محكمه ومتشابهها.
كتب في مسائل الإيمان ولم يكن قد ضبط أحكامها وفرق بين أصولها وفروعها ومحكمها ومتشابهها واكاد أجزم بأنه ألف فيه ولم يكن يعرف عناصر الأصل المنجي من الخلود الأبدي في النار (أقل ما يصح به الإيمان)، ولم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب، وخلط بين عناصر الأصل والواجب، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير، وأورث أتباعه غلوا في مسائل الإيمان ليقترب فيه من مذاهب الخوارج، وهرف فيه بما يردده الحشوية، وهاجم فيه الأشاعرة وصنفهم فيه ضمن المرجئة والجهمية، وهو لا يعرف أصول الإيمان ولا حده الادنى ولا أصله الفاصل بين الإيمان والكفر، ولا يفهم مراد الأشاعرة ولا حتى الماتريدية من قولهم في الإيمان مع أنّه الجمع العدل بين الآيات المتعددة، وهو الحمل المتقن للمتشابهات على محكماتها في باب الإيمان،.
ولقد طالعت كتاب الإيمان له، فوجده – إحقاقا للحق – يتكلم في علم لم يضبط لأصوله وقواعده، بل هي عنده مشوشة غير منضبطة، يصنف فيه الطوائف على خلفية أهل الحشو لا أهل الأصول، بما لا يعرف عقباه من الانحراف نحو الغلو في التكفير، وكان يكفيه أن يقرأ قراءة فهم دقائق معدودة لما كتبه علماء العقيدة الحقيقيون المتخصصون من الأشاعرة والماتريدية، ويفهمه على يد مبتدئ من علمائهم ليستريح وليريح الامة من اللجاج والفرقة والغلو في كل أبواب الإيمان.
وكذلك عندما كتب في علم الاتباع والابتداع، (السنّة والبدعة) ولم يحدد بدقة المتخصصين شروط البدعة الضالة ولم يفرق بين الحسنة والسيئة فأورث أتباعه غلوا في باب السنّة والبدعة كما أورثهم من قبل الغلو في باب الإيمان والكفر وباب التوحيد والشرك، فإنّ أهل الفقه في الدين المتخصصين جعلوا للبدعة الضالة شروطا لابد وأن تستوفيها، وإلا لم تكن بدعة ضلالة، واهم تلك الشروط:
(الأول): أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع. و(الثاني): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة.
و(الثالث): أن تخالف نصا من نصوص الشرع. و(الرابع): ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
فما لم تستوف تلك الشروط فليست ببدعة ضلالة، وهؤلاء الفقهاء الاصوليون المتخصصون قالوا بأنّ المحدثات إذا كانت مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وإذا لم تحوي على أي مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، وأن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، فهذه لا تكون بدعة ضلالة أبدا.
ولكن الشيخ لما لم يكن على دراية بتلك التفاصيل التي أصلها أهلها المتخصصون في باب السنّة والبدعة، جعل كل محدثة بدعة وإن لم تستوف شروطها التي ذكرها الفقهاء، وزعم انّ كلمة (كل) قي حديث: (وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار)([186]). تفيد العموم والشمول، ونسي انها من الممكن أن تأتي على معنى الغالب والأكثر وليس جميع مفردات البدع والمحدثات، وبالتالي يكون التحذير من بدع الضلالة التي تمثل غالب المحدثات، ولا يمنع ذلك من وجود محدثات لها أصل من الشرع وتدل على خير لا خلاف لأحد فيه. فإنّ الذي يتدبر آيات الكتاب العزيز يدرك أن كلمة ((كل)) قد تأتي والمراد بها التعميم الشامل فيما دخلت عليه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقد تأتي، والمراد بها الخصوص، ومن ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيء}، وقد علمنا أن باب الرحمة وباب التوبة لم يفتح لهم، وقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ}، فمساكنهم لم تدمر وكذلك الأرض والسموات لم تدمر، وقوله تعالى: {وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء}، أي مما يحتاج إليه المُلْك، وعلى هذا أفلا يمكن أن نفهم قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) من باب العام الذي أريد به الخاص، وهكذا فهم الاصوليون تلك المفاتيح، الحديث ((كل بدعة ضلالة)) أنه من العام المخصوص أو الذي أريد به الخصوص، فالمقصود هنا المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها بالصحة، فهي المرادة بالبدع، أما المحدث الذي يحمل النظير على النظير، فهذه سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء.
[المفتاح الثاني]: أبرزها: (أ) أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين.
(ب) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك، ولو كان له معنى لما كان متشابها، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض – وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي – من شر مذاهب الفرق الضالة.
(ت) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنّه متعذر في كل الصفات.
(ث) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض، فهناك آيات تدل على القرب، وآيات تدل على الاستواء على العرش، فلابد من تأويل قسم من تلك الآيات، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء ولا العكس، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء.
(ج) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة.
(ح) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة، والسنّة منهم براء،.
(خ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة.
(د) نسب علم (التقديس وقواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة) إلى علوم اليونان وفلسفتهم، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، قال تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 84]، ولأنهم متخصصون علموه، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين.
(ذ) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا، وحارب تخصصاتهم، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم أهل التجهيل، وأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة لعلم المتشابه، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، بل ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة.
[المفتاح الثالث]: كذلك انفرد ابن تيمية رحمه الله عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة، ومن ذلك:
(أ) إنكاره المجاز في القرآن، مع أنّه ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، ولما كانت البلاغة هي ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، ولولا أنّ مجال الحديث هنا لا يتناسب مع الإطالة في باب المجاز لسردت ستمائة آية تدل على المجاز، ومن ذلك: التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة، كما في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية، كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، والتعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما، وهذا كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81].
والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه، ولا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم جناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، كما يعبر عن التواضع باللين، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].
والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67} [التوبة: 67]، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي غاية السخاء والكرم {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]، وقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر: 13، 14]، والسفينة لا تجري في أعين الله، تعالى الله، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة، وقوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة، والحاصل أنّه تكلف نفيه ولم يكن صوابا.
(ب) ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين، وليس يفيده بحال، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى أو وضع لفظ مكان آخر – وهذا في السنّة كثير -، ومع هذا الاحتمال، فلا يبلغ بحال ما يفيد المتواتر من مرتبة اليقين، لاشك أنّه يوجب العمل، ولكنّه لا يفيد اليقين ما كان في مرتبة الآحاد.
(ت) دندن حول قدم بعض المخلوقات ووجودها مع الله كالعرش، وهذا يضاهي الفلاسفة بقدم العالم، وأجاز التسلسل إلى ما لا بداية، كما أجاز العقلاء التسلسل إلى ما لا نهاية، مع أنّ الفرق بينهما عظيم، والاول مستحيل لأنّه يؤول إلى قدم العالم، والثاني جائز كبقاء اهل الجنّة واهل النار إلى ما لا نهاية.
(ث) وقال بحدوث القرآن، وحدوث صفة الكلام، ووصف الله تعالى بالسكوت قياساً على صفة الكلام عند البشر، وصرح بقيام الحوادث بذات الله تعالى، حتى قال في منهاج السنّة النبوية (1: 224): (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ، قلنا لكـم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل).
(ج) واخترع في صفات الله مقولة لا أساس لها من الصحة أو البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، مقولة (أنّ صفات الله قديمة النوع حادثة الآحاد)، وإذا كانت الآحاد على زعمه محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول، وقد دخل عليه الشيطان من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت باليقين القاطع أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله صفات والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع أو البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلم أنّ من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عن ذلك علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق.
ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم سوي أنّ الله تعالى علم الحوادث وسمعها وأبصرها وأرادها قبل حدوثها فلم يتغير بعد حدوثها عند الله شيء، ولم يزدد بكونها وحدوثها شيئا فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
(ح) ودندن حول فعل الأسباب بقوة جعلها الله تعالى في طبعها، وهو قول يجرح توحيد الأفعال عند من يفهم أبعاده.
(خ) ودندن حول الصلاح والعدل من مبادئ المعتزلة، وهي أقوالٌ لا يرضى بها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة.
(د) كما حام حول عدم عصمة الانبياء من الذنوب، واقتراف بعضهم للذنوب والتوبة منها، ينقل في ذلك الخلاف بما لا ينبغي حفظا لمقام الأنبياء.
(ذ) كما دندن حول فناء عذاب اهل النار هو وتلميذه ابن القيم مع ورود الخلود فيها في قريب من أربعين آية من آيات الذكر الحكيم منها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 64، 65]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23].
[المفتاح الرابع]: وفي مجال الفقه: كان يشن بين الحين والآخر حروبا على أهله المتخصصين فيه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، واتباع الكتاب والسنّة، أضف إلى ذلك قيام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وكان من بركاتهم أن صقلت مدارسهم الفقهية – على مر عصور الإسلام – كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، هذا علاوة على خرقه الإجماع في كثير من مسائل الفروع، حتى قال الإمام المجتهد الورع تقي الدين السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ) في مقدمة كتابه الدرة المضية في الرد على ابن تيمية: (أما بعد: فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأنَّ القرآن محدَثٌ تكلَّم اللهُ به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّةٍ من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة، وكلُّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِلُّ جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع، فإن متلقي الأصول عنه وفَاهِمَ ذلك منه هم الأقلُّون، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون، وإذا حُوققوا في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه، ونبهاء أصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرَّد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل، وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث، وقد استروحَ العامَّة إلى قوله وتسارعوا إليه وخَفَّت عليهم أحكام الطلاق، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة، وكتب في المسألتين كراريسَ مطوَّلة ومختصرة، أتى فيها بالعجب العجاب، وفتح من الباطل كلَّ باب، وكان الله تعالى قد وفَّقَ لبيان خطئه وتهافت قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع الأمة، وقد عرف ذلك خواصُّ العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء، ثم بلغني أنه بثَّ دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيثة، وأضلَّ بذلك جماعة من العوام) أهـ ([187]) .
[ المفتاح الخامس]:وفي مجال التزكية والتصوف: أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف، التي ثبت في عمق التاريخ تخصصها في باب التزكية والإحسان، فهل نهدم صروح التخصص على رؤوس ساكنيه، ونقوم بتجريح الاكابر فيه أم أنّ الاولى ترشيد أخطائها بالنصح والإرشاد.
لقد اصطلحت الأمة الإسلامية في عمق تاريخها الإسلامي ومنذ ما يزيد على ألف عام على تسمية العلم الذي يقوم على مرتبة الإسلام بعلم الفقه، والعلم الذي يقوم على مرتبة الإيمان بعلم أصول الدين، أو علم العقيدة، والعلم الذي يقوم على مرتبة الإحسان يبين حقائقها ومنازلها بعلم التصوف، والمقصود به: (التصوف الحق القائم على الكتاب والسنّة) وكما أنه من الخطأ أن نقول (الفقه مذهب إسلامي)، أو (العقيدة مذهب إسلامي)، فكذلك من الخطأ أن نقول (التصوف مذهب إسلامي)، لأن الفقه علم أساس من علوم الدين يتناول الشريعة، وكذلك العقيدة علم أساس من علوم الدين يتناول الاعتقادات الواجبة على كل مؤمن، وكذلك التصوف تماما، فهو علم أساسي من علوم الدين يتناول تحقيق (مرتبة الإحسان) أعلى مراتب الإسلام.
و(التصوف الحق): هو العلم الذي تخصص بتزكية الظاهر والباطن، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات الباطنية (القلبية) كالكبر والحقد والحسد والغضب والطمع والبخل والبطر والخيلاء من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر.
و(التصوف الحق) هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، قال حجة الإسلام الغزالي: (الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام)، وقال العارف بالله أبو الحسن الشاذلي: (من لم يغلغل في علمنا هذا، مات مُصراً على الكبائر وهو لا يشعر). و(التصوف الحق): هو العلم الذي تحدث عن منازل السائرين إلى الحق المبين، وهو العلم الذي نتعلم منه كيفية السير إلى الله والسفر إلى الحق والدخول على حضرة ملك الملوك سبحانه في مقام المشاهدة والعيان، فلذلك قال الجنيد لسان أهل التصوف: (لو علمت أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا لسعيت إليه)، ([188]) .
والمقصود به علم التصوف السني الحق القائم على أدلة الكتاب والسنة التي لا يعرف مفاتيحها حق المعرفة ولا يصل إلى معانيها إلا الاولياء المرشدون الراسخون في العلم، والشيخ رحمه الله يريد ان يحثو التراب لردم التصوف بكل معانيه ومفرداته، وهيهات هيهات.
[المفتاح السادس]: في مجال الموقف من آل البيت رضوان الله تعالى عليهم، أدى رده على الشيعة الضالة إلى الانحراف قليلاً عن آل البيت، فخانته ألفاظه عند الحديث عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وضعّف في فضائله أحاديثاً ليست بضعيفة، وحكم على أخرى بالوضع، ولا تبلغ هذا الحد، حتى قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان عند ترجمة والد الحلي الذي ألف ابن تيمية كتابه منهاج السنة النبوية في الرد عليه: (وكم من مبالغة له لتوهين كلام الحلي أدت به أحيانا إلى تنقيص علي رضي الله عنه) أهـ، ([189]) .
وقال في الدرر الكامنة:أن ابن تيمية خطأ أمير المؤمنين عليًا كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف فيها نص الكتاب، وأن العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في علي كرم الله وجهه ولقوله أيضا فيه: أنه كان مخذولا، وأنه قاتل للرئاسة لا للديانة) أهـ ([190]) . كما خانته ألفاظه عند الحديث عن سيد شباب أهل الجنّة الحسين رضي الله عنه، وموقفه من أوضاع الأمة زمان يزيد.
[المفتاح السابع]: قول ابن تيمية بقيام الحوادث بذات الله تعالى من أبشع انحرافاته عن منهاج أهل السنّة فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي: حيث كان يعتقد أن الحوادث تقوم بذات الله تعالى أي أن الله تعالى لم يكن متصفاً بصفة ثم اتصف بها، قال ابن تيمية في منهاج السنّة النبوية :(فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ، قلنا لكـم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل) ([191]) .
وقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية شبرًا بشبر، قال الإمام أبو المظفر الإسفراييني: (ومما ابتدعوه- أي الكرَّامية- من الضلالات مما لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم: بأن معبودهم محل الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وسموا ذلك سمعًا وتبصرًا، وكذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أن هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى الله عن قولهم) أهــ ([192]) .
فتبين مما أوردناه أن ابن تيمية ليس له سلف إلا الكرامية ونحوهم، وليس كما يدعي أنه يتبع السلف الصالح، نسال الله السلامة
[المفتاح الثامن]: ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة: ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة، وهو لم يستوعب علمهم ولم يصل إلى شيء من رسوخهم في علم العقيدة والأصول، ومن ذلك كتابه (العقيدة الحموية): وهي جواب لسؤال ورد من حماه حول آيات الصفات كالاستواء وأحاديث الصفات كالأصابع والقدم، فتتطاول على مذهب أهل السنّة والجماعة من الأشاعرة بما لم يفهمه ولم يفرق بين المحكمات والمتشابهات من الصفات ومال إلى مذهب الحشو والتجسيم، واستطال به على اهل التخصص، وتطاول على الأشاعرة بأنّهم يقولون: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، وهم لم يُطلقوا القول بذلك، وحاشاهم وهم أهل الرسوخ في العلم والحق، ولكنّهم خصوه بما يتعلق بالرد على أهل البدع كالمعتزلة والحشوية وبما يتعلق بتقرير مذهب الفرقة الناجية، والانتصار لمذهب التسبيح والتقديس مذهب أهل الحق على مذاهب أهل الباطل والفرق الضالة، وإلا فهم يقولون بالتفويض كما هو حال السلف، وهل كان يسع السلف السكوت على بدع الحشو والتشبيه، وهم أرقى الناس تنزيها وتقديسا لله.
ومن ذلك أيضا كتابه: (نقض أساس التقديس): ويسمونه أحيانا (كتاب تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) وأحياناً: (نقض تأسيس الجهمية)، والكتاب من أسوأ كتب ابن تيمية لأنه جعله خاصا بالرد على كتاب من أعظم كتب التنزيه والتقديس وبيان مذهب أهل الحق تجاه المعتزلة والحشوية الذين مال إليهم ابن تيمية وهو لا يعلم ما عند الرازي من العلم الراسخ، ويا ويله منه ومن أهل السنّة جميعا يوم القيامة، الأشاعرة.
ومن ذلك أيضا: كتاب (درء تعارض العقل والنقل)، ألفه وهو لا يعلم ما هو العقل الصريح ولا ما هو النقل الصحيح ومعناه المقصود في الشرع والذي فهمه أهل التخصص من الأشاعرة والأثرية والماتريدية، فما كان أغناه عن الحديث عن علم لا يعلم أسسه ولا قواعده، ومن أفتى بغير علم لازمه الخطأ وفتن الناس عن الصواب.
ومن ذلك ايضاً: (القاعدة المراكشية) ألفها لإثبات العلو الحسي، والرد على أهل الحق فيما أصلوه من قواعد التقديس التي تعصم من الحشو في مسائل: (العلو) و (الاستواء على العرش)، ومن ذلك ايضاً: (الرسالة التدمرية) دندن فيها حول المتشابه من الصفات بقصد إثباتها على ظاهرها، وخاض في القدر بما لا يعلم من عواقب ولوازم الفساد في قوله، وأقله نصرة مذاهب المعتزلة والاقتراب منها، وما ألجأه إلى الخوض في ذلك كله إلا الجدال والخصومة مع أهل السنّة الأشاعرة.
ومن ذلك ايضاً: (شرح الأصفهانية)، والاصفهانية متن في العقيدة مختصر لشمس الدين محمد بن محمود بن عباد الاصبهاني، على منهاج الأشاعرة، وهو لم يشرحها وإنما ألف شرح الأصفهانية بقصد الرد عليها، كما ألف تلميذه ابن أبي العز الطحاوية للرد على ما فيها من التقديس والتنزيه كقوله – أي الطحاوي – رحمه الله: (ومن لم يتوقَ النفيَ والتشبيهَ زلَّ ولم يصبِ التنزيهَ، فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهـ، وها هنا رد ابن تيمية على الأصفهاني في كل مسائل التنزيه من كلامه في الصفات والإيمان والنبوات، وكأنّه لا يرضى عن الحشو بديلا.
ومن ذلك ايضاً: (المناظرة حول الواسطية)، وهي تسجيل لما جرى حول كتابه (الواسطية) من مجالس ناقشه فيها الأشاعرة وبينوا له الصواب فلم يفهمه، ثم حشا مناظرته بالحشو في مسائل التأويل، والحرف والصوت، والاستواء، ومن ذلك ايضاً: (الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات) نفى فيها المجاز وهو شطر اللغة الحسن وكابر الجمهور في إثباتهم للمجاز، وآل به نفي المجاز إلى الحشو في باب المتشابهات، وإثبات ظاهر المتشابهات بما يؤول إلى الفتنة والبدعة والتجسيم، ووصف الله تعالى بما يُفيد العلو الحسي على العرش، وبالغ في رد التاويل مع أنّه لا مناص منه، فإن أثبت العلو الحسي أول القرب والمعية لا محالة، وإن فهم المجاز في كليهما استراح وأراح.
ومن ذلك ايضاً: (التسعينية) خصصها للحديث عن أنّ كلام الله تعالى لابد ان يكون بحرف وصوت، وأن الكلام إن لم يكن بصوت فلا يسمى كلاما، وخصصها للرد على أهل الحق (الأشاعرة) في مسألة الكلام النفسي التي جاء بها أولاً القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، ولكن سمعهم الله السميع العليم، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر، ولو تدبر قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، لعلم أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر بصوت يُسمع: {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا، وهذا القرآن ينطق بذلك، ولو تدبر قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، لعلم أنّ من القول قول السر: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ}، {قَالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقط، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، ومثله تماماً قوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، ولو تدبر قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص، ولكنّه بالغ في الرد على أهل الحق من تسعين وجها من حشو الكلام وهرطقته مما لا يفهم هو المقصود منه، ومما يُضحك المتخصصين على سوء فهمه ورداءة تصوره في كل ما يتعلق بالتقديس فإن قلبه أُشرب بالتشبيه، وهو لا يدرك أبعاد ذلكم التشبيه والذي لا يدركه إلا اهل التخصص الراسخين في علم التقديس، ومن ذلك ايضاً: (النبوات): ما أتى فيه بشيء مفيد فالصواب فيه ما قاله المتخصصون من الأشاعرة وكل ما خالفهم فيه نصر فيه قول الحشوية ممن لا خلاق لهم ولا عقل ولا خلق، وبدلا من أن يشكر الأشاعرة على تقرير الحق في مسائل النبوات، (ومن لا يشكر الناس على المعروف لا يشكر الله) أخذ ينشر الزلات التي افتراها المغرضون على الباقلاني والغزالي مما يبرؤون من الفهم السقيم لها، ومن ذلك ايضاً: كتابه (الإيمان): غالى فيه بما يُقربه من مذهب المعتزلة وهرف فيه بما يردده الحشوية، وهاجم فيه الأشاعرة وصنفهم فيه ضمن المرجئة والجهمية، وهو لا يعرف أصول الإيمان ولا حده الادنى ولا أصله الفاصل بين الإيمان والكفر، ولا يفهم مراد الأشاعرة ولا حتى الماتريدية من قولهم في الإيمان مع أنّه الجمع العدل بين الآيات المتعددة، وهو الحمل المتقن للمتشابهات على محكماتها في باب الإيمان،، ولقد طالعت كتاب الإيمان له، فوجده – إحقاقا للحق – يتكلم في علم لم يضبط لأصوله وقواعده، وهي عنده مشوشة غير منضبطة، يصنف فيه الطوائف على خلفية أهل الحشو لا أهل الأصول، بما لا يعرف عقباه من الانحراف نحو الغلو في التكفير، وكان يكفيه أن يقرأ قراءة فهم دقائق معدودة لما كتبه علماء العقيدة الحقيقيون المتخصصون من الأشاعرة والماتريدية، ويفهمه على يد مبتدئ من علمائهم ليستريح وليريح الامة من اللجاج والفرقة والغلو في كل أبواب الإيمان.
ومن ذلك ايضاً: كلامه في (شرح حديث النزول) فسود الصفحات تلو الصفحات بالنزول الحسي وأنّه على حقيقته نزولا من العرش إلى السماء الدّنيا، وكأنّه يتكلم على ملك مجسم محدود ينزل ويصعد، وإن لم يكن كلامه في (شرح حديث النزول) من الحشو المرذول فليس في الدُنيا حشو ولا تجسيم، وما الفائدة من اثبات النزول على حقيقته، وحقيقته الهبوط من علو إلى سفل، فبالله هل تلك عقائد اهل السنّة المنزهين لله تعالى عن الشبيه والمثيل، أم عقائد المشبهين الذين يشبهون الله تعالى بخلقه في حركاتهم وسكناتهم ونزولهم وصعودهم، بالله عليك يا رجل إنّ الخالق لا يُشبه المخلوق في شيء، فالمخلوق محدود بالمكان يتحرك فيه ويصعد وينزل فيه، والله تعالى أن يحده حد أو يوفيه مقدار مهما كبر، فالله اكبر وأعظم واجل أن تحده الحدود، قال الطحاوي في عقيدة المسلمين: (فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهـ، ([193]) .
تنزه عن كل ما يخطر بأذهان البشر، ومنه النزول الحسي الذي يتوهمه أهل الحشو، وهل حديث النزول كان مراده تخيل النزول ومن ثم الصعود، أم مراده بيان فضيلة ثلث الليل والاستغفار فيه والتهجد فيه، لأنّ عبادة الليل أبعد ما تكون عن الرياء والنفاق، ولأنّ ثلث الليل يتوزع على انحاء الأرض كل لحظة، فلنا أن نتخيل النزول والصعود على مدار لحظات الليل والنهار، لأنّ الليل في الأمريكتين هو النهار في بلاد العرب، وثلث الليل في حق مسلمي أمريكا ليس كما هو في حق مسلمي البلاد العربية، فهل هذا هو ما يرمي إليه الحشو في شرح حديث النزول، وهل هذا هو الطريق الأمثل لشرح المتشابهات، التي كان السلف الصالح حقاً ينهون عن مجرد السؤال عنها، أن نشرح الحديث في قريب من مجلد نحشوه بالتشبيه والتجسيم،.
[المفتاح التاسع]: ابن تيمية يفني عمره في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه: لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث،، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى الذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب السلف الصحيح، والذي ليس لهم مذهب سواه.
وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومذهبه هو التجسيم المحض، وأنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من جهة تحت، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، كما دندن حول الجسمية والتجسيم، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية، كما دندن حول حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ حتى أدركته المنية في سجن دمشق.
[المفتاح العاشر]: من رؤوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية وأصرّ عليها وخالف الرأي العام لجمهور علماء المسلمين، ولأجلها اعتقل مرات عديدة ونفي إلى مصر وسجن ومات بسجنه: (أ) وجوب وصفه سبحانه بالصفات الخبرية المتشابهة كالوجه واليد والعين والمجيء والنزول والاستواء بنفس المعاني اللغوية الظاهرة المعروفة من اللغة من دون تصرّف، وسماها صفات اعيان، ولا معنى للعين إلا الجزئية والبعضية، مع أنّها أمور متشابهة لابد من ردها إلى أمهاتها من المحكم، وقد قام بذلك علماء الأصول مفاخر الإسلام ومعاقد الإيمان، فضبطوا علمها وابن تيمية لا يعلم عن هذا العلم شيئاً.
(ب) تحريم التوسّل بالأولياء والصالحين، وتحريم الاستغاثة بالأولياء ودعوتهم لأنّها شرك بالله، مع أنّ الشرك ضد التوحيد، والتوحيد هو افراد الله تعالى بالعبادة، وللعبادة جانب أهم وهو اعتقاد الإلهية والربوبية في المعبود، وجانب آخر هو العمل العبادي كالسجود والدعاء وغيرهما من مفردات العبادة، فمن صرفها باعتقادها كان عابدا، ومن صرفها بغير اعتقاد، فهي أبعد ما تكون عن العبادة ومنه سجود الملائكة لآدم، فأين كل هذا من التوسل بالصالحين إلى الله تعالى لنيل الشفاعة عند الله، ومع ذلك وعلى سبيل التنزل فقصاراها مسائل خلافية لا يجوز الاحتساب فيها، ولا الأمر والنهي فيما ومع ذلك أفنى ابن تيمية حياته في نصرتها في أوقات كانت الأمة تنزف دماءها بسبب ضعفها أمام التتار، فهل كان صوابا أن يشغب على الأمة بمفردات حشوية لا تمت إلى الأصول بنسب ولا صلة.
(ت) تحريم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك، وهذا أطم الطامات، حيث انفرد به عن علماء الإسلام، وحمل حديث ((لا تشد الرحال)) على غير محامله، فقد سيق في بيان فضل المساجد الثلاث على غيرها، فادخل فيها زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا علاقة للزيارة بالحديث، بل علاقته أقرب إلى زيارة القبور، وهي جائزة باتفاق، وأولاها قبر سيد الأولين والآخرين الذي به صلى الله عليه وآله وسلم أخرجنا الله تعالى من الظلمات إلى النور، وما المانع أن يأتي بعده من يحرم شد الرحال للعمل أو طلب العلم، لأنّ مآخذها ومآخذ الزيارة سواء، وجميعها أجنبي عن فتوى تحريم شد الرحال، إنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – كانوا يحترمون قبر النبي ويزورونه، ولم تك الزيارة في تلك العصور أبداً ذريعة إلى الشرك، بل كان الهدف منها توقير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيم قدره، وهو مطلب قرآني، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} الآية، ولكن ابن تيمية، يُخالف ذلك كله، ويحرّم شدّ الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وآله وسلم تمسكاً بحديث غير دال على ما ذهب إليه، فما ذنب الإسلام والمسلمين، إن كانت بعض الأفكار الحشوية والخاطئة قد تسربت إلى عقل ابن تيمية ومن ثم إلى أتباعه، والحقيقة المؤسفة أنّ ابن تيمية لم يكن سلفياً واعيا، بل تسربت إليه العديد من مفردات المذهب الحشوي، تسربت إليه من مؤلفات الحشو التي سماها أصحابها بكتب السنّة والشريعة والتوحيد، وظن هو أنّ لها من اسمها نصيب، مع أنّ فيها من الحشو ومحاربة الأصول وهدم الصروح العلمية والقواعد التقديسية والأصول التنزيهية الكثير والكثير مما أضر به، وبأتباعه من بعده.
[المفتاح الحادي عشر]: إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف لم يجدد سوى المدرسة الحشوية بجميع مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد، هاجم الأصول والفروع والوسائل، وأخذ يهوش على المتخصصين، فنصحوه ووعظوه، فلما خافوا من فتنته للعامة والجهلاء سجنوه وخافوا الله تعالى فيه فلم يقتلوه، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول، وهو لا يدرك المعقول ولم تتهيأ له الفرصة في تعلمه على يد المتخصصين، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله، ثم أضحك الثكلى بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل الأعمال، ثم دخل هو في دهاليز الألغام بان تحدث عن ليث بني غالب وباب العلوم والمعارف أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، بما لا ينبغي، إذ لكل مقام مقال، وهل الرد على الروافض يُجيز له رفع الحشمة والادب مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم تكلم عن الطاهر المطهر سيدنا الحسين، بكلام لا ينبغي، وهل التمحل في الدفاع عن يزيد يُجير سوء الأدب مع السادة الكرام، فهذه كلها من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية، فتعجل بتبنيها ونشرها، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة، فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك، أحد قبل ابن تيمية، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه، وكيف تكون سلفية في مسالة نُخالف فيها السلف، إنّ السلف الصالح في حياة النبي وبعده كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما له من كرامة عند اللّه، ولم يخطر ببال أحد أن التوسل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم شرك أو ذريعة إلى الشرك، وكان هذا ديدن السلف في جميع العصور، فهل لمنكر التوسل أن يصف نفسه بالسلفية، ثم يتطاول على بقية المسلمين باللقب، فيرميهم بالشرك والضلالة والبدعة والكفران، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[المفتاح الثاني عشر]: هل يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات: أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن الدين واهله، وعن السلفية والسلف، وعن العقيدة المنجية وأصولها، وعن الفقه وأدلته، وعن التزكية وأسرارها، نعم نقدر له مكانته، ولكنّه ليس بالمعصوم، ولا بالمتخصص في علم معين يُقتدى به فيه، نحترم علمه ونذكر أخطاءه، ونضيف علمه إلى تراث أهل الإسلام، بعد غربلته على أيدي المتخصصين، ونستدل بأقواله، ولا مانع عند الخطأ أن نقول: أخطأ في تقرير تلك المسألة، ولا زلت أقول وأوقن أنّ ابن تيمية لو فهم علم التقديس وقواعد التنزيه على يد متخصص، لكان آية في العلم، ولتغيرت الكثير من موازين التقييم عنده، ولا يغرنّك رده على الأكابر في علم التقديس والتنزيه كالرازي وفحول الأشاعرة، فردوده خواء عن معرفة مقصود تنزيههم لأنّه ولج علما لا يتقن أصوله، فأخذ يحشو في الردود حشواً، وما أسوأ ردّه على كتاب تقديس الرازي، يرد الصواب بالخطأ ويجول ويصول ويجادل في اثبات خطأ الصواب وصواب الخطأ، ولا يغرنك محاولة اثباته عدم التعارض بين النقل والعقل، بجر ما توهمه معقولاً، إلى فهمه القاصر الذي فهمه بالخطأ من المنقول، فلا هو – يرحمه الله – يدرك المعقول على وجهه لأنّه غير متخصص فيه.
وهل أقل المعقول إلا معرفة ما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الخالق سبحانه، وهل أقل المعقول إلا التفريق الأصولي بين القديم والمحدث وهو لا يدركه، وهل أقل المعقول إلا معرفة قواعد التنزيه التي تمنع التمثيل والتشبيه والتجسيم والحشو عند الحديث عن ما يتعلق بالله تعالى، وهو يرحمه الله لا يدرك ذلك البته، وأنا لا أتجنى عليه، يرحمه الله فقد أمضيت ثلاثين سنة في دراسة كتبه ومعرفة مداركها ووجه المخالفة فيها لأكابر المتخصصين من علماء أهل السنّة والجماعة، وأعلم علم اليقين أنّه لو درس المعقول على وجهه لما كان هذا حاله في التنزيه والتقديس، وإنما كان يجعل المحسوس مكان المعقول وهو يتحدث عن المعقول، ولا يتبين الفارق بينهما مع أنّه فارق عظيم عند أهل التخصص والعرفان، ثم ما يفهمه من المنقول ليس هو بفهم الاكابر الذين ضبطوا الأصول في العقيدة، لأنّه لا يمتلك أدواتهم ولا حواجزهم في منع الولوج في الفهم الممنوع، ولذلك وقع في بعض المخالفات التي حاول فيها سحب الأمة بعيدا عن وسطيتها بين المعتزلة والمجسمة، إلى ناحية المجسمة، – وهو لا يدرك ذلك – بحسن ظن أنّه يريد سحبها إلى السلفية التي فهمها وعاش حياته من أجلها، وهل كان السلف إلا أكابر المقدسين والمنزهين والمسبحين، ولكن أبى الله تعالى الصحة والكمال إلا للمتخصصين من أهل العلم كلٌ في علمه الذي تخصص فيه، وأتمنى أن تتكامل اللحمة بين طوائف أهل السنّة والجماعة، فنأخذ بأحسن ما خط قلم الإمام أحمد بن تيمية ونتجنب غرائبه وأخطاءه، ونقول أصاب في كذا، وأخطأ في كذا، وخالف الجمهور في كذا، ونأخذ بقوله في كذا، ونخالفه في كذا، فتتقارب الصفوف بدلاً من شقها وتنازعها ليس على مدى القرب والبعد عن أصول الإسلام، وإنما على أساس الولاء والبراء لدعوة ابن تيمية، أما انتصارا لها وإما انتصارا لرافضيها ومحاربيها.
(3)
محمد ابن عبد الوهاب ما له وما عليه
[المفتاح الاول]: الامام محمد ابن عبد الوهاب والتجديد لبدعة الحشو: لقد انطفأت الفتنة بعد موت ابن تيمية، إلى أن جاء زمان محمد ابن عبد الوهاب (ت 1206 هــ) فتبنى نشر كتب وأفكار ابن تيمية بقوة السيف والسنان، واستحل في سبيل ذلك الدماء والأموال، أضف إلى ذلك أنه كانت له اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا.
[المفتاح الثاني]: ففي مجال توحيد الألوهية: أخطأ في تفسير العبادة، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله، أو لمن يعتقده رباً أو له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله، وكنفوذ المشيئة لا محالة و لو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ خالق السموات والأرض، الّذي هو أكبر الآلهة في اعتقاده ولهذا قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5 و 6]، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي} [الزمر: 3]، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، و هو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، أو خاصة من خواصها كما سيأتيك تفصيله لا يصحّ أن يكون السجود لغير اللّه فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد، عبادة شرعاً (كسجود الملائكة لآدم)، فانّه حينئذٍ يكون كفراً، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع، ولا يأمر اللّه عزّ وجلّ به {قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ} [الاَعراف: 28]، {وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْر} [الزمر: 7]، وذلك ظاهر إن شاء اللّه، ولكن لما رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ ظنّ أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، فأدى ذلك إلى الغلط في تصور العبادة والشرك المقابل لها، وإنّ الغلط في تفسير العبادة، كان المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، الذي أُستحِلت به دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، عياذاً باللّه من المزالق والفتن.
[المفتاح الثالث]: وفي مجال توحيد الربوبية: قال في مجموعة التوحيد: ” وبعد فهذه أربع قواعد من قواعد الدين يميز بهن المسلم دينه من دين المشركين: القاعدة الأولى: أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية يشهدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور ولم يدخلهم ذلك في الإسلام والدليل قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون}” أهـ ([194]) .
والخطأ في هذا القول بين لأسباب عديدة، منها: أنّ توحيد الربوبية لله يعني اعتقاد أن الله أن الله تعالى هو وحده الخالق الرازق الهادي الشافي المحيي المميت المتعهد بالتربية لجميع خلقه إذ هو رب العالمين، له في لك كله المشيئة المطلقة والإرادة النـافذة لا حق لأحد في مراجعته وأمـره كله عدل وفضـل {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، واعتقاد حقه المطلق في التشريع والحكم والأمر {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}، هذا هو توحيد الربوبية عند الموحدين، ومن اعتقد بأن هناك من يملك الضر أو النفع أو التصريف أو التدبير في حياة الناس وغيرهم من المخلوقات من دون الله فقد أشرك في ربوبية الله عز وجل شركاً أكبر، ومن اعتقد أن لأحد من دون الله حق مطلق في التشريع المطلق بالتحليل والتحريم والحكم والأمر والنهي دون الرجوع إلى حكم الله وشرعه فقد اتخذه رباً من دون الله، ومن اعتقد أنه يجوز التحاكم إلى شرع غير شرع الله فقد كفر بربوبية الله عز وجل لخلقه، هذا هو توحيد الربوبية عند المسلمين، أما مشركو العرب فقد اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا شرك في الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله، ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وكانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36].
والخلاصة: أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون، وكذلك فإن اعتقاد المشركين كان يقوم على اعتقاد وجود الشريك الذي له تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير، وكذلك اعتقاد المشركين بوجود الند لله، والند كما جاء في معاجم اللعة هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله، والأدلة من القرآن الكريم على ذلك كثيرة منها: قوله تعالى:: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30]، وقوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9]، وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41]، كما أنّ المشركين كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم، كما في قوله تعالى – واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار-: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98].
فهذه الآيات ـ التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه، كما أنّ المشركين كانوا يلهجون بدعاء آلهتهم رجاء نصرتها لهم واعزازها لهم، إذ لا يعقل في تاريخ البشر أن يدعو أحد أحدا لا يرجوه لتحقيق منفعة أو رد ضر وإلا خرج من دائرة العقلاء، ورد الله تعالى عليهم اعتقادهم الباطل بقوله تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون * أمواتٌ غير أحياءٍ وما يشعرون أيّان يبعثون * إلهكم إلهٌ واحدٌ} [النحل: 20إلى 22]، وبقوله عز وجل {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب) [هود: 101]، وقوله تعالى: {وما يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [يونس: 66]، ويظهر جليا من هذه الآيات أن مشركي العرب كانوا يتخذون آلهة لهم من دون الله وكانوا يدعونهم عند الشدائد ويستغيثون بهم اعتقادا أنّها تسمع دعاءهم وتقدر على نصرهم وأنهم شركاء لله في ملكه العظيم، وبعد كل هذا الشرك الجلي في الربوبية يزعم الوهابيون أنّهم على توحيد الربوبية.
[المفتاح الرابع]: وفي مجال الخطأ في تقرير حقيقة الشرك الأكبر واتهام الأمة بالوقوع في الشرك الأكبر: فكما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الاكبر، ومن ذلك الخطأ في فهم آية الزمر، ومعرفة حقيقة اعتقاد المشركين بربوبية معبوداتهم: قال تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [سورة الزمر: 3]، والولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [سورة هود] وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي} ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية والألوهية (ما نعبدهم)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفي، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده، وفي الحديث (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك)، ([195]) . وقوله تعالى: {كَاذِبٌ كَفَّارٌ} صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته وكذبوا على الله ورسوله.
[المفتاح الخامس]: والخطأ في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وليس المقصد من الدعاء إلى تحقيق تلك المسائل هو الانتصار لرأي فقهي على حساب آخر، وليس هو من قبيل تهوين ما يفعله بعض الجهلاء عند مقابر الصالحين، فإن المساجد بيوت الله تعالى في الأرض، وهي دور العبادة والطاعة والصلاة، ولابد من تنزيهها عن أفعال الجاهلين وغلو المغالين وتسيب المستهترين، وإنما المقصد الأساس من ذلك هو بيان أنّ هذه المسائل تتبع الفقه ولا تتبع التوحيد، وتتبع السنّة والبدعة ولا تتبع الشرك والتوحيد، وتتبع الصواب والخطأ ولا تتبع الإيمان والكفر لأنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – مهما بلغ الجهل منهم مبلغه، فلم يعبدوا إلا الله ولم يصرفوا العبادة إلا إلى الله، كيف وشعارهم هو (لا إله إلا الله)، ومن ثم تهذيب مسائل التوحيد والشرك، فلا يشوبها شائبة الغلو والجفاء، واتهام المسلمين بالشرك الأكبر وهم منه برآء، فعلاج الخلل لا يكون بالخلل، وعلاج الخطأ لا يكون بالخطأ، وعلاج التفريط لا يكون بالإفراط، ودين الله تعالى عدل بين ظلمين، ووسط بين طرفين.
[المفتاح السادس]: والخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، وإخراجهم من دين المسلمين أو من اطار أهل السنّة والجماعة بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وقد كان الإمام ابن تيمية يفصل في مسائل التصوف، وجعلهم طوائف منهم الصديقون والأولياء، ومنهم الأدعياء المرتزقة، ومنهم أهل الجهل والخرافة، ومنهم أهل البدعة والضلالة، ولكن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يفصّل وإنما اعتبر التصوف برمته ضلال ينبغي أن يُزال، مع أنّ السبب الاساس الذي أُنشأ من أجله التصوف هو تزكية الباطن، وقد كان هو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وتخليته عن صفاته الذميمة، وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد وغيرها من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر.
والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، كما أنّه هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية الحقة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، وبالتالي فإن إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على بعضهم، أو قالها بعضهم في ساعة ذهول لا يقصدها، أمر لا ينبغي.
إن كلمة (صوفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة – منذ القرن الثالث الهجري وإلى يومنا هذا – كلمة ثناء، وصفة مدح، فلا يعقل أن ينادي اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى اقتلاع التصوف من جذوره، وابادة التصوف وأهله، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا من تنطع، وأين يذهب أكثرية أهل السنة والجماعة في العالم اليوم في مصر والسودان وبلاد الشام، ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين، وليس معنى ذلك أن نبرأ جميع الصوفية من الخطأ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف.
[المفتاح السابع]: استحلال دماء وأموال مخالفيه: فقد استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام، نعلم كيف كانت (الغزوات) ! على أعراب نجد والحجاز، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان، لا مسلمين يقولون (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ويعتقدون أنّه لا إله إلا الله، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون به لله.
[المفتاح الثامن]: غلو الدعوة الوهابية في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم: هناك العديد من نصوص محمد بن عبد الوهاب والتي آلت به إلى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم، ومن تلك النصوص، قوله: – وهو يتحدث عن أربع قواعد في التوحيد -: (الأُولى): إنّ الكفار الذين قاتلهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم مقرّون بأنّ اللّه هو الخالق الرازق المدبر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبصَارَ ..، فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس: الآية ٣١]، (الثانية): إنهم يقولون: ما دعونا الأصنام وما توجهنا إليهم الاّ لطلب القرب والشفاعة لقوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِياءَ مَا نَعْبُدُهُم اِلاّ لَيُقَرِّبُونا إلى اللّه زُلفي} [الزمر: الآية ٣]، وقوله: {وَيَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّه مَالا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُونَ هَؤلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨]، (الثالثة): إنّه ظهر صلى الله عليه وآله وسلم على قوم متفرقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم الأنبياء والصالحين، وبعضهم الأشجار والأحجار، وبعضهم الشمس والقمر، فقاتلهم ولم يفرق بينهم، (الرابعة): إنّ مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين، لأن أولئك يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة، وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: {فَإِذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُم إلَى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: الآية ٦٥]، ([196]) .
وهو يقصد بمشركي زمانه كافة المسلمين دون أتباعه، وذلك لأنهم يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في شدتهم ورخائهم، ولذلك صاروا عنده أغلظ من مشركي عهد الرسالة، هذا مع أن التوسل بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم جائز عند جمهور الفقهاء، وقصاراه أنّه من المسائل الفقهية الخلافية وليس من مسائل التوحيد والشرك، كما أنّ هناك فرقاً جلياً بين المسلمين وعبدة الأوثان والأصنام، فإنّ المسلمين يعبدون اللّه وحده، ولا يتوجّهون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ بقصد أن يدعو لهم عند اللّه، ويشفع لهم عنده، وأين هؤلاء من عبدة الطاغوت الذين كانوا يعبدون الأصنام ولا يعبدون اللّه، ويتوجهون إليها على أنها آلهة تملك ضرهم ونفعهم، وهذا الخطأ أدى به إلى استحلال دمائهم على أنّهم مشركون، وقد تكرر هذا الخطأ في رسالته كشف الشبهات، حيث يقول في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ” أرسله إلى أُناس يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات بينهم وبين اللّه، يقولون نريد منهم التقرب إلى اللّه، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأُناس غيرهم من الصالحين ” ([197]) .
فانظر كيف وصف المشركين بأنّهم يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، وهذه مغالطة فجة، فإنّ كفرهم كان في عبادة غير الله، وانكار رسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ثم اتخاذهم واسطة على سبيل الشراكة، كما ذكرنا في كتاب الاصلاح الثالث ” التأسيس في علم التوحيد “، فالوساطة لم تكن قط سبب شركهم، وإنّما عبادة غير الله: {ما نعبدهم إلا}، فقد أقروا بعبادتهم، ثم الوساطة الجبرية على سبيل الشراكة مع الله، وهذه وتلك لم يفعلها مسلم قط، إذ المسلم لا يعبد إلا الله، وهو بريء عن عقيدة الواسطة الشركية التي تكون جبرا على الله، وقصاراه التوسل بمن لهم جاه عند الله لقبول الأعمال، دون أي اعتقاد في شفاعتهم الجبرية على الله، ويقول في موضع آخر ما نصه: ” إنّ التوحيد الّذي جحدوه هو توحيد العبادة، الّذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون اللّه سبحانه ليلا ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من اللّه ليشفعوا له، أو يدعو رجلا صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى ” ([198]) .
وهو هنا لا يفرق بين الدعاء وبين العبادة، مع أنّ الدعاء لا يكون عبادة حتى يصاحبه اعتقاد الإلهية أو الربوبية لمن يدعوه، ولو كان الدعاء لعبد صالح من عباد الله، لعل الله تعالى ان يستجيب دعوته، فلا تكون الدعوة لهذا العبد عبادة له، وإنّما توسل به إلى الله، ويقول أيضاً: ” تحققت أنّ رسول اللّه قاتلهم ليكون الدعاء كله للّه، والذبح كله للّه، والنذر كله للّه، والاستغاثة كلها باللّه ” أهـ، ([199])
وهذه كما ذكرت في كتاب التجديد الثالث ” التجديد في علم التوحيد ” كلها مفردات للعبادة إن اشتملت على اعتقاد الإلهية والربوبية لمن تُصرف له كانت عبادة، وإن لم تشتمل على تلك العقيدة لم تكن عبادة، ويقول أيضاً: « إنّ المشركين يقرّون بالربوبية وإن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء »، ([200]) .
وهذا خطأ، لأن كفرهم إنما كان لعبادتهم الملائكة والأنبياء لا لتعلقهم بها إذ ليس مجرد التعلق مع الاعتراف بعبوديتهم وعدم تفويض الأمر إليهم موجباً للتكفير، ويقول أيضاً: « إنّ الذين قاتلهم رسول اللّه مقرّون بأن أوثانهم لا تدبّر شيئاً وإنما أرادوا منها الجاه والشفاعة »، وهذا أيضاً خطأ، لأنّ كفرهم لم يكن لأجل طلب الشفاعة، بل لعبادتهم قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُون هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨].
ويقول: ” إنّ اللّه كفّر من قصد الأصنام، وكفّر من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول اللّه ” أهـ، وهذا أيضاً خطأ، لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كفّر من عبد الصالحين، لا من قصدهم، فمن قصد الصالحين لطلب الدعاء لا يكون كافراً أبداً، ويقول أيضاً – وهو يعلّم أتباعه كيف يناظرون المخالف-: ” اقرأ عليه: {ادعوا ربّكم تضرعاً وخفيةً إنه لا يحبّ المعتدين} فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة للّه ؟ فلا بد أن يقول نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنها عبادة، ثم دعوت تلك الحاجة نبياً أو غيره، هل أشركت في عبادة اللّه غيره؟ فلابد أن يقول نعم ” أهـ، ([201]) .
وهذا أيضاٍ خطأ، لأنّ الدعاء بنية العبادة، والدعاء لمن يعتقده ربا وإلهاً، عبادة، وما خلا عن ذلك فليس بعبادة، والدعاء مخ العبادة لمن دعا من يعتقد أنه يدعو الرب الإله، فأين ذلك من دعوة الأنبياء والصالحين بمعنى التوسل بهم إلى الله، والذين يتكلم عنهم الشيخ مسلمون، لا يعبدون غير الله، ويعلمون أنّ هؤلاء عبادا صالحين لا يملكون شيئاً لأنفسهم ولا لغيرهم، إلا الشفاعة بفضل الله، فلا يجوز تشبيه دعاء الكافرين والمشركين لمن يظنون فيهم نوعا من الألوهية والربوبية، وبين دعاء المسلمين الموحدون، وبهذه القواعد المغلوطة توصل الوهابيون إلى تكفير المسلمين واستحلال محارمهم، بزعم انهم أشد كفراً من المشركين الأصليين.
[المفتاح التاسع]: مآسي المسلمين من غلو الوهابيين: ترتب على غلو الوهابيين في فهم مسائل وأحكام التوحيد والشرك: استحلال دماء المسلمين، لغير سبب شرعي صحيح، وإليك الأمثلة: (أ) هاجم الوهابية الطائف ليحرروها من الشرك!! وكانت تحت حكم الشريف غالب حاكم مكة، ودخلوها عنوة في ذي القعدة 1217هـ: 1802م فقتلوا الناس بدون تمييز بين رجل وامرأة وطفل، حتى انهم كانوا يذبحون الرضيع على صدر أمه، كما قتلوا من وجدوا في المساجد والبيوت ولاحقوا الفارين من المدينة فقتلوا أكثرهم، وأعطوا الأمان للبعض فلما استسلموا ضربوا أعناق فريق منهم، وأخرجوا فريقاً إلى أحد الأودية، واسمه وادي الوج، فتركوهم مكشوفي العورة ومعهم النساء، ويذكر المؤرخ الشهير عبدالرحمن الجبرتي – وهو ذو هوى وهابي – في كتابه (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار) أنهم (حاربوا الطائف وحاربهم أهلها ثلاثة أيام حتى غلبوا فأخذ البلدة الوهابيون، واستولوا عليها عنوة، وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال، وهذا رأيهم مع من يحاربهم) ([202]) .
(ب) احتلال مكة المكرمة: بعد إرعاب أهل الحجاز بقتل النساء والأطفال خلال احتلال الوهابية للطائف عام 1217 هـ: 1802 م، بدأوا بمهاجمة مكة المكرمة بعد استيلائهم على الطائف مباشرة فدخلوها سنة 1218هـ: 1803م كما ذكر ذلك عبدالله بن الشريف حسين في (صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر)، أما مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر الحنبلي النجدي فيذكر ذلك في أحداث سنة 1220هـ، ومن أحداث تلك الفترة المشؤومة في محرم 1220هـ: 1805م أن الوهابية راحوا يقتلون الحاج ويأسرون من يمر بهم، واشتدَّ الغلاء في مكة بشكل فاحش لم تشهده من قبل حتى باع أهل مكة أثاثهم وحلي نسائهم بعشر القيمة، ليشتروا أقوات أطفالهم بأضعاف أثمانها، ومات الكثير من أهل مكة جوعا وانتشرت جثث الأطفال في الأزقة، بل وكما يذكر مؤرخ الوهابية عثمان النجدي في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد أن لحوم الحمير والجيف بيعت فيها بأغلى الأثمان، وأكلت الكلاب، وأخذ الناس يهجرونها نتيجة الخطر الجاثم على أطرافها، فلم يبق فيها إلا النادر من الناس، ([203]) .
(ت) منع الحجاج من الوصول إلى بيت الله الحرام: يذكر المؤرخ عثمان بن بشر الحنبلي في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد) من أحداث 1221 هـ الحادثة التالية ص 139: ” فلما خرج سعود من الدرعية قاصداً مكة أرسل فرَّاج بن شرعان العتيبي، ورجالا معه … وذكر لهم أن يمنعوا الحواج التي تأتي من جهة الشام واسطنبول ونواحيهما، فلما أقبل على المدينة الحاج الشامي ومن تبعه، وأميره عبدالله العظم باشا الشام فأرسل إليه هؤلاء الأمراء أن لا يقدم وأن يرجع إلى أوطانه، ويقول مفتخراً ولم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر والعراق والمغرب (أي بلاد المغرب العربي كله) وغيرهم إلا شرذمة قليلة من أهل المغرب لا اسم لهم ” أهـ، ([204]) .
(ث) من مجازر الوهابية ضد الحجيج: في سنة 1341هـ: 1921م التقت سرية من الوهابيين بحوالي ألف من أبناء اليمن القادمين لأداء فريضة الحج، فلما وصل الفريقان إلى وادي (تنومة) والوهابيون في الجهة العليا بينما اليمنيون في الجهة الدنيا، انقض المسلحون على الحجاج بأسلحتهم فأبادوهم فلم ينج منهم إلا اثنان، وقد برر الوهابيون هذه الفعلة بأنّهم ظنوا أن مجموعة الحجاج مجموعة مسلحة من أهل الحجاز فاشتبكوا معها، وهو عذر أقبح من ذنب كما ترى، ([205]) .
(ج) حرق المكتبة العربية بمكة المكرمة: أحرق الوهابية المكتبةَ العربية في مكة المكرمة وهي من أنفس مكتبات العالم، إذ كانت تحوي ستين ألفاً (60،000) من الكتب النادرة، وحوالي أربعين ألف (40،000) مخطوطة، بعضها مما أملاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبعضها كتبه الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة، ومنها ما هو مكتوب على جلود الغزلان والعظام والألواح الخشبية والرقم الفخارية والطينية، كما كانت المكتبة تشكل في جانب منها متحفاً يحتوي على مجموعة من آثار ما قبل الإسلام وبعده.
(ح) استباحة دماء المسلمين في المساجد: جاء في كتاب تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام: ” يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (إن عثمان بن معمَّر – حاكم بلد عيينة – مشركٌ كافر، فلما تحقق المسلمون من ذلك تعاهدوا على قتله بعد انتهائه من صلاة الجمعة، وقتلناه وهو في مصلاه بالمسجد في رجب 1163 هـ، ([206]) .ولنا أن نتساءل كيف يكون مشركاً من قُتل في مصلاه بالمسجد يوم الجمعة، وهو يعبد الله.
(خ) الهجوم على الكويت: وذلك بزعم أنّهم مشركون حلال الدم والمال، فوجهوا إليها الغارات تنهب وتقتل وتسلب وتسبي، وكانت الحملة الأولى سنة 1205 هـ: 1790 م، ثم تلتها حملة أخرى سنة 1213هـ: 1798 م، وثالثة سنة 1223 هـ: 1808 م ووصلوا في هذه الأخيرة إلى الجهراء، وأعادوا الكرة سنة 1338 هـ: 1920م فكانت معركة (الجهراء) المعروفة.
(د) البطش والإبادة لجميع قبائل العرب التي تُخالفهم: لقد نالت شدة وبطش الوهابية العديد من المسلمين، حتى أبيدت قبائل بأكملها ومواقفهم مع العجمان والخوالد وآل رشيد معروفة، وما ذلك إلا بناء على عقيدتهم التي ترمي أهل ملة التوحيد بالشرك الأكبر لتستحل بذلك دماءهم وأموالهم ونساءهم، ومن أراد أن يتتبع أحكامهم على المسلمين، وكيف أخرجوهم من الملة والدين، واعتقدوا فيهم أنهم مشركون، فليرجع إلى كتاب (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) فإنه سيجد في ذلك العجب العجاب، وكذلك كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) الذي ألفه أحد علماء الوهابية وهو عثمان بن بشر النجدي الحنبلي، ونشرته مكتبة الرياض الحديثة بالمملكة العربية السعودية، فإن في هذا الكتاب من تعسفهم ومعاملتهم للمسلمين معاملة الكافرين الصرحاء ما تشيب منه الولدان.
(ذ) حرب أهل المدينة: جاء في كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد: ” أجمعوا على حرب المدينة ونزلوا عواليها ..، وضيَّقوا على أهل المدينة، وقطعوا عليهم السوابل، وأقاموا على ذلك سنين “ ([207])
(ر) غزو الشام: وقد غزا الوهابية هذيل الشام بقيادة عثمان المضايفي في حوالى سنة 1214هـ: 1799م فقتلوا وسبوا النساء، ثمَّ غزوا اللفاع حيث يقيم أشراف بني عمرو فقتلوا منهم عدداً، ونهبوهم وسلبوا النساء حتى أنهم جردوهن من الثياب، فطلبوا الأمان وتوهبوا،، ابادة أهل الحجاز في تربة وحزبة: وهما قريتان بالحجاز انقض عليهما جنود الوهابية في أواخر شعبان 1337هـ: 1919م فقتلوا ونهبوا واعتدوا على الأعراض وأحرقوا النخيل، وقد أحصي من قتل في تربة وحدها فبلغوا ثلاثة آلاف من المدنيين العزَّل.
(س) غزو الإحساء: جاء في عنوان المجد: في أحداث 1210 هـ، ” : فلما استووا على ركائبهم (أي الجند الوهابي) وساروا ثوروا بنادقهم دفعة واحدة، فأظلمت السماء وأرجفت الأرض، وثار عج الدخان في الجو، وأسقط كثير من الحوامل في الإحساء، ثم نزل سعود في الرقيقة … فأقام في ذلك المنزل يقتل من أراد قتله، ويجلي من أراد جلاءه، ويحبس من أراد حبسه، ويأخذ من الأموال، ويهدم من المحال، ويبني ثغوراً، ويهدم دوراً، وضرب عليهم ألوفاً من الدراهم وقبضها منهم .. ثم يقول عن القتل وذلك بعد الاستسلام.. فهذا مقتول في البلد، وهذا يخرجونه إلى الخيام، ويضرب عنقه عند خيمة سعود، حتى أفناهم إلا قليلا، وحاز سعود في تلك الغزوة ما لا يحصى).
(ش) غزو البحرين وقطر وعمان: امتنع العتوب في البحرين عن دفع الجزية فهاجمهم الوهابية وقتلوا منهم الكثير، وأوقعوا بهم خسائر جسيمة.. وقد هاجم الوهابية البحرين مرات عديدة، ومنها الحادثة الشهيرة التي رواها مؤرخ الوهابية عثمان النجدي في كتابه (عنوان المجد) حين قتل الوهابية من أهل البحرين 1400 رجل فانتقم الله لأهل البحرين فانفجر البارود داخل السفن الوهابية المغيرة فمات الجند الوهابي حرقاً وغرقا، يقول صاحب عنوان المجد، ” ثم دخلت السنة السادسة بعد المائتين والألف وفيها غزا سليمان بن عفيصان بأمر عبد العزيز بجيش من أهل الخرج وغيرهم، وقصد قطر المعروف بين عمان والبحرين، فصادف منهم غزواً نحو خمسين مطية فناوخهم، فقاتلوا وهزمهم سليمان، وقتلهم إلا القليل، وأخذ ركبهم، ويقول كذلك، عندما تحدث عن أحداث 1209 هـ (.. ثم سار بهم إبراهيم بن عفيصان فقصد ناحية قطر، وأغار على أهله فأخذ إبلا كثيرة من بواديهم وأموالهم.
(ص) غزوة الشقرة على قبائل شمر: جاء في عنوان نجد: ” وفيها (أي سنة 1206 هـ) كانت غزوة الشقرة وذلك أن سعوداً سار بالجيوش الكثيفة من جميع نجد الحاضرة والبادية، وقصد ناحية جبل شمر، وقد ذكر له قبائل كثيرة من البوادي من مطير وحرب وغيرهم، وهم على الماء المعروف بالشقرة قريب من جبل شمر، فعدا عليهم سعود وأخذهم جملة وحاز منهم أموالاً عظيمة، الإبل أكثر من ثمانية آلاف بعير، وأخذ جميع أغنامهم ومحلتهم وأمتعتهم، وأكثر من عشرين فرساً، قتل عليهم عدة رجال، ثم رحل سعود بجميع تلك الغنائم وأخرج خمسها !! وقسم باقيها غنيمة في المسلمين للراجل سهم وللفارس سهمان ” أهـ، ([208]) .
فمتى كان هؤلاء كفاراً تحلُّ دماؤهم وأموالهم، ووجه الوهابية قواتهم إلى عمان، يقول مؤرخهم عثمان بن بشر النجدي: ” ثمَّ سعود أرسل إلى عمان عبدالله بن مزروع صاحب منفوحة وعدة رجال من أهل نجد و أمرهم بنزول قصره البريمي المعروف في عمان، مطلق المطيري بجيش من أهل نجد …، فقاتل أهل الباطنة سحار ونواحيها، وقاتلوا سعيد بن سلطان صاحب مسكة (مسقط) ودام القتال بينهم وقتل من عسكر عزان مقتلة عظيمة بلغت القتلى نحو خمسمائة رجل، ثم أنه اجتمع مع مطلق المطيرى جميع من هو من رعية سعود من أهل عمان، فنازل أهل سحار بألوف من المقاتلة، ودخلت سنة خمس وعشرين وهم على ذلك يقتلون ويغنمون، وأخذ مطلق ومن معه قرى كثيرة من نواحى سحار من أهل الباطنة، وبايع غالبهم على دين الله ورسوله والسمع والطاعة، ولم يبق محارب إلا مسكة ونواحيها مملكة سعيد وما تحت ولاية عزان من سحار، وغنموا منها غنائم كثيرة، وبعثوا الأخماس إلى سعود في الدرعية ” أهـ، ([209]) .
(ض) غزو العراق واليمن والشام: يقول صاحب عنوان المجد، ” وفيها (أي سنة 1220 هـ) سار سعود بالجيوش المنصورة، والخيل والجياد المسومة المشهورة من جميع نجد ونواحيها وبواديها، وقصد جهة الشمال نوازل بلد المشهد المعروف في العراق، وفرق عليه المسلمين من كلِّ جهة، وأمرهم أن يتسوروا الجدار على أهله !! … ثم رحل منه سعود فانحاز على الزملات من عربان غزية فأخذ مواشيهم ثمَّ ورد الهندية المعروفة، ثم اجتاز بحلل الخزاعل، وجرى بينه وبينهم مناوشة قتال وطرد خيل، ثم سار وقصد السماوة وحاصر أهلها ونهب من نواحيها ودمَّر أشجارها، ووقع بينهم رمي وقتال، ثم رحل منها وقصد إلى جهة البصرة ونازل أهل الزبير ووقع بينه وبين أهله مناوشة قتال ورمى، ورحل منه إلى وطنه ” أهـ، ([210]) .
ولقد احتل الوهابية صنعاء وأمعنوا فيها قتلا، ونهبوا خيراتها، يقول مؤرخهم في غزو الحديدة: ” وحاصروا بندر الحديدة وأخذوه …فتجهز صالح المذكور إلى زبيد وجنوده وقومه فسار إليه بجيش عديد من قبائل عديدة حاضرة و بادية نحو ثلاثة الآف مقاتل فنازل أهل زبيد وأخذوه عنوة ونهبوا منها من الأموال والأمتاع شيئا كثيرا ..، وعزل صالح الأخماس وبعثها إلى الدرعية ” أهـ، ([211]) .
فأي إسلام هذا الذي يحلُّ الإغارة على المسلمين ؟ وفي بلاد الشام: هاجم الوهابية حوران سنة 1225هـ: 1810م فأحرقوا ونهبوا وسبوا بعد أن قتلوا حتى الأطفال ناهيك عن الكبار، ثمَّ توسعت الغزوات الوهابية حتى بلغت مدينة حلب وقطعوا الطريق بين الشام والعراق، وكانت سراياهم تصل إلى القادسية، وقد قتلوا خلقاً كثيراً خلال غاراتهم تلك، (وبعد) فهذه بعض الأحداث الدامية التي ارتكبها الوهابية في حق المسلمين، ولنا أن نقول: ما هو الفرق بين تصرف الخوارج وتصرف هؤلاء مع أهل القبلة من المسلمين، وهل كانوا حقيقة يُقاتلون كفاراً مشركين، أم يُقاتلون أهل الإسلام والتوحيد، الذين يدينون بلا إله إلا الله ؟ وكيف بعد ذلك أنّ نصدق أنّهم السلفية على طريق السلف، اللهم اهد قومنا فإنهم لا يعلمون.
***
المبحث الحادي عشر الهدي الإسلامي في معاملة الفرق الضالة
[المفتاح الاول]: ليس معنى (الفرقة الناجية) أن أفرادها ناجون من النار مهما أتوا من الذنوب والمعاصي، يل ثبت أن هناك من يعذب في النار من امة الإسلام بذنوبه ومعاصيه، فإنّ كل نفس بما كسبت رهينه، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وليس معنى (الفرقة الناجية) أنّهم في مأمن من من عذاب النار، بل كل مسلم أيا كان يحاسب على عمله فمن غلبت سيئاته حسناته فهو معرض لعذاب النار إلا أن يعفوا الله عنه، ولكن المقصود بــــ (الفرقة الناجية) أنهم اعتقدوا الاعتقاد الحق في أصول الدين وأركان العقيدة سالمين من بدع الضلالة التي تستوجب النار، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (كلها في النار إلا واحدة) كون الفرق الضالة في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، (كلها في النار) لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين، وقد يشفع لهم شفيع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين، وقد يكون لهم من الحسنات الماحية والمحن والمصائب المكفرة ما يدرأ عنهم دخول النار، كما قد يعفو الله تبارك وتعالى عنهم بفضله وكرمه، لا سيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق ولكن لم يوفقوا فيه فأخطأوا الطريق، وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، (الوعيد بالنار) لتلك الفرق لا يقتضي الخلود فيها، يستحقون النار، نعم، لبدعتهم في الدين، ولكن لا يحكم على جملتهم بالكفر، ولا بالنار، وإن كان من أقوالهم ما يكون كفرًا، فليس يلزم من كون القول كفرا أن يكون قائله كافرا، ولا يلزم من كون الفعل كفرًا أن يكون فاعله كافرًا، لعدم توفر الشروط وانتفاء الموانع، وقد تكون البدعة ممن في قلبه الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به وغلط فيما تأوله من البدع، فهذا ليس بكافر أصلاً، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة، وقتالاً للأمة، وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين، وخير مثال لنا هو قتال الإمام علي رضي الله عنه للخوارج الناكثين فكان لا يبدأهم بقتال ولا يستحل أموالهم ولا حرماتهم، بل كان يداوي جريحهم ويطعم أسيرهم ولا يلاحق الفار منهم والهارب حتى يكونوا هم من بذءوا المسلمين بالقتال، كما ذكرت الآثار عنه رضي الله عنه، وهكذا سائر الثنتين وسبعين فرقة من فرق المسلمين، إلا من كان منافقا يظهر الإسلام، كما يكثر ذلك في طوائف الروافض، فإن من تتبع مقالات بعظهم وكذبهم على أئمتهم جزم يقينا بأنهم لا يريدون للإسلام والمسلمين إلا الشر، فهؤلاء مسلمون في الظاهر كافرون في الباطن والله حسيبهم ولنا الظاهر والله أعلم بالبواطن، أما من لم يكن منافقًا بل كان مؤمنًا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرًا في الباطن، وإن أخطأ في التأويل كائنًا ما كان خطؤه، فهذا ترجو له المغفرة والرحمة، لأنه في خاتمة المطاف مسلم له حُرمة الإسلام والدين.
[المفتاح الثاني]: أهل الفرق الضالة مسلمون، لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان، فلا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام، لان أهل الإسلام ثلاثة أصناف، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، وجميعهم داخلون في الاصطفاء وهم أهل الإسلام، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد)) ([212]). وقال صلى الله علية وسلم: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)) ([213]).
وقتل المسلم أهون من تكفيره، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها: أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج أهل السنة، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه.
[المفتاح الثالث]: الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة هدي رباني رشيد، إذ ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق ((كلها في النار إلا واحدة)) كون الفرق الضالة في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة، وقد حبى الله تعالى أهل العلم بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية: بدعة الخروج، وبدعة التشيع، وبدعة الاعتزال، وبدعة الحشو، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات، ولا يجوز استحلال شيء من حرماتهم لأجل بدعتهم.
[المفتاح الرابع]: افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام: أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([214]) . وهذا الحديث يفهمه أهل البدع والضلال فهما على عكس مراده، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أهل الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن.
[المفتاح الخامس]: ولا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين، قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144]، وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن، فقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس، وأنهم أمة واحدة من دون الأمم، يجب أن يعم الإخاء والوفاق بينهم جميعا لعموم النصوص في ذلك.
[المفتاح السادس]: المسلمون جميعا داخلون في الاصطفاء الرباني، لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، وجميعهم مآلهم إلى رضوان الله تعالى وجنته، وإن لبث بعض العصاة منهم أحقابا في النار، هم حير الأمم قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 110]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلى اللَّهِ)
والأصل بين المسلمين هو وحدة التآلف والتكامل والتراحم، والتعاون على ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين، قال تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 102، 103]، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، وقال صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [أخرجه مسلم]، وقَالَ صلى الله عليه وسلم: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ، وَلاَ يُسْلمُهُ، مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه، كَانَ اللهُ في حَاجَته، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ).
[المفتاح السابع]: لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة عن منهاج أهل السنّة بإطلاق، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير، التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلم: اتفق أهل السنّة والجماعة على أنّه لا يجوز تكفير المسلم – أي مسلم – بذنب فعله ولا بخطأ أخطـأ فيـه ولا ببدعة ابتدعها إلا أن تشتمل على مكفر، والبدعة المكفرة: هي البدعة التي تشتمل على اعتقاد أو قول أو عمل نص الشارع على كفره، أو اتفق علماء أهل السنّة والجماعة على تكفيره كمن كانت بدعته تتضمن انكار معلوم من الدين بالضرورة، وهنا يكون التكفير المطلق وليس معنى ذلك الحكم بكفر كل من أتى بها بعينه، لأنّه قد تكون هناك موانع في حقه تمنع من تكفيره، كالجهل بدين الله تعالى، أو تأويل في حق أحكامه، وهنا لابد من إقامة الحجة حتى يقع الحكم على معين، ولا تعتبر الحجة إلا من أهل العلم المتخصصين في العلم الشرعي، والمخولين بإقامة الحجة على المخالف، فآنذاك يُعامل معاملة الكفار.
وعلى ذلك، فإن من شروط تكفير المبتدع المعين:
(الشرط الأول): أن تكون بدعته مكفرة، فإذا كانت بدعته التي جاء بها لا تدخل تحت وصف الكفر فإنه لا يكون كافراً.
و(الشرط الثاني): أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنّة والجماعة في تكفير المعين، ومن أهمها: (أ) العلم بحقيقة حكم هذه البدعة التي وقع فيها وأنها مخالفة للشرع، والجأهل معذور حتى تُقام الحجة عليه بالعلم، (ب) عدم التأويل وضده وجود التأويل، فعدم التأويل شرط ووجوده مانع، وبناءً عليه فإذا كان من وقع في هذه البدعة وقع فيها عن تأويل فإنه ينتظر بتكفيره حتى يكشف له الأمر وتزال عنه الشبهة وتتضح له الحجة، لكن لابد أن يكون تأويلاً سائغاً، فالتأويل السائغ والإعذار به له اعتبار في مسألة تكفير المعين، ومنها: (ت) قيام الحجة مستوفاة شروطها، وكذلك فإنّ العمل عند أهل السنّة والجماعة على عدم تكفير الفرق الضالة كالخوارج والروافض والمعتزلة والمرجئة والحشوية لا بإطلاق، ولا تعيين، فكلهم على البدعة وليسوا على الكفر إلا من أتى منهم بأمر مكفر، معلوم من الشرع بالضرورة، وحتى الخوارج المارقين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، قاتلهم أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علىّ بن أبي طالب ولا الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علىّ رضي الله عنه، حتى سفكوا الدمّ الحرام وأغاروا على المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفّار، نسأل الله تعالى أن يفقهنا في ديننا إنه سميع الدعاء.
المفتاح الثامن: أهم الأحكام الفقهية السديدة التي تتعلق بالمبتدع:
[1] (مسألة تكفير المبتدع): لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها: (الشرط الأول): أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة، (الشرط الثاني): أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنّة في تكفير المعين، وذلك أن المتقرر عند أهل السنّة والجماعة: أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه، (الشرط الثالث): قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء،
[2] (مسالة قتل المبتدع): الأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله، وفي الحديث ((لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) ([215]). وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لايزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً) ([216]).
وقال العلماء في شرحه: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول.
[3] (مسألة بغض المبتدع): يجب بغض البدعة باتفاق أهل السنة، والمبتدع مسلم، نحبه لإسلامه، ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة، نبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع ونحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان، ولا يجوز أن يبغض البغض المطلق كبغض الكفار، لأنّه في نهاية المطاف ما كانت بدعته غير مكفرة فإنّ مآله إلى الجنّة لحرمة لا إله إلا الله، وفضل لا إله إلا الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من إيمان)) ([217]) . وما جاء في حيث الشفاعة المتفق عليه ((فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله)) ([218]) . وما أخرجه البخاري ومسلم: عنه صلى الله عليه وسلم قوله لمعاذ: ((ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار)) قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: ((إذا يتكلوا)) وأخبر بها معاذ عند موته تأثما،([219]) . وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري: ((اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه)) ([220]) . وحديث أبي ذر رضي الله عنه في صحيحي البخاري ومسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر))، ([221])
فالحاصل انه مسلم إن مات على ذلك فهو من اهل الجنة، واهل الجنة لا يبغض الله ذواتهم، الشاهد نبغض بدعتهم أم هم فلا إلا ان تكون البدعة مخرجة عن الدين فلا ولا كرامة نسأل الله السلامة.
[4] (مسألة معاداة أهل البدع): المبتدعة الذين لا يزالون في دائرة الإسلام فإننا نعادي بدعتهم ولا نعاديهم هم، وندعو لهم بالهداية، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين، والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم، قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، والمسلمون إخوة في الإسلام، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].
[5] (مسألة البراءة من أهل البدع): تجب البراءة من البدعة نفسها، والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام فإننا نبرأ من بدعته، ولكن له ولاء الإسلام العام وننصحه ونرشده ولا نعاديه مطلق العداء، لأنّه من أمة النبي صلى الله عليه وسلم ، أمة القرآن، امة الاصطفاء، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [فاطر: 32 و 33].
[6] (مسألة الصلاة خلف المبتدع): تصح الصلاة خلفه، وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف المعتزلة ممن يقولون: القرآن مخلوق، جاء في المجموع شرح المهذب للإمام النووي رحمه الله: ( قال المصنف – رحمه الله تعالى – ( وتجوز الصلاة خلف الفاسق لقوله صلى الله عليه وسلم { صلوا خلف من قال : لا إله إلا الله ، وعلى من قال : لا إله إلا الله، ولأن ابن عمر رضي الله عنهما صلى خلف الحجاج مع فسقه ، ( الشرح ) هذا الحديث ضعيف رواه الدارقطني والبيهقي من رواية ابن عمر بإسناد ضعيف ، ورواه الدارقطني من طرق كثيرة ثم قال : وليس منها شيء يثبت، وأما صلاة ابن عمر خلف الحجاج بن يوسف فثابتة في صحيح البخاري ، وغيره في الصحيح أحاديث كثيرة تدل على صحة الصلاة وراء الفساق والأئمة الجائرين، قال أصحابنا : الصلاة وراء الفاسق صحيحة ليست محرمة ، لكنها مكروهة ، وكذا تكره وراء المبتدع الذي لا يكفر ببدعته ، وتصح ، فإن كفر ببدعته فقد قدمنا أنه لا تصح الصلاة وراءه كسائر الكفار، ونص الشافعي في المختصر على كراهة الصلاة خلف الفاسق والمبتدع ، فإن فعلها صحت ، … وذهب جمهور العلماء إلى صحتها، ( فرع ) قد ذكرنا أن من يكفر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه ، ومن لا يكفر تصح، وقال القفال وكثيرون من الأصحاب: يجوز الاقتداء بمن يقول بخلق القرآن وغيره من أهل البدع ، قال صاحب العدة : هذا هو المذهب، قلت: وهذا هو الصواب فقد قال الشافعي رحمه الله : أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة ونحوهم ومناكحتهم وموارثتهم وإجراء سائر الأحكام عليهم .. قال ابن المنذر: أجاز الشافعي الصلاة خلف من أقامها ، يعني من أهل البدع ، وإن كان غير محمود في دينه [ أي ] أن أبلغ في مخالفة حد الدين هذا لفظه ، قال ابن المنذر : إن كفر ببدعة لم تجز الصلاة وراءه ، وإلا فتجوز وغيره أولى ) أهــ([222]).
[7] (مسألة الصلاة على أهل البدع): الصلاة على الميت المسلم فرض كفاية على المسلمين، أي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وهي واجبة على كل مسلم توفي، هي من شعائر الإسلام المهمة، والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام لم يخرج منها، قال تعالى -في حق المنافقين- : {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبرِهِ} [التوبة: 84]، والمبتدع مسلم وليس منافق معلوم النفاق، وفي صحيح البخاري: عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: نعم، قال: فصلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه) ([223]).
فــ (الأصل): أن المبتدع مسلم يُصلى عليه، لكن إن تخلف عن الصلاة عليه أهل الدين والصلاح زجراً عن فعله وترهيباً من بدعته فحسن، ففرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
[8] (مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة): المبتدع يدعى له ويستغفر له، لأنه مسلم ووجود بدعته لا ينقض أصل إسلامه، فيدعى ويستغفر له، بل هو في هذه الحالة أحوج من غيره بالدعاء له والاستغفار له لأنه مات على هذه المخالفة، والدعاء للمسلم مسنون، والمغفرة تاتي على كل الذنوب إلا الشرك، قال تعال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48]، وهو مسلم داخل في إطار المشيئة ويُرجى أن يُغفر له إن شاء الله.
[9] (مسألة السلام على أهل البدع): الأصل جواز السلام عليه لأن له أسم الإسلام وحكمه، لكن إن كان في ترك السلام عليه من باب زجره مصلحة خالصة أو راجحة رجاء ان يقلع عن بدعته فإنه يترك السلام عليه، وإن لم يكن في ترك السلام على المبتدعة مصلحة خالصة ولا راجحة فإن المشروع السلام عليهم ورده إذا سلموا، لأنهم مسلمون، وإذا كان ترك السلام يؤدي إلى عكس المراد فلا يجوز.
[10] (مسالة هجر المبتدع): يُشرع الهجر في حق المبتدع إن كانت المصلحة الشرعية تقتضي ذلك وإلا فلا يهجر، وأما إذا كان الهجر لا يزيده إلا بعداً ولا يجنى منه إلا المفاسد الخالصة أو الراجحة فإنه يستمر بدعوته ومواصلته ونصحه ولا يهجر، لأن الهجر في حق الكافر مقصود لذاته، وأما الهجر في حق المبتدع فإنه مشروع إن كان يحقق المصلحة الشرعية، فإن كان لا يحققها فلا يشرع.
[11] (مسألة حكم غيبة المبتدع): فالأصل هو تحريم غيبة المسلم، ولا يجوز التوسع في غيبة المبتدع إلا بقدر بدعته، وذلك مثل الميتة فإن الأصل فيها التحريم ولكن يجوز منها للمضطر بقدر ما تندفع به ضرورته، والضرورة هنا تتمثل في وجوب التحذير من أهل الأهواء والبدع ومحاربة بدعهم وكشف زيفها وتحذير العامة من الوقوع فيها وبيان باطلها،
[12] (مسالة مجالسة أهل البدع): جاءت الآثار عن السلف تنهى عن مجالسة أهل البدعة، وكلها محمولة على النهي عن مجالسة رؤوس الفرق الضالة الداعين إليها، ومحمولة على البدع العقائدية العريضة الضالة، والنهي يشمل العامة الغير مسلحين بسلاح العلم بمذهب أهل الحق، أما إذا كان الشخص عالماً بمذهب أهل السنّة قادرا على الرد على ضلالات الفرق الضالة، وأراد أن يجلس معهم لدعوتهم إلى السنّة وإزالة الشبهة وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك، قد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((هلك المتنطعون، قالها ثلاثا)) ([224]).
([1]) نقله عنه المناوي في فيض القدير 2 / 21.
([2]) مسند أحمد 14/124 ح 8396، سنن الترمذي 5/25 ح 2640.
([3]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([4]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597.
([5]) مسند أحمد 19/241 ح 12208، سنن ابن ماجة 5/130 ح 3993.
([6]) صحيح البخاري 3/186 ح 2704.
([7]) سنن الترمذي 4/466 ح 2166.
([8]) صحيح البخاري 6/33 ح 4547، صحيح مسلم 4/2053 ح 2665.
([9]) تفسير القرطبي 4/9 والطبري 5/217 وابن كثير 2/10.
([10]) التفكير الفلسفي في الاسلام صـ 134 الى 144. بتصرف.
([12]) اعتقاد أهل السنة 3 / 433
([17]) طبقات الشافعية الكبرى 9 / 40
([26]) تفسير الطبري 2/449: 450.
([28]) تفسير البغوي1/25و 5/252.
([29]) روح المعاني (تفسير الألوسي) 12/272.
([31]) التمهيد5/155، سير أعلام النبلاء 9/333، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص: 136، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص: 82.
([32]) البداية والنهاية لابن كثير 14/386.
([37]) الشهرستاني: الملل والنحل 01/114
([38]) الفرق بين الفرق ص 73 ط مكتبة دار التراث القاهرة
([39]) صحيح مسلم 2/740 ح 1063.
([41]) صحيح البخاري 8/38 ح 6163.صحيح مسلم 2/744 ح 1064.
([42]) صحيح مسلم 2/746 ح 1066.
([43]) المرجغ السابق 2/750 ح 1067.
([44]) المرجع السابق2/750 ح 1068.
([45])المرجع السابق 2/748 ح1566.
([47]) انظر مقالات الاسلاميين1/ 189.
([49]) مقدمة فتح الباري ج1/ص459.
([50]) سير أعلام النبلاء ج7/ص370.
([51]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1862.
([52]) الصواعق المحرقة: (ص: 223)
([53]) صحيح البخاري 8/77 ح 6357.
([54]) صحيح مسلم 4/1873 ح 2408.
([55]) المستدرك للحاكم 3/161 ح 4712. قال الحاكم: هذا حديث حسن صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي].
([58]) صحيح البخاري 5/26 ح749 صحيح مسلم 4/1881 ح 2421.
([59]) تفسير القمي 2/377 – بحار الأنوار 22/420.
([64]) الملل والنحل 1 / 52 وانظر الفرق بين الفرق ص 20 – 21.
([65]) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة للالكائي 5 / 1072 ط دار طيبة.
([66]) الشريعة للآجري ص 146 – 148 ط، دار الكتب العلمية.
([67]) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة للالكائي 5 /1071 .
([69]) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة للالكائي 5 / 107.
([70]) نقله عنهم الشهريتاني في الملل 1/139، 1/140.
([71]) نقله عنهم الرازي في كتابه اعتقادات فرق المسلمين ص 70.
([72]) حكى إجماعهم على هذه المقولة السكسكي في البرهان ص 33.
([73]) نقله عنهم الملطي في التنبيه والرد ص 43.
([74]) مسند أحمد 14/339 ح 8723.
([75]) سنن ابن ماجة 5/9 ح 3833.
([76]) صحيح البخاري 9/146 ح 7510.
([77]) سنن أبي داوود 7/66 ح 4676.
([78]) مسند أحمد 12/364 ح 7402.
([80]) ميزان الاعتدال ج1 / 426.
([81]) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ج1/338.
([82]) الملل والنحل ج 1/86 – 88.
([85]) القاموس المحيط (3/ 9 49.
([86]) [النوبختي فرق الشيعة، والأشعري في مقالات الإسلاميين والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والشهرستاني في الملل والنحل والبغدادي قي كتابه الفرق بين الفرق]
([87]) الإرشاد المفيد ص189 – 191.
([88]) تاريخ اليعقوبي 2 /241، 242.
([97]) ميزان الاعتدال الذهبي، 5 / 601
([98]) هدْي الساري مقدمة فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني، ص 483 فصل في تمييز أسباب الطعن في المذكورين.
([99]) تهذيب تهذيب الكمال ، 1/93-94.
([100]) الحكومة الإسلامية للخميني ص 52
([102]) الأصول من الكافي الكليني: 1/294.
([103]) الشيخ المفيد: أوائل المقالات ص51.
([105]) الأصول من الكافي: 1/148.
([106]) الأصول من الكافي: 1/148.
([107]) رسالة الاعتقادات لابن بابويه القمي ص 103 ط، مركز نشر الكتاب إيران.
([108]) الحدائق الناضرة 18 / 153 ط، دار الأضواء.
([109]) منهاج الحياة للكاشاني ص 48 ط، دار الإسلامية بيروت.
([110]) بحار الأنوار 23 / 390.
([111]) جواهر الكلام 6/62 ط، دار إحياء التراث بيروت.
([112]) تنقيح المقال 1/208 ط، النجف 1952 م.
([113]) الأربعون حديثاً ص 511 ط، دار التعارف.
([114]) نقله عنه المجلس في بحار الأنوار 23 / 391.
([115]) حق اليقين في معرفة أصول الدين 2 / 188 ط بيروت.
([116]) أصل الشيعة وأصولها ص 79.
([117]) الحكومة الإسلامية ص 2.، 52.
([119]) الحكومة الإسلامية ص 52، 53.
([122]) بيان تلبيس الجهمية: 7/ 290-356، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف – 1426هـ.
([123]) العِلل المتناهية لابن الجوزي 1/36، سير أعلام النبلاء 10/113، طبقات الشافعية الكبري للسبكي 2/312، المنتخب من العلل لابن قدامة ص 284، تاريخ بغداد للخطيب 13/311، العلل لمتناهية 1/130، الثقات لابن حيان 2/245، طبقات الشافغية الكبري2/312، تهذيب التهذيب لابن حجر 10/86 ، اللآلئ المصنوعة للسيوطي 1/30، ميزان الاعتدال للذهبي1/594.
([126]) المجروحون لابن حبان 2: 15.
([127]) ميزان الاعتدال 4: 174 وهو خبر موضوع كما نبه عليه الذهبي.
([131]) طبقات الشافعية لابن السبكي 2: 35.
([133]) الملل والنحل للشهرستاني111.
([135]) الغنية في أصول الدين، ص: 73-75.
([136]) الرد على بشر المريسي للسجزي ” ص 20 .
([138]) تلبيس الجهمية لابن تيمية ” ص568.
([139]) الأسماء والصفات للبيهقي، ص 342.
([141]) الكامل لابن الأثير 7/41.
([142]) تبديد الظلام المخيم للكوثري 206.
([143]) ميزان الإعتدال 1: 259.
([144]) تدريب الراوي للسيوطي ج 1: 329.
([148]) العواصم من القواصم” ص 209.
([149]) الكامل في التاريخ” 8/16.، 8/104.
([150]) ابطال التأويلات لأبويعلي 2/485.
([151]) المرجع السابق 1/73و 1/187.
([152]) المرجع السابق1/188و 1/90.
([153]) المرجع السابق 1/133و 1/144.
([155]) المرجع السابق 1/178 و 2/328.
([174]) الكامل لابن الأثير8/209.
([175]) بيان تلبيس الجهمية 2: 400، وانظر هذه الحكاية في سير أعلام النبلاء 16/ 478.
([179]) صحيح البخاري 8/105 ح 6502.
([180]) صحيح البخاري 2/33ح 1037.
([181]) صحيح البخاري 4/128 ح3302.، صحيح مسلم 1/71 ح 51.
([182]) صحيح البخاري 4/181 ح 3511، صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([183]) صحيح مسلم 4/2229 ح2905.
([184]) صحيح البخاري4/127 ح3301. صحيح مسلم 4/2229 ح 2905.
([185]) المستدرك علي الصحيحين1/200 ح 394.
([186]) السنن الكبري للنسائي 2/308 ح 1799.
([188]) الرسالة القيشرية عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (ت 465هـ) 2/573.
([189]) لسان الميزان لابن حجر 8/551.
([190]) الدرر الكامنة لابن حجر 1/181.
([191]) منهاج السنة النبوية 2/380
([192]) التبصير في الدين (ص: 66- 67)
([193]) العقيدة الطحاوية ص 218.
([194]) مجموعة التوحيد ص 15 – 16.
([195]) صحيح مسلم 4/2289 ح 2985.
([196]) رسالة أربع قواعد ص 201: 202.
([202]) من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي 2/554.
([203]) عنوان المجد في تاريخ نجد عثمان النجدي 1/135.
([205]) صفحات من تاريخ الجزيرة العربية، لمحمد عوض الخطيب، ص 198-199، عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي،ص 139.
([206]) تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام:
([207]) عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي.
([208]) عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي.
([210]) عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي.
([212]) صحيح البخاري 2/176 ح1741. صحيح مسلم 2/886 ح 1218.
([213]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([215]) مسند أحمد 6/120ح 3621. سنن ابي داود6/408 ح 4352.
([216]) صحيح البخاري 9/2 ح 6862.
([218]) صحيح البخاري 9/146 ح 7510
([219]) صحيح البخاري 1/37 ح 128 صحيح مسلم 1/61 ح 32.
([220]) صحيح البخاري1/31 ح 99.
([221]) صحيح البخاري 7/149 ح 5827.
([222]) المجموع شرح المهذب للإمام النووي ج: 4 / 150