(الفصل الثالث) مفاتيح شرعية عامة ضابطة لمسائل الإيمان والكفر
(المفتاح الاول): مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر.
(المفتاح الثاني): من مات على التوحيد مآله إلى الجنة.
(المفتاح الثالث): حكم كل من لم يشهد بالشهادتين.
(المفتاح الرابع): عـدم مؤاخـذة الكافريـن على كفرهـم قبـل بلـوغ النـذارة إليهـم.
(المفتاح الخامس): العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر.
(المفتاح السادس): العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر.
(المفتاح السابع): وجــوب التفريــق بيــن التكفيــر المطلــق وتكفيــر المعيـن.
(المفتاح الثامن): لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره.
(المفتاح التاسع): اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمــان القوليــة والعمليــة.
(المفتاح العاشر): لا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمــه.
(المفتاح الحادي عشر): قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر وهـو مـع ذلـك مسلـم.
(المفتاح الثاني عشر): لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة بإطلاق.
[المفتاح الأول]: مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر: (الشهادتان):
باب الإسلام الأول الذي من دخله دخل الإسلام وحكم له بالإسلام الظاهر وصار له اسم الإسلام وحكمه والله يتولى السرائر وهذا الأمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، قال النووي: ” واتفق أهل السنّة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أنّ المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلاّ من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك ونطق بالشهادتين ” أهـ ([1]).
وقال ابن حجر: ” أمّا بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدُنيا ولم يُحكم عليه بكفر إلاّ إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود لصنم “([2]).
فالإقرار بالشهادتين لازم للحكم بالإسلام الظاهر أما اعتقادهما فهو دليل على صحة الإيمان الباطن وباعتقادهما والنطق بهما يكون المرء من أهل القبلة على الحقيقة ولا يخلد في النار خلود الجاحديـن، والأدلة على هذه القاعدة كثيرة مستفيضة منها: ما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه، ” أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلنى فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)) “([3]).
وفي رواية معمر ” فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله ” ومن تدبر الحديث علم يقيناً أنّ الحكم بإسلام المرء يكون بمجرد نطقه بالشهادتين أو ما يحل محلهما في القبول المجمل بدين الإسلام، مع أنّ الصورة المفترضة تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قالها إلاّ تقية وهرباً من القتل ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً، وما أخرجه مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقة من جهينة، فصبّحنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلمّا غشيناهُ قال: لا إله إلاّ الله، فكفّ عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، قال فلمّا قدمنا، بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي ((يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله؟)) قال قلت: يا رسول الله! إنما كان متعوذاً، قال، فقال ((أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله؟)) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم “([4]).
وأخرج مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه (إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً من المسلمين إلى قوم من المشركين، وإنهم التقوا فكان رجل من المشركين إذا شاء أنّ يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإنّ رجلاً من المسلمين قصد غفلته، قال وكنّا نحدّث أنه أسامة بن زيد، فلمّا رفع عليه السيف قال: لا إله إلاّ الله، فقتله، فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله فأخبره حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه، فسأله، فقال: يا رسول الله أوجع في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً، وسمّى له نفراً، وإني حملت عليه، فلمّا رأى السيف قال: لا إله إلاّ الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أقتلته؟) قال: نعم قال (فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة؟) قال: يا رسول الله! استغفر لي، قال (وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة؟) قال: فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة؟)([5]).
ففي هذا الحديث برواياته المتعددة أوضح الدلالة بالحكم للمرء بالإسلام بمجرد قوله لا إله إلاّ الله وتلفظه بالشهادة، ولو تدبرنا نص الحديث لوجدنا أن جميع القرائن تدل على أنّ هذا الرجل ما قال الشهادة إلاّ تقيه وخوفاً من القتل، ومع ذلك حكم له النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام وعنّف أسامه أشد التعنيف مع أنه معذور بجهله لهذا الحكم وقد اجتهد فأخطأ بخلاف المقدام فإنه كان يستفتى الرسول صلى الله عليه وسلم عن واقعة لم تحدث فأعلمه بالحكم وأنه إن استحل قتله كفر، ومع تعنيفه لأسامه لم يرض أن يستغفر له وكان من قوله صلى الله عليه وسلم له (أقال لا إله إلاّ الله وقتلته) و(فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة) و(أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله) حتى تمنى أسامه رضي الله عنه أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم لما أقدم عليه من سفك دم رجل قال لا إله إلاّ الله فحكم له بالإسلام الظاهر والله يتولى سريرته ولم يأمرنا أن نشق عن قلبه حتى نعلم أقالها معتقداً لها أم قالها نفاقاً وتقية فهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله ولم يكلفنا سبل معرفته لأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله، وما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فمن قال لا إله إلاّ الله عصم منى ماله ونفسه إلاّ بحقه وحسابه على الله)) ([6]). وما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله)) ([7]). وما أخرجه مسلم عن أبي مالك عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ” من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله ” ([8]). فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على الله.
[المفتاح الثاني]: من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة، وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين، ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد:
المقصود من هذه القاعدة العامة من قواعد الشريعة الغراء أنّ من مات وهو مقر بشهادة التوحيد (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله) معتقد لها استوجب بفضل الله ورحمته الجنة، وهو يوم القيامة تحت مشيئة الرحمن إن شاء أدخله الجنة ابتداء وإن شاء أدخله النار بذنوبه ومعاصيه، إلاّ أنه لا يخلد في النار أبداً خلود الكافرين، ولكن مآله إلى الجنة لما أتى من توحيد الله عز وجل.
وقد دلّ على تلك القاعدة: أحاديث كثيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها: (1) ما أخرجه البخاري رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ((يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من خير)) ([9]). وفي رواية (من إيمان) مكان (من خير)، ففي هذا الحديث دليل على أن من أتى بالإقرار (قال لا إله إلاّ الله) والاعتقاد (وفي قلبه وزن شعيره من إيمان) (وفي قلبه وزن بره من إيمان) (وفي قلبه وزن ذره من إيمان) فإنه لا يخلد في النار خلود الكافرين بل يخرج من النار إلى الجنة.
(2) حديث الشفاعة اخرجه البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: ((فأقول يارب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان.. فأقول يا رب أمتى أمتى فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذره أو خردله من إيمان …، فأقول يارب أمتى أمتى فيقال انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل.. ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لى فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله)) ([10]). ففي هذا الحديث كذلك دلاله على أن من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه اعتقادها فإنه في مأمن من الخلود في النار خلود الكافرين الجاحدين، ولكنه يخرج منها برحمة الله إلى الجنة.
(3) ما أخرجه مسلم رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة)) ([11]). ففي هذا الحديث دلاله على أن الشهادتين مع الاعتقاد لهما (غير شاك فيهما) سبب لدخول الجنة وإن طال زمان التعذيب في النار.
(4) ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار)) ([12]).
ومعنى الحديث أنّ من أقرّ يالشهادتين واعتقدهما حرّم الله عليه الخلود في النار وهذا ما يجب حمل الحديث عليه إذ عليه مذهب أهل السنّة الذين يقولون بأن أصحاب الكبائر تحت المشيئة وقد دلت الأخبار بيقين أنّ بعضهم يدخل النار بقدر ذنوبه ثم يخرج بالشفاعة أو ضمن أصحاب قبضة الرحمن الذين لم يعملوا خيراً قط.
(قلت): ولهذا قال القرطبي في شرح حديث مسلم ((أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عنه الجنة)) ” وظاهر هذا الحديث أنّ من لقى الله وهو يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده دخل الجنة ولا يدخل النار، وهذا صحيح فيمن لقي الله تعالى بريئاً من الكبائر فأمّا من لقى الله تعالى مرتكب كبيره ولم يتب منها فهو في مشيئة الله تعالى التي دلّ عليها قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ،} [النساء: 48]، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعي أنّ طائفة من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بالتفضل المعبّر عنه بالقبضة في الحديث الصحيح أو بما شاء الله تعالى فدلّ ذلك على أنّ الحديث المتقدم ليس على ظاهره فتعين تأويله، ولأهل العلم فيه تأويـلان الأول: أن هذا العموم يُراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من أهل الكبائر ممن يشاء الله أن يغفر له ابتداء.. وثانيهما: أنهم لا يحجبون عن الجنة بعد الخروج من النار وتكون فائدته الاخبار بخلود كل من دخل الجنة فيها وأنه لا يُحجب عنها ولا عن شيء من نعيمها والله تعالى أعلم ” ([13]).
[5] ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة)) قلت (أي راوي الحديث أبو ذر رضي الله عنه) وإن زنى وإن سرق؟ قال (وإن زنى وإن سرق) قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال (وإن زنى وإن سـرق) ثلاثاً ثم قال في الرابعة (على رغم أنف أبى ذر) فخرج أبو ذر وهو يقول وإن رغم أنف أبى ذر)) ([14]).
وبعد فهذه بعض الأحاديث الصحيحة التي تدل بيقين على صحة القاعدة العامة ((من مات على التوحيد دخل الجنة)) وعلى صحة هذه القاعدة اتفق أهل السنّة والجماعة
[المفتاح الثالث]: بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة، كل من لم يشهد بالشهادتين فهو كافر، فإن كان لم يسمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر جاهل، وإن كان سمع به ولم يؤمن برسالته فهو كافر معانـد
: قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسى محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار)) ([15]).
قال النووي في درة من كلامه: ” وقوله صلى الله عليه وسلم لا يسمع بي أحد من هذه الأمة أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهاً على من سواهما وذلك لأنّ اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أنّ لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى “([16]). فكل من سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم لم يؤمن بالإسلام الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر، ويندرج تحت هذا الأصل قاعدتين هما: (الأولى) جواز إطلاق لفظ الكافر على كل من ليس بمسلم: والأدلة على ذلك: (1) قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] فسماه الله تعالى مشركاً حتى قبل أن يسمع كلام الله وتقوم عليه الحُجه بالرسالة، فهو مع جهله سماه الله تعالى مشركاً، (2) قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [التغابن: 2] فالناس صنفان إمّا مؤمن له اسم الإيمان وإمّا كافر له اسم الكفر ومعلوم أنّ كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو مؤمن وكل من لم يؤمن فهو كافر، إمّا أنه كافر جأهل وإمّا أنه كافـر معانـد، (3) وقوله صلى الله عليه وسلم ((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)) ([17]).
ومعلوم أنّ الكافر ضد للمسلم فمن ليس بمسلم فهو كافر، وسيأتي بمشيئة الله تعالى في المبحث التالي بيان أن الكافر الجأهل لا يُعذب حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بخلاف الكافر المعاند الذي سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن بما أُرسل به.
(الثانية) أهل الكتاب (اليهود والنصارى) بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة كفّار مشركون: وقد مرّ بنا قوله تعالى فيمن لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150 – 151]، فاليهود والنصارى لجحدهم لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم هم الكافرون حقاً وأعدّ الله لهم عذاباً مهينا، وهم خالدون مخلدون في النار أبداً خلود الجاحدين لأنهم جحدوا نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالتـه، قال تعالى {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهل الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهل الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينه: 1 – 6] ومرّ بنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أنه ما سمع به يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسل به إلاّ كان من أصحاب النار.
والله تعالى كفّرهم بأسباب أخرى إضافية لجحدهم لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان جحد نبوته صلى الله عليه وسلم بعد سماع بها كافٍ في الخلود الأبدي في النار، ومن ذلك قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ،} [المائدة: 72] و قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ،} [المائدة: 73] وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] وقال تعالى في حق اليهود والنصارى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ* يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبه: 31 – 32]، وقال تعالى في حق اليهود: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75]، فهل بعد تحريفهم لكلام الله وكذبهم على الله كفر، بل هم الكافرون حقا لا يشك في كفرهم إلاّ من طمس الله بصيرته عن الإسلام ونوره، والشاهد: كفر اليهود والنصارى أمر معلوم من الدين بالضرورة لا يُجادل فيه إلاّ كافر أو جأهل تُقام عليه الحُجة بالشرع وإلاّ كفر ولا كرامة،
[المفتاح الرابع]: عـدم مؤاخـذة الكافريـن على كفرهـم قبـل بلـوغ النـذارة إليهم:
المقصود ” بالكافرين ” هم الكفار الأصليون الذين لم يشهدوا بالشهادتين ولم يقروا بالإسلام دينا والنبي صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، ومعنى بلوغ النذارة إليهم، أن يبعث الله عز وجل إليهم رسولاً يقيم عليهم الحُجه الرسالية، وهذه القاعدة الجليلة أثر من آثار رحمة الله التي وسعت كل شيء، حتى أنه سبحانه بعد أن أقام على خلقه الحجج البالغة بوحدانيته وربوبيته لخلقه وذلك بآياته الكونية العظيمة الدالة على أنه لا إله إلاّ هو ولا رب للكون كله سواه، لم يؤاخذهم سبحانه بتلك الحجج والبراهين حتى يبعث إليهم رسولاً يُقيم عليهم الحُجة الرسالية التي من كفر بها فليس له بعدها حُجة ولا عذر، ولهذا أخرج البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله ((ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين)) ([18]). وقد دلّ على صحة هذه القاعدة الكتاب والسنّة:
فمن أدلة الكتاب العزيز: [الدليل الأول]: قوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] يقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: ” إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسل إليهم، كقوله تعالى {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} [الملك: 8 – 9] وكـذا قولـه {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر: 71] وقال تعالى {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [فاطر: 37] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يُدخل أحداً النار إلاّ بعد إرسال الرسول إليه، “([19]).
[الدليل الثاني]: قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى} [طـه: 134]، يقول القرطبي في تفسيرها: ” {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ} قوله تعالى أي من قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن (لقالوا) أي يوم القيامة {رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} أي هلا أرسلت إلينا رسولاً {فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} وقرئ (نُذَلُ ونُخزى) على ما لم يسم فاعلـه، وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهالك في الفترة، والمعتوه، والمولود: يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ـ ثم تلا {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً، ويقول المولود: رب لم أدرك العمل فترفع لهم نار فيقول لهم ردوها وادخلوها، قال: فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً لو أدرك العمل – قال -: فيقول الله تبارك وتعالى: إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم، ويروى موقوفاً عن أبي سعيد وفيه نظر، وقد بيناه في كتاب (التذكرة) وبه احتج من قال: إن الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة، (فَنَتَّبِعَ) نصب بجواب التخصيص (ءايَاتِكَ) يريد ما جاء بـه محمد صلى الله عليه وسلم (مِنْ قَبْلِ أن نَّذِلَّ) أي في العذاب (ونَخْزَى) في جهنم، قاله ابن عباس، وقيـل: (مِنْ قَبْلِ أن نَّذِلَّ) في الدنيا بالعذاب (ونَخْزَى) في الآخرة بعذابها “([20]).
[الدليل الثالث]: قوله تعالى {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47]، يقول القرطبي في تفسيرها: ” {فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا} أي هلا {لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} لما بعثنا الرسل وقيل: لعاجلناهم بالعقوبة، وبعث الرسل إزاحة لعذر الكفار كما تقدم في سبحان وآخر طه…. أي هؤلاء الكفار غير معذورين إذ بلغتهم الشرائع السابقة والدعاء إلى التوحيد، ولكن تطاول العهد، فلو عذبناهم فقد يقول قائل منهم: طال العهد بالرسل، ويظن أن ذلك عذر ولا عذر له بعد أن بلغهم خبر الرسل، ولكن أكملنا إزاحة العذر وكملنا البيان، فبعثناك يا محمد إليهم، وقد حكم الله بأنه لا يعاقب عبداً إلاّ بعد إكمال البيان والحُجة وبعثة الرسل، “([21]).
[الدليل الرابع]: قوله تعالى {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165].
[الدليل الخامس]: قوله تعالى {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 8 – 11]، الآية دالة على أنّ عذاب الآخرة قائم على بلوغ الحُجة الرسالية (ألم يأتكم نذير) والعذاب متوقف على وجود النذير، والملائكة خزنة النار لم تحتج على أهل النار بالعقل الذي أودعه الله لهم ولا الفطرة التي فطرهم الله عليها ولا الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم، ولكن احتجوا عليهم ببعث الرسل وبلوغ النذارة، ولهذا أقر الكفار ببلوغ النذارة، وأنهم لو سمعوا كلام المرسلين وعقلوها ما كان هذا حالهم، وقد تقدم استدلال الحافظ بن كثير بهذه الآية وأمثالها على أنّ الله تعالى لا يعذب أحداً إلاّ بعد قيام الحُجة الرسالية بإرسال الرسل إليهم، وذلك عند تفسيره لقول الله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].
[الدليل السادس]: قوله تعالى وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 71 – 72].
و[الدليل السابع]: قوله تعالى {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [فاطر: 37]، والآيات الكريمة كسابقتها دالة على أنّ العذاب الأخروي قائم على بلوغ الحُجة الرسالية والله عز وجل لا يعذب إلاّ من جاءه النذير فلم يتبعه.
ومن الأدلـة من حديـث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه القاعـدة: [عـدم المؤاخـذة قبـل الإنـذار]:
[الدليل الأول]: قوله صلى الله عليه وسلم ((ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن)) ([22]). والحديث بمنطوقه يدل على أنّ الله تعالى يحب أنّ يعذر عباده حتى تقوم عليهم الحُجة التي ما بعدها حُجة، ومن أجل ذلك بعث إليهم الرسل مبشرين ومنذرين مؤيدين بالمعجزات مع أنّ الله تعالى جعل في خلقه وكونه آيات باهرات دالة على أنه لا إله إلاّ الله ولا رب سواه، ودلّ الحديث بمفهومه على أنّ العباد لا يعذبون حتى يأتيهم البشير النذير فتقوم عليهم الحُجة تامة به.
[الدليل الثاني]: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أربعة يوم القيامة يدلون بحجة، رجل أصم لا يسمع ورجل أحمق ورجل هرم ومن مات في الفترة، فأمّا الأصم فيقول ياربّ جاء الإسلام وما أسمع شيئاً وأمّا الأحمق فيقول جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر وأمّا الهرم فيقول لقد جاء الإسلام وما أعقل وأمّا الذي مات على الفترة فيقول يا ربّ ما أتاني رسولك فيأخذ مواثيقهم ليطعنه فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، قال فو الذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاما ومن لم يدخلها سُحب إليها)) ([23]).
فهذا الحديث الصحيح يدّل على أنّ من لم تبلغه دعوة رسول في الدُنيا أنه لا يؤاخذه بكفره يوم القيامة حتى يمتحنهم الله تعالى يوم القيامة، فيرسل إليهم رسولاً فمن أطاعه دخل الجنة وبذلك تقوم الحُجة على جميع خلق الله تعالى بالرسل وذلك إمّا في الدُنيا وإمّا في الآخرة وهو يدل صراحة على صحة القاعدة التي قال بها أهل السنّة والجماعة بعدم مؤاخذة الكافرين بكفرهم قبل بلوغ النذارة إليهم وإقامة الحُجة عليهم بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، وبعد فهذه بعض أدلة الكتاب والسنّة والتي تؤكد ما ذهب إليه علماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة من كون المؤاخذة بالعذاب لا تكون إلاّ بعد بلوغ دعوة الرسل.
[المفتاح الخامس]: العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر:
موضوع هذه القاعدة يتناول المسلم المتلبس بالكفر الأكبر أو الواقع في الشرك الأكبر جهلاً، فهو مقر بالإسلام مظهر للتصديق والانقياد لدين الله عز وجل جملة وتفصيلاً إلاّ أنه لجهله وقع في كفر أكبر أو شرك أكبر، وقد ذكرنا في القاعدة الثانية (قاعدة عدم مؤاخذة الكافرين بكفرهم قبل بلوغ النذارة إليهـم) أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول، وجميع الأدلة التي سقناها هناك والتي تدل على عدم وقوع العذاب على الكفار الأصليين إلاّ بقيام الحُجة الرسالية، فهي وإن كانت تتناول عذر الكافر إلاّ أنها من باب الأولى تتناول المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل، إذ لم يسمع بالدليل وقد ذكرت هناك الأدلة من كتاب الله عز وجل وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم وكلها كما يؤكد قاعدة (عدم مؤاخذة الكافرين قبل بلوغ النذارة) فهي تؤكد هذه القاعدة (العذر بالجهل مانع من تكفير المسلم المتلبس بالكفر) فراجعها هناك بالضرورة، وإليك أدلة أخرى تجعل العذر بالجهل هي عقيدة أهل السنّة والجماعة المتمسكين بالكتاب والسنّة والسائرين على هدي السلف الصالح رضي الله عنهم،
الأدلة من كتاب الله تعالى على عذر المسلم بالجهل: ذكرت في القاعدة الرابعة [عـدم مؤاخـذة الكافريـن على كفرهـم قبـل بلـوغ النـذارة إليهم]: سبعة أدلة من كتاب الله تعالى وكلها تصلح للاستدلال على هذه القاعدة، واوردها باختصار، [الدليل الأول]: قوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسل إليهم.
و[الدليل الثاني]: قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طـه: 134]، والشاهد انهم إذا لم تأتهم الرسل لكانت لهم حجة بقولهم: { لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى}.
و[الدليل الثالث]: قوله تعالى {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47]، والشاهد انهم إذا نزل عليهم العذاب قبل إرسال الرسل إليهم وإقامة الحجة عليهم لكان لهم المبرر بقولهم: {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
و[الدليل الرابع]: قوله تعالى {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165]، والآية واضحة الدلالة في أنهم ستكون لهم حجة بالعذر إن لم تأتهم الرسل بالبينات والمعجزات.
و[الدليل الخامس]: قوله تعالى {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 8 – 11]، الآية دالة على أنّ عذاب الآخرة قائم على بلوغ الحُجة الرسالية (ألم يأتكم نذير) والعذاب متوقف على وجود النذير.
و[الدليل السادس]: قوله تعالى وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر: 71]، 71 – 72].
و[الدليل السابع]: قوله تعالى {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [فاطر: 37]، والآيات الكريمة كسابقتها دالة على أنّ العذاب الأخروي قائم على بلوغ الحُجة الرسالية والله عز وجل لا يعذب إلاّ من جاءه النذير فلم يتبعه، فجميع تلك الأدلة التي ذكرتها في المفتاح السابق تصلح هاهنا، وازيد عليها.
و[الدليل الثامن]: قوله تعالى{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة: 115]، يقول الحافظ ابن كثير: ” يقول تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة وحكمه العادل: أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة.. فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعاً أو عاصياً فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه ” ([24]).
(الدليل التاسع): قوله تعالى {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، قال ابن كثير في تفسيرها: ” {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} أي ومن سلك غير الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم فصار في شق والشرع في شق وذلك عن عمد منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له “([25]).
الأدلة من السنّة على عذر المسلم بالجهل:
(الدليل الرابع): [حيث ذكرت عند القاعدة الثانية ثلاثة أدلة من السنّة تصلح للاستدلال على هذه القاعدة وبالتالي يكون هذا هو الدليل الرابع من السنّة على هذه القاعدة] حديث الليثيين: ” ((عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقاً فلاجه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا القود يا رسول الله ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكم كذا وكذا، فلم يرضوا، قال لكم كذا وكذا، فلم يرضوا، قال: فلكم كذا وكذا فرضوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني خاطب على الناس، ومخبرهم برضاكم … قالوا نعم، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود، فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟ قالوا: لا، فهم المهاجرون بهم، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفوا، فكفوا، ثم دعاهم فزادهم، وقال أرضيتم؟ قالوا: نعم “([26]).
وقد علقّ ابن حزم رحمه الله على الحديث بكلام غاية في الرسوخ والوضوح فقـال ” وفي هذا الخبر عذر الجاهل، وأنه لا يخرج من الإسلام بما لو فعله العالم الذي قامت عليه الحُجة لكان كافراً، لأن هؤلاء الليثيين كذبوا النبي صلى الله عليـه وسلـم وتكذيبه كفر مجرد بلا خلاف لكنهم بجهلهم وأعرابيتهم عذروا بالجهالة فلم يكفروا “ ([27]).
(الدليـل الخامـس): حديث سجود معاذ رضي الله عنه للنبي صلى الله عليـه وسلـم: أخرج البزار عن معاذ بن جبل أنه أتى الشام فرأى النصارى يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ورهبانهم، ورأى اليهود يسجدون لأحبارهم وعلمائهم وفقهائهم، فقال: لأي شيء تفعلون هذا؟ قالوا: هذه تحية الأنبياء، قلنا فنحن أحق أن نصنع بنبينا صلى الله عليه وسلم فلما قدم على نبي الله صلى الله عليه وسلم سجد له، فقال، ما هذا يا معاذ ! فقال: إني أتيت الشام فرأيت النصارى يسجدون لأساقفتهم وقسيسيهم ورهبانهم وبطارقتهم، ورأيت اليهود يسجدون لأحبارهم وفقهائهم وعلمائهم، فقلت: لأي شيء تصنعون هذا؟ أو تفعلون هذا؟ قالوا: هذه تحية الأنبياء، قلت: فنحن أحق أن نصنع بنبينا صلى الله عليه وسلم، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرفوا كتابهم، لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه، ولا تجد امرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب ” ([28]). أخرجه البزاروالهيثمي في المجمع وقـال: رواه بتمامه البزار وأحمد باختصار ورجاله رجال الصحيح وكذلك طريق من طرق أحمد وروى الطبراني بعضه أيضاً، قلت: وهو في المسند بدون سجود معاذ ورواه ابن حبان عن ابن أبي أوفي وفيه سجوده للنبي صلى الله عليه وسلم وابن ماجه عنه قال عنه الشوكاني: ” وأخرج قصة معاذ المذكورة في الباب البزار بإسناد رجاله رجال الصحيح وأخرجها أيضاً البزار والطبراني بإسناد آخر وفيه النهاس بن قهم وهو ضعيف وأخرجها أيضاً البزار والطبراني بإسناد آخر رجاله ثقات ” ([29]).
(الدليل السادس): حديث ذات أنواط أخرج الترمذي والإمام أحمد وغيرهما: (عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يُقال لها ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] لتركبن سنن من قبلكم([30]).
والحديث دليل واضح على أنّ المسلم معذور بجهله حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالكفر، فهؤلاء سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم شجرة يستنصرون بها كما يستنصر أهل الشرك بشجرة لهم سموها ذات أنواط ومعلوم أن من ظنّ ذلك بما هو دون الله فقد كفر، وإنما عذرهم النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا حديثي عهد بإسلام ونبههم إلى خطورة ذلك من باب إقامة الحُجة بالعلم، (الدليل السابع): حديث حذيفــة بن اليمان ” يدرس الإسلام كمــا يدرس وشى الثـوب “: ” عن حذيفة بن يمان مرفوعاً: يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب، حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: (لا إله إلاّ الله) فنحن نقولها، فقال له صلة: ما تغنى عنهم: لا إله إلاّ الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة تنجيهم من النار ثلاثـاً ” ([31]).
والحديث واضح الدلالة على أنّ المسلم معذور بجهله ومثاله طوائف في آخر الزمان لا تقوم عليهم الحُجة سوى بشهادة التوحيد وحدها، ومن ثمّ لا يعلمون ولا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة، وقد رفع عنهم القرآن الكريم فلا تبقى منه في الأرض آية واحدة، فهؤلاء يعذرهم الله تعالى بجهلهم بفرائض الإسلام ومن ثم تنجيهم شهادة التوحيد من النار لأنه ما قامت عليهم الحُجة إلاّ عليها.
(قلت): الأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه، فهذا يأثم ويعّذر ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف، لاسيما وهو مقر بالتوحيد وأركان الإيمان التي بلغته، والأصل في بيان هذه القاعدة هو حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وفيـه: (يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب، حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة… وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة (لا إله إلاّ الله) فنحن نقولها، فقال له صله: ما تغني عنهم لا إله إلاّ الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ … ثم أقبل في الثالثة فقال يا صله: تنجيهم من النار ثلاثاً)، وفي الحديث دلالة واضحة على العذر بالجهل وأن المسلم الذي يقول لا إله إلاّ الله معذور بجهله الذي لا يملك دفعه عند زوال العلم والعلماء، وحذيفة رضي الله عنه أخبر تلميذه التابعي (صله) رحمه الله أنّ في هذه الأزمان التي يزول فيها العلم يعذر المسلم بجهله بجميع أصول الدين وفروعه ما كان محافظاً على أصل الإقـرار بشهـادة التوحيـد (لا إله إلاّ الله)، ومنه يتبين أنّ الجأهل معذور حتى تقوم عليه الحُجة بالعلم، أمّا المعتزلة الذين يقسمون الدين إلى أصـول (عقائد) لا يعذر الجأهل بها، وفروع (مسائل العمل) يعذر الجأهل بها، وكذلك أشباههم الذين يقسمون الدين إلى توحيد ألوهية وربوبية لا يعذر فيها المـرء بجهلـه، وبقيـة الديـن (فروع) يعذر فيها بجهله، فهو تقسيم مبتدع لم يأت به كتاب ولا سنّة ولا قول السلف ولا أئمة المسلمين من بعدهم، ولابن العربي رحمه الله درة بخصوص عموم العذر لأصول الدين وفروعه قال فيها: ” الجأهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً، فإنه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين له الحُجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعاً جلياً قطعياً يعرفه كل المسلمين من غير نظر وتأمل “([32]).
فنلاحظ أنه عمم العذر بالجهل حتى شمل أعمال الكفر والشرك، وعدم التفريق في العذر بالجهل بين أصول ولا فروع هو مذهب أهل السنّة والجماعة بخلاف المعتزلة ومن سار على نهجهم في التعجل بالتكفير على أهل القبلة، (قلت): العذر يتأكد في الزمان والمكان الذي يغلب فيه الجهل ويقل العلم وإنما ذلك لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة فالعذر يكون آنذاك أولى وآكد وأوسع، وهذا الحكم من آثار رحمة الله التي وسعت كل شيء، (قلت): ويتفرع من القاعدة السابقة قاعدة آخرى: ألاّ وهي أنّ المعلوم من الدين بالضرورة أمر إضافي، فما كان معلوماً من الدين بالضرورة في مكان ما ليس بالضرورة أن يكون معلوماً من الدين بالضرورة في مكان آخر، وما كان معلوماً من الدين بالضرورة في زمان الرسالة ليس بالضرورة أن يكون معلوماً من الدين بالضرورة في أزمان قلة العلم وغلبة الجهل وندرة العلماء، ولهذا كان العلماء يعذرون حديث العهد بالإسلام ويعذرون من نشأ في بادية بعيدة عن أهل العلم بما لا يعذرون به غيرهم.
يقول ابن حجر الهيثمي: ” وقد يكون الشيء متواتراً معلوماً بالضرورة عند قوم دون غيرهم، فيكفر من تواتر عنده دون غيره، أما المجمع عليه غير المعلوم بالضرورة كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب فلا كفر بإنكاره عندنا ” أهـ([33]).
وآخـر ما تيسر من الضوابط المتعلقة بالعذر بالجهل: أنّ الاعتبار في بلوغ الحُجة بالنسبة لعذر المسلم المتلبس بالكفر الأكبر بجهله هو عدم إمكان العلم، فمن ادعى عدم علمه بالعمل المكفر أو القول المكفر يقبل ادعاؤه بجهله، وذلك لأن التكفير حق خالص لله عز وجل، ويترتب عليه الحكم بردة المعين، فيجب الاحتياط الشديد عند الحكم على مسلم معين بكفر وترجيح جانب حسن الظن به، وهو هنا يحتم علينا قبول قوله، وعلى هذا الاعتبار كان عمل الصحابة رضي الله عنهم، فقد أورد ابن حجر في تلخيص الحبير: ” أنّ عمر رضي الله عنه عذر من زنت من مرعوش بدرهمين وكانت تستهل به ولا تكتمه لجهلها وعدم علمها بتحريم ذلك، وسأل عمر رضي الله عنه عثمان رضي الله عنه عن حكمها فقال: أراها تستهل به وليس الحدّ إلاّ على من علم فقال عمر: صدقت والذي نفسي بيده ما الحدّ إلاّ على من علم ” أهــ ([34]).
[، وعلى ذلك فليس الحدّ إلاّ على من علم، وهذا يدلنا على أنّ الاعتبار الصحيح في العذر بالجهل هو (عدم إمكان العلم) ويتحقق ذلك بإقرار المرء فإن أقر بالجهل ودلت الشواهد على صدقه فها هنا لا سبيل إلى إقامة الحدّ عليه لأن الحدّ لا يكون إلاّ على من علـم، وينقل ابن حزم أنّ هذا هو قول السلف، فيقول: ” وقد جاءت في هذا عن السلف آثار كثيرة كما روينا عن سعيد بن المسّيب أنّ عاملاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمر يخبره أنّ رجلاً اعترف عنده بالزنى فكتب إليه عمر أن سله هل كان يعلم أنه حرام فإن قال نعم فأقم عليه الحدّ وإن قال لا فأعلمه أنه حرام فإن عاد فاحدوه، وعن الهيثم بن بدر عن حرقوص قال: أتت امرأة إلى علي بن أبي طالب فقالت إن زوجي زنى بجاريتي فقال صدقت هي ومالها لي حِلّ، فقال لي علي: اذهب ولا تعد كأنه درأ عنه الحدّ بالجهالة “([35]).ومن قول ابن حزم وابن حجر نعلم أنّ هذا هو مذهب عمر وعثمان وعلي ولا نعلم لهم مخالفاً، لاسيما وابن حزم ينقل هذا عن السلف وأنه وردت عنهم في ذلك آثار عديدة، فإذا كان هذا هو قولهم في الحدود وهي غالباً ما تكون حقوقاً مشتركة بين حق الله تعالى وحقوق العباد، فإن الحقوق الخالصة لله عز وجل أولى بذلك ومنها التكفير والتفسيق والتبديع، فلا ينبغي فيها إلاّ اعتبار قاعدة (عدم إمكان العلم) بمعنى أن الوالج فيها معذور بجهله حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بذلك، (قلت): ولا يُخالف هذه القاعدة ما قد يظنه البعض من كون عمر رضي الله عنه أقام الحدّ على عثمان بن مظعون في شرب الخمر، وذلك لأن عثمان بن مظعون، رضي الله عنه كان يعلم بحرمة شرب الخمر والحدّ المترتب عليه، ومع ذلك شربه متأولاً فالأمر هنا ليس من باب العذر بالجهل حتى يدرأ عنه الحدّ لأنه يعلم بالحرمة وإنما هو من باب العذر بالتأويل في استحلاله لشرب الخمر، ومعلوم أنّ استحلال المعصية كفر أكبر إلاّ أنّ عمر رضي الله عنه درأ عنه حدّ الكفر والردة بالعذر بالتأويل، وجلده لشرب الخمر لأنه يعلم بحرمة الخمر والحدّ المترتب عليه، فلكل موضع حكمه الملائم به وهذا ما كان من عمر رضي الله عنه، ولا يُشكل على هذه القاعدة أيضاً ما يظنه البعض من أنّ من أتلف شيئاً ولو عن جهل أو خطأ أن عليه إصلاحه وأنه يتحمل تبعات هذا التلف حتى وإن كان عن جهل، وذلك لأن هذه حقوق للعباد، والشريعة مبنية على التسامح في حقوق الله تعالى وعلى حفظ حقوق العباد، وإلاّ فسدت مصالح الناس وهذا من كمال حكمة الشريعة الربانية القيّمة، ولا يشكل عليها أيضاً ما يقول به بعض الفقهاء من كون من ارتكب حداً من المعلوم من الدين بالضرورة وكان في ديار الإسلام وبين المسلمين فإنه لا يصدق في ادعائه الجهل بالحكم، كمن ولد في ديار المسلمين وعاش بينهم ثم ارتكب كبيرة كالزنا وزعم جهله بحرمة الزنا، فقالوا أنه لا يُصدق في ذلك ويُقام عليه حدّ الزنا، قلت فقول هؤلاء مبني على الاحتياط واعتبار القرائن حتى لا يتهاون الناسُ بالفرائض والمحرمات ويجترئون عليها بزعم الجهل بها، أمّا عند التحقيق والوقوف عند ضوابط الشرع، فالحدّ كما قال عمر وعثمان رضي الله عنهما لا يكون إلاّ على من علم، ومن استحل ادعاء الجهل بشيء يعلمه من شرع الله فهذا عقابه وعذابه لا يعلمه إلاّ الله، وقول هؤلاء الفقهاء إنما هو في باب الحدود أمّا حدّ الكفر فهم متفقون على أنه أولى الحدود بالاحتياط وترجيح باب حسن الظن بالمسلم وحمل كلامه على أحسن المحامل، فلا يكفر من ادعى الجهل بالحكم وإنما يُعّلم أن هذا من باب الكفر فإن عاد كفر ولا كرامة، وهذا هو ما نقله ابن حزم عن عمر رضي الله عنه.
(وبقيـت أمامنـا فائدتـان جليلتـان): (الأولى): وهي الردّ على من استدل بالفطرة والميثاق على عدم العذر بالجهل في مسائل التوحيـد، (الثانية): بيان المُراد بالعذر بالجهل وأنه ضابط لمنع التكفير وليس يمنع من العقوبة والتعزيز وذلك حتى لا يصير الجهل نعمة والعلم نقمة.
[الفائدة الأولى]: في الردّ على من استدل بالفطرة والميثاق على عدم العذر بالجهل في مسائـل التوحيـد: رغم الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنّة على عموم العذر بالجهل في أصول الدين وفروعه، ورغم كثرة أقوال العلماء الأئمة الدالة على اتفاقهم على هذه القاعدة إلاّ أنّ البعض راح يزعم أنّ العذر بالجهل مقصود على الفروع وأنه لا عذر بالجهل في مسائل التوحيد لاسيما توحيد الربوبية والألوهية، وجعل السبب في ذلك هو قيام الحُجة على الناس في باب التوحيد بالميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم وبالفطرة التي فطرهم عليها، وهنا أورد بعض شبهاتهم التي أشكلت على البعض وبيان مفاتحها حتى لا تكون هناك أدنى شبهه على عموم العذر بالجهل في أصول الدين وفروعه، قالوا الذي يدّل على عدم العذر بالجهل في التوحيد ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ((يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين هل ذلك نافعه؟ قال صلى الله عليه وسلم لا ينفعه إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين))، وما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه ((أنّ رجلاً قال يا رسول الله أين أبي؟ قال في النار، فلمّا مضى الرجل دعاه فقال صلى الله عليه وسلم إنّ أبي وأباك في النار))، ([36]). قالوا هذه النصوص وغيرها دلّت على أنهم في النار بشركهم وعدم توحيدهم مع أنّ الله تعالى جعلهم من أهل الفترة وذلك في قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 46] وقوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس: 6] فلمّا لم يكن هناك من أنذرهم قبل ذلك كما دلّ القرآن ثم هم في العذاب والنار كما دلت السنّة فحتماً يدل ذلك على أنه لا عذر بالجهل في أمور التوحيد لاسيما توحيد الربوبية والألوهية، ومع استدلالهم الذي يستند إلى ظاهر الكتاب والسنّة إلاّ أنه مخالف للأدلة الكثيرة التي أوردناها من الكتاب والسنّة عن عموم العذر بالجهل للتوحيد وغيره، ووجب عند أهل العلم الجمع بين النصوص، وهو متيسر ها هنا لذوي العلم، فالآيات الدالة على أنه لم يبلغهم نذير ولم يأتهم رسول متعارضة بمثل قوله تعالى {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] فالآية تدل على أنّ عموم الأمم قد جاءها نذير وهو يشمل الأمم لأن الأفراد قد صح الحديث في أنّ من مات منهم في الفترة ولم يبلغه نذير أنه يُختبر يوم القيامة، وعلى ذلك مشركي قريش قد بلغتهم نذارة يقيناً وهذه النذارة هي دين إبراهيم الخليل عليه السلام، فهم وإن لم يرسل إليهم رسول قبل النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص إلاّ أنهم قامت عليهم الحُجة بالتوحيد بدين إبراهيم عليه السلام، ولا حُجة لهم في قولهم أنّ دين إبراهيم دخله التحريف لأنه قد كان فيهم ـ أي المشركين ـ من يعرف بالتوحيد ويدعوهم إليه ويحتج عليهم به ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل وقد جاء في صحيح البخاري أنه كان يقول لكفّار قريش ((يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيـم غـيري)) ([37]). وجاء فيه كذلك أنه كان يقول لمشركي قريش (الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحوها على غير اسم الله) ([38]).
وجاء في البداية والنهاية لابن كثير: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن زيد بن عمرو بن نفيل وأنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ويقول إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم ويسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((يُحشر ذاك أمة واحدة بيني وبين عيس ابن مريم)) ([39]).
وقال ابن كثير إسناده جيد حسن، الشاهد أنّ الحُجة قامت على مشركي قريش بدين إبراهيم عليه السلام وكان منهم الحنفاء كزيد بن عمرو بن نفيل وغيره ممن هم على بقية من دين إبراهيم عليه السلام، والشاهد أنّ عذاب هؤلاء لأنهم قد قامت عليهم الحُجة في التوحيد بدين إبراهيم الحنيف عليه السلام وهم كانوا يتفاخرون على الناس بأنهم من نسل إبراهيم، وكان فيهم الحنفاء الذين ينهوهم عن الشـرك ويدلونهـم على ديـن إبراهيـم عليـه السـلام الـذي يتفـاخرون بالانتسـاب إليـه، ولهذا قال النووي رحمه الله ـ عند شرحه لحديث إنّ أبي وأباك في النار ـ ” فيه أنّ من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ” ([40]).
[الفائدة الثانية]: العذر بالجهل ضابط لمنع التكفير حتى تقوم عليه الحُجة بالكفر الأكبر: وليس المراد به أنه عذر بإطلاق: لو أطلقنا القول بأنّ الجأهل معذور بلا ضابط لصار الجهل نعمة عند أصحابه والعلم عندهم نقمة إذ الجأهل معذور في كل شيء والعالم مؤاخذ على علمه وهذا لا يصح البتة، وإنما المقصود من هذه القاعدة أنّ ادعاء الجهل يمنع من تكفير المسلم الكفر الأكبر حتى تقوم عليه الحُجة بالعلم، وفي هذا ترجيح لجانب الاحتياط والحكم لصالح المسلم مخافة ظلمه والبغي عليه بغير وجه حق، وليس معنى ذلك أنه برئ من الإثم والذنب والتعزير فالإثم لاحق به لا محالة إن كان متمكناً من طلب العلم فلم يطلبه، والتعزير واجب في حقه إن ثبت تقصيره في طلب المعلوم من الدين بالضرورة وهذا في أحكام الظاهر، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يعلم حقيقة بالكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، والإثم واقع عليه لا محالة إن قصّر في طلب العلم أو تهاون في طلبه مع تمكنه من تحصيله والوقوف عليه .
[المفتاح السادس]: العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر:
موضوع حديثنا في هذا المفتاح: المتأول المتلبس والواقع في الكفر وإلاّ فالمتأول لما دون الكفر فهذا يتناوله باب المبتدع أو باب الفاسق والعاصي، وقد يكون متأولاً قاصداً للحـق، وهو مجتهد توافرت له عدة الاجتهاد فأخطأ فهذا مخطئ مرفوع عنه الوزر، بل قد يكون له أجر المجتهد إذا اجتهد فأخطأ، والتأويل نوعان نوع غير سائغ فلا يُعذر به المرء، ونوع سائغ يعذر به المسلم المتأول وضابط التفريق بين النوعين: أنّ ما كان منشأه من تكذيب الشريعة وقصد تعطيلها، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية وغلاة الفرق الضالة أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع وأمّا ما كان منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم، ولا يصح العذر في التأويل الغير مستساغ: لأنّ هذا التأويل يكون في حقيقته تكذيب الشريعة أو جحودها أو جحود بعض أركانها أو تعطيل أحكامها، أو التنصل من قيودها، وهذا لا يصح العذر فيه لأن مآله إلى هدم الدين من أساسه والشريعة من قواعدها، ومثال هذا التأويل: تأويلات القرامطة والباطنية والفلاسفة التي تدور على الإلحاد والكفـر بالله ورسلـه ويومـه الآخر، وتأويلات غُلاة الفرق الضالة المخرجة من الملة لجحدها معلوم من الدين بالضرورة كقول السبتية والغُرابية من الشيعة وهم يقولون بألوهية الإمام علي أو بأحقيته بالنبوة والرسالة، وتأويلات غُلاة القدرية الذين ينفون علم الله عز وجل بالكلية، وفي بيان هذه التأويلات التي لا تُقبل من صاحبها، يقول الإمام الغزالي رحمه الله: ” ولابد من التنبيه على قاعدة وهو أنّ المخالف قد يُخالف نصاً متواتراً ويزعم أنه مؤول مثـاله: ما في كلام بعض الباطنية أنّ الله تعالى واحد بمعنى أنه يُعطي الوحدة ويخلقها، وعالم بمعنى أنه يُعطي العلم لغيره ويخلقه، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره، وأما أن يكون واحداً في نفسه وموجوداً وعالماً على معنى اتصافه فلا، وهذا كفر صُراح، لأنه حمل الوحدة على اتحاد الوحدة ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلاً، إلى أن قال.. فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عُبّر عنها بالتأويلات “([41]). ويقول ابن الوزير: ” لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار ” ([42]).
وقال ابن الوزير أيضاً: ” طوائف الإسلام الذين وافقوا على الإيمان بالتنـزيل وخالفوا في التأويل فهؤلاء لا يكفر منهم إلاّ من تأويله تكذيب، ولكن سمّاه تأويلاً مخادعة للمسلمين ومكيدة للدين، كالقرامطة الذين أنكروا وصف الله تعالى بكونه موجوداً وعالماً وقادراً ونحو ذلك من الصفات التي علم الكافة بالضرورة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم جاء بها على ظاهرها ” ([43]).
وقال الـمُـلا على القارئ: ” وأمّا من يؤول النصوص الواردة في حشر الأجساد وحدوث العالم وعلم الباري بالجزئيات فإنه يكفر، لما علم قطعاً من الدين أنها على ظواهرها، بخلاف ما ورد في عدم خلود أهل الكبائر في النار لتعارض الأدلة في حقهم “([44]).
والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ (وهذا هو التأويل الذي تتناوله هذه القاعدة): وهذا التأويل يكون من قبيل الخطأ مع قصد موافقة الشريعة والاجتهاد في الطاعة والقربة وغالباً ما يكون سببه الجهل و الهوى الخفي، مع وجود وجه مستساغ له في اللغة وله وجه في الشـرع، وهذا التأويل يُعذر صاحبه بالتأويل فلا يوصف بالكفر الأكبر وإن كان متلبساً به حتى تُقام عليه الحُجة التي تنقطع دونها شبهاته والتي يكفر تاركها بيقين، قال ابن حجر ” قال العلماء كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم إذا كان تأويله سائغاً في لسان العرب وكان له وجه في العلم ” ([45]).
وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي صلى الله عليه وسلم ومن إجماع الصحابة رضي الله عنهم:
(أ) الأدلة من كتاب الله تعالى على عذر المتأول: قال تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] دلت الآية الكريمة على قاعدة شرعية عظيمة ألا وهي أنّ المؤاخذة والتأثيم لا تكون على مجرد المخالفة ما لم يتحقق القصد القلبي إليها، ومعلوم أنّ المتأول في ظاهره ـ وقد أمرنا أن نحكم على الظاهر ـ يقصد الحق ويقصد متابعة الشريعة إلاّ أنه أخطأ الدليل، فالآية تتناوله إن شاء الله تعالى، وهكذا كل آية دلت على هذه القاعدة الشرعية العظيمة كمثل قوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]
وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال (قد فعلت) ([46]) . فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة، ويؤكد ذلك ما ذهب إليه ابن حجر رحمه الله قال: ” قال ابن التين أجرى البخاري قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} [الأحزاب: 5] في كل شيء وقال غيره: هي في قصة مخصوصة وهي ما إذا قال الرجل يا بُني وليس ابنه.. ولو سلّم أن الآية نزلت فيم ذكر لم يمنع ذلك من الاستدلال بعمومها في سقوط الإثـم “([47]). وقال ابن الوزير رحمه الله: ” قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ، والظاهر أن أهل التأويل أخطئوا، ولا سبيل إلى العلم بتعمّدهم، لأنه من علم الباطن الذي لا يعلمه إلاّ الله تعالى، قـال الله تعالى في خطاب أهل الإسلام خاصة: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] وقال تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]، وصحّ في تفسيرها أن الله تعالى قال: قد فعلتُ في حديثين صحيحــين ” ([48]).
(ب) الأدلة من السنّة على عذر المتأول: النبي صلى الله عليه وسلم يعذر أسامة بن زيد بالتأويل: أخرج مسلم وأبو داود وابن ماجة والإمام أحمد ” عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول الله إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ـ كان قد أثخن على المسلمين ـ قال فلمّا غشيناه قال لا إله إلاّ الله قـال: فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي فقتلته، قال فلمّا قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله)قلت يا رسول إنما كان متعوذاً، قـال: (أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله؟) فمازال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم،وفي رواية: هلا شققت عن قلبه ” ([49]).
فهاهنا النبي صلى الله عليه وسلم ـ عذر أسامه رضي الله عنه، وعذره إنما يكون لأنه فعل ما فعل من قتل القاتل لشهادة التوحيد متأولاً أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة بالتأويل: أخرج البخاري رحمه الله عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال ” بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها) فذهبنا تعادى بنا خلينا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب ابن أبي بلتعه إلى أناس من المشركين ممن بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما هذا يا حاطب؟) قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله إني كنت امرأ من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذا فاتني من النسب فيهم أنّ أصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه قد صدقكم)، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال صلى الله عليه وسلم (إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، ([50]).
(قلت) النبي صلى الله عليه وسلم عذر حاطب رضي الله عنه بالتأول وذلك أنّ حاطب رضي الله عنه تأول أنّ خوفه من الكفار على أهله وماله يرخص له في موالاة الكافرين، ولا شك أنه كان مخطئاً في تأويله وقد عاتبه الله عز وجل على فعله في بداية سورة الممتحنة، وعذره الرسول صلى الله عليه وسلم لخطئه في التأويل لاسيما وهو رضي الله عنه موقن أنّ الله تعالى ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم لا محالة وأنّ فعله هذا لا يضر بالرسول صلى الله عليه وسلم ولا بدعوتـه، وفي بيان عذره بالتأويل: أنشأ البخاري ـ رحمه الله ـ بابا في كتابه ” الأدب ” [باب من لم ير إكفار من فعل ذلك متأولاً أو جاهلاً] ذكر فيه ” وقال عمر في حاطب بن أبي بلتعة إنه نافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم (وما يدريك لعل الله قـد اطلـع إلى أهل بـدر فقـال قد غفـرت لكـم) ” أهــ وقال ابن حجر رحمه الله: ” وعذر حاطب ما ذكره، فإنه صنع ذلك متأولاً أنّ لا ضرر فيه ” ([51]).
والمعنى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما عذره لما تأوله لفعله وإن كان مخطئاً إلاّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عذره بتأويله فلم يكفره وعذره بأنه كان من أهل بدر فلم يعذره لخطئه وأقال عثرته
(ت) إجماع الصحابة رضي الله عنهم على عذر قدامة بن مظعون وأصحابه بالتأويل: والقصة معروفة وحاصلها أنّ قدامة بن مظعون وجماعة من أصحابه شربوا الخمر في خلافة عمر رضي الله عنه، فأراد أن يقيم عليهم حدّ الخمر فاحتج له بالآية {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93] ظناً منه وتأولاً للآية أنه لا جناح على المؤمنين المتقين في شرب الخمر، فاستشار عمر رضي الله عنه الصحابة فاتفقوا على أنّ هذا استحلال للخمر واستحلال المحرمات كفر، واتفقوا على عذره بالتأويل فلا يكفرونه إلاّ بعد إقامة الحُجة عليه فإن أبى بعد ذلك كفر وقُتل ردة، فلمّا أقاموا عليه الحُجة بالأدلة الشرعية تاب ورجع وأقاموا عليه حدّ شرب الخمر، وعذروه بتأويله لاستحلال المحرّم فلم يكفروه، وفي هذه القصة يقول ابن تيمية: ” ولهذا لمّا استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة بن مظعون وأصحابه شرب الخمر وظنوا أنها تُباح لمن عمل صالحاً على ما فهموه من آية المائدة، اتفق علماء الصحابة كعمر وعليّ وغيرهما على أنهم يُستتابون فإن أصروا على الاستحلال كفروا وإن أقروا به جُلدوا، فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداءً لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق وكذلك الحكم على كل من استحل محرماً من المحرمات الظاهرة المتواترة إذا لم تقم عليه الحُجة وعرضت له الشبهات من جنس ما عرض لهؤلاء فالتكفير بعد إقامة الحُجة وإزالة الشبهة” أهــ([52]).
(ث) إجماع علماء أهل السنّة والجماعة على عذر المتأول: حكى الإمام الشافعي رحمه الله: الإجماع على عذر المتأول حتى وإن استحل المحرم بتأويله أو جحد الفرض بتأويله ما كان لا ينطوي على تكذيب الشريعة، وما كان له من وجه يحتمله، فقال رحمه الله: ” فلم نعلم أحداً من سلف الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم ردّ شهادة أحدٍ بتأويل وإن خطّـأه وضلّله، ورآه استحل فيه ما حرم عليه، ولا ردّ شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال والمفرط من القول، وذلك أنّـا وجدنا الدماء أعظم ما يُعطى الله تعالى بها بعد الشرك، ووجدنا متأوّلين يستحلّونها بوجوه، وقد رغب لهم نظراؤهم عنها وخالفوهم فيها، ولم يردّوا شهادتهم بما رأوا من خلافهم، فكل مستحلّ بتأويل من قول أو غيره، فشهادته ماضية ولا تردّ من خطأ في تأويله ” ([53]).
ولو تدبرنا كلام الإمام الشافعي الذي ملأ طباق الأرض علماً لعلمنا يقيناً صحة هذه القاعدة (العذر بالتأويل مانع من تكفير المسلم) فكيف إذا أشار رحمه الله إلى أنه إجماع السلف الذي لا يعلم الشافعي فيه خلافاً، وأنّ إجماعهم لم يصل إلى حدّ عدم إعذاره فحسب ـ وإن كان استحل بتأويله الدم والمال ـ بل إلى حدّ عدم ردّ شهادته.
[المفتاح السابع]: وجــوب التفريــق بيــن التكفيــر المطلــق وتكفير المعين:
أهل السنّة والجماعة يفرقون بين تكفير المطلق وتكفير المعين، ففي التكفير المطلـق يقولـون [القول بكذا أو فعل كذا كفر] ويقولون من فعل كذا أو قال كذا فهو كافر دون تعيين لشخص بعينه، فإن قال هذا القول المكفر أو فعل هذا الفعل المكفر رجل بعينه فأهل السنّة والجماعة لا يحكمون بكفره بعينه حتى يتحققون من شروط تكفيره ويتحققون من انتفاء موانعه، فعندئذ تقوم عليه الحُجة التي يجوز معها تكفير المعين، وفي بيان شرط إقامة الحُجة لتكفير المعين قال ابن تيمية: ” وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحُجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين، لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلاّ بعد إقامة الحُجة، وإزالة الشبهة ” ([54]).
وقـال أيضـاً: ” إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإنّ تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلاّ إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه المعلومات، لم يكفّروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه “([55]).
(أقول) قد يكون القول أو الفعل كفراً ولكن لا يكفر صاحبه إمّا لعدم بلوغ النذارة إليه وإمّا لجهله وإمّا لتأويل عنّ له فلم يفهم المقصود من النص، ويتبين لنا خطأ أولئك الذين لا يفرقون بين التكفير المطلق وتكفير المعين فإذا وقع معين في كفر سارعوا إلى تعيينه بالكفر دون النظر إلى تحقق شروط الكفر وانتفاء موانعه في حق هذا المعين.
[المفتاح الثامن]: لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيره:
(الأمـور المحتملة للكفـر وغيـره): هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة، ولكنها تحتمل الكفر وغيره، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها فعلى سبيل المثال من سجد أمام شيخ أو عالم لا يجوز تكفيره لمجرد السجود بل لابد من تبين قصده فإن قصد عبادته فهذا كفر أكبر وهو لا يكفر على التعيين حتى يستوفي شروط الكفر وتنتفي موانعه من الجهل أو التأويل أو الإكراه، وإن قصد تكريمه وتعظيمه فهذا معصية وكبيرة إذ قد نسخ هذا الأمر في شرع النبي صلى الله عليه وسلم.
ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة: (1) ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن أبي أوفى قـال: ((لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، قال ما هذا يا معاذ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)) ([56]).
،والواضح لمن تدبر الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم تبين أول الأمر قصد معاذ رضي الله عنه فلمّا علم أنه سجود تعظيم نهاه عنه ودله على أنه لو كان آمراً أحداً أن يسجد تعظيماً لأحد وتكريماً له لأمر المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها، ولكن (لو) حرف امتناع لامتناع، فيمتنع فعل الزوجة ذلك لزوجها.
(2) مـا أخرجـه البخـاري ومسلـم ـ في قصة حاطب ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة ـ ” وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ((ما هذا يا حاطب؟)) قال لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال (إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم) ” ([57]).
فالموالاة ـ موالاة الكافرين ـ يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات فقال لهم صلى الله عليه وسلم (لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم) ومعلوم أنّ الله لا يغفر الشرك الأكبر ومنه بإجماع الكفر الأكبر فلمّا دلّهم أنّ الله غفر له دلّ على أنه معصية من باب الذنوب التي تكفرها الحسنات العظيمة.
وفي بيان فقه حديث حاطب يقول الإمام الشافعي رحمه الله: ” في هذا الحديث مع ما وضحنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون، لأنه لمّا كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قاله حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكاً في الإسلام وأنه فعله ليمنع أهله ويحتمل أن يكون ذله لا رغبة عن الإسلام واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله فيما احتمل فعله، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بأن لم يقتله ولم يستعمل عليه الأغلب، ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذه، لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده، فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يُريد غرّتهم فصدقه وما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس فيكون لذلك مقبولاً، كان من بعده في أقل من حاله وأولى أن يقبل مثل ما قبل منه، فإن قيل: أفرأيت إن قال قائل إن سول الله صلى الله عليه وسلم قال: قد صدق إنما تركه لمعرفته بصدقه لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره فيقال له: قد علم صلى الله عليه وسلم أنّ المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر فلو كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم في حاطب بالعلم بصدقة كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم ولكنه إنما حكم في كلٍ بالظاهر وتولى الله عز وجل منهم السرائر، ولئلا يكون لحاكم بعد أن يدع حكماً له مثل ما وصفت من علل الجاهلية “([58]).
ولضرب مثال لتقريب فهم تلك القاعـدة التي هي من أعظم الضوابط لمسائل التكفير، (أقول): رجل ذبح للجنّ مثلاً فيقال له ما القصد من الذبح للجنّ فإن قال قصدت عبادتهم فهذا كفر أكبر لا شك فيه وإن قال الجنّ مثلنا موجودون وهم مؤذون بطبعهم، وقد ذبحته دفعاً لأذاهم لأنّ الجنّ لا يكفون أذاهم إلاّ بهذا الذبح، وانا لم أقصد عبادتهم ولا صرف العبادة لاحد منهم بل العبادة لا تصرف إلا لله، فنقول هذه كبيرة ومعصية لا ينبغي فعلها لأنه لا ينبغي الذبح لمثل هذا ولا يدفع الضر إلاّ الله، والواجب التوكل على الله في دفع هذا الأذى مع اجتناب الذبح لغير الله لأن القصد الظاهر لهيئة هذا الذبح هو العبادة كما يذبح المشركون للجنّ وللأصنام.
(ومثـال آخر): السجود لغير الله فلابد من تقييده بأن يكون سجوده هذا قاصداً لعبادة من سجد له معتقداً ربوبيته، فإنه بهذا السجود قد أشرك بالله عز وجل: وأثبت معه إلها آخر، وأما إذا لم يقصد إلاّ مجرد التعظيم فهذا ليس من الكفر في شيء، والحاصل أنّ القول أو العمل محتمل الدلالة على الكفر وغيره لابد فيه من النظر إلى المرجح الشرعي وهو ها هنا معرفة قصد الفاعل فإن لم يتيسر فالنظر في قرائن الحال المصاحبة للعمل، وقرائن الحال وإن كانت من المرجحات إلاّ أنها ليست يقينية في قوة معرفة قصد الفاعل باستجوابه وإقراره بلسانه عن قصده، ومثال على قرائن الحال أن الساجد للشيخ مظنته الإكرام والتعظيم لهذا الشيخ وأمّا الساجد للصنم فمظنته العبادة والتذلل فالأول لقرينة الحال كان أقرب إلى الكبيرة منه إلى الكفـر والثاني لقرينة الحال كان أقرب إلى الكفر منه إلى الكبيرة، وهكذا ينبغي أن يكون الفقه في دين الله تعالى ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الديــن.
[المفتاح التاسع]: اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمــان القوليــة والعمليـة:
هذه القاعدة الرصينة من قواعد أهل السنّة والجماعة الدالة على رسوخهم في فهم أدلة الكتاب والسنّة وعلى احتياطهم في مسائل الإيمان والكفر، فالأقوال والأعمال عند علماء أهل السنّة والجماعة ـ لا تُعتبر إلاّ من عاقل، قال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89]، وقال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]، والآيتان كلاهما دلالة على أنّ اليمين إذا لم يقصده بقلبه ولم يعقد عليه بقلبه فإنه لغو لا يُؤاخذ عليه، فإنه إذا كـان اليمـين بالله ـ وفيها ما فيها ـ لا يؤاخذ فيها إلا بما كسب القلب، أو قصدها الضمير، فغيرها من الأقوال كذلك أولى، ومنه نستفيد رفع الجناح في جميع ما أخطأ به الإنسان من قول وعمل ما لم يقصده بقلبه، وقال الإمام النووي عند شرحه للحديث المتفق عليه: ((كان رجل يسرف على نفسه فلمّا حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن قدر الله علىّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، فلمّا مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك ففعلت فإذا هو قائم فقال: ما حملك على ما صنعت قال يارب خشيتك فغفر له)) ([59]).
قال النووي: ” وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره، ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومقتصد له، بل قاله في حالةٍ غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله فصار في معنى الغافل والناسي فهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته: أنت عبدي وأنا ربك فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو “([60]).
فالإمام النووي يرى أن عذر هذا الرجل هو عدم القصد لحقيقة قوله ومعناه والذي هو إنكار البعث ولهذا عذره الله عز وجل فغفر لـه، ويقول القاضي عياض: ” وقد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه غريمه، فقال له: صلّ على النبي محمد، فقال الطالب: لا صلى الله على من صلى عليه، فقيل لسحنون: هل هو كمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه، قال: لا، إذا كان على ما وصفتَ من الغضب، لأنه لم يكن مضمراً الشتم، وقال أبو إسحاق البرقي، وأصبغ بن الفرج: – لا يقتل، لأنه إنما شتم الناس، وهذا نحو قول سحنون، لأنه لم يعذره بالغضب في شتم النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لما احتمل الكلام عنده، ولم تكن معه قرينة على شتم النبي صلى الله عليه وسلم، أو شتم الملائكة صلوات الله عليهم، ولا مقدمة يحمل عليها كلامه، بل القرينة تدل على أن مراده الناس غير هؤلاء، لأجل قول الآخر له: – صل على النبي فحمل قوله وسبّه لمن يُصلي عليه الآن لأجل أمر الآخر له بهذا عند غضبه ” أهـ ([61]).
ويقول السبكي عن مسألة إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ” لكن الأذى على قسمين أحدهما: يكون فاعله قاصداً لأذى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن هذا يقتضي القتل، وهذا كأذى عبد الله بن أبيّ في قصة الإفك، والآخر أن لا يكون فاعله قاصداً لأذى النبي صلى الله عليه وسلم مثل كلام مسطح وحمنة في الإفك، فهذا لا يقتضي قتلاً، ومن الدليل على أن الأذى لابد أن يكون مقصوداً قـول الله تعـالى: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ} [الأحزاب: 53]، فهذه الآية في ناس صالحين من الصحابة، لم يقتض ذلك الأذى كفراً، وكل معصية ففعلها مؤذي، ومع ذلك فليس بكفر، فالتفصيل في الأذى الذي ذكرناه يتعين ” أهــ ([62]).
ولله دره فكلامه رحمه الله غاية في الفقه والصواب، فمسطح وحمنة لم يكن قصد أحد منهما إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة الإفك ولهذا لم يقتض قولهما سوى الحدّ أمّا المنافق عبدالله بن أبيّ ابن سلول فقد كان يقصد من حديث الإفك أذى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كفر أكبر موجب للقتل ردّة ولكن لما لم يقم على هذا المنافق دليل شرعي معتبر لأحكام الدُنيا من الإقرار أو اعتراف شاهدي عدل لم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم.
[المفتاح العاشر]:لا يجــوز التكفيــر بمــآل القـول ولا بلازمـه: (التكفير بالمآل):
المقصود بالتكفير بالمآل هو أن يقول المرء قولاً يؤديه سياقـه إلى كفـر، قـال ابن رشد الحفيد في تعريف التكفير بالمآل: ” معنى التكفير بالمآل أنهم لا يصرحون بقول هو كفر ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم ” أهـ([63]).
وضرب القاضي عياض مثالاً للتكفير بالمآل وعدم التكفير به، ثم رجح عدم التكفير به: فقال ـ عند ذكره للمعطلة ـ ” فأمّا من اثبت الوصف ونفى الصفة فقال: أقول عالم ولا علم له، ومتكلم ولكن لا كلام له، وهكذا في سائـر الصفـات على مذهـب المعتزلـة، فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كفّره، لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم، إذ لا يوصف بعالم إلاّ من له علم فكأنهم صرّحوا عنده بمـا أدى إليـه قولهــم، ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم لم ير إكفارهم، قال لأنهم إذا وقفوا على هذا، قالوا لا نقول ليس بعالم، ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر، بل نقول قولنا لا يؤول إليه على ما أصّلناه، فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل، وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف النـاس في ذلـك، والصواب: ترك إكفارهم والإعراض عن الحكم عليهم بالخسران، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم والصلاة عليهم، ولكنه يُغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم ” أهـ ([64]).
وقال ابن حزم ـ في بيان مذهب أهل السنّة في عـدم التكفيـر بمـآل القـول ـ ” وأمّا من كفّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ، لأنه كذب على الخصم وتقول له ما لم يقل به وإن لزمه، فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفراً، بل قد أحسن إذ قد فرّ من الكفر ـ إلى أن قال ـ فصحّ أنه لا يكفر أحد إلاّ بنفس قوله ونص معتقده ولا ينفع أحد أن يعبر عن معتقده بلفظ يحسن به قبحه، لكـن المحكـوم به هـو مقتضى قوله فقط ” ([65]).
وقـال الشـاطبي ـ ” والذي كنّا نسمعه من الشيوخ أنّ مذهب المحققين من أهل الأصول أنّ الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال ” أهـ ([66]).
(ولا يجوز التكفير بلازم القول): ولازم القول هو الذي لا ينفك عنه بحال، وقد يكون هذا اللازم بيّناً وهو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزم بينهما، وقد يكون اللازم غير بيّن وهو الذي يفتقر جزم العقل باللزوم إلى وسط ” ([67]).
والتكفـير بـلازم القـول لا يجـوز وإلاّ كفّـرت الأمـة بعضهـا بعضـاً، بلوازم لا يعتقدها قائل ملزومها، قال السخاوي: (والذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعرض عليه فالتزمه.. أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافراً ولو كان اللازم كفراً) أهــ ([68]).
ومثال ذلك زهم من زعم بأنّ العرش قديم، ولازم القول أنه ليس بمربوب، لأنه علامة الربوبية الخلق، والله تعالى يقول: {وهو رب العرش العظيم}، فلازم القول بقدم العرش تكذيب القرآن ولكن لما لم يلتزمه فلا يكون في حقه كفرا.
[المفتاح الحادي عشر]: قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر (الكفر دون كفر)، أو بعض شعب الشرك (الشرك الأصغر)، أو بعض شعب النفـاق لنفاق العملي)، وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمه:
المسلم قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، ولا يكون بذلك كافرا ولا مشركا، وهذا من أعظم أصول أهل السنّة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، كما في قوله تعـالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، فإنّ الله تعالى أثبـت لهـم إيمانـاُ بـه سبحانـه مـع وقوع الشـرك دون شرك، وقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) ([69]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق)) ([70]) . وقوله صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لن يدعوهن: الفخر بالأحساب، والطعـن في الأنسـاب، والنياحـة، والاستسقـاء بالنجوم)) ([71]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)) ([72]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)) ([73]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم)) ([74]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه ـ وهو يعلمه ـ إلاّ كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن رمى رجلاً بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك، إلاّ رجـع عليـه))، ([75]). وقوله صلى الله عليه وسلم ((ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه، إلاّ كفر بالله، ومن ادعى قوماً ليس منهم، فليتبوأ مقعده من النار)) ([76]) .، وقوله صلى الله عليه وسلم ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) ([77]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر ! فقد باء بها أحدهما) ([78]) .، وقول ابن عباس رضي الله عنهما: في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} و{فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق
[المفتاح الثاني عشر]: لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة عن منهاج أهل السنّة بإطلاق،
وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير، التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلم: اتفق أهل السنّة والجماعة على أنّه لا يجوز تكفير المسلم – أي مسلم – بذنب فعله ولا بخطأ أخطـأ فيـه ولا ببدعة ابتدعها إلا أن تشتمل على مكفر، والبدعة المكفرة: هي البدعة التي تشتمل على اعتقاد أو قول أو عمل نص الشارع على كفره، أو اتفق علماء أهل السنّة والجماعة على تكفيره كمن كانت بدعته تتضمن انكار معلوم من الدين بالضرورة، وهنا يكون التكفير المطلق وليس معنى ذلك الحكم بكفر كل من أتى بها بعينه، لأنّه قد تكون هناك موانع في حقه تمنع من تكفيره، كالجهل بدين الله تعالى، أو تأويل في حق أحكامه، وهنا لابد من إقامة الحجة حتى يقع الحكم على معين، ولا تعتبر الحجة إلا من أهل العلم المتخصصين في العلم الشرعي، والمخولين بإقامة الحجة على المخالف، فآنذاك يُعامل معاملة الكفار.
وعلى ذلك، فإن من شروط تكفير المبتدع المعين:
(الشرط الأول): أن تكون بدعته مكفرة، فإذا كانت بدعته التي جاء بها لا تدخل تحت وصف الكفر فإنه لا يكون كافراً.
و(الشرط الثاني): أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنّة والجماعة في تكفير المعين، ومن أهمها: (أ) العلم بحقيقة حكم هذه البدعة التي وقع فيها وأنها مخالفة للشرع، والجأهل معذور حتى تُقام الحجة عليه بالعلم، (ب) عدم التأويل وضده وجود التأويل، فعدم التأويل شرط ووجوده مانع، وبناءً عليه فإذا كان من وقع في هذه البدعة وقع فيها عن تأويل فإنه ينتظر بتكفيره حتى يكشف له الأمر وتزال عنه الشبهة وتتضح له الحجة، لكن لابد أن يكون تأويلاً سائغاً، فالتأويل السائغ والإعذار به له اعتبار في مسألة تكفير المعين، ومنها: (ت) قيام الحجة مستوفاة شروطها، وكذلك فإنّ العمل عند أهل السنّة والجماعة على عدم تكفير الفرق الضالة كالخوارج والروافض والمعتزلة والمرجئة والحشوية لا بإطلاق، ولا تعيين، فكلهم على البدعة وليسوا على الكفر إلا من أتى منهم بأمر مكفر، معلوم من الشرع بالضرورة، وحتى الخوارج المارقين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، قاتلهم أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علىّ بن أبي طالب ولا الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علىّ رضي الله عنه، حتى سفكوا الدمّ الحرام وأغاروا على المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفّار، نسأل الله تعالى أن يفقهنا في ديننا إنه سميع الدعاء.
***
([7]) المصدر السابق 1/52 ح 21.
([8]) المصدر السابق 1/53 ح 23.
([12]) المصدر السابق 1/57 ح 29.
([13]) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم حـ1/199 – 200.
([15]) صحيح مسلم 1/134 ح 153 مسلم بشرح النووي 2/186.
([16]) مسلم بشرح النووي 2/188 ط، دار الكتب العلمية.
([17]) صحيح مسلم 3/1233 ح 1614، الموطأ 2/519 ح10.
([18]) صحيح البخاري 9/123 ح 7416.
([20]) الجامع لأحكام القرآن 6/164 – 165.
([23]) مسند أحمد 26/228 ح16301، صحيح ابن حبان 6/188 ح 5098، التمهيد لابن عبدالبر 18/130.
( [26] ) مصنف عبدالرازق 9/193 ح 19273، مسند أحمد 24/110 ح 25957، سنن ابن ماجة 3/656 ح 2638، سنن ابو داود 6/592 ح 4534.
( [27] ) المحلى لابن حزم 10/410 – 411.
([28]) مسند البزار 10/226 ح 4318، مجمع الزوائد 4/309.
([29]) مجمع الزوائد 4/381، سنن ابن ماجة 3/59 ح 1853. نيــل الأوطــار حـ6/361.
([30]) مسند أحمد 36 /225 ح 21897، السنة لابن ابي عاصم 1/37 ح 76.
([31]) سنن ابن ماجة5/173 ح 4049.
([32]) نقله عنه القاسمي في محاسن التأويل 5/1307.
([33]) فتح المبين لشرح الأربعين ص69.
([34]) تلخيص الحبير لابن حجر حـ4/61.
([35]) المحلى لابن حزم 11/184.
([37]) صحيح البخاري 5/40 ح 3827.
([38]) صحيح البخاري 5/40 ح 3826.
([40]) صحيـح مسلـم بشـرح النـووي 3/79.
([41]) فيصـل التفرقة للغزالي ص147
([42]) إيثار الحق على الخلق ص415.
([43]) العواصم والقواصم ـ4/176.
([48]) إ يثـار الحق على الخلق ص435.
([49]) صحيح البخاري 5/144 ح 4269، صحيح مسلم 1/97 ح 96، مسند أحمد 36 /74 ح 21745.
( [53] ) الأم للإمام الشافعي 6/205 – 206.
( [54] ) مجمـــوع الفتاوى حـ12/466.
([55]) مجمـــوع الفتاوى 12/487.
([56]) مسند أحمد 32/145 ح 19403، سنن ابن ماجة 3/59 ح 1853، المستدرك 4/190 ح 7325. وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في ارداء الغليل حـ7/55 – 58.
([58]) الأم للإمام الشافعي 4/264.
([59]) صحيح البخاري 4/176 ح 3481.
([60]) شــرح النـووي لصحيـح مسلـم حـ17/71.
([61]) الشفــا للقاضي عيــاض 2/979 – 980.
([62]) فتــاوى السبكي 2/591 – 592.
([64]) الشفا للقاضي عياض 2/1084 – 1086.
([70]) صحيح مسلم 3/1517 ح1910.