الفصل الأول دين الإسلام هو الدين الحق وأمة الإسلام خير الأمم
ويشتمل على تلك المباحث:
(المبحث الاول): إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ.
(المبحث الثاني): أهم خصائص دين الإسلام الخاتم.
(المبحث الثالث): أحكام المسلم الذي تجري عليه احكام الإسلام.
(المبحث الرابع): أحكام الفرق الإسلامية التي تنتمي إلى الإسلام.
(المبحث الخامس): المسلمون جميعاً أمة واحدة من دون الأمم.
(المبحث الاول) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ
[المفتاح الأول]: المعنى الواسع لكلمة (الدين): الدين جاء في اللغة العربية لغة القران على معان القهر والغلبة من ذي قوة وسلطان، وعلى معان الخضوع والطاعة لصاحب القوة والسلطان، وعلى معاني الطريقة والنظام والشريعة وعلى معان الجزاء والحساب وعلى معان العبادة والتمسك والتأله، فالمعنى الأول: القهر والغلبة من ذي سلطان وقوة، وحكم العرب تقول (دان الناس لفلان) إذا قهرهم فأطاعوه، وتقول (دنت الناس) لمن استذلهم واستعبدهم، والقران الكريم يؤيد هذا المعنى كما في قوله تعالى {وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا}، أي وله القهر والغلبة دائما، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت) ([1]) . أي قهر نفسه وأذلها في طاعة الله.
والمعنى الثاني: الخضوع والطاعة لصاحب القوة والسلطان، والعرب تقول (دانهم فدانوا) أي قهرهم فأطاعوه وخضعوا له وذلوا)، والقران الكريم يؤيد هذا المعنى كما في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}، وقوله تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} أي مخلصا لله الطاعة والانقياد والخضوع، وقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} أي مخلصين له الطاعة والانقياد.
والمعنى الثالث: النظام والشرع والطريقة، والقران الكريم يؤيد هذا المعنى كما في قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، أي إن كنتم في شك من نظامي وطريقتي في عبادة الله، وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ}، أي لا تأخذكم بهما رأفة في شرع الله ونظامه الذي جعله لكم، وقوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}: أي ذلك النظام القيم والشرع القيم، وقوله تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}: أي يأخذ أخاه في نظام الملك وشرعه وطريقته وقانونه الذي تسير عليه رعيته، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} وقوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، إلى غير ذلك من آيات عديدة تفيد بأن معنى الدين هو الشرع والطريقة والنظام.
والمعنى الرابع: الجزاء والحساب، فالعرب تقول (كما تدين تدان) أي كما تفعل يفعل بك وقد ذكر القران الكريم عن الكفار قولهم: {أإنا لمدينون}: أي لمجزيون ومحاسبون، وقد أيد القران الكريم هذا المعنى وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ}، وقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ}: أي يوم الجزاء والحساب حيث يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
والمعنى الخامس: إفراد الله تعالى بالعبادة، وذلك كما في قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]، فالدين القيم هو عبادة الله وحدة لا شريك له، وكما في قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].
ومن تلك المعاني السابقة نجد أن المعنى الشامل للدين هو: (ذلك النظام الذي يذعن فيه المرء لسلطه عليا تشرع له القوانين والحدود التي تنظم حياته فتحل له أشياء، وتحرم له أخرى، وتلزمه بأمور وتحظر عليه أخرى فيقبل المرء بذلك النظام ويسير وفق شرعه خوفا من الذلة والخزي وسوء العاقبة عن الجزاء والحساب ورجاء في العزة وحسن الجزاء عند الحساب)، والدين الحق عند الله تعالى: هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله من عباده جميعا دينا سواه قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}، وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}،
[المفتاح الثاني]: المعنى الواسع لكلمة (الإسلام ): الإسلام جاء في اللغة العربية (لغة القران) على معان الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة دون اعتراض، وقد أيد القران الكريم هذه المعاني جميعها كما في قوله عز وجل: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، أي انقاد واستسلم وأذعن كل من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون، وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، أي أذعن واستسلم لأمر الله فأطاع لذلك دون اعتراض، وقال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان]، أي انقاد وأذعن وأطاع لله عز وجل. وعلى ذلك فمن استسلم لله عز وجل وأذعن وانقاد لأمره ونهية وأطاعه دون أدنى اعتراض فهو المسلم لله رب العالمين، وكلما زادت تلك الصفات في قلب الإنسان وظهرت على جوارحه كلما ازداد علوا وصعودا في درجات الإسلام ومنازله، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أكثر الناس تحقيقا لهذه المعاني ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أول المسلمين جميعا من لدن آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة، وكان هو صلى الله عليه وسلم أعلاهم قدرا ومنزلة وذلك لأنه أسلم قلبه وجوارحه، فأسلم عبادته وأعماله، وحركاته وسكناته، ومحياه ومماته لله رب العالمين وحده لا شريك له، وفي ذلك يقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}، والناس جميعا بعده صلى الله عليه وسلم متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم وأقدارهم في (الإسلام) وفق تحقيق معانيه السابقة (الاستسلام والإذعان والخضوع والانقياد والطاعة دون أدنى اعتراض لأمر الله تعالى وشرعه ودينه وحكمه ومشيئته وقضائه وقدره).
وأفضل الناس إسلاما لله عز وجل بعده صلى الله عليه وسلم إخوانه أولي العزم من الرسل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى حيث ذكرهم الله تعالى بقوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [الأحزاب: 7]، صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، ويليهم في القدر إخوانهم بقية الرسل عليهم السلام ثم الأنبياء عليهم السلام فهؤلاء الأنبياء والمرسلين كانوا أعظم الناس تحقيقا لمعاني الإسلام يليهم في ذلك أئمة الصديقين والشهداء والصالحين، حيث ذكرهم الله عز وجل بقوله تعالى {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: 69، 70]، فهذا بحمد الله تعالى ما تيسر في معاني (الدين) و (الإسلام) وبالتالي نستطيع بحمد الله تعالى عند فهم تلك المعاني من الفهم الصحيح للمعنى المقصود من (دين الإسلام) ذلك الدين القيم الذي لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا دينا سواه.
[المفتاح الثالث]: المعنى الواسع لمصطلح (دين الإسلام): مع مراجعة المعاني السابقة لكلمة (الدين) وكلمة (الإسلام) نعلم يقينا أن (دين الإسلام) بمعناه الشامل هو: (ذلك النظام الكامل الذي يذعن ويسلم فيه المسلم وجهه لله وحده لا شريك له، ويفرده عز وجل بالعبادة، فيعبده وحده لا شريك له ويعطي له حق السلطان المطلق في الحكم والتشريع والأمر والنهي والحظر والإباحة، فيستسلم لأمره وينقاد لطاعته ويسير وفق شرعه، ويرجوا من تلك الطاعة رضوان الله وجنته وحسن جزاءه عند اللقاء والحساب، ويخشى إن عصاه من غضبه وعقابه ونارة التي أعدها للمعرضين عن شرعه والفاسقين عن أمره والخارجين عن طاعته والكافرين بدينه الذي لا يقبل من عباده جميعا دينا سواه )
[المفتاح الرابع]: الإسلام دين الأنبياء والمرسلين جميعا من لدن آدم وإلى رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين: بالمعنى السابق لدين الإسلام، نجد أنّه دين الأنبياء والمرسلين جميعا من لدن آدم وإلى رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ}، وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: (الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد ) ([2]) .
فأول الرسل الكرام نوح عليه السلام كان مسلما، قال تعالى – على لسان نوح عليه السلام -: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72]، وإبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام كان مسلما وجميع الأنبياء من بعده كانوا مسلمين، قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 130 إلى 133]، وموسى عليه السلام كان مسلما، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس: 84]، وعيسى عليه السلام كان مسلما، قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 52]، فالدين واحد، يشمل إسلام الوجه لله في كل أمر، ويقوم على توحيد الله والتلقي في دين الله عن رسل الله، وبالرسول صلى الله عليه وسلم اكتمل الدين وختمت الرسالات، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة]، فالدين واحد هو الإسلام وأئمة الدعاة إلى دين الإسلام هم الأنبياء عليهم السلام.
[المفتاح الخامس]: دين الإسلام الذي بُعث به الأنبياء والمرسلون واحد من حيث الأصول، ومختلف من حيث السعة والأحكام والتشريع: فدين الإسلام الذي جاء به الأنبياء والمرسلون جميعا واحد من حيث اتفاقه على عقيدة التوحيد وإفراد الله عز وجل بالعبادة ومن حيث اتفاقه على طاعة ذلك الرسول ومتابعته في كيفية تلك العبادة، ومن حيث المبادئ الأساسية، في العقائد وللتشريع والأخلاق، والتي فيها صلاح الناس وفلاحهم في الدنيا والآخرة، ولكنه يختلف سعة وشمولا ويختلف تشريعا من رسول إلى أخر وفق حاجات قومه وعصره وما يصلحه.
[المفتاح السادس]: الأمور الأساسية التي ارتكزت عليها دعوات الأنبياء: كل الأنبياء والمرسلين جاءوا بعقيدة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، والكفر بكل ما يعبد من دون الله، و كل الأنبياء والمرسلين أمروا الناس بطاعتهم وإتباعهم لكونهم رسل الله ولأنهم الطريق الأوحد إلى عبادة الله عبادة صحيحة مقبولة، و جميع الرسل والمرسلين نادوا بالمبادئ الأساسية في العقائد وفي التشريع وفي الأخلاق تلك المبادئ الثابتة التي فيها في كل زمان ومكان صلاح الناس وفلاحهم في الدنيا والآخرة.
(أ) الأمر الأول: كل الأنبياء والمرسلين جاءوا بعقيدة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، والكفر بكل ما يعبد من دون الله، قال تعالى- مبيناً الغاية من خلق العباد جميعا -: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقال تعالى- مخاطبا العباد جميعا -: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنْكبوت: 56]، وقال تعالى – في حق الغاية من إرسال الرسل أجمعين -: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36]، وقال تعالى – في بيان أهم ما بدأت به وركزت عليه دعوة الرسل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وقال تعالى – بعد أن ذكر قصص عدد كبير من الأنبياء عليهم السلام-: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]. وقال تعالى – عن شرع التوحيد الذي وصى به أولي العزم من الرسل وبيان حال المشركين -: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى:13]، فكلهم بلا استثناء دعوا أقوامهم ومن أرسلوا إليهم إلى إسلام الوجه لله وإفراده بالعبادة على النحو الذي شرعه الله تعالى لهم، قال تعالى – عن نوح عليه السلام -: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59]، وقال تعالى – عن هود عليه السلام -: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 50]، وقال تعالى – عن صالح عليه السلام -: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 61]، وقال تعالى – عن شعيب عليه السلام -: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 84]، وهكذا جميع رسل الله دعوا إلى الله، الى عبادته وحده، والتبرؤِ من عبادة ما سواه، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، فرسل الله هم الدعاة إلى الله، وقد اختارهم الله لحمل دعوته وتبليغها الى الناس.
(ب) الأمر الثاني: كل الأنبياء والمرسلين أمروا الناس بطاعتهم وإتباعهم لكونهم رسل الله ولأنهم الطريق إلى عبادة الله عبادة صحيحة مقبولة، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}، وقال تعالى – حكاية عن نوح عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه -: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 106 إلى 108]، وقال تعالى – حكاية عن هود عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه -: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 124 إلى 126]، وقال تعالى – حكاية عن صالح عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه -: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 142 إلى 144]، وقال تعالى – حكاية عن لوط عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه -: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 161 إلى 163]، وقال تعالى – حكاية عن شعيب عليه السلام وهو يأمر قومه بطاعته وإتباعه -: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 177 إلى 179]،
(ت) الأمر الثالث: جميع الرسل والمرسلين نادوا بالمبادئ الأساسية في العقائد وفي التشريع وفي الأخلاق تلك المبادئ الثابتة التي فيها في كل زمان ومكان صلاح الناس وفلاحهم في الدنيا والآخرة، فجميعهم أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك، وجميعهم أمر بتقوى الله وخشيته، وجميعهم أمر بطاعة الله ورسوله وجميعهم نهى عن معصية الله ورسوله، وجميعهم أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وجميعهم نهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وجميعهم عليهم السلام نهى عن المحرمات الأساسية التي ذكرها الله تعالى في سورة الأنعام، حيث حرم الله تعالى على البشرية جمعاء على طول عصرها على لسان الأنبياء محرمات أساسية: تتمثل في الشرك بالله في عبادته وعقوق الوالدين وقتل الأولاد بسبب الفقر أو خشيته واقتراف الفواحش كلها ما ظهر منها وما بطن وقتل النفس التي حرم الله بغير حق، وأكل مال اليتيم بغير وجه حق وتطفيف الكيل والميزان والظلم، وإتباع السبل الأخرى التي تبعد عن طاعة الله، وفي ذلك يقول الله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 151- 153].
[المفتاح السابع]: دين الإسلام الذي بُعث به الأنبياء والمرسلون واحد من حيث الأصول، ولكنّه مختلف من حيث السعة والأحكام والتشريع: إنّ التشريع الذي جاء به أولئك الرسل كانت تختلف أحكامه أحيانا في حيث التحريم والحظر والإباحة والفروض والواجبات والنواهي والمحرمات، وكذلك كانت تختلف الرسالة سعة وشمولا من نبي إلى آخر فقد كانت رسالة موسى عليه السلام بما سبقتها من الرسالات قال تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ}، وعيسى عليه السلام أرسل إلى بني إسرائيل مصدقا لتوراة موسى عليه السلام، وليحل لهم بعض ما كان حراما عليهم في شريعة موسى عليه السلام، قال تعالى – على لسان عيسى عليه السلام -: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}.
[المفتاح الثامن]: منتهى التشريع الرباني وكماله الأسمى، يتمثل في دين الإسلام الذي بُعث به النبي صلى الله عليه وسلم، فدين الإسلام الذي جاء به من عند الله تعالى هو الدين المقبول عند الله، ولا يقبل الله تعالى من العباد بعد بعثته وإلى قيام الساعة دينا سواه، فقد تدرج التشريع سعة وشمولا وأحكاما مراعاة لحال الناس، حتى وصل إلى منتهاه الأسمى وكمال الرباني الأعلى متمثلا في دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم الذي أكمل الله به الدين وأتم الله به النعمة ورضي دينه الذي جاء به من عند ربه عز وجل، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة]، وجعله تفصيلاٍ لكل شيء، وتبياناً لكل شيء من أمور الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}
[المفتاح التاسع]: (دين الإسلام) بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة يعني الاستسلام والانقياد والإذعان والخضوع والطاعة لله رب العالمين وحده لا شريك له ولا يكون ذلك الانقياد ولا تلك الطاعة إلا من طريق واحد هو طريق متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية عبادة الله وطاعته وإسلام الوجه له وحده، ودين الإسلام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة يعني: ذلك النظام الكامل الذي يذعن في العبد ويسلم وجهه إلى ربه وخالقه وإلهه وحده لا شريك له ويعبده وحده لا شريك له ويعطي له حقوق الحكم والتشريع والأمر والنهي والحظر والإباحة، ويستسلم لأمره وينقاد لطاعته ويسير وفق شرعه، ولا يعلم هذا النظام الكامل إلا من خلال رسوله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فيتبعه على دينه وشرعه ويفرده صلى الله عليه وسلم من جهة التلقي لشرع الله ودينه الذي لا يقبل من العباد جميعا بعد بعثة النبي وإلى قيام الساعة دينا سواه ومن يبتغ غيره دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.
[المفتاح العاشر]: هذا المعنى السابق لدين الإسلام يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر، وهو من أهل النار وبئس المصير، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله –وقد سمع بدعوته صلى الله عليه وسلم –لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله، وإلا فهو الكافر حقا، وأعد الله تعالى للكافرين عذابا مهينا، والأدلة على ذلك واضحة بينه: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150، 151]، وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وقال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار ) ([3]) .
يقول النووي في شرح الحديث: (وقوله صلى الله عليه وسلم لا يسمع بي أحد من هذه الامه أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه المدخول في طاعته وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى) أهـ ([4]) .
فكل من سمع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ثم لم يدخل في دين الإسلام الذي جاء به من عند الله عز وجل عقيدة وتشريعا فهو من أهل النار وبئس المصير، وعلى ذلك فالدين المعتبر عند الله تعالى هو الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله عز وجل، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، وهو الدين الذي لا يقبل من الناس جميعا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، ذلك الدين الذي أكمله الله عز وجل وأتم به على الإنسانية جمعاء النعمة ورضيه لعباده جميعا دينا لا يقبل منهم سواه {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
***
(المبحث الثاني) أهم خصائص دين الإسلام الخاتم
[المفتاح الأول]: أهم خصائص دين الإسلام الخاتم: اختص الله عز وجل دين الإسلام القيم الذي أرسل به نبيه صلى الله عليه وسلم بخصائص لم تكن لما سبقه من الأديان والرسالات، وأهم تلك الخصائص: (1) أنّه الدين الخاتم الذي ختمت به الرسالات جميعا والأديان جميعا، (2) وأنّه إلى الناس كافة، (3) وانه إلى قيام الساعة، (4) وأنّه الدين الناسخ لما سبقه من الأديان والمهيمن عليه جميعا، (5) وأنّه الدين الذي لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه، (6) وأنّه محفوظ بحفظ الله عز وجل له وإلى قيام الساعة، (7) وأنّه دين كامل تام شامل تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة.
[المفتاح الثاني]: دين الإسلام هو الدين الخاتم الذي ختم الله به الرسالات جميعا: فالنبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء لا نبي بعده وفي ذلك يقول الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين) ([5]) . ولما كان كل رسول نبي فالنبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم المرسلين من باب الأولى وذلك لأن الله جل وعلا ذكر أنه خاتم النبيين تنبيها من الأدنى على الأعلى، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الرسول الذي أخذ الله عز وجل من جميع الأنبياء والمرسلين قبله الميثاق على الإيمان به ونصرته، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}، ولذلك فما من نبي ولا رسول قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلا وبشر قومه وأتباعه به صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك بشارة نبي الله عيسى عليه السلام به صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6].
[المفتاح الثالث]: دين الإسلام إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة: دين الإسلام الذي أرسل الله عز وجل به رسوله صلى الله عليه وسلم هو إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة دل على ذلك القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الاعراف، وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فضلت على الأنبياء بست، أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون) ([6]) . وقد مر بنا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيح عنه: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار) ([7]) . فدل كذلك على ان النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الخلق كافة حيث أن من سمع به صلى الله عليه وسلم ثم لم يؤمن به إلا كان من أصحاب النار، ولو كان من أهل الكتاب، ودين الإسلام ليس إلى الناس كافة بحسب بل هو كذلك إلى الإنس والجن جميعا وفي ذلك بقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}، ويتكرر هذا النداء في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة، وهو يقصد الثقلين الجن والإنس، فكذلك بقوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن: 1].
[المفتاح الرابع]: دين الإسلام هو الدين الناسخ لجميع ما سبقه من أديان وهو المهمين عليه جميعا: دين الإسلام الذي بعث الله عز وجل به النبي صلى الله عليه وسلم هو الناسخ لجميع الشرائع قبله وهو المهيمن عليه جميعا وذلك ثابت بالقران والسنة والإجماع، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 48، 49]، وقد مر بنا أن الله عز وجل أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كافة وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين ورسالته هي الباقية المحفوظة إلى يوم القيامة، ومر بنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار) وهو دليل واضح على أن أهل الكتاب فمن دونهم من الكفار والمشركين مطالبين بالدخول في دين الإسلام والالتزام بشريعته الناسخة المهيمنة على ما سبقها من الرسالات وإلا كان من أصحاب النار.
[المفتاح الخامس]: دين الإسلام الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله من عباده دينا سواه: فإنّه لما كان دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الناسخ لما قبله من الشرائع والرسالات وهو المهيمن عليها جميعا، لذلك لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا بعد بعثة النبي صلى الله عليه السلام وإلى قيام الساعة دينا سواه، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، ومن عبد الله عز وجل بغير شرع الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى وقد سمع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم فعبادته مردودة عليه لا يقبلها الله عز وجل، حيث أن دين الرسول صلى الله عليه وسلم هو الدين المعتبر عند الله عز وجل، قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}، وهو الدين التام الكامل المرتضى عند الله تعالى، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، وكل عبادة بغير شرعه مردودة على صاحبها، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}، وقال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)([8]) .
[المفتاح السادس]: الحفظ الإلهي لهذا الدين القيم: تكفل الله عز وجل بحفظ هذا الدين القيم، وذلك بحفظ مصادره الأساسية – القرآن والسنة – وذلك إلى قرب قيام الساعة وظهور علاماتها الكبرى حيث يرفع المولى جل وعلا كتابه كما أنزله محفوظا في التبديل والتحريف والزيادة والنقصان وتأتي ريح طيبة تأخذ كل نفس مؤمنه ولا يبقي إلا شرار الخلق ليس لله فيهم حاجة تقوم عليهم الساعة، فالقرآن الكريم: حفظه الله جل وعلا من أي تبديل أو تحريف أو زيادة أو نقصان ومن اعتقد غير ذلك خرج من دين الإسلام إلى الكفر، قال تعالى {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]، والسنة النبوية الشريفة: حفظها المولى تبارك وتعالى وسخر لها الجهابذة الحفاظ من العلماء النابغين الناقدين الذي أفنوا أعمارهم في حفظها وتمييز الثابت منها ونفي المردود عنها، ووضعوا لذلك قواعد وضوابط تضبط قبول روايتها، وحفظ السنة من لوازم حفظ القران فهي المبنية لمعانية والمفصلة لمجملة والمتممة لأحكامه، واتصال السند الصحيح للسنة إليه صلى الله عليه وسلم دونما انقطاع خصيصة من خصائص الحفظ الإلهي لهذه السنة الشريفة وإعجاز إلهي في حفظ دينه جل وعلا حيث لم تعرف الأمم غيرنا سندا متصلا لأقوال أنبيائها ورسلها وإنها كانت أقوال وأخبار يرويها الأحبار والرهبان بالمعنى يزيدون فيها وينقصون ويحرفون يشترون بذلك ثمنا قليلا، فلا غنى للقرآن من السنة وكلاهما محفوظ بحفظ الله تعالى لهما، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وكل ما سبق دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الأديان فهي محرفة امتدت إليها يد العبث والفساد والتحريف، قال تعالى {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75]، فكل الرسالات قبل دين الإسلام حرفت وبدلت وغير فيها أهلها بالزيادة والنقصان وطمسوا معالم الحق فيها واستقر الباطل عند أهلها في عقائدهم وعباداتهم وسلوكهم حتى صاروا من الإيمان إلى الكفر ومن الحق إلى الباطل ومن الهدى إلى الضلال، والقرآن الكريم يوضح كثيرا مما هم عليه من الضلال والكفر لاسيما في مجال العقائد، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30]، وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88 إلى 95]، وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ}، وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ}، وغير ذلك من التحريف في كتبهم كثير في حق الله وحق الأنبياء تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وتنزهت أنبياؤه عن كل ما وصفوهم به في الرذيلة والفاحشة وتعالت أديان الله عن كل باطل أضافوه وكل كفر ابتدعوه.
[المفتاح السابع]: دين الإسلام دين كامل تام تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة: دين الإسلام الذي بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة بما يضمن الفلاح والأمن والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة، هو دين التكامل والتمام، لا نقص في شيء من جوانبه: تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة بما يضمن الفلاح والأمن والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وهو الهداية لمن طلب الهدى وفيه الموعظة لمن طلب الموعظة وهو النور لمن استضاء الطريق وهو الفرقان بين الحق والباطل، وهو البرهان والبينة لكل ما فيه رضا الله تعالى، من سار على هديه ونهجه هدي إلى صراط مستقيم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [ابراهيم: 1]، [به المنهج العقائدي] : الذي تتضح فيه كافة القضايا الجوهرية الكبرى الأساسية التي تشغل فكر الإنسان على مر الزمان، قضايا الألوهية والربوبية، وقضايا الغاية من خلق الإنسان ودوره في الحياه ورسالته السامية فيها، وقضايا الحياة الدنيا وما بعدها من حياة البرزخ والحياة الأبدية الآخرة، وقضايا الغيب التي حيرت العقول عقول الفلاسفة البعيدين عن منهج الله على مر العصور، تتضح تلك القضايا وغيرها بوضوح وسهولة يفهمها كل إنسان دون تعقيد يصعب على العقل فهمه فضلا عن تصديقه، ويتميز هذا المنهج بالتوحيد المطلق لله بمعنى إفراده وحده بالربوبية والألوهية وصفات الكمال والجلال والإكرام لا إله إلا هو ولا رب للكون كله سواه، ويتميز هذا المنهج بالإيمان الكامل بكل ما يخبر به الله تعالى في كتابه الكريم أو على لسان رسوله الأمين من أمور الغيب وقضايا العقيدة، [وبه المنهج التشريعي]: الذي يقوم على أساس تفرد الله عز وجل بالسيادة والتشريع المطلق وهذا التفرد يستوجب على الناس وجوب الاحتكام إلى شرع الله عز وجل واعتبار ذلك شرط الإيمان، وصرف الطاعة المطلقة لله ورسوله لا غير لكون رسوله صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله عز وجل شرعه، وتحريم الاحتكام إلى غير شرع الله تعالى مطلقا، وأنه لا اجتهاد أبدا إذا نص الشرع بالحكم، وأنه لا شورى إلا في دائرة العفو المباح وانه لا اعتبار للمصلحة التي تتعارض مع الشرع، وبهذه الأصول يكون التشريع والحكم حق خالص لله رب العالمين ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين، [وبه المنهج الأخلاقي]: الذي يقوم على العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، والذي يدعوا إلى مكارم الأخلاق وتزكية الأنفس وينهى عن سيء الأخلاق وما يدنس الأنفس.
[المفتاح الثامن]: دين الإسلام يحوي ضمن أصوله وقواعده انظمة تامة شاملة تغطي كافة الأنشطة البشرية المتعددة، ومنها: النظام الاجتماعي: الذي يبني العلاقات الاجتماعية على اسس عقائدية وأخلاقية ربانية عظيمة منزهه عن المصالح الشخصية الانتهازية والاعتبارات المادية والعنصرية، بل تسعى إلى حفظ ضروريات وحاجيات المجتمع وتكافله من اجل تحقيق ذلك، وتسعى إلى تحقيق سعادته في الدنيا والآخرة.
والنظام المالي (الاقتصادي) الذي يبني العلاقات المالية على أساس العدالة والتكافل بعيدا عن كل أسباب التحكم والاستغلال، والذي يقوم على أسس ربانية حكيمة منها أن المال مال الله عز وجل والإنسان مستخلف فيه ولله فيه حقوق، ومنها ان المال نعمة في يد الأخيار الذين يراعون حقوقه، ومنها أن الإسلام يدعوا إلى العمل والكسب الحلال ويحرم البطالة والكسب الحرام ويمنع كنز المال وحبسه على التداول، ويقر بالملكية الفردية شريطة إلا تتعارض مع مصلحة الجماعة، ويجعل الناس شركاء في المرافق العامة التي تعود على الناس جميعها بالخير والمنفعة، إلى غير ذلك من قواعد وضوابط ربانية تتحقق من خلالها العدالة الشاملة والتعاون العام وتنفي كل عوامل الظلم والاستغلال.
والنظام السياسي: الذي يضع الأسس الربانية السليمة لقيام الدولة الإسلامية القوية وإدارتها لأجهزتها المختلفة، محددا حقوق المواطنة وواجباتها، وعلاقات الدولة الداخلية والخارجية، إلى غير ذلك من شؤون السياسة الإسلامية التي أهم ما تقوم عليه من الأسس أساس الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين وبراؤها لأعداء الله ورسوله والمؤمنين، أسس ربانية يتحقق من خلالها أمن المجتمع وأمانه ونصرة دينه وعلاء شأنه.
والنظام الجزائي: الذي يضع الأسس الربانية الحكيمة لتشريعات تضمن سلامة المجتمع من البغي والفاحشة ومن الجريمة والعدوان، تشريعات يستوي فيها الغني والفقير والوجيه والوضيع، كل الناس سواسية أما القضاء، وقضاء الإسلام مستقل له حرمته وله سيادته لا سلطان عليه إلا للشرع فلا مدخل إليه لترغيب أحد أو ترهيبه، تشريع يكفيك فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها). ([9]) .
والنظام التربوي والتعليمي: الذي يربي الناس على الفضائل والشمائل والمثل العليا الربانية الحكيمة، ويدعوا الناس إلى العلم وإلى طلب المزيد منه وشرفه سواء كان علم الدين أو كان علم به مصلحة الناس ومبتغاهم، تربية ربانية تقوم على الحقوق والواجبات وتعليم رباني يقوم بعلوم العين والضرورة ثم بعلوم الكفاية عملا بقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
والنظام الحسبي: الذي يتابع المجتمع ويحرص على أن يحفظ للناس دينهم واعراضهم واموالهم يأمرهم بكل معروف وينهاهم عن كل منكر، والنظام الجهادي (العسكري): الذي يسعى لإعلاء راية الدين وكلمته ونشر النور وإخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن الظلم إلى العدل ومن الكفر إلى الإيمان، والذي يسعى لحماية حرمات المسلمين وسد ثغورهم وإرهاب أعدائهم فيأمن ويظهر دينهم القويم الذي لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا دينا سواه، وشرع الإسلام يضع الأسس الربانية القويمة التي تقوم عليها حياة الجهاد حياة العزة والكرامة في الدنيا والعلو والرفعة في درجات الأخرة.
والنظام الإعلامي الإسلامي الذي يعمل كموجّه أخلاقي لبناء الأمّة، ويحافظ على قيم الإسلام الروحيّة والماديّة، ويلتزم ببناء النظام الأخلاقي في الأمة، وتبني الدعوة إلى الله ونشر العلم الصحيح، والتزام الصدق الإعلامي، فرسالة الإعلام في المنظومة الإسلاميّة هي التي تعبّر عن الرسالة الإسلاميّة، وهي التي تحمل القيم والأخلاق إلى سائر الأمم والشعوب، والإسلام هو دين البلاغ والإعلام لجميع الناس بلا استثناء، والنبي صلى الله عليه وسلم ما بُعث إلا لإعلام الناس برسالة الإسلام ودعوتهم للتمسك بها والعمل من أجلها، والدعوة إلى الله عز وجل ما هي إلا إعلام للناس عن رسالة الإسلام، من هنا يتبين لنا أهمية الإعلام في الرسالة الإسلامية والدعوة إلى الله عز وجل من خلالها، وكل تلك الأنظمة وغيرها ما يحتاج إليه الناس في مجالات الحياة الدنيا وأنشطتها جاء شرع الإسلام بكل قواعدها وأصولها العامة الأساسية في صورة تامة كاملة يكمل بعضها بعضا بما يخدم البشرية جمعاء ويسير بها نحو الأمن والأمان والاستقرار بحكمة الله تعالى خالق الإنسان: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].
[المفتاح التاسع]: من تكامل شريعة الإسلام الحكيمة أنّ أصولها وقواعدها العامة تناولت كل ما يحتاجه البشر في شئونهم وحياتهم، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]، وقوله تعالى: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]، وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، ثم تركت المجال لعلماء المسلمين المجتهدين أن يقرروا الأحكام التي تُلائم البشر وفق أصول الشريعة وقواعدها الحكيمة التي من أهم مقاصدها تحقيق مصالح البشر في دينهم ودنياهم، ومع شمول وتمام وتكامل شريعة الإسلام لم يجعل الله عز وجل للإنسان اختيارا في إتباعها والسير وفق أحكامها بل أوجب عليه الاحتكام إليها وجعل ذلك من أصل الدين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 64، 65]، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]، وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
***
(المبحث الثالث) أحكام المسلم الذي تجري عليه احكام الإسلام
[المفتاح الأول]: المسلم: هو كل من قال (لا إله إلا الله – محمد رسول الله): مقرا لها بلسانه، معتقدا لها بقلبه، والاعتقاد القلبي له ركنان، (قول القلب وهو التصديق القلبي للشهادة، وعمل القلب، وهو الانقياد والاذعان والقبول القلبي لها)، هذا المسلم: لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، ولما كان حال القلب لا يطلع عليه إلا الله، فإن المسلم عندنا هو كل من قال (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله)، مقرا بها منقادا لها بلسانه، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما والمسلم هو كما عرفه صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته) ([10]) ولا يصح تفريغ الحديث من معناه، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ) ([11]). وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على أي مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) ([12]) .
[المفتاح الثاني]: مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر لما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) ([13]) .
صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال (لا إله إلا الله) إلاّ تقية وهرباً من القتل، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً. وأخرج مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة، فصبّحنا القوم. فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلمّا غشيناهُ قال: لا إله إلاّ الله، فكفّ عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، قال فلمّا قدمنا، بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: (يا أسامة! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله؟) قال قلت: يا رسول الله! إنما كان متعوذاً، قال، فقال: (أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله؟) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم) ([14]) . فهذه الأحاديث تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على الله، ليس معنى ذلك أنّ كل من نطق بالشهادتين، أنه يفعل ما يشاء، فقد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً بها، مختاراً لها، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام.
[المفتاح الثالث]: من مات على الإسلام استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد، لما جاء في حديث الشفاعة، وفيه: (ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله) ([15]) . ولقوله صلى الله عليه وسلم (يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من إيمان) ([16]) . ولقوله صلى الله عليه وسلم (أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة)([17]) وقوله صلى الله عليه وسلم (من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار) ([18]) .أي الخلود الأبدي في النار، للجمع بين الأحاديث، وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: (ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة، فقال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سـرق، ثلاثاً ثم قال في الرابعة (على رغم أنف أبى ذر) ([19]) .
[المفتاح الرابع] خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه، إذ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله، فكذلك التكفير، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) ([20]) .
[المفتاح الخامس] لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره: هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة، ولكنها تحتمل الكفر وغيره، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها.
ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة: ما أخرجه أحمد وابن ماجة: (لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، قال ما هذا يا معاذ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) ([21]) . ولمـا أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (ما هذا يا حاطب؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال (إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم) ([22]) . فموالاة الكافرين: يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات.
[المفتاح السادس]: العذر بالجهل يمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر، إذ جعلت الشريعة أعذارا شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر، من أهمها العذر بالجهل، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول، لقوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وقوله تعالى {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165]، فإنه من باب الأولى إعذار المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل، إذ لم يسمع بالدليل، والدليل على عذره: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة: 115]، والمعنى: أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة بالبيان، وقوله تعالى {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء: 115]، أي خالف الرسول من بعد المعرفة والبيان، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن) ([23]) .
والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه، فهذا يأثم ويعّذر، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف، وهذا في أحكام الظاهر، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يقصد الكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.
[المفتاح السابع]: العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر، بشرط ان يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه إن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم، أما إن كان قصد المتأول التلاعب بالشريعة، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ، وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5]، وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}[البقرة: 286] وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال (قد فعلت) ([24]) . فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة، وحديث مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عندما لحق رجلاً من المشركين ـ كان قد أثخن على المسلمين فلما تمكن منه قال (لا إله إلاّ الله)، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله) [سبق تخريجه ]، وفي الحديث عذر النبي صلى الله عليه وسلم أسامه رضي الله عنه بتأويله، أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل وإلا لأقام عليه الحد لقتله مسلما متعمدا، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بالتأويل عندما كاتب المشركين بمكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، والحديث أخرجه البخاري، ولذلك فإن جماهير أهل الفقه والأصول على الاعذار بالتأويل، ويستدلون لذلك بالأدلة السابقة.
وأدلة أخرى منها: (أ) عدم تكفير الصحابة ومن بعدهم للخوارج الذين هم أكثر من تأول النصوص واستحلوا أشد المحرمات القطعية وهو قتل المسلمين وذلك بتأويل منهم، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون، حتى إن الإمام علي رضي الله عنه قاتلهم لبغيهم ولم يحكم عليهم بالكفر ولم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين وإنما دفع بغيهم، (ب) عدم تكفير عبد الرحمن بن ملجم مستحل قتل الإمام علي رضي الله عنه وقاتله، فقد أوصى رضي الله عنه بالقصاص منه ولم يتحدث عن ردته أو قتله لكفره، (ت) عدم تكفير قدامة بن مظعون وأبو جندل بن سهيل وضرار بن الخطاب، وهم من الصحابة قد شربوا الخمر مستحلين لها بتأويل، لذلك أقام عليهم عمر عقوبة الشرب ولم يحكم عليهم بالردة.
[المفتاح الثامن]: العذر بالإكراه عذر شرعي نص عليه القرآن الكريم، قال تعالى {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 16]، وعلى ذلك فإن العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه جميعها أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بذلك.
[المفتاح التاسع]: لا يجوز التكفير بلازم المذهب: فلا يحكم على اصحاب المذاهب بالكفر بناء على ما يلزم عن كلامهم ويترتب عليه لا سيما إن كانوا ينفونه، فلا يجوز تكفير المجسمة لأنهم عبدوا جسماً، وهو غير الله فهم عابدون لغير الله(لكنهم ينفون ذلك)ومن عبد غير الله كفر، ولا يجوز تكفير المعتزلة لأنهم وإن اعترفوا بأحكام الصفات فقد أنكروا الصفات ويلزم من إنكار الصفات إنكار أحكامها، ومن أنكر أحكامها فهو كافر، فإننا لو عاملنا كل مبتدع بلازم قوله كفرنا كل مبتدع، وفي هذا من الغلو ما فيه، والصحابة ومن بعدهم من علماء المسلمين لم يكفروا الخوارج الذين قتلوا المسلمين وانتهكوا محارمهم، مع ان لازم قولهم استحلال قتل المسلمين، ومن استحل المحرمات كفر، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون، حتى إن علياً رضي الله عنه الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما اكتفى بدفع بغيهم.
[المفتاح العاشر]:المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير، قال تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}[التوبة: 115]، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون، وتقوم عليهم الحجة بذلك، وقد ثبت أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}[المائدة: 93]، فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ، وكذلك كل جاهل بشيء لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في:
(الضابط الأول): الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث، جهة صفة الحُجة، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة متواترة صريحة أو إجماع أهل العلم، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالعلم والعدالة لقوله تعالى {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [ابراهيم: 4]، وأن تكون مفصلة مبينة ترد على شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها، لقوله تعالى {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92]، وقوله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}.
(الضابط الثاني): لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه، وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً، عاقلاً، عالماً بأن فعله مكفر، متعمداً قاصداً لفعله، مختاراً له بإرادته، والقسم الثاني: شروط في الفعل نفسه (الذي هو سبب الكفر) بأن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة، لأن من دخل الإسلام بيقين (أي الإقرار بالشهادتين) لا يخرج منه إلاّ بيقين، وأن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره، والقسم (الثالث): شروط في إثبات الكفر على صاحبه، فلا يُحكم على مسلم بالكفر حتى يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب كفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم من الكفر وإلاّ قتله، فهذه هي شروط تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر، أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في: موانع في المعين منها الصغر والجنون والخطأ والجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع.
(الضابط الثالث): فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير: وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دم مسلم واحد.
[المفتاح الحادي عشر]: لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم، إذ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فلا يكفي فيه الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)[سبق تخريجه ]، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير، وانتفاء موانعه، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء أهل السنة والجماعة، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (كلها في النار إلا واحدة) أن نحكم عليها بأنها في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك.
***
(المبحث الرابع) أحكام الفرق الإسلامية التي تنتمي إلى الإسلام
[المفتاح الأول]: صح الخبر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فقد أخرج أحاديث الافتراق ورواياته المتعددة جم غفير من أئمة الحديث منهم الإمام أحمد في مسنده والأئمة أبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن والحاكم في المستدرك وابن أبي عاصم في السنة والهيثمي في مجمع الزوائد والبغوي في شرح السنة، وابن حجر في المطالب العالية والسيوطي في الجامع الصغير والدر المنثور والألباني في صحيح سنن الترمذي وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، وقد صحح روايات هذا الحديث جم غفير من أهل العلم بهذا الشأن منهم الترمذي والحاكم والذهبي والشاطبي والعراقي والسيوطي وغيرهم من المحققين كثير، وعلى ذلك فالخبر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في افتراق الأمة ثابت صحيح معتبر عند أهل السنة والجماعة، ذكر السيوطي أنه حديث متواتر والتواتر هو أعلى درجات الصحة والتوثيق [نقله عنه المناوي في فيض القدير]، ([25]) .
[المفتاح الثاني]: روايات حديث الافتراق: وردت روايات عديدة في باب تفرق الامة ومن أصح تلك الروايات (الرواية الأولى):عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([26]).
وقد افترقت الامة فعلا إلى فرق عديدة، فارقت الجماعة الأصل التي يقوم منهاجها على محكمات الكتاب والسنّة، وخالفت هديها، ورؤوس تلك الفرق الخوارج والنواصب والشيعة والقدرية المعتزلة والجهمية الجبرية والمرجئة والمجسمة.
(الرواية الثانية): عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([27]) .
وأسعد الطوائف بهذا الحديث، هم (أهل السنة والجماعة) سواد الامة الأعظم، فهم الوحيدون من بين سائر الفرق الإسلامية الذين يترضون على سائر الصحابة، ولا ينظرون إلى ما كان بينهم من الفتن والاختلافات ولا يوجد في الفرق من يترضى على جميع الاصحاب إلا (اهل السنّة والجماعة)، فهم وسط في هذا الباب بين (الخوارج)، و (النواصب)، و (المعتزلة)، و(الرافضة)، فـــ (الخوارج) يكفرون الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون كل من والاه، و (النواصب) يبغضون الإمام علي رضي الله عنه ويفسقونه ومن كان معه، و (الشيعة الروافض) يلعنون غالب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويكفرونهم إلا نفرا يسيرا، ويحكمون بردة أكثرهم و(المعتزلة القدرية) يقولون بفسق الصحابة الذين شاركوا في الجمل وصفين دونما تحديد، ، أما (أهل السنة والجماعة) فإنّهم يقرون بعدالة الصحابة اجمعين، ويوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم ويترضون عنهم جميعهم، ويعتقدون أنّ رتبة الصحابة لا يعدلها رتبة، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(الرواية الثالثة): عن معاوية ابن أبي سفيان – رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([28]) .
(الرواية الرابعة): عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) ([29]) . وهذه الرواية تؤكد سابقتها، وان النجاة أقرب لأحرص الناس على الجماعة وهم أهل السنّة والجماعة
(روايات مؤيدة لحديث الافتراق): (1) أخرج الترمذي: عن عبدالله بن عمر: (إن الله لا يجمع أمتي أو قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم – على ضلالة ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار) ([30]) .
(2) وأخرج ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم) ([31]) .
(3) وأخرج الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار) ([32]) .
ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنة والجماعة)، وهذه الروايات تدل على انّ أسعد الناس حظا بالنجاة هم (أهل السنّة والجماعة) إذ هم الجماعة وهم سواد الامة الأعظم، الذين لا يشذ عنهم إلا من يستحق الوعيد بالنار.
[المفتاح الثالث]: قصة بداية ظهور الفرق الضالة: في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كان هو صلى الله عليه وسلم المرجع الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى عند كل خلاف، وكان الصحابة رضي الله عنهم جميعا على قلب رجل واحد خلف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وظل الحال على الخيرية والصفاء طيلة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وزمان أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وردحاً من زمان عثمان رضي الله عنه، والفتنة آنذاك نائمة وبابها موصد وطريقها مغلق، والصحابة جميعا على كلمة سواء، ولما كان من سنن الله تعالى الكونية أنه ليس بعد التمام والكمال إلا النقص، فقد شاءت حكمة الله تعالى أن تضطرم الفتنة على آخر عهد الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، وتولي كبرها وإثمها غوغاء الأمصار، وأدت تلك الفتنة إلى مقتل الخلفة الراشد عثمان رضي الله عنه مظلوما شهيدا مبشرا بالشهادة وبالجنة، واتجهت الأنظار بعد مقتله رضي الله عنه إلى الأمام علي رضي الله عنه، وبويع بالخلافة ليصبح رابع الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالعض بالنواجذ على سننهم، ولم تهدأ الفتنة بعد مبايعة الإمام علي بالخلافة إذ سيطر الغوغاء والسفهاء على جيشه ولم يستطع أن يقتص لدم عثمان رضي الله عنه، فطالبه الصحابيان المبشران بالجنة الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما بدم عثمان وخرجا إلى البصرة مخالفين له فخرج إلى البصرة وقابلهما وتكلم معهما فرجعا عن خلافهما معه وخرجا من عنده راضيين، إلا أن الغوغاء والسفهاء قتلوهما غدرا وغيلة مخافة أن يجتمع أمر الصحابة جميعا على القصاص لدم الخليفة الراشد عثمان رضي الله وهم قتلته، وكانت قد خرجت مع طلحة والزبير رضي الله عنهما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقصد الإصلاح بين الناس، ولكن بعد مقتل الزبير وطلحة رضي الله عنهما غلبها السفهاء والغوغاء على رأيها وخالفوا أمرها وقاتلوا جيش الإمام علي رضي الله عنه ظنا أنه هو الذي أمر بقتلهما، ثم ما كادت تهدأ تلك الفتنة حتى تجددت المطالبة بدم الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه وكان الصحابي معاوية بن أبي سفيان هو المطالب بدم عثمان بن عفان رضي الله عنه هذه المرة، وذلك لقرابته من الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، والامام علي رضي الله عنه آنذاك لم يستتب له أمر جيشه وذلك لكثرة الغوغاء والسفهاء فيه فكان يريد المهلة حتى يستتب له الأمر ثم يأخذ بدم عثمان، ولكن معاوية لم يمهله وأصر على طلبه لدم الخليفة عثمان رضي الله عنه وقد كان له وجه اجتهاد ولكنه اجتهاد خاطئ وبغي على الإمام الحق، والحق كان مع الإمام علي وكان أقرب إلى الخليفة الرابع الراشد علي رضي الله عنه، وظل الخلاف حتى كانت موقعة صفين وكان فيها ما كان، وأدنى الطائفتين وأقربهما إلى الحق طائفة الإمام الراشد على رضي الله عنه، والبغي من نصيب الطائفة الأخرى، وللصحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم حُرمة عظيمة، لا يتعداها إلا جريء ضال، وجميعهم أكابر وأخطاؤهم مغمورة في بحر حسناتهم، ولا يحق لمن جاء بعدهم إلا ما جاء في قوله تعالى – بعد ذكر فضائل المهاجرين والأنصار -: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، فإذا بالفتنة الحقيقية تطل برأسها متمثلة في ظهور (الخوارج) وخروجهم عليه، وكانت أول فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الخوارج انتقصوا من الإمام علي وكفروه وخرجوا عليه بعد (صفين) محققين ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من خروج هؤلاء الضالين الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وقاتلهم الإمام علي رضي الله عنه وسن للأمة من بعده إحكام التعامل مع هؤلاء، وبحمد الله تعالى قتل الكثير منهم وتحققت على يديه بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى النقيض من هؤلاء الخوارج الذين كفروا الإمام علي واستحلوا دمه ظهر (الروافض) وكانوا بمثابة ثاني فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الروافض غالوا في الإمام علي وادعوا له ما ليس من حقه، وما لا يرضاه هو رضى الله عنه لنفسه، حيث قدموه على الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما تقديم تنقيص لهما واتهام لهما بظلمه وسلب الخلافة منه وأنه هو الأحق بها، وقد ظل الإمام علي رضي الله عنه يبغض هؤلاء وهؤلاء (أي الخوارج والروافض)، ويحمل في قلبه ثقيل هم جمع الأمة ووحدة صفوفها على الحق كما كانت على عهد الخلفاء الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، وظل رضي الله عنه على ذلك حتى تمكن أحد الخوارج المارقين من قتله غدرا وهو في طريقه إلى صلاة الفجر، فرضي الله عنه وأرضاه، ثم بايع أصحابه الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالإصلاح بين فئتين عظيمتين من المسلمين فتنازل بالخلافة للصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وبذلك توحدت الأمة واجتمعت كلمتها وسمي هذا العام بعام الصلح، وعام الجماعة وكان ذلك عام واحد وأربعين من الهجرة، ومن ساعتها بدأ تمايز أهل الطائفة الظاهرة المنصورة والفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة).
(فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، واجتماعهم على تقديم الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان على الخليفة الراشد علي، والترضي عنهم جميعا، رضي الله عنهم وأرضاهم، وذلك في مقابل الشيعة الذين خالفوا هدى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، والذين قدموا الإمام علي رضي الله عنه على الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا، تقديم تنقيص واتهام لهما بسلبه حقه، مخالفين بذلك إجماع الصحابة على تقديم الشيخين واتفاقهم على تقديم الخليفة الراشد عثمان على الخليفة الراشد علي رضي الله عنهم جميعا، ثم لم يكتف هؤلاء الضالة بذلك، حتى وقعوا في الصحابة وسفهوهم، ثم آل بهم الغلو إلى تكفير الصحابة والحكم بردتهم جميعا إلا قليلا، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق ولزومهم طاعة أولي الأمر وأئمة المسلمين وخلفائهم وحكامهم ما كانوا على الإسلام وأقاموا شرع الله تعالى، وتحريم الخروج عليهم بالسيف إلا لكفر بواح للمسلمين فيه من الله تعالى، وذلك في مقابل الخوارج الذين كفروا الإمام علي رضي الله عنه وقتلوه واستحلوا دماء المسلمين وأعراضهم من خلفه.
[المفتاح الرابع]: تتبع المتشابهات هو أهم سبب لظهور الفرق الضالة: أصول الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي أربعة هم (الخوارج) و(الروافض) و(المعتزلة) و(الحشوية)، وكان من أهم أسباب ظهورها هو تتبع المتشابه الذي حذر منه القرآن الكريم قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ ثم قال: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) ([33]) . لقد وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وفي الحديث السابق حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم، وعلى ذلك فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف والفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنّة في ذلك هي التوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم.
[المفتاح الخامس] لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم، إذ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فلا يكفي فيه الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض( وقد سبق ذكر ذلك في ص( 36) من الكتاب).
[المفتاح السادس]: أهل الفرق الضالة مسلمون، لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان، فلا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام، لان أهل الإسلام ثلاثة أصناف، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، وجميعهم داخلون في الاصطفاء وهم أهل الإسلام، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد) ([34]) . وقال صلى الله علية وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) ([35]) . وقتل المسلم أهون من تكفيره، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه.
[المفتاح السابع]: الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة هدي رباني رشيد، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية: بدعة الخروج، وبدعة التشيع، وبدعة الاعتزال، وبدعة الحشو، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات، ولا يجوز استحلال شيء من حرماتهم لأجل بدعتهم.
[المفتاح الثامن]: أهم الأحكام الفقهية السديدة التي تتعلق بالمبتدع:
[1] (مسألة تكفير المبتدع): لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها: (الشرط الأول): أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة، (الشرط الثاني): أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنّة في تكفير المعين، وذلك أن المتقرر عند أهل السنّة والجماعة: أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه، (الشرط الثالث): قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء. [2] (مسالة قتل المبتدع): الأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله، وفي الحديث (لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) ([36]) . وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لايزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً) ([37]) . وقال العلماء في شرحه: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول. [3] (مسألة بغض المبتدع): يجب بغض البدعة باتفاق أهل السنة، والمبتدع مسلم، نحبه لإسلامه، ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة، نبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع ونحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان، ولا يجوز أن يبغض البغض المطلق كبغض الكفار، لأنّه في نهاية المطاف ما كانت بدعته غير مكفرة فإنّ مآله إلى الجنّة لحرمة لا إله إلا الله، وفضل لا إله إلا الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من إيمان) ([38]) . وما جاء في حيث الشفاعة المتفق عليه (فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله)، ([39]) .وحديث أبي ذر رضي الله عنه في صحيحي البخاري ومسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر)([40]) .
فالحاصل انه مسلم إن مات على ذلك فهو من أهل الجنة، وأهل الجنة لا يبغض الله ذواتهم، الشاهد نبغض بدعتهم أم هم فلا إلا ان تكون البدعة مخرجة عن الدين فلا ولا كرامة نسأل الله السلامة.
[4] (مسألة معاداة أهل البدع): المبتدعة الذين لا يزالون في دائرة الإسلام فإننا نعادي بدعتهم ولا نعاديهم هم، وندعو لهم بالهداية، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين، والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم، قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، والمسلمون إخوة في الإسلام، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، [5] (مسألة البراءة من أهل البدع): تجب البراءة من البدعة نفسها، والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام فإننا نبرأ من بدعته، ولكن له ولاء الإسلام العام وننصحه ونرشده ولا نعاديه مطلق العداء. [6] (مسألة الصلاة خلف المبتدع): تصح الصلاة خلفه، وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف المعتزلة ممن يقولون: القرآن مخلوق، جاء في المجموع شرح المهذب للإمام النووي رحمه الله: قال المصنف – رحمه الله تعالى – (وتجوز الصلاة خلف الفاسق لقوله صلى الله عليه وسلم {صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وعلى من قال: لا إله إلا الله، ولأن ابن عمر رضي الله عنهما صلى خلف الحجاج مع فسقه، (الشرح) هذا الحديث ضعيف رواه الدارقطني والبيهقي من رواية ابن عمر بإسناد ضعيف، ورواه الدارقطني من طرق كثيرة ثم قال: وليس منها شيء يثبت، وأما صلاة ابن عمر خلف الحجاج بن يوسف فثابتة في صحيح البخاري، وغيره في الصحيح أحاديث كثيرة تدل على صحة الصلاة وراء الفساق والأئمة الجائرين، قال أصحابنا: الصلاة وراء الفاسق صحيحة ليست محرمة، لكنها مكروهة، وكذا تكره وراء المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، وتصح، فإن كفر ببدعته فقد قدمنا أنه لا تصح الصلاة وراءه كسائر الكفار……. قال ابن المنذر: أجاز الشافعي الصلاة خلف من أقامها، يعني من أهل البدع، وإن كان غير محمود في دينه [أي] أن أبلغ في مخالفة حد الدين هذا لفظه، قال ابن المنذر: إن كفر ببدعة لم تجز الصلاة وراءه، وإلا فتجوز وغيره أولى) أهــ ([41]) . [7] (مسألة الصلاة على أهل البدع): الصلاة على الميت المسلم فرض كفاية على المسلمين، أي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وهي واجبة على كل مسلم توفي، هي من شعائر الإسلام المهمة، والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام لم يخرج منها، قال تعالى -في حق المنافقين-: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبرِهِ} [التوبة: 84]، والمبتدع مسلم وليس منافق معلوم النفاق، (الأصل): أن المبتدع مسلم يُصلى عليه، لكن إن تخلف عن الصلاة عليه أهل الدين والصلاح زجراً عن فعله وترهيباً من بدعته فحسن، ففرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين. [8] (مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة): المبتدع يدعى له ويستغفر له، لأنه مسلم ووجود بدعته لا ينقض أصل إسلامه، فيدعى ويستغفر له، بل هو في هذه الحالة أحوج من غيره بالدعاء له والاستغفار له لأنه مات على هذه المخالفة، والدعاء للمسلم مسنون، والمغفرة تاتي على كل الذنوب إلا الشرك، قال تعال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48]، وهو مسلم داخل في إطار المشيئة ويُرجى أن يُغفر له إن شاء الله، [9] (مسألة السلام على أهل البدع): الأصل جواز السلام عليه لأن له أسم الإسلام وحكمه، لكن إن كان في ترك السلام عليه من باب زجره مصلحة خالصة أو راجحة رجاء ان يقلع عن بدعته فإنه يترك السلام عليه، وإن لم يكن في ترك السلام على المبتدعة مصلحة خالصة ولا راجحة فإن المشروع السلام عليهم ورده إذا سلموا، لأنهم مسلمون، وإذا كان ترك السلام يؤدي إلى عكس المراد فلا يجوز. [10] (مسالة هجر المبتدع): يُشرع الهجر في حق المبتدع إن كانت المصلحة الشرعية تقتضي ذلك وإلا فلا يهجر، وأما إذا كان الهجر لا يزيده إلا بعداً ولا يجنى منه إلا المفاسد الخالصة أو الراجحة فإنه يستمر بدعوته ومواصلته ونصحه ولا يهجر. [11] (مسألة حكم غيبة المبتدع): فالأصل هو تحريم غيبة المسلم، ولا يجوز التوسع في غيبة المبتدع إلا بقدر بدعته، وذلك مثل الميتة فإن الأصل فيها التحريم ولكن يجوز منها للمضطر بقدر ما تندفع به ضرورته، والضرورة هنا تتمثل في وجوب التحذير من أهل الأهواء والبدع ومحاربة بدعهم وكشف زيفها وتحذير العامة من الوقوع فيها وبيان باطلها، [12] (مسالة مجالسة أهل البدع): جاءت الآثار عن السلف تنهى عن مجالسة أهل البدعة، وكلها محمولة على النهي عن مجالسة رؤوس الفرق الضالة الداعين إليها، ومحمولة على البدع العقائدية العريضة الضالة، والنهي يشمل العامة الغير مسلحين بسلاح العلم بمذهب أهل الحق، أما إذا كان الشخص عالماً بمذهب أهل السنّة قادرا على الرد على ضلالات الفرق الضالة، وأراد أن يجلس معهم لدعوتهم إلى السنّة وإزالة الشبهة وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك، قد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون، قالها ثلاثا) ([42]) .***
(المبحث الخامس) المسلمون جميعاً أمة واحدة من دون الأمم
[المفتاح الأول]: المسلمون جميعاً أمة واحدة من دون الأمم، هم المؤمنون بالله ورسوله ومن عداهم كفار بالله جاحدون لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 150 إلى 152]، نزلت الآية في أهل الكتاب الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته.
[المفتاح الثاني]: المسلمون جميعا داخلون في الاصطفاء الرباني، لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، وجميعهم مآلهم إلى رضوان الله تعالى وجنته، وإن لبث بعض العصاة منهم أحقابا في النار، لكونهم مسلمون، ومن عداهم كافرون مخلدون في نار جهنم، وأمة الإسلام خير الأمم وأكرمها على الله عز وجل، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 110]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلى اللَّهِ). ([43]) .
[المفتاح الثالث]: يجب على جميع المسلمين الولاء العام على الإسلام، والاجتماع على أركانه وأصوله، والمحبة العامة على الإسلام، كما يجب عليهم التآلف والتكامل فيما بينهم، وأن يكون ولاؤهم فيما بينهم تجمعهم وحدة الإسلام والقرآن، وأن يكونوا أمة واحدة من دون الناس جميعا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73]، فالفتنة في الأرض والفساد الكبير هما آثار فرقة المسلمين وعدم وجود الولاء العام فيما بين جميع المسلمين.
[المفتاح الرابع]: افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام: صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ناجية، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([44]) .
وهذا الحديث يفهمه أهل البدع والضلال فهما على عكس مراده، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة.
[المفتاح الخامس]: الأصل بين المسلمين هو وحدة التآلف والتكامل والتراحم، والتعاون على ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين، قال تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقال تعالى {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52]، وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 102، 103]، و قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]، وقال تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73]، وقال تعالي: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]، يأمر الله عز وجل بالإعداد من أجل إرهاب اعداء الله اعداء المسلمين، إعداد أقصي قوة مستطاعة من الناحية المعنوية ومن الناحية المادية ولا شك في أن وحدة أهل الإسلام وتكاملهم وتآلفهم وتعاونهم هو من عداد القوة المعنوية، وهو كذلك من الوحدة المادية لأنه توحيد للجهود والقوى المبعثرة والاتحاد قوة والفرقة ضعف قال تعالي {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} فالتفرق والتنازع والشقاق ضعف وأي ضعف، وقال تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون}، لقد بلغ حرص القرآن الكريم على وحده المسلمين مبلغا عظيما، فإذا حدث نزاع وقتال بين طائفتين من المؤمنين فقد وجب على جميع المؤمنين السعي في الاصلاح بينهما، فإن مالت إحداهما على الأخرى بالظلم والبغي والعدوان وجب على الجميع الوقوف إلى جانب الحق وقتال الباغية الظالمة حتى ترجع إلى حكمه وشرعه والرضا بالمصالحة العادلة مع الطائفة الاخرى، ثم بين الحق عز وجل بعد هذه الآية الاولى إخوة المؤمنين وأنهم ينبغي أن يبادروا سريعا إلى إصلاح ذات بينهم وليتقوا الله في ذلك فإنه الطريق إلى رحمة الله، قال تعالى: { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ }، فالرحمة مع الوحدة والاتفاق واجتماع الكلمة.
ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الواردة في هذا الأمر: قوله صلى الله عليه وسلم (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) ([45]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ([46]) . وقَالَ صلى الله عليه وسلم: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه، كَانَ اللهُ في حَاجَته، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ) ([47]) .
[المفتاح السادس]: لا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين، قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144]، وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الانفال: 73]، وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن، فقال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55-56] , [الحجرات: 10]، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وقال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس، وأنهم أمة واحدة من دون الأمم.
[المفتاح السابع]: الحرص على الوحدة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة واقعية: قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} وقال تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} فالتفريق بين المؤمنين سبيل الشيطان: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91]، وهو سبيل أعداء الأمة المتربصين بها من الداخل والخارج، فمِن الداخل يجتهد المنافقون في إثارة العَداء والفرقة بين المؤمنين حتى لو كان ذلك من خلال لافتات برَّاقة خدَّاعة تشقُّ الصفوف، وتوقِع الفساد فيها.. {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107]، لقد رسخ الإسلام هذه الأخوَّة: قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، وأقرَّ للمسلم في عنُق أخيه حقوقًا: قال صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى) ([48]) . وقَالَ صلى الله عليه وسلم: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ، وَلاَ يُسْلمُهُ . مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه، كَانَ اللهُ في حَاجَته، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ) ([49]) .
[المفتاح الثامن]: نقاط الالتقاء والتفاهم بين الفرق الإسلامية هي أصول الدين: نقاط الالتقاء والتفاهم بين الفرق الإسلامية فضلا عن المذاهب الإسلامية كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها، ونقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا، وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر في الانتماء إلى الإسلام، نقاط الالتقاء كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها، الدين واحد والإله واحد والرسول واحد والقرآن واحد، وشهادة الانتساب إلى الدين واحدة: (شهادة أن لا اله إلا اللّه، وان محمدا رسول اللّه)، وأركان الدين واحدة والعبادات واحدة، العدو المشترك لها واحد، هذه بعض أصول الوحدة ونقاط الالتقاء، أما نقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا، وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر، وبعضها يقوم على نصوص ظنية الدلالة، وكل ما هو ظني فإنما يخضع للاجتهاد، والقاعدة في الاجتهاد هي حديث النبي (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) ([50]) .
فلا يصح أن يكون مجال الاجتهاد سببا للتفرقة والمبادرة إلى سل سيف التكفير لمن أخطأ، تكمن المشكلة في أن البعض من المغرمين بالفرقة والخلاف والتنازع يتركون نقاط الاتفاق، ويتصورون الخلاف قبل الوفاق، وينسون مواطن الاتفاق ويبتعد عن أذهانهم جوانب الالتقاء مع انها أصول الإسلام، فينبغي الالتقاء على الأصول التي لا خلاف عليها من أركان الدين ومحكماته، وبعد تلك الأصول تبقى جزئيات محل اجتهاد، والاجتهاد ما كان قائما على شروطه، فالمجتهد لا يحرم الأجر، ما كان مؤهلا للاجتهاد صادقا في طلب الحق.
[المفتاح التاسع]: عوامل التكامل والتراحم بين المذاهب الإسلامية أكثر من أن تحصى: إنّ عوامل الوحدة والتكامل بين صفوف الأمة الإسلامية أكثر من أن نعددها، وهي أصول الدين وأسسه وتكفي لبناء أعظم أمة وأقوى وحدة، ومن ذلك:
(العامل الاول): الأمة دينها واحد هو الإسلام، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ}، وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وقد تفضل اللّه على المسلمين بإتمام النعمة وإكمال الدين، وهو المفتاح، فلا داعي للابتعاد عنه بسبب الخلاف في الفروع، قال اللّه تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا}، وجاءت النصوص القرآنية تؤكد ضرورة الالتقاء على أصول الدين، فقال اللّه تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه حق تقاته، ولا تموتن إلا وانتم مسلمون. واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا}، و قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]، وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].
(العامل الثاني): الأمة إلهها واحد وربها واحد ومعبودها واحد، لا إله إلا هو ولا شريك له، قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}، وقال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، والمسلمون جميعاً يؤمنون باللَّه الرحمن الرحيم الواحد الأحد الفرد الصمد، ويقدسونه وينزهونه وينفون عنه الشبيه والند والمثيل، والصاحبة والوالد والولد، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.
(العامل الثالث): الأمة رسولها واحد، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: والمسلمون جميعاً يؤمنون به رسولاً ونبياً أرسله اللَّه تعالى، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي من بعده، وهو صاحب الشفاعة يوم الدين، معصوم عن الخطأ في تبليغ رسالة ربه، وكان أحرص الخلق على المسلمين، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.
(العامل الرابع): الأمة قرآنها واحد، القرآن الكريم: وهو كتاب اللَّه تعالى المنزل على محمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام، بلسان عربي مبين، المتعبد بتلاوته، المحفوظ من التحريف والتبديل، المبدوء بالفاتحة، المختوم بسورة الناس، الموجود بين دفتي المصحف وصلنا متواتراً كما أُنزل على النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم،،لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}، والمسلمون جميعاً على الإيمان بذلك كله.
(العامل الخامس): الأمة قبلتها واحدة: وهي الكعبة المشرفة بمكة المكرمة، وتسمى البيت الحرام، فالمسلمون جميعاً يتوجهون إليها في صلاتهم عملاً بقول اللَّه تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}،
وقال صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته) ([51]) . ولا يصح تفريغ الحديث من معناه، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين.
(العامل السادس): الأمة جميعا عندها شهادة الانتساب إلى الدين واحدة: وهي، (شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه)، ويجب النطق بها للدخول في الإسلام لمن لم يكن مسلماً، والمسلمون، بمختلف مذاهبهم، في الماضي والحاضر، على أنها أصل الدين وبابه الاوحد، ومتفقون على أنه لا يجزئ عنها شيء سواها، ومتفقون على أنه لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ كان من أهل الجنة.
(العامل السابع): أمة الإسلام جميعهم متفقون على أصول أركان الإيمان، من الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر، و متفقون على أركان الإسلام، وإنها شهادة أن لا اله إلا اللّه، وان محمدا رسول اللّه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا من المسلمون، وبحمد الله الأمة عباداتها واحدة، (الصلاة) واحدة، فلا خلاف حول الصلاة المفروضة وعدد ركعاتها ولا حول ركوعها وسجودها وبقية أركانها، و (الصيام) واحد في شهر رمضان حيث يجمع المسلمون على صيام نهاره طيلة أيامه، و (الزكاة) واحدة وهي النصيب الذي فرضه اللَّه للفقراء في أموال الأغنياء، يتفق عليه جميع المسلمين، والنصاب واحد عند جميع الفرق والمذاهب الإسلامية، و (الحج) واحد حيث يجتمع المسلمون – كل المسلمين – في زمان واحد هو أشهر الحج، وفي مكان واحد مكة المكرمة بزي واحد لأداء مناسك واحدة.
(العامل الثامن): المعلوم من الدين بالضرورة تتفق عليه كل فرق الإسلام التي تصح نسبتها إليه، وهو كل ما كان ظاهراً متواتراً من أحكام الدين معلوماً عند الخاصة والعامة من المسلمين، وهذا المعلوم من الدين بالضرورة تشترك في معرفته والاقرار به كل فرق المسلمين المنتسبة إلى الإسلام والمحسوبة عليه، وإنكار هذا المعلوم من الدين بالضرورة يعد كفراً بالإجماع، إلا إذا كان المنكر حديث العهد بالإسلام أو يعيش في بيئة نائية أو جاهلا فإنه يُعذر بجهله، فلا يكفر ولكن يأثم لتقصيره في طلب العلم، ومن أنكر شيئا من المعلوم من الدين بالضرورة بعد قيام الحجة الشرعية المستوفية لشروطها عليه فإنه يكون كافراً، ولا يصح تكفير المسلم بعينه حتى يُبين له الحق، وتُقام عليه الحجة الشرعية المعتبرة، والتكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فلا يكفي فبه مجرد الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات.
ومن المعلوم من الدين بالضرورة في باب العقيدة: اعتقاد أن الدين عند الله بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة هو الإسلام، وأن من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، وأنّ مصدر المعرفة بالإسلام على وجه العموم هما الكتاب والسنّة، واعتقاد الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فلا إله ولا رب ولا معبود بحق إلا الله، والنبي صلى الله عليه وسلم هو رسول الله الخاتم الذي لا نبي بعده، واعتقاد أركان الإيمان: هي ستة أركان أساسية للإيمان: الإيمان بالله، ويدخل فيه الإيمان بوجوده، وإلهيته ووحدانية في ذاته وصفاته وأفعاله وفي ربوبيته لخلقه واستحقاقه وحده للعبادة، والإيمان بالملائكة عباد مكرمون لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون، والإيمان بالكتب التي أنزلها الله على رسله، وخاتمها القرآن الكريم، والإيمان بجميع الأنبياء والرسل، وخاتمتهم محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان باليوم الآخر وبكل ما يحدث بعد الموت، من البعث والحساب والجنة والنار، والإيمان بالقدر وأن كل ما يحدث في الكون إنما يقع بقضاء الله وقدره.
ومن المعلوم من الدين بالضرورة في باب العبادات: بقية أركان الإسلام الخمسة: وهي الأركان العملية بعد الشهادتين، وهي الأركان التي يرتكز عليها الإسلام، وتشمل: الركن الأول: إقام الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة، الظهر أربع ركعات والعصر اربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات والعشاء أربع ركعات والصبح ركعتان، وما يلزم لصحة الصلاة من الطهارة والوضوء وستر العورة ودخول الوقت واستقبال القبلة، وصلاة الجمعة لكل مسلم صحيح مقيم بالغ عاقل، والركن الثاني: إيتاء الزكاة، ومعناه: إعطاء جزء مقدر معلوم من المال أو الذهب أو الفضة أو الانعام او عروض التجارة أو الزروع والثمار، إذا بلغ المال النصاب، لمصارف الزكاة الثمانية ومنها الفقراء والمساكين، والركن الثالث: صوم رمضان، والصيام امتناع عن الطعام والشراب والجماع خلال شهر رمضان كله، من طلوع الفجر الصادق وإلى غروب الشمس في كل يوم من أيامه، والحج إلى بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً في أشهر الحج المعلومات، ومن المعلوم من الدين بالضرورة في باب المعاملات: حرمة السرقة والغش والربا وأكل مال اليتيم وأكل أموال الناس بالباطل، ومن المعلوم من الدين بالضرورة في باب الأسرة والمجتمع: وجوب الحجاب وحرمة الزنا واللواط وحرمة قذف المحصنين والمحصنات، فهذه كلها أصول ننفق عليها كافة الفرق المنتسبة إلى الإسلام.
(العامل التاسع): الأمة جميعا لها مصادر تشريع واحدة، تتمثل في طاعة الله ورسوله، قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}، لقد توافرت للأمة الإسلامية وحدة التشريع، بما حفظه اللّه لها في مصدريها الأصليين، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وحتى المصادر الأخرى الاجتهادية، فهي متقاربة، والحلال في شرع الإسلام بين، والحرام بين، والفرائض معلومة والواجبات معروفة، والمنهيات واضحة والكبائر يعلمها الصغير والكبير من المسلمين.
(العامل العاشر): الأمة جميعا لها انتماء واحد، هو أنها أمة الإسلام، قال تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقال تعالى {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52]، والمسلمون، في أنحاء العالم، من جميع الاجناس والألوان واللغات، ينتمون لأمة واحدة، دينها واحد وعقيدتها واحدة، صهر الإسلام الجميع في بوتقة واحدة هي الانتماء للأمة الإسلامية، ذات التاريخ الواحد، والرابطة الواحدة، قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا اللّه لعلكم ترحمون}، و قال صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى) وقَالَ صلى الله عليه وسلم: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ، وَلاَ يُسْلمُهُ، مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه، كَانَ اللهُ في حَاجَته، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ) [مُتَّفَقٌ عَلَيهِ]، وقال صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ)
(العامل الحادي عشر): الأمة جميعا أمامها عدو واحد مشترك: هو الكفر وأهله، والذين كفروا يوالي بعضهم بعضا على حرب الاسلام وأهل ه بالتنسيق فيما بينهم، فهم على دين الاسلام وحربه أولياء، حتى أهل الكتاب، قال الله تعالى فيهم: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، ولهذا نهى الله تعالى الأمة عن موالاة هؤلاء، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وقال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] فإن لم يوال أهل الإسلام بعضهم بعضا وينصر بعضهم بعضا ويعاون بعضهم بعضا ستحدث الفتنة والفساد الكبير، والأمة جميعا أمامها عدو واحد مشترك: هو الكفر وأهل ه، ولابد من الوحدة والتكامل من اجل مواجهة أخطاره، إذن هذه عشرة عوامل تشكل إطار الوحدة.
[المفتاح العاشر]: لابد من تقنين الاختلاف بين المذاهب الإسلامية في أصول الدين: فلابد من أجل تقنين الاختلاف، أن يمتنع التكفير والتبديع والتضليل إلا وفق ضوابط دقيقة، لا يقوم بها إلا العلماء، مع تفادى التجريح، والالتزام بأدب الإسلام في معاملة المسلم، وتبني مناهج معتدلة تدعو إلى الوحدة والوئام، والولاء العام لكل المسلمين، ويجب طي صفحة الماضي في تاريخ الأمُة، فإن الماضي لا يدرك، وقد مضى فلا معنى لاجترار أحداثه، وهل يورث ذلك إلا تعميق الجراح وتنفير القلوب وإيغار الصدور؟ وقد أرشدنا إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: ١٣٤]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
[المفتاح الحادي عشر]: ضرورة التسامح بين الأُمة فيما اختلفوا فيه من الأمور الفرعية التي ثبتت بالأدلة الظنية، سواء من جهة الثبوت او من جهة الدلالة، فمن خالف الدليل القطعي ثبوتا ودلالة هلك، أما الظني فلا يهلك من خالفه إن كان في خلافه غير متبع لهواه، وإنما ترجح عنده دليل آخر تصوره أقوى منه، فهذا من باب الاجتهاد الذي يؤجر فيه صاحبه لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) [سبق تخريجه]، وغالب الامور التي تثبت بالأدلة الظنية، الخلاف فيها، خلاف بين راجح ومرجوح، وإن كان المصيب واحد، فلا بأس بتمحيص الصواب من غير تكفير ولا تفسيق ولا تضليل، ومن رحمة الله بالمسلمين وجود حيز كبير للأدلة الظنية، لأنها من عوامل السعة والرحمة واليسر ورفع الحرج في كافة الأحكام الشرعية، مجسدة بذلك التنوّعَ الطبيعيَّ في مناهج النظر الفكري، فالحذر كل الحذر من تنزيل الأدلة الظنية (سواء أكانت ظنية الثبوت أو الدلالة)، مكان الأدلة القطعية (قطعية الثبوت والدلالة معا) فإن البون شاسع بين هذين النوعين من الأدلة، وأهل العلم بالأصول قالوا: في العام بأنه: ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن وذلك لكثرة ما يرد عليه من التخصيص، وجميع الأحكام والقضايا التي لم تثبت بالنص القطعي ثبوتا ودلالة لا يصح أن تجعل مفصالا بين الحق والباطل، بل يتسع فيها الإعذار، ولا يجوز أن يبنى عليها تكفير ولا استحلال محارم، لأن مخالفة القطعي ثبوتا ودلالة فقط هو الموجب للكفر المخرج من الملة، ولا يوجد مثل ذلك إلا في المعلوم من الدين بالضرورة، وهذا يتفق عليه جميع المسلمين، ثم حتى لو حدث ذلك فهناك موجبات درء التكفير بشبهات الجهل والتأويل، ومن تدبر الأمر وجد سعة لا سيما في القضايا الظنية وهي أكثر قضايا الخلاف في الأمة، وعلى ذلك فإن الاختلاف في القضايا الاجتهادية لا ينبغي أن يعد بحال مجالا لتفتيت وحدة الامة، ومحاولة المتنطعين جمع المسلمين كافة على رأي واحد في باب الادلة الظنية مستحيل، نظرا لتعدد مناهج الاستدلال في فهم النص الواحد وتفسيره، فكيف بمئات النصوص من الكتاب والسنّة، والتي تجتهد عقول المجتهدين في شرحها وتفسيرها واستنباط الاحكام منها، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: (ما سرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة)، وإخلاص النية وسعة الأفق عاملان من اهم عوامل تجاوز الخلافات، فإخلاص النية يمنع من تتبع الهوى أو أي غرض من أعراض الدنيا الزائلة، وسعة الأفق بالتفريق بين الأدلة القطعية ثبوتا ودلالة وبين الادلة الظنية سواء أكانت ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة، فلا يوجد أي داع للتعصب، الذي يضعف الكيان الواحد للأمة الإسلامية الواحدة، لاسيما وأن تجاوزُ هذه الاختلافات أمر مستحيل، لتعدد الأدلة وتعدد الاحتمالات والأفهام، والموروثات.
فالذي نحتاجه في ميدان الادلة الظنية ليس الترجيح والانتصار لرأي على آخر بقدر الحاجة إلى سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع المسلمين في إطار الامة الإسلامية، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب التآلف والتكامل والتراحم بين كافة المسلمين، ونهي عن التنازع الذي مآله إلى الفشل والضعف وذهاب الهيبة امام الأعداء، فقال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، كما أن قضايا ومسائل الخلاف لا تطرح على العوام لأنها تبلبل أفكارهم ولا يستوعبون أبعادها، ويتعصبون لها تعصبا مقيتا ولا يدركون أبعادها، وإنما تطرح على بساط البحث بين العلماء، والمدقق في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان يدعو الناس إلى أصول الدين ومحكماته، من الالتزام المجمل بدين الله تعالى، وكان يكتفي من المسلم بالشهادتين والتزام ما تقتضيانه عقيدة وعملاً، ولم يكن يشغل الصحابة وهم أنصع الناس فطرة بأي من المسائل الخلافية التي تشغل عن العمل وعن الجهاد.
[فائدة] المستقبل لا محالة للإسلام والمسلمين: كتب الله تعالى لدينه الظهور ولو كره الكافرون والمشركون، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32، 33]، وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55]، وقال صلى الله عليه وسلم: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر)، ([52]) . وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِىَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِى سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِى مِنْهَا) ([53]) .وقال صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ)([54]).
وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بفتح قسطنطينية وروميه، أخرج أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أو رومية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولاً، يعني قسطنطينية)، ([55]) .
وقد فتحت قسطنطينية بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح، وسيتحقق الفتح الثاني ولا بد، كما بشر صلى الله عليه وسلم بالنصر على اليهود، قال صلى الله عليه وسلم: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) ([56]) . ولا تقوم الساعة حتى يظهر المهدي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً) ([57]) . ولا تقوم الساعة حتى تعود خلافة الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضّاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) ([58]) .
هذه البشارات تدل على أن المستقبل للإسلام والمسلمين، ولو كره الناس اجمعون، يمر المسلمون – اليوم – بمرحلة صعبة، ولكن الله حافظ دينه، وهو القوي العزيز، فلابد من اليقين في نصر الله، ولا بد لكل مسلم أن يكون موقنا بان المستقل لا محالة للإسلام والمسلمين، والقضية التي تخصنا اليوم تتمثل في قوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، أو قوله تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}،
[تنبيه] الحاضر والمستقبل للأمة يحمل تحديات تفوق الوصف، فلابد من التضامن ولا مجال ولا وقت لاجترار أحداث الماضي، والعدو يلعب على وتر الخلافات بين المسلمين في محاولة لإبادة الجميع وابتزاز الجميع، فلا مجال ولا وقت لاجترار أحداث الماضي، وإن دعت الضرورة لبحث ذلك الماضي فإنه يجب أن يكون في مجالس البحث العلمي المتخصصة، بطريقة منصفة عادلة لا تخضع لما عند كل طائفة من المواريث الفكرية، وإنما يحكم فيها القرآن الكريم لأنه محل إجماع الجميع، فنتبع محكمه ونفوض علم متشابهه إلى الله تعالى عملا بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، وأخرج البخاري عن ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات إلى قوله وما يذكر إلا أولوا الألباب قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فإذا رأيتم الدين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) ([59]) .
([1]) مسند أحمد 28/350 ح 17123.
([4]) شرح النووي على صحيح مسلم 2 /188.
([5]) صحيح البخاري 4/186 ح 3534، صحيح مسلم 4/1791 ح 2286.
([8]) صحيح البخاري 9/107. صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.
([9]) صحيح البخاري 4/175 ح 3475.
([10]) صحيح البخاري 1/87 ح 391.
([11]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([12]) صحيح البخاري 8/26 ح 6104، صحيح مسلم 1/79 ح 60 واللفظ له.
([15]) صحيح البخاري 9/146 ح 7510، صحيح مسلم 1/182 ح 193.
([16]) صحيح البخاري 1/17 ح 44.
([21]) مسند أحمد 36 /312 ح 21986، صحيح ابن حبان 1/473 ح 623
([22]) صحيح البخاري 6/149 ح 4890.
([23]) صحيح البخاري 9/123 ح/7416.
([25]) فيض القدير للمناوي 5/384.
([26]) مسند أحمد 14/124 ح 8396، سنن الترمذي 5/25 ح 2640.
([27]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([28]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597.
([29]) مسند أحمد 19/241 ح 12208، سنن ابن ماجة 5/130 ح 3993.
([30]) سنن الترمذي 4/466 ح 2167.
([31]) سنن ابن ماجة 5/96 ح 3950.
([33]) صحيح البخاري 6/33 ح 4547، صحيح مسلم 4/2053 ح 2665.
([34]) صحيح البخاري 2/176 ح 1739، صحيح مسلم 2/886 ح 1218.
([35]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([36]) مسند أحمد 6/119 ح 3621.
([37]) صحيح البخاري 9/2 ح 6862.
([38]) صحيح البخاري 1/17 ح 44.
([39]) صحيح البخاري 9/146 ح 7510
([40]) صحيح البخاري 7/149 ح 5827.
([41]) المجموع شرح المهذب 4/254.
([42]) صحيح مسلم 4/2055 ح 2670
([43]) سنن الترمذي 5/226 ح 3001.
([44]) سنن ابي داود 7/5 ح 4596.
([45]) صحيح البخاري 3/129 ح 2446، صحيح مسلم 4/1999ح 2585.
([46]) صحيح مسلم 4/1999 ح 2586.
([47]) صحيح البخاري 3/128 ح 2442.
([50]) صحيح البخاري 9/108 ح 7352.
([51]) صحيح البخاري 1/87ح 391.
([52]) مسند أحمد 28/154 ح 16956، المستدرك 4/477 ح 8326.
([53]) صحيح مسلم 4/2215 ح 2889.
([54]) صحيح مسلم 3/1524ح 1923.
([55]) مسند أحمد 11/224 ح 6645، المستدرك 4/598 ح 8662.
([56]) صحيح مسلم 4/2239 ح 2922.
([57]) مسند أحمد 7/311 ح 4279، سنن أبي داود 6/337 ح 4282 واللفظ له، سنن الترمذي 4/505 ح 2230.