مفاتيح علم التقديس المستنبطة من فقه المراد بالوجه واليد والعين في القرآن الكريم
[المفتاح الأول]: أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا: قال تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} [محمد: 38] ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال.
جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد رحمه الله التي رواها أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي (ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن لله عز وجل وجها لا كالصور المصورة والأعيان المخططة بل وجهة وصفه ..ومن غير معناه فقد ألحد عنه وليس معنى وجه معنى جسد عنده ولا صورة ولا تخطيط ومن قال ذلك فقد ابتدع) أهـ،([1]) .
وجاء فيه أيضا: ” لا يجوز أن يسمى جسما وأنكر (أي الإمام أحمد) على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الأسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل ” أهـ ([2]) .
وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات: ” باب في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات… إلى أن قال: وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية إنه جسم قال: وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم، تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) [النساء: 171] ” أهـ ([3]) .
[المفتاح الثاني]: مجاز الوجه في القرآن الكريم: قد ذكرت في [المفتاح الخامس والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: بيان [مجاز الوجه في القرآن] ، وأنّ الوجه يأتي ويقصد به الذات، وذلك في مثل قوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[البقرة: 112].
ولا شك أنّ إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والإسلام والتقوى والإخلاص كل ذلك مقره القلب، وهي المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله.
وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} على الذات لا سيما لوجود قرينة أنّ (الاحدية) و (الصمدية) تمنع من قبول الجوارح والأجزاء والابعاض، وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة.
وقوله تعالى {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة /115]، فأينما تولوا فثم وجه الله تحتمل عدة معاني جاءت عن الصحابة والتابعين منها:
(أ) فثم قبلة الله، (ب) فثم علم الله، (ت) فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله تعالى، فهذه المعاني هي التي جاءت عن الصحابة والتابعين [ تفاسير الطبري وابن كثير]، وأما ما عدا ذلك فهو تكلف لا دليل عليه، وأما من أراد بهذه الآية إثبات وجه جارحة هو جزء من الذات فتعالى الله عما يصفون، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء والجوارح.
[المفتاح الثالث]: مجاز اليد في القرآن: قد ذكرت في [المفتاح الخامس والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: بالتفصيل بيان [مجاز اليد في القرآن]، وأنّ اليد تأتي ولا يقصد بها الجارحة وإنما تأتي بمعنى الذات، على طريقة أهل البلاغة من العرب في اطلاق الجزء ويريدون به الكل، وقد تأتي على معنى القوة والقدرة ، وقد تأتي على معنى الإكرام، وفق السياق والسباق واللحاق، فمثال أن تأتي اليد على معنى الذات، قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
فالآيات الكريمات السابقات تؤكد أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم، ومعلوم أن كسب القلب أعظم، فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان.
وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد (بما كسبتم وكسبت أنفسكم)، وقد يأتي مجاز اليد على معنى القدرة والسطوة، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة، وإنما المقصد من تحت حكمكم وقدرتكم وسيطرتكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم.
ومثاله أيضا قوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر، فهذا لا يقوله عاقل، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى.
وقد تأتي (اليد) بمعنى القدرة والجد والعمل والاجتهاد، كما في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل.
وقد تأتي على معنى الكرم والسخاء، كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق، وهكذا هاهنا، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، ومعنى الآيات: أن اليهود لعنهم الله عز وجل قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام.
وقد تأتي على معنى غاية الاكرام والاهتمام والاعتناء، كما في قوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبعض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزئ يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين.
هذا هو المفهوم من سياق الآيات، وإلا فما الفارق عند كل منصف بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد)، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، فإن قالوا: القدرة لا تثن، وقد قال تعالى: {بيدي} قلنا بلي قال العربي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد} وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة} وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه، فإن أصروا وجادلوا قلنا: قال الله تعالي في محكم التنزيل {إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى {ثم قال له كن فيكون}، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته. وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية {لما خلقت بيدي} أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله، تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه.
[المفتاح الرابع]: مجاز العين في القرآن: سبق بيان مجاز العين في [المفتاح الخامس والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص، والحاصل: أنّ العين تأتي مجازا عن الرعاية والحفظ وتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صلى الله عليه وسلم صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
[المفتاح الخامس]: مجاز الساق في القرآن: سبق بيان مجاز الساق في [المفتاح الخامس والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص، وذلك عند قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، وحاصله: أنّ العرب تقول: قامت الحرب على قدم وساق إذا اشتد كربها وحمي وطيسها، جاء في مختار الصحاح: (قوله تعالى يوم يكشف عن ساق أي عن شدة)، ([4]) .
وجاء في لسان العرب: (يوم يكشف عن ساق إنما يريد به شدة الأمر كقولهم قامت الحرب على ساق)، ([5]) . وجاء في التبيان في تفسير غريب القرآن: (يوم يكشف عن ساق إذا اشتد الأمر والحرب قيل كشف الأمر عن ساقه)، ([6]) .
وقد نُقل ذلك التفسير عن الحبر البحر عبد الله بن عباس الذي دعـا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
فقد أخرج شيخ المفسرين الطبري في تفسيره بسنده: عن ابن عباس رضي الله عنهما: يوم يكشف عن ساق قال هو يوم حرب وشدة، وبسنده عن ابن عباس أيضا: يوم يكشف عن ساق قال عن أمر عظيم كقول الشاعر وقامت الحرب بنا على ساق، وبسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: يقول يكشف عن أمر عظيم ألا تسمع العرب تقول وقامت الحرب بنا على ساق، وبسنده أيضا عن ابن عباس قوله: {يوم يكشف عن ساق}، يقول هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة، وبسنده عن مجاهد قوله: {يوم يكشف عن ساق}، قال شدة الأمر وجده، وبسنده عن سعيد بن جبير قال عن شدة الأمر، وبسنده عن قتادة في قوله: {يوم يكشف عن ساق}، قال عن أمر فظيع جليل، وبسنده عن عكرمة في قوله {يوم يكشف عن ساق}، قال هو يوم كرب وشدة ” أهـ،“ ([7]) . وليس الطبري وحسب ولكن كل المفسرين المحسوبين على اهل السنّة والجماعة، عدا اهل الحشو والتجسيم وهم أقل قليل، وانظر – خشية الإطالة – ما قاله الإمام الزركشي والسيوطي و الثعالبي و الواحدي وأبو السعود العمادي ، وابن الجوزي والنسفي والألوسي الذى قال: (ذهب بعضهم إلى أن المراد بالساق ساقه سبحانه وتعالى وإن الآية من المتشابه واستدل على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا وأنكر ذلك سعيد بن جبير أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أنه سئل عن الآية فغضب غضبا شديدا وقال إن أقواما يزعمون أن الله سبحانه يكشف عن ساقه وإنما يكشف عن الأمر الشديد وعليه يحمل ما في الحديث على الأمر الشديد أيضا ” أهـ،([8]) .
على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى (وجه وعين ويد وساق) ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا يعلم حقيقتها إلا الله ، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم، قال تعالى {لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه {وما يعلم تأويله إلا الله} {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل.
[المفتاح السادس]: أثبت بعض علماء أهل السنة والجماعة بالآيات صفات لله تعالى (وجه وعين ويد وساق)، ولكنها صفات غير معلومة وليست اجزاء من الذات: الوجه واليد والعين في اللغة اجزاء من ذات وليست صفات، ولكنها إن تعلقت بالله فهي صفات، نفوض معناها الحقيقي إلى الله تعالى، لأنها خرجت عن معانها في اللغة الذي هو (الجزئية والبعضية) لان الله تعالى ليس كمثله شيء، له الأحدية المطلقة، التي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، إذن: الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات.
[المفتاح السابع]: المدرسة السلفية المعاصرة والتجسيم:
للأسف تبنت المدرسة السلفية المعاصرة منهجا مخالفا لمنهج السلف في باب الصفات الخبرية كالوجه واليد والعين، حيث اوهموا الناس بان الوجه واليد والعين صفات محكمة لله تعالى مثلها مثل صفات العلم والقدرة والسمع والبصر، ثم أوهموا الناس أن من فرق بينهما فهو معطل، وأنه من شر الفرق، ثم كانت الطامة عندما زعموا أنها صفات أعيان، ولا معنى للأعيان في اللغة إلا الأجزاء، فكأنها دعوة إلى التجسيم، نسأل الله تعالى ان يهدينا للحق والصواب، وكل ذلك اتباعا للشيخ ابن تيمية في هذا الباب، وعند التحقيق نجد انّه تورط في مغالطات آلت به إلى ترجيح مذهب التجسيم على مذهب التقديس.
مغالطات الشيخ ابن تيمية في مسألة نسبة الوجه واليد والعين إلى الله:
الشيخ ابن تيمية رحمه الله كان دائما يلهج لسانه وقلمه بذكر الصفات الخبرية (الوجه واليد والعين)، ولكنه – لكونه غير متخصص في الإلهيات ومعرفة ما يستحي نسبته إلى الله العظيم – ارتكب في ذلك أربع مغالطات:
(المغالطة الأولى): زعم انها صفات وهي في اللغة ليست صفات، لان هناك فرق بين الصفات وبين اجزاء الذات التي ترسم شكل الذات، الصفات كالعلم والقدرة والسمع والبصر، هذه صفات لا خلاف في ذلك، ولكن الوجه واليد والعين (في اللغة) أجزاء من ذات وأبعاض من الذات ترسم شكل الذات، وليست صفات، فكان هذا من التدليس الذي لا يصح، لأن من أظهر صفات الأحدية المطلقة منع الأجزاء والابعاض، ومن أظهر صفات الصمدية المطلقة منع التركيب من الأجزاء والابعاض.
(المغالطة الثانية): أنه جعلها صفات محكمة وهي لم تستوف أبدا صفة الإحكام، بل هي متشابهة لأسباب عديدة، من تلك الاسباب:
(أ) أن معانيها في اللغة هي الأجزاء والابعاض، وليس الصفات.
(ب) هذه الألفاظ لا تعود إلى أسماء حسنى، فالقدير يعود إلى صفة القدرة، ولكن الوجه والبد والساق لا ترجع إلى اسم من الأسماء الحسنى.
(ث) لم يأت نص في القرآن يشير إلى كونها محكمة، فالمحكم نعلمه من مثل قوله تعالى {فاعلموا ان الله سميع عليم}، و من مثل قوله تعالى {إن الله على كل شيء قدير}، بالتأكيد على صفة القدرة، وكل ما جاء في آيات الوجه واليد والعين أخبار لا تحمل معنى التأكيد، كما أن استعمالها له مجاز معلوم في لغة العرب وهي دائما مصحوبة بقرائن تحتم حملها على المعنى المجازي وسيأتي بيان ذلك.
(ت) استعمالها في اللغة على أنها أبعاض من ذات، والأحدية المطلقة تمنع من قبولا الأجزاء والابعاض، والاحدية محكمة لانها تعدل ثلث القرآن، فما عارض الاحدية متشابه لا مناص من ذلك.
(المغالطة الثالثة): أنه جعلها صفات اعيان ولا معنى للاعيان سوى الابعاض وهذا تجسيم، قال في كتابه درء تعارض العقل والنقل صفات عينية،: (كلام الصحابة في إثبات الصفات العينية الخبرية التي تسميها نفاة الصفات تجسيما أكثر من أن يمكن سطره هنا) ([9]) .
ومعنى كلامه: أنّ الصفات الخبرية (اليد، العين، الوجه, الأصابع، الساق، الحقو هي عبارة عن صفات عينية أي ليست معنوية وإنما أعيان، ولا معنى للأعيان إلا أن تكون أجزاء من جناب الذات، وليس لها معنى غير ذلك، لأن اليد غير العين والعين غير الساق والساق غير الحقو وكل من هذه أعيان، فوجود أكثر من عين يدل على التركيب لا محالة، والتركيب تجسيم لا محالة.
(المغالطة الرابعة): أنه اتهم من تأولها بالتعطيل وهذا ظلم لأهل العلم المتخصصين في العقيدة، وتعدي على شرع الله، لان تأويلها صادر عن الحبر البحر ابن عباس بسند صحيح، وعن جمع من علماء التابعين وتابعي التابعين واكابر العلماء، والتأويل لا مناص منه عند تعارض الادلة بحمل المتشابه على امهاته من المحكم، أربع مغالطات لابد من التفطن إليها وحل مشكلاتها. ([10])
[المفتاح الثامن]: حل إشكال مغالطات ابن تيمية في باب الصفات الخبرية:
حل إشكالية المغالطة الاولى: تسميتها صفات هو من باب المجاز، لأنها في اللغة اجزاء من ذوات، فليس الوجه واليد والعين سوى أجزاء ترسم شكل الذات، والله تعالى له الاحدية المطلقة التي تمنع من الكثرة وقبول الانقسام، فتسميتها (صفات) هو من باب المجاز، وقد سماها بعض السلف صفات، احترازا من الظن بانها أبعاض من الذات، ولكن عاد ابن تيمية فسمها صفات اعيان، فعادت لا معنى لها سوى الأبعاض.
حل إشكالية المغالطة الثانية: من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الجوارح والاجزاء والابعاض وعن الصور والأشكال، قوله تعالى: {قل هو الله أحد}، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان له صورة أو جارحة، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال،، الأحدية تمنع من تصور الكثرة في جناب الذات أبدا ولا حتى تصورها أو الفكر فيها لأنه سبحانه ليس كمثله شيء هناك فرق في المعني بين اسم الله الأحد واسمه الواحد، الله واحد لا شريك له، والله احد لا جزء له، و(الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.
(الأحدية المطلقة): تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة في جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى أحد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء.
حل إشكالية المغالطة الثالثة: وكل ما ورد في الشرع مما يوحي الجارحة أو الصورة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، ومثال ذلك (الوجه) فنحمله على جناب الذات أو رضا الرب، إذ العرب يقولون نريد وجهك ويقصدون ذاتك أو يقصدون رضاك، وقوله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله}، اسلام القلب هو الاهم، وعلى ذلك يحمل (الوجه) في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 ‘ 27].
فلا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، والمعنى كل شيء هالك إلا جناب الحق أو ما أريد به رضا الحق، وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال.
حل إشكالية المغالطة الرابعة: والمغالطة الرابعة في الباب: أنه اتهم من أول تلك المتشابهات بالتعطيل وهذا ظلم لأهل العلم المتخصصين في العقيدة، وتعدي على شرع الله، لان تأويلها صادر عن الحبر البحر ابن عباس بسند صحيح، وعن جمع من علماء التابعين وتابعي التابعين واكابر العلماء، والتأويل لا مناص منه عند تعارض الادلة بحمل المتشابه على امهاته من المحكم، إذ لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه، وهو من الفقه في الدين ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويعلمه التأويل.
[المفتاح التاسع]: الأدلة الشرعية على جواز التأويل بضوابطه الصحيحة:
هناك أدلة شرعية تدل على جواز التأويل وانه من باب الرسوخ في العلم، وتكاد ترجع إلى خمسة ادلة: هي: الدليل الأول: أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، دلت الآية على أنّ المحكم هو أصل الكتاب وهم بمثابة الأم للمتشابه، وينبغي رد المتشابه إلى أصله وأمّه، والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة فقال (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ([11]) .
والدليل الثاني: أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام، وهو أحد منهجي السلف في معاملة المتشابهات، وهو ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: كتأويله للساق في قول الله تعالى {يوم يُكشف عن ساق} بالكرب شديـد وتأويله للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله([12]). وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([13]) .
وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([14]) . وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي ([15]) .
فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
والدليل الثالث : أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر لذا فلا مناص من التأويل.
هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الأزلية الكاملة، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}.
وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67].
وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى.
وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27].
وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)} [النساء: 126]، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)} [فصلت: 54] وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم.
وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر باطل، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال وحشو وتجسيم، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء بل هو تكييف وتجسيم وحشو وضلالة، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن.
وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للأجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، ومثال ذلك (الوجه) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له.
فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، إنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر:
ولذلك يضطر منكروا التأويل أنفسهم إلى التأويل، يؤولون عند التعارض، ولكن لا يسمونه تأويلا بل يسمونه تفسيرا، مع ذمهم للتأويل في كل حال لفظا، وهذا تلاعب لأن الحاصل هو التأويل.
ومن ذلك اضطرار ابن تيمية لتأويل المعية في قوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} بالعلم:
بقوله: (مطلع عليكم، عالم بكم)، وقال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار (لا تحزن إن الله معنا) فقد تأوله بالنصر والتأييد، زاعما أن هذا هو التفسير، والنتيجة واحدة وهي التأويل، (تأويل المعية)، فيكون ابن تيمية هنا قد اختار في الحقيقة مسلك التأويل، ومن الأمثلة على تأويل ابن تيمية قوله في الآية الكريمة: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، قال: (هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله) انتهى. ([16]) .وهذا تأويل لأن ظاهر اللفظ يدل على إسناد القرب إلى الله عز وجل وتفسيره بقرب الملائكة صرف للفظ عن ظاهره، فلماذا يمنعون أهل السنة مما يقومون هم به؟ ولم لا يقال في هذا الصرف إنه تعطيل لم وصف الله تعالى به نفسه كما يتهمون أهل السنة إن أولوا نصا مشابها؟ وما الفرق بين هذا وبين تأويل أهل السنة لقوله تعالى: {جاء ربك} أي جاء أمره؟، ومن تأويل ابن تيمية أيضا ما ذكره عند قول الله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء}، قال: واليهود أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل! فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل وأخبر أن يديه مبسوطتان.
والدليل الرابع: يلجأ علماء الأصول إلى التأويل: لضرورة الرد على أهل البدع من المجسمة والمشبهة والحشوية الجاهلين بقواعد التقديس، أو عند انتشار التشبيه والتمثيل بين العامة الذين لا يفهمون البلاغة والمجاز في القرآن والسنّة، بل يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات.
والدليل الخامس: التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية: ليس تأويل بالهوى، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح عندهم تتمثل في:
(أ ) أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية، (ب) وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، مثال ذلك الأحدية في مقابل ذكر الوجه واليد والعين، (ت) وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه وإلاَّ كان التأويل فاسدًا، (ث) وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، وإلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر، (ج) أن يستحيل حمل اللفظ على ظاهره، وإلا أدى إلى وقوع الخلل والخطأ، (ح) أهلية الناظر للتأويل، وذلك بأن يكون متخصصاً صاحب دراية بالأصول والقواعد الأصولية والفقهية، وله ملكة فقهية تؤهله للنظر، و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم، و الله عز و جل يقول: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]. فتلك ضوابط التأويل عندهم، فأين هذا التأويل من تأويل أهل البدع الذين تجري الأهواء في نفوسهم كمجرى الدم في العروق.
لقد أراد ابن تيمية أن ينصر مذهب السلف ولكنه لم يدرس الإلهيات على متخصص، ووثق بنفسه، وهجم على هذا العلم بغير مدرس فآل به الحال إلى اعتناق مذاهب الحشوية، وهؤلاء (الحشوية) أهل جهل مركب في باب العقيدة ينسبون إلى الله تعالى الحد والمكان والصور والاشكال والتغير والحدوث، ومذهب هؤلاء الحشوية المبتدعة: تحديد الوجود الإلهي المطلق وتكييفه، مع انهم يقولون بلا كيف، ولكنهم يكيفون الوجود، ويحدونه بجهة واحدة من جهات الكون المخلوق، وقالوا بسبب هذا التكييف الذي وقر في قلوبهم: أنّ الله تعالى موجود (بذاته) على عرشه، فكيفوا جناب الذات وحدوه بالمكان وحدوه بالعرش المحدود، وهؤلاء يعتقدون أنه تعالى متناه لاسيما من جهة التحت، حيث يقابل العرش بظنهم، وأشنع بدعهم قولهم بان جناب الذات الإلهي يقبل الحوادث، وذهلوا عن دليل الخليل إبراهيم عليه السلام {لا أحب الآفلين}، أي ان علة عدم الصلاحية للإلهية هي التغير وقبول الحوادث، وديدنهم الحديث حول ما يتوهمون انه شكل للرحمن، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. يكثرون الحديث عن الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ولا يبقى لنا بعد تلك العقائد الزائغة شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتقديس، و(المصيبة) أنهم يتدثرون بلباس أهل السنة وهم منها عراء، وينتسبون إلى السلف والسلف الكرام منهم براء، يرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بها على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، وهم -للأسف- قطاع طرق على الكتاب والسنة وعلى علوم الدين في صورة المدافعين عن الدين، يرومون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي القائمة على علوم الدين، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس، ويتصدرون للحديث عن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، ويتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم دائما بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه على الحقيقة لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}.
والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتتبع لهذه للمتشابهات: باب الصورة باب الوجه باب اليد باب اليمين باب الأصابع، باب الأنامل، باب العين، باب الساق، باب الضروس واللهوات، باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، قال العلماء: قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ {شيء} في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء، لقد تسربت إلى (السلفية المعاصرة) مفردات الحشو القديمة، حتى لا تكاد ترى سلفيا معاصرا إلا وهو متأثر ببدعة الحشو والتجسيم، نسأل الله السلامة.
***
([1]) العقيدة للإمام أحمد 1:/ 103
([3]) أقاويل الثقات 1 / 134\135.
([4]) مختار الصحاح ج: 1 ص: 135.
([5]) لسان العرب ج: 10 ص: 168.
([6]) التبيان في تفسير غريب القرآن ج: 1 ص: 422.
([8]) البرهان للزركشي في علوم القرآن 2/ 84، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي 1 / 346، وتفسير الثعالبي 4 / 330، وتفسير الواحدي 2 / 1124، وتفسير أبي السعود 9 / 18، وزاد المسير 8 /341، وتفسير النسفي 4 / 271، وروح المعاني للألوسي 29 / 35.
([9]) درء تعارض العقل والنقل 8/53.
([10]) كتاب بيان تلبيس الجهمية (٢٥٣/١) وما بعدها، وكتاب درء تعارض العقل والنقل (٥٣/٨)، وما بعدها
([11]) مسند أحمد 4/225 ح 2397، المستدرك للحاكم 3/615 ح 6280.
([16]) مجموع الفتاوى 5/ 494، 502، 507، 512، بيان تلبيس الجهمية؛ لابن تيمية 6/ 30