(الفصل الرابع) مباحث عامة مهمة: تضبط النظر عند فرق المسلمين في كل ما يتعلق بالدين
(المبحث الأول): القرآن هو المنهج الرباني المحفوظ الذي يرسم أصول معتقدات كل مسلم.
(المبحث الثاني): آل البيت هم الثقل الثاني بعد القرآن وحقهم على الامة.
(المبحث الثالث): عدالة الصحب الكرام وحقهم على الامة.
(المبحث الرابع): أصول النظر في الفتنة الكبرى بين الصحابة حتى نحفظ للدين ناقليه.
(المبحث الخامس): أحق الناس بالخلافة بعد رسول الله هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
(المبحث السادس): لا يوجد نص على الإمام علي رضي الله عنه بالخلافة .
(المبحث السابع): الخط العام من المسلمين هم الجماعة والفرق إنما تتحزب على أصل باطل
***
(المبحث الأول) القرآن هو المنهج الرباني الذي يرسم أصول معتقدات كل مسلم
[المفتاح الاول]: القرآن هو المنهج الرباني المحفوظ الذي يرسم أصول معتقدات كل مسلم: القرآن الكريم كتاب الله رب العالمين، فيه نبأُ ما قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحُكم ما بيننا، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَقُ على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم، وهو تبيان لكل شيء، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، إذا فهمنا ذلك علمنا انّ القرآن الكريم هو الأساس في رسم كل معتقدتنا، وهو المرجع لكل خلافاتنا، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، لقد ركز القرآن الكريم على قضايا العقيدة اتم تركيز، ووضح أركان العقيدة في قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]، وقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر} [القمر: 49].
ومباحث هذه الأركان هي التي تشتمل على كافة ما يتعلق بأصول العقيدة، ولذلك امتلأ القرآن الكريم بالآيات الدالة على اثبات تلك الأصول وهذا هو الخط العام، فإذا وجدنا مسألة عقائدية خارجة عن اهتمام القرآن ويريد أصحابها جعلها من أصول العقيدة علمنا أنّ ذلك من الغلو المخالف للقرآن، ومثال ذلك مسألة الإمامة عند الشيعة، فإنهم جعلوها أصل أصول الاعتقاد، وهذا لا يستقيم مع منهاج القرآن الكريم لأنها لو كانت كذلك لنص القرآن صراحة عليها كما ينص على اركان العقيدة من الإيمان بالله و الإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر، لذا وجب التمهل في اعتماد أي عقيدة تخالف اتجاه القرآن،.
[المفتاح الثاني]: مثال لاعتقاد يخالف منهج القرآن: [قول الشيعة بردة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع أنّ الخط العام في القرآن الكريم يمتلئ بالثناء عليهم]: كلنا يعلم أنّ القرآن الكريم يترضى عن الصحابة في المجمل، و(الإمامية) يلعنون الصحابة في المجمل، فإما أن يكون القرآن على صواب و(الإمامية) على الخطأ وإما العكس وهو مستحيل، وهذا التعارض يبطل المذهب الإثني عشري بكامله، والحاصل: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ربى جيلا من الصحابة فإما أنه يحسن التربية فرباهم على الإسلام والإيمان والإحسان وإما ان يكون قد فشل في ذلك فكانوا أنجاسا منافقين مرتدين وحاشاه من ذلك وهو المعلم الأكبر، وقد وضح القرآن الكريم أن مهمة النبي هي التزكية فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، ثم وضح القرآن انه قد زكاهم فعلا فقال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، فهذه تزكيتهم بأوصاف قديمة لازمة لهم في القرآن والتوراة والانجيل فيستحيل أنهم بدلوا وغيروا بعد وفاة نبيهم وإلا لم جاء وصفهم بها في التوراة والانجيل من قبل لأن الذي أنزل التوراة والانجيل والقرآن يعلم الغيب ويعلم ما كان وما سيكون فيستحيل أن يمدحهم بما ليس فيهم ولا أن يمدحهم وهو يعلم أنهم سيبدلون ويكفرون ويرتدون، والحال اذن إما بطلان مذهب القرآن في الصحابة وهذا محال وإما بطلان مذهب (الإمامية) فيهم، وهو اليقين عند اولي الألباب.
ثم إننا نجد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد صاهر أبا بكر وتزوج ابنته أم المؤمنين عائشة رضي لله عنها، وصاهر عمر ويتزوج ابنته أم المؤمنين حفصة رضي لله عنها، ويزوج ابنتيه (رقية و أم كلثوم) واحدة تلو الأخرى إلى عثمان، فيستحيل في حكم العقل أنه يعلم بحالهم من النفاق والكفر كما يدعي الإمامية ثم يصاهرهم ويقربهم وهو المخاطب من قبل الله تعالى بقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التحريم: 9]، وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الأحزاب: 1]، وقوله سبحانه: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الاسراء: 74، 75]، فهل يستقيم أن يداهنهم وأن يجاملهم وان يصاهرهم وهو يعلم بنفاقهم وكفرهم وردتهم، ثم هو صلى الله عليه وسلم يزوج ابنته (رقية) لعثمان فهل يعقل بعد موتها أن يكرر الامر ثانية معه فيزوجه ابنته (ام كلثوم) وهو القائل (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)، لولا نبل عثمان وصدق عثمان وإيمان عثمان وتقواه وحسن خلقه لما زوجه النبي صلى الله عليه وسلم المرة تلو الأخرى، ثم إنّ الصحابة هم الذين حملوا رسالة الدين إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم وجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم، من أجل نشر الدين وهداية الناس إلى طريق الإيمان بالله، وضحوا بالغالي والثمين من أجل نشر الدين، ولولا الصحابة لما كنا نحن اليوم مسلمين، أكثرهم مات شهيدا في معركة او قتال لنشر الدين فهل يعقل انهم عرضوا انفسهم للموت من اجل الدنيا، وهل جزاء من أدخلنا في الإسلام أن نخرجه منه إلى الكفر لا يستقيم ذلك.
ومن الأدلة القرآنية على التعارض في موضوع الصحابة بين القرآن و(الإمامية): (1) فقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أهل الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]، يدل على أنّ أمة الإسلام هي خير الأمم التي أخرجت للناس، وإن أولى الناس بهذا الوصف هم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعقل أن مائة ألف كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لا يبقى منهم على الإسلام إلا قليلا كما تقول (الإمامية)، (2) وقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَ ى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، من أقوى الدلائل على عدل الصحابة وسلامة إيمانهم حيث امتدحهم القرآن والتوراة والانجيل فدل ذلك على ان الثناء عليهم لا يتبدل ولا يتغير لأنه وصفهم في الكتب السماوية الثلاث التوراة والانجيل والقرآن فلا يستقيم ذلك مع ادعاء (الإمامية) بكفرهم ونفاقهم، وعلى ذلك فالآية تبطل مذهب (الإمامية) وتذهب به من أساسه.
***
(المبحث الثاني) آل البيت هم الثقل الثاني بعد القرآن وحقهم على الامة عظيم
[المفتاح الاول]: من هم آل البيت عليهم السلام: آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم هم مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ، وهم: ذريته، وأزواجه، وبنو هاشم وبنو المطلب، ومواليهم، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وأخرج الأحناف والمالكية بني المطلب منهم، وقالوا هم: ذريته، وأزواجه، وبنو هاشم، ومواليهم، وأيا كان الراجح، فإنّ الجميع متفقون على دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آل بيته، وعلى ذلك فإنّ آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم هم مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ، وهم: ذريته، وأزواجه، وبنو هاشم وبنو المطلب، ومواليهم.
(أولا) أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: لقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِن ءَايَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب:]، فإنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على دخولِهنَّ حتماً، لأنَّ سياقَ الآيات قبلها وبعدها خطابٌ لهنَّ، وقد قالت الملائكة لسارة زوج إبراهيم عليه السلام: {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} ولم يكن آنذاك لإبراهيم من سارة ولد، وقد استثنى القرآن الكريم امرأة لوط من آل لوط عليه السلام في قوله تعالى: {إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ} [الحجر: 59-60]، ومما يؤكد دخولهن في الآل ما أخرجه البخاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حادثة الإفك: (من يعذرنا من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما أعلم عن أهل بيتي إلا خيرا) ([1]) . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعائشة: (السلام عليكم أهل البيت) ([2]) . وأخرج مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل يمر على نسائه فيسلم على كل واحدة منهن ويقول: (سلام عليكم كيف أنتم يا أهل البيت فيقولون بخير يا رسول الله) ([3]) . وأخرج البخاري ومسلم عن منصور عن إبراهيم ثم قلت للأسود هل سألت عائشة أم المؤمنين عما يكره أن ينتبذ فيه فقال نعم قلت يا أم المؤمنين عم نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتبذ فيه قالت: (نهانا في ذلك أهل البيت أن ننتبذ في الدباء والمزفت) ([4]) . وفي البخاري أيضا: علمنا صلى الله عليه وآله وسلم أيضا أن نقول (اللهم صل على محمد وآل محمد) وفي لفظ: (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته) ([5]) . فدل على أن الآل يدخل فيهم الزوجات والذرية.
(ثانيا) يدخل في الآل بالأصالة ذريته صلى الله عليه وسلم: (الحسن والحسن وأبناؤهما إلى قيام الساعة)، وهذا الأمر لا خلاف فيه بل هو اجماع أهل العلم أنّ ذريته صلى الله عليه وسلم من نسل فاطمة الزهراء هم آل بيته بالأصالة وقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنَّها قالت: (خرج النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غداةً وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل من شَعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمَّ جاء الحُسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمةُ فأدخلها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمَّ قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}) وروى مسلم من حديث سَعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه قال: (لَمَّا نزلت هذه الآيةُ {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وفاطمةَ وحَسناً وحُسيناً، فقال: اللَّهمَّ هؤلاء أهل بيتِي) ([6]) .
(ثالثا) ويدخل في الآل: كلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ من نَسْل بني هاشم بن عبد مناف، وهم آل علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطِيبًا فِينَا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ؛ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: ” أَمَّا بَعْدُ أَلَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَأُجِيبُ ؛ وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ – فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ – قَالَ: وأهل بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أهل بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أهل بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أهل بَيْتِي ” فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أهل بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أهل بَيْتِهِ؟ قَالَ: إِنَّ نِسَاءَهُ مِنْ أهل بَيْتِهِ وَلَكِنَّ أهل بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: ” هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ” قَالَ: أَكُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ! قَالَ: نَعَمْ) ([7]) . وذِكرَ زيد بن أرقم رضي الله عنه آلَ عَقيل وآلَ عليٍّ وآلَ جعفر وآلَ العبَّاس لا يدلُّ على أنَّهم فقط هم الذين تحرُم عليهم الصَّدقةُ دون سواهم من بني هاشم، بل هي تحرُم على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ من نسل عبدالمطلب، لأنه لم يعقب لهاشم إلا في عبد المطلب، وقد جاء في صحيح مسلم ما يدل على دخول أولاد ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب مع آلَ عَقيل وآلَ عليٍّ وآلَ جعفر وآلَ العبَّاس، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب أنَّه ذهب هو والفضل بن عباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبان منه أن يُولِّيهما على الصَّدقةِ ليُصيبَا مِن المال ما يتزوَّجان به، فقال لهما صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الصَّدقة لا تنبغي لآل محمد، إنَّما هي أوساخُ الناس) ([8]) . ثمَّ أمر بتزويجهما وإصداقهما من الخمس.
(رابعا) وأما آل المطلب وهو مذهب الشافعي وأحمد: فقد أخرج البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه قال: (مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا وَنَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ) ([9]) .
(خامسا) موالي آل البيت: فلما جاء عن مهران مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله عليه وسلم: (إِنَّا آلُ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَمَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ) ([10]) . ويدلُّ أيضا على تحريم الصَّدقة على موالِي بَنِي هاشِم ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي رافع: (أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على الصَّدقة مِن بَنِي مخزوم، فقال لأبي رافع: اصْحَبنِي فإنَّك تُصيبُ منها، قال: حتى آتِي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: مولَى القوم مِن أنفسِهم، وإنَّا لا تحِلُّ لنا الصَّدقة) ([11]) .
(تنبيه): الرد على شبهات من قال بعدم دخول أمهات المؤمنين في الآل، (قالوا): لو ان آية التطهير تتناول أمهات المؤمنين فلماذا عدل القرآن في الآية إلى الضمير المذكّر {يطهركم} بدلاً من نون النسوة (يطهركن)، وقد كان الخطاب لهن أصلا، والجواب: أنّ التطهير عام لكل آل البيت وليس أمهات المؤمنين وحسب، وهذا من عظمة النص القرآني وبلاغته، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم هو اول المقصودين بالتطهير لأنه صلى الله عليه وسلم الأصل، فلما اشترك معهن في التطهير، هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم بل وعامة بني هاشم، كان الخطاب هنا يشمل الجميع، وهنا يلزم التذكير لأنه خطاب يشمل الرجال والنساء فيصلح وليس العكس لأنّ خطاب النساء لا يدخل فيه الرجال، وهذا أسلوب معروف من أساليب اللغة أنه إذا اجتمع الرجال والنساء في خطاب غلّب جانب التذكير على التأنيث، ولما كان بقية الخطاب لأمهات المؤمنين خاصة فقد عاد الخطاب للتأنيث مرة أخرى،و(قالوا): قوله صلى الله عليه وسلم (إنَّ الصَّدقة لا تنبغي لآل محمد) ([12]) . وقد ثبت في الصحيح أن بريرة تُصدّق عليها بلحم فأكلته، ولم يحرمه النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها، فإن كانت الصدقة حراما عليهن لحرمت على مواليهن، كما أنّها لما حرمت على بني هاشم حرمت على مواليهم، والجواب: أن تحريم الصدقة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليس بطريق الأصالة، وإنما هو تبع لتحريمها عليه صلى الله عليه وسلم، وإلا فالصدقة حلال لهن قبل اتصالهن به، فهن فرع في هذا التحريم، والتحريم على المولى فرع التحريم على سيده، فلما كان التحريم على بني هاشم أصلا استتبع ذلك مواليهم، ولما كان التحريم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تبعا لم يقو ذلك على استتباع مواليهن، لأنه فرع عن فرع، وقد صح أنّ أمهات المؤمنين كنّ لا يقبلن الصدقة، وإنما كنّ يُعطَيْن من الخُمس، وقد روى ابن أبي شيبة في مصنّفه عن ابن أبي مُلَيكة: (أنَّ خالد بنَ سعيد بعث إلى عائشةَ ببقرةٍ من الصَّدقةِ فردَّتْها، وقالت: إنَّا آلَ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لا تَحلُّ لنا الصَّدقة) ([13]) .
و(قالوا): نفى زيد ابن أرقم رضي الله عنه أن تكون أمهات المؤمنين من آل بيته صلى الله عليه وسلم فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده عن يزيد بن حيَّان قال: (انطلقتُ أنا وحُصين بن سَبْرة وعمر بنُ مسلم إلى زيد بنِ أرقم، فلمَّا جلسنا إليه، قال له حُصين: لقد لقيتَ ـ يا زيد! ـ خيراً كثيراً، رأيتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وسمعتَ حديثَه، وغزوتَ معه، وصلَّيتَ خلفه، لقد لقيتَ يا زيد! ـ خيراً كثيراً، حدِّثْنا ـ يا زيد! ـ ما سَمعتَ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا ابنَ أخي! والله! لقد كَبِرَتْ سِنِّي، وقَدُم عهدِي، ونسيتُ بعضَ الذي كنتُ أعِي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدَّثتُكم فاقبلوا، وما لا فلا تُكَلِّفونيه، ثمَّ قال: قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماءٍ يُدعى خُمًّا، بين مكة والمدينة، فحمِد اللهَ وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال: أمَّا بعد، ألا أيُّها الناس! فإنَّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسولُ ربِّي فأُجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلَيْن، أوَّلُهما كتاب الله، فيه الهُدى والنُّور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهل بَيتِي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتِي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتِي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتِي، فقال له حُصين: ومَن أهل بيتِه يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيتِه؟ قال: نساؤه مِن أهل بيتِه، ولكن أهل بيتِه مَن حُرِم الصَّدقةُ بعده، قال: ومَن هم؟ قال: هم آلُ عليٍّ، وآلُ عَقيل، وآلُ جعفر، وآلُ عبَّاس، قال: كلُّ هؤلاء حُرِم الصَّدقة؟ قال: نعم!) وفي لفظ: (فقلنا: مَن أهل بيتِه؟ نساؤه؟ قال: لا، وايمُ الله! إنَّ المرأةَ تكون مع الرَّجل العصرَ من الدَّهر، ثم يُطلِّقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيتِه أصلُه وعَصَبتُه الذين حُرِموا الصَّدقة بعده) ([14]) .
والجواب أن نقول: الرواية الأولى له يثبت فيها دخولهن في الآل ونصها: (قيل له: ” ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته قال نساؤه من أهل بيته) فالاثبات مقدم على النفي، ويؤيده ما رواه أحمد في المسن د أنه زيد ابن أرقم نفسه قال:(قَالَ: إِنَّ نِسَاءَهُ مِنْ أهل بَيْتِهِ وَلَكِنَّ أهل بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: ” هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ” قَالَ: أَكُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ! قَالَ: نَعَمْ)([15]) .
وعلى افتراض صحة ما نقل عنه، فإنه استدل على اخراج أمهات المؤمنين من الآل لسببين كلاهما غير معتبر، فالسبب الأول قوله: (إنَّ المرأةَ تكون مع الرَّجل العصرَ من الدَّهر، ثم يُطلِّقها، فترجع إلى أبيها وقومها) هذا صحيح في حق أي زوجة إلا أمهات المؤمنين وذلك لأنَّ اتِّصالَهُنَّ بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غيرُ مرتفع، وهنَّ محرَّماتٌ على غيرِه في حياتِه وبعد مَمَاتِه، وهنَّ زوجاتُه في الدنيا والآخرة، فالسَّببُ الذي لهنَّ بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قائمٌ مقامَ النَّسَب، والسبب الثاني: (ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده)، وقد ثبت أن زوجات النبي حرمن الصدقة بعده، قالت عائشة: (إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة) . ([16]) .
فهذا نص من ام المؤمنين عائشة انها لا يحل لها الصدقة، ومع أنّ الأولى اعتبار الرواية الأولى من كلامه رضي الله عنه، والرواية الثانية غايتها أنها محمولة على أنه أراد أهل بيته بالأصالة لا بالتبعية، وعموما فلا تقوم الحجة بقول غير المعصوم صلى الله عليه وسلم، وتبقى الحجة في هذه الأقوال النبوية الصحيحة الواضحة، ولهذا اتفق الفقهاء الأربعة على دخول أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في آل النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك على سبيل الفائدة وإلا فإن آيات سورة الأحزاب تنص نصا على أنهن الأصل عند ذكر الآل، ومن شبهاتهم أيضا: (قالوا): تخرج أمهات المؤمنين من الآل للحديث الذي اخرجه الترمذي عن عمر بن أبي سلمة أنّه قال: (نزلَت هذِهِ الآيةُ على النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ “إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا” في بيتِ أمِّ سلَمةَ، فدعا النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فاطمَةَ وحَسنًا وحُسَيْنًا فجلَّلَهُم بِكِساءٍ وعليٌّ خَلفَ ظَهْرِهِ فجلَّلَهُ بِكِساءٍ ثمَّ قالَ: اللَّهمَّ هؤلاءِ أهل بيتي فأذهِب عنهمُ الرِّجسَ وطَهِّرهم تطهيرًا قالَت أمُّ سلمةَ: وأَنا معَهُم يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: أنتِ على مَكانِكِ وأنتِ إلي خَيرٍ) ([17]) .
قالوا: فهذا حديث صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل أم سلمة في كساء آل بيته، وبشّرها بأنها على خير، والجواب على هذه الشبهة: هو أن قوله صلى الله عليه وسلم لها (إنك إلى خير) غاية ما فيه أنه لم يدخلها معهم في الكساء، ولكن ليس فيه نفي أن تكون من آل البيت، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم لمن في الكساء لا يدل أبدا على حصر آل البيت بمن هم داخل الكساء، وإنما غاية ما فيه التأكيد على دخولهم فيه وأنهم أولى الناس بلقب الآل، وأولى الناس بالتطهير، ويكفي ام سلمة ان سياق الآيات جميعا في حق أمهات المؤمنين وهي إحداهن، وعليه فإن قوله صلى الله عليه وسلم (إنك إلى خير) يكون معناه إنك إلى خير سابق ولا تحتاجين إلى تأكيد الأمر وقد نزلت الآيات فيك وفي أخواتك أمهات المؤمنين، كلامهم حجة لو كان النبي صلى الله عليه وسلم نفى أن تكون أم المؤمنين أم سلمة من آل البيت وهيهات، وآية التطهير نزلت أصلا في حقهن.
[المفتاح الثاني]: فضائل أهل البيت: مما جاء في القرآن الكريم من فضائل آل البيت: (1) قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، ففي هذه الآية منقبة عظيمة شرف الله بها آل البيت حيث طهرهم من الرجس تطهيراً وهي شاملة لجميع أهل بيته صلى الله عليه وسلم، قال ابن حجر الهيتمي: هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدأت بـ (إنما) المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس الذي هو الإثم أو الشك فيما يجب الإيمان به عنهم، وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة) أهـ ([18]) .
(2) وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، وفي ذلك منقبة عظيمة ودرجة عالية شريفة حيث أمر بالصلاة عليهم تبعاً له صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن كعب بن عجرة قال: (لما نزلت هذه الآية قلنا يا رسول الله: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد…) ([19]) .
(3) قوله تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61]، في هذه الآية فضيلة عالية ومنقبة جليلة لأصحاب الكساء وهم فاطمة وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص قال: (لما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي) ([20]) .
قال ابن حجر الهيتمي: فعلم أنهم المراد من الآية وأن أولاد فاطمة وذريتهم يسمون أبناءه وينسبون إليه نسبة صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة) أهـ ([21]) .
ومما جاء في فضائلهم في السنة النبوية المشرفة: (1) ما روى الترمذي بسنده أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قلت: (يا رسول الله إن قريشاً جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة من الأرض؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً) ([22]) .
فهذا الحديث يدل على فضل جنس العرب ثم جنس قريش ثم جنس بني هاشم فكان النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس نفساً ونسباً.
(2) وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي عمار شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) ([23]) . فهذا الحديث نص في التفضيل (والذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم وسريانيهم وروميهم وفرسيهم وغيرهم، وأن قريشاً أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم فهو أفضل الخلق وأفضلهم نسباً) ([24]) .
(3) وجاء في صحيح مسلم بإسناده إلى يزيد بن حيان قال: (انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا يزد خيراً كثيراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بن أخي! والله! لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حدثتكم فامثلوا، وما لا، فلا تكلفونيه، ثم قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيباً بماء يدعى خماً، بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي…). ([25]) . ففي هذا الحديث منقبة واضحة وفضيلة عالية لأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم حيث قرن الوصية بهم مع الوصية بالالتزام والتمسك بكتاب الله الذي فيه الهدى والنور، فجعلهم صلى الله عليه وسلم ثقلاً دليل واضح على عظم حقهم وارتفاع شأنهم وعلو منزلتهم، فالتمسك بالكتاب امتثال ما أمر الله به فيه واجتناب ما نهى عنه قولاً وعملاً. والتمسك بأهل بيته محبتهم والمحافظة على حرمتهم والعمل بروايتهم الصحيحة والاهتداء بهديهم وسيرتهم إذا لم يكن في ذلك مخالفة في الدين….
(4) وروى مسلم في صحيحه عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]) .[سبق تخريجه]، فهذه فضيلة ظاهرة لهؤلاء الخمسة وقد طهرهم الله من الرجس وجل نسل آل البيت منهم رضي الله عنهم أجمعين.
(5) روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثاً أن يثبت قائمكم وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم وسألت الله فيكم أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء فلو أن رجلاً صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار) ([26]) .
(6) وأخرج الإمام احمد في مسنده والحاكم في مستدركه عن أبي ذر رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألَا إنَّ مَثلَ أهل بَيْتي فيكم مَثلُ سَفينةِ نوحٍ، مَن ركِبَها نَجا، ومَن تخَلَّفَ عنها هلَكَ) ([27]) .
[المفتاح الثالث]: فضائل الإمام علي رضي الله عنه: مما جاء في فضل علي رضي الله عنه على وجه الخصوص: (1) ما أخرجه مسلم من رواية مصعب بن سعد عن أبيه (أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عليّاً رضي الله عنه، فقال: أتخلفني في الصّبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي) ([28]) .
(2) وفي (الصّحيحين) في تفسير قول الله تعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] عن قيس بن عدي عن أبي ذر رضي الله عنه إنّه كان يقسم فيها أنّ هذه الآية نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه، برزوا في يوم بدر ([29]) . ويقصد بحمزة وصاحبيه: علي وعبيدة ويقصد بعتبة وصاحبيه شيبة والوليد, ومسلم.
(3) وفي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرّحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] قال: هم الذين بارزوا يوم بدرٍ علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة . ([30]) .
(4) وفيهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: (لأعطينّ هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّهم يرجو أن يعطاها فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه. فأتى به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأنّ لم يكن به وجعٌ، فأعطاه الرّاية فقال عليٌّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال عليه الصلاة والسلام: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن تكون لك حمر النّعم) ([31]) .
(5) وفي (صحيح مسلم) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي الله عنه قال: (فثلاث قالهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن تكون لي واحدة منهمّ أحب إليّ من حمر النّعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وقد خلّفه في مغازيه فقال له عليٌّ رضي الله عنه: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبوة بعدي؟ وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، قال فتطاولنا لها قال ادعوا لي عليّاً، فأتي به أرمد فبصق في عينيه ودفع إليه الراية ليلة فتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ [آل عمران:61] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهمّ هؤلاء أهلي) ([32]) .
(6) وفي (صحيح مسلم) عن أبي زر قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم إليّ أن لا يحبني إلاّ مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق) ([33]) .
[المفتاح الرابع]: فضائل سيدة نساء المؤمنين الزهراء رضي الله عنها وأرضاها: مما جاء في فضل فاطمة الزهراء رضي الله عنها: (1) أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مرحباً يا ابنتي ثم أجلسها عن يمينه – أو عن شماله – ثم أسر إليها حديثاً فبكت فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فسألتها فقالت: أسر إلي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي. فبكيت. فقال أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة – أو نساء المؤمنين – فضحكت لذلك) ([34]) .
(2) أخرج الحاكم عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نزل ملك من السماء فاستأذن الله أن يسلم علي لم ينزل قبلها فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة) ([35]) .
أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت:(دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة عليها السلام في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشيء فبكت ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت فسألنا عن ذلك فقالت: سارني النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت) ([36]) .
(4) وأخرج البخاري عن المسور بن مخرمة قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها) ([37]) .
وأخرج الترمذي عن عبد الله بن الزبير: (أن علياً ذكر ابنة أبي جهل فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنها فاطمة بضعة منى يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها) ([38]) . قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه]، وأخرج البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً ودلاً، وقال الحسن: حديثاً وكلاماً – ولم يذكر الحسن السمت والهدى والدل – برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة كرم الله وجهها: كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها) ([39]) .
[المفتاح الخامس]: فضائل سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين: مما جاء في فضل الحسن والحسين رضي الله عنهما: (1) أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ([40]) .
(2) وأخرج الترمذي عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: (سألتني أمي منذ متى عهدك بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا قال: فنالت مني وسبتني. قال فقلت لها: دعيني فإني آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأصلي معه المغرب ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم انفتل فتبعته فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فاتبعته فسمع صوتي فقال: من هذا؟ فقلت حذيفة قال: مالك؟ فحدثته بالأمر فقال: غفر الله لك ولأمك، ثم قال: أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟ قال: قلت بلى قال: فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قبل هذه الليلة فاستأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها) ([41]) .
(3) أخرج البخاري عن ابن أبي نعم قال كنت شاهداً لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض فقال: (ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هما ريحانتاي من الدنيا) ([42]) .
(4) وأخرج البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأخذه والحسن ويقول: (اللهم إني أحبهما فأحبهما أو كما قال) ([43]) .
(5) وأخرج الشيخان عن البراء رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهم إني أحبه فأحبه) ([44]) . (6) أخرج أحمد والحاكم عن زهير بن الأقمر قال: بينما الحسن بن علي يخطب بعد ما قتل علي رضي الله عنه إذ قام رجل من الأزد آدم طوال فقال: (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعه في حبوته يقول من أحبني فليحبه. فليبلغ الشاهد الغائب، ولولا عزمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدثتكم) ([45]) . وأخرج البخاري عن الحسن سمع أبا بكرة: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن إلى جنبه، ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) ([46]) .
[المفتاح السادس]: فضائل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن: مما جاء في فضل أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله عزَّ وجلَّ: {يَا نِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَآءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِن ءَايَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}، فقولُه: {إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} دالٌّ على فضل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ويدل على فضلهنَّ أيضاً قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}، فقد وصفهنَّ بأنَّهنَّ أمّهات المؤمنين، فلهن على كل مسلم إضافة إلى كونهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنّ لهن حق الام على أبنائها من البر والحب والتقدير والاحترام، وأن عقوقهن كعقوق الإمهات إن لم يكن أعظم، ومما جاء في فضائل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب ولا نصب) ([47]) . ومن مناقبها ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أنها رضي الله عنها خير نساء هذه الأمة: فقد روى البخاري بإسناده إلى علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة) ([48]) . وعند مسلم بلفظ: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد) ([49]) .قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض. قال النووي عند شرحه الحديث: (أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في نسائها وأن المراد به جميع نساء الأرض أي: كل من بين السماء والأرض من النساء والأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه) ([50]) .
ومما جاء في فضل عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها: أنها المبرأة من فوق سبع سموات، نزلت براءتها في سورة النور، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النور: 11 إلى 18].
ومما يستفاد من الآيات: (1) أن حادثة الأفك كانت خيرا للمؤمنين حتى يعلموا طهارة الصديقة بنت الصديق ويكون ذلك من ضمن عقائدهم:{لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}، قال ابن كثير: (ومن خصائصها أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك، وأنزل في عذرها وبراءتها وحياً يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة) ([51]) .
(2) حصول البراءة القطعية لأم المؤمنين من الفاحشة فمن رماها بعد ذلك بالفاحشة فقد كفر بالقرآن، قال ابن العربي: (إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة، فبرأها الله، فكل من رماها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر) ([52]) .
وقال الرازي: (صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها؛ فإن الله تعالى نص على كون تلك الواقعة إفكاً وبالغ في شرحه، فكل من يشك فيه كان كافراً قطعاً وهذه درجة عالية) ([53]) .
وقال أيضا: (لولا إظهارهم للإفك؛ كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض، وعند الإظهار انكشف كذب القوم على مر الدهر… وشهد الله بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم اللعن والذم) ([54]) .
(3) الشهادة الإلهية لها بالدرجة العالية من الإيمان والعفاف، قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: 12]، يقول ابن عطية: (كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم فإذا كان ذلك يبعد فيهم، فكانوا يقضون بأنه في عائشة أبعد، وقد روي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب وامرأته وذلك أنه دخل عليها فقالت يا أبا أيوب: أسمعت ما قيل؟ قال: نعم وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب تفعلينه؟ فقالت: لا والله، قال: فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب: نعم) ([55]) .
(4) الأمر الإلهي القاضي بوجوب ظن الخير في خصوص عائشة لأنها سبب النزول ودخول سبب النزول في الآية قطعي، قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ}، وما كان هذا الواجب ليحصل لولا عظيم مرتبتها في الإيمان، فلها الأولوية رضي الله عنها في الظن الحسن، قال الألوسي: (وجوب ظن الخير بعائشة خصوصاً للقطع في دخولها بالعموم، أو على القول بأنها مرادة خصوصاً) ([56]) .
(5) عتاب أهل الإيمان لأجلها، قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ} [النور: 12]، قال الطبري: (هذا عتاب من الله تعالى ذكره أهل الإيمان به فيما وقع في أنفسهم من إرجاف من أرجف في أمر عائشة) ([57]) .
(6) الحكم الإلهي لم رماها بأنه من الكاذبين، قال تعالى: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13].
(7) لولا رحمة الله لمس الجميع بسبب هذا الافك عذاب عظيم، قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
(8) هذا الإفك عظيم عند الله، قال تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}، يقول ابن كثير: (فعظيم عند الله أن يقال في زوجة رسوله ما قيل، الله يغار لهذا، وهو سبحانه لا يقدر على زوجة نبي من أنبيائه ذلك حاشا وكلا… فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة؟! ولهذا قال: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} ([58]) .
(9) عتاب الله للمؤمنين، قال تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا}.
(10) تنزيه الله تعالى وتسبيحه وتقديسه أن يختار لنبيه إلا الطاهرة المطهرة، قال تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}.
(11) التحذير للأمة إلى قيام الساعة أن تعود لمثل ذلك أبدا إن كانت على الإيمان بالله ورسوله والقرآن الذي أنزل على رسوله، قال تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
(12) والوعيد إن عادوا لمثل ذلك، قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}، قال الطبري: (لولا أن الله تفضل عليكم… لهلكتم فيما أفضتم وعاجلتكم من الله العقوبة) ([59]) . وقال ابن عطية: (لفضحكم بذنوبكم، ولعذبكم فيما أفضتم فيه من قول الباطل والبهتان) ([60]) .
[وقال ابن الجوزي: (جوابه محذوف، تقديره: لعاقبكم فيما قلتم لعائشة) ([61]) . وقال الألوسي: (وهذا تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للتنبيه على كمال عظم الجريرة) ([62]) .(13) الشهادة لها بالإحصان والإيمان: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} ودخول عائشة رضي الله عنها في هذه الآية قطعي، إذ أنها سبب نزول الآيات، (14) الشهادة لها بالطيب: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}، ولأجل هذا قال ابن عباس يخاطب عائشة رضي الله عنها: وطيبك فقال: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ [النور: 26]، وحيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب الطيبين فتكون عائشة من أطيب الطيبات بدلالة الآية، قال الرازي: (ولا أحد أطيب ولا أطهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأزواجه إذن لا يكن إلا طيبات) ([63]) .
(15) الشهادة لها بالبراءة والنزاهة من الأدناس: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} قال ابن عطية: (وبهذه الآية قيل لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: الطيبات المبرآت) ([64]) .
(16) الشهادة لها بالجنة: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، فقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الرزق الكريم في الآية هو الجنة، قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}: (أي عند الله في جنات النعيم وفيه وعد بأن تكون زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة) ([65]) . فهي زوجة النبي في الدنيا وفي الآخرة رضي الله عنها وأرضاها، وبعد كانت تلك فوائد مستفادة من آيات سورة النور، وهي رد على أولئك الروافض الذين يتخذون من سب أم المؤمنين الطاهرة المطهرة الصديقة دينا يتعبدون به ومن يضلل الله فما له من هاد، ومما جاء في فضائل أم المؤمنين عائشة في السنة: مجيء الملك بصورتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سرقة من حرير قبل زواجها به صلى الله عليه وسلم فقد روى الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه) ([66]) .ومن مناقبها رضي الله عنها أنها كانت أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وقد صرح بمحبتها لما سئل عن أحب الناس إليها فقد روى البخاري بإسناده إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: فمن الرجال؟ قال: أبوها) ([67]) .
ومن مناقبها رضي الله عنها أن جبريل عليه السلام أرسل إليها سلامه مع النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ترى ما لا أرى تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ([68]) .
ومن مناقبها رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن يمرض في بيتها فكانت وفاته صلى الله عليه وسلم بين سحرها ونحرها في يومها وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، وأول ساعة من الآخرة، ودفن في بيتها فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: أين أنا غداً؟ حرصاً على بيت عائشة، قالت: فلما كان يومي سكن) ([69]) . وعند مسلم عنها أيضاً قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد يقول: (أين أنا اليوم أين أنا غداً؟ استبطاء ليوم عائشة قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري) ([70]) .
ومن مناقبها رضي الله عنها ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى عبد الله بن عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ([71]) .
[المفتاح السابع]: المهدي عليه السلام من آل البيت عليهم السلام: بشر النبي صلى الله عليه وسلم بخروج المهدي في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.. فتكثر الخيرات وتنزل البركات في زمنه ويفيض المال، ومن ذلك: ما رواه أحمد والترمذي وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تذهب -أو لا تنقضي- الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي)، ([72]) . وأحرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المهدي مني.. أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلا، كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين)([73]) .
وأخرج أبو داود وابن ماجة عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة) ([74]) . وأخرج ابن ماجة والإمام احمد عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة) ([75]) . وأخرج الحاكم عن أبي سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتخرج الماشية وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانيا، -يعني حججاً–) ([76]) .، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم وإمامكم منكم) ([77]) . وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة لهذه الأمة) ([78]) .
فهذه الأحاديث وغيرها كثير في حق المهدي تفيد التواتر والعلم القطعي بظهور المهدي من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وينزل في زمانه عيسى عليه السلام فيقتل الدجال ويكسر الصليب.
[المفتاح الثامن]: حب آل البيت إيمان، وبغضهم نصب ونفاق: قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، قال ابن حجر الهيتمي: (هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدأت بـ (إنما) المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة) أهـ ([79]) .
وروى البخاري في صحيحه عن كعب بن عجرة قال: (لما نزلت هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، قلنا يا رسول الله: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) [سبق تخريجه]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) ([80]) .
ففي هذا الحديث منقبة واضحة وفضيلة عالية لأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم حيث قرن الوصية بهم مع الوصية بالالتزام والتمسك بكتاب الله الذي فيه الهدى والنور، فجعلهم صلى الله عليه وسلم ثقلاً دليل واضح على عظم حقهم وارتفاع شأنهم وعلو منزلتهم، وروى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثاً أن يثبت قائمكم وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم وسألت الله فيكم أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء فلو أن رجلاً صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار) ([81]) . وأخرج الحاكم في مستدركه عن أبي ذر رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألَا إنَّ مَثلَ أهل بَيْتي فيكم مَثلُ سَفينةِ نوحٍ، مَن ركِبَها نَجا، ومَن تخَلَّفَ عنها هلَكَ) ([82]) .
[المفتاح التاسع]: الأمة الإسلامية تبرأ إلى الله من كل ناصبي يبغض أحدا من آل البيت: والنواصب: قوم يبغضون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، أو أحدا منهم أو يبغضون أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه على وجه الخصوص، جاء في لسان العرب: (النواصب قوم يتدينون ببغض علي عليه السلام) ([83]) . وقال الذهبي: من تعرض للإمام علي بذم فهو ناصبي يعزر فإن كفره فهو خارجي مارق بل سبيلنا أن نستغفر للكل ونحبهم ونكف عما شجر بينهم) ([84]) . وقال ابن حجر: (والنصب بغض علي وتقديم غيره عليه والخوارج الذين أنكروا على علي التحكيم وتبرءوا منه ومن عثمان وذريته وقاتلوهم فإن أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة منهم) ([85]) .
والنواصب فرقة ضالة ظهرت في بدايات العصر الإسلامي: كانت تبغض آل البيت أو أفرادا منهم كالإمام علي رضي الله عنه، أو الحسين رضي الله عنه، ومن سمات هؤلاء: أنهم كانوا يشككون في أفضليته، وكانوا يتهمونه بالظلم، وأنه كان طالباً للدنيا، وانّه كان طالباً للخلافة لنفسه، وأنّه قاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من الصحابة والتابعين في الجمل وصفين، ومنهم هؤلاء الفجرة من يلمح بأنّه شارك في دم عثمان، أو أنّه رضى بقتله، ومنهم من يقول أنّه لم يقاتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كافرًا ولا فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة في الجمل وصفين والنهروان يريد التنقيص منه، ومنهم من يقول أنّ الحسين رضي الله عنه خرج على إمام زمانه، وكانوا يجوزون قتله؛ ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) ([86]) .وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.
والفرق بين الخوارج والنواصب، أنّ النواصب والخوارج كليهما اشتركوا في مناصبة علي رضي الله عنه العداء، ولكن النواصب يفسقون الإمام علي رضي الله عنه، أما الخوارج لعنهم الله فيكفرون الإمام علي رضي الله عنه، وكذلك فإن النواصب يقبلون عثمان أما الخوارج فيكفرونه، وأهل الحق يحبون أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الإسلام، ويتبرؤون من طريقة الخوارج الذين يكفرون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومن طريقة النواصب الذين يفسقون آل البيت ويؤذون آل البيت بقول أو عمل، والأمة الإسلامية كذلك يتبرؤون من معتقد الروافض النواصب الذين يبغضون أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن وأرضاهن، فكل من سبهن او سب إحداهن فهو ناصبي نجس، أمّا اتهام الطاهرة المطهرة الصديقة التي طهرها القرآن الكريم من الفاحشة فهذا كفر وتكذيب للقرآن، وهم كذلك يتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وهم يمسكون عما شجر بين الصحابة اجلالا لقدرهم وحفظا لفضلهم وحفظا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم فيهم.
[المفتاح العاشر]: مُجملُ عقيدة أهل الحق في أهل البيت: أنهم توسطوا في باب آل البيت رضي الله تعالى عنهم: بين طوائف الروافض والنواصب، فالرافضة يصلون ببعض آل البيت من أحفاد سيد سباب أهل الجنة الحسين إلى درجه العصمة، وببعض آل البيت إلى الفاحشة والنفاق والفجور كإمهات المؤمنين زوجات النبي الطاهرات المطهرات، والنواصب يبغضون آل البيت ويكرهونهم، أما أهل السنّة والجماعة فهم يحبون آل البيت جميعا، ويوالونهم جميعا، ولا يرضون لما نالهم من الأذى كحال النواصب، وكذلك فإن أهل السنة والجماعة توسطوا في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه سيد آل البيت: بين طوائف الخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب، فالنواصب قالوا: بفسقه رضي الله عنه، والخوارج قالوا: بكفره رضي الله عنه، والرافضة قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أما أهل السنة والجماعة: قالوا بأنه الإمام العادل والخليفة الرابع الراشد، لا نبلغ معرفة فضائله لكثرتها ولا مناقبه لعظمها، نواليه في الله ونحبه في الله، لأن حبه علامة الإيمان ولأن بغضه علامة النفاق، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء، ويقولون أنّه يهلك فيه فريقان: أحدهما يقصر عن فضله وحقه حتى يكفره، والثاني يغالى فيه حتى يرفعه فوق منزلته ويكفّر من أجله أبا بكر وعمر وعثمان وعامة الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك فإن أهل السنة والجماعة: يوالون كل آل البيت فهم يَتوَلَّونَ أمهات المؤمنين زوجات النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم جميعاً، ويتولون كلَّ آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
***
(المبحث الثالث) عدالة الصحب الكرام وحقهم على الامة
[المفتاح الاول]: المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يُحِبُّون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأنَّ محبتهم من محبة رسول الله، ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من محبة الله، والصحابة أفضل هذه الامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم خير القرون في جميع الأمم، وهم الواسطة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أمَّته، إلى قيام الساعة، منهم وصل إلينا القرآن الكريم غضا طريا كما أُنزل، ومنهم وصلت إلينا السنّة النبوية المشرفة، ومنهم تلقَّت الأمةُ الشريعة، ارتضى الله دينهم فمكنهم في الأرض، نشروا الدين، و كانت على أيديهم الفتوحات الواسعة العظيمة، وفي الصحيحَيْن من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم : (لا تسبُّوا أصحابي؛ فلوا أنَّ أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)([87]) .
وفيهم قال الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلبَ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – خيرَ قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد – صلى الله عليه وسلم – فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيِّه، يقاتلون على دينه) ([88]) . وعن عقيدة كل مسلم صالح فيهم قال الطحاوي في عقيدته الطحاوية: (ونحبُّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرِّط في حب واحدٍ منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكُرهم، ولا نذكُرهم إلا بخير، وحبُّهم دين وإيمان وإحسان، وبُغضهم كفرٌ ونفاق وطغيان) ([89]) .
[المفتاح الثاني]: عدالة الصحابة في القرآن الكريم: أثبت القرآن الكريم فضلهم وعدالتهم، في العديد من الآيات أختار منها عشرة خوف الإطالة:
(1) قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18]، جاء في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كنا ألفا وأربعمائة) ([90]) . فهذه الآية ظاهرة الدلالة على تزكية الله لهم، والرضا من الله صفة قديمة أزلية، فلا يرضى إلا على عبد علم الله انه يموت على موجبات الرضا، فمن رضي الله عنه لا يمكن موته على الكفر أبدا، لأن العبرة بالوفاة على الإسلام. فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام، والحاصل أنّ من أخبرنا الله عز وجل أنه علم ما في قلوبهم، ورضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم أو الشك فيهم البتة أنهم من أهل الرضا والرضوان ومما يؤكد هذا ما ثبت في صحيح مسلم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها) ([91]) .
(2) وقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، فوصف الصحابة قديم لأنه جاء معظما في التوراة والإنجيل والقرآن، فعلم من ذلك حسن العاقبة والخاتمة، يتصفون بالولاء والبراء في الله {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، يتصفون بكثرة العبادة لله {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} لا غاية لهم سوى رضا الله {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا}، نوه الله تعالى بذكرهم وأثنى عليهم في الكتب المنزلة مما يدل على الرضا بحالهم {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ}، ثم قال تعالى {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ}، فكذلك كان حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه، فهو معهم كالشطء مع الزراع، لا يبغضهم إلا متهم على دينه أو كافر لا خير فيه {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}، وهذا الوصف لجميع الصحابة عليهم الرضوان.
(3) وقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8 إلى 10]، يبين الله عز وجل في هذه الآيات أحوال وصفات المستحقين للفئ، وهم ثلاثة أقسام: القسم الأول: (للفقراء المهاجرين) قال الله عنهم: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، والقسم الثاني الأنصار: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم) قال الله عنهم {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، والقسم الثالث: (والذين جاءوا من بعدهم) وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة، أن الذي يسب الصحابة ليس له من مال الفئ نصيب وذلك لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء القسم الثالث في قولهم {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} الآية، وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: الناس على ثلاث منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، قال: ثم قرأ: {للفقراء المهاجرين} إلى قوله {رضوانا} فهؤلاء المهاجرون. وهذه منزلة قد مضت {الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم} إلى قوله {ولو كان بهم خصاصة} قال هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت. ثم قرأ {والذين جاءوا من بعدهم} إلى قوله {ربنا إنك رءوف رحيم} قد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، يقول: أن تستغفروا لهم) ([92]) .
وجاء في صحيح مسلم: (قالت عائشة رضي الله عنها: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم) ([93]) . وجاء في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تَسُبُّوا أَصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أَنَّ أَحدكم أَنفق مثل أُحُدٍ ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه) ([94]) .
(4) وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]، فرضى الله عن السابقين الاولين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، فمن اتبعهم بإحسان كان جزاؤه الرضا والجنات، فدل ذلك على أن السابقين الأولين أهل إحسان نالوا الرضا والخلود في جنات النعيم {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
(5) وقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10]، فالسابقون الاولون قبل صلح الحديبية أعظم درجة من الذين جاءوا من بعدهم وجميعهم من أهل الجنة بلا ريب لقوله تعالى: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}،
(6) وقوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117]، وقد حضر في هذه الساعة من غزوة تبوك جميع من كان موجوداً من الصحابة، إلا من عذر الله من النساء والعجزة، أما الثلاثة الذين خُلفوا فقد نزلت توبتهم بعد ذلك فدل ذلك على توبة الله لجميع الأصحاب رضي الله عنهم وأرضاهم.
(7) وقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أهل الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]، فخير أمة أخرجت الناس هي أمة الإسلام وخير هذه الأمة هم الصحابة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) ([95]) . ولذلك قال أهل العلم: خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للجمع بين آية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 10]، والحديث (خير الناس قرني).
(8) وقوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}
(9) وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191].
(10) وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]، والمراد بهذه الآيات هم المخاطبون عند نزول الوحي وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين، وهذه بعض الآيات الدالة على عدالة الصحابة في القرآن الكريم ولولا الإطالة سردت أكثر من مائة آية تدل على عدالتهم وفضلهم.
[المفتاح الثالث]: أدلة عدالة الصحابة من السنة المطهرة: في أحاديث كثيرة اخترت منها عشرة: (1) الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شئ، فسبه خالد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أحداً من أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل اُحُد ذهباً ما أدرك مُد أحدِهم ولا نصِيفَه) ([96]) . والصحابة هم كما قال ابن حجر في الإصابة (وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو عنه ومن غزا معه أو لم يغز معه ومن رآه ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى) ([97]) .
فكل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم سنة أو شهراً أو يوماً أو رآه مؤمناً به، فهو من أصحابه، له من الصحبة بقدر ذلك، فإن قيل: فلِمَ نَهى خالداً عن أن يسب أصحابه إذا كان هو من أصحابه أيضاً؟ قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه من السابقين الأولين، الذين صحبوه في وقت كان خالد يعاديه فيه، وكل من جاء من المسلمين بعد ذلك إلى قيام الساعة مخاطب بالحديث في حق الصحابة رضي الله عنهم (فإن أحدكم لو أنفق مثل اُحُد ذهباً ما أدرك مُد أحدِهم ولا نصِيفَه)،
(2) الحديث الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم لعمر: (وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ([98]) . والمعنى أن أهل بدر جميعهم حازوا الرضوان الأبدي فلا يؤاخذون على معصية بعدها أبدا، والمعنى أن أعمالهم السيئة تقع مغفورة، فكأنها لم تقع، وهذا الخطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم، بل يموتون على الإسلام.
(3) والحديث الثالث: عن عمران بن الحصين رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذيم يلونهم) . قال عمران: (فلا أدري؛ أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا) ([99]) . فالصحابة هم خير أهل الإسلام بنص الحديث، ثم من بعدهم التابعين للصحابة ثم تابعي التابعين للصحابة رضي الله عنهم.
(4) والحديث الرابع: عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته). ([100]) . فخير أمة أخرجت الناس هي أمة الإسلام وخير هذه الأمة هم الصحابة ولذلك قال أهل العلم: خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للجمع بين آية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 10]، والحديث (خير أمتي قرني): والحديث (خير الناس قرني).
(5) والحديث الخامس: عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (النجوم أمَنةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يُوعَدُون، وأصحابي أمَنَةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يُوعَدُون) ([101]) . والأمنة هي الأمان فوجود احد هؤلاء الصحابة أمان للأمة جميعها.
(6) والحديث السادس: عن واثلة يرفعه: (لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأي من رآني وصاحبني) ([102]) .
(7) والحديث السابع: وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بُعث قائداً ونوراً لهم يوم القيامة) ([103]) . فالصحابة أئمة المسلمين فمن بعث فيهم في مكان فهو القائد والدليل للمسلمين في هذا المكان.
(8) والحديث الثامن: عن انس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الانصار) ([104]) .وقال في الأنصار كذلك:(لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ) ([105]) . (آية الإيمان): أي علامات كمال إيمان المسلم حب الأنصار من أجل محبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ومناصرتهم وتأييدهم له، فمن أحبهم لهذا الغرض كان ذلك علامة واضحة، ودليلاً قاطعاً على كمال إيمانه، (وآية النفاق بغض الأنصار) أي وعلامة النفاق بغض الأنصار من أجَل مناصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فمن أبغضهم لهذا السبب فهو منافق ولا شك.
(9) والحديث التاسع: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أكرموا أصحابي؛ فإنهم خياركم) ([106]) .
(10) والحديث العاشر: عن عبدالله بن مغفل المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم بعدي غرضاً فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم, ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) ([107]) .
والحديث ينهى عن سب أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، (فمن أحبهم فبحب النبي صلى الله عليه وسلم أحبهم ومن أبغضهم فببغض النبي صلى الله عليه وسلم أبغضهم, ومن آذاهم فقد آذى النبي صلى الله عليه وسلم ومن آذى النبي صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله ومن آذى الله تعالى يوشك أن يأخذه)، والأحاديث في فضائل الصحابة أكثر من ان تُحصر، وقد أفرد أصحاب الكتب الستة جميعهم أبوابا في فضائل الصحابة، وقد جمع الإمام أحمد رحمه الله في كتابه (فضائل الصحابة) مجلدين، قريبا من ألفي حديث وأثر في فضائل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، أما ثناء الصحابة على الصحابة فحدث ولا حرج، ولله در عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال وصدق فيما قال: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ) ([108]) . وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث قال وصدق فيما قال: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهدى المستقيم، والله رب الكعبة) ([109]) .وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث قال وصدق فيما قال: (إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خص نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بصحبة آثروه على الأنفس والأموال وبذلوا النفوس دونه في كل حال ووصفهم في كتابه فقال: رحماء بينهم فقاموا بمعالم الدين وناصحوا الاجتهاد للمسلمين حتى تهذبت طرقه وأسبابه وظهرت آلاء الله واستقر دينه، ووضحت أعلامه وأذل الله بهم الشرك وأزال رؤوسه ومحا دعائمه وصارت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياة أولياء وكانوا بعد الموت أحياء وكانوا لعباد الله نصحاء وصلوا إلى الآخرة قبل إن يصلوا إليها وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها) ([110]) .
وها هو سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقارناً بينهم وبين شيعته فيقول: (لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما رأيت أحداً يشبههم منكم! لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً يراوحون بين جباههم وخدودهم ويقفون على مثل الحجر من ذكر معادهم كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجوهم اذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء الثواب) ([111]) .
ويقول أيضاً في حقهم مقارناً بينهم وبين شيعته آسفاً على ذهاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه وقرءوا القرآن فأحكموه وسلبوا السيوف أغمادها وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفاً صفاً بعض هلك وبعض نجا ولا يبشرون بالأحياء و لا يُعزون عن الموتى، مره العيون من البكاء خمص البطون من الصيام ذبل الشفاه من الدعاء صفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين أولئك خواص الذاهبون فحق لنا أن نظمأ اليهم ونفض الأيدي على فراقهم) ([112]) .
[المفتاح الرابع]: (معتقد أهل السنة والجماعة في الصحابة): عدل وسط في باب الصحابة رضي الله تعالى عنهم بين كافة فرق الضلال من أهل الإسلام كالخوارج والشيعة والمعتزلة، (الخوارج) يكفرون علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون من والاه، و (الروافض) يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويكفرونهم إلا نفرا يسيرا، و (المعتزلة) يقولون بفسق بعض الصحابة دونما تحديد، إما طائفة الإمام علي رضي الله عنه، وإما طائفة الزبير وطلحة رضي الله عنهما، وإما طائفة معاوية رضي الله عنه، و (أهل السنة والجماعة)، يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا، ويؤمنون ويقرون بما أثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم , ويقولون أنّ منزلة الصحابة لا يعدلها شيء، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال، وأنّ فضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وأفضل الصحابة الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وضي الله عنهم، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة ثم أهل بدر ثم أهل بيعة الرضوان ثم من آمن قبل فتح مكة ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهم يتذكرون دائما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) ([113]) .وقول ابن عمر رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) ([114]) .
***
(المبحث الرابع) مفاتيح النظر الصحيح عند دراسة الفتنة الكبرى بين الصحابة
(تنبيه): في المبحث السابق أثبتنا عدالة الصحابة من الكتاب والسنّة واقوال العلماء، وفي هذه المبحث نذكر مفاتيح النظر الصحيح فيما حدث بين الصحابة في الفتنة زمان الإمام علي رضي الله عنه، وذلك حتى نحفظ للدين ناقليه، فنحفظ الدين بحفظ من نقلوه إلينا والله المستعان:
[المفتاح الأول]: فهم الآيات من سورة الحشر: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8 إلى 10] ففي الآية الأولى الثناء العام على المهاجرين وفي الثانية الثناء على الأنصار وكلاهما صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الآية الثالثة بيان ما يتوجب علينا تجاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين ألا وهو محبتهم والدعاء لهم، فإذا سمعنا شيء يريبهم تذكرنا قول الله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12]، فهم أحسن منا وأفضل منا ولابد وأن نظن بهم الخير وننفي عنهم الشر، قال تعالى في حق المسلمين من بعد عصر الصحابة: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، فهذا حال الصالحين ودأبهم من بعدهم وإلى قيام الساعة.
[المفتاح الثاني]: قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12]، فالصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يصح بحال الطعن على الصحابة: فإن هذا الدين جاءنا عن طريق الصحابة رضي الله عنهم، فالقرآن نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنبأ به الصحابة، فكتبوه، وحفظوه، ونقلوه إلينا والطعن فيهم طعن فيما نفلوه وبلّغوه لنا، والسنة المطهرة كذلك لم يكتبها الرسول صلى الله عليه وسلم، بل نقلها الصحابة رضي الله عنهم عنه صلى الله عليه وسلم، فالطعن في أحد هؤلاء الصحابة إنما هو طعن في الكتاب والسنة، وهل يبقى لنا من الإسلام شيء إذا طعنا في ناقلي الكتاب والسنة، وقديما قال أحد الزنادقة إنما نطعن في الصحابة حتى إذا سقط الناقل سقط المنقول، فمن طعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا على خطى المنافقين والزنادقة، ولله در الإمام أبي زرعة الرازي حيث قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة) ([115]) .
[المفتاح الثالث]: الأصل هو الإمساك عما شجر بين الصحابة من اقتتال وليس الأصل الكلام عن تلك الفتنة وتقييم حال من فيها فإن أدناهم منزلة خير من مليء الأرض من امثالنا فكيف تسول لنا انفسنا الخوض في أعراض من أختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن دعت حاجة البحث العلمي والتحقيق البحث في الفتنة وأسبابها، فلابد من التحقيق والتثبت في الروايات المذكورة حول تلك الفتن، قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]. وهذه الآية تأمر بالتثبت في الأخبار المنقولة لا سيما إن كانت تخص خير الناس بعد الأنبياء، خصوصا وأن أكثر الروايات التي تذم الصحابة وتنتقص منهم دخلها الكذب والتحريف، يرويها الكذابون المعروفون بالكذب والبهتان، مثل ابي مخنف لوط بن يحيى، وهشام بن محمد الكلبي، وأمثالهما، ممن شوه تاريخ الصحابة الأجلاء بالكذب والبهتان، فقد أثبت الله تعالى في القرآن عدالتهم وأثبت النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث عدالتهم، فنترك المقطوع بصحته ونسير خلف من نقطع بكذبه وزوره وفسقه، والقاعدة تقول: اليقين لا يزول بالشك، ونحن تيقنا ما ثبت في فضائلهم رضي الله عنهم بشهادة الله ورسوله، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا تيقنا من بطلانها، ثم إذا صحت رواية في ميزان الجرح والتعديل، وكان ظاهرها القدح، فلابد وان نلتمس لها أحسن المخارج، قال ابن أبي زيد: (والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب) ([116]) .
والحاصل: ان ما نقل عنهم وكان ظاهره القدح والذم والتنقيص فإن كان باطلا فلا يلتفت إليه وإن كان صحيحا وجب تأويله التأويل الحسن، وإن كان له وجها من الحق ووجها من الباطل لزم المسير إلى الوجه الحق، فإنهم أولى بكل حق وأبعد عن كل باطل، تحروا الصواب واجتهدوا فإن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد لا يحرمون الاجر لنياتهم.
(تنبيه): في هذا التنبيه نبين حال أولئك الذين رووا أخبار الفتنة: فإن أبرز من رووا أحاديث الفتنة ممن نشتم من رواياتهم رائحة الطعن على الصحابة رضي الله عنهم وكانوا يدسون السم في العسل: أربعة هم: أبو مخنف لوط بن يحيى، ومحمد بن عمر بن واقد الأسلمي (الواقدي)، ومحمد بن السائب الكلبي، وابنه هشام بن محمد بن السائب الكلبي، فهؤلاء الأربعة ترجع إليهم معظم روايات الفتنة المشكوك فيها والتي تطعن على الصحابة بطريق غير مباشر، وقد تخفف الإمام الطبري في تاريخه فلم يلتزم بقواعد الجرح والتعديل على أنها روايات تاريخية لا تمت إلى التشريع الإسلامي بصلة، فماذا قال علماء الجرح والتعديل في هؤلاء الأربعة؟ قال الإمام ابن حجر العسقلاني: لوط بن يحيى أبو مخنف إخباري تالف لا يوثق به، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي: شيعي محترق، أما الواقدي فهو لا يتورع بإظهار الصحابة رضي الله عنهم بمظهر المتآمرين على عثمان رضي الله عنه، وقد جرحه علماء الجرح والتعديل وحذروا الناس من الأخذ بحديثه , فقد اتهمه النسائي والشافعي بالكذب والبخاري ينص على عدم الأخذ بحديثه، يقول عنه ابن المديني: الواقدي يضع الحديث، ويقول البخاري: الواقدي متروك الحديث، ويقول معاوية بن صالح: قال لي أحمد بن حنبل: الواقدي كذاب، وقال الشافعي: كتب الواقدي كلها كذب، وقال ابن المديني: عندي عشرون ألف حديث للواقدي ما لها أصل، وإبراهيم بن يحيى كذاب، وهو عندي أحسن من الواقدي، وقال النسائي: المعروفون بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن سعيد بالشام، في حين أن الذهبي قال: استقر الإجماع على وهن الواقدي ([117]) .
وانظر إلى لفظ الإجماع في كلام الذهبي، أما محمد بن السائب الكلبي فذُكر فيه الكثير والكثير من الطعن، يقول عنه الذهبي: شيعي متروك الحديث يروي عنه ولده هشام وطائفة، ويقول عنه ابن حجر: متهم بالكذب ورمي بالرفض، وقال أحمد بن حنبل: ما ظننت أن أحداً يحدث عنه وقال الدارقطني: متروك وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة، وقال الذهبي: قال يزيد بن زريع وكان سبئيا قال أبو معاوية قال الأعمش اتق هذه السبئية فإني أدركت الناس وإنما يسمونهم الكذابين، وقال ابن حبان عنه أنه كان سبئيا من أولئك الذين يقولون إن عليا لم يمت وإنه راجع إلى الدنيا ويملؤها عدلا كما ملئت جوراً وإن رأوا سحابة قالوا أمير المؤمنين فيها، وقال الجوزجاني وغيره كذاب وقال ابن حبان مذهبه في الدين ووضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه، وأما ابنه هشام بن محمد بن السائب الكلبي، فهو متهم بالكذب أيضا، قال عنه ابن عساكر رافضي ليس بثقة وقال عنه ابن عراق متهم بالكذب، وقال عنه الدارقطني: متروك وقال عنه الذهبي لا يوثق به، وقال عنه يحيى بن معين غير ثقة وليس عن مثله يُروى الحديث، فهؤلاء الأربعة هم رواة أخبار الفتة وكلهم متهم بالكذب والوضع وليس فيهم ثقة، ومنه نعلم قيمة هذه الاخبار، لا سيما وأن غالبها ينتقص من الصحابة الأجلاء الذين وثقهم الله في كتابه والرسول في سنته، ومما يجدر الإشارة إليه أن من أهم المراجع الموثوق فيها والتي تحدثت عن أحداث الفتنة كتاب(العواصم من القواصم) لأبي بكر بن العربي، وهو من أفضل الكتب التي كُتبت للرد على من طعن في الصحابة رضي الله عنهم.
[المفتاح الرابع]: الخلاف والقتال الذي حدث بين الصحابة لم يكن على دنيا ولا جاه ولا حتى على الإمامة فلم ينازع الإمام علي رضي الله عنه أحد على الخلافة، وإنما كان الخلاف بسبب الاجتهاد في كيفية القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، أما القتال فلولا المكر والمكيدة من السبأية أتباع عبد الله بن سبأ والغوغاء من قتلة عثمان رضي الله عنه لما تقابل صحابيان بسيفيهما أبدا، وأكثر الصحابة ممن عايشوا الفتنة كانوا لا يتوقعون ان تصل الأمور إلى ما وصلت إليه من سفك الدماء، والكثير منهم كانوا ممن اعتزل الفتنة، فقد قال عبد الله بن الإمام أحمد: (حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن علية،حدثنا ايوب السختياني، عن محمد بن سيرين، قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين)، ومراسيل ابن سيرين من أصح المراسيل، فالكثير منهم اعتزل الفتنة ومن تورط فيها كان هدفه الإصلاح ولم يخطر ببالهم أن الأمور ستصل إلى ما وصلت إليه، ومن ذلك قول أم المؤمنين عائشة الصديقة الطاهرة المطهرة بنت الصديق: (إنما أريد أن يحجر بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال، ولو علمت ذلك لم اقف ذلك الموقف أبدا) ([118]) .
وهذا امير المؤمنين علي بن أبي طالب، يقول عنه الشعبي: (لما قتل طلحة ورآه علي مقتولا، جعل يمسح التراب عن وجهه، ويقول: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجدلا تحت نجوم السماء.. ثم قال: ياليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة) ([119]) . وهذا معاوية رضي الله عنه، لما جاءه نعي علي بن أبي طالب،جلس وهو يقول:(إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعل يبكي. فقالت امرأته: أنت بالأمس تقاتله، واليوم تبكيه؟!. فقال: ويحك، إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره) ([120]) .
فهذا الندم يدل على أنها كانت أمور متشابهة، فاجتهدوا، ولم يتوقعوا ان تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، ثم بعد ذلك ندموا على ما حصل، وعلى أقل الاحوال، لو كان ما حصل من بعضهم في ذلك ذنبا، فإن الله عز وجل يكفره بأسباب كثيرة، من أعظمها الحسنات الماضية من سوابقهم ومناقبهم وجهادهم، والمصائب المكفرة، والتوبة التي يبدل بها الله عز وجل السيئات حسنات، ولله در عبد الله بن عمر حيث قال:(لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام احدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) وعبد الله بن عباس حيث قال:(لا تسبوا أصحاب محمد فان الله عز وجل قد أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون) ([121]) .
[المفتاح الخامس]: أهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن الصحابي معصوم كعصمة الأنبياء، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، ثم إذا كان صدر من أحدهم ذنب فيكون إما قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بسابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الدنوب المحققة، فكيف بالأمور التي هم مجتهدون فيها: إن أصابوا فلهم اجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور، يقول الذهبي رحمه الله: (فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع بينهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة) ([122]) . ومع ذلك يجب الكف عن ذكر معايبهم ومساوئهم مطلقا، وإن دعت الضرورة إلى ذكر زلة أو خطأ صحابي، فلا بد أن يقترن بذلك منزلة هذا الصحابي من توبته أو جهاده وسابقته.
[المفتاح السادس]: لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة، يقول القرطبي في درة من كلامه عند تفسير الآية {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]: (لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة ولنهي النبي – صلى الله عليه وسلم – عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض، فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانا لم يكن بالقتل فيه شهيدا، وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيرا في الواجب عليه، لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة، فوجب حمل أمرهم على ما بيناه. ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار علي بأن قاتل الزبير في النار، وقوله: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم يقول:(بشر قاتل ابن صفية بالنار)([123]) .
إذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصيين ولا آثمين بالقتال، لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في طلحة: شهيد، ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار. وكذلك من قعد غير مخطئ في التأويل، بل صواب أراه الله الاجتهاد، وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم، والبراءة منهم وتفسيقهم، وإبطال فضائلهم وجهادهم، وعظيم غنائهم في الدين رضي الله عنهم، وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون، وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عند ما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل، إذ كانوا غير متهمين في الدين، ونسأل الله التوفيق)
[المفتاح السابع]: الحق في الفتنة كان دائما أقرب إلى الإمام علي رضي الله عنه الخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين: أما لماذا كان الحق أقرب إلى الإمام علي رضي الله عنه؟ فالإجابة: لأنه كان الخليفة الشرعي وقد بايعه الصحابة الذين كانوا بالمدينة ورفض أن تكون البيعة إلا بالمسجد وبايعه جميع أهل الحل والعقد الذين كانوا بالمدينة، وتمت له البيعة وصار الخليفة الشرعي وصارت طاعته في عنق كل مسلم على وجه الأرض آنذاك، واما القصاص لدم الخليفة عثمان رضي الله عنه فهو واجب شرعي ولكن الحفاظ على الخلافة وعلى وحدة الدولة الإسلامية أهم واوجب بكثير، فتوحيد المسلمين على خليفة واحد أهم بكثير في مقياس المصالح والمفاسد العامة من القصاص لمقتل الخليفة السابق، ثم كيف يتم القصاص منهم إلا في وجود الخليفة صاحب الرأي والحزم والقوة والبطش، ففي غياب الخليفة لن يكون قصاص بل فوضى وهرج ومرج وعصبية كما حدث عندما اقتص جيش طلحة والزبير من قتلة عثمان من أهل البصرة حيث صارت حرب قتل على أثرها ستمائة من أهل البصرة وتجيش ستة آلاف من أهل القبائل يدافعون عن البقية من قتلة عثمان ولولا تدخل الإمام علي في الوقت المناسب لكانت فتنة تأكل الأخضر واليابس من أهل الإسلام في عامة الامصار وانقلبت الفتنة إلى هرج ومرج وسفك عريض للدماء، وحينها يتسع الخرق على الراقع ويستحيل علاج الامر وتتفتت الدولة الإسلامية المترامية الأطراف وحينها يطمع فيها مبغضوها وأعداؤها من الفرس والروم والبربر وغيرهم من سائر أجناس البشر التي كانت تحيط بالخلافة الإسلامية، فكان الأولى اجتماع المسلمين خلف الخليفة صاحب الحزم والعزم وتصبح عقدة الأمور في يده ويكون هو صاحب الامر والنهي ومن ثم يقتاد القتلة إلى القصاص وقد كان هذا هو رأي الإمام علي وكان هو الخليفة وكانت طاعته واجبة في عنق كل مسلم آنذاك فحرك الجيوش لتوحد الامة، ولولا وجود القتلة في جيشه لكان الحق كله معه ولكن لوجود القتلة في جيشه واحتمائهم بقبائلهم في صفوف الجيش، سبب هذا الأمر لبسا عند أهل الجمل وأهل صفين حيث اختلط الحق ببعض الباطل فكان الحق أقرب إلى علي وكانت طائفته أدنى الطائفتين إلى الحق، وكان هناك وجه حق عند الصحابة المطالبين بدم عثمان رضي الله عنه، والناظر للوضع بإنصاف يعلم ان ما فعله الإمام علي هو عين الصواب لأنه كان حريصا على اخراج هؤلاء القتلة من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذه لهم ضرورة اضطر إليها وهم أبغض الناس إلى قلبه، وكان ينوي القصاص منهم حين تواتيه الفرصة لذلك، وفي الختام فالكل صحابة كرام والكل أكابر لهم حشمة الصُحبة ومقام السبق فلا مجال للأقزام أمثالنا ان يتكلموا في حضرة الكبار علما وفقها وسبقا وصحبة لا مجال إلا أن يتكلموا في الجميع بكل أدب والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
***
(المبحث الخامس) أحق الناس بالخلافة بعد رسول الله هو أبو بكر رضي الله عنه
(تنبيه): لا يقول جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبي بكر رضي الله عنه، بل يقولون أنّه ترك الامر شورى في المسلمين، ولكن هناك نصوص تشير إلى أحقية ابي بكر بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمها أهل الفقه في الدين، ومن ذلك:
[المفتاح الأول]: النصوص من كتاب الله عز وجل والتي أشارت إلى خلافة أبي بكر:
(1) قوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6-7]، وقد وضحت الآية من سورة النساء من هم الذين امر الله تعالى عباده بسؤاله أن يهديهم صراطهم وطريقهم فقال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، فكان اول أولئك بعد النبيين هم الصديقون والمقدم من الصديقين أبا بكر فقد كان اسمه الذي اشتهر به على زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو الصديق، وفي الحديث الذي أخرجه البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ أُحُدًا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ: (اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ) ([124]) . فهذا نص ان الصديق هو أبو بكر لان عمر وعثمان قتلا شهيدين، فإذا كان معنى الآية {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ان نطلب الهداية التي كان عليها الصديق فدلت الآية على انه رضي الله عنه أولى الناس بالإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(2) قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54] روى ابن جرير الطبري بإسناده إلى علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه)، ([125]) . وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى الحسن البصري رحمه الله أنه قال في قوله: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال: (هم الذين قاتلوا مع أبي بكر أهل الردة من العرب حتى رجعوا إلى الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ([126]) .
فدلت الآية لمن تدبرها بإنصاف على خلافة الصديق حيث حصل في خلافته ما نطقت به الآية من ارتداد الكثير من العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وجاهدهم أبو بكر رضي الله عنه حتى رجعوا إلى الإسلام.
(3) قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] ففي هذه الآية الكريمة جعل الله أبا بكر في مقابلة الصحابة أجمع حيث خاطبهم بأنهم إن لم يعينوا رسوله صلى الله عليه وسلم بالنفير معه للمقاتلة في سبيل الله فقد نصره بصاحبه أبي بكر رضي الله عنه (ثاني اثنين) ثالثهما رب العالمين وهذه الميزة الشريفة والمنزلة العظيمة اعتبرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفاته العالية التي جعلته أحق الناس بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا أفضل في الأمة المحمدية من أبي بكر الذي هو ثاني اثنين الله ثالثهما، فقد اخرج البخاري عن أَنَسٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الغَارِ فَرَأَيْتُ آثَارَ المُشْرِكِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا، قَالَ: (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) ([127]) . قال القرطبي: (قال بعض العلماء في قوله تعالى: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ ما يدل على أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأن الخليفة لا يكون أبداً إلا ثانياً وسمعت شيخنا أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق الصديق أن يقال له ثاني اثنين لقيامه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر كقيام النبي صلى الله عليه وسلم به أولا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ارتدت العرب كلها ولم يبق الإسلام إلا بالمدينة وجواثا فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين) ([128]) .
(4) قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100] جاء في تفسير الإمام فخر الدين الرازي: (ووجه دلالة الآية على أحقية الصديق بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن الهجرة فعل شاق على النفس ومخالف للطبع فمن أقدم عليه أولا صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره وكذلك السبق في النصرة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة فازوا بمنصب عظيم وإذا ثبت هذا فإن أسبق الناس إلى الهجرة أبو بكر الصديق فإنه كان في خدمة المصطفى عليه الصلاة والسلام وكان مصاحباً له في كل مسكن وموضع فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره وإذا ثبت هذا صار محكوماً عليه بأنه رضي الله عنه ورضي هو عن الله وذلك في أعلى الدرجات من الفضل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماماً حقاً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعلى صحة إمامتهما) ([129]) .
(5) قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55]، وهذا الوعد بالاستخلاف والتمكين أظهر ما يكون في خلافة الصديق رضي الله عنه، قال الحافظ ابن كثير: (وقال بعض السلف خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حق في كتاب الله ثم تلا هذه الآية) ([130]) .
(6) قوله تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 16]، قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وقد دل الله على إمامة أبي بكر في (سورة براءة) فقال للقاعدين عن نصرة نبيه عليه السلام والمتخلفين عن الخروج معه {فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة: 83] وقال في سورة أخرى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} [الفتح: 15] يعني قوله:{لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا} ثم قال: {كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [الفتح: 15] -يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم {كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 16] والداعي لهم إلى ذلك غير النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله –عز وجل- له {فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا} وقال في سورة الفتح: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} فمنعهم عن الخروج مع نبيه عليه السلام وجعل خروجهم معه تبديلا لكلامه فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم)، وقد قال مجاهد في قوله: أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ: هم فارس والروم وبه قال الحسن البصري. وقال عطاء: هم فارس، وهو أحد قولي ابن عباس رضي الله عنه، وفي رواية أخرى عنه أنهم بنو حنيفة يوم اليمامة فإن كانوا أهل اليمامة فقد قوتلوا في أيام أبي بكر، وهو الداعي إلى قتال مسيلمة وبني حنيفة من أهل اليمامة، وإن كانوا أهل فارس والروم، فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر كما وجبت إمامة عمر لأنه العاقد له الإمامة فقد دل القرآن على إمامة الصديق والفاروق رضي الله عنهما، وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب أنه أفضل المسلمين رضي الله عنه) ([131]) .
(7) قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8]، وجه دلالة هذه الآية على خلافته رضي الله عنه أن الله –جل وعلا- سماهم (صادقين) ومن شهد له الرب –جل وعلا- بالصدق فإنه لا يقع في الكذب ولا يتخذه خلقاً بحال وقد أطبق هؤلاء الموصوفون بالصدق على تسمية الصديق رضي الله عنه (خليفة رسول الله) صلى الله عليه وسلم ومن هنا كانت الآية دالة على ثبوت خلافته رضي الله عنه
[المفتاح الثاني]: النصوص من سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي أشارت إلى خلافة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه:
(1) ما رواه الشيخان في (صحيحيهما) عن جبيربن مطعم قال:(أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك –كأنها تقول الموت- قال صلى الله عليه وسلم: إن لم تجديني فأتي أبا بكر) ([132]) . اشتمل هذا الحديث على إشارة واضحة في أن الذي يخلفه على الأمة هو أبو بكر رضي الله عنه، قال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث أن مواعيد النبي صلى الله عليه وسلم كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس) ([133]) .
(2) وروى مسلم رحمه الله بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: (سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر. فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا) ([134]) .
قال النووي: (هذا دليل لأهل السنة في تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة وفيه دلالة لأهل السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من النبي صلى الله عليه وسلم على خلافته صريحاً بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أولا ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا إليه لكن تنازعوا أولا ولم يكن هناك نص ثم اتفقوا على أبي بكر واستقر الأمر وأما ما تدعيه الشيعة من النص على علي والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين والاتفاق على بطلان دعواهم من زمن علي وأول من كذبهم علي رضي الله عنه بقوله: (ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة) الحديث، ولو كان عنده نص لذكره ولم ينقل أنه ذكره في يوم من الأيام ولا أن أحداً ذكره له والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم.. (للمرأة حين قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك قال: فإن لم تجديني فأتي أبا بكر) فليس فيه نص على خلافته وأمر بها بل هو إخبار بالغيب الذي أعلمه الله تعالى به والله أعلم ([135])
(3) وروى الإمام أحمد وغيره عن حذيفة قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوساً فقال: (إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر وتمسكوا بعهد عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه) ([136]) . فقوله صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي) أي: (بالخليفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبو بكر وعمر. وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة) ([137]) .
(4) وروى الشيخان في(صحيحيهما) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني فنزع دلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر له فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر) ([138]) . هذا الحديث فيه إشارة ظاهرة إلى خلافة أبي بكر وعمر وصحة ولايتهما وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها، قال الشافعي رحمه الله تعالى: (رؤيا الأنبياء وحي وقوله: (وفي نزعه ضعف) قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته) ([139]) .
(5) وروى الشيخان في (صحيحيهما) من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: (ادعي لي أبا بكر، وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) ([140]) . دل هذا الحديث دلالة ظاهرة على فضل الصديق رضي الله عنه حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره رضي الله عنه.
(6) وروى البخاري من حديث طويل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر) ([141]) . وفي لفظ آخر للشيخين: (لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر) ([142]) . فأمره صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب جميعها إلا باب أبي بكر فيه إشارة قوية إلى أنه أول من يلي أمر الأمة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام. قال الحافظ ابن حجر: (قوله إلا باب أبي بكر) هو استثناء مفرغ والمعنى لا تبقوا باباً غير مسدود إلا باب أبي بكر فاتركوه بغير سد قال الخطابي وابن بطال وغيرهما: (في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة ولاسيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي أمرهم فيه لا يؤمهم إلا أبو بكر وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة والأمر بالسد كناية عن طلبها كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر فإنه لا حرج عليه في طلبها وإلى هذا جنح ابن حبان فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا الحديث دليل على أنه الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه حسم بقوله سدوا عنى كل خوخة في المسجد أطماع الناس كلهم على أن يكونوا خلفاء بعده) ([143]) .
(7) وروى الشيخان في (صحيحيهما) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة: إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فعادت فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم) ([144]) .
(8) وفي رواية أخرى عند الشيخين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: مروا أبا بكر يصلي بالناس قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس فقالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس ففعلت حفصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيراً) ([145]) .
(9) وروى مسلم في (صحيحه) بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله قال:(دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: بلى ثقل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصلى الناس قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله فقال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلى الناس فقلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس فقال أبو بكر، وكان رجلا رقيقاً: يا عمر صل بالناس قال: فقال: عمر أنت أحق بذلك قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتأخر وقال لهما: أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئاً غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت: لا قال: هو علي) ([146]) . هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة منها: (فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر رضي الله عنه لأن أبا بكر لم يعدل إلى غيره) ([147]) .
(10) وروى الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه (أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من الفرح بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج للصلاة فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرخى الستر قال: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك) ([148]) .
(11) وروى البخاري بإسناده إلى أنس رضي الله عنه قال: (لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي صلى الله عليه وسلم ما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين وضح لنا فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى النبي صلى الله عليه وسلم الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات) ([149]) . فهذه الأحاديث التي فيها تقديم الصديق رضي الله عنه في الصلاة على اختلاف رواياتها واضحة الدلالة على أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الصحابة على الإطلاق وأحقهم بالخلافة وأولاهم بالإمامة وقد فهم هذه الدلالة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(12) فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير قال: فأتاهم عمر رضي الله عنه فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر رضي الله عنه فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر) ([150]) .
(13) وروى ابن سعد بإسناده إلى الحسن قال: قال علي: (لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فقدمنا أبا بكر) ([151]) . قال الحافظ أبو بكر البيهقي بعد أن ساق الأحاديث التي فيها تقديم أبي بكر الصديق في الصلاة: (فهذه الأخبار وما في معناها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن يكون الخليفة من بعده أبو بكر الصديق فنبه أمته بما ذكر من فضيلته وسابقته وحسن أثره، ثم بما أمرهم به من الصلاة خلفه، ثم الاقتداء به وبعمر بن الخطاب رضي الله عنهما على ذلك وإنما لم ينص عليه نصاً لا يحتمل غيره والله أعلم لأنه علم بإعلام الله إياه أن المسلمين يجتمعون عليه وأن خلافته تنعقد بإجماعهم على بيعته) اهـ ([152]) .
[المفتاح الثالث]: [هل خلافة أبي بكر ثبتت بالنص أم بالإشارة]: لأهل السنة والجماعة قولان في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه من حيث الإشارة بالنص الخفي أو الجلي.
(القول الأول): أن خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثابتة بالنص الجلي والإشارة وهذا القول ينسب إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل الحديث ([153]) . وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل ([154]) .
واستدل أصحاب هذا القول بتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة وبأمره صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب إلا باب أبي بكر وقد تقدمت هذه الأحاديث.
و(القول الثاني): أنّ خلافة أبي بكر رضي الله عنه ثابتة بالنص الجلي وهذا قول طائفة من أهل الحديث ([155]) .
واستدل هذا الفريق بحديث المرأة التي قال لها: (إن لم تجديني فأتي أبا بكر) . ([156]) . وبقوله لعائشة رضي الله عنها: (ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) ([157]) . وحديث «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ أَنِّي عَلَى حَوْضٍ صأَسْقِي النَّاسَ، فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدِي لِيُرِيحَنِي، فَنَزَعَ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ، فَأَتَى ابْنُ الْخَطَّابِ فَأَخَذَ مِنْهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَنْزِعُ حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ، وَالْحَوْضُ يَتَفَجَّرُ.» ([158]) .
و(القول الراجح) هو القول الأول، وذلك لأنّ القول بأنها قد ثبتت بالنص الجلي قد يصعب الاستدلال عليه، لأن أقواله – صلى الله عليه وسلم – وأفعاله التي يستدل بها على أن خلافة أبي بكر ثابتة بالنص لا تفيد هذا إفادة صريحة، فتقديم الرسول – صلى الله عليه وسلم – أبا بكر للصلاة بالناس ليس نصًا جليا على خلافته وإنما هو إرشاد للأمة إلى أن أبا بكر أولى بأن ينوب عن الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وكذلك أحاديث سد الأبواب إلا باب أبي بكر ففيه إشارة إلى فضله وتميزه عن غيره لا أكثر، أما الأحاديث الدالة على أنه أراد أن يكتب عهدًا ثم تركه فقد ترك ذلك لعلمه بأن المؤمنين سيختارونه من دون عهد منه – صلى الله عليه وسلم – فدل على أنه ليس هناك عهد، وكذلك حديث المرأة السائلة، ومبعوث بني المصطلق. ففيه: إخبار بأن الذي سيكون واليًا هو أبو بكر، فلتأته المرأة وتسأله، وليدفع بنوا المصطلق إليه زكاتهم. وكذلك حديث الأمر بالاقتداء ليس نصًا في الخلافة، فهذه الأحاديث التي يظن البعض أنها تفيد النص على إمامة أبي بكر رضي الله تعالى عنه إنما تدل على علم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن طريق الوحي بأن المسلمين سيجتمعون على خلافة أبي بكر لمزاياه التي لا يضارعه فيها أحد كما تدل إلى رضا الله ورسوله بذلك دون غيره، وهذا هو الذي فهمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم منها.
يدل على ذلك ما يلي: (أ) اجتماع السقيفة: حيث لما توفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للمسلمين ([159]) . فلو كان هناك نص ما اجتمعوا لذلك ولبايعوا المعهود إليه مباشرة وهم أحرص الناس على اتباع رسول الله – صلى الله عليه وسلم.
(ب) كما يدل على ذلك أيضًا أخذ أبي بكر رضي الله تعالى عنه بيدي عمر وأبي عبيدة بن الجراح وقوله: (قد اخترت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم) ([160]) .فلو كان هناك عهد له لم يجز له أن يختار، ولا يعقل أن لا يعلم هو بذلك وهو المعهود له.
(ت) ومنها قول عمر رضي الله تعالى عنه حينما طلب منه أن يختار خليفة للمسلمين بعده فقال: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني – يعني أبا بكر – وأن أترك فقد ترك من هو خير مني – يعني الرسول – صلى الله عليه وسلم) ([161]) .وهذا نص في المسألة بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يستخلف أحدًا بعده، (ث) ومما يدل على ذلك أيضًا قول عائشة رضي الله تعالى عنها حينما سئلت من كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مستخلفًا لو استخلف؟ فقالت: أبو بكر، قيل ثم من؟ قالت: عمر، قيل ثم من؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ([162]) . فقول السائل: (لو استخلف) دال على أنه لم يستخلف، والسؤال عما لو كان مستخلفًا فمن سيستخلف؟
(ج) ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (مات رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يوص ([163]) . فهذا دليل صريح في المسألة على أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يوص بالخلافة لا لأبي بكر، ولا لعلي رضي الله عنها، ولا لغيرهما.
(ح) ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده إلى علي رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله من تؤمر بعدك؟ قال: (إن تؤمروا أبا بكر تجده أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًا أميًنا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليًا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديًا مهديًا يأخذ بكم الطريق المستقيم) ([164]) . فقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: (إن تؤمروا) دليل على أنه لم يؤمر أحدًا، وإنما وكل ذلك إلى المسلمين ثم استعرض – صلى الله عليه وسلم – بعض أفاضل الصحابة مبتدئًا بأبي بكر وبين ما في كل واحد منهم من الخصال الحميدة المميزة له، وعلى ذلك فالتحقيق العلمي للمسألة يدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهداً ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك، ولو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بياناً قاطعاً للعذر ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: (وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر) ([165]) .
والخلاصة: أنّ خلافة الصديق رضي الله عنه دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختياراً استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله له رضي الله عنه، وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله وعند رسوله وعند المسلمين، فصارت ثابتة ثبوتا لا ينازع فيه إلا اعمى البصيرة والفؤاد.
[المفتاح الرابع]: [انعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر رضي الله عنه]: لقد أجمع أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه لفضله وسابقته ولتقديم النبي صلى الله عليه وسلم إياه في الصلوات على جميع الصحابة وقد فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مراد المصطفى عليه الصلاة والسلام من تقديمه في الصلاة فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد ولم يكن الله عز وجل ليجمعهم على ضلالة فبايعوه طائعين وكانوا لأوامره ممتثلين ولم يعارض منهم أحد في تقديمه وما يزعمه الشيعة من أن علياً تخلف عن بيعته فقد ثبتت بيعته في البيعة العامة التي كانت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني من بيعة السقيفة ومن زعم أن الإمام علي رضي الله عنه بايعا ظاهراً وخالف باطناً فقد قال فيه أقبح القول، فهو رضي الله عنه أجل قدراً وأكبر محلا من هذا، وقد نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أولى بالخلافة من كل أحد جماعة من أهل العلم المعتبرين، فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى أبي محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ أنه قال: (أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: يا خليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة، وقيل: إنه قبض النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثين ألف مسلم كل قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله ورضوا به من بعده رضي الله عنهم) ([166]) .
وقال الإمام أبو الحسن الأشعري: (أثنى الله – عز وجل – على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال عز وجل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} الآية [الفتح: 18] قد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وسموه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة وغير ذلك) ([167])
وقال أيضاً: (بعد أن ذكر آيات القرآن الكريم استدل بها على خلافة أبي بكر: “ومما يدل على إمامة الصديق رضي الله عنه أن المسلمين جميعاً تابعوه وانقادوا لإمامته… ثم رأينا علياً والعباس قد بايعاه وأجمعا على إمامته فوجب أن يكون إماماً بعد النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين، ولا يجوز لقائل أن يقول كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع المسلمين وهذا يسقط حجية الإجماع لأن الله – عز وجل – لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس وإنما تعبدنا بظاهرها وإذا كان ذلك كذلك فقد حصل الإجماع والاتفاق على إمامة أبي بكر الصديق) ([168]) . وقال أبو بكر الباقلاني في معرض ذكره للإجماع على خلافة الصديق رضي الله عنه: (وكان رضي الله عنه مفروض الطاعة لإجماع المسلمين على طاعته وإمامته وانقيادهم له حتى قال أمير المؤمنين علي عليه السلام مجيباً لقوله رضي الله عنه لما قال: أقيلوني فلست بخيركم، فقال: لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ألا نرضاك لدنيانا يعني بذلك حين قدمه للإمامة في الصلاة مع حضوره واستنابته في إمارة الحج فأمرك علينا وكان رضي الله عنه أفضل الأمة وأرجحهم إيماناً وأكملهم فهماً وأوفرهم علماً) ([169]) .
وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بعد ذكره روايات عدة في مبايعة الصحابة جميعاً بالخلافة لأبي بكر رضي الله عنه (وقد صح بما ذكرنا اجتماعهم على مبايعته مع علي بن أبي طالب فلا يجوز لقائل أن يقول: كان باطن علي أو غيره بخلاف ظاهره فكان علي أكبر محلا وأجل قدراً من أن يقدم على هذا الأمر العظيم بغير حق أو يظهر للناس خلاف ما في ضميره ولو جاز هذا في اجتماعهم على خلافة أبي بكر لم يصح إجماع قط والإجماع أحد حجج الشريعة ولا يجوز تعطيله بالتوهم والذي روى أن علياً لم يبايع أبا بكر ستة أشهر ليس من قول عائشة إنما هو من قول الزهري فأدرجه بعض الرواة في الحديث عن عائشة في قصة فاطمة رضي الله عنهم وحفظه معمر بن راشد فرواه مفصلا وجعله من قول الزهري منقطعاً من الحديث وقد روينا في الحديث الموصول عن أبي سعيد الخدري ومن تابعه من المغازي أن علياً بايعه في بيعة العامة بعد البيعة التي جرت في السقيفة ويحتمل أن علياً بايعه بيعة العامة كما روينا في حديث أبي سعيد الخدري وغيره، ثم شجر بين فاطمة وأبي بكر كلام بسبب الميراث إذ لم تسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب الميراث ما سمعه أبو بكر وغيره فكانت معذورة فيما طلبته وكان أبو بكر معذوراً فيما منع فتخلف علي عن حضور أبي بكر حتى توفيت، ثم كان منه تجديد البيعة والقيام بواجباتها كما قال الزهري ولا يجوز أن يكون قعود علي في بيته على وجه الكراهية لإمارته ففي رواية الزهري أنه بايعه بعد وعظم حقه ولو كان الأمر على غير ما قلنا لكانت بيعته آخراً خطأ، ومن زعم أن علياً بايعه ظاهراً وخالفه باطناً فقد أساء الثناء على علي، وقال فيه أقبح القول وقد قال علي في إمارته وهو على المنبر: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم قالوا: بلى قال: أبو بكر ثم عمر ونحن نزعم أن علياً كان لا يفعل إلا ما هو حق ولا يقول إلا ما هو صدق وقد فعل في مبايعة أبي بكر ومؤازرة عمر ما يليق بفضله وعلمه وسابقته وحسن عقيدته وجميل نيته في أداء النصح للراعي والرعية… فلا معنى لقول من قال بخلاف ما قال وفعل وقد دخل أبو بكر الصديق على فاطمة في مرض موتها وترضاها حتى رضيت عنه فلا طائل لسخط غيرهما ممن يدعي موالاة أهل البيت ثم يطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهجن من يواليه ويرميه بالعجز والضعف واختلاف السر والعلانية في القول والفعل وبالله العصمة والتوفيق) ([170]) .
وقال عبد الملك الجويني: (أما إمامة أبي بكر رضي الله عنه فقد ثبتت بإجماع الصحابة فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والانقياد لحكمه… وما تخرص به الروافض من إبداء علي شراساً وشماساً في عقد البيعة له كذب صريح، نعم لم يكن –رضي الله عنه- في السقيفة وكان مستخلياً بنفسه قد استفزه الحزن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دخل فيما دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد) ([171]) .
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وهو – أي أبو بكر- أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لفضله وسابقته وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضوان الله عليهم، وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على تقديمه ومتابعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة) ([172]) .
وقال أبو عبد الله القرطبي: (وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش) ([173]) .
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (قد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على بيعة الصديق حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما) ([174]) .
(وبعد): فهذه النقول للإجماع عمن تقدم ذكره من الأئمة كلها وضحت أن أهل السنة والجماعة أجمعوا على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه هو الأحق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لإجماع الصحابة على إمامته وانقيادهم له جميعاً وإطباقهم على مخاطبتهم له بالخلافة فقالوا بأجمعهم: يا خليفة رسول الله، وما حصل عليه الإجماع لا يكون إلا حقاً فهذا سبيل المؤمنين أهل السنة والجماعة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتبع سبيلا غير سبيل المؤمنين، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]،
***
(المبحث السادس) لا يوجد نص بالخلافة على الإمام علي رضي الله عنه
[المفتاح الأول]: الأدلة النقلية على عدم وجود النص على خلافة الإمام علي: يزعم الشيعة عامة و(الإمامية) خاصة أن هناك نص على إمامة الإمام علي، وتزعم (الإمامية) بوجود النص على أحد عشر إماما من ذريته من بعده، وجعلوا هذا النص هو أساس المذهب وعليه بنوا ارتداد الصحابة الذين أنكروا هذا النص وعلى أساس هذا النص حكموا بردة وكفر كل من لم يكن اثني عشريا ونحن من حقنا ان نتساءل: أين هذا النص من القرآن الكريم لأنه مرجع كل المسلمين وقد تكفل الله بحفظه قائلا: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، فأين النص الصريح من القرآن الذي يدل على أنّ الإمام علي هو الوصي بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين النص الصريح من القرآن الذي يدل على الأئمة الاحد عشر، من بعده، وهو ماسبق بيانه وتوضيحه في الفصل الثاني مفاتيح ادلة الامامية علي مذهبهم الباطل.
[المفتاح الثاني]: استدلالهم على الإمامة بقوله تعالى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] قالت (الإمامية): ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في علي عليه السلام حيث كان يصلي فجاءه سائل يسأله وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه فأنزل الله تعالى في حقه هذه الآيات، و (إنما) هنا للحصر، فدل على أن الولاية قاصرة لعلي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد سبق الرد علي ذلك في الفصل الثاني مفاتيح أدلة الإمامية على مذهبهم الباطل من متشابهات القرآن والرد عليها [المفتاح الثاني]: استدلالهم على الإمامة بقوله تعالى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)
[المفتاح الثالث]: استدلالهم على الإمامة بقوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، وحديث الترمذي: (لمَّا نزلت هذِهِ الآيةُ على النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا في بيتِ أمِّ سلمةَ فدعا فاطمةَ وحَسنًا وحُسينًا فجلَّلَهم بِكساءٍ وعليٌّ خلفَ ظَهرِهِ فجلَّلَهُ بِكساءٍ ثمَّ قالَ اللَّهمَّ هؤلاءِ أهل بيتي فأذْهِب عنْهمُ الرِّجسَ وطَهِّرْهم تطْهيرًا قالت أمُّ سلمةَ وأنا معَهُم يا نبيَّ اللَّهِ قالَ أنتِ على مَكانِكِ وأنتِ على خيرٍ) ([175]) . تقول (الإمامية): قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}، ودل حديث الكساء على أن المقصود بأهل البيت هم ” علي وفاطمة والحسن والحسين ” فالآية تدل على أن الله تعالى قد أذهب الرجس عن أهل بيت النبوة عليهم السلام، والحديث يدل على أن أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين، وما دام الله أذهب عنهم الرجس، فهم لا شك معصومون، وإذا كانوا معصومين فهم أولى بالخلافة من غيرهم، لكونهم معصومين وغيرهم غير معصوم.
وقد سبق الرد علي ذلك في الفصل الثاني مفاتيح أدلة الإمامية على مذهبهم الباطل من متشابهات القرآن والرد عليها [المفتاح الثالث]: استدلالهم على الإمامة بقوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).
الدليل العقلي الأول على عدم وجود النص المزعوم: هل يعقل وجود النص وقد اجتمع الأنصار والمهاجرون في السقيفة الأنصار اجتمعوا لاختيار أمير من بينهم والمهاجرون يقولون تحن الامراء وانتم الوزراء ويقول أحد الأنصار منا امير ومنكم أمير فهل يعقل أن هؤلاء وهم أساس الإسلام آنذاك وقد سمعوا من النبي النص على إمامة علي رضي الله عنه أن يكتموا هذه الوصية ولا يتكلم بها أحد، عن هذا لمن اكبر الأدلة على عدم وجود النص أساسا، الداني والقاصي بعلم اختلاف الصحابة فيمن أحق بالخلافة، وأن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، ورشحوا سعد بن عبادة الأنصاري ليكون الخليفة، ثم عادوا عن دعواهم عندما استدل عليهم أبو بكر بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الأئمة من قريش)، واستقر الامر آنذاك على مبايعة الصديق.
ينظر باقي الأدلة العقلية في مبحث الأدلة على استحالة صحة مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية (المفتاح الأول).
وبعدهذه الأدلة النقلية والعقلية يمكنني أن أقول – بكل يقين – أنه لم يكن هناك نص أبدا وإلا لظهر في تلك الآونه حيث شدة الاحتياج له، ولكن الذي حدث أنه بعدما وقعت الفتنة التي أدت إلى مقتل ذي النورين قال المحقون من شيعة علي وهم آنذاك أهل السنة بأحقيته علي رضي الله عنه بالإمارة دون معاوية، وبدأ الانحراف شيئا فشيئا عندما ادعى أوائل هؤلاء بتقديمه على من سبقه من الخلفاء، ثم اخترعوا مسألة (النص) ولم تكن، ثم زاد الانحراف عندما رتبوا على وجود النص أن من سبقه إنما كان مغتصبًا للخلافة، ثم أفضى بهم هذا القول إلى الاعتقاد بردة الصحابة رضوان الله عليهم وكفر من تولاهم، ومن ثم القول بتحريف القرآن، وآل بهم الأمر إلى تكفير كافة المسلمين إلا من كان على معتقدهم الضال، ومن ثم اخترع كذابوهم احاديث تؤيد هذا المذهب وتدعمه ونسبوها إلى أئمة آل البيت وهم منها براء، ومن ذلك ما نسبوه إلى الإمام محمد الباقر: أنه قال: (بني الإسلام على خمس: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، والولاية لنا أهل البيت، فجعل في أربع منها رخصة ولم يجعل في الولاية رخصة) ([176]) . ونسبوا إلى الصادق قولـه: (إن أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله عن الصلوات المفروضات، وعن الزكاة المفروضة، وعن الصيام المفروض، وعن الحج المفروض، وعن ولايتنا أهل البيت، فإن أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله منه شيئًا من أعماله) ([177]) . ونسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (التاركون ولاية علي خارجون عن الإسلام) ([178]) . وإلى الصادق قولـه: (الجاحد لولاية علي كعابد وثن) ([179]) .
لقد جعلوا (الإمامة) أهم من الصلاة والزكاة والصيام والحج، فأين نصوص الإمامة في القرآن، وقد امتلأ القرآن بالصلاة والزكاة والحج والصيام، ولماذا لم تشتهر من سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الزمان الأول، وأين تلك النصوص الدامغات زمان خلافة الإمام علي ولماذا لم تذكر ولم تشتهر ولم يفض بها الخلاف حتى بين الشيعة أنفسهم حتى افترقوا إلى قريب من ثلاثمائة فرقة كل فرقة تكفر أختها، و (التساؤل الضروري) إذا كان الأئمة اثنا عشر إمامًا لا ينقصون ولا يزيدون، وهم معينون من قبل الله ويعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلماذا لم تشتهر هذه الروايات في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولا في زمان علي رضي الله عنه أيام خلافته ولماذا لم يستدل بها الحسن والحسين رضي الله عنهما ولماذا لم يخبروا بها احد في أزمانهم ولماذا تركوا الحق الإلهي يضيع، تساؤلات عديدة لا جواب لها، اللهم إلا أن تكون مكذوبة في أزمان متأخرة وفي غفلة من التاريخ، ولولا انها مكذوبة لما اختلف الشيعة أنفسهم بعد موت كل إمام من الذي يخلفه، قريب من ثلاثمائة فرقة حتى زمان النوبختي، ويصدق فبهم قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]،.
(المبحث السابع) الخط العام هم أهل السواد الأعظم أهل السنّة والجماعة والفرق إنما تتحزب على أصل باطل
منذ فجر الإسلام والخط العام لأهل الإسلام هم سوادهم الأعظم وهم أهل السنّة والجماعة، يتحزبون على الكتاب والسنة والإجماع، هم أهل القرآن وخاصته،، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ القرآن غضا طريا كما أُنزل، فأسسوا مدرسة القرآن، وتتلمذ على أيديهم نوابغ القراء من التابعين، وكان من بركتها ظهور القراءات المتواترة المعروفة، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة التي تنتسب إلى قراء أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة هم أهل الحديث وخاصته، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة ومعرفة السنّة، وهم أهل الإجماع، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي بعد الكتاب والسنة، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين، هم أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع.
وأهل السنّة والجماعة هم أهل التخصص العلمي الإسلامي، فلم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنة والجماعة، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان، فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية السنّية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي، وبهذا التخصص العلمي الرصين: صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وأهل السنّة والجماعة هم الخط العام الوسط تطبيقا لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض.
ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون راية النجاة سوى راية أهل السنّة والجماعة، أهل التوسط والاعتدال، وأهل السنّة والجماعة هم الخط العام الذي ينطبق عليه أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، فقد جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، قال صلى الله عليه وسلم: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) وقال صلى الله عليه وسلم: (وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) لقد تمايزت الجماعة الأم بمسمى (أهل السنة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال، وأهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ” إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم “، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنة والجماعة)، لقد اجتمعوا على الكتاب والسنة فهم أهل الكتاب والسنة ولقد اجتمعوا على محبة الصحب والآل فهم وحدهم من يترضى على جميع الصحب والآل، ولقد اجتمعوا على الخلفاء الراشدين الأربعة وهم وحدهم اتباع الخلفاءء الراشدين الأربعة يترضون على الجميع، اجتمعوا على أبي بكر الصديق خليفة ثم عمر الفاروق ثم ذي النورين عثمان ثم أبي السبطين علي.
وفي زمان الفتنة ظل الإمام علي رضي الله عنه يجاهد من اجل توحيد كلمة المسلمين والحفاظ على الخلافة الواحدة حتى مرقت أولى الفرق الضالة وهي الخوارج خرجوا عن خط الجماعة وكفروا الإمام علي بزعم أنه قبل بالتحكيم وانه لا حكم إلا لله، فاستحلوا دمه ودم أصحابه فقاتلهم في النهروان وقضى على أكثرهم ولكن تمكن أحدهم من ضربه بخنجر مسموم وهو ينادي في الناس لصلاة الفجر، فطالبه المسلمون ان يستخلف فأبى فاختار الناس ابنه الحسن بن علي رضي الله عنه سيد شباب أهل الجنة فكان له رأي آخر يجمع به المسلمين على راية واحدة فتنازل عن الخلافة لمعاوية على ان تتوحد الامة وتسقط الدماء المطلوبة وتحققت به بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي موسى، قال: سمعت الحسن (البصري) يقول: سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر – والحسن بن علي إلى جنبه -، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) [سبق تخريجه]، فهذا الحسن رضي الله عنه وأرضاه ترك الخلافة لا عن جبن ولا عن قلة ولا عن ذلة بل لمراعاة أمر الدين ومصلحة المسلمين وحقن دمائهم ولرغبته فيما عند الله، فكان سيدا أصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وسمي هذا العام عام الجماعة.
وفي مقابل الخوارج ظهر الروافض من شيعة الإمام علي، ولكن الروافض هم كل من قدم الإمام علي على أبي بكر وعمر تقديم تنقيص لهما أو اتهام لهما بأنهما استبدا بالامر وظلما علي واخذا حقه وكيف ذلك وقد أجمع صحابة النبي رضي الله عنهم على البيعة لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن خالف في ذلك فقد أزرى بكل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم العدول بشهادة القرآن والحديث، وكعادة الضلال يبدأ طفيفا ثم يزداد انحرافا فقد تكونت مذاهب ضالة بعيدة كل البعد عن هدي الجماعة الأم (أهل السنة والجماعة) فالروافض يبغضون الصحابة على زعم انهم ظلموا آل البيت حقوقهم وظهر في المقابل تيار آخر يبغض آل البيت وهم النواصب، لقد كان الخط العام للجماعة الأم (أهل السنة والجماعة) الترضي عن الصحب كافة والآل كافة فالصحب هم حملة القرآن والدين والسنة إلينا وهم الذين حكم القرآن والحديث بعدالتهم، والآل هم الاطهار المطهرون ذرية النبي صلى الله عليه وسلم وأهل وصيته وهم الثقل الثاني للأمة على مر العصور بعد القرآن، فالجماعة الام تترضى عن الجميع، ولكن الخوارج يكفرون كل المسلمين إلا انفسهم والنواصب يبغضون آل البيت خاصة والروافض يبغضون الصحابة خاصة، ولم يطل الزمان حتى ظهرت القدرية وفي مقابلها الجهمية الجبرية وكلاهما خط جانبي عن الخط الأساس جماعة المسلمين الام (أهل السنة والجماعة)، وعلى النقيض من الخوارج ظهر المرجئة كرد فعل لتكفيرهم وغلوهم فأخرجوا الأعمال عن الإيمان وجعلوه إيمان العصاة كإيمان الملائكة وفتحوا بابا عريضا أيضا نحو الانحلال والاستهانة بالمعاصي والذنوب.
وظهرت فرقتان متناقضتان كلاهما خبيث الطوية، وهما (المعتزلة) و (المجسمة)، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، فتحكموا في نصوص الشرع بأهوائهم، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، واستدلوا بالضعيف والموضوع، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف جماعة المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة مدارس عقدية بها اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وقامت بالتأصيل لعقائد الكتاب والسنة واجتهدت في تطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وأكرم الله تعالى الأمة بعلماء تلك المدارس الأجلاء، الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، وأول تلك المدارس، وهي المدرسة (الأثرية)، وعليها الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة الثانية هي المدرسة (الأشعرية)، وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة الثالثة هي المدرسة (الماتريدية)، وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وبمرور الأزمان توالت ظهور بقية الفرق الضالة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستبلغ اثنتين وسبعين فرقة.
وظل أهل الحق الخالص الخط العام للجماعة (أهل السنة والجماعة) على الحق مجتمعون وبالسنة متمسكون فكانوا على مر العصور الطائفة المنصورة والجماعة الناجية فلله الحمد والمنة والفضل والثناء الحسن أن جعلنا في زمرة أهل الحق بعيدين كل البعد عن أهل الأهواء والبدع والضلالات، وأهل البغي والغلو والخروج والعدوان والفرقة، لقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم ميزانا نبويا لمعرفة الحق في هذه الامة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ) ([180]) .
لقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميزانا دقيقا، حتى نعرف الحق عند كثرة الاختلاف بين طوائف الامة، فلا نضيع عند تزاحم الأهواء والبدع والضلالات، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ)، يدل على أن اجماع علماء الامة حق، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ) يدل على أنه عند الاختلاف يكون الصواب والرشاد مع رأي الكثرة من العلماء، والمراد (بالسواد الأعظم) هم سواد علماء أمته صلى الله عليه وآله وسلم لأن العلماء ورثة الانبياء وهم أهل الاستنباط والإفتاء، ولا يرد على ذلك استدلال البعض بقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، وقوله تعالى: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، فإن مورد تلك النصوص هو كثرة الكفار في الأرض وقلة المؤمنون فيها، ولم يزعم أحد أن الصواب يكون في جانب الكثرة المطلقة من كفار ومؤمنين، ولكن ندعي أن الصواب يكون في جانب السواد الأعظم من علماء الأمة، وأنّ الخطأ يكون فيمن شذ عنهم، لقد كان المسلمون في أول أمرهم أمة واحدة يجمعها الإسلام، إلى أن ظهرت الآراء المفرقة والأهواء المهلكة، فانتظم السواد الاعظم من الامة على مفهوم (أهل السنة والجماعة) للتعبير عن آراء أهل الحق والنجاة في مقابل الفرق الضالة، لقد اصطلحت هذه الجماعة التي تمثل سواد الأمة الإسلامية الأعظم منذ أوائل ظهورها: على تسمية العلم الذي يشرح أركان الإسلام بعلم الفقه، والعلم الذي يشرح أركان الإيمان بالعقيدة، والعلم الذي يشرح مقام الإحسان بعلم التصوف، وبهذا التخصص الفريد، صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، ففي باب العقيدة: لهم ثلاث مذاهب معروفة، وهي (المذهب الأثري) و (المذهب الأشعري) و (المذهب الماتريدي) ، وفي باب الفقه: استقر لهم مذاهب أربعة، وهي (المذهب الحنفي)، و (المذهب المالكي)، و (المذهب الشافعي)، و (المذهب الحنبلي)، وكما أكرم الله تعالى أهل السنة والجماعة بمدارس الأصول ومدارس الفقه، كذلك أكرمهم بأهل التصوف الربانيين الذين قاموا على علم بتزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وبيان درجات الإحسان ومنازل المقربين، وكان لكل منهم طريقة في السلوك لها أورادها واجتهاداتها التي تميزت بها عن غيرها، وأخذت بيد المسلمين إلى رضا رب العالمين، وكلها تسعى بالذكر والاجتهاد المشروع إلى بلوغ مرتبة أن تعبد الله كأنك تراه، وكلها يمثل الإطار الكلي والخط العام للجماعة الأم سواد المسلمين الأعظم أهل السنة والجماعة الناجية.
***
([1]) صحيح البخاري 3/167 ح 2637.
([2]) المصدر السابق 6/119 ح 4793.
([3]) صحيح مسلم 2/1046 ح رقم1428.
([4]) صحيح البخاري 7/107 ح 559.
([5]) المصدر السابق 4/146 3369.
([6]) صحيح مسلم 4/1883 ح 2424، و 4/ ١٨٧١ح 2404.
([7]) مسند أحمد 32/11 ح 19265.
([9]) صحيح البخاري 4/91 ح 3140.
([10]) مسند أحمد 24/478 ح 15708.
([11]) سنن أبي داود 3/88 ح 1650. السنن الكبرى للبيهقي 3/682 ح 2907.
([12]) السنن الكبرى للبيهقي 13 /444 ح 13368.
([13]) مصنف ابن ابي شيبة 2/429 ح 10708.
([14]) صحيح مسلم 4/1873 ح 2408.و 4/1874 ح 2408.
([15]) مسند أحمد 32/11. ح19265.
([17]) سنن الترمذي 5/663 ح 3787.
([19]) صحيح البخاري 8/77 ح 6357.
([22]) سنن الترمذي 5/584 ح 3607.
([23]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2276.
([24]) اقتضاء الصراط المستقيم 1/419.
([26]) المعجم الكبير للطبراني11/176 ح 11412،
([27]) المستدرك للحاكم3/161 ح 4712.
([28]) صحيح البخاري 6/3ح 4416.
([29]) المصدر السابق 6/98 ح 4743، صحيح مسلم 4/2323ح 3033.
([31]) صحيح البخاري 5/134 ح 4160 ، صحيح مسلم 4/1872 ح 2406.
([32]) صحيح مسلم 4/1870ح 2404.
([33]) المصدر السابق 1/86 ح 78.
([34]) صحيح البخاري 4/203 ح 3623.
([35]) المستدرك للحاكم 3/164 ح 4721 وقال صحيح الاسناد.
([36]) صحيح البخاري 6/10 ح 4433.
([37]) المصدر السابق 7/37 ح 5230.
([38]) سنن الترمذي 5/698 ح 3869، المستدرك للحاكم 3/173 ح 4751.
([39]) صحيح البخاري 5/28 ح3762.
([40]) مسند أحمد 18/138 ح 11594، سنن الترمذي 5/556 ح 3768. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الدارقطني في (سؤالات السهمي) (216): صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث قد صح من أوجه كثيرة وأنا أتعجب أنهما لم يخرجاه، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/ 204): رجاله رجال الصحيح.
([41]) مسند أحمد 38/354 ح 23328، السنن الكبرى للنسائي 7/368 ح 8240.
([42]) صحيح البخاري 5/27 ح 3753.
([43]) المصدر السابق 5/26 ح 3747.
([44]) صحيح البخاري 5/26 ح 3749. صحيح مسلم 4/1883 ح 2422.
([45]) مسند أحمد 38/192 ح 23105، المستدرك للحاكم 3/190 ح 4806. وقال شعيب الأرناؤوط محقق (المسند): إسناده صحيح.
([46]) صحيح البخاري 5/26 ح 3746.
([47]) صحيح البخاري 5/39 ح 3820، صحيح مسلم 4/1887 ح 2432.
([48]) صحيح البخاري 5/38 ح 3815.
([49]) صحيح مسلم 4/1886 ح 2430.
([50]) [شرح صحيح مسلم 15/ 207.
([51]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/ 405.
([52]) أحكام القرآن لابن العربي3 / 366.
([58]) تفسير القرآن العظيم6/ 28.
([65]) تفسير القرآن العظيم6/ 35.
([66]) صحيح البخاري 5/56 ح 3895 ، صحيح مسلم 4/1889 ح 2438.
([67]) صحيح البخاري 5/5 ح 3662.
([68]) المصدر السابق 5/29 ح 3768.
([69]) المصدر السابق 5/30 3774.
([70]) صحيح مسلم 4/1893 ح 2443.
([71]) صحيح البخاري 5/29 ح 3770، صحيح مسلم 4/1895 ح 2446.
([72]) مسند أحمد 7/174 ح 4098، سنن الترمذي 4/505 ح 2230.
([73]) سنن ابي داود 6/342 ح 4285.
([74]) سنن ابي داود 6/341 ح 4283.
([75]) مسند أحمد 2/74 ح 645، سنن ابن ماجة 5/213 ح 4085.
([76]) المستدرك للحاكم 4/601 ح 8673.
([77]) صحيح البخاري 4/168 ح 3449، صحيح مسلم 1/136 ح 155.
([81]) المعجم الكبير للطبراني 11/176 ح 11412، المستدرك 3/161 ح 4712. قال الحاكم: هذا حديث حسن صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي]،
([82]) المستدرك للحاكم 2/373 ح 3312.
([84]) سير أعلام النبلاء 1/44.
([85]) مقدمة فتح الباري ج1/ص459.
([86]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1852.
([87]) صحيح البخاري 5/8 ح 3673،صحيح مسلم 4/1967 ح 2540.
([88]) أخرجه الإمام أحمد في “المسند” (6/ 84)، برقم 3600.
([89]) العقيدة الطحاوية ص 467.
([90]) صحيح البخاري 5/123 ح 4154.
([91]) صحيح مسلم 4/1942 ح 2496.
([92]) المستدرك للحاكم 2/526 ح 3800. وصححه ووافقه الذهبي
([93]) صحيح مسلم 4/3217 ح 3022.
([95]) صحيح البخاري 3/171 ح 2652، صحيح مسلم 4/1963 ح 2533.
([97]) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر: 1/158.
([98]) صحيح البخاري 8/57 ح 6259، صحيح مسلم 4/1941 ح 2494.
([99]) صحيح البخاري5/2 ح 3650.
([101]) صحيح مسلم 4/1961 ح 2531.
([102]) مصنف ابن ابي شيبة 6/405 ح 32417، السنة لابن أبي عاصم 2/630 ح 1481. وقد حسنه الحافظ في الفتح 7/5، وقال الهيثم في الجمع 10/20: رواه الطبراني من طرق رجال أحدها رجال الصحيح]،
([103]) سنن الترمذي 5/697 ح 3865.
([104]) صحيح البخاري 1/12 ح 17، صحيح مسلم 1/85 ح 74.
([105]) صحيح البخاري 5/32 ح 3783، صحيح مسلم 1/85 ح75.
([106]) السنن الكبرى 8/285 ح 9171، المعجم الأوسط للطبراني 3/204 ح 2929سنن ابن ماجة 3/449، المستدرك 1/199 ح 390 .
([107]) مسند أحمد 34/185 ح 20587.سنن الترمذي 5/696 ح 3862.
([109]) حلية الأولياء: 1/ 305 – 306.
([110]) مروج الذهب للمسعودي: 3 /61-62.
([114]) سنن ابن ماجة1/112 ح 162، مصنف عبدالرازق6/405 ح 32415،
([115]) الكفاية في علم الرواية للبغدادي : 49.
([116]) مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني ص 9.
([117]) ميزان الاعتدال: 3/666.
([119]) أسد الغابة لابن الأثير 3 / 88 – 89. الناشر: كتاب الشعب، القاهرة – مصر.
([120]) البداية والنهاية 11/429.
([121]) فضائل الصحابة أحمد بن حنبل: 1/57و 1/51.
([122]) سير أعلام النبلاء 1/50.
([124]) صحيح البخاري 5/9.ح 3675.
([126]) الاعتقاد للبيهقي ص 344.
([127]) صحيح البخاري 6/66 ح 4663.
([128]) الجامع لأحكام القرآن8/147-148.
([130]) الجامع لأحكام القرآن 8/147-148.
([131]) الإبانة عن أصول الديانة: ص: 615.
([132]) صحيح البخاري 9/81 ح 7220، صحيح مسلم 4/1856 ح 2386.
([134]) صحيح مسلم 4/1856 ح 2385.
([135]) شرح النووي على مسلم 15/154-155.
([136]) مسند أحمد 38/310 ، سنن ابن ماجة 1/73 ح 97، سنن الترمذي 5/668 ح 3799. قال الترمذي حسن، وقال ابن حجر في (موافقة الخبر الخبر) (1/143): مثله حسن.
([138]) صحيح البخاري 9/39 ح 7022، صحيح مسلم 4/1861 ح 2392.
([140]) صحيح البخاري 7/119 ح 5666 ، صحيح مسلم 4/1857 ح 2387. واللفظ له.
([141]) صحيح البخاري 1/100 ح 466.
([142]) صحيح البخاري 5/57 ح 3904، صحيح 4/1854 ح 2382.
([144]) صحيح البخاري 1/136 ح678، صحيح مسلم 1/316 ح 420.
([145]) صحيح البخاري 1/136 ح679، صحيح مسلم 1/316 ح 418.
([146]) صحيح البخاري1/138 ح 687 ، صحيح مسلم 1/311 ح 418.
([147]) شرح النووي على مسلم 4/137.
([148]) صحيح البخاري 1/136 ح 680، صحيح مسلم 1/315 ح 419.
([149]) صحيح البخاري 1/137 ح 681 صحيح مسلم 1/315 ح 419.
([150]) المستدرك للحاكم 3/70 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في (موافقة الخبر الخبر) (1/151)،
([151]) الطبقات الكبرى لابن سعد 3/167.
([153]) الفصل في الملل والأهواء والنحل: لابن حزم 4/ 107.
([154]) المعتمد في أصول الدين: لأبي يعلى الفراء ص: 226.
([155]) الفصل في الملل والأهواء والنحل: 4/ 107.
([158]) صحيح البخاري 9/39 ح 7022.
([159]) المصدر السابق 5/7 ح 3669.
([160]) المصدر السابق 8/168 ح 6830.
([161]) صحيح البخاري 9/81 ح 7218.
([162]) صحيح مسلم 4/1856 ح 2385.
([163]) مسند أحمد 5/267 ح 3189 قال ابن حجر في (فتح الباري) (5/ 426): إسناده قوي.
([164]) مسند أحمد 2/214 ح 859 ، المستدرك علي الصحيحين 3/73 ح 4434. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (5/ 179): رواه أحمد والبزار والطبراني في (الأوسط) ورجال البزار ثقات.
([165]) صحيح البخاري 8/168 ح 6830 ، صحيح مسلم 3/1317 ح 1691.
([167]) الإبانة عن أصول الديانة ص 612.
([169]) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: (ص: 65)
([173]) الجامع لأحكام القرآن1/ 264.
([174]) البداية والنهاية: 9/415.
([176]) البحار، 68/376، 332، الوسائل، 1/23.
([177]) أمالي الصدوق، 154، البحار، 24/51 27/167.
([178]) المحاسن، 89، البحار، 27/238 39/302.