الفصل الأول مدخل إلى فقه مسائل وأحكام البدعة على منهاج أهل السنّة والجماعة
وقد اشتمل على تلك المباحث:
(المبحث الأول): مدخل ضروري إلى فهم مذاهب أهل السنّة والجماعة حول البدعة.
(المبحث الثاني): مفاتيح فهم آيات القرآن المتعلقة بمسائل واحكام السنّة والبدعة.
(المبحث الثالث): مفاتيح فهم الأحاديث النبوية المتعلقة بمسائل واحكام السنّة والبدعة.
(المبحث الرابع): وقفات مع الإمام الشاطبي وكتابه الاعتصام في علم السنّة والبدعة.
***
(المبحث الأول) مدخل ضروري إلى فهم مذاهب أهل السنّة والجماعة حول البدعة
[المفتاح الأول]: أهل السنّة والجماعة لهم في باب البدعة قولان صحيحان ظاهرهما الاختلاف، ولكنهما – عند التحقيق والنظر إلى الضوابط الفقهية التي قال بها أصحاب القولين – يؤولان إلى قول واحد متوافق صحيح.
[القول الأول]: يرى بأنّ كل المحدثات الدينية بدعة وأنها جميعها ضلالة، وأنه لا توجد بدعة حسنة ولا يمكن تصور ذلك في الدين لأن الدين مكتمل ولا يحتاج إلى اي إضافة، ويستدلون لذلك بالعديد من الآيات والأحاديث التي تدعم مذهبهم في ذم البدع والمحدثات وأنها جميعاً ضلالات، ولكنّهم لفقههم في الدين جعلوا لكون المحدثة بدعة ضلالة ضابطان أصيلان: (الاول): أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، و (الثاني): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع تستند إليه فلا تكون بدعة، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة.
و[القول الثاني]: يثبت وجود البدعة الحسنة ويجزم بأن الدين تام كامل بأصوله وقواعده ولكن هذه الأصول والقواعد أشارت إلى وجود المحدث النافع والبدعة الحسنة التي تعود على المسلمين بالخير والأجر، واستدلوا لمذهبهم بالكثير من الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة وأعمالهم، وهؤلاء فهموا من أدلة الشرع ما يدل على تقسيم المحدث إلى حسن يوافق الكتاب والسنة وقبيح يخالف الكتاب والسنة، وهؤلاء الفقهاء وضعوا القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بضوابط وشروط لابد منها، تجعلها مقبولة في ميزان الشرع، مندرجة تحت غطائه، ومن تلك الشروط:
(الشرط الأول): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه.
و(الشرط الثاني): أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين.
و(الشرط الثالث): أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، إذ أمر البدعة جدُّ خطير، ولابد في كل أمر محدث من نظر فقيه مجتهد عالم بموازين الشريعة، وقواعدها وضوابطها لينظر هل تندرج هذه البدعة في ميزان الشريعة فتكون بدعة حسنة، أو لا تندرج فيها فتكون بدعة ضلالة، ومن جملة ما استدل به الفريق الأول الذي ينفي وجود البدعة الحسنة: قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فهذه الآية تدل على أن الدين قد كمل وتم، فلا حاجة لأن يزاد عليه شيء، فإن الزيادة عليه تعتبر استدراكاً على الدين، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) ([1]) .
فيرون أن هذا الحديث نص في ذم البدعة على الإطلاق والعموم دون تمييز بين بدعة وأخرى، فيستفاد منه أن ليس هناك بدعة حسنة غير مذمومة، وكذلك إطلاق السلف لفظ البدعة على ما هو مذموم مخالف للسنة، وذم المبتدع على لسانهم مطلقاً دون تفصيل، كما في كثير من الأخبار التي وردت عن السلف، ومنها: قول ابن مسعود رضي الله عنه: ” (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم) ([2]) .
وقول ابن عباس رضي الله عنهما: (ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة حتى تحيى البدع وتموت السنن) ([3]) .
إلى غير ذلك مما ورد عن السلف من إطلاق البدعة على الشيء المحدث المذموم، ومن جملة ما استدل به الفريق الثاني الذي يثبت وجود البدعة الحسنة: من القرآن الكريم قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27]، وقالوا بأنّ الله تعالى أشار إلى قبولها منهم كاجتهاد في عبادته بقوله تعالى:{إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ}، وانه سبحانه ما عاب عليهم احداث الرهبانية وإنما عاب على أولئك الذين لم يراعوها حق رعايتها، لقوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}، وانه سبحانه قد تقبلها منهم بدليل قوله تعالى في آخر الآية: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ}، ويؤيد ذلك فهم الصحابي أبو أمامة رضي الله عنه للآية حيث نقل عنه المفسرون قوله: (إن اللّه فرض عليكم صوم رمضان ولم يفرض عليكم قيامه، وإنما قيامه أحدثتموه، فدوموا عليه، فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة فعابهم الله بتركها فقال: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها انتهى ([4]) .
واستدلوا كذلك بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعبدوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الآية 77 من سورة الحج]، وجه الاستدلال أن الله تبارك وتعالى أمر المؤمنين بفعل الخير أمراً مطلقاً، فالظاهر الإذن في فعل كل ما يظهر خيره وتتحقق مصلحته إلا إذا كان مندرجاً تحت نص من نصوص النهي، واستدلوا كذلك بالنصوص القرآنية العامة مثل قوله تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} وقوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} وقوله تعالى:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} وقوله تعالى: {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا} وقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ومثاله كثير في القرآن الكريم.
ومن أدلتهم من السنّة المشرفة: قوله صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)، ([5]) .
قال السندي في حاشية ابن ماجه: قوله: (سنة حسنة) أي طريقة مرضية يُقتَدى بها، والتمييز بين الحسنة والسيئة بموافقة أصول الشرع وعدمها اهـ،([6]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ([7]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) ([8]) .
فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الأمور المحدثة الموافقة للشرع مقبولة، والمخالفة للشرع مردودة، بدلالة قوله عليه الصلاة والسلام (ما ليس منه فهو رد) فإن كان منه مستندا إلى اصوله وقواعده فهو مقبول، وكذلك استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ) ([9]) .
فجعل ما احدثه الخلفاء الراشدون من الهدى مما يوافق الشرع ويدعمه هو من السنّة، فإحداث الخلفاء الراشدون أمراً لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو في الحقيقة سنة حسنة لأنه كان موافقاً للشرع مستندا إلى أصوله وقواعده، ومن ذلك قول سيدنا عمر في اجتماع الناس على التراويح: (نعمت البدعة هذه ) ([10]) .
فسنة الخلفاء سنة حسنة، وكذلك سنن الصحابة المهديين سنن حسنة ما كانت موافقة للشرع، وهم قد أخذوا الإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله صلى الله عليه وسلم: (من سن سنة حسنة)، فكل احداث من الخير الذي لا يختلف عليه احد وكان له أصل عام يستند إليه من الشرع فهو مقبول يندرج تحت البدعة الحسنة، وكل ما ليس له أصل عام فهو مردود من البدع السيئة، وقول سيدنا عمر رضي الله عنه في اجتماع الناس على صلاة التراويح: (نعم البدعة هذه )، و(نعم): كلمة مدح، ولذلك احتج الإمام الشافعي بهذا الحديث على تقسيم البدعة إلى بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، وفق ملائمتها للشرع او مخالفتها له.
[المفتاح الثاني]: الفريق الأول حق بضوابطه، والفريق الثاني حق بضوابطه، ولكن الخلل يتمثل في عدم تطبيق القيود والضوابط فينفرط عقد البدعة ويحدث التشدد أو يحدث التساهل، و(أهم الضوابط الفقهية للرأي الأول): ضابطان: (الأول): أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، و(الثاني): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة.
و(أهم الضوابط الفقهية للرأي الثاني): أنّ المحدث في الدين لا يُطلق عليه لفظ الحسنة إلا في وجود شروط ثلاثة استنبطوها من فقه الكتاب والسنة هي: (الأول): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه.
و(الثاني): أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة.
و(الثالث): أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، ولكي يكون الأمر منضبطاً عندهم، أوضحوا شروط بدعة الضلالة، حتى لا يختلط الحابل بالنابل، والحسنة بالضلالة. وقالوا: بدعة الضلالة هي مَا اجتمع فيها شروط أربعة:
(الأول): أن تكون محدثة بعد زمن التشريع، و(الثاني): أن تكون في الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى، و(الثالث): أن تخالف الشرع، و(الرابع): ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم.
وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: (أ) ما أُحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، (ب) وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، (ت) وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم أصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف.
[المفتاح الثالث]: [ممن نُسب إليه القول الأول]: إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله وعدد من المالكية والحنابلة والمحدثين منهم على سبيل المثال الطرطوشي والشاطبي وابن تيمية وابن القيم، وهؤلاء جعلوا لفظ البدعة يتعلق بالدين فقط، ويحمل معنى الذم والضلال، وفي المقابل وسعوا في معنى المصالح المرسلة ووضعوا القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة ضلالة إلا بشرطين اثنين استنبطوهما من فقه الكتاب والسنة، نقل الشاطبي عن ابن الماجشون قوله: سمعت مالكا يقول: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم ان محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله يقول {اليوم أكملت لكم دينكم} فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا) أهـ ([11]) .
وذهب إلى هذا الرأي جملة من العلماء منهم ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم، حيث عاب على من قسم البدعة إلى حسنة وقبيحة، وأطال في إقامة الحجة لما ذهب إليه، ومنهم الشاطبي: وقد بنى كتابه الاعتصام على ذلك، وقال في سياق الرد على تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة: (وهذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو اباحة لما كان ثمة بدعة ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها) أهـ ([12]) . ومنهم ابن رجب الحنبلي: حيث قال في جامع العلوم والحكم: والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغة، ([13]) .
[المفتاح الرابع] : من أكابر العلماء الذين نصروا الراي الثاني: الإمام الشافعي عالم الأمة الإمام القرشي المطلبي الذي ملأ طباق الأرض علما وبه قال عامة الشافعية والأحناف والمالكية وعدد من فقهاء الحنابلة، وقد نقل الشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي إجماع المالكية عليه في كتاب المعيار المعرب وقال به الكثير من علماء الأمة والمحدثين، منهم على سبيل المثال: الإمام ابن حزم الظاهري والإمام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي وسلطان العلماء الإمام عز الدين بن عبدالسلام والإمام القرافي والفقيه الرباني الإمام النووي وأمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي والإمام الزرقاني والأمام الكرماني وابن عابدين الشامي والإمام الحافظ ابن العربي المالكي والعلامة ابن الأثير الجزري والإمام شهاب الدين أبو شامة والإمام العيني وغيرهم كثير وهؤلاء هم ورثة النبوة وأركان العلم عند أهل السنة والجماعة فمن بدع هؤلاء الفقهاء في فهمهم لتقسيم البدعة فليراجع عقله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ([14]) .
[المفتاح الخامس]: [أمثلة من أقوال الفقهاء الذين أجازوا تقسيم البدع إلى بدعة ضلالة وبدعة حسنة]:
(1) قول الإمام الشافعي رحمه الله: (فقد أخرج أبو نعيم من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي قوله: (البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم) ([15]) .
وأخرج البيهقي في مناقب الشافعي، ونقله عنه ابن عساكر عن الشافعي قوله: (المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة) أهـ، ([16]) . وهو الذي نقله ابن تيمية عن الإمام الشافعي وصححه قال في الفتاوى: (قال الشافعي رحمه الله البدعة بدعتان: بدعة خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم فهذه بدعه ضلاله، وبدعه لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة هذه هذا الكلام أو نحوه رواه البيهقي باسنادة الصحيح في المدخل) أهـ ([17]) .
(2) ومن فقهاء المذهب الحنفي: قال الشيخ ابن عابدين الحنفي في حاشيته: (فقد تكون البدعة واجبة كنصب الأدلة للرد على أهل الفرق الضالة، وتعلّم النحو المفهم للكتاب والسنة، ومندوبة كإحداث نحو رباط ومدرسة، وكل إحسان لم يكن في الصدر الأول، ومكروهة كزخرفة المساجد، ومباحة كالتوسع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب” أهـ، ([18]) .
وقال الإمام بدر الدين العيني في شرحه لصحيح البخاري عند شرحه لقول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: (نعمت البدعة) وذلك عندما جمع الناس في التراويح خلف قارئ، وكانوا قبل ذلك يصلون أوزاعاً متفرقين: قال: (والبدعة في الأصل إحداث أمر لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم البدعة على نوعين: إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي بدعة حسنة وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي بدعة مستقبحة) أهـ، ([19]) .
(3) ومن فقهاء المذهب المالكي: قال الإمام محمد الزرقاني المالكي في شرحه للموطأ عند شرحه لقول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: (نعمت البدعة هذه): (فسماها بدعة لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يسنّ الاجتماع لها ولا كانت في زمان الصديق، وهي لغة ما أُحدث على غير مثال سبق وتطلق شرعاً على مقابل السنة وهي ما لم يكن في عهده صلى اللّه عليه وسلم، ثم تنقسم إلى الأحكام الخمسة) أهـ، ([20]) .
والأحكام الخمسة هي الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، وقال الشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي وقد نقل إجماع المالكية على تقسيم البدعة هذا التقسيم فقال في كتاب المعيار المعرب ما نصه: (وأصحابنا وإن اتفقوا على إنكار البدع في الجملة فالتحقيق الحق عندهم أنها خمسة أقسام) ثم ذكر الأقسام الخمسة وأمثلة على كل قسم ثم قال: (فالحق في البدعة إذا عُرضت أن تعرض على قواعد الشرع فأي القواعد اقتضتها ألحقت بها)، ([21]) .
وقال الإمام الحافظ ابن العربي المالكي: في شرحه على سنن الترمذي ما نصه: (اعلموا علمكم الله أن المحدثات على قسمين: محدث ليس له أصل إلا الشهوة والعمل بمقتضى الإرادة، فهذا باطل قطعاً، ومحدث بحمل النظير على النظير، فهذه سنة الخلفاء، والأئمة الفضلاء، وليس المحدث والبدعة مذموماً للفظ محدث وبدعة ولا لمعناها، فقد قال تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث}، وقال عمر: (نعمت البدعة هذه) وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى ضلالة) أهـ ([22]) .
وقال الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار: عند حديثه على قول عمر: نعمة البدعة – (وما كان من بدعة لا تخالف أصل الشريعة فتلك نعمت البدعة كما قال عمر لأن أصل ما فعله سنة) أهـ ([23]) .
وقال القرافي في الفروق (4: 204): (والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام: قسم واجب: وهو ما تتناوله قواعد الوجوب وأدلته من الشرع… القسم الثاني محرم وهو بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشرع… القسم الثالث: مندوب إليه وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته من الشرع… القسم الرابع: بدع مكروهة وهي ما تناولته أدلة الكراهة من الشريعة وقواعدها… القسم الخامس: البدع المباحة: وهي ما تناولته أدلة الكراهة من الشريعة وقواعدها ([24]) .
(4) ومن فقهاء المذهب الشافعي: قال حجة الإسلام الإمام الغزالي: (البدعة قسمان: بدعة مذمومة وهي ما تصادم السنة القديمة ويكاد يفضي إلى تغييرها، وبدعة حسنة ما أحدث على مثال سبق) أهـ، وقال في معرض كلامه عن نقط القرآن وتجزيئه: (ولا يمنع من ذلك كونه محدثاً، فكم من محدث حسن، كما قيل في إقامة الجماعات في التراويح: إنها من محدثات عمر رضي الله عنه، وإنها بدعة حسنة، إنما البدعة المذمومة ما يصادم السنة القديمة أو يكاد يفضي إلى تغييرها) أهـ، ([25]) .
وقال في الإحياء: (وما يقال إنه أبدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس كل ما أبدع منهياً عنه، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمراً من الشرع مع بقاء علته، بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب) اهـ ([26]) .
وقال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام ” البدعة فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة، والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة، وللبدع الواجبة أمثلة: أحدها: الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك واجب لأن حفظ الشريعة واجب ولا يتأتى حفظها إلا بمعرفة ذلك، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، المثال الثاني: حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة، المثال الثالث: تدوين أصول الفقه، المثال الرابع: الكلام في الجرح والتعديل لتمييز الصحيح من السقيم، وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على القدر المتعين، ولا يتأتى حفظ الشريعة إلا بما ذكرناه، وللبدع المحرمة أمثلة: منها مذهب القدرية، ومنها مذهب الجبرية، ومنها مذهب المرجئة، ومنها مذهب المجسمة، والردُّ على هؤلاء من البدع الواجبة، وللبدع المندوبة أمثلة: منها: إحداث الرُّبُط والمدارس وبناء القناطر، ومنها كل إحسان لم يعهد في العصر الأول، ومنها صلاة التراويح، ومنها الكلام في دقائق التصوف، ومنها الكلام في الجدل في جمع المحافل للاستدلال في المسائل إذا قصد بذلك وجه الله سبحانه، وللبدع المكروهة أمثلة: منها زخرفة المساجد، ومنها تزويق المصاحف، وأما تلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي، فالأصح أنه من البدع المحرمة، وللبدع المباحة أمثلة: منها المصافحة عقيب الصبح والعصر، ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن، ولبس الطيالسة، وتوسيع الأكمام ” أهـ، ([27]) .
وقال الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني في الفتح عند شرحه لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ” نعمت البدعة تلك”: (والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة) أهـ، ([28]) .
(5) ومن فقهاء المذهب الحنبلي: قال الشيخ شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي في كتابه ” المطلع على أبواب المقنع” من كتاب الطلاق: (والبدعة مما عُمل على غير مثال سابق، والبدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلالة، والبدعة منقسمة بانقسام أحكام التكليف الخمسة)، ([29]) .
وقال الإمام ابن الجوزي: (البدعة عبارة عن فعل لم يكن فابتدع، والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة، وتوجب التعالي عليها بزيادة أو نقص، فإن ابتدع شيء ولا يخالف الشريعة، ولا يوجب التعالي عليها، فقد كان جمهور السلف يكرهونه، وكانوا ينفرون من كل مبتدع وإن كان جائزاً، حفظاً للأصل، وهو الاتباع، وقد قال زيد بن ثابت لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما حين قالا له: اجمع القرآن: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم… ثم قال: إن القوم كانوا يتحذرون من كل بدعة وإن لم يكن بها بأس لئلا يحدثوا ما لم يكن، وقد جرت محدثات لا تصادم الشريعة ولا تتعارض معها، فلم يروا فعلها بأساً مثل جمع عمر الناس على صلاة القيام في رمضان فرآهم فقال: نعمت البدعة هذه ” أهـ، ([30]) .
وقال السفاريني في لوائح الأنوار: (وقد غلب لفظ البدعة على الحدث المكروه في الدين مهما اطلق هذا اللفظ ومثله لفظ المبتدع لا يكاد يستعمل إلا في الذم… فإن قلت: المحدثات منقسمة إلى بدع مستحسنة وإلى بدع مستقبحة كما قال الإمام الشافعي، قلت: الأمر كذلك ولكن تسمية المستحسن من ذلك بدعة على سبيل التوسع جاز وإلا فالبدع المراد بها ما خالف المشروع وتعدى به إلى الممنوع، واما المحدثات الحسنة فجائزة ومنها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب…) ([31]) .
(6) ومن المحدثين وشراح كتب الحديث: قال العلامة ابن الأثير: في كتابه النهاية في غريب الحديث: (البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو في الأفعال المحمودة ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل له في ذلك ثوابا فقال: (من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها) وقال في ضده: (ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها) وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنها لهم وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر وإنما عمر جمع الناس عليها وندبهم إليها فبهذا سماها بدعة وهي على الحقيقة سنة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) وقوله: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر: (كل محدثة بدعة) إنما يريد: ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة) أهــ ([32]) .
وقال الإمام شهاب الدين أبو شامة: حيث عرف البدعة في كتابه- الباعث على إنكار البدع والحوادث – بقوله: (كل ما هو مخترع من غير أصل سبق، وهو مالم يكن في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مما فعله أو أقرَّ به، أو علم من قواعد شريعته الإذن فيه، وعدم النكير، وفي ذلك ما كان في عصر الصحابة رضي الله عنهم، وعلى هذا فالحوادث منقسمة إلى بدعة مستحسنة، وهي ما وافق السنة، وإلى بدعة مستقبحة وهي ما خالف السنة، ([33]) .
والإمام النووي: حيث عرف البدعة بقوله: (البدعة ـ بكسر الباء ـ في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة) أهــ ([34]) .
وقال في شرحه على صحيح مسلم: (وقال العلماء البدعة خمسة أقسام: واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة) ([35]) .
وقال الإمام القرطبي: عند شرحهِ لقولهِ تعالى (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ): ” كُل بِدْعة صدرتْ من مخلوقٍ فلا يخلو: أن يكون لها أصلٌ في الشرع ِفإن كان لها أصلٌ كانت واقعة تحت عموم ما ندب إليه وحضّ رسوله عليه فهي في حيّز المدح وإن لم يكن مثالهُ موجوداً كنوع من الجودِ والسخاء وفعل المعروف، فهذا فعلهُ من الأفعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعل قد سُبق إليهِ، ويَعْضُد هذا قولُ عمر رضي الله عنهُ: نِعْمتِ البدعة هذه، لمّا كانت من أفعال الخيرِ وداخلة في حيّز المدح، وهي وإن كان النبيّ قد صلاها إلا أنهُ تركها ولم يُحافظ عليها، ولا جمع الناس عليها، فمُحافظة عمر رضي الله عنهُ عليها، وجمعُ الناس لها، وندبُهم إليها بدعةٌ لكنها بدعة محمودة ممدوحة، وإن كانت في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهي في حيزّ الذم والإنكار” أهـ ([36]) .
وقال الإمام العيني: وقد عرف البدعة بقوله:(البدعة ـ لغة ـ كل شيء على غير مثال سابق، وشرعاً: إحداث مالم يكن له أصل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي على قسمين: بدعة ضلالة، وبدعة حسنة، وهي ما رآه المسلمون حسناً، ولا يكون مخالفاً للكتاب والسنة والإجماع) أهــ([37]) .
وقال الإمام الكرماني: حيث قال في شرحه للبخاري: ” البدعة: كل شيء عمل على غير مثال سبق، وهي خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرمة ومكروهة ومباحة، وحديث (كل بدعة ضلالة) من العام المخصوص” أهـ،([38]) وقال الإمام الزرقاني: حيث قال في شرحه على موطأ الإمام مالك عند قول عمر (نعمت البدعة هذه) قال: ” وصفها بـ (نعمت) لأن أصل ما فعله سنة، وإنما البدعة الممنوعة خلاف السنة، وقال ابن عمر في صلاة الضحى: نعمت البدعة، وقال تعالى: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله وأما ابتداع الأشياء في عمل الدنيا فمباح، قاله ابن عبد البر… إلى أن ذكر تقسيمها إلى الأحكام الخمسة اتباعاً للإمام العز بن عبد السلام،” أهـ، ([39]) .
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي: قال في شرح المشكاة: ” اعلم أن كل ما ظهر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعة، وكل ما وافق أصول سنته وقواعدها أو قيس عليها فهو بدعة حسنة، وكل ما خالفها فهو بدعة سيئة وضلالة،” أهـ، ([40])
(7) وممن قال به من الفقهاء خارج المذاهب الأربعة: قال ابن حزم الظاهري: (البدعة في الدين كل ما لم يأت في القرآن، ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن منها ما يؤجر عليه صاحبه، ويعذر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يؤجر عليه ويكون حسناً، وهو ما كان أصله الإباحة، كما روي عن عمر رضي الله عنه: (نعمت البدعة هذه) وهو ما كان فعل خير جاء النص بعمومه استحباباً وإن لم يقرر عمله في النص، ومنها ما يكون مذموماً ولا يعذر صاحبه، وهو ما قامت الحجة على فساده فتمادى القائل به) أهـ ([41]) .
وقال الصنعاني في سبل السلام: (وكل بدعة ضلالة) البدعة لغة ما عمل على غير مثال سابق والمراد هنا ما عمل من دون أن يسبق له شرعية من كتاب ولا سنة، وقد قسم العلماء البدعة خمسة أقسام واجبة كحفظ العلوم بالتدوين والرد على الملاحدة بإقامة الأدلة ومندوبة كبناء المدارس ومباحة كالتوسعة في ألوان الأطعمة وفاخر الثياب ومحرمة ومكروهة وهما ظاهران فقوله (كل بدعة ضلالة) عام مخصوص) أهـ ([42]) .
[المفتاح السادس]: [الخلاف بين الفريقين عند التحقيق خلاف لفظي]: بالنظر إلى ضوابط الطرفين من الفقهاء الذين في مجملهم يمثلون أهل السنة والجماعة، وعند التزام تلك الضوابط فلن يكون هناك خلاف حقيقي بين الطرفين إلا في أذهان المتشددين المتنطعين أو المتساهلين الأراذل، والمشكلة إنما تكمن في هؤلاء من الطرفين الغالين في التبديع بغير فقه في الدين، والمتساهلين في اتيان المحدثات ونسبتها إلى الدين، فهؤلاء تقع بينهم الخصومة كأشد ما تكون لأنهما طرفي نقيض، أما الفقهاء في الدين من الطائفتين، فهم أهل الفقه في الدين على منهاج أهل السنّة والجماعة، وهم والحمد لله أبعد الناس عن تبديع بعضهم بعضا، إذ لو بدع هؤلاء هؤلاء أو العكس فلن تكون هناك سنة ولا جماعة، إذ كيف تكون السنّة وأهلها يبدع بعضهم بعضا، وكيف تكون الجماعة وقد وقع التبديع بين فقهاء الأمة من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم وهؤلاء في مجموعهم أهل السنة والجماعة.
[المفتاح السابع]: [علاج الخلاف بين الفريقين من المعاصرين]: العلاج يكمن في أمرين: (أولهما): تفعيل الضوابط الفقهية السديدة للبدعة عند الطرفين وحينها ينتظم الأمر للجميع بوحدة علمية عملية صحيحة في مجال البدعة، وذلك من خلال فقه الآيات والأحاديث ووضع الضوابط الصحيحة للبدعة من خلالهما بما يضبط أحكامها دونما غلو أو تقصير، و(الثاني): حمل ذم الفريق الأول للبدعة على أنها بدعة الضلالة (على المعنى الشرعي) التي يكون مجالها في الدين، ولا يكون لها أصل معتبر في الشرع، وحمل مدح الفريق الثاني للبدعة الحسنة (على المعنى اللغوي) أو اسمها الحقيقي السنّة الحسنة (على معناها الشرعي) وذلك للحديث (من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها) بشروطها المعتبرة عندهم وهي أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه، وأن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، وأن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، فإن تم لنا ذلك صار الخلاف لفظيا، ولم يبق لنا إلا تحقيق بعض المسائل المتعلقة بالبدعة، كمسألة الترك، ومسألة الاستناد إلى الحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ومسألة البدعة الإضافية، ومسألة سد الذرائع إلى البدعة، ومسألة التوسط في تقدير البدعة، ومسألة التفريق بين بدعة الاعتقاد وبدعة العمل، ومسألة الفرق بين البدعة والخلاف الفقهي، فإن تم تأصيل تلك المسائل بهدي من استيعاب أدلة الكتاب والسنة وفقهها، تم لنا المراد إن شاء الله تعالى، وتقاربت الافهام نحو السنّة والبدعة وتم – إن شاء الله تعالى- القضاء على فتنة التبديع بين طوائف أهل السنّة والجماعة.
[المفتاح الثامن]: [مما يقرب الأمر بين الفريقين] – بعد النظر إلى الضوابط الرصينة التي وضعها فقهاء كلا الفريقين لضبط مسائل البدعة – مبادئ أهمها:
(أ) أنّ الفريقين متفقان على أنّ أصول البدع الضالة التي تُخرج من إطار أهل السنّة والجماعة إنما هي الأصول العريضة التي قامت عليها فرق الضلال من الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة والمشبهة والمرجئة والجبرية،، وأنّ هناك أحيانا خلاف لفظي على مصطلح البدعة بين لغوي وشرعي يسبب الخلط أحياناً، فما له أصل في الدين يسميه الفريق الاول سنة حسنة أو مصلحة مرسلة، ويمتنع عليه تسميته بدعة لأن البدعة عنده لا تكون إلا سيئة، أما الفريق الثاني وفق تعريفه اللغوي للبدعة فيسميه بدعة حسنة على غرار تسمية الفاروق رضي الله عنه لجمع المسلمين على إمام واحد في قيام رمضان يصلي بهم عشرين ركعة: (نعمة البدعة هذه)، ويحدث الخلاف بسبب اختلاف التعريف، ولذلك قيل: كم للتعاريف من جناية على الألفاظ.
(ب) أن الكل متفق على خطورة البدعة بمفهومها الشرعي المذموم الإحداث في الدين بما ليس فيه، وأنّه أخطر على الدين من الفسوق والعصيان، لأنّ مآله إلى تغيير معالم الدين وتحريف شرائعه. (ت) أنّ الذين لم يقسموا البدعة إلى حسنة وسيئة، أخرجوا كل محدث له أصل في الدين من مسمى البدعة وجعلوا له مسمى السنّة الحسنة، وكل محدث يؤول إلى خدمة الدين والشرع بالمصلحة المرسلة.
(ث) أن الذين قسموا البدعة لم يتناسوا التعميم الحادث في قول الرسول (كل بدعة ضلالة)، فإنهم وإن خصصوه بأدلة من الشرع ولكن جعلوه من العام الذي يشمل غالب البدع وأكثرها إلا ما كان له أصل من الدين يشهد له وهذا وفق تعريف الفريق الأول يخرج من معنى البدعة لأنهم جعلوا من شروط البدعة أن لا يكون لها اصل من الدين.
(ج) أن الدين تام كامل بأصوله وقواعده وليس بجميع الفروع والجزئيات إذ ليست محصورة ولم يقل بهذا فقيه قط والدين صالح لكل زمان ومكان والمحدثاث مستمرة لا تتوقف والفقه في الدين أن تعرض المحدثات على اصول الدين وقواعده فما كان له أصل من الدين كان سنة حسنة وما ليس له أصل كان بدعة سيئة.
(ح) أن تطبيق القواعد الفقهية المقيدة والضابطة لمصطلح البدعة عند الطرفين ستؤول إلى نفس النتيجة عند تطبيقها التطبيق الصحيح على أرض الواقع، فالفريق الذي جعل كل محدثة بدعة ضلالة، وضع لها القيود الهادية فلا تكون المحدثة بدعة ضلالة إلا بشرطين اثنين استنبطوهما من فقه الكتاب والسنة: الاول: أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، والثاني: أن لا يكون لها أصل في الشرع يحث عليها، فإن كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة بالاصطلاح المقصود، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة، والفريق الذي قسّم البدعة إلى حسنة وسيئة، وضع لها القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بضوابط وشروط لابد منها، تجعلها مقبولة في ميزان الشرع، مندرجة تحت غطائه، وليس الأمر بالتشهي ولا باتباع الهوى، وهؤلاء الفقهاء وضعوا شروطا ثلاثة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بتطبيث هذه الشروط التي استنبطوهما من فقه الكتاب والسنة، وقد سبق ذكرها، هي: الاول: أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، والثاني: أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، والثالث: أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، وبالنظر إلى ضوابط الطرفين من الفقهاء الذين في مجملهم يمثلون أهل السنة والجماعة، وعند التزام تلك الضوابط فلن يكون هناك خلاف حقيقي بين الطرفين إلا في أذهان المتنطعين أو المتساهلين، ومع تطبيق تلك الضوابط المقيدة للبدعة عند كلا الطرفين وفقه مسائلها تقترب وجهات النظر إلى حد كبير ويضيق الخلاف في فروع البدعة ويؤول إلى خلاف فقهي ناشئ عن اجتهاد معتبر للمصيب فيه أجران وللمخطئ فيه أجر واحد، ومع جمع الضوابط الفقهية للبدعة تتضح الصورة أكثر وتظهر الحلقة المفقودة بين الطرفين وتتواصل سلسلة الود والتفاهم بين كافة أطراف أهل السنة، وبالتالي تتوحد جهود علماء أهل السنة والجماعة نحو محاربة البدع الأصلية التي تأخذ بأصحابها نحو الضلالة واستحقاق النار كبدع الخوارج والروافض والمرجئة والمشبهة والمجسمة والقدرية والجبرية والجهمية وغيرها من الفرق الضالة.
[المفتاح التاسع]: القول السديد الذي ينبغي أن يلتزم به كل منتسب إلى أهل السنة والجماعة من الفريقين، وإلا كان هو مصدر الخلل،
(أولا): المؤيدين للقول الأول بأنّ كل محدثة بدعة ضلالة: لابد وأن يلتزم بتلك الشروط وإلا كان مخلا لمذهب أهل السنة والجماعة في باب السنة والبدعة: (الشرط الأول): أن تكون محدثة بعد زمن التشريع، و(الشرط الثاني): أن تُنسب إلى الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى، و(الشرط الثالث): أن تخالف الشرع، و(الشرط الرابع): ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف، فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا) ([43]) . دل على الشرط الأول والثاني للبدعة وهو أن يكون بعد زمن التشريع وأن يُضاف إلى الدين، وقوله صلى الله عليه وسلم (ما ليس منه) دل على الشرط الثالث والرابع للبدعة ألا وهو مخالفة الشرع، وأن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم (فهو رد).
والخلاصة: أنّ البدعة الشرعية التي يقصد بها الضلالة هي كل محدثة في الدين وفيها مخالفة للشرع وليس لها أصل فيه، أما المحدثات التي لها أصل من الدين أو داخلة تحت شيء من مقاصده، أو أمر عام من أوامره، ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ولا خلاف فيما تدل عليه من الخير فهذه من المحدثات الحسنة التي جاء بها الحديث الصحيح (من سن سنة حسنة).
(ثانيا): المؤيدين للقول الثاني بأنّ هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة] لابد وأن يلتزم بتلك الشروط وإلا كان مُخلا لمذهب أهل السنة والجماعة: (الشرط الأول): أن تكون البدعة في أمر من أمور الدين التعبدية، لا في العادات والأمور المعاشية التي لا تعبد فيها، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقد سبق أن قلنا: إن مفهوم هذا الحديث: من أحدث في أمرنا هذا ما هو منه فهو مقبول غير مردود، وشاهدنا هنا قوله صلى الله عليه وسلم (في أمرنا هذا)، وذلك يعني أن الإحداث في غير الدين من العادات ومما لا تعبد فيه لا يوصف في اصطلاح الشرع بكونه بدعة هدى أو بدعة ضلالة، فإن أحداً من العقلاء لا يقول مثلا: إن ما أحدث بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ركوب الطائرات والسيارات وغيرها من البدع، سواء في ذلك الحسنة والقبيحة، و (الشرط الثاني): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مما تكاد تجمع كلمة كل عالم أثبت البدعة الحسنة على اشتراطه، وقد رأينا ذلك في ما سقناه من كلامهم، مثال ذلك: جمع سيدنا عمر رضي الله عنه الناس على عشرين ركعة في صلاة التراويح في رمضان، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه أنه صلى التراويح عشرين ركعة، لكن ذلك يندرج تحت أصل عام، ألا وهو صلاة قيام الليل التي لم يرد في شأنها تخصيص بعدد معين، بل ورد إنّه صلى الله عليه وسلم صلاها بأعداد متفاوتة مما يؤذن بصحة صلاتها بأي عدد كان، و (الشرط الثالث): أن لا تصادم البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، فإنّ البدعة المذمومة هي ما تصادم السنة أو تفضي إلى تغييرها، و (الشرط الرابع): أن يراها المسلمون أمراً حسناً، بعد أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع، فإنّ ما رآه المسلمون حسناً، لا يكون من بدع الضلالة.
(ثالثا): عند تفعيل ضوابط البدعة عند كلا الطرفين، تتقارب وجهات النظر تماما في باب السنّة والبدعة، ولا يبق سوى تحقيق بعض المسائل المتعلقة بالبدعة كمسألة الترك، ومسألة الاستناد إلى الحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ومسألة البدعة الإضافية، ومسألة سد الذرائع إلى البدعة، ومسألة التوسط في تقدير البدعة، ومسألة التفريق بين بدعة الاعتقاد وبدعة العمل، ومسألة الفرق بين البدعة والخلاف الفقهي، فإن تم تأصيل تلك المسائل بهدي من استيعاب أدلة الكتاب والسنة وفقهها، تم لنا – إن شاء الله تعالى – القضاء على فتنة التبديع والتقنين السديد للخلاف بين طوائف أهل السنّة والجماعة، إذ الخير كل الخير في اتفاق هؤلاء، وأما رؤوس الفرق المبتدعة الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة والمشبهة والمرجئة والجبرية، فالأمر مختلف لكون بدع هؤلاء بدع عقائدية آلت إلى تشويه صورة الدين بكامله في أذهان هؤلاء، مما يستوجب طرحا مختلفا، سأتناوله عن شاء الله في الكتاب الخامس من سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية: (مفاتيح علم الانتساب إلى أمة الإسلام) والله المستعان.
[المفتاح العاشر]: المصيبة كل المصيبة والخلل كل الخلل والخطر كل الخطر عند عدم تفعيل الشروط عند أي من الفريقين: الفريق الأول القائل بأنّ كل محدثة بدعة ضلالة، إن لم يُفعل الشروط سوف يؤول حاله إلى الهوس التبديعي وتبديع ما لا يٌبدع بحال، ومثال هؤلاء أولئك الذين يسهرون ليلهم ويصلون ليلهم بنهارهم دراسة لكتاب الاعتصام للإمام الشاطبي دون فهم لمسائل واحكام البدعة، فيورثهم هذا السهر هوسا في تبديع امة النبي صلى الله عليه وسل، وقد رأيت بعضهم منكبين على تعريف الشاطبي للبدعة يحاولون فهمه كما يحاول أحدنا فهم آية من القرآن الكريم، وهيهات، وهيهات، ولي معهم وقفة إن شاء الله في المبحث الرابع: وقفات مع الإمام الشاطبي وكتابه الاعتصام في علم السنّة والبدعة، والفريق الثاني كذلك والقائل بأن هناك بدعة ضلالة لها شروطها وبدعة حسنة لها شروطها، فإن أهملوا تفعيل تلك الشروط وتلك الضوابط انفرط عقد البدعة، وانفتح الباب نحو سيل من بدع الضلالة والمنكرات، فالحذر الحذر من اهمال تفعيل ضوابط البدعة وشروطها، سواء بسواء، المحدثات جميعها بما في ذلك: بدعة الضلالة وسنّة الهدى.
(فائدة): مع قناعتي التامة بأنّه عند تفعيل الضوابط والشروط عند كلا الطرفين لن توجد أدنى مشكلة، بين الفريقين في تقييم البدع، وسوف يضيق الخلاف إلى أضيق حد، ولكني -إحقاقا لما اراه في نفسي حق- فإنّه عند استعراض أقوال الفريقين بإنصاف وتجرد أجد يقينا أنّ الفريق الثاني أكثر عددا واقوى حجة واقرب دليلا، وهو يجمع خير القولين، لأنّه يطبق أولا شروط بدعة الضلالة على أي محدثة في الدين، فإن أخلت بالشروط كانت بدعة ضلالة وإن لم تخل بأي شرط من شروط بدع الضلالة، ينظرون فيها فإن انطبقت عليها شروط البدعة الحسنة فهي عندهم من باب (من سنّ سنة حسنة فله اجرها.. الحديث) وإلا فهي من المباحات التي سكت عنها الشرع، وهذا هو الأقرب إلى روح الشريعة وسماحتها إذ لا يمكن بحال ان تكون كل المحدثات بدع ضلالة، ولا عبرة بفهم البعض لحديث: (كل بدعة ضلالة)، لأن (كل): هاهنا تأتي على الغالب وليس على الاستيفاء والاطلاق والشمول، فإنّ (كل) قد تأتي والمراد بها التعميم الشامل فيما دخلت عليه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقد تأتي والمراد بها التخصيص لكل ما يصدق عليه اللفظ فقط، ومن ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيء}، فإنّ باب الرحمة وباب التوبة لم يفتح لهم، وإنما فُتحت عليهم أبواب الاستدراج، نسال الله السلامة، وقوله تعالى: {وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء}، أي وأوتينا من كل شيء أي مما يحتاج إليه المُلْك، وقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ}، تدمر كل شيء مما أرسلت بهلاكه، لأنها لم تدمر هوداً عليه السلام ومن كان آمن به، ولم تدمر مساكنهم ولم تدمر السموات والأرض، على ذلك فإن المراد بقوله تعالى (أَبْوَابَ كُلِّ شَيء) هو بعض الأبواب، وأن المراد بقوله تعالى (وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء) هو ما أعطاه الله تعالى لسليمان عليه السلام من الأمور التي يحتاج إليها في تدبير أمور الملك، وأن المراد بقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا}، هو تدمير ما تدمره الريح، أي هذا المذكور فحسب، وعلى هذا فلا يمكن أن نفهم قوله صلى الله عليه وسلم (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) على العموم الشامل، بل نقول: المعنى أن كل محدثة مما لا يندرج تحت نص من نصوص الكتاب أو السنة ولا يتفق مع مقاصدهما فهو بدعة مذمومة شرعاً، وكل بدعة بهذا المعنى فهي ضلالة، وإنّ من قواعد الأصول الثابتة أن في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من الكليات والعموميات، من العام المخصوص، أو العام الذي أريد به الخصوص، والعموميات في الكتاب والسنة كثيرة وكلها دخلها التخصيص، وقد تقدم اجتهاد الصحابة في أمور الدين، ولم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فهذا يدل على أن كل محدثة ليست بالضرورة أن تكون مذمومة، بل لا بد من النظر إلى نصوص الكتاب والسنة ومقاصدهما وإلى الجزئية المستحدثة وإلحاقها بما هو الأليق بها، فقد تكون واجبة، أو مندوبة، أو مباحة، أو خلاف الأولى، أو مكروهة، أو محرمة، وأهل العلم الراسخون في العلم يستطيعون بما لديهم من آلة العلم وأدوات الترجيح بالحكم الصحيح على المحدثة، كما جاء في قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، ويكفينا في هذه المسألة قول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: (في قيام رمضان نعمت البدعة هذه)، على جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان، وقول الإمام الشافعي الذي ملأ طباق الأرض علما وفقها، حيث قال: (البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم) ([44]) .
(تنبيه): ترجيح القول الثاني إنما على سبيل الجمع بين الأدلة وهو أولى عند الأصوليين من الترجيح، وجميع الأدلة من القرآن والسنة وأقوال السلف، تدل على وجود النوعين من البدع، بدع الضلالة وهي الاعم، والبدع الحسنة، التي تندرج ضمن أصل من أصول الشرع، وثبوتها هو مذهب جمهور العلماء من متقدمين ومتأخرين، فقهاء ومحدثين وأصوليين، وانا لا أُنكر أنّ أكثر ما يستعمل لفظ البدعة في الذم، وهذا لشناعة بدع الضلالة، ولكن ذلك لا يمنع من وجود البدعة الحسنة إذ انها في نهاية المطاف ثابتة بإثبات الشرع لها، أطلقها سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في قضية جمع الناس في صلاة التراويح، وسارت بها ركبان العلماء في مشارق الأرض ومغاربها.
***
(المبحث الثاني) مفاتيح فهم آيات القرآن الكريم المتعلقة بمسائل واحكام السنّة والبدعة
[فائدة]: القرآن الكريم كتاب الله تعالى أشار إلى أمرين يتعلق كلاهما بالبدعة، (الأمر الأول): يشير إلى اكتمال الدين وإلى ذم البدع والتحذير منها أيما تحذير، و(الأمر الثاني): يشير إلى إمكانية الاجتهاد في الدين والعبادة بما يوافق أصوله وقواعده وقبول الله تعالى لهذا الاجتهاد، وكذلك السنة النبوية الشريفة جانب من أحاديثها الثابتة أشار إلى عموم ضلالة البدعة وانها جميعها سيئة، وجانب آخر من أحاديثها الصحيحة أشار إلى تقسيم المحدثة إلى حسنة توافق السنة وسيئة وتخالف السنة، وقد تمسك فريق بالجانب الأول فذمّ البدع جميعها وجعلها من باب الضلالة، ووضع لها من الضوابط والقيود ما يخرج من تعريفها ما كان له أصل من الكتاب والسنة، وتمسك الفريق الثاني بالجانب الآخر وقسم المحدثات إلى حسنة توافق القرآن والسنة وأخرى سيئة تخالف القرآن والسنة، ووضع لها الضوابط والقيود بما يضمن للدين صفاءه وبراءته من بدع الضلالة وكلا الفريقين يستضيء بهدي الكتاب والسنة.
والآن نشرع في تفصيل هذا الإجمال:
[المفتاح الأول]: الآيات الواردة في ذم البدع: هناك نصوص عديدة في القرآن الكريم تحذر من البدع والابتداع في الدين منها: (1) قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة الآية 3]، وفي هذه الآية يمتن الله تعالى على عباده المسلمين بكمال الدين وتمام النعمة به.
(2) وقوله تعالى: {وَاعتَصِموا بِحَبلِ اللّهِ جَميعاً ولا تَفَرَّقوا} [آل عمران: 103]، والآية تأمرنا بالاعتصام بدين الله تعالى وعدم التفرق فيه، وهذا من أعظم النعم على المسلمين، والمتمثل في الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
(3) وقوله تعالى: {وأن هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة الأنعام الآية 153]، والآية تأمرنا بإتباع الصراط المستقيم صراط الله تعالى وصراط رسوله صلى الله عليه وسلم وتنهى عن إتباع السبل المخالفة لسبيل الكتاب والسنة لأنها تؤدي إلى التفرق المذموم.
(4) وقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة الحشر الآية 7]، والآية تأمرنا بإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر والانتهاء عن ما عنه نهى وزجر.
(5) وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النور الآية 63]، والآية تحذرنا من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
(6) وقوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 105، 106]، والآية تنهانا عن التفرق في الدين وتحذر أهل البدعة من عذاب عظيم يوم القيامة، يوم تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة والضلالة.
(7) وقوله تعالى – في ذم البدع وأهلها -: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم أيه 32]، والآية تصف أهل البدعة بأنهم فرقوا دينهم وكانوا كل حزب منهم بما لديه من الضلالة فرحون.
(8) وقوله تعالى – في ذم البدع وأهلها -: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِـي شَـيءٍ إنَّما أَمْرُهُمْ إلى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ} [الاَنعام: 159]، والآية تنذر بالبراءة من أهل البدع والضلالة وتخاطب الرسول بقوله تعالى: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِـي شَـيءٍ إنَّما أَمْرُهُمْ إلى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ}، فهذه الآيات الكريمات تتحدث في مجملها عن كمال الدين وتمامه، وتذم البدع التي تؤدي إلى التفرق في الدين والانحراف عن هديه.
[المفتاح الثاني]: مفاتيح فهم الآيات على سبيل الإجمال:
(الآية الأولى): قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة الآية 3]، الآية بشارة باكتمال أصول الدين وقواعده وكلياته، ولكن الآية الكريمة لا يُفهم منها أن نصوص الكتاب والسنة قد أحاطت بكل الجزئيات، وإلا لما كان هناك اجتهاد ولا استنباط، ويتم الغاء دور الفقهاء والمجتهدين، وهذا يخالف الشرع والواقع، فالصحيح أنّ الدين اكتملت أصوله وقواعده الكلية التي يستنبط منها الفقهاء ما يناسب الوقائع والجزئيات، وعلى أهل العلم أن يستنبطوا من نصوص الكتاب والسنة ما يحقق مقاصد الشرع وبما يتفق مع مبادئه وأخلاقه، ولذلك اعتمد الفقهاء: (القياس) كأصل رابع للاجتهاد بعد الكتاب والسنة والإجماع،، وعلى ذلك فإنّ المعنى الصحيح للآية: أن الله تعالى أكمل لنا قواعد الدين وأصوله ومبادئه، وترك لفقهاء الإمة المجتهدين أن يستنبطوا منها الحكم الشرعي الذي يلائم كل محدثة تجد أو واقع يستجد على حياة المسلمين.
(والآية الثانية): قوله تعالى: {وَاعتَصِموا بِحَبلِ اللّهِ جَميعاً ولا تَفَرَّقوا} [آل عمران|103]، الآية تأمرنا بالاعتصام بدين الله تعالى وعدم التفرق فيه، وهذا من أعظم النعم على المسلمين، وليس معنى الاعتصام بالكتاب والسنّة الجمود على القديم وان نرفض كل جديد، بل لابد من النظر في كل محدث جديد وتقييمه من جهة الشرع فإن كان له أصل في الدين اخذنا به، وإن كان يتماشى مع روح الشرع ومبادئه فلا مانع منه، وإن كان يُعارض الكتاب والسنّة أو شيء من أصولهما طرحناه على انه بدعة ضلالة يجب أن نجتنبها ونحذر منها، فإنّه باتفاق علماء الأصول من أهل السنة أن من شروط البدعة الضلالة أن لا يكون لها أصل من كتاب الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد ) فمما يُستفاد من الحديث الشريف معرفة شرطين للبدعة: (الأول): أن يُنسب إلى الدين، و(الثاني): أن لا يكون له أصل من دين الله يشهد له الحديث، فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين، وقوله صلى الله عليه وسلم (ما ليس منه) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم (فهو رد).
(والآية الثالثة): قوله تعالى: {وأن هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة الأنعام الآية 153]، تأمرنا بإتباع الصراط المستقيم صراط الله تعالى وصراط رسوله صلى الله عليه وسلم وتنهى عن إتباع السبل المخالفة لسبيل الكتاب والسنة لأنها تؤدي إلى التفرق المذموم، ولا شك انّ المقصود بالسبل المنهي عن اتباعها هي سبل الفرق الضالة والبدع الحقيقية المفضية إلى الضلال، كبدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة والمرجئة وغيرهم، من الفرق الضالة، وليس بدعة استعمال السبحة على سبيل المثال.
(والآية الرابعة): قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة الحشر: 7]، الآية الكريمة تأمرنا بإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وقد أخرج مسلم (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم، كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم) ([45]) . والآية والحديث لم يتناولا الترك، فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم وما تركه فانتهوا، بل (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)، فالترك لا يفيد التحريم، فكل متروك لا بد وان يخضع لقوانين الشريعة وضوابطها، فإن كان يوافقها فقد يكون من المصالح المرسلة، وقد يكون من السنن الحسنة التي جاء فيها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) ([46]) .
وقال النووي في شرح الحديث: (وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة) أهـ، ([47]) .
وما فعله النووي هو الفقه في دين الله حتى لا تتعارض النصوص ويضرب بعضها بعضا، والشريعة واسعة ولن يُشاد الدين احد إلا غلبه،
(والآية الخامسة): قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النور الآية 63]، تحذرنا من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، والمخالفة يدخل فيها العصيان والفسوق والابتداع في الدين، وفق قانون بدعة الضلالة الذي ذكره الفقهاء، وقد أوضحوا شروط بدعة الضلالة، حتى لا يختلط الحابل بالنابل، فقالوا: بدعة الضلالة هي مَا اجتمع فيها شروط أربعة: (الأول): أن تكون محدثة بعد زمن التشريع، و(الثاني): أن تكون في الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى، و(الثالث): أن تخالف الشرع، و(الرابع): ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: كل ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، وكل ما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، وكل ما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف، ولم يفت الفقهاء أن يضعوا لها شروطا أيضا.
فقالوا: أهم الضوابط الفقهية للمحدثة حتى لا تكون ضلالة، شروط ثلاثة استنبطوها من فقه الكتاب والسنة هي: (الأول): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه، و(الثاني): أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة، و(الثالث): أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، ولكي يكون الأمر منضبطاً عندهم.
(والآية السادسة): قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 105، 106]، تنهانا عن التفرق في الدين وتحذر أهل البدعة من عذاب عظيم يوم القيامة، يوم تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة والضلالة، والمقصود منها البدع الاعتقادية العريضة كبدع الرفض والخروج والقدر والتجسيم وغيرها من بدع الضلال التي تحزب عليها أهل الفرق الضالة.
(والآية السابعة): قوله تعالى – في ذم البدع وأهلها -: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم أيه 32]، الآية تصف أهل البدعة بأنهم فرقوا دينهم وكان كل حزب منهم بما لديه من الضلالة فرحون، وهي كالسابقة لها تتحدث عن بدع الضلالة التي تُفرق المسلمين في امر دينهم، كالخوارج والروافض والمعتزلة والمجسمة.
(والآية الثامنة): قوله تعالى – في ذم البدع وأهلها -: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِـي شَـيءٍ إنَّما أَمْرُهُمْ إلى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ} [الاَنعام: 159 تنذر بالبراءة من أهل البدع والضلالة وتخاطب الرسول بانك بريء منهم، وهؤلاء هم أصحاب الفرق الضالة المجتمعون على أصول عقائدية ضالة، وعلى ذلك: فإنّ جميع الآيات التي تناولت موضوع البدعة فإنما تتناول بدع الضلالة التي تؤدي إلى ظهور الفرق الضالة كبدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة والمرجئة وغيرهم، من أصحاب البدع الكبرى العقائدية التي تخالف منهاج أهل السنّة، وعلى ذلك: فمجمل القول: هو صواب من استدل بالآيات على تبديع وتضليل كل محدثة في الدين ليس لها أصل في دين الله، وخطـأ من استدل بالآيات على تبديع كل محدثة في الدين ولو كانت مستمدة من أصول الدين وقواعده، لأنه باتفاق علماء أهل السنة أن من شروط البدعة أن لا يكون لها أصل من كتاب الله لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ([48]) . قال ابن رجب ” وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء ” ([49]) .
وقال ابن حجر ” وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه ” ([50]) .
[ المفتاح الثالث]: مفتاح فهم الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}، بنوع من التفصيل: البعض يستدل بالآية على أنّ ما لم يكن على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا فليس اليوم بدين، وأنه ليست هناك بدعة حسنة مهما كانت قائمة على أصول الدين وتدعم مبادئه، ومن طريقتهم في الاستدلال على كل شيء جديد هل فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نقول لا فيقولون لو كان خيرا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم، والحق انهم ضيقوا واسعا، والخلل جاءهم من عدة جوانب:
[الجانب الأول]: أن الدين كامل بقواعده الكلية وأصوله العامة التي يمكن للفقهاء القياس عليها في كل جديد، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها) ([51]) .
باختلاف يسير، والحديث حسن، وهو دليل على أن هناك أشياء سكت عنها الشرع، وأنّ نصوص الكتاب والسنة لم تستوعب كل الجزئيات والتفصيلات، ولذلك اجتهد العلماء والفقهاء من لدن الصحابة رضي الله عنهم مرورا بالتابعين وتابعي التابعين وحتى يومنا هذا، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، فكل قول جديد أو فعل جديد يحقق مقاصد الشريعة ولا يخالف دليلاً شـرعياً فلا يصح وصفه بأنها بدعة ضلالة، فالصحيح أنّ الدين اكتملت أصوله وقواعده الكلية التي يستنبط منها الفقهاء ما يناسب الوقائع والجزئيات، وعلى أهل العلم أن يستنبطوا من نصوص الكتاب والسنة ما يحقق مقاصد الشرع وبما يتفق مع مبادئه وأخلاقه.
و[الجانب الثاني]: الخطأ في فهم مسألة الترك، فليس كل ما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم يكون محرما، والحقيقة أنّ الترك المجرد من القرائن فهو عدم فعل، والعدم ليس بشيء، ولا يصلح دليلاً لجواز شيء أو حرمته، وقد حذرنا الله تعالى من التشريع والتحريم بغير هدى من الله وبما لم يأذن به الله، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، فكيف إذا كان تحريم المباح يعقبه الاتهام بالبدعة والضلالة لانّ كل بدعة ضلالة، إنّ الزعم بأن الترك المجرد سنّة هو في حقيقة الحال تقول على دين الله بغير علم، وبما لم يأذن به الله، وهو في حد ذاته بدعة بإدخال ما ليس من الدين إليه، ولم يقل به أحد من الأئمة المجتهدين المقتدى بهم في الدين، والدليل على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي، ما جاء في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) ([52]) .
فهو دليل على أنّ الترك لا يدل على أمر أو نهي أو تشريع، وإلا لما أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم)، ففرق بين الترك والنهي والأمر، ففي الترك قال: (دعوني ما تركتكم) وفي النهي قال: (فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، وفي الامر قال: (وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)، ففرق بين الترك وجعله من باب المباح، وبين النهي وجعله من باب المحرم الذي ينبغي اجتنابه كله، وبين الامر الذي يأتي الإنسان منه ما استطاع، وأما ما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فهو عفو، وهذا من رحمة الله، فالأشياء إما مأمور بها، أو منهي عنها، أو مسكوت عنها، فما سكت الله ورسوله فإنه عفو لا يلزمنا فعله ولا تركه، ولا يدخل فيه التشريع بإيجاب ولا نهي إلا بدليل آخر مستقل، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم أفعالاً كثيرة تعد من المستحبات والطاعات عمداً لاعتبارات عديدة، فقد كان يترك بعض العبادات والطاعات خشية أن تفرض على الناس فيعجزوا عنها، مع أنها من الطاعات وعمل الخير، ومثال ذلك ما أخرجه البخاري عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فصلى فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: (أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها) ([53]) .
وترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض العبادات والطاعات التي ثبتت فضيلتها حتى لا يشق على المسلمين، رفقاً بهم، ومن ذلك تركه للخروج في جميع السرايا للجهاد في سبيل الله، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة: قوله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده: لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده: لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل) ([54]) .
وترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض العبادات والطاعات التي ثبت أنها أفضل الطاعات لشيء في علم الله تعالى ولعله حتى لا يشق على المسلمين رفقاً بهم أن يقتدوا به، ومن ذلك صيام يوم وافطار يوم، وقد نص حديثه صلى الله عليه وسلم على أن أفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ومع ذلك تركه النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عنه قط أنه كان يصوم هكذا، مع أنّه أفضل الصيام بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وترك النبي صلى الله عليه وسلم بيان العلوم على الطريقة التي نتعلمها، ومثال ذلك كان يعلمهم الصلاة، ولم ينقل عنه أنّه كان يوضح لهم التفريق بين أركانها وشروط وجوبها وشروط صحتها وواجباتها وسننها مع أنّه أعلم الخلق بها وبدين الله تعالى، ولكنه ترك المجال واسعاً للفقهاء المجتهدين بعده أن يجتهدوا فيها، فهل تركه لها يدلنا على أنّها علوم مبتدعة لا حاجة للمسلمين إليها، وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الفرق الضالة وكان يخبرنا بانه ستكون فوق السبعين فرقه، وقد كان في مقدوره أن يضع لنا كتابا فيه الرد على تلك الفرق الضالة، وبيان ضلالها، ولكنه ترك ذلك، وهو يعلم أنّها كائنة بعده، وأنّ الأمة ستحتاج من العلم ما يمكنها من الرد عليها، ولكنه ترك ذلك للعلماء الذين هم ورثة الانبياء بعده، فلما ظهرت الخوارج رد عليها علي وابن عباس رضي الله عنهم، ولما ظهرت القدرية رد عليها ابن عمر رضي الله عنهما، ولما ظهرت المعتزلة رد عليها أحمد بن حنبل رحمه الله، ولما ظهرت المشبهة والمجسمة والحشوية رد عليهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، وهكذا يحمل العلم من كل جيل عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، فقد يترك النبي بعض العمل لاعتبارات كثيرة أخرى منها ما نعلم سببه، ومنها ما لا نعلم سببه، والترك في جميع الأحوال عدم فعل، والعدم لا يصلح دليلاً على شيء في الشرع مطلقاً، إلا أن يصاحبه نهي أو أمر من الشارع بشيء، لقد تسبب اعتماد مبدأ (السنة التركية) كدليل على التبديع إلى غلو شنيع في مسائل التبديع، أخرجها عن إطار التوسط والاعتدال إلى مجال الغلو والتنطع، ومثال ذلك، بعضهم يبدع استعمال السبحة للتسبيح، ودليله أنّ الرسول تركها ولو كان فيها خير لأستعملها، وهل السبحة إلا آلة بسيطة تُعين الذاكر على عدّ الأذكار وإحصائها واحتسابها تقرباً إلى الله، فهل تركُ الرسول صلى الله عليه وسلم لها دليل على بدعيتها، ألا تصلح أن تكون بديلاً عن العد بالحصى والحجارة، فقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وقال: صحيح، وابن حبان عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه: ” أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نَوَى، أو حَصى تسبح به فقال: ” ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، سبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك” ([55]) .
ومعنى والله أكبر مثل ذلك،، إلخ، أى يقول: الله أكبر عدد ما خلق في السماء،، إلخ فهذه عابدة تسبح الله وتعد بالنوى والحصى ما تريد أن تسبحه فلم ينهها الرسول صلى الله عليه وسلم وأقرها على ذلك ولكنه دلّها على ما هو أيسر وأفضل، وعن أم المؤمنين صفية بنت حُيَىّ رضى الله عنها: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وبين يديها أربعة آلاف نواة تسبح بهن، فقال: ألا أعلَّمك بأكثر مما سبَّحت به؟ فقالت: بلى علمني، فقال: قولي سبحان الله عدد خلق، من شيء ” رواه الترمذي والحاكم والمنذري، فحسبنا الله ونعم الوكيل في كل من يغالي في دين الله تعالى ويصرف المسلمين عن نصرة الدين إلى مشاحنات لا طائل من ورائها سوى ضياع أوقات المسلمين والتشويش على دينهم، ومثال ذلك أيضا صلاة القيام في رمضان، المسلمون يصلون كما شاءوا ثمانية أو عشرين او ستاً وثلاثين، فالأصل التقرب إلى الله تعالى بالقيام والركوع والسجود، حتى أتى على المسلمين من يقول: (إنّ زيادة الركعات في اليوم والليلة عن ثمانية بدعة، لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم ما زاد في ليلة على ثمانية ركعات، وكان الرسول يقدر على صلاتها أكثر من ثمانية ولكنه صلى الله عليه وسلم تركها مع وجود المقتضي لها وهو كثرة العبادة والتقرب إلى الله وانتفاء الموانع عنها وهو امكانية جعلها أكثر من ثمانية، فهي سنة تركية واظب الرسول على تركها، وفعل القيام أكثر من ذلك تعدي على فعل الرسول)، انتهى، وهو يظن أنّ من فعلها أكثر من ثمانية فقد زاد في العبادة على الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسكين لا يدرك أنّه لو صلاها ألف ركعة بتمام خشوع وحضور لما بلغ بها أجر ركعة مع الرسول، كيف وكله ونفسه وأعماله كلها إن كان صالحا فهي في ميزان الرسول صلى الله عليه وسلم، والقضية أنّه على مر عصور الإسلام، وللصالحين أوراد كيف شاءوا مع الله، فمنهم من كان ورده ركعة ومنهم من كان ورده مائة، وهذا من المباح ما كان في اطار اعطاء كل ذي حق حقه، فكيف نقول هذا بدعة إلا إذا كان الخلل في أذهاننا نحّرم ما أحل الله ونحجر واسعاً من دين الله، ومثال ذلك أيضا القارئ في مجلس الاستماع للقرآن أراد أن يعلم الناس بإنهاء القراءة فقال: (صدق الله العظيم)، فقامت قيامة أحدهم والسبب أنها من البدع التركية لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تركها مع وجود المقتضي لها وانتفاء الموانع عنها، وهل الرجل عندما أراد أن يفصل بين قراءة القرآن وحديث الناس فقال بما أيده به القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87]، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، هل أتى ببدع من القول، وهل قال أنّ هذا من الدين، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يسمع صحابيا يقول ” الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنُّا أن يحمد وينبغي له “، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ فردّ عليه كما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لقد ابتدرها عشرة أملاك كلهم حريص على أن يكتبها فما دَرَوْا كيف يكتبونها حتى رفعوها إلى ذي العزّة، فقال: اكتبوها كما قال عبدي) ([56]) .
وهذا بلال رضي الله عنه، يجتهد في الطاعة، حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (بم سبقتني إلى الجنة؟ فقال: ما أذَّنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت ورأيت أن لله علّى ركعتين، فقال صلى الله عليه وسلم: بهما نِلْتَ) ([57]) .
لا شك أنّ هناك بدعاً انشطارية أتت علينا من فتح باب (البدعة التركية) وصار همّ هؤلاء الشاغل: قل ولا تقل، افعل ولا تفعل، هذا ورد، وهذا لم يرد، دونما فقه وضبط لهذا الباب الدقيق، خلاصة الأمر أنّ مسألة ترك النبي صلى الله عليه وسلم، هو على الإباحة الأصلية المطلقة، حتى يأتي دليل من دين الله تعالى بترجيح الترك أو الفعل، ولا يجوز أبداً استعمال هذا الأمر (السنّة التركية) للتبديع والتفسيق ورمي الناس بالبدعة والضلالة، بل ينبغى تقييد الحكم بالبدعة على عدم وجود ما يؤيد الفعل أو على وجود ما يردّه من النصوص، لأنّ حكم الترك – المجرد – في الشريعة هو الإباحة، حتى يأتي دليل مستقل بالنهي أو الإيجاب، أو الاستحباب أو الكراهة، أمّا التبديع بمجرد الترك هو في ذاته قول منكر وبدعة تؤول بصاحبها إلى تبديع من لا يستحق من عباد الله المسلمين.
[المفتاح الرابع]: مفتاح فهم الآية: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27]، فالآية تعبّـر عن الرهبانية بأنّها كانت من مبتدعات الرهبان ولم تكن مفروضة عليهم من قبل، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، وأن الله تعالى قد تقبل منهم هذه البدعة وألزمهم بها، (قلت): وإلى هاهنا اتفق جميع المفسرين، ثم اختلفوا بعد ذلك هل الآية تحتمل معنى الذم لهذه البدعة في الدين لكونها بدعة ضلالة أم تحتمل معنى الجواز أو المدح وأن الله تعالى تقبلها منهم، وإنما ذم وعاب على أولئك الذين جاءوا من بعدهم فلم يراعوها حق رعايتها، أم أنها لم تتعرض لمدح أو ذم لهذه البدعة في الدين نفسها وإنما أشارت إلى قبولها وذم من لم يؤدها حقها الذي ألزمه على نفسه أمام الله تعالى أو أشارت إلى أنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، الحافظ ابن كثير يرى أن الآية تحمل معنى الذم من وجهين الأول الإبتداع في الدين والثاني عدم الوفاء بما التزموه، ولهذا يقول في تفسيره للآية الكريمة: ” وقوله (ورهبانية ابتدعوها) أي: ابتدعتها أمة النصارى (ما كتبناها عليهم) أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم، وقوله (إلا ابتغاء رضوان الله) فيه قولان، أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير، وقتادة، والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، وقوله {فما رعوها حق رعايته}، أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين، أحدهما: في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله، والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل ” أهـ ([58]) .
المقابل يفهم بعض المفسرين من الآية غير ما فهمه ابن كثير حيث يروا أن الآية تشتمل على قبول بدعتهم من غير ذم لها وإنما الذم لأولئك الذين لم يؤدوها حقها، ومن هؤلاء المفسرين الأئمة القرطبي وابن الأثير والرازي والطاهر بن عاشور وغيرهم، قال القرطبي في تفسير الآية ” قوله تعالى): ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، (الآية، يقول: ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها المتأخرون حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم يعني الذين ابتدعوها أولا ورعوها وكثير منهم فاسقون يعني المتأخرين … وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية، وعن أبي أمامة الباهلي – واسمه صدي بن عجلان – قال: (أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها، فعابهم الله بتركها فقال: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها}) أهـ ([59]) .
والقرطبي يشير إلى أن الله تعالى تقبلها منهم وأوردها في سياق المدح لا الذم لانه سبحانه قرنها بما أمتدحهم به من الرأفة والرحمة وأنه سبحانه تقبلها منهم وإنما عاتب من أهملها ولم يراعها حق رعايتها من طاعة الله والتقرب له ويشهد لذلك قوله رحمه الله ” وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية” أهـ ويؤيد ما ذهب إليه ويؤكده بما ذكره من الأثر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه حيث قاس ما أحدثه المسلمون من قيام رمضان على ما أحدثه النصارى من الرهبانية وأمر بالمداومة عليه حتى لا يعاتبوا على تركه ويشهد لذلك قوله رضي الله عنه ” أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها، فعابهم الله بتركها فقال: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها}) أهـ، وبمثل ما مال إليه القرطبي قال العلامة الألوسي في تفسير الآية: ” وليس في الآية ما يدل على ذم البدعة مطلقاً، والذي تدل عليه ظاهراً ذم عدم رعاية ما التزموه ” أهــ، ([60]) .
وقريب منه ما قاله الفخر الرازي في تفسير الآية ” المسألة الخامسة: لم يعن الله تعالى بابتدعوها طريقة الذم، بل المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها، ولذلك قال تعالى بعده (ما كتبناها عليهم) ” أهـ، ([61]) .
ويؤيده ما قاله الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير: ” وإنما عطفت هذه الجملة (ورهبانية ابتدعوها) على جملة (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) لاشتراك مضمون الجملتين في أنه من الفضائل المراد بها رضوان الله، والمعنى: وابتدعوا لأنفسهم رهبانية ما شرعناها لهم، ولكنهم ابتغوا بها رضوان الله، فقبلها الله منهم، لأن سياق حكاية ذلك عنهم يقتضي الثناء عليهم” أهـ ([62]) .
، وهناك من المفسرين من تعرض لتفسير الآية دون أن يشير إلى ذم أو مدح لتلك البدعة التي ابتدعوها، وإن كان قد أشار إلى انّ الله تقبلها منهم، قال شيخ المفسرين الإمام الطبري في تفسير الآية ” (ورحمة ورهبانية ابتدعوها) يقول: أحدثوها(ما كتبناها عليهم) يقول: ما افترضنا تلك الرهبانية عليهم، (إلا ابتغاء رضوان الله) يقول: لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله (فما رعوها حق رعايتها)، واختلف أهل التأويل في الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها، فقال بعضهم: هم الذين ابتدعوها، لم يقوموا بها، ولكنهم بدلوا وخالفوا دين الله الذي بعث به عيسى، فتنصروا وتهودوا، وقال آخرون: بل هم قوم جاءوا من بعد الذين ابتدعوها، فلم يرعوها حق رعايتها… وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها، بعض الطوائف التي ابتدعتها، وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم، قال: فدل بذلك على أن منهم من قد رعاها حق رعايتها، فلو لم يكن منهم من كان كذلك لم يكن مستحق الأجر الذي قال جل ثناؤه فيه: فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم … فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على ابتغائهم رضوان الله، وإيمانهم به وبرسوله في الآخرة، وكثير منهم أهل معاصٍ وخروج عن طاعته، والإيمان به) أهـ، ([63]) .
[فقه ما دلت عليه الآية الكريمة]: من يرد الله به خيرا يفقه في الدين، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، نسأل الله السداد، فالآية الكريمة قد استدل بها الفريق الذي قسم المحدثات إلى قسمين: (القسم الأول): البِدْعَةُ الحَسَنَةُ: وتُسَمَّى السُّنَّةَ الحسَنَةَ، وهي المُحدَثُ الذي يُوافِقُ القُرءانَ والسُّنَّةَ، و (القِسْمُ الثَّاني): البدْعَةُ السَّيّئَةُ: وهي المُحْدَثُ الذي يُخَالِفُ القُرءانَ والحَدِيثَ، وهو الذي نقله ابن تيمية عن الإمام الشافعي وصححه قال في الفتاوى ” قال الشافعي رحمه الله البدعة بدعتان: بدعة خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم فهذه بدعه ضلاله، وبدعه لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة هذه هذا الكلام أو نحوه رواه البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل “ ([64]) .
ولذلك فعند تدبر الآية الكريمة، نجد أنّ الرهبانية عبادة ابتدعها النصارى ابتغاء رضوان الله، ولم يعترض القرآن الكريم على هذه البدعة، بل أشار إلى أنّ الله تعالى تقبل هذه البدعة منهم، كما لم تتضمن الآية أي معنى صريح للذم لأولئك الذين ابتدعوها ابتغاء مرضاة الله، بدليل قوله تعالى: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ}، ولكن لحق الذم أولئك الذين لم يراعوها حق رعايتها،، كما يُفهم من الآيات أنّ الله سبحانه وتعالى قد تقبل منهم هذه البدعة، وأمرهم بالدوام عليها وعدم تركها، وجعلها في حقهم كالنذر الذي من ألزم نفسه به فعليه القيام به، وعدم تركه والتهاون فيه، وإلا فإنه يلام على عدم الوفاء به، ويُفهم منها أنّ الذم غير متوجه لمحدثي البدعة وإنما لأولئك الذين لم يراعوها حق رعايتها.
[المفتاح الخامس]: مفتاح فهم الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعبدوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]، هذه الآية ومثلها كل آية تدعو إلى فعل الخير، كقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمرا: 104]، وقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة:7]، وقوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة: 197]، هذه الآيات تدعو المسلمين إلى فعل الخيرات أمراً مطلقاً، والإذن في فعل كل ما يظهر خيره وتتحقق مصلحته، لأنّ في ذلك فلاح الناس ونجاحهم، ومما يؤكد هذا المفهوم ما أخرجه البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!!، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه … قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله؟!!، قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ([65]) . فالملاحظ انّ عمر رضي الله عنه استدل أولا لأبي بكر رضي الله عنه، بأن جمع القرآن خير، ولم يزد على قوله: (هذا والله خير)، أي خير للامة في دينها وحفظ قرآنها وكلام ربها عز وجل، والملاحظ أيضا: ان أبو بكر استدل لزيد بن ثابت بأنّ جمع القرآن خير ولم يزد على قوله: (هو والله خير)، فقوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]، دليل على جواز فعل المحدثة إذا كان في فعلها خير للإسلام والمسلمين، ولذلك كان من فقه الإمام الشافعي، ما نقله عنه البيهقي في مناقب الشافعي، ونقله عنه ابن عساكر عن الشافعي قوله: (المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة) أهـ، ([66]) .
وقوله رحمه الله: (وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة)، استفاد منه الشافعية أيما استفادة عندما قرروا شروط المحدثة الحسنة، بقولهم: للمحدثة الحسنة أربعة شروط، تتمثل في: (الشرط الأول): أن تكون البدعة في أمر من أمور الدين التعبدية، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) و(الشرط الثاني): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مما تكاد تجمع كلمة كل عالم أثبت البدعة الحسنة على اشتراطه، و(الشرط الثالث): أن لا تصادم البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، و(الشرط الرابع): أن يراها المسلمون أمراً حسناً، من أمور الخير التي لا يختلف عليها المسلمون، بشرط أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع، فإنّ ما رآه المسلمون حسناً، لا يختلف اثنان أنّه من الخير، لا يكون من بدع الضلالة، وكذلك فإنّه سيأتي تفصيل آخر لهذا الأمر في المبحث الرابع: بيان القواعد والضوابط الجامعة لفقه مسائل البدعة عند أهل السنّة والجماعة، والتوفيق بين أقوال الفريق المانع والفريق المجيز للبدعة الحسنة بما يضبط قواعد البدع عند الفريقين، ويجعل الخلاف لفظياً لا حقيقة وراءه إلا في أذهان الغلاة والموتورين، ولكن بعد إلقاء الضوء على الآيات والاحاديث الواردة في مسألة البدعة ودرر من أقوال الفقهاء في فقهها، ومعرفة هدي السلف الصالح في فقه مسائل البدعة، في الجمع بين الأمرين: التحذير من بدع الضلالة والاجتهاد في سن السنن الحسنة.
***
(المبحث الثالث) مفاتيح فهم الاحاديث النبوية المتعلقة بمسائل واحكام السنّة والبدعة.
[المفتاح الأول]: الأحاديث الواردة في باب السنّة والبدعة: هناك نصوص عديدة في السنة الصحيحة تحذر من البدع والابتداع في الدين، وهناك أحاديث تدل على جواز سن سنن حسنة في الدين،
فمن أصول الأحاديث الواردة في ذم البدعة:
[الحديث الأول]: قوله صلى الله عليه وسلم: (خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة) ([67]) . وفي رواية عند النسائي بزيادة (أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار) ([68]) .
[الحديث الثاني]: قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن من يعش منكم، فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة) ([69]) .
[الحديث الثالث]: قوله صلى الله عليه وسلم:(من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه، فهو رد) ([70]) .
[الحديث الرابع]: قوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ([71]) .
إلا أن هذه الأحاديث لابد من فقهها ومعرفة ضوابطها ومفاتيحها التي تساعد على فهمها الفهم الصحيح حتى لا نقع في الإفراط أو التفريط،.
ومن أصول الأحاديث الدالة على إمكانية وجود البدعة الحسنة: هناك نصوص عديدة في السنة الصحيحة يفهم منها أن المحدثات في الدين ليست كلها ضالة بل قد يكون منها ما هو حسن وأصول تلك الأحاديث هي:
[الحديث الأول]: ما أخرجه مسلم في صحيحه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)، ([72]) .
وفي رواية أخرى: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)، ([73]) .
وفي رواية أخرى: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسُنُّ عَبْدٌ سُنَّةً صَالِحَةً يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ) ([74]) ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
قال النووي: في شرح الحديث: ” وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة” أهـ، ([75]) .
و[الحديث الثاني]: ما أخرجه مسلم في صحيحه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا) ([76]) .
و[الحديث الثالث]: ما أخرجه ابن ماجة في سننه: عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا)، ([77]) .
وقال السندي في شرح الحديث: ” قوله (سنة حسنة) أي طريقة مرضية يقتدي فيها والتمييز بين الحسنة والسيئة بموافقة أصول الشرع وعدمها ” أهـ، ([78]) .
و[الحديث الرابع]: ما أخرجه البخاري في صحيحه ومالك في الموطأ: عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله) ([79]) .
قال بن حجر في شرح الحديث: قوله: (قال عمر نعم البدعة) ([80]) .
في بعض الروايات ” نعمت البدعة ” بزيادة تاء، والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة ” أهـ، ([81]) .
و[الحديث الخامس]: ما أخرجه الترمذي في سننه: عن كثير بن عبد الله هو ابن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث: (اعلم قال ما أعلم يا رسول الله قال اعلم يا بلال قال ما أعلم يا رسول الله قال إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا)، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال البغوي: هذا حديث حسن، وصححه الألباني ([82]) .
وجاء فِي الْمِرْقَاةِ في شرح الحديث ” (ومن ابتدع بدعة ضلالة) قيد به لإخراج البدعة الحسنة وزاد في أشعة اللمعات لأن فيها مصلحة الدين وتقويته وترويجه ” أهـ، ([83]) .
[الحديث السادس]: ما أخرجه ابن ماجة في سننه: حدثني كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص من أجور الناس شيئا ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص من آثام الناس شيئا)، قال السندي في شرح الحديث: قوله (لا يرضاها الله تعالى) هذا تقبيح للبدعة وإلا فكل بدعة كذلك بالمعنى الذي ذكرناه وهو ما لا يوافق أصول الشرع وقيل فيه تنبيه على أن من البدع ما يرضاها الله ورسوله كالتصنيف وبناء المدارس ونحو ذلك قلت وهذا مبني على أن البدعة مطلق الأمر المحدث بعده ” أهـ، ([84]) .
[الحديث السابع]: ما أخرجه البخاري في صحيحه: عن رِفاعة بن رافع الزَّرقي قال: (كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: ” سمع الله لمن حمده”، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: ” من المتكلم” قال: أنا، قال: ” رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أولا”)، قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: ” واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور” اهـ ([85]) .
[ المفتاح الثاني]: مفتاح فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، ” وكل ضلالةٍ في النار“) هذا الحديث العظيم يستدل به الطرف الأول على ضلال كل محدثة في الدين وعلى أنه لا توجد بدعة في الدين تكون حسنة، ووجه الدلالة فيه: أن هذا الحديث كان جزءا من خطبة الحاجة التي كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يكررها في كل مناسبة تحذيرا من البدع والمحدثات في الدين، وأن لفظ (كل) في الحديث يفيد العموم فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وما يقول به هذا الفريق العريض من أهل السنة والجماعة حق، ولكن هل من الممكن أن تأتي (كل) على معنى الغالب والأكثر وليس جميع مفردات البدع والمحدثات، وبالتالي يكون التحذير من بدع الضلالة التي تمثل غالب المحدثات، ولا يمنع ذلك من وجود محدثات لها أصل من الشرع وتدل على خير لا خلاف لأحد فيه، فإنّ الذي يتدبر آيات الكتاب العزيز يدرك أن كلمة (كل) قد تأتي والمراد بها التعميم الشامل فيما دخلت عليه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقد تأتي والمراد بها العموم الذي يُراد به الخصوص، الذي يصدق عليه اللفظ، ومن ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيء}، ولم تفتح لهم أبواب الرحمة ولا أبواب المغفرة، وانما فتحت لهم أبواب الاستدراج، وقوله تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ}، أي كل شيء يحتاجه بنو إسرائيل، من التشريع، فهو عموم أريد بها الخصوص، وقوله تعالى: {وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء}، أي من كل شيء يحتاجه الملوك، ولم يؤت ملك السموات، وقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ}، فالمساكن لم تُدمر، ولم تدمر الأرض كلها ولا السماوات، فدل ذلك على انها تدمر كل شيء أُمرت بهلاكه، وعلى هذا أفلا يمكن أن نفهم قوله صلى الله عليه وسلم (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) على العموم الذي أريد به الغالب، والمعنى أن كل محدثة مما لا يندرج تحت نص من نصوص الكتاب أو السنة ولا يتفق مع مقاصدهما فهو بدعة مذمومة شرعاً، وكل بدعة بهذا المعنى فهي ضلالة، وإنّ من قواعد الأصول الثابتة أن في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من الكليات والعموميات، من العام المخصوص، أو العام الذي أريد به الخصوص، والعموميات في الكتاب والسنة كثيرة وكلها دخلها التخصيص، ومن العام الذي أريد به الخصوص قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النجم: 39] مع أن هناك من الأدلة ما يبلغ التواتر في أن المسلم ينتفع بعمل غيره من إخوانه المسلمين ودعاء الملائكة، كما هو مقرر في الشريعة، ويشهد لذلك حديث (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)، ([86]) .
ومن العام الذي أريد به الخصوص قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173]، فإن المراد بالناس في الأول المخبِرين وهم لا شك عدد محدود من الناس، والثاني هم أبو سفيان وجماعته وليسوا هم كل الناس، وفي الكتاب والسنة من هذه العموميات التي يراد بها الخصوص شيء كثير، فكيف يُنكر على جمهور من العلماء الراسخين قولهم هذا الحديث (كل بدعة ضلالة) أنه من العام المخصوص أو الذي أريد به الخصوص، فالمقصود هنا المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها بالصحة، فهي المرادة بالبدع، أما المحدث الذي يحمل النظير على النظير، فهذه سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء، ولا يفهم هذه المعاني إلا من كان له الباع الطولى والفقه الصحيح والفهم العميق للشريعة ومقاصدها، فإن قال قائل: لم لا نحمل هذا اللفظ الوارد في الحديث الشريف على المعنى الأول حيث إنه هو الظاهر؟ ! فالجواب: أنه إذا حملناه على العموم الشامل بإطلاق فإن هذا يؤدي إلى مخالفة ما كان عليه الهدي النبوي كما سيأتي عند بيان فقه قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) وقال النووي في شرح الحديث: ” وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كُلّ مُحْدَثَة بِدْعَة وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة)، وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُحْدَثَات الْبَاطِلَة وَالْبِدَع الْمَذْمُومَة ” أهـ، وما فعله النووي هو الفقه في دين الله حتى لا تتعارض النصوص ويضرب بعضها بعضا، والقاعدة الأصولية تنص على أن الجمع بين الادلة مقدم على الترجيح بينها، وسيأتي مزيد بيان لهذا الأمر عند شرح قول عمر رضي الله عنه (نعم البدعة هذه)، ومن درر الفقهاء في فهم حديث (كل بدعة ضلالة): يقول الإمام النووي في فقه الحديث ما نصه: ” قوله صلى الله عليه وسلم: (وكل بدعة ضلالة) هذا عام مخصوص، والمراد غالب البدع، قال أهل اللغة: هي كل شيء عمل على غير مثال سابق، قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة ومحرمة، ومكروهة، ومباحة، فمن الواجبة: نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك، ومن المندوبة: تصنيف كتب العلم، وبناء المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباح: التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران، وقد أوضحت المسألة بأدلتها المبسوطة في تهذيب الأسماء واللغات، فإذا عرف ما ذكرته علم أن الحديث من العام المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التراويح: نعمت البدعة، ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصا، قوله: (كل بدعة) مؤكدا (بكل)، بل يدخله التخصيص مع ذلك، كقوله تعالى: (تدمر كل شيء) “،أهـ ([87]) .
ويقول الإمام النووي رحمه الله عند شرح حديث (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) ما نصه: ” وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة ” أهـ، ([88]) .
ويقول السندي في شرح سنن النسائي في فقه الحديث – وهو يوضح ضابط البدعة – ما نصه: ” (وشر الأمور محدثاتها) يريد المحدثات التي ليس في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة وهي المسماة بالبدع،([89]) . ويقول السيوطي في شرح سنن النسائي في فقه الحديث: ” (وشر الأمور محدثاتها)، ([90])
قال القرطبي: يعني المحدثات التي ليس في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة وهي المسماة بالبدع (وكل بدعة ضلالة)، ([91]) قال النووي هذا عام مخصوص، والمراد غالب البدع قال أهل اللغة البدعة كل شيء عمل على غير مثال سابق، قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة ; فمن الواجبة نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة المبتدعين وما أشبه ذلك ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك ومن المباحة التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك والحرام والمكروه ظاهران وإذا عرف ذلك علم أن الحديث وما أشبهه من العام المخصوص يؤيده قول عمر في التراويح: نعمت البدعة ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصا قوله كل بدعة بكل بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله تعالى تدمر كل شيء ” أهـ، ([92]) .
ويقول ابن حجر في كتابه فتح البارى: ” قوله (وشر الأمور محدثاتها إلخ) تقدم هذا الحديث بدون هذه الزيادة في ” كتاب الأدب ” وذكرت ما يدل على أن البخاري اختصره هناك ومما أنبه عليه هنا قبل شرح هذه الزيادة أن ظاهر سياق هذا الحديث أنه موقوف، لكن القدر الذي له حكم الرفع منه قوله ” وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ” فإن فيه إخبارا عن صفة من صفاته صلى الله عليه وسلم وهو أحد أقسام المرفوع وقل من نبه على ذلك …مع أن الحديث المذكور جاء عن ابن مسعود مصرحا فيه بالرفع من وجه آخر، أخرجه أصحاب السنن لكن ليس هو على شرط البخاري، وأخرجه مسلم من حديث جابر مرفوعا أيضا بزيادة فيه، وليس هو على شرطه أيضا، وقد بينت ذلك في ” كتاب الأدب ” في باب الهدي الصالح، و ” المحدثات ” بفتح الدال جمع محدثة والمراد بها ما أحدث، وليس له أصل في الشرع ويسمى في عرف الشرع ” بدعة ” وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما، وكذا القول في المحدثة وفي الأمر المحدث الذي ورد في حديث عائشة ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ” كما تقدم شرحه ومضى بيان ذلك قريبا في ” كتاب الأحكام ” وقد وقع في حديث جابر المشار إليه ” وكل بدعة ضلالة ” وفي حديث العرباض بن سارية ” وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة “… هذا أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن ماجه وابن حبان والحاكم، وهذا الحديث في المعنى قريب من حديث عائشة المشار إليه وهو من جوامع الكلم، قال الشافعي: ” البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم ” أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي، وجاء عن الشافعي أيضا ما أخرجه البيهقي في مناقبه قال ” المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة ” انتهى، وقسم بعض العلماء البدعة إلى الأحكام الخمسة وهو واضح… وأما قوله في حديث العرباض ” فإن كل بدعة ضلالة ” بعد قوله ” وإياكم ومحدثات الأمور ” فإنه يدل على أن المحدث يسمى بدعة وقوله ” كل بدعة ضلالة ” قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها، أما منطوقها فكأن يقال ” حكم كذا بدعة وكل بدعة ضلالة ” فلا تكون من الشرع لأن الشرع كله هدي، فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان، وأنتجتا المطلوب، والمراد بقوله ” كل بدعة ضلالة ” ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام … وقال ابن عبد السلام: في أواخر ” القواعد ” البدعة خمسة أقسام ” فالواجبة ” كالاشتغال بالنحو الذي يفهم به كلام الله ورسوله لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتى إلا بذلك فيكون من مقدمة الواجب، وكذا شرح الغريب وتدوين أصول الفقه والتوصل إلى تمييز الصحيح والسقيم ” والمحرمة ” ما رتبه من خالف السنة من القدرية والمرجئة والمشبهة ” والمندوبة ” كل إحسان لم يعهد عينه في العهد النبوي كالاجتماع على التراويح وبناء المدارس والربط والكلام في التصوف المحمود وعقد مجالس المناظرة إن أريد بذلك وجه الله ” والمباحة ” كالمصافحة عقب صلاة الصبح والعصر، والتوسع في المستلذات من أكل وشرب وملبس ومسكن، وقد يكون بعض ذلك مكروها أو خلاف الأولى والله أعلم ” أهـ، ([93]) .
(قلت): الدرر المستفادة من فقه الحديث وأقوال الفقهاء عليه: تتمثل في أن الحديث من العام الذي يشمل غالب البدع، وأنه يخرج من معنى الحديث كل محدثة لها أصل في كتاب الله، وأن كل محدثة لها أصل في الدين لا تكون بدعة ضلالة،، و(الخلاصة): لفظ (كُل) الذي جاء في حديث: (كل محدثة بدعة) عموم مخصوص بكل ما أحدث في الدين مما ليس منه، فإنّ (كل) تأتي في صورة العموم ويُرادُ بها الخصوص كقولهِ تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79]، ومع ذلك لم يأخذ الملك السفينة التي خرقها الخضر عليهِ السلام، لأنّ المقصود (كل سفينة صالحة سليمة) كقولهِ أيضاً سبحانهُ وتعالى: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23]، ومع ذلك فإنها لم تؤتى مُلكَ سليمان، وكقولهِ سبحانهُ وتعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [الأحقاف: 25]، وهي لم تُدمّر الجبال والأرض والسماوات بل حتى مساكنهُم، فكلمة (كل) هنا من صيغ العموم ولكن يُراد بها الخصوص، والخصوص هاهنا في حديث: (كل محدثة بدعة) هو أن تكون محدثة ليس لها أصل في كتاب الله تعالى، فإن كان لها أصل فهي سنّة حسنة وليست بدعة ضلالة، قال الإمام القرطبي في جامع الأحكام : (كُل بدعةٍ صدرت من مخلوقٍ فلا يخلو أن يكون لها أصلٌ في الشرع فإن كان لها أصلٌ كانت واقعة تحت عموم ما ندب إليهِ وحضّ رسولهُ عليهِ فهي في حيّز المدح، وإن لم يكن مثالهُ موجوداً كنوع من الجودِ والسخاء وفعل المعروف، فهذا فعلهُ من الأفعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعل قد سُبق إليهِ، ويَعْضُد هذا قولُ عمر رضي الله عنهُ: نِعْمتِ البدعة هذه، لمّا كانت من أفعال الخيرِ وداخلة في حيّز المدح، وهي وإن كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد صلاها إلا أنهُ تركها ولم يُحافظ عليها، ولا جمع الناس عليها، فمُحافظة عمر رضي الله عنهُ عليها، وجمعُ الناس لها، وندبُهم إليها بدعةٌ لكنها بدعة محمودة ممدوحة، وإن كانت في خلاف ما أمر الله بهِ ورسوله فهي في حيزّ الذم والإنكار) أهــ،([94]) (قلت) وقصد القرطبي من البدعة المحمودة إنما هو السنّة الحسنة التي جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فلهُ أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء) وعموم النص مقدم على خصوص السبب ومعنى الحديث أنهُ ييجوز للمسلمِ أن ينشأ باجتهاده سنة حسنة لها أصلٌ في الشرع وإن لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم من أجلِ زيادة الخير والأجر، ولذلك قال النووي رحمهُ الله في شرح هذا الحديث: (إن فيهِ الحث على الابتداء بالخيرات وسن السُنن الحسنات، والتحذير من الأباطيل والمستقبحات) أهــ، ([95]) .
وقال أيضاً في شرح صحيح مسلم: (قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كُل بدعة) هذا عام مخصوص والمراد غالب البدع) أهـ، ([96]) .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح حديث البخاري: (وكُل ما لم يكُن في زمنهِ صلى الله عليه وسلم يُسمى بدعة، لكن منها ما يكونُ حسن ومنها ما يكون خلاف ذلك) اهـ، ([97]) .
وأخرج أبو نعيم عن إبراهيم الجنيد قال: (سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان، بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم)، ([98]) .
[المفتاح الثالث]: مفتاح فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن من يعش منكم، فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة) ([99]) .
ومن درر الفقهاء في فهم الحديث: جاء في عون المعبود شرح سنن أبي داود ” (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَات الْأُمُور إِلَخْ): قال الحافظ ابن رجب في كتاب جامع العلوم والحكم: ” فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة وأكد ذلك بقوله ” كل بدعة ضلالة ” والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة، فقوله صلى الله عليه وسلم ” كل بدعة ضلالة ” من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه في التراويح ” نعمت البدعة هذه ” وروي عنه أنه قال ” إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة ” ومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده عثمان لحاجة الناس إليه وأقره علي واستمر عمل المسلمين عليه وروي عن ابن عمر أنه قال: ” هو بدعة ” ولعله أراد، ما أراد أبوه في التراويح انتهى ملخصا، أهـ، ([100]) .
(قلت): الدرر المستفادة من فقه الحديث تتمثل في: أنّ كل محدث له أصل من شرع الله فلا يكون بدعة شرعية (بدعة ضلالة) وإن كان يطلق عليه بدعة لغة، وأنّ كل ما أحدث من الدين وليس له أصل في شرع الله فهو بدعة ضلالة لا خلاف على ذلك، وهذا ما أقر به وذكره الحافظ ابن رجب في النقل السابق عنه.
[المفتاح الرابع]: مفتاح فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: – في رواية (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ومن درر الفقهاء في فهم الحديثين: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في بيان فقه الحديث وضوابط البدعة ما نصه: ” وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث ” الأعمال بالنيات ” ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء ” ([101]) .
فشرط للبدعة الضالة أن تضاف إلى الدين ولم يأذن بها الله ورسوله، وقال بن حجر في فتح البارى في بيان فقه الحديث وضوابط البدعة ما نصه: ” وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه” أهــ ([102]) .
فشرط للبدعة الضالة أن تضاف إلى الدين وأن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، (قلت): الدرر المستفادة من الحديث ومن فقه الحافظ ابن رجب والحافظ ابن حجر عليها: أنّ هناك شرطين للبدعة الضالة عند الحافظ ابن رجب وهما أن تضاف إلى الدين ولم يأذن بها الله ورسوله، وأنّهما نفس الشرطين للبدعة الضالة عند الحافظ ابن حجر وهما أن تضاف إلى الدين وأن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، ونستفيد معرفة الشرطين من الحديث الشريف فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين، وقوله صلى الله عليه وسلم (ما ليس منه) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم (فهو رد)، إذن خلاصة الفقه المستفاد من هذا الحديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) [متفق عليه]، أنّه حديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده وهو أصل في باب السنّة والبدعة، ولكن له ضابط لم يتنبه له كثير من المتعجلين، ألا وهو (ما ليس منه)، فالحديث تحذير ووعيد لمن يحدث في أمر الدين شيئاً وهو ليس منه، وأنه مردود عليه، أما إذا كان العمل او الفعل أو القول داخلاً فيما هو من الدين، كأن يكون مندرجاً تحت نص من نصوص الإذن العامة أو المطلقة ولم يعارض نصاً آخر فلم لا يكون من المأذون فيه؟ فالحديث ليس فيه البتة أن كل ما أحدث فهو ليس من الدين، وبهذا (المفتاح) تخرج المحدثات المتعلقة بالدين مما له أصل شرعي، عام أو خاص، فمما أُحدث في الدين وكان مستندًا إلى دليل شرعي عام: جمع الصحابة رضي الله عنهم للقرآن، ومما أُحدث في هذا الدين وكان مستندًا إلى دليل شرعي خاص: إحداث صلاة التراويح جماعة في عهد عمر رضي الله عنه فإنه قد استند إلى دليل شرعي خاص، والمستفاد من هذا القيد (ما ليس منه) أنّ بدعة الضلالة هي مَا اجتمع فيها شروط أربعة: الأول: ما أحدث مما لم يكن في زمن التشريع، والثاني: أن تكون في الدين ويقصد بها القربة إلى الله تعالى، والثالث: أن تخالف الشرع، والرابع: ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك أيضاً: لا تكون بدعة ضلالة: كل ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، وكل ما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، وكل ما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف، وخلاصة الفقه من هذا المفتاح: أنّه لا تطلق بدعة الضلالة إلا على ما اجتمعت له شروط ثلاثة، أن يكون محدثة، وأن تتعلق بالدين، وأن لا ترجع إلى أصل عام أو خاص، وبالتالي، فكل ما لا يُقصد به الدين، فلا يدخل في بدع الضلالة، وكل ما يعود إلى أصل عام أو خاص فلا يدخل في باب البدع الضالة، وكــ (مثال): تنزيل هذا الفه على مسألة الاحتفال بالمولد النبوي، فإن لم تُضف إلى الدين على أنّها منه، أو إن وجد لها أصل في الشرع عام او خاص، أو إن فعلت على سبيل تعظيم الرسول وتوقيره وإظهار الفرح والسرور بمقدمه، فهذه لن تكون بدعة ضلالة أبداً، و(مثال آخر): تنزيل هذه الضوابط على مسألة الذكر الجماعي، فإن لم تُضف إلى الدين على أنّها منه، بل كوسيلة إلى ذكر الله تعالى، أو إن وجد لها أصل في الشرع عام او خاص، فهذه لن تكون بدعة ضلالة أبداً، و(مثال آخر): تنزيل هذه الضوابط على مسألة المبالغة في التعبد والتراويح عشرون ركعة أو ست وثلاثين ركعة مثلاً، فإن لم تُضف إلى الدين على أنّها منه، بل كوسيلة إلى التقرب إلى الله تعالى، أو إن وجد لها أصل في الشرع عام او خاص، فهذه لن تكون بدعة ضلالة أبداً، و(مثال آخر): تنزيل هذه الضوابط على مسألة الصلاة على الرسول عقب الآذان وعقب الصلوات، فإن لم تُضف إلى الدين على أنّها منه، أو إن وجد لها أصل في الشرع عام او خاص، فهذه لن تكون بدعة ضلالة أبداً، و(مثال آخر): تنزيل هذه الضوابط على العادات التي لا تدخل تحت إطار الدين قط مثل الاحتفالات والمناسبات الأسرية والوطنية، فهذه لن تكون بدعة ضلالة أبداً، وإنما غالب تلك البدع الضلالة إنما تكون في الاعتقادات الضالة التي ينسبها المبتدعة إلى الدين كغالب بدع الخوارج والروافض والمعتزلة والقدرية والجبرية والمرجئة والمشبهة والمجسمة وغيرها من بدع الضلال نسأل الله السلامة.
[المفتاح الخامس]: مفتاح فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك) ([103]) .المراد من الحديث الحثُّ على التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والتحذير من مخالفتها، ولكن الاستدلال به على تبديع كل محدث مهما كان حاله، فهو من باب تحميل النص ما لا يحتمل، لأنّه ليس من معنى الحديث أنّ سنته صلى الله عليه وسلم قد استوعبت كل الجزئيات والتفصيلات.
[المفتاح السادس]:مفتاح فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئاً مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه) ([104]) . والحديث يدل على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في إيصال كل كليات الدين وأصوله وأخلاقه ومبادئه إلى الناس، وليس معناه أنّ سنته صلى الله عليه وسلم قد استوعبت كل الجزئيات والتفصيلات.
[المفتاح السابع]: مفتاح فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)، ([105]) . وفي رواية أخرى:(مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِم ْشَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) ([106]) . وفي رواية أخرى: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسُنُّ عَبْدٌ سُنَّةً صَالِحَةً يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ) ([107]) . ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، قال النووي: في شرح الحديث: ” وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة ” أهـ، وقال أيضا: ” قوله صلى الله عليه وسلم: (من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة) الحديث وفي الحديث الآخر (من دعا إلى الهدى ومن دعا إلى الضلالة)، هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة، وتحريم سن الأمور السيئة، وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه، سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه، أم كان مسبوقا إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم، أو عبادة، أو أدب، أو غير ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم: (فعمل بها بعده) معناه إن سنها سواء كان العمل في حياته أو بعد موته، والله أعلم،” أهـ، وقال – عند شرح حديث: (لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها ; لأنه كان أول من سن القتل) -: ” وهذا الحديث من قواعد الإسلام، وهو: أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة، وهو موافق للحديث الصحيح: ” من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة ” وللحديث الصحيح ” من دل على خير فله مثل أجر فاعله ” وللحديث الصحيح: ” ما من داع يدعو إلى هدى وما من داع يدعو إلى ضلالة “، والله أعلم،” أهـ، ([108]) . وجاء في تحفة الأحوذي بشرح الترمذى: قوله: (من سن سنة خير) وفي رواية مسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة أي أتى بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين (فاتبع) بصيغة المجهول والضمير إلى من (عليها) أو على تلك السنة (فله أجره) الضميران يرجعان إلى من سن أي له أجر عمله بتلك السنة (غير منقوص من أجورهم شيئا) بالنصب على أنه مفعول مطلق أي لا ينقص من أجورهم شيئا من النقص (ومن سن سنة شر) وفي بعض النسخ سنة سيئة، وفي رواية مسلم: ومن سن في الإسلام سنة سيئة أي طريقة غير مرضية لا يشهد لها أصل من أصول الدين، ” أهـ، ([109]) .
[ المفتاح الثامن]: مفتاح فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا)، ([110]) والحديث يدل دلالة قوية ويشير إشارة واضحة إلى جواز احداث أمور حسنة تنفع المسلمين، وانه ليس كل محدثة بدعة، إلا إذا انطبقت عليها شروط بدعة الضلالة.
[المفتاح التاسع]: مفتاح فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا)، ([111]) . وقال السندي في شرح الحديث: ” قوله (سنة حسنة) أي طريقة مرضية يقتدي فيها والتمييز بين الحسنة والسيئة بموافقة أصول الشرع وعدمها ” أهـ، والحديث فيه دلالة قوية على جواز احداث أمور حسنة تنفع المسلمين، وانه ليس كل محدثة بدعة، إلا إذا انطبقت عليها شروط بدعة الضلالة.
[المفتاح العاشر]: مفتاح فهم الحديث: الذي أخرجه البخاري في صحيحه ومالك في الموطأ: عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله) ([112]) .
، قال بن حجر في شرح الحديث: قوله: (قال عمر نعم البدعة) في بعض الروايات ” نعمت البدعة ” بزيادة تاء، والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة ” أهـ، ([113]) . وجاء في المنتقى شرح المؤطأ: فقال نعمت البدعة هذه هكذا وقعت هذه اللفظة نعمة فيما رأيت من النسخ نعمة بالهاء وذلك وجه الصواب على أصول الكوفيين وأما البصريون فإنما تكون عندهم نعمت بالتاء الممدودة لأن نعم عندهم فعل فلا تتصل به إلا تاء التأنيث دون هذا وهذا القول تصريح من عمر رضي الله عنه بأنه أول من جمع الناس على قيام رمضان على إمام واحد بقصد الصلاة بهم ورتب ذلك في المساجد ترتيبا مستقرا لأن البدعة هو ما ابتدأ فعله المبتدع دون أن يتقدمه إليه غيره فابتدعه عمر وتابعه عليه الصحابة والناس إلى هلم جرا وهذا أبين في صحة القول بالرأي والاجتهاد وإنما وصفها بنعمت البدعة لما فيها من وجوه المصالح التي ذكرناها “، ([114]) .
[المفتاح الحادي عشر]: مفتاح فهم الحديث الذي أخرجه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال لبلال بن الحارث: (اعلم قال ما أعلم يا رسول الله قال اعلم يا بلال قال ما أعلم يا رسول الله قال إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا)، ([115]) .
وجاء فِي الْمِرْقَاةِ في شرح الحديث ” (ومن ابتدع بدعة ضلالة) قيد به لإخراج البدعة الحسنة وزاد في أشعة اللمعات لأن فيها مصلحة الدين وتقويته وترويجه ” أهـ، ([116])
[المفتاح الثاني عشر]: مفتاح فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص من أجور الناس شيئا ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص من آثام الناس شيئا)، قال السندى في شرح الحديث: قوله (لا يرضاها الله تعالى) هذا تقبيح للبدعة وإلا فكل بدعة كذلك بالمعنى الذي ذكرناه وهو ما لا يوافق أصول الشرع وقيل فيه تنبيه على أن من البدع ما يرضاها الله ورسوله كالتصنيف وبناء المدارس ونحو ذلك قلت وهذا مبني على أن البدعة مطلق الأمر المحدث بعده ” أهـ،
[المفتاح الثالث عشر]: مفتاح فهم الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه: عن رِفاعة بن رافع الزَّرقي قال: (كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: ” سمع الله لمن حمده”، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: ” من المتكلم” قال: أنا، قال: ” رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أولا)، ([117]) .قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: ” واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور” اه ولو تدبرنا الحديث لوجدنا اقرار النبي صلى الله عليه وسلم باجتهاد الصحابي، وتشجيعه والثناء على اجتهاده بقوله: (رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أولا) اجتهد الرجل ونزل إليه بضعة وثلاثون ملكا يتسابقون أيهم يكتب دعاءه، ولو سمع بالقصة احد المهوسون بالتبديع، لقال: الأصل في العبادات التوقف، ولحكم على اجتهاده بالبدعة والضلالة.
[المفتاح الرابع عشر]: مفتاح فهم الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دعوني ما تركتم، إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما اسـتطعتم)، ([118]) ومن تدبر ألفاظ الحديث علم يقينا انّه ليس كل مسكوت عنه فهو حرام، بل هو يخضع للاجتهاد، (دعوني ما تركتم) أي لا تسألوا عن كل شيء، فيُشدد عليكم، (إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)،
[المفتاح الخامس عشر]: مفتاح فهم الحديث الذي أخرجه الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسـكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسـيان فلا تبحثوا عنها) ([119]) .
والملاحظ انّ النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يحب كثرة السؤال عن الأشياء التي أباحها الله للمسلم، ويخشى أن يحرمها الله من أجل تلك الأسئلة المتكلفة، والحديث دل على انّ الله تعالى سكت عن أشياء رحمة للأمة، ولا شك ان هذه الأشياء منها المباح ومنها المحرم، والامر يعود إلى العلماء في تحديد ذلك، وفي الحديث إشارة واضحة إلى أنه ليس كل محدثة بدعة، إلا إذا انطبقت عليها شروط بدعة الضلالة.
[المفتاح السادس عشر]: مفتاح فهم الحديث الذي أخرجه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل من القوم (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من القائل كلمة كذا وكذا؟، قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء ([120]) .
فالرجل اجتهد وقال: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً)، والنبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك الاجتهاد، ولو كان من بدع الضلالة أن يأتي الرجل بشيء في العبادة دون دليل مسبق من النبي صلى الله عليه وسلم لأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لما كان ذلك يحدث بل أقره النبي صلى الله عليه وسلم وشجعه، فكان من قوله صلى الله عليه وسلم: (عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء)، فليس كل محدثة بدعة ولا كل اجتهاد فهو خطأ.
[المفتاح السابع عشر]: مفتاح فهم الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فنزلنا بقوم، فسألناهم القِرى، فلم يَقْرونا، فلدغ سيدهم، فأتونا، فقالوا: هل فيكم من يرقي من العقرب؟، قلت: نعم، أنا، ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غنما، قال: فأنا أعطيكم ثلاثين شاة، فقبلنا فقرأت عليه الحمد لله سبع مرات، فبرأ … فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت له الذي صنعت، فقال: وما علمت أنها رقية؟! اقبضوا الغنم واضربوا لي معكم بسهم) ([121]) .
فالصحابي الجليل أبو سعيد الخدري اجتهد وقرأ الفاتحة 7 مرات فبرأ الملدوغ، ولو كان في زماننا من فعل ذلك لأتهمه أولئك المهووسون بالتبديع بالبدعة والضلالة لكونه كرر الفاتحة 7 مرات ولتشدق بالقول لماذا سبعا ولم لا تكون ثلاثة، وهكذا، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور، والصورة الحاصلة أنّ أبا سعيد الخدري لم يكن يعلم أن الفاتحة رقية، وأنها إذا قرأت سبع مرات، فإنّ فيها شفاء الملدوغ، ولكنه اجتهد ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم اختيار سورة الفاتحة ولا اختيار العدد سبعة في الرقية، فاعتبروا يا أولي الالباب.
[المفتاح الثامن عشر]: مفتاح فهم الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه) ([122]) . فالصحابي اجتهد من عند نفسه بقراءة سورة الإخلاص في كل ركعة يختم بها، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع بذلك فلم يعنفه لأنه أحدث في الصلاة شيئا من عند نفسه، ولكن أخبره بأنّ الله تعالى يُحبه كما احب سورة الإخلاص، فدل ذلك على أنّ الاجتهاد ما كان موافقا لأصول الدين وقواعده فهو من سنن الخير وليس من بدع الضلالة.
[المفتاح التاسع عشر]: مفتاح فهم الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم: كان ابن عمر رضي الله عنه يقول عن صلاة الضحى في المسجد جماعة، أنها بدعة ويستحسنها ويقول إنها لمن أحسن ما أحدثوا، فقد أخرج البخاري ومسلم عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة وإذا أناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة. ([123])
وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد عن ابن عمر أنه قال: أنها -يعني صلاة الضحى- محدثة، وأنها لمن أحسن ما أحدثوا، وأخرج ابن أبي شيبة عن الحكم بن الأعرج عن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى؟ فقال: بدعة، ونعمت البدعة ([124]) . وقال الحافظ ابن حجر: وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم عن ابيه قال: لقد قتل عثمان، وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إلى منها، [فهذه الآثار تدل على أن ابن عمر سمى صلاة الضحى بدعة واستحسنها وجعلها من أحسن ما أحدثه الناس، ([125]) .
[المفتاح العشرون]: استفاد فقهاء الأمة الأعلام من هذه الاحاديث وأخرجوا لنا دررا من فقه الدين، فمن ذلك: (أ) أن الدليل الأول على تقسيم البدعة هو تقسيم الرسول صلى الله عليه وسلم لها بقوله (من سن في الإسلام سنة حسنة …،ومن سن في الإسلام سنة سيئة).
(ب) يؤيده ما جاء عن فقيه قريش وعالمها: الإمام الشافعي الذي ملأ الأرض علما رحمه الله: حيث روى الحافظ البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي رضي الله عنه قال: ” المحدَثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنةً أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: (نعمة البدعة هذه) يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى، وإسناده صحيح” اهـ ([126]) . وروى البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل: قال الشافعي رحمه الله ” البدعة بدعتان بدعة خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم فهذه بدعه ضلاله وبدعه لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة هذه هذا الكلام أو نحوه “ـ ([127]) .
وروى أبو نعيم في حلية الأولياء قال الشافعي: ” البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، ” أه ([128]) .
وأخرج أبو نعيم بسنده في الحلية: (عن حرملة بن يحيى قال سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنّة فهو محمود وما خالف السنّة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان: نعمت البدعة هي) ([129]) .
***
[ثالثأ]
مفاتيح معرفة هدي السلف الصالح في فقه مسائل البدعة
المفتاح الأول: نصوص السلف في التحذير من بدع الضلالة
المفتاح الثاني: نصوص السلف الدالة على الاجتهاد في سن السنن الحسنة
[فائدة]: القاعدةُ الكبرى عند الفقهاء في تفسير معنى البدعة: هي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي أن البدعة الشرعية التي يقصد بها الضلالة هي كل محدثة في الدين وليس لها أصل فيه، أما المحدثات التي لها أصل من الدين أو داخلة تحت شيء من مقاصده، أو أمر عام من أوامره، ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ولا خلاف فيما تدل عليه من الخير فهذه من المحدثات الحسنة التي جاء بها الحديث الصحيح (من سن سنة حسنة)، وهذا هو الفقه الحقيقي للدين الذي سبقنا إليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين فهموا روح الدين وحقيقته ولذلك أركز هاهنا على جانبين من هدي السلف: الأول: في التحذير من بدع الضلالة لأنها شر على الدين من المعاصي، والثاني: اجتهادهم في سن سنن الهدى والخير المستمدة من روح التشريع ومرونته.
[المفتاح الأول]: الآثار الواردة عن السلف في لزوم السنة وذم البدعة ومفاتيح الفقه والفهم فيها: هناك آثار واردة عن السلف الكرام في ذم البدعة، وجميعها يُحمل على بدعة الضلالة التي ليس لها أصل في الدين، وهذه الآثار تحتاج إلى مفاتيح فقهية لبيان المقصد منها، فمن ذلك:
[الأثر الأول]: قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة) ([130]) . وقوله رضي الله عنه: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم) ([131]) . وقوله رضي الله عنه: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلاله) ([132]) . وقوله رضي الله عنه: (أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول) ([133]) .
وهذه الآثار يمكن حملها على بدع الضلالة التي تُخالف الكتاب والسنّة، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى والذي ملأ الأرض علما وفقها، فقد أخرج البيهقي باسنادة الصحيح في المدخل: قال الشافعي رحمه الله ” البدعة بدعتان بدعة خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم فهذه بدعه ضلاله وبدعه لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة هذه هذا الكلام أو نحوه ” أهـ ([134]) .
[الأثر الثاني]: ما جاء في مصنف عبد الرزاق،و المعجم الكبير للطبراني عن قيس بن أبي حازم قال: ذُكر لابن مسعود قاص يجلس بالليل ويقول للناس قولوا كذا قولوا كذا،فقال: إذا رأيتموه فأخبروني، فأخبروه، فجاء عبد الله متقنعاً فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود، تعلمون أنكم لأهدى من محمد صلى الله عليه وأصحابه؟ وإنكم لمتعلقون بذنب ضلالة، ([135]) . وما جاء في المعجم الكبير للطبراني: وعن أبي الزعراء عبد الله بن هانئ قال: جاء المسيب بن نجية إلى عبد الله فقال: إني تركت قوماً في المسجد يقولون من سبح كذا وكذا فله كذا وكذا، فقال: قم يا علقمة، فلما رآهم قال: يا علقمة اشغل عني أبصار القوم، فلما سمعهم وما يقولون قال: إنكم لمتمسكون بذنب ضلالة، أَوَ إِنَّكُمْ لأهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ !!، ([136]) .
وما جاء في [سنن الدارمي، ومصنف عبد الرزاق] عن عمرو بن سلمة بن الحارث قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة … فجاءنا أبو موسى الأشعري … فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيراً، قال: فما هو؟، قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلْقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول كبروا مئة فيكبرون مئة، فيقول هللوا مئة فيهللون مئة، ويقول سبحوا مئة فيسبحوا مئة … ثم مضى، ومضينا معه، حتى أتى حلْقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ !، قالوا: حصى نعدّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدّوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده أنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم؟ !! أَوَ مفتَتِحوا باب ضلالة؟ !، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، وايم الله لا أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، قال عمرو بن سلمة: رأينا عامّة أولئك الحِلَق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج) أهـ، ([137]) .
(قلت): وهذه الآثار عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، تحتاج إلى مفاتيح فقهية لبيان المقصد منها، فإنّه من الثابت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، جواز الاجتماع على ذكر الله من تكبير وتهليل وتسبيح، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله عز وجل تنادوا هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم: ما يقول عبادي؟، فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك)، وفي آخر الحديث: (فيقول الله تعالى: فأشـهدكم أني قد غفرت لهم) ،([138]) . وأمّا العد، فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة كانت له عِدْلَ عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة … ومن قـال سـبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة حُطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) ([139]) .
وأمّا استعمال الحصى في العد، فلا شيء فيه لأنّه وسيلة إلى ضبط العدد، وقد أخرج ابن حبان وغيره عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وفي يدها نوى أو حصى تسبح به، فقال لها: (ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا؟). الحديث([140]) .
وعلى ذلك فالاجتماع على ذكر الله تعالى فضيلة دل عليها حديث البخاري، والتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل مائة مرة جائز دل علي مثله حديث مسلم، والعد بالحصى لا بأس به، وعلى ذلك، فلا بد من وجود سبب آخر للإنكار، وهو إمّا أنّ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود لم تبلغه هذه الأحاديث وهي حجة بعد بلوغها على كل مسلم، وإمّا أنه محمول على أن أولئك كانوا يجهرون جهرا بالغاً، ولذا توجه النهي لهم، أو أنهم كانوا يؤذون من في المسجد برفعهم الأصوات، وإمّا – وهو الأقرب – أنّه كان يتفرس فيهم التنطع والغلو والخروج، وصدق فيهم ظنّه فكان أغلبهم من الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين على رضي الله عنه في النهروان، قال الراوي: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج، كل هذا على افتراض صحة تلك الآثار فكيف إذا شكك الحفاظ في صحتها، فهل يجوز أن نجعلها سيفاً على رقاب المخالف، مع أنّها على افتراض صحتها، فهي لا تقاوم الأحاديث، بل الأحاديث مقدمة عليها عند التعارض قطعا، لأنه فعل صحابي مُعارض بأدلة من الكتاب والسنّة، وإنما الحجة في الكتاب والسنة، قال الإمام الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في الحاوي للفتاوي (: ” فإن قلت، فقد نقل عن ابن مسعود أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد، قلت: هذا الأثر عن ابن مسعود يحتاج إلى بيان سنده ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم وعلى تقدير ثبوته فهو معارض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة وهي مقدمة عليه عند التعارض، ثم رأيت ما يقتضي إنكار ذلك عن ابن مسعود قال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد ثنا حسين ابن محمد ثنا المسعودي عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالست عبد الله مجلسا قط إلا ذكر الله فيه” أهـ، ([141]) .
وقال الإمام الحافظ ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى: ” وأما ما نقل عن ابن مسعود أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد، فلم يصح عنه بل لم يرد; ومن ثم أخرج أحمد عن أبي وائل قال: هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ; ما جالست عبد الله مجلسا قط إلا ذكر الله فيه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب” أهـ، ([142]) .
وقال الإمام المحدث المناوي في فيض القدير : ” وأما ما نقل عن ابن مسعود من أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين وأمر بإخراجهم فغير ثابت، وبفرض ثبوته يعارضه ما في كتاب الزهد لأحمد عن شقيق بن أبي وائل قال هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالسته مجلسا قط إلا ذكر الله فيه ” أهـ، ([143]) . وقال العلامة الألوسي رحمه الله في روح المعاني : ” وما ذكر في الواقعات عن ابن مسعود من أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجه من المسجد لا يصح عند الحفاظ من الأئمة المحدثين وعلى فرض صحته هو معارض بما يدل على ثبوت الجهر منه رضي الله تعالى عنه مما رواه غير واحد من الحفاظ أو محمول على الجهر البالغ ” أهـ، ([144]) .
(قلت) ومن مشاكل سند تلك الروايات، ما ذكره الشيخ سيف العصري في تحقيقه لسند تلك الآثار في كتابه ” النقول الصحيحة في انقسام البدعة إلى حسنة وقبيحة، (قلت): وقد أراحنا من العناء هذا التحقيق الذي ذكره الشيخ سيف العصري في كتابه ” النقول الصحيحة في انقسام البدعة إلى حسنة وقبيحة، عن أثر الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه السابق، وحكم عليه بالضعف من كل طرقه، وبين أسباب الحكم عليه بالضعف .. ثم قال: قد أكثر نفاة الذكر الجماعي من الاحتجاج بأثر عبد الله بن مسعود، وهو أثر حكم الأئمة عليه بالضعف، وقبل أن أورد كلام الأئمة أحب أن أقف مع أسانيد هذا الأثر وقفات ليبين للمنصف حال هذا الأثر الذي اعتمد عليه فئات من الناس في الإنكار على الذكر الجماعي والسبحة، وأصبحوا يكررونه في كلِّ نادٍ، ويطيرون به كل مطار، وهم مع ذلك ينكرون على غيرهم التمسك بالضعيف، ولكن إذا كان الضعيف ينصر رأيهم فلا بأس من الاحتجاج به ولو كان هذا الضعيف يعارض طائفة من الأحاديث الصحيحة، … إلى ان قال: وعموماً فهذا الأثر بما فيه من كلام لا يمكن بحالٍ أن يعارض ما صح من الأحاديث الثابتة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدالة على استحباب الذكر الجماعي – والتي سبق ذكرها – لأمور: (أولها): عدم صحة أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، (ثانيها): على افتراض صحته، فهو لا يقاوم الأحاديث، بل الأحاديث مقدمة عليه عند التعارض قطعا، لأنه فعل صحابي وليس بحجة، وإنما الحجة في الكتاب والسنة، (ثالثها): أنه محمول على أن أولئك كانوا يجهرون جهرا بالغاً، ولذا توجه النهي لهم، (رابعها): أنهم كانوا يؤذون من في المسجد برفعهم الأصوات، (خامسها): أنه قد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه في نفس الأثر الذي رواه الطبراني أنه أمر الحلقة المتأخرة بالانضمام إلى الحلقة المتقدمة، ولو كان التحلُّق للذكر بدعةً، لما رضي عبد الله بن مسعود بحلقة ولا أكثر، (سادسها): أنه قد نفى ذلك عنه التابعي أبو وائل فقال هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالست عبد الله مجلسا قط إلا ذكر الله فيه) [انتهى كلام الشيخ سيف العصري في كتابه ” النقول الصحيحة في انقسام البدعة إلى حسنة وقبيحة]
(تنبيه): مفتاح أكيد لفهم كلام ابن مسعود إن صح الأثر وهو ضعيف، ويتلخص في أنّ الصحابي الجليل تفرس فيهم رأي الخوارج، ليس إلا، بدليل: أنّ الاجتماع على ذكر الله من تكبير وتهليل وتسبيح فهذا ثابت بالسنة النبوية وفضله عظيم، وهو لا يخفى على الحبر البحر ابن مسعود رضي الله عنه، فقد اخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله عز وجل تنادوا هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم: ما يقول عبادي ؟ . فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك) وفي آخر الحديث: (فيقول الله تعالى: فأشهدكم أني قد غفرت لهم) ([145]) .
وأما عدد المئة فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة كانت له عِدْلَ عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، … ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة حُطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) ([146]) .
فمن الممكن أن يقاس العدد في التكبير على ما ثبت من العدد في التهليل والتسبيح، وأما العد بالحصى فقد روي أبو داود والترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى، أو حصى تسبح به، فقال: ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل ؟ فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك) ([147]) .
، فقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وفي يدها نوى أو حصى تسبح به، فقال لها: (ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا؟)، ولم يعترض على عد الحصى، فما وجه الإنكار إذن؟؟ وجه الانكار هو أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يتفرس فيهم رأي الخوارج، وكان يرى أنّ هؤلاء الجفاة يُبالغون في النوافل ويضيعون الاصول، ويرون أنهم على فضل وخير لا يبلغه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا نراه يقول لبعضهم: أوَ إنكم لأهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ !!. ويقول لبعضهم: أئنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم؟ ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله لا أدري لعل أكثرهم منكم، ولقد صدقت فراسة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقد قال الراوي: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج، فهذا سر انكار الحبر البحر ابن مسعود رضي الله عنه علي هؤلاء الخوارج.
[الأثر الثالث]: أخرج أبو داود وغيره عن مجاهد قال: ” كنت مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فثوب رجل في الظهر، أو العصر ـ فقال: اخرج بنا فإن هذه بدعة “ ([148]) .
والتثويب في الأذان، وهو قول المؤذن الصلاة خير من النوم مرتين بعد قوله حي على الفلاح، وهو سنة في أذان الفجر، دون غيره، والآذان عبادة محضة وألفاظه توقيفية فلا ينبغي أن يزاد فيها شيء باجتهاد، لذا فإنّ حكم التثويب في أذان الظهر أو العصر بدعة مذمومة، لأنّها تفتح المجال للتغيير في صيغة الآذان، وهذا لا يجوز.
[الأثر الرابع]: أخرج الترمذي والحاكم عن نافع أن رجلاً عطس عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال: الحمد لله والصلاة والسـلام على رسول الله، فقال ابن عمر: ما هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسـلم، بل قال (إذا عطس أحـدكم فليحمد الله)، ولم يقل: (وليصل على رسول الله) صلى الله عليه وسلم ([149]) . وهنا يرشده عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إلى اتباع السنّة في حمد الله تعالى عند العطاس لأنّه نعمة من الله، وجب شكرها، ولا معنى ولا مناسبة لذكر الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند العطاس، ولهذا أنكر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ذلك مع كون الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشروع في كل وقت وحين.
[الأثر الخامس]: ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي العالية رُفيع بن مهران أنه قال: سمع ابنُ عباس رجلاً يصلي فلما قعد يتشهد، قال: الحمد لله، التحيات لله، فقال ابن عباس وهو ينتهره: الحمد لله؟! إذا قعدت فابدأ التشهد بالتحياتُ لله “ ([150]) .
وألفاظ التشهد توقيفية، لأنها ضمن الصلاة، وليست من باب الدعاء المطلق.
[الأثر السادس]: ما رواه ابن عبد البر عن عمر بن عبد العزيز: (سن رسول الله وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديق بكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من عمل بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً) ([151]) .
رواه ابن عبد البر وذكره الشاطبي في الاعتصام وقال إنه كان يعجب مالكاً جداً ومن مفاتح هذا الأثر، أنّه لابد من التمسك بالسنّة التي سنّها الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده، وأنّ بدعة الضلالة هي التي تُخالف السنّة، والشاهد لذلك قوله رحمه الله: (ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين)، وهذه محمولة على بدع الفرق الضالة كالخوارج والروافض والمجسمة وغيرهم من أهل البدع المخرجة عن اطار أهل السنّة والجماعة.
[الأثر السابع]: ما ذكره الشاطبي عن الإمام مالك: ” وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل، قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني سمعت الله يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}) ([152]) .
وهذا الإنكار لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل حدوداً ومواقيت للحج معروفة لا ينبغي الافتئات عليها، وإلا كان فيه تغيير لهدي الرسول في تحديد تلك المواقيت، والقاعدة العامة أنّ العبادة المحددة لا يجوز الزيادة عليها ولا النقصان، أمّا العبادة المطلقة كالذكر أو قيام الليل فهذه في أي وقت شاء المرء أن يفعلها فعلها، فكان الإنكار من الإمام مالك رحمه الله تعالى على فعل زائد عن الشرع المحدد.
[الأثر الثامن]: ذكر الشاطبي عن الإمام مالك: (قال ابن الماجِشون: سمعتُ مالكاً يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فما لم يكن يومئذٍ ديناً، فلا يكون اليوم ديناً) أهـ ([153]) .
فضابط الفهم والفقه لقول مالك رحمه الله، أن نقول: من ابتدع في الإسلام بدعة ليس لها أصل في دين الله من كتاب الله تعالى أو سنّة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة ” هذا إن صح الأثر عن مالك، وكلام الإمام محمول على البدع الحقيقية التي ليس لها أصل في دين الله كبدع الخوارج والمعتزلة والروافض والمجسمة والمرجئة وأمثالهم،
[المفتاح الثاني]: الآثار الواردة عن السلف الصالح والتي تدل على اجتهادهم في سن سنن الهدى والخير المستمدة من روح التشريع ومرونته: لقد سنّ السلف الصالح، لاسيما الصحابة الكرام سننا كثيرة، وفعلوا أو قالوا أمورا، لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعلها أو قالها، ولم يستأذنوه أولا في فعلها أو الإتيان بها، وإنما بادروا إلى فعلها، ثم بعد ذلك علم هو بها، أو فعلوها بعد وفاته، دون علمه بها، والأمثلة على ذلك كثيرة منها:
[(1) سنة الوضوء]: التي أحدثها بلال رضي الله عنه، ولم يكن قد أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استأذنه فيها، إلى أن قال له: (يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة، قال: ما عملت عملا أرجى عندي، أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور، ما كتب لي أن أصلي) ([154]) .
لقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السنّة، لكن بعد أن أحدثها بلال من اجتهاده في الخير، بما لا يخالف دين الله، وبما له أصل من دين الله تعالى الذي يحث على كثرة الطهارة والصلاة.
[(2) قراءة سورة الإخلاص في كل ركعة من ركعات الصلاة]: أخرج البخاري عن أَنَسِ رضي الله عنه: (كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح قل هو الله أحد حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى فإما تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى فقال ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركتكم وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة فقال إني أحبها فقال حبك إياها أدخلك الجنة) ([155]) .
وأخرج البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم ب {قل هو الله أحد} فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخبروه أن الله يحبه) ([156]) .
فهذه الآثار تؤكد على أنّ ما أُحدث موافقا لأصول الشريعة وقواعدها العامة ولا يُخالف نصا من الشرع فإنه من سنن الخير وليس من بدع الضلالة،
[(3) تكرار سورة الإخلاص] اخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ: {قل هو الله أحد}، يرددها فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له وكأن الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن) ([157]) .
أيضا هذا الأثر يدل على أنّ ما أُحدث موافقا لأصول الشريعة وقواعدها العامة ولا يُخالف نصا من الشرع فإنه من سنن الخير وليس من بدع الضلالة،
[(4) صحابي يجتهد في صيغ الدعاء]: أخرج البخاري عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: (كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال من المتكلم قال أنا قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أولا) ([158]) . وهذا الأثر دليل على أنّ الصحابة الكرام رضي الله عنهم كانوا يبادرون إلى الاجتهاد في الخير والقربى من الله في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم دون انتظار الإذن بذلك، ولو كانت اجتهاداتهم في التقرب إلى الله بشتى أنواع العبادات والقربات ممنوعة، لنهاهم عنها الرسول صلى الله عليه وسلم خوف الابتداع في الدين.
[المفتاح الثالث]: هناك سنن حسنة فعلها الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يفعلها هو في حياته، ولم يمنعهم من فعلها أنه لم يفعلها، ومن ذلك:
[(1) جمع أبي بكر رضي الله عنه للقرآن]، فقد أخرج البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: (أرسل إلي أبوبكر فقال: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، فتتبع القرآن فاجمعه، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال) ([159]) .
فالملاحظ انّ عمر رضي الله عنه استدل أولا لأبي بكر رضي الله عنه، بأن جمع القرآن خير، ولم يزد على قوله: (هذا والله خير)، أي خير للامة في دينها وحفظ قرآنها وكلام ربها عز وجل، والملاحظ أيضا: ان أبو بكر استدل لزيد بن ثابت بأنّ جمع القرآن خير ولم يزد على قوله: (هو والله خير)، فدل ذلك على أنّ هناك سنن حسنة من سنن الخير التي تعود على المسلمين بالخير، فعلها الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يفعلها هو في حياته، ولم يمنعهم من فعلها أنه لم يفعلها.
[(2) وجمع عمر المسلمين على إمام واحد في صلاة التراويح يصلي بهم عشرين ركعة]: يروحهم بعد كل أربع ركعات، وقوله رضي الله عنه عندما رآهم مجتمعين على إمام واحد (نعم البدعة هذه) ([160]).
والملفت للنظر هو إقرار عمر رضي الله عنه بأنها بدعة ولكنها بدعة حسنة، فما أحسنها جمعت المسلمين على أمام واحد يجتهد بهم في قيام رمضان، فنعم البدعة تلك، لأنها توافق هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا تُعارض نصا من نصوص الشريعة السمحاء.
[(3) أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تصلي سبحة الضحى]: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل، وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم، وما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها)([161]) .
فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي فضلها في العلم على نساء المسلمين كفضل الثريد على سائر الطعام، تجتهد في المحافظة على سبحة الضحى، ولذلك كان من فقه الإمام الشافعي الذي ملأ طباق الأرض أنّه قال: (المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما ما أحدث، مما يخالف كتابا أو سنة، أو أثرا، أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة، والثاني، ما أحدث من الخير، لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة) ([162]) .
[(4) عثمان رضي الله عنه يزيد الآذان الأول لصلاة الجمعة لما اتسعت المدينة وكثر الناس: أخرج البخاري عن السائب بن يزيد رضي الله عنه: (كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداءَ الثالث على الزوراء ([163]) . فلما رأى أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه اتساع المدينة وترامي أطرافها وحتى لا يضيع على الناس سماع الخطبة يوم الجمعة استحدث الآذان الأول قبل الوقت ليتهيء الناس لصلاة الجمعة قبل وقتها، فهذا من سنن الهدى ومحدثات الخير التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فلهُ أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء) وقد جاء مصنف ابن ابي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنه أنّ زيادة هذا الآذان يوم الجمعة بدعة، ([164]) .وهو ولا شك يقصد محدثة ولا يقصد بدعة ضلالة، وإلا فقد تلقاها الصحابة عن عثمان رضي الله عنه وعملوا بها، بل يقصد ابن عمر رضي الله عنهما انها نعمة البدعة تلك كقول ابيه عن جمع الناس على صلاة التراويح في رمضان، وهو رضي الله عنه كان يقول عن صلاة الضحى في المسجد جماعة، أنها بدعة ويستحسنها ويقول إنها لمن أحسن ما أحدثوا.
فقد أخرج البخاري ومسلم: عن مجاهد قال: (دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة وإذا أناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة) ([165]) .
وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد عن ابن عمر أنه قال: أنها -يعني صلاة الضحى- محدثة، وأنها لمن أحسن ما أحدثوا، وأخرج ابن أبي شيبة عن الحكم بن الأعرج عن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى؟ فقال: بدعة، ونعمت البدعة ([166]) .
وقد ذكره الحافظ ابن حجر وعزاه لابن أبي شيبة وقال الحافظ: إسناده صحيح ، فهذه الآثار تدل على أن ابن عمر سمى صلاة الضحى بدعة واستحسنها وجعلها من أحسن ما أحدثه الناس، ومثله هاهنا، فإن زيادة الآذان الأول يوم الجمعة من سنن الهدى التي سنها عثمان رضي الله عنه، فهي نعم البدعة.
[(5) مرونة علي ابن ابي طالب رضي الله عنه في تطبيق السنن]: فقد جاء في مصنف عبد الرزاق ومسند البزار: (عن علي رضي الله عنه: أنه خرج يوم عيد، فوجد الناس يصلون قبل خروجه، فقيل له: لو نهيتهم !، فقال: ما أنا بالذي أنهى عبداً إن صلاها) ([167]) .
مع أنّ السنّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه لم يصل قبل صلاة العيد ولا بعدها شيئاً من السنن والنوافل، كما أخبر بذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها) ([168]) .
فدل ذلك على المرونة والسعة وانّ الفيصل فيها هل نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم ام لا، فلما لم يأت النهي عنها كانت مما سكت الشرع عنه ومبناه آنذاك على السعة، ولذلك لم ينهاه الإمام علي عن فعلها.
[(6) مرونة وسعة أفق الصحابة عند تطبيق السنن]: فقد جاء في سنن البيهقي عن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي قال: كنا مع عبد الله بن مسعود بِجَمْع فلما دخل مسجد منى سأل كم صلى أمير المؤمنين؟، (في زمان عثمان رضي الله عنه) قالوا: أربعاً، فصلى أربعاً، فقلنا: ألم تحدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين وأبا بكر صلى ركعتين، فقال: بلى، وأنا أحدثكموه الآن، ولكن عثمان كـان إماماً فما أخالفه، والخلاف شـر ([169]) .
فها نحن نجد المرونة في تطبيق السنن، عثمان رضي الله عنه يرجح عدم قصر الصلاة بمنى لأنّ الناس استقرت ولم يعد لها حكم السفر، وابن مسعود رضي الله عنه يرى أنها سنة، ومع ذلك يترك سنّة النبي صلى الله عليه وسلم إلى سنّة الخليفة الراشد عثمان، للمصلحة المرسلة، ولو كانت من بدع الضلالة لما فعلها عثمان ولما رضي بها عبد الله بن مسعود.
[(6) مرونة وسعة أفق الصحابة عند تطبيق السنن]: جاء في مسند الإمام احمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه سئل عن صوم يوم عرفة بعرفة فقال: (حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه، وحججت مع أبي بكر فلم يصمه، وحججت مع عمر فلم يصمه، وحججت مع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به، ولا أنهى عنه) ([170]) .
فمعلوم من السنّة أنّ صيام يوم عرفة لغير الحاج يكفر سنتين، كما جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) ([171]) .
ولكن القضية هاهنا تتعلق بالحاج، هل يصوم الحاج ام لا، وهنا تأتي مرونة عبد الله بن عمر حيث قال: (وأنا لا أصومه، ولا آمر به، ولا أنهى عنه).
(فائدة) في بيان مرونة الإمام أحمد ابن حنبل في فعل المحدثات من الخير: ذكر ابن قدامة في المغني ما نصه: (فصل في ختم القرآن “: قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبدالله فقلت: أختم القرآن، أجعله في الوتر أو في التراويح؟ قال: اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنين، قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام، قلت: بم أدعو؟ قال: بما شئت، قال: ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائماً ويرفع يديه، قال حنبل: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغت من قراءة: قل أعوذ برب الناس فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، (قلت): إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة) أهـــ، فها هو الإمام أحمد بن حنبل يجوز دعاء ختم القرآن الذي لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو فعلها لنقلت إلينا، ولذكرها الصحابة رضي الله عنهم، إذن هو من قبيل البدعة الحسنة، التي فعلها الإمام أحمد، وافتى بها من قبله، سفيان بن عيينة أمام أهل مكة في زمانه، وليس لهم بها دليل خاص من كتاب أو سنة يستندون إليه، سوى فهمهم لقواعد الدين العامة وأصوله الرئيسة، فاتعظوا يا اولي الغلو التبدعي من فعل الإمام أحمد بن حنبل، أم ستقولون انها بدعة ضلالة ولا يبقى لكم من بعده من تنتسبون إليه في دعاوى فهمكم الدين.
(فائدة) في بيان مرونة الإمام ابن تيمية في احداث ورد عبادي خاص لنفسه: جاء في كتاب: الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية للحافظ عمر بن علي البزار: (وكان قد عرفت عادته، لا يكلمه أحد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر فلا يزال في الذكر يسمع نفسه وربما يسمع ذكره من إلى جانبه، مع كونه في خلال ذلك يكثر في تقليب بصره نحو السماء، هكذا دأْبُه حتى ترتفع الشمس ويزول وقت النهي عن الصلاة”، وكنت مدة إقامتي بدمشق ملازمه جل النهار وكثيراً من الليل، وكان يدنيني منه حتى يجلسني إلى جانبه، وكنت أسمع ما يتلو وما يذكر حينئذ، فرأيته يقرأ الفاتحة ويكررها ويقطع ذلك الوقت كله ـ أعني من الفجر إلى ارتفاع الشمس ـ في تكرير تلاوتها، ففكرت في ذلك، لمَ قد لزم هذه السورة دون غيرها؟ فبان لي ــ والله أعلم ــ أن قصده بذلك أن يجمع بتلاوتها حينئذ ما ورد في الأحاديث، وما ذكره العلماء: هل يستحب حينئذ تقديم الأذكار الواردة على تلاوة القرآن أو العكس؟ فرأى رضي الله عنه أن في الفاتحة وتكرارها حينئذ جمعاً بين القولين وتحصيلاً للفضيلتين، وهذا من قوة فطنته وثاقب بصيرته) أهــ ([172]) .
، فابن تيمية يجعل لنفسه وردا خاصا كعادة الصالحين، ولكنه يبتدع وردا خاصا لا يزيد على تكرار الفاتحة، (فرأيته يقرأ الفاتحة ويكررها ويقطع ذلك الوقت كله ـ أعني من الفجر إلى ارتفاع الشمس، في نكرار تلاوتها) فهذا على مذهب العلماء من قبيل الاجتهاد في العبادة والطاعة وهو سنة حسنة ونعمت البدعة تلك، فكيف يكون رأيكم وفق أصولكم التي أصلتموها لأنفسكم في فعل الإمام ابن تيمية.
***
(المبحث الرابع) وقفات مع الإمام الشاطبي وكتابه الاعتصام
المفتاح الاول:
الشاطبي إمام أشعري له منزلة عالية في العلم: وهو يعتقد مذهب الشاعرة في التقديس في جناب الذات والصفات والافعال، وهو المفوض للمتشابهات من الصفات الخبرية كيفا ومعنى، وهو على مذهبهم في الإيمان والكفر، وهو الذي يجل علم الكلام اجلالا كبيرا حتى أنه جعل كتابته وتعلمه من أهم أبواب المصالح المرسلة وجعل كتابته من نفس الباب الذي جمع به الصحابة القرآن الكريم، وفي كافة أبواب العلم هو أشعري متخصص إلا في باب البدعة فقد تسرع في التأليف فيه، ولم يكن قد هضم مسائله واحكامه، فتشدد فيه على طريفة اهل الحشو وليس على طريقة الفقهاء المتخصصين، فنتج عن ذلك الغلو في مسائل وأحكام البدعة بما آل به إلى مخالفة الاكابر من فقهاء الامة، فلا هو طبق شروط بدعة الضلالة التي أقرها الفقهاء، كمذهب الإمام مالك رحمه الله، ولا هو أخذ بطريق الإمام الشافعي في تطبيق شروط بدعة الضلالة على البدعة المذمومة ولا هو طبق شروط البدعة الحسنة على المحدثة التي تستوفي تلك الشروط، فنهج منهجا متشددا لا إلى هؤلاء الفقهاء ولا إلى هؤلاء الفقهاء، أضر بأتباعه كما سنلحظ ذلك إن شاء الله.
[المفتاح الثاني]: الإمام الشاطبي ألف كتابه الاعتصام على طريقة اهل الحشو وليس على طريقة الفقهاء وأهل العلم، وبالغ في البدعة حتى أدخل فيها ما ليس منها وبالغ في توصيف البدع لدرجة أنه أهمل ضوابط البدعة وشروطها، وبالغ في البدع الإضافية بما يُعد خروجا عن منهج الاعتدال في الباب، والغريب في الامر ولغرابة وغموض تعريف البدعة عند الشاطبي وتناقضاته في كثير من الأحيان، نجد اتباعه من أهل الهوس التبديعي ما زالوا يختلفون في معرفة دلالات عباراته، وفهم كلماته، وكل واحد منهم يفهم من كلامه غير الآخر، وكأنهم ينقلون عن نبي معصوم، ونسوا انه ليس بمعصوم يؤخذ من كلامه ويرد، لا سيما وقد خالف السابقين واللاحقين في التأسيس لعلم البدعة والسنّة وكتابه (الاعتصام) ومن قبله (الموافقات)، كُتبا على غير طريقة أهل العلم بالفقه والأصول، مع ما له من تشددات غير منطقيه وتناقضات منشؤها عدم التصور الكامل للعلم قبل التأصيل له.
[المفتاح الثالث]: العجب أشد العجب من حال المنتمين إلى الشاطبي في باب لبدعة: فإنّ هؤلاء يرون الأشاعرة على بدعة الضلالة، وفي نفس الوقت الشاطبي أشعري حتى النخاع، وليس لهم كتابا في البدعة يرجعون إليه سوى الاعتصام، ومؤلفه على منهاجهم السقيم أشعري مبتدع، فكيف يأخذون علم البدعة عن مبتدع، فاعتبروا يا أولى الأبصار، وأنا على يقين بانّ سبب اتباعهم للشاطبي، تشدد الشاطبي في مسائل التبديع، فإنّ جميع البدع كلها عند الشاطبي من جنس البدع الضالة، وقد بنى كتابه الاعتصام على ذلك، وقال في سياق الرد على تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة: (وهذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو اباحة لما كان ثمة بدعة، ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها) أهـ ([173]) .
وهم مغرمون بالتبديع فوافق شن طبقة، فـ اضطروا إلى غض الطرف عن أشعريته في مقابل الاستفادة من تشديداته في باب السنّة والبدعة، (تنبيه) انا لم ار في حياتي طالب علم يحاول فهم العلم من خلال التعريف، ولكن نفهم العلم من أدلته التفصيلية، وهؤلاء يجتمعون على التعريف ويتفرقون على التعريف، فأي علم هذا الذي نجمع شارده ووارده من التعريف، وهل إذا اجتمعنا على تعريف الصلاة، (أقوال وافعال تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم) أهكذا جمعنا علم الصلاة، مما يدل على فراغهم من العلم والتعليم، هذا لو اتفقنا على تعريفه من الأساس.
[المفتاح الرابع]: تعريف الشاطبي للبدعة تعريف مغلق ومضطرب: قال رحمه الله -في تعريف البدعة-: (فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه، وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة، فيقول: البدعة: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية) ([174]) .
وأول ما يلفت النظر في التعريف خلوه من كلمة (السنّة) لأنها ضد البدعة وبالأضداد تُعرف الأشياء، وتتضح المعاني، والبدعة لابد وان تكون عند مخالفة السنّة، وأول ما نلحظ في تعريف الشاطبي للبدعة هو غموض الألفاظ، وكل اتباعه من غلاة التبديع وقعوا في حيص بيص عندما حاولوا أن يفهموا البدعة من خلال تعريفه، ظنوه الميزان الرباني لمسائل وأحكام البدعة، وكأنه نزل من السماء، مع أنه غير منضبط في نفسه، ومع أنّ صاحبه (الشاطبي) نفسه اضطرب كثيرا في تطبيق التعريف ولم يُوفق كثيرا في معرفة التخريج، حتى أنّه عندما طبق قانونه على المكوس والضرائب جعلها من البدع، وهي في حقيقة الامر أبعد ما تكون عن الدين، ولم نسمع عن أمير أو زعيم يجمع الأموال بنية المبالغة في التعبد لله على حد تعبير الشاطبي نفسه.
[المفتاح الخامس]: الشاطبي أتى بتعريف جديد للبدعة خالف فيه تعريف جميع علماء الامة: واقل ما يُفال عن هذا التعريف: أنه مضطرب وغير دقيق، وذلك لأنّ الشاطبي رحمه الله جعل هناك تعريفان، الأول يُدخل فيه العبادات والثاني يدخل فيه المعاملات، يقول: (فالبدعة إذن عبارة عن: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه، وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة، فيقول: البدعة: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية)أهــ ([175]) .
فالشاطبي رحمه الله جعل هناك تعريفان، الأول يُدخل فيه العبادات فقط، يقول: (البدعة طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه)، فهذا التعريف الأول على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات، ثم يقول في التعريف الثاني الذي يُدخل فيه المعاملات مع العبادات: (البدعة: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية)، وهنا التعريف موافق للأول، لكن في الأخير يقول: (يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية)، وفي الأول قال: (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه)، والإشكال هنا أن الشاطبي رحمه الله يقول: إن التعريف الأول هو لمن لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات، والثاني: هو لمن أدخل العادات في معنى البدعة، فأي التعريفين نعتمد، هذا أول التساؤل، لاسيما وقد جعل قيد العبادات (في الدين)، بقوله: (طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية)، وجعل قيد المعاملات أيضا (في الدين)، بقوله: (طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية)، مع ان حكم المعاملات يختلف عن حكم العبادات، فالأصل في العبادات المنع حتى يأتي دليل الإباحة، والاصل في المعاملات الاباحة حتى يأتي دليل التحريم.
ولو تدبرنا التعريف، يقول: (فالبدعة إذن عبارة عن: طريقة في الدين مخترعة)، فكلمة (طريقة) كلمة واسعة قد لا تدخل في بعضها البدع أساسا، لأنّ الطريقة قد تكون طريقة علمية، وقد تكون طريقة فعلية، وقد تكون طريقة قلبية إرادية، وقد تكون طريقة أخلاقية تهتم بالتزكية، لاسيما ونحن نتلو قوله تعالى: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16]، ثم قوله: (طريقة في الدين): في كلا التعريفين عند الذي يدخل العادات في البدعة، والذي لا يدخلها، كلاهما فيه أنها طريقة في الدين، قال الشاطبي في الاعتصام: (وإنما قيدت بالدين لأنها فيه تخترع، فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسم بدعة، كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم) أهــ، فهذه الأمور لا تعد بدعة لأنها ليست في الدين، كما يرى الشاطبي في كلا التعريفين، ثم قوله: (طريقة في الدين مخترعة): والتساؤل هاهنا فإذا كانت في الدين وليست مخترعة بل لها أصل شرعي، فهذه لا تسمى بدعة، ومع ذلك نراه تشدد في البدع الإضافية وعاملها معاملة البدع الحقيقية، وهذا يُخالف التعريف، ثم إذا كانت كلمة (في الدين) معناها اخراج كل ما كان من أمور الدنيا على الخصوص، وهذا سيولد سؤالاً: وهو كيف أن أصحاب الرأي الثاني أدخلوا العادات في البدعة مع أنهم يقولون: إنها طريقة في الدين، مع أن الشاطبي مثل للأمور الدنيوية بإصلاح الصنائع والبلدان، ثم لما أتى إلى العادات التي يقول: إن البعض يجعلها من البدع فمثل لها بأمثلة مطابقة، وهذا مما يوضح أن هذا التعريف فيه اضطراب، جعل اتباع الشاطبي انفسهم في حيرة حقيقية في فهم التعريف ومن ثم تطبيقه، ثم قوله: (طريقة في الدين مخترعة)، وكلمة (مخترعة): كلمة مبهمة، فهل يقصد مخترعة ليس لها أصل أم مخترعة ولها أصل في الدين ترجع إليه، لأن ما كان في الدين إما أن يكون له أصل، أو ليس له أصل، فما ليس له أصل هو البدعة، وما له أصل فليس هو من البدعة وقد يكون هي السنة، فالكلام مجمل، يحتاج إلى شرح يرفع الإشكال، فإنّ كان لها أصل، فهل المقصود بالأصل: طريق من طرق الاستدلال مثلاً؟ أم المقصود القواعد الكلية المستنبطة من الشريعة، فالتعريف مجمل لا يحل إشكالات عديدة، وقوله: (مخترعة) باقية على أصل الإجمال، فعلوم الدين كعلم العقيدة وعلم الفقه وعلم التزكية وعلوم النحو والصرف والبلاغة، وعلوم القران وعلوم الحديث، كلها على صورة التصنيف الحالي وترتيب مباحثها وموضوعاتها، كلها مخترعة وهي لا تدخل في البدع اتفاقا، لأنّ لها أصلا في الدين، إذ بها نفهم الدين فهما صحيحا، ثم قوله بعدها: (تضاهي الشرعية) المضاهاة من المشابهة، أي أنها تشابه الطريقة الشرعية، وأما في حقيقتها فهي ضد الشريعة، وإلا لما كانت بدعة ضلالة، فهل أراد الشاطبي رحمه الله بالمشابهة هنا المشابهة في الهيئة الفعلية للعبادة، أم المشابهة في الحكم الشرعي، من حيث الوجوب او الندب، ثم قوله: (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه)، فهل قصد (المبالغة) حد في تعريف البدعة، أم يمكن أن توجد البدعة بغير قصد المبالغة في التعبد، فإن أمكن تصور وجود بدعة بدون قصد المبالغة، فما فائدة القيد بكلمة (المبالغة) هاهنا، خصوصا إذا علمنا انّه ليس من شرط البدعة في الشرع أن تكون على جهة المبالغة، نعم هناك بدع عرفت في الشريعة أنها بدع زيادة على سبيل المبالغة، كالذي حلف ان لا يتزوج النساء على سبيل التعبد لله، وكالذي حلف ان لا ينام الليل على سبيل التعبد، ولكنها ليست شرطاً في حكم البدعة شرعاً، ولهذا فقد تقع البدعة من فساق وعصاة لا يقصدون ابدا البدعة على سبيل المبالغة، ثم يقول في التعريف الثاني: (يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية)، وهنا التساؤل: ما الفرق بين كلمة (يقصد بها التعبد لله) التي تخص العبادات، وبين كلمة (يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية)؟ فإنّ المقصود بالطريقة الشرعية هو في نهاية المطاف التعبد لله، فيعود التعريف الثاني إلى الأول، هذا أولا وأما ثانيا، فالطريقة الشرعية فيما يخص العادات تقوم على المصالح والمفاسد، فلا اعلم أحدا قبل الشاطبي جعل العادات إذا قصد بها المصلحة -إذ كل العادات مجرها عند العقلاء على المصلحة- أنها تكون بدعة، تساؤلات عديدة يثيرها التعريف بشقيه العبادي والعادي، هل البدعة شرعاً تختص بباب العبادات، أم أنها تكون في العبادات والعادات؟ وما هو المقصود بالعبادات؟ وما المقصود بالعادات التي قد تكون بدعة؟ إذ العادة من حيث هي مجردة ليست بدعة، والبدعة غالبا ليس لها صلة بالعادات من حيث هي، إلا إذا دخل عليها رافد آخر عبادي حركها لتكون بدعة، وليس من جهة كونها عادة مجردة، لاسيما وانه لا يوجد أحد من المتقدمين من سلف هذه الأمة من جعل العادات في معنى البدع من حيث هي عادة مجردة، إلا إذا دخلتها شيء من الخصائص كالتزامها بمثل التزام العبادات الشرعية، فكلا التعريفين، غير دقيق، وبالتالي فنحن أمام تعريف جديد لم يُسبق إليه أحد فبل الشاطبي، وعباراته مضطربة مغلفة متداخلة، مع أنّ التعريف -كما هو معلوم لدى اهل العلم- لابد وأن يكون جامعا مانعا، والشاطبي لم ينزل من السماء، وتعريفه هو الذي اخترعه، ولم يسنده إلى احد من السلف، وخالف به قول الاكابر كالشافعي الذي ملأ طباق الأرض علما وقال به الكثير من علماء الأمة والمحدثين، منهم على سبيل المثال: الإمام ابن حزم الظاهري والإمام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي وسلطان العلماء الإمام عز الدين بن عبدالسلام والإمام القرافي والفقيه الرباني الإمام النووي وأمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي والإمام الزرقاني والأمام الكرماني وابن عابدين الشامي والإمام الحافظ ابن العربي المالكي والعلامة ابن الأثير الجزري والإمام شهاب الدين أبو شامة والإمام العيني وغيرهم كثير وهؤلاء هم ورثة النبوة وأركان العلم عند أهل السنة والجماعة، بل وبه قال عامة الشافعية والأحناف والمالكية والحنابلة، وقد نقل الشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي إجماع المالكية عليه في كتاب المعيار المعرب ، والخلاصة أنّ (البدعة تأتي في مقابل السنّة)، والتعريف الاصح والاوضح هو ما قاله الإمام الشافعي: (البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم) ([176])
فالبدعة تضاد السنّة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم، وقال الحافظ بن حجر العسقلاني: (والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة) أهـ، ([177]) .
وقال العلامة ابن الأثير: في كتابه النهاية في غريب الحديث: (البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو في الأفعال المحمودة ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل له في ذلك ثوابا فقال: (من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها) وقال في ضده: (ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها) وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنها لهم وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر وإنما عمر جمع الناس عليها وندبهم إليها فبهذا سماها بدعة وهي على الحقيقة سنة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، وقوله: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر: (كل محدثة بدعة) إنما يريد: ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة) أهــ ([178]) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: عند شرحه لحديث: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد): (وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث ” الأعمال بالنيات ” ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء “ ([179]) .
[المفتاح السادس]: الشاطبي رحمه الله لم يُفعل ضوابط بدعة الضلالة التي اتفق عليها الفقهاء: وذلك عند معاملته لكثير من المحدثات، لذلك اضطربت فتاواه، وأوقع تلامذته وتلامذة كتبه لاسيما الاعتصام في حيرة واضطراب عند دراسة مسائل واحكام علم البدعة، قال الشاطبي: (وأما البدعة الإضافية فهي التي لها شائبتان إحداهما لها من الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية وهي البدعة الإضافية أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء، والفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة) أهـ ([180]) .
فهو لم يطبق أي ضابط أو شرط من شروط بدعة الضلالة، فأورث اتباعه غلوا في التبديع، وشروط بدعة الضلالة أربعة: (الشرط الأول): أن تكون محدثة بعد زمن التشريع، و(الشرط الثاني): أن تُنسب إلى الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى، و(الشرط الثالث): أن تخالف الشرع، و(الشرط الرابع): أن لا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف، فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا) دل على الشرط الأول والثاني للبدعة وهو أن يكون بعد زمن التشريع وأن يُضاف إلى الدين، وقوله صلى الله عليه وسلم (ما ليس منه) دل على الشرط الثالث والرابع للبدعة ألا وهو مخالفة الشرع، وأن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم (فهو رد).
والخلاصة: أنّ البدعة الشرعية التي يقصد بها الضلالة هي كل محدثة في الدين وفيها مخالفة للشرع وليس لها أصل فيه، أما المحدثات التي لها أصل من الدين أو داخلة تحت شيء من مقاصده، أو أمر عام من أوامره، ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ولا خلاف فيما تدل عليه من الخير فهذه من المحدثات الحسنة التي جاء بها الحديث الصحيح (من سن سنة حسنة)، والشاطبي ضرب بهذا الفقه عرض الحائط، العلماء والفقهاء متفقون تفعيل ضوابط البدعة، سواء اكانت بدعة ضلالة او سنة هدى، وجمهورهم على انقسام البدعة إلى محمودة ومذمومة، وأن عمر رضي الله عنه أول من نطق بذلك، ومتفقون على أن قول النبي صلى الله عيه وسلم: ” كل بدعة ضلالة” عام مخصوص، وخالفهم الشاطبي صاحب الاعتصام، فإنه أنكر هذا الانقسام، وزعم أن كل بدعة مذمومة، وفي نفس الوقت لم يفعل شروط البدعة، لكنه اعترف بأن من البدع ما هو مطلوب وجوبا أو ندبا، فجعله من قبيل المصلحة المرسلة، فخلافه لفظي يرجع إلى التسمية، أي أن البدعة المطلوبة، لا تسمى بدعة حسنة، بل تسمى مصلحة، قال الامام الشافعي: ” كل ما له مستند من الشرع، فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف، لأن تركهم للعمل به، قد يكون لعذر قام لهم في الوقت، أو لِما هو أفضل منه، أو لعله لم يبلغ جميعهم علم به” اهـ،
وقال ابن العربي: ” ليست البدعة والمحدث مذمومين للفظ بدعة ومحدث ولا معناهما، وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى الضلالة” اهـ، ([181]) .
الدليل لما اتفق عليه العلماء من تخصيص حديث: ” كل بدعة ضلالة” عدّة أحاديث.
[المفتاح السابع]: تاثير الفهم المغلوط لباب السنّة والبدعة على الإمام الشاطبي: ومن ذلك: اعتراض الشاطبي على فهم الآية: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27]، فالآية تعبّـر عن الرهبانية بأنّها كانت من مبتدعات الرهبان ولم تكن مفروضة عليهم من قبل، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، وأن الله تعالى قد تقبل منهم هذه البدعة وألزمهم بها، قال القرطبي في تفسير الآية ” قوله تعالى): ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، (الآية، يقول: ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها المتأخرون حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم يعني الذين ابتدعوها أولا ورعوها وكثير منهم فاسقون يعني المتأخرين .. وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية، وعن أبي أمامة الباهلي -قال: (أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها، فعابهم الله بتركها فقال: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها) أهـ ([182]) .
والقرطبي يشير إلى أن الله تعالى تقبلها منهم وأوردها في سياق المدح لا الذم لأنه سبحانه قرنها بما أمتدحهم به من الرأفة والرحمة وأنه سبحانه تقبلها منهم وإنما عاتب من أهملها ولم يراعها حق رعايتها من طاعة الله والتقرب له ويشهد لذلك قوله رحمه الله ” وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية” أهـ ويؤيد ما ذهب إليه ويؤكده بما ذكره من الأثر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه حيث قاس ما أحدثه المسلمون من قيام رمضان على ما أحدثه النصارى من الرهبانية وأمر بالمداومة عليه حتى لا يعاتبوا على تركه ويشهد لذلك قوله رضي الله عنه: (أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها، فعابهم الله بتركها فقال: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها}) أهـ، وبمثل ما مال إليه القرطبي قال العلامة الألوسي في تفسير الآية: ” وليس في الآية ما يدل على ذم البدعة مطلقاً، والذي تدل عليه ظاهراً ذم عدم رعاية ما التزموه ” أهــ، ([183]) .
وقريب منه ما قاله الفخر الرازي في تفسير الآية ” المسألة الخامسة: لم يعن الله تعالى بابتدعوها طريقة الذم، بل المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها، ولذلك قال تعالى بعده (ما كتبناها عليهم) ” أهـ، ([184]) .
ويؤيده ما قاله الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير: ” وإنما عطفت هذه الجملة (ورهبانية ابتدعوها) على جملة (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) لاشتراك مضمون الجملتين في أنه من الفضائل المراد بها رضوان الله، والمعنى: وابتدعوا لأنفسهم رهبانية ما شرعناها لهم، ولكنهم ابتغوا بها رضوان الله، فقبلها الله منهم، لأن سياق حكاية ذلك عنهم يقتضي الثناء عليهم” أهـ، ([185]) .
[فقه ما دلت عليه الآية الكريمة]: عند تدبر الآية الكريمة، نجد أنّ الرهبانية عبادة ابتدعها النصارى ابتغاء رضوان الله، ولم يعترض القرآن الكريم على هذه البدعة، بل أشار إلى أنّ الله تعالى تقبل هذه البدعة منهم، كما لم تتضمن الآية أي معنى صريح للذم لأولئك الذين ابتدعوها ابتغاء مرضاة الله، بدليل قوله تعالى: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ}، ولكن لحق الذم أولئك الذين لم يراعوها حق رعايتها، كما يُفهم من الآيات أنّ الله سبحانه وتعالى قد تقبل منهم هذه البدعة، وأمرهم بالدوام عليها وعدم تركها، وجعلها في حقهم كالنذر الذي من ألزم نفسه به فعليه القيام به، وعدم تركه والتهاون فيه، وإلا فإنه يلام على عدم الوفاء به، ويُفهم منها أنّ الذم غير متوجه لمحدثي البدعة وإنما لأولئك الذين لم يراعوها حق رعايتها.
[اعتراض الشاطبي على كون الآية تحمل معنى قبول البدعة وانها بدعة حسنة]: وذلك باعتراضات ثلاث، تكفل الجواب عنها بأحسن الجواب الشيخ عيسى الحميري في رسالته: البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع، فقال: (اعترض الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه الاعتصام على الاستدلال بهذه الآية على جواز إحداث البدعة بـ:
(الاعتراض الأول): أن الآية لا يتعلق منها حكم بهذه الأمة، لأن الرهبانية نسخت في الشريعة الإسلامية فلا رهبانية في الإسلام، والجواب: كما نقل هو عن ابن العربي ـ أن معنى الرهبانية في الآية يدل على ثلاثة معان: رفض النساء، واتخاذ الصوامع للعزلة، وسياحتهم في الأرض، والمنسوخ في ديننا هو المعنى الأول، أما الثاني والثالث فمستحب عند فساد الزمان لما جــاء عن أبـي ســعـيــد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)، وهذا الحديث يفيد الإقرار بالعمل بهذه الآية في المعنيين الأخيرين، ويكون منزلته هنا من القرآن البيان والتوضيح: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44]، وانعقد الإجماع على أننا مكلفون بما علمنا من شريعتنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، وأمرنا في شريعتنا بمثل.
(الاعتراض الثاني): أن البدعة في الآية ليست بدعة حقيقية وإنما هي بدعة إضافية، لأن ظاهر القرآن دل على أنها لم تكن مذمومة في حقهم بإطلاق، بل لأنهم أخلوا بشرطها، وهو الإيمان بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم، و(الجواب): أنه ليس في الآية ـ كما تقدم ـ ما يدل على ذم البدعة، أو ذم المبتدعين لها، بل الذم متوجه لجمهور الخلف الذين لم يرعوها حق رعايتها.. وأن الإيمان لم يأت كشرط لإحداث البدعة، لأنها حدثت قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، فليست شرطاً لمن عمل بها قبل البعثة، وأن الإيمان والاتباع جاء شرطاً في الحصول على أجر البدعة لمن حضر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يبق منهم إلا القليل، انحط صاحب الصومعة من صومعته، وجاء السائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه فقال الله تعالى لمن آمن: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته}.
(الاعتراض الثالث): أنه لو كانت البدعة في هذه الآية حقيقية لخالفوا بها شرعهم الذي كانوا عليه، لأن هذه حقيقة البدعة، أي هي الفعل المخالف للشرع، و(الجواب): أن كلامه هذا مبني على تعريفه للبدعة الذي لم يسلمه له العلماء، فهو دليل غير مسلم) أهــ ([186]) .
(قلت): وكلامه عن تعريف الشاطبي في مكانه لأنّ الشاطبي خالف بتعريفه تعريف جميع علماء الامة، وأتى بتعريف جديد غريب، اقل ما يُفال عنه انه مضطرب وغير دقيق، وصعب التطبيق حتى على الشاطبي نفسه.
[المفتاح الثامن]: الشاطبي رحمه الله تشدد في مسائل التبديع بما لم ينبغي: ولذلك نجد أنّ جميع المحدثات كلها عند الشاطبي من جنس البدع الضالة، وإن كان لها اصل في الدين، وقد بنى كتابه الاعتصام على ذلك، وقال في سياق الرد على تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، وهو التقسيم الذي عليه جماهير اهل العلم: (وهذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو اباحة لما كان ثمة بدعة ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها) أهـ ([187]) .
فالشاطبي يضرب بالأدلة كلها التي تدل على وجود البدعة الحسنة المقبولة، والتي هي أكثر وضوحا من الشمس في رابعة النهار بعرض الحائط.
(1) الشاطبي يضرب بقسم كامل من الحديث الصحيح يدل جميعه على البدعة الحسنة، ومن ذلك أصول الأحاديث الدالة على إمكانية وجود البدعة الحسنة:
[الحديث الأول]: ما أخرجه مسلم في صحيحه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ .. )، وفي رواية أخرى: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسُنُّ عَبْدٌ سُنَّةً صَالِحَةً يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ) ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، قال النووي: في شرح الحديث: ” وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة”
و[الحديث الثاني]: ما أخرجه مسلم في صحيحه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا .. )، و[الحديث الثالث]: ما أخرجه ابن ماجة في سننه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا) ([188]) .وقال السندي في شرح الحديث قوله (سنة حسنة) أي طريقة مرضية يقتدي فيها والتمييز بين الحسنة والسيئة بموافقة أصول الشرع وعدمها ” أهـ([189]) .
و[الحديث الرابع]: ما أخرجه الترمذي في سننه: عن كثير بن عبد الله هو ابن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث: (اعلم قال ما أعلم يا رسول الله قال اعلم يا بلال قال ما أعلم يا رسول الله قال إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا)، ([190]) .
وجاء فِي الْمِرْقَاةِ في شرح الحديث ” (ومن ابتدع بدعة ضلالة) قيد به لإخراج البدعة الحسنة وزاد في أشعة اللمعات لأن فيها مصلحة الدين وتقويته وترويجه ” أهـ ([191]) .
[الحديث الخامس]: ما أخرجه ابن ماجة في سننه: حدثني كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص من أجور الناس شيئا ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص من آثام الناس شيئا)، ([192]) . قال السندي في شرح الحديث: قوله (لا يرضاها الله تعالى) هذا تقبيح للبدعة وإلا فكل بدعة كذلك بالمعنى الذي ذكرناه وهو ما لا يوافق أصول الشرع وقيل فيه تنبيه على أن من البدع ما يرضاها الله ورسوله كالتصنيف وبناء المدارس ونحو ذلك قلت وهذا مبني على أن البدعة مطلق الأمر المحدث بعده ” أهـ،([193]) .
[الحديث السادس]: ما أخرجه البخاري في صحيحه: عن رِفاعة بن رافع الزَّرقي قال: (كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: ” سمع الله لمن حمده”، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: ” من المتكلم” قال: أنا، قال: ” رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أولا“)،([194]) . قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: ” واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور” اهـ ([195]) .
(2) الشاطبي يضرب على قول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: (نعم البدعة تلك) فقد أخرج البخاري في صحيحه ومالك في الموطأ: عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله) ([196]) .
قال بن حجر في شرح الحديث: قوله: (قال عمر نعم البدعة) في بعض الروايات ” نعمت البدعة ” بزيادة تاء، والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة ” أهـ، ([197]) .
،وجاء في المنتقى شرح المؤطأ: (وهذا القول تصريح من عمر رضي الله عنه بأنه أول من جمع الناس على قيام رمضان على إمام واحد بقصد الصلاة بهم ورتب ذلك في المساجد ترتيبا مستقرا لأن البدعة هو ما ابتدأ فعله المبتدع دون أن يتقدمه إليه غيره فابتدعه عمر وتابعه عليه الصحابة والناس إلى هلم جرا وهذا أبين في صحة القول بالرأي والاجتهاد وإنما وصفها بنعمت البدعة لما فيها من وجوه المصالح التي ذكرناها ” أهـ ([198]) .
(3) الشاطبي يضرب على اثار الصحابة في سن السنن الحسنة: ومن ذلك:[سنة الوضوء]: التي أحدثها بلال رضي الله عنه، ولم يكن قد أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استأذنه فيها،إلى أن قال له:(يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة، قال: ما عملت عملا أرجى عندي، أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور، ما كتب لي أن أصلي) ([199]) . لقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السنّة، لكن بعد أن أحدثها بلال من اجتهاده في الخير، بما لا يخالف دين الله، وبما له أصل من دين الله تعالى الذي يحث على كثرة الطهارة والصلاة.
ومن ذلك: [قراءة سورة الإخلاص في كل ركعة من ركعات الصلاة]: أخرج البخاري عن أَنَسِ رضي الله عنه: (كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح قل هو الله أحد حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى فإما تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى فقال ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركتكم وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة فقال إني أحبها فقال حبك إياها أدخلك الجنة) ([200]) .
وأخرج البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم ب {قل هو الله أحد} فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخبروه أن الله يحبه) ([201]) .
فهذه الآثار تؤكد على أنّ ما أُحدث موافقا لأصول الشريعة وقواعدها العامة ولا يُخالف نصا من الشرع فإنه من سنن الخير وليس من بدع الضلالة.
ومن ذلك [تكرار سورة الإخلاص] اخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ: {قل هو الله أحد}، يرددها فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له وكأن الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن) ([202]) .أيضا هذا الأثر يدل على أنّ ما أُحدث موافقا لأصول الشريعة وقواعدها العامة ولا يُخالف نصا من الشرع فإنه من سنن الخير وليس من بدع الضلالة.
ومن ذلك: [صحابي يجتهد في صيغ الدعاء]: أخرج البخاري عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: (كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال من المتكلم قال أنا قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أولا). وهذا الأثر دليل على أنّ الصحابة الكرام رضي الله عنهم كانوا يبادرون إلى الاجتهاد في الخير والقربى من الله في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم دون انتظار الإذن بذلك، ولو كانت اجتهاداتهم في التقرب إلى الله بشتى أنواع العبادات والقربات ممنوعة، لنهاهم عنها الرسول صلى الله عليه وسلم خوف الابتداع في الدين.
[جمع عمر المسلمين على إمام واحد في صلاة التراويح يصلي بهم عشرين ركعة]: يروحهم بعد كل أربع ركعات، وقوله رضي الله عنه عندما رآهم مجتمعين على إمام واحد (نعم البدعة هذه) ([203]) .والملفت للنظر هو إقرار عمر رضي الله عنه بأنها بدعة ولكنها بدعة حسنة، فما أحسنها جمعت المسلمين على أمام واحد يجتهد بهم في قيام رمضان، فنعم البدعة تلك، لأنها توافق هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا تُعارض نصا من نصوص الشريعة السمحاء.
[أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تصلي سبحة الضحى]: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل، وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم، وما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها) [عثمان رضي الله عنه يزيد الآذان الأول لصلاة الجمعة لما اتسعت المدينة وكثر الناس]: أخرج البخاري عن السائب بن يزيد رضي الله عنه: (كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداءَ الثالث على الزوراء ([204]) . فلما رأى أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه اتساع المدينة وترامي أطرافها وحتى لا يضيع على الناس سماع الخطبة يوم الجمعة استحدث الآذان الأول قبل الوقت ليتهيء الناس لصلاة الجمعة قبل وقتها، فهذا من سنن الهدى ومحدثات الخير التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فلهُ أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء).(4) الشاطبي يغض الطرف عن كل مفاتيح أهل العلم في فهم آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم المتعلقة ببدعة الضلالة، ومن ذلك:
(أ) مفاتيح قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة الآية 3]، فالآية بشارة باكتمال أصول الدين وقواعده وكلياته، ولكن الآية الكريمة لا يُفهم منها أن نصوص الكتاب والسنة قد أحاطت بكل الجزئيات، وإلا لما كان هناك اجتهاد ولا استنباط، ويتم الغاء دور الفقهاء والمجتهدين، وهذا يخالف الشرع والواقع، فالصحيح أنّ الدين اكتملت أصوله وقواعده الكلية التي يستنبط منها الفقهاء ما يناسب الوقائع والجزئيات، وعلى أهل العلم أن يستنبطوا من نصوص الكتاب والسنة ما يحقق مقاصد الشرع وبما يتفق مع مبادئه وأخلاقه.
ولذلك اعتمد الفقهاء: (القياس) كأصل رابع للاجتهاد بعد الكتاب والسنة والإجماع، وعلى ذلك فإنّ المعنى الصحيح للآية: أن الله تعالى أكمل لنا قواعد الدين وأصوله ومبادئه، وترك لفقهاء الإمة المجتهدين أن يستنبطوا منها الحكم الشرعي الذي يلائم كل محدثة تجد أو واقع يستجد على حياة المسلمين، فــ (الاستدلال) بالآية على أنّ ما لم يكن على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا فليس اليوم بدين، تضييق لواسع وتشدد في الدين، والخلل جاءهم من جانبين:
[الجانب الأول]: أن الدين كامل بقواعده الكلية وأصوله العامة التي يمكن للفقهاء القياس عليها في كل جديد، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها) ([205]) .
والحديث دليل على أن هناك أشياء سكت عنها الشرع، وأنّ نصوص الكتاب والسنة لم تستوعب كل الجزئيات والتفصيلات، ولذلك اجتهد العلماء والفقهاء من لدن الصحابة رضي الله عنهم مرورا بالتابعين وتابعي التابعين وحتى يومنا هذا، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، فكل قول جديد أو فعل جديد يحقق مقاصد الشريعة ولا يخالف دليلاً شـرعياً فلا يصح وصفه بأنها بدعة ضلالة.
و[الجانب الثاني]: الخطأ في فهم مسألة الترك، فليس كل ما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم يكون محرما، والحقيقة أنّ الترك المجرد من القرائن فهو عدم فعل، والعدم ليس بشيء، ولا يصلح دليلاً لجواز شيء أو حرمته، وقد حذرنا الله تعالى من التشريع والتحريم بغير هدى من الله وبما لم يأذن به الله، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، فكيف إذا كان تحريم المباح يعقبه الاتهام بالبدعة والضلالة، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم أفعالاً كثيرة تعد من المستحبات والطاعات عمداً لاعتبارات عديدة، سبق ذكرها في المبحث السابق.
(ب) الشاطبي يغض الطرف عن مفتاح فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، ” وكل ضلالةٍ في النار”) هذا الحديث العظيم يستدل به الشاطبي على ضلال كل محدثة في الدين وعلى أنه لا توجد بدعة في الدين تكون حسنة، ووجه الدلالة فيه: أن هذا الحديث كان جزءا من خطبة الحاجة التي كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يكررها في كل مناسبة تحذيرا من البدع والمحدثات في الدين، وأن لفظ (كل) في الحديث يفيد العموم فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، والمفتاح: أنّ لفظ كل هاهنا لا يفيد العموم المطلق، وإنما يفيد العموم على ما تنطبق عليه شروط بدعة الضلالة، والدليل على ذلك، أن كلمة (كل) قد تأتي والمراد بها العموم الذي يُراد به الخصوص، الذي يصدق عليه اللفظ، ومن ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيء}، ولم تفتح لهم أبواب الرحمة ولا أبواب المغفرة، وانما فتحت لهم أبواب الاستدراج، وقوله تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ}، أي كل شيء يحتاجه بنو إسرائيل، من التشريع، فهو عموم أريد بها الخصوص، وقوله تعالى: {وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء}، أي من كل شيء يحتاجه الملوك، ولم يؤت ملك السموات، وقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ}، فالمساكن لم تُدمر، ولم تدمر الأرض كلها ولا السماوات، فدل ذلك على انها تدمر كل شيء أُمرت بهلاكه فقط، وعلى هذا يمكن أن نفهم قوله صلى الله عليه وسلم (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) على العموم الذي أريد به كل بدعة لا يندرج تحت نص من نصوص الكتاب أو السنة ولا تتفق مع مقاصدهما فهو بدعة مذمومة شرعاً، وكل بدعة بهذا المعنى فهي ضلالة، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْء) وقال النووي في شرح الحديث: ” وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كُلّ مُحْدَثَة بِدْعَة وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة)، وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُحْدَثَات الْبَاطِلَة وَالْبِدَع الْمَذْمُومَة ” وما فعله النووي هو الفقه في دين الله حتى لا تتعارض النصوص ويضرب بعضها بعضا.
(ت) الشاطبي يغض الطرف عن مفتاح فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد) [متفق عليه]، وفي رواية مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) قال بن حجر في فتح الباري في بيان فقه الحديث وضوابط البدعة ما نصه: ” وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه” أهــ فشرط للبدعة الضالة أن تضاف إلى الدين وأن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، (قلت): نستفيد معرفة شرطين لبدعة الضلالة من الحديث الشريف فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين، وقوله صلى الله عليه وسلم (ما ليس منه) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم (فهو رد)، إذن خلاصة الفقه المستفاد من هذا الحديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) [متفق عليه]، أنّه أصل في باب السنّة والبدعة، ولكن له ضابط لم يتنبه له كثير من المتعجلين، ألا وهو (ما ليس منه)، فالحديث تحذير ووعيد لمن يحدث في أمر الدين شيئاً وهو ليس منه، وأنه مردود عليه، أما إذا كان العمل او الفعل أو القول داخلاً فيما هو من الدين، كأن يكون مندرجاً تحت نص من نصوص الإذن العامة أو المطلقة ولم يعارض نصاً آخر فلم لا يكون من المأذون فيه؟ فالحديث ليس فيه البتة أن كل ما أحدث فهو ليس من الدين.
وبهذا (المفتاح) تخرج المحدثات المتعلقة بالدين مما له أصل شرعي، عام أو خاص، فمما أُحدث في الدين وكان مستندًا إلى دليل شرعي عام: جمع الصحابة رضي الله عنهم للقرآن، ومما أُحدث في هذا الدين وكان مستندًا إلى دليل شرعي خاص: إحداث صلاة التراويح جماعة في عهد عمر رضي الله عنه فإنه قد استند إلى دليل شرعي خاص.
والمستفاد من هذا القيد (ما ليس منه) أنّ بدعة الضلالة هي مَا اجتمع فيها شروط أربعة: الأول: ما أحدث مما لم يكن في زمن التشريع، والثاني: أن تكون في الدين ويقصد بها القربة إلى الله تعالى، والثالث: أن تخالف الشرع، والرابع: ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك أيضاً: لا تكون بدعة ضلالة: كل ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، وكل ما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، وكل ما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف.
[المفتاح التاسع]: الأثر الذي بنى عليه الشاطبي مذهبه في البدع ضعيف ومعارض بالاحاديث الصحيحة: الشاطبي بنى كتابه الاعتصام على أثر ضعيف عن عبد الله بن مسعود، تكلم في ضعفه الائمة الحافظ السيوطي والحافظ ابن حجر الهيتمي والمحدث المناوي والعلامة الألوسي والشيخ سيف العصري في كتابه: (النقول الصحيحة في انقسام البدعة إلى حسنة وقبيحة)، وحكم عليه بالضعف من كل طرقه، وبين أسباب الحكم عليه بالضعف، وهو في نفس الوقت مٌعارض ومخالف للأحاديث الصحيحة التي تحث على الاجتماع على الذكر وعد الاذكار.
(أولاً): [الأثر]: عن عمرو بن سلمة بن الحارث قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة … فجاءنا أبو موسى الأشعري … فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيراً، قال: فما هو؟، قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلْقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول كبروا مئة فيكبرون مئة، فيقول هللوا مئة فيهللون مئة، ويقول سبحوا مئة فيسبحوا مئة … ثم مضى، ومضينا معه، حتى أتى حلْقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ !، قالوا: حصى نعدّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدّوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده أنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم؟ !! أَوَ مفتَتِحوا باب ضلالة؟ !، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، وايم الله لا أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، قال عمرو بن سلمة: رأينا عامّة أولئك الحِلَق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج) أهـ، ([206]) .
(ثانياً): الأثر مُخالف لما جاء في حديث البخاري من استحباب الاجتماع للذكر: (إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله عز وجل تنادوا هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم: ما يقول عبادي؟، فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك)، وفي آخر الحديث: (فيقول الله تعالى: فأشـهدكم أني قد غفرت لهم) ([207]) .
(ثالثاً): الأثر مُخالف لما جاء في حديث مسلم فيما يتعلق بمسألة العد، فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة كانت له عِدْلَ عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة … ومن قـال سـبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة حُطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) ([208]) .
(رابعاً):الأثر مُخالف لما جاء في حديث الترمذي وأبي داود فيما يتعلق باستعمال الحصى في العد، فقد روي أبو داود والترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى، أو حصى تسبح به، فقال: ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل ؟ فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك) ([209]) .
(خامساً): الأثر ضعيف، حكم عليه الائمة بالضعف، قال الإمام الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في الحاوي للفتاوي : ” فإن قلت، فقد نقل عن ابن مسعود أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد، قلت: هذا الأثر عن ابن مسعود يحتاج إلى بيان سنده ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم وعلى تقدير ثبوته فهو معارض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة وهي مقدمة عليه عند التعارض، ثم رأيت ما يقتضي إنكار ذلك عن ابن مسعود قال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد ثنا حسين ابن محمد ثنا المسعودي عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالست عبد الله مجلسا قط إلا ذكر الله فيه” أهـ ([210]) .
وقال الإمام الحافظ ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى : ” وأما ما نقل عن ابن مسعود أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد، فلم يصح عنه بل لم يرد; ومن ثم أخرج أحمد عن أبي وائل قال: هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ; ما جالست عبد الله مجلسا قط إلا ذكر الله فيه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب” أهـ، ([211]) .
وقال الإمام المحدث المناوي في فيض القدير : ” وأما ما نقل عن ابن مسعود من أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين وأمر بإخراجهم فغير ثابت، وبفرض ثبوته يعارضه ما في كتاب الزهد لأحمد عن شقيق بن أبي وائل قال هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالسته مجلسا قط إلا ذكر الله فيه ” أهـ، ([212]) .
وقال العلامة الألوسي رحمه الله في روح المعاني : وما ذكر في الواقعات عن ابن مسعود من أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجه من المسجد لا يصح عند الحفاظ من الأئمة المحدثين وعلى فرض صحته هو معارض بما يدل على ثبوت الجهر منه رضي الله تعالى عنه مما رواه غير واحد من الحفاظ أو محمول على الجهر البالغ “([213]) .
وكذلك الشيخ سيف العصري في كتابه ” النقول الصحيحة في انقسام البدعة إلى حسنة وقبيحة، حيث حكم عليه بالضعف من كل طرقه، وبين أسباب الحكم عليه بالضعف .. ثم قال: قد أكثر نفاة الذكر الجماعي من الاحتجاج بأثر عبد الله بن مسعود، وهو أثر حكم الأئمة عليه بالضعف، وقبل أن أورد كلام الأئمة أحب أن أقف مع أسانيد هذا الأثر وقفات ليبين للمنصف حال هذا الأثر الذي اعتمد عليه فئات من الناس في الإنكار على الذكر الجماعي والسبحة، وأصبحوا يكررونه في كلِّ نادٍ، ويطيرون به كل مطار، وهم مع ذلك ينكرون على غيرهم التمسك بالضعيف، ولكن إذا كان الضعيف ينصر رأيهم فلا بأس من الاحتجاج به ولو كان هذا الضعيف يعارض طائفة من الأحاديث الصحيحة، … إلى ان قال: وعموماً فهذا الأثر بما فيه من كلام لا يمكن بحالٍ أن يعارض ما صح من الأحاديث الثابتة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدالة على استحباب الذكر الجماعي – والتي سبق ذكرها – لأمور: (أولها): عدم صحة أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، (ثانيها): على افتراض صحته، فهو لا يقاوم الأحاديث، بل الأحاديث مقدمة عليه عند التعارض قطعا، لأنه فعل صحابي وليس بحجة، وإنما الحجة في الكتاب والسنة، (ثالثها): أنه محمول على أن أولئك كانوا يجهرون جهرا بالغاً، ولذا توجه النهي لهم، (رابعها): أنهم كانوا يؤذون من في المسجد برفعهم الأصوات، (خامسها): أنه قد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه في نفس الأثر الذي رواه الطبراني أنه أمر الحلقة المتأخرة بالانضمام إلى الحلقة المتقدمة، ولو كان التحلُّق للذكر بدعةً، لما رضي عبد الله بن مسعود بحلقة ولا أكثر، (سادسها): أنه قد نفى ذلك عنه التابعي أبو وائل فقال هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالست عبد الله مجلسا قط إلا ذكر الله فيه) ([214]) .
(سادساً): مفتاح الفهم الصحيح للأثر إن صح عن ابن مسعود، يتلخص الامر في أنّ الصحابي الجليل تفرس فيهم رأي الخوارج، ليس إلا، بدليل: أنّ الاجتماع على ذكر الله من تكبير وتهليل وتسبيح فهذا ثابت بالسنة النبوية وفضله عظيم، وهو لا يخفى على الحبر البحر ابن مسعود رضي الله عنه، وإنما وجه الانكار هو أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يتفرس فيهم رأي الخوارج، وكان يرى أنّ هؤلاء الجفاة يُبالغون في النوافل ويضيعون الاصول، ويرون أنهم على فضل وخير لا يبلغه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا نراه يقول لهم: والذي نفسي بيده أنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم؟ !! أَوَ مفتَتِحوا باب ضلالة؟! ولقد صدقت فراسة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقد قال الراوي: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج، والخلاصة أنّه لا حجة في الأثر لأولئك الذين يتشددون في الأحكام يريدون تضيق الواسع على أمة النبي صلى الله عليه وسلم، فــ (الأثر) ضعيف، تكلم في ضعفه الائمة الحافظ السيوطي والحافظ ابن حجر الهيتمي والمحدث المناوي والعلامة الألوسي وهو في نفس الوقت مٌعارض ومخالف للأحاديث الصحيحة التي تحث على الاجتماع على الذكر وعد الاذكار، وإن صح الأثر فاعتراض الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود كان على خوارج يرون انفسهم اهدى من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهم من كانوا المسلمين يوم النهروان.
[المفتاح العاشر]: الأمانة العلمية والدينية تُحتم على اتباع مذهب الشاطبي تفعيل شروط بدعة الضلالة: فنحن لا نضيق واسعا ولا نُريد من الإمام الشاطبي أن يغير رايه، ولكن نطالبه فقط بتفعيل شروط بدعة الضلالة، فإنها امانة: فــ (الشاطبي) رحمه الله يرى أنّ البدع كلها مذمومة، لحديث: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)، وقال في سياق الرد على تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، وهو التقسيم الذي عليه جماهير اهل العلم: (وهذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو اباحة لما كان ثمة بدعة ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها) أهـ ([215]) وهذا رأيه ومذهبه ونحن لا نُطالبه بتغيير مذهبه، ولكن من حق الامة -لاسيما وله اتباع- عليه إن تبنى أمرا فقهيا ان يطبق شروطه وضوابطه، وقد ذكرنا في المبحث الأول من هذا الكتاب: أنّ أهل السنّة والجماعة لهم في باب البدعة قولان صحيحان ظاهرهما الاختلاف، ولكنهما – عند التحقيق والنظر إلى الضوابط الفقهية التي قال بها أصحاب القولين – يؤولان إلى قول واحد متوافق صحيح:
[القول الأول]: يرى بأنّ كل المحدثات الدينية بدعة وأنها جميعها ضلالة، وأنه لا توجد بدعة حسنة ولا يمكن تصور ذلك في الدين لأن الدين مكتمل ولا يحتاج إلى اي إضافة، ويستدلون لذلك بالعديد من الآيات والأحاديث التي تدعم مذهبهم في ذم البدع والمحدثات وأنها جميعاً ضلالات، ولكنّهم لفقههم في الدين جعلوا لكون المحدثة بدعة ضلالة شرطان أصيلان:
(الشرط الاول): أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع.
و(الشرط الثاني): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع تستند إليه فلا تكون بدعة، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة.
[القول الثاني]: يثبت وجود البدعة الحسنة ويجزم بأن الدين تام كامل بأصوله وقواعده ولكن هذه الأصول والقواعد أشارت إلى وجود المحدث النافع والبدعة الحسنة التي تعود على المسلمين بالخير والأجر، واستدلوا لمذهبهم بالكثير من الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة وأعمالهم، وهؤلاء فهموا من أدلة الشرع ما يدل على تقسيم المحدث إلى حسن يوافق الكتاب والسنة وقبيح يخالف الكتاب والسنة، وهؤلاء الفقهاء وضعوا القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بضوابط وشروط لابد منها، تجعلها مقبولة في ميزان الشرع، مندرجة تحت غطائه، ومن تلك الشروط:
(الشرط الأول): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه.
و(الشرط الثاني): أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين.
و(الشرط الثالث): أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، إذ أمر البدعة جدُّ خطير، ولابد في كل أمر محدث من نظر فقيه مجتهد عالم بموازين الشريعة، وقواعدها وضوابطها لينظر هل تندرج هذه البدعة في ميزان الشريعة فتكون بدعة حسنة، أو لا تندرج فيها فتكون بدعة ضلالة، فعلى ذلك يجب على من تبنى رأيا فقهيا أن يطبقه بشروطه وضوابطه وإلا حدث الخلل، وعلى اتباع الشيخ الشاطبي ان يُعيدوا النظر في كتابه الاعتصام، فالشاطبي ليس بمعصوم لاسيما وقد خالف الاكابر فلا هو التزم بطريقة الإمام مالك في تقييم بدع الضلالة بشروطها، فأخرج من بدع الضلالة كل ما لا تنطبق عليه شروطا، ولا هو التزم بطريقة الإمام الشافعي في تقييم ملف البدع كاملا فطبق جميع الشرط، شروط بدعة الضلالة وشروط البدعة الحسنة على كل محدثة فكان آية في العلم والفقه ملا طباق الأرض علما، والحاصل لا نّطالب الشاطبي بتغيير مذهبه.
ولكن من حق الامة عليه وهو يُحاول تنزيل أحكام البدع على الواقع، لاسيما البدع التي أسماها البدع الإضافية، وقال فيها: (وأما البدعة الإضافية فهي التي لها شائبتان إحداهما لها من الأدلة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية وهي البدعة الإضافية أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء، والفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة) أهـ ([216])
ونقول: شتان ما بين البدعة الحقيقية التي لا اصل لها في الدين بل تُعارضه وتضاد سننه، كبدع الخوارج والروافض، وما بين البدعة الإضافية التي لها أصل في الدين، كالاجتماع على ذكر الله، وخلاصة الفقه فيها أنّ غالبها لا يرجع إلى تشريع أبدا وإنما يرجع إلى تنظيم الأوقات والاوراد، وهو جائز لا حرج فيه، وعند تفعيل شروط بدعة الضلالة التي لا مناص من تطبيقها على أحكام البدع، فلا يكون بدعة ضلالة بحال.
***
([1]) مسند أحمد 28/373 ح 17144.
([2]) المعجم الكبير 9/154 ح 8770.
([3]) المرجع السابق10/662 ح 10610.
([4]) المعجم الأوسط 7/262 ح 7450.
([6]) حاشية السندي علي سنن ابن ماجة 1/90 ح 203.
([7]) صحيح البخاري 3/184 ح 2697، صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.
([8]) صحيح البخاري 9/10 صحيح مسلم 3/13 43 ح 1718.
([9]) مسند أحمد 28/ 375 ح 17145.
([10]) السنن الصغري للبيهقي 1/294 ح 187.
([11]) الاعتصام للشاطبي 1/203.
([12]) الأعتصام للشاطبي 1/327.
([13]) جامع العلوم والحكم 2/781.
([14]) المعيار المعرب 1/ 357، 358.
([16]) تبيين كذب المفتري ابنُ عساكر ص 97.
([18]) حاشية ابن عابدين 2/149.
([21]) المعيار المعرب 1: 357-358.
([22]) شرح ابن عربي على سنن الترمذي 10: 147.
([25]) احياء علوم الدين 1/276.
([29]) المطلع على أبواب المقنع” ص 406.
([32]) [النهاية في غريب الحديث 1/ 107.
([33]) الباعث علي انكار البدع والحوادث ص 20.
([34]) تهذيب الأسماء واللغات للنووي : 3: 20
([35]) شرح النووي على صحيح مسلم: 6: 154.
([37]) شرح صحيح البخاري للعيني 5: 230.
([39]) شرح الزرقاني علي الموطأ 1/418.
([40]) شرح المشكاة عبد الحق الدهلوي
([41]) الإحكام لابن حزم : ج 1: 47.
([43]) صحيح البخاري 3/184 ح 2697، صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.
([45]) صحيح مسلم 4/1830 ح 1337.
([47]) شرح النووي على صحيح مسلم: 16/ 227.
([48]) صحيح البخاري 3/184 ح 2697، صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.
([49]) جامع العلوم والحكم 2/781.
([51]) أخرجه الدارقطني 5/325 ح 4396 ، والحاكم 4/129 ح 7114 والبيهقي 19/617 ح 19757.
([52]) صحيح مسلم 2/975 ح 1337.
([53]) صحيح البخاري 2/11 ح 924.
([54]) صحيح مسلم 3/1495 ح 1876.مسند أحمد 12/73 ح7158.
([55]) سنن ابي داود 2/615 ح 1499، صحيح ابن حبان 2/512 ح 1785.
([56]) مسند أحمد20/62 ح 12612، السنن الكبري للنسائي 7/148 ح 7671.
([57]) مسند أحمد 28/101 ح 22966.، صحيح ابن حبان 4/273 ح 2424.
([59]) تفسير القرطبي: 17: 264.
([62]) تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير27/423.
([65]) صحيح البخاري 6/183 ح 4987.
([66]) تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص 97.
([68]) السنن الكبري للنسائي 2/308 ح 1799.
([69]) مسند أحمد 28/375 ح 17145، سنن ابي داود 7/16 ح 4607.
([70]) صحيح البخاري 3/184 ح 2697، صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.
([71]) صحيح مسلم 3/13 43 ح 1718.
([72]) المرجع السايق 2/704 ح 1017.
([73]) المرجع السابق 4/2059 ح1017.
([74]) المرجع السابق 4/2060 ح 1017.
([75]) شرح النووي علي مسلم 7/104.
([76]) صحيح مسلم 4/2060 ح 2674.
([77]) سنن ابن ماجة 1/140 ح203.
([78]) حاشية السندي علي سنن ابن ماجة 1/90 ح203.
([79]) صحيح البخاري3/45 ح 2010، موطأ مالك1/114 ح 3.
([82]) سنن الترمذي 5/45 ح 2677. سنن ابن ماجة 1/142 ح 206. وشرح السنة للبغوي1: 233.
([84]) سنن ابن ماجة 1/140 ح203. حاشية السندي علي سنن ابن ماجة 1/90 ح203.
([85]) سبق تخريج الحديث ، وانظر فتح الباري: كتاب الصلاة 312: 8.
([86]) صحيح مسلم 2/1255 ح 1631.
([87]) شرح النووي علي مسلم 2/477.
([88]) شرح النووي علي مسلم 7/104.
([89]) حاشية السندي علي سنن النسائي 3/189.
([90]) حاشية السيوطي علي سنن النسائي 3/188.
([92]) شرح النووي علي مسلم 6/154.
([95]) شرح النووي علي مسلم 7/104.
([96]) شرح النووي علي مسلم 6/154.
([99]) مسند أحمد 28/375 ح 17145، سنن ابي داود 7/16 ح 4607. المستدرك 1/174 ح 329.عون المعبو 4/329.الفتح الرباني 5/2229.
([100]) جامع العلوم والحكم لابن رجب 2/783.
([102]) فتح الباري لابن حجر 5/302.
([103]) السنة لابن أبي عاصم 1/27 ح 49. وصححه الألباني في التعليق على السنة لابن أبي عاصم.
([104]) الأسماء والصفات للبيهقي 1/499 ح 427. وعقب البيهقي على هذه الرواية بقوله: وقد رويناه في كتاب المدخل وغيره من حديث ابن مسعود مرسلاً ومتصلاً.
([108]) شرح النووي علي مسلم 11/166.
([118]) صحيح البخاري 9/94 ح 7288،سنن الدار قطني 3/339 ح 2705.
([119]) المعجم الكبير للطبراني 22/221، سنن الدار قطني 5/325 ح 4396، قال الإمـام النووي في الأربعين النووية: حديث حسن رواه الدار قطني وغيره ص 34. جامع العلوم والحكم لابن رجب 2/817.
([120]) صحيح مسلم 1/420 ح60، سنن الترمذي 5/575 ح 3592.
([121]) مسند أحمد 17/124 ح 11070 سنن الترمذي 4/398 ح2063.
([122]) صحيح البخاري 9/115 ح 7375، صحيح مسلم 1/557 ح813.
([123]) صحيح البخاري3/2 ح 1775 صحيح مسلم 2/917 ح 1255.
([124]) مصنف ابن أبي شيبة 2/172 ح7775. وقد ذكره الحافظ ابن حجر وعزاه لابن أبي شيبة وقال الحافظ: إسناده صحيح فتح الباري 3/295.
([125]) فتح الباري 3: 295 وهو في مصنف عبد الرزاق 3: 78-79.
([126]) مناقب الشافعي للبيهقي ١: ٤٦٩.
([127]) المدخل الي السنن الكبري للبيهقي ص 206.
([128]) ذكره عنه ابن تيمية في درء تعارض ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻨﻘﻞ ١: ٢٤٨ وصحح سنده
([130]) المستدرك 1/184،السنن الكبري للبيهقي 5/400، صحيح الترغيب والترهيب 1/125.
([131]) مسند الدارمي1/121 ،المعجم الكبير 9/154.
([132]) شرح كتاب العلم لأبي خيثمة 3/37.
([134]) المدخل الي السنن الكبري ص 206.
([135]) مصنف عبد الرزاق: 3: 221، المعجم الكبير للطبراني: 9: 125.
([136]) المعجم الكبير للطبراني: 9: 125
([137]) مسند الدارمي 1/120، ومصنف عبد الرزاق: 3: 221 – 222.
([138]) صحيح البخاري 8/86 ح 6408.
([139]) صحيح مسلم 4/2071 ح 2691.
([140]) سنن ابي داود 2/615 ح 1499.، صحيح ابن حبان2/512 ح 1785.
([141]) الحاوي للقتاوي للسيوطي 1/472.
([142]) الفتاوي الفقهية 1/177.
([143]) فيض القدير للمناوي 1/457.
([147]) سنن ابي داود 2/615 ح 1499، سنن الترمذي 5/562 ح 3568.
([148]) سنن ابي داود1/403 خ 538.
([149]) سنن الترمذي 5/81 ح 2738. المستدرك 4/295 ح 7691.
([150]) مصنف ابن ابي شيبة 1/262 ح3008.
([151]) جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر 2/1176،الاعتصام للشاطبي1/145.
([152]) الاعتصام للشاطبي 1/230.
([153]) الاعتصام للشاطبي 1: 64-65.
([154]) صحيح البخاري 2/53 ح 1149.، صحيح مسلم 4/1910 ح 2458.
([155]) صحيح البخاري 1/154. المستدرك 1/267 ح 787.
([156]) صحيح البخاري 9/115 ح 7375.
([157]) صحيح البخاري 6/189. ح 5013.
([158]) صحيح البخاري 1/159ح 799.
([159]) صحيح البخاري 6/183 ح 4986.
([160]) صحيح البخاري 3/45 ح 2010. السنن الكبري للبيهقي 5/321 ح 4664.
([161]) صحيح البخاري 2/50 ح 1128، صحيح مسلم 1/497 ح 718.
([162]) معرفة السنن والاثار للبيهقي 5/211. الحاوي في الفتاوي 1/225.
([163]) صحيح البخاري 2/8 ح 912.سنن ابن ماجة 2/219 ح 1135.
([164]) مصنف ابن ابي شيبة 1/470 .
([165]) صحيح البخاري 3/2ح 1775. صحيح مسلم 2/917 ح 1255.
([166]) مصنف ابن أبي شيبة 2/172. ح 7775.
([167]) مصنف عبد الرزاق: 3 / 272، ومسند البزار: 2 / 129.
([168]) صحيح البخاري 2/24 ح 989.فتح الباري2/552.
([169]) السنن الكبري للبيهقي 6/152 ح 5501.
([170]) مسند أحمد 9/100 ح 5080، مصنف عبدالرازق 4/285 ح 7829.
([171]) صحيح مسلم 2/818 ح 1162.
([172]) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية للحافظ عمر بن علي البزارص 38.
([176]) المعيار المعرب 1: 357، 358، حلية الأولياء 9 / 113.
([178]) النهاية في غريب الحديث 1: 106.
([179]) جامع العلوم والحكم 1/183.
([181]) القبس شرح موطأ مالك ص 283.
([182]) تفسير القرطبي: 17: 264.
([185]) التحرير والتنوير27 /423.
([186]) البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع للشيخ عيسي الحميري
([189]) حاشية السندي علي سنن ابن ماجة1/90.
([193]) حاشية السندي علي سنن ابن ماجة 1/192.
([195]) فتح الباري: كتاب الصلاة 312: 8.
([198]) المنتقي شرح الموطأ 1/207.
([206]) مسند الدارمي 1/120، ومصنف عبد الرزاق: 3: 221 – 222.
([207]) صحيح البخاري 8/86 ح 6408.
([208]) صحيح مسلم 4/ 2071 ح 2691.
([209]) سنن ابي داود 2/615 ح 1499، سنن الترمذي 5/562 ح 3568.
([210]) الحاوي للفتاوي 1: 472.
([211]) الفتاوى الفقهية الكبرى 1: 177.
([212]) فيض القدير للمناوي 1/ 457
([214]) النقول الصحيحة في انقسام البدعة إلى حسنة وقبيحة للشيخ سيف العصري