مفاتيح علم التقديس المستنبطة من سورة الإخلاص {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}
تنبيه: لقد انتشرت في زماننا هذا بدع التجسيم ([1]) .والحشو([2]) .
وأصحاب هذه البدع لا يعلمون شيئا عن قواعد التقديس ولا أصول التنزيه، ولأنهم لا يرون في الكون المحيط بهم إلا أجساما تتصف بالحدود والمقادير والأجزاء والأبعاض والصور والأشكال وتتقيد بالكون في المكان، ويحكمها جريان الزمان، ولا تنفك عن التغير والحدوث والاتصال والانفصال، والحركة والسكون، تشربوا في افهامهم لوازم الجسمية، وظنوها مسلمات تتعلق بإثبات الوجود ، وأنّ من ينفيها فليس أمامه سوى العدم، ولذلك تراهم إذا قدّس علماء الأصول الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية، اتهموهم جهلا وعدوانا بأنهم يعبدون العدم، وشتان بين التقديس للإله الذي ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، وبين ما يتوهمون انه العدم، فإما أن نسايرهم ونداهنهم في نسبة الجسمية ولوازمها إلى الخالق سبحانه والعياذ بالله -وهيهات هيهات بعد ان منّ الله تعالى علينا بالعلم- وإما يتهموننا بالضلال وأننا نعبد العدم، وهؤلاء نقول لهم: الله موجود، وجوده ذاتي لا يقبل العدم، وهو الواجد لكل موجود، وهو الحي الذي لا يموت، له سبحانه كمال الحياة، المستلزم لكمال الصِّفات من العلم والقدرة والسَّمْع والبَصَر والكلام وغيرها من صفات الله، وله كمال الحياة المستلزم لجميع الأفعال من الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وهو {القيوم} المستغني عن كل ما سواه، والذي به قامت السماوات والأرض وجميع المخلوقات، كل موجود سواه فهو من خلقه محتاج إليه، والكل محفوف بعنايته ومحفوظ بحفظه، رب كل شيء وهو رب العرش العظيم، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، ملك الملوك وخالق كل مخلوق، ورازق كل موجود، فهل للعدم أن يخلق ويرزق، وهل العدم له الأسماء الحسنى والصفات العلا، العدم من اسمه عدم، وأنتم -للأسف- – بجهلكم ونعذركم بالجهل- تتوهمون الله تعالى جسما مجسما يقبل الكون في المكان ويقبل الصور والأشكال، ويجري عليه الزمان، واذا استوى على العرش يأخذ حيزا على العرش كما تأخذ الاجسام، أنتم -في هذه الحالة- أهل تكييف وتجسيم، ولستم اهل تسبيح وتقديس وتنزيه، ونحن لا نعبد إلا الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما.
(وجود الله تعالى وجود حقيقي)، لولا وجوده سبحانه ما وجد من العالم شيء، ولولا وجوده سبحانه ما تحرك ساكن ولا سكن متحرك، ولولا وجوده سبحانه ما بدأت حياة ولا انتهت أخرى، ولولا وجوده سبحانه ما انفلق عن الطين الضعيف شجر، ولا نبت في الشجر الجامد ثمر، ولا تعددت في البشر ألوانهم واختلفت ألسنتهم وتباينت آراؤهم وتنوعت أذواقهم وكلهم من جنس واحد وأفراد لنوع واحد، ولولا وجوده سبحانه ما كان من الطين نطفة ومن النطفة علقة ومن العلقة مضغة ومن المضغة عظاما ولحما ثم بشرا سميعا بصيرا عاقلا مريدا متكلما، وجعل منه الزوجين الذكر والانثى، وإن العقل ليقضي بأن أحق من يوصف بالوجود ويُنادى بالموجود هو من منح عباده الوجود، ووهبهم الحياة، وتكرم عليهم بالمنن، وليس ذلك إلا لله رب العالمين، الذي أفاض على الممكنات من جوده وفضله، فأخرج ما شاء منها من العدم الخالص إلى الوجود، ووهب الحياة فيها لما شاء، وخص كل جنس بصفات تخصه، وخص كل نوع بخصائص تميزه، ومنح كل فرد سماته الشخصية التي يتميز بها عن غيره، أفي الله شك؟ فاطر السموات والأرض، وخالق الجماد والنبات والطير والحيوان، وخالق الإنسان.
إن وجود الله تعالى حقيقي لا شك فيه، ولكنه وجود مطلق، يختلف عن وجود الكائنات في أمور أهمها: أن وجود الله تعالى وجود ذاتي ليس مستمدًا من شيء ولا أثرًا لشيء، بل هو وجود أزلي كامل مطلق لا مثل له ولا نظير، {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17]، وأن وجود الله سبحانه وتعالى وجود أزلي لا أول له ولا بداية، فلم يسبق وجوده عدم، ولم يخلُ لحظة عن الوجود، فهو سبحانه الإله الواحد المعبود بحق، واجب الوجود الذي لا يجوز عليه العدم أزلًا ولا يجوز عليه العدم أبدًا، (الوجود الحقيقي): هو وجود الله تعالى، لأنه الوجود الذاتي الذي لا يفتقر إلى شيء، وأما وجود الكائنات فلا يشترك مع وجود الله تعالى إلا في الاسم، وإنما تستمد الكائنات وجودها استمدادًا كاملًا من الله عز وجل واجب الوجود وموجد كل موجود.
نقول هذا ونؤكده قبل الشروع في بيان التقديس الواجب لله من سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن والتي هي صفة الرحمن، والتي سماها الصحابة سورة الإخلاص لأنّ من وعاها فقد أخلص العقيدة والتوحيد لله، وهذا التقديس المستفاد من سورة الإخلاص تقديس يفوق كل تصور وخيال ويسمو على علوم الإنسان، ورحم الله الإمام الطحاوي حيث يقول: (تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات) أهـ،تشتمل هذه السلسلة: (سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية التي يحتاجها طالب العلم الشرعي) بحمد الله تعالى على مفاتيح واحد وثلاثين علما من علوم الإسلام، الكتاب الأول: مفاتيح علم التقديس والتنزيه، الكتاب الثاني: مفاتيح علم الإيمان والكفر، الكتاب الثالث: مفاتيح علم التوحيد والشرك، الكتاب الرابع: مفاتيح علم الاتباع والابتداع (علم السنّة والبدعة)، الكتاب الخامس: مفاتيح علم الانتساب إلى اهل القبلة (أمة الإسلام)، الكتاب السادس: مفاتيح علم الانتساب إلى الجماعة الناجية (أهل السنّة والجماعة)، الكتاب السابع: مفاتيح علم السياسة الشرعية الإسلامية الرصينة، الكتاب الثامن: مفاتيح علم العقيدة الإسلامية المتخصصة، الكتاب التاسع: مفاتيح علم الفقه الإسلامي المنهجي المتخصص، الكتاب العاشر: مفاتيح علم التصوف الإسلامي الرشيد والتزكية الإسلامية السنية الصافية، الكتاب الحادي عشر: مفاتيح علم الفهم الواسع لدين الإسلام والمحيط بأهم جوانبه، الكتاب الثاني عشر: مفاتيح علم الأخلاق الإسلامية العظيمة، الكتاب الثالث عشر: مفاتيح علم الولاية وبيان عدة السالكين ومنازل السائرين، الكتاب الرابع عشر: مفاتيح علم الترشيد للدعوة السلفية المعاصرة، الكتاب الخامس عشر: مفاتيح علم الترشيد للدعوة الصوفية المعاصرة، الكتاب السادس عشر: مفاتيح علم الدعوة إلى الله، الكتاب السابع عشر: مفاتيح علم الحسبة على الدين، الكتاب الثامن عشر: مفاتيح علم الجهاد في سبيل الله، الكتاب التاسع عشر: مفاتيح علم التربية الإسلامية على الكتاب والسنّة، الكتاب العشرون: ترشيد العمل الإسلامي المعاصر، الكتاب الحادي والعشرون: مفاتيح علم فقه الواقع الإسلامي المعاصر، الكتاب الثاني والعشرون: مفاتيح علم السيرة النبوية العملية واستحقاق سنن النصر، الكتاب الثالث والعشرون: مفاتيح علم الرد على ضلالات الشيعة، الكتاب الرابع والعشرون: مفاتيح علم الرد على ضلالات النواصب والخوارج، الكتاب الخامس والعشرون: مفاتيح علم الرد على ضلالات المجسمة والحشوية، الكتاب السادس والعشرون: مفاتيح علم الرد على ضلالات المرجئة والمعتزلة والجهمية، الكتاب السابع والعشرون: مفاتيح علم الرد على ضلالات العلمانيين والمنافقين الجدد، الكتاب الثامن والعشرون: مفاتيح علم الرد على ضلالات اليهود، الكتاب التاسع والعشرون: مفاتيح علم الرد على ضلالات النصارى، الكتاب الثلاثون: مفاتيح علم الرد على شبهات الملاحدة والدهريين، الكتاب الحادي والثلاثون: مفاتيح علم علامات الساعة والملاحم آخر الزمان، والله من وراء القصد وهو يهدي السب([3]) .
ورحم الله الحافظ ابن عساكر حيث يقول: (موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف كان، كان ولا مكان، كَوّن الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان) اهـ ([4]) .
فهل كان الإمام الطحاوي الذي كتب الله تعالى لعقيدته القبول يعبد العدم، كما يتوهم أهل التمثيل والتشبيه والتجسيم، وهل كان الحافظ ابن عساكر الذي ملأ طباق الأرض علما على ضلالة، معاذ الله، وإنما كلامهم من ثمرات تدبر سورة الإخلاص، وكل ما أرجوه ممن لم يدرسوا علم التقديس أن يصبروا لدراسة هذا العلم الراسخ المتين مستعينين بالله وحده بلا استعجال، وكل شبهة يوردها الشيطان، فإنّ لها أحسن المخرج في هذا العلم الراسخ، علم التسبيح والتقديس والتنزيه، وهو علم الملائكة الكرام حيث قالوا كما حكى عنهم القرآن الكريم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة:30]، وقد كنا كذلك حتى فتح الله علينا بفهم سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن وتعدل كل أركان عقيدة أهل الإسلام، وهي سورة الإخلاص وليس فيها كلمة (الإخلاص) إلا لأنّ من فهمها واعتقدها فقد اخلص العقيدة لله، واستوعب ثلث علوم القرآن، فإلى مفاتيح سورة الإخلاص والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[المفتاح الأول]: سورة الإخلاص سورة محكمة تعدل ثلث القرآن لذلك يجب التوسع في فهم معانيها: سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ({قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن) ([5]) .
إذن (سورة الإخلاص): يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن، ومعنى ذلك أنها تحمل من علوم الدين لا سيما علم التوحيد، الكثير والكثير، وما دامت مُحكمة فوجب التوسع في فهم معانيها وتدبر ما ترمي إليه من معاني التوحيد، والتقديس لأن النهي القرآني إنما كان قاصرا على تتبع المتشابه، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران:7].
وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) ([6]) .
فسورة الإخلاص من المحكمات لا حرج من التوسع في فهمها وتفسيرها لأنها عند فهم معانيها إنما تتحدث عن تقديس الذات ونفي الادراك ونفي المثلية عن جناب الذات أما المتشابه الذي نُهينا عن تتبعه فإنما هو كل ما يتعلق بتكييف الذات وأهل الزيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، التي ترسم في أذهانهم المريضة شكل الذات والله منزه عن الأشكال كلها لأنها علامات الخلق، تدل على ان لها خالق خصصها بأشكالها وصورها، والله خالق لا مخلوق، مُصَوِرٌ لا مُصَوَر، قاهر لا مقهور، أما أهل التقديس فإنهم يرومون تنزيه الذات وتقديسها وتسبيحها بتتبع المحكمات، وتجنب المتشابهات.
[المفتاح الثاني]: سورة الإخلاص تتحدث عن ذات الله: فقد ورد في سبب نزولها: أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذات الله، وصفة الرحمن علمنا انّها تتخصص في فسم توحيد الذات، فقد أخرج البخاري ومسلم: من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه) ([7])،
وسبب نزول السورة كما جاء عند الترمذي ، وأحمد والحاكم ، من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: (أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأنزل الله: {قل هو الله أحد * الله الصمد}) ([8]) ، وأخرج البيهقي عن ابن عباس، (أن اليهود، جاءت النبي صلى الله عليه وسلم، منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، فقالوا: يا محمد، صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله عز وجل هذه السورة) ([9]).
فقولهم انسب لنا ربك وصف لنا ربك إن كان القصد منه الحديث عن الصفات لكان الجواب بأن الله حي قيوم سميع بصير عليم على كل شيء قدير، ولكن لما كانت الإجابة بقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} علمنا انهم يسألون عن جناب الذات تعالى وتقدس، فجاء التقديس والتنزيه بذكر الاحدية والصمدية ونفي الابوة والبنوة ونفي المثلية، فالأحدية لمن تدبرها -وسيأتي بيان ذلك- تقديس لجناب الذات عن الإدراك، غيب مطلق لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى ونفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها من قبول الأعضاء والاجزاء، فهذا كله منتفٍ عن ذات الله تعالى، والصمدية لمن عرفها -وسيأتي بيان ذلك- تقديس لله عن الحاجة.
وقوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: وصف الله تعالى بالقدم الازلي، وسلب أي معنى من معاني الحدوث عن جناب الذات، فلا يكون منه شيء سبحانه ولا يكون هو من شيء، {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}:تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق، ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علما.
[المفتاح الثالث]:سورة الإخلاص تشتمل على أربعة أصول عظيمة تقوم عليها عقيدة اهل الإسلام. (الأصل الأول): (الله أحد) وصف الله تعالى بالأحدية، و(الأحدية) نفي الكثرة في ذات الله، فالله (واحد): لا شريك له، (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، (الأحدية) تعني، أنه أحد في جناب ذاته، فلا ينقسم ولا يتبعض، فلا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، (الاحد) يكون بنفي الكثرة في الذات وينفي تبعض الذات، تقدست ذاته عن التأليف والتركيب، ليس له في ذاته شبيه ولا مثيل، {قل هو الله أحد}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، (الاحدية المطلقة) علم واسع لا حد له وبحر محيط من التعظيم والتقديس والتنزيه لا ساحل له سيأتي بيان بعضه إن شاء الله.
(الأصل الثاني): (الله الصمد) وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة، ومعناها الغنى المطلق والكمال المطلق، له كمال الحياة والقيومية، وله تمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، (صمد) يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج، ومن معاني الصمدية الثبات وعدم قبول التغير والحدوث، والله له القدم الازلي فلا يقبل التغير ولا الحدوث، و (الصمدية المطلقة) علم واسع لا حد له وبحر محيط من التعظيم والتقديس والتنزيه لا ساحل له سيأتي بيان بعضه إن شاء الله.
(الأصل الثالث) {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث فلا يكون منه شيء سبحانه ولا يكون هو من شيء، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ولا يصح أن يكون له ابن أو أب لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وصف لله تعالى بالقدم الذاتي الأزلي {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث.
(الأصل الرابع): {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}:تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق لأن له الكمال المطلق والغنى المطلق، ولها العجز والحاجة والفقر إليه، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس كمثله شيء، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن.
[المفتاح الرابع]: معنى اسم الله (الأحد): جاء في معاجم اللغة وفي تفاسير القرآن: (الأحَد): اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه: الواحد الذي لا نظير له ولا شبيه ولا عديل، (الاحد): الفرد الذي لا شبيه له ولا نظير، (الأحد) المُنفرِد بوحدانيَّته في ذاته، (الأحد) هو الذي لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام ولا نظير له ولا مثل،([10]) وكلها معان صحيحة، فالأحد تعالى هو الواحد الذي لا نظير له ولا شبيه ولا عديل، وهو الفرد الذي لا شبيه له ولا نظير، وهو المنفرد بالوحدانية في جناب ذاته وهو الذي تتصف ذاته بالاحدية فلا تقبل ذاته التجزء ولا التبعص ولا الانقسام، وهذا المعنى الاخير هو المقصود عند حديثنا عن علم التقديس والتنزيه.
[المفتاح الخامس]: أخص معاني الاحدية: نفي الكثرة والانقسام في ذات الله، فالله (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، و (الأحدية) تعني انتفاء الكثرة من جناب ذاته، فأحدية الذات معناها نفي الانقسام ونفي التجزؤ ونفي التركيب ونفي التبعيض، وهذا كله حق لا مرية فيه فإن الذي يقبل الانفسام لا تكون له الاحدية المطلقة من كل جهة، والذي يقبل التجزؤ والتبعض في ذاته لا تكون له الاحدية المطلقة ولا يصح ان يكون إلها لأن شرط الإلهية الغنى المطلق ومن كان مركبا من اجزاء وابعاض فإنه يكون محتاجا لها في وجود ذاته والله تعالى له الغنى المطلق مقدس عن الاحتياج وبالتالي مقدس عن التركيب، ومن كان محتاجا فلا يكون إلها أبدا، ومن كانت ذاته تقبل الانقسام او التركيب او التبعيض فلا يكون أحدا أبدا ولا يكون له الغنى الكامل، فوجب صحة هذه المعاني لاسم الله (الاحد).
(فائدة) أجمعت الامة عدا المجسمة الضالة على تقديس الله عن التبعض والتجزؤ، لدلالة اسم الله الاحد على منع قبول الأجزاء والأبعاض والجوارح، وكذلك فإن ذات الإله إذا قبلت الانقسام فهذا يعني تعدد الآلهة لأنّ كل قسم سيكون إلها، وهذا اكبر الشرك بالله، فالله تعالى له الأحدية التي تنفي الكثرة والانقسام على ذات الله.
[المفتاح السادس]:الفرق بين اسمي الله (الواحد) و (الأحد): الواحد توحيد خارج الذات فهو اواحد لا شريك له، و(الاحد) توحيد في جناب ذاته، فلا ينقسم ولا يتبعض، فلا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، (واحد): تقدست ذاته عن الشريك، و (أحد): تقدست ذاته عن التأليف والتركيب، ولذلك عندما رد القرآن الكريم على المشركين الذين يشركون مع الله غيره قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} [البقرة:163]، وقال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ} [النساء:171]، وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: 73]، وقال تعالى: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الانعام:19]، فعبر بلفظ (واحد) على أنه واحد لا شريك له، أما عندما أراد الله ان يصف ذاته قال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
والحاصل: (الواحدية) نفي الشريك عن الله، و(الأحدية) نفي الكثرة في ذات الله، فالله (واحد): لا شريك له، (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، (التوحيد الواحدي): يكون بنفي تعدد الإلهية، (لا إله إلا الله)، قال تعالى:{وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [ص: 65].
و(التوحيد الأحدي): ينفي التكثر في الذات وينفي تبعض الذات، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}، (واحد) لا يقبل الاثنينية، (أحد): لا يقبل الانقسام والجزئية، فهو (واحد): تقدست ذاته عن الشريك، وهو (أحد): تقدست ذاته عن التأليف والتركيب، (واحد) ليس له في الوجود شريك، (أحد) ليس له في ذاته شبيه ولا مثيل، والحاصل من اجتماع الاسمين (الواحد والاحد): التوحيد الكامل والتقديس المطلق، الواحد نفي الشريك عن الذات والاحد نفي الكثرة في جناب الذات، ليس كمثله شيء، ولا يحيطون به علما.
[المفتاح السابع]: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة. و(الأحدية المطلقة): توحيد في نفس جناب الذات وهي تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وبالتالي تعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى (أحد) له الأحدية المطلقة في جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها التي لا انفكاك للجسمية عنها من الصور والأشكال والأطوال والاوزان والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى أحد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء و كل ما ورد في الشرع مما يوحي بالصورة أو الجارحة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن.
{اللَّهُ أَحَدٌ} معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، هذا هو الأصل الأول الأحدية المطلقة لله.
[المفتاح الثامن]: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: الاحدية تضاد الكثرة وتضاد الانقسام، ولهذا كان من مسلمات عقيدة التقديس عند علماء الأصول ما قاله الحافظ ابن عساكر: (موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف كان، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان) اهـ ([11]) .
وذلك لأنّ الأحدية تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، فكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل من كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، والحاصل جناب الذات الإلهي له الاحدية المطلقة، موجود بلا كيف والعجز عن الادراك هو غاية ما نقدر عليه من الإدراك.
[المفتاح التاسع]: (الأحدية) لها معنى و (الاحدية المطلقة) لها معنى أوسع،
ومثال ذلك الله تعالى له قدرة والإنسان له قدرة ولكن قدرة الإنسان محدودة، وقدرة الله مطلقة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهكذا السمع والبصر سمع الإنسان محدود وبصره محدود فلا يسمع ولا يبصر إلا ما تقوى أجهزته السمعية والبصرية على استيعابه أما سمع الله تعالى فهو مطلق يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فالأصوات كلها منكشفة على سمع الله منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد لا يغيب عن سمعه مسموع هذا هو السمع المطلق والمقدس عن الزمان، كذلك له البصر المطلق الذي لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء، محيط بكل زمان، وكل الأشياء بكل الأزمان منكشفة على بصر الله وهو بكل شيء سميع بصير عليم شهيد.
فكل إنسان له معنى محدود من بعض معاني الأحدية، فلا تجد إنسانا يشبه آخر أبدا لا في بصمة يده ولا في بصمة عينه ولا في بصمة صوته، ولا في صورته، ولا في حمضه الوراثي، فليس انسان يشبه آخر أبدا، وهذا معنى يسير من معاني الأحدية، ولكن لا يصح أن نقول أن كل إنسان أحد، إلا في مقام النفي فقط، وذلك لأنه جسم يقبل الأجزاء والابعاض، وأخص معاني الاحدية امتناع الكثرة والانقسام، أما (الله) تعالى فله الأحدية المطلقة التي تمنع من إمكان تصوره أو تخيله فلا تدركه الأبصار ولا نحيط به علما.
(الأحدية المطلقة) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا أو الفكر فيها لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، والأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة في جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والاحجام لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء، وكل ما ورد في الشرع مما يوحي بالصورة أو الجارحة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، ومثال ذلك: الوجه واليد والعين في (اللغة) اجزاء من ذات وليست صفات، ولكنها إن تعلقت بالله فهي صفات، نفوض معناها الحقيقي إلى الله تعالى، لأنها خرجت عن معانها في اللغة الذي هو (الجزئية والبعضية) لان الله تعالى ليس كمثله شيء، له الأحدية المطلقة، التي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، إذن: الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات، وألفاظ (اليد والوجه والعين) متشابهات لأنها في اللغة أجزاء من ذات، والله تعالى له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الاجزاء والابعاض،و {اللَّهُ أَحَدٌ} معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام.
[المفتاح العاشر]: معنى اسم الله الصمد: جاء في معاجم اللغة وتفاسير القرآن: (الصمد): اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه: هو السيد الذي قد كَمُلَ في سُؤْدُدِه، وقيل الصمد: هو الدائم بعد فناء الخلق، وقيل هو الباقي الذي لا يزول، وقيل: هو الكامل الأوصاف من كل الوجوه، وقيل أنّ الصمد بمعنى مفعول أي مقصود، أي السيِّدُ المقصودُ، والمصمود في الحوائج، تصمد إليه المخلوقات في حاجاتها، أي تقصده في الحاجات والرغائب، وتستغيث به عند المصائب، فتسأله وترجوه، وقيل هو الكامل في صفاته، وهو العظيم في أفعاله، وهو السيد الذي انتهى سؤدده، المستغني عن كلِ أحد، والمحتاج إليه كلُّ أحد، وقيل انّ الصمد الذي لا جوف له، والذي لا يأكل ولا يشرب، ولا يشبه المخلوقين، فالمخلوق له جوف يأكل ويشرب، أما الله سبحانه فهو الصمد المنزّه عن مشابهة المخلوقين، وقيل (الصمد) الغنى الذي له الغنى المطلق، والكامل الذي له الكمال المطلق، وقيل (الصمد) هو المنزه عن الحاجة، وقيل (الصمد) هو المنزه عن التغير والتأثر كما يُقال جبل صمد أي لا يتغير يصمد أمام عوامل التغيير.([12]) .
وكل تلك المعاني صحيحة والله تعالى هو الصمد الذي له الكمال المطلق والغنى المطلق، وله تمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، ويحتاج إليه كل عباده، وهو الذي ليس كمثله شيء، وهو السيد الذي كمل في ذاته وصفاته وأفعاله.
وأخص معاني الصمدية هي الكمال المطلق من كل جهة، والكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا عن الكمال، والكمال المطلق لا يقبل النقصان، ولو قبل النقص لم يكن إلها له الربوبية الموجبة لاستحقاق العبودية، لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو.
[المفتاح الحادي عشر]: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة والكمال المطلق والغنى المطلق وسلب أي معنى من معاني النقص والحاجة والافتقار والتركيب عن جناب الذات: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: من أسماء الله الحسنى الدالة على الكمال المطلق: اسم الله (الصمد) أي السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، والْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، والْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته، ووصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة.
و(الصمدية المطلقة): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، و (الصمد) اسم من أسماء الله الحسنى، ورد مرة واحدة في القرآن العظيم، في سورة الإخلاص، و (الصمد) هو الغني المطلق والحميد المطلق وهو الذي لا يحتاج أحداً، وبذلك فليس هناك من (صمد) في هذا الوجود سوى الله عز وجل هو (الصمد)، و (الصمد) هو المقصود في الحوائج تقول (صمد للشيء) أي قصده، و (الله الصمد) أي هو المقصود في الحوائج، و (الصمد) هو المخالف للحوادث الذي لا يتغير ولا يقبل التغير، ففي المعاجم: (صمد فلان للضرب) أي ثبت و تحمل فلم يتأثر بالضرب، و (صمد الجيش للعدو) بمعنى ثبت لهجماتهم و لم يتأثر بها، والجبل (الصمد) لان الجبل لا يتأثر بالحوادث، و (الصمد) هو الذي لا تدرك العقول حقائق نعوته وصفاته، كما قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}، تعظيم الحق عن الإحاطة، وإجلاله عن الإدراك، إذ كل ما تصور عند الخلق عن الحق فالحق بخلافه، لأن المخلوق مسبوق، والمسبوق غير محيط بالسابق، و (الصمد) هو الإله الرب الذي له الكمال المطلق في كل شيء، هو الكامل في جناب ذاته وجميع صفاته وأفعاله.
و(الصمدية المطلقة): معناها كمال الحياة والقيومية، وتمام الغنى والحمد، له الحياة والقيومية على الدوام، وله الغنى التام والحمد على الدوام، منزه عن الحاجة، (صمد) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج.
[المفتاح الثاني عشر]: (الصمدية المطلقة والكمال المطلق لله): من خصائص اسم الله الصمد: انه دال على الكمال المطلق من جميع الوجوه، الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته، والكمال المطلق يمنع من وجود الند والشريك والمثيل والمعين.
الكمال المطلق: يوجب لجناب الذات القدم الأزلي الذي يمنع من الحدوث وقبول الحوادث، ويوجب له العلم المطلق فلا يغيب عنه معلوم، والسمع المطلق فلا يغيب عنه مسموع، وله البصر المطلق فلا يغيب عنه شيء، وله المشيئة المطلقة والإرادة النافذة، والقدرة التامة فلا يعجزه شيء، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
(الكمال المطلق): لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها أصلا، (الكمال المطلق لا يقبل الحوادث): لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق، لأنه قبل التغير من حال إلى حال، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، والكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، الحد معناه التناهي، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والكمال المطلق أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لجناب ذاته، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته، الكمال المطلق يضاد الحد والتناهي، لان كل ما يقبل الحد فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لكماله المطلق، منزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية.
[المفتاح الثالث عشر]: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: وصف الله تعالى بالقدم الأزلي (أول بلا ابتداء) وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، (معاني القدم الأزلي لله): القدم الأزلي هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء) ([13]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء قبله) ([14]) ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم، ومن الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([15]) ، وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم، وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته وأسماءه وصفاته، و (القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما.
(أخص صفات (القديم الذاتي): أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء.
(القدم الذاتي) يمنع من الحد والبداية والنهاية، لان ما له حد فهو محدث لقبوله الحد، وما له بداية فهو محدث لقبوله البداية، وما له نهاية فهو محدث لقبوله النهاية.
(القدم الذاتي) يمنع من الصور والأشكال لان ما له صورة فهو محدث لقبوله التركيب لان الصور لا تنشأ إلا من التركيب، قال تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك}.
(القدم الذاتي) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، (شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}،، ثم قال في حق الشمس: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا تصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به، ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين.
ومن هذا الدليل نعلم: أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث، (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة، (جناب الذات الإلهي) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث.
ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث – وهذا محال – لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، إنّ من يُجيز التغير والحدوث وقبول الحوادث على ذات الله تعالى فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130]، ومن الأدلة على بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث، أنّ الحوادث هي ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر، والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث، والله تعالى منزه عن التغير والأفول، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة، وبما أنّه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، فلهذا يستحيل علي القديم الأزلي أن يكون محلاًّ للحوادث.
إنّ كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين الخالق الأزلي القديم وبين المخلوق الحادث، سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
ومن جهلهم أيضا بما يستحقه جناب الذات من الكمال المطلق: أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله، على كلام البشر فيقولون _ هداهم الله _ إن صفة الكلام لله صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء، وهكذا حدوا صفة الكلام التي لا حد لها، ولازم قولهم أن القرآن محدث وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة.
ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة لا تتعلق بإرادة الله، بمعنى أنه لا يجوز القول: أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال، فكذلك الكلام صفة قديمة قائمة بذات الله، هم جعلوا الكلام مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء، ويرزق من يشاء متى شاء، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم محدثا مخلوقا، وعلى مذهبهم الباطل لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ).
و(الخلاصة): أنّ (القديم الذاتي) لا يقبل الحدوث ولا تحل بذاته الحوادث، و(شرط القديم) أن يكون منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، وقد اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وأخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث – وهذا محال – لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، وقدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات: له قدم العلم، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، يقيسون الله على خلقه سبحانك هذا بهتان عظيم.
(تنبيه) مقولة (قديم النوع حادث الآحاد) لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث؟، وهل آحاد الشيء تخالف جنسه ؟، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم يجهلون، وقد دخلت عليهم الشبهة من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام، ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما.
بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم سوي أنّ الله تعالى علم الحوادث وسمعها وأبصرها وأرادها قبل حدوثها فلم يتغير بعد حدوثها عند الله شيء، ولم يزدد بكونها وحدوثها شيئا.
فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
[المفتاح الرابع عشر]: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: أنه تعالى خالق كل موجود، أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، {لَمْ يَلِدْ}: لا يصح أن يكون له ابن، {وَلَمْ يُولَدْ}: ولا يصح أن يكون له أب، لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق.
والنصارى من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى، فزعموا له الولد سبحانه، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد، لأن الولد جزء من أبيه، فالوالد لا يخلق ولده، وإنما هو جزء منه، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل، لأنه لا يُعرف بالحس، فلا يكون منه الولد، ولو كان منه الولد – سبحانه – لكان الولد قديماً، مثل أبيه، وكيف يكون قديماً وهو حادث، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى – آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم – بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 81، 82]، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس، قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88 إلى 95]، ومن فقه الآية {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للحوادث، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ}:، كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى: {وَلَمْ يُولَدْ}، وسياتي تفصيل ذلك عند شرح قوله تعالى: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الانعام: 76]، أي أن المتغير عن حاله الآفل الذي يقبل الحدوث والتغير من حال إلى حال، لا يصلح أن يكون رباً خالقاً، وإلهاً معبوداً، وسيأتي مزيد بيان لذلك في الباب الثالث قواعد التوحيد والتقديس المتعلقة بجناب الذات الإلهي، القاعدة الرابعة من قواعد التوحيد والتقديس، تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث، وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق، والله المستعان.
[المفتاح الخامس عشر]: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال تقدس أن يكون له مثيل او شبيه، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود موجود بلا كيف وبلا مكان ولا يجرى عليه زمان وهو الموجود في الأزل قبل المكان والزمان وهو القاهر للمكان والزمان وهو الخالق لقوانين المكان والزمان والمكان محدود والله منزه عن الحدود فلا يحل المنزه عن الحدود في المحدود تقدس الخالق أن يحل في شيء من خلقه وتقدس القديم الباقي أن يحل في المحدث الفاني سبحانه رب العالمين ومن عداه عبد مربوب سبحانه إله غني قادر قاهر ومن عداه عبد ضعيف فقير مقهور، هو الخالق البارئ المصور ومن عداه مخلوق مصور هو المصور خالق الصور والأشكال تقدس البارئ المصورُ أن يكون مُصَورا والصور لا تنشأ إلا بالتركيب فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ، تقدس المصورُ ان يكون مصورا وتقدس المركبُ أن يكون مركبا وتقدس القاهر لخلقه بالصور والأشكال أن يكون مقهورا بها يستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، أحد صمد يستحيل عليه الجسمية ولوازمها من الحد والمقدار ومن الصور والأشكال والأجزاء والأعضاء، أحد صمد يستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات بل هو القريب من كل خلقه ليس شيء منها عنه ببعيد أحد صمد لم يلد ولم يولد يستحيل عليه التغير والحدوث لأنها صفات المخلوق المحدث، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم عن جناب ذاته فهو باطل ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ولا إله إلا هو.
ومما يؤيد بالقرآن الكريم نفي المثلية عن الله: قوله سبحانه: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وهذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وهذه الآية الكريمة {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى يقول: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هو السميع البصير، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية بما لا يدع مجالا للشك بأن المقصود من قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية.
وهذه الآية أقوى سوط على ظهور الحشوية، لأنها تقضي على كل أوهام الحشو، أهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، وإلا زعموا اننا نعبد عدما، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}.
والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم ما هي إلا تتبع للمتشابهات التي يظنون أنها ترسم شكل الذات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب القدم باب الأصابع باب الأنامل باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، الحركة والسكون، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته أما الصفات فقد من على بعض خلقه بصفات وصف بها نفسه كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ولكن شتان بين الصفات القديمة المطلقة والصفات المخلوقة المحدودة المحدثة، قال العلماء: قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ.
إنّ نفي المثليه في قوله تعالى {ليس كمثله شيء} يتعلق بجناب الذات، ولذلك قال العلماء المتخصصون في العقيدة – ولا ينبئك مثل خبير -: أنّ من صفات الكمال الواجبة لله تعالى: (صفة المخالفة للحوادث): فليس جناب ذاته من جنس أي شيء نراه في الكون، تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان، ومن التقيد بالحدود والمقادير ومن التقيد بالصور والأشكال، تقدس عن كل ماهيات الوجود، فلا هو مادة محدودة لها صفات الأجسام، ولا هو طاقة لا إرادة لها ولا مشيئة، ولا هو من جنس الأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان، تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.
[المفتاح السادس عشر]: كل آيات سورة الإخلاص تفيد التقديس عن المثلية، فقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، (الاحدية) تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، {اللَّهُ أَحَدٌ} معناه أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام.
ومما يؤكد نفي المثلية، قوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، ولا يكون إلها، (الصمدية المطلقة): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، مما يؤكد نفي المثلية، قوله تعالى: {لم يلد ولم يولد}: {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث.
وخاتمة السورة {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: نص إلهي في تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات، ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه.
وهذا ما جعل الإمام أحمد يقول في عقيدته التي ذكرها أبو الفضل التميمي (لا يجوز أن يسمى جسما، وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل ” ([16])
وقال عبدالباقي بن عبدالقادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: (فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال) أهـ ([17])
والمستفاد أن الله تعالى تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا، والحمد لله أنه لا خلاف بين المسلمين – عدا المشبهة – بأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، إذ {ليس كمثله شيء} و {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}،
[المفتاح السابع عشر]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى عن الإدراك: لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، ولا يحيطون به علما، وهو ما يسميه علماء الأصول: العجز عن الإدراك، و(الأحدية المطلقة): تنفي الإدراك عن جناب الذات، الاحدية تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، والاحدية محكمة لأنها جاءت في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، و(الأحدية) تمنع من الأجزاء والابعاض فلا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس.
وهنا يقول أهل الحشو عندما يسمعون هذا التقديس: قف: أنت تعبد العدم، لا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق ولا تحت ولا أمام ولا وراء، عدم، انتم تعبدون العدم، نقول لهم: (الكل والبعض واليمين واليسار والفوق والتحت والأمام والوراء صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء، وليست صفات الأحد المقدس عن الجزئية، أنتم تقيسون الله على الأجسام المنقسمة المحدودة المصورة، التي تقبل الصور والأشكال والكون في المكان، فإما الحشو والتكييف وإما أن تتهموننا بأننا نعبد العدم، هل العدم يخلق ويرزق، هل العدم له الكمال المطلق، هل العدم له القدم الازلي، هل العدم له الأسماء الحسنى والصفات العلا، العدم عدم، وأنتم بالجهل تعبدون جسما مجسما يقبل الكون في المكان ويقبل الصور والأشكال، واذا استوى على العرش يأخذ حيزا على العرش كما تأخذ الاجسام، أنتم اهل تكييف وتجسيم، ونحن لسنا ملاحدة نعبد العدم وانتم تعرفون ذلك، بل نعبد الله على التقديس والتنزيه، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، ومنه قول الطحاوي: (تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات)أهـ ([18]) . وقول الحافظ ابن عساكر: (موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف كان، كان ولا مكان، كَوّن الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان) اهـ ([19]) فالأحدية تمنع من الإدراك.
[المفتاح الثامن عشر]: الصمدية كذلك تمنع من الإدراك: فهم معاني الصمدية المطلقة فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس عن الإدراك: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، الصمدية المطلقة تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب، ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، والله تعالى هو المصور، جل المصور أن يكون مضورا، من خصائص الصمدية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الكمال المطلق لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، الكمال المطلق دائم لا يزول، لا يفنى ولا يبيد.
[المفتاح التاسع عشر]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس عن الحد: (الحد): ينافي الأحدية لأن الحد يعني النهاية في جهة من الجهات وهذا يوجب الكثرة والانقسام والأحد منزه عن الكثرة والانقسام فلزم التنزيه عن الحد كما أنّ التناهي في جناب ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف الله تعالى به، والشيء المحدود يمكن تصور ما هو أكبر منه والله تعالى أكبر من كل تصور وأكبر من كل حد وأكبر من كل نهاية وهو الكبير المتعال على الحدود والنهايات.
و(الحد) ينافي الصمدية: لأنّ الصمدية تقديس عن التركيب، والشيء المركب لابد وان يكون محدودا، والصمدية تعني الكمال المطلق، والكمال المطلق أن لا يكون هناك حد ونهاية ينتهي إليها جناب ذاته وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، كيف وهو الكبير المتعال على الحدود والنهايات كيف وهو الواحد القهار القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته وكتب النهايات على كل محدود ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، والقاعدة تقول كل ما يقبل الحد فهو محدود والمحدود متناهي الذات وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فبالتالي فلا حد لجناب ذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية، {لم يلد ولم يولد} تقديس عن الحدوث، وكل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص وتعالى الخالق عن أن يكون لذاته مخصص لأنه الخالق المقدر لجميع المخلوقات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار، وذلك محال لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء، {ولم يكن له كفوا أحد}: تقديس عن الحد، لأنه لا مخلوق إلا وله حد، ونفي المثلية يستوجب التقديس عن الحد لأنه ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد.
(تنبيه): ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق.
(وبالتالي) ليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار: أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وإنما المقصود أن جناب الذات منزه عن الحد المحسوس لأنه نقص ولأن كل محدود محدث مخلوق لا يتصف بالقدم ولا بالكمال، وعن المقدار لأن كل مقدر مخلوق، قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل جناب ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود، فالله تعالى أكبر من كل تصور، وأعظم من أن نحيط به علما، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، فالذات لا يُدرك، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التشبيه والتمثيل، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح، فالله تعالى {ليس كمثله شيء} وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود.
[المفتاح العشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى عن الكيف، والله تعالى خالق الكيفيات تقدس عن مشابهتها.
و(الكيفيات) لمن لا يعرف معناه: هي كل ما تقبله الاجسام من الصور والأشكال والأحجام والاوزان والألوان وكل ما تقبله الأجسام من الهيئات كالجلوس والاستقرار، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع، والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته، والندم والتردد على معنى التغير في ذاته، والله تعالى أزلي قديم الذات والصفات منزه عن التغير والحدوث ومنزه عن تلك جميع الكيفيات ومنزه عن أي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، و(الأحدية المطلقة): تقديس لله عن الجسمية وجميع لوازمها من الكيفيات الحسية، و(الصمدية المطلقة): تقديس لله عن الجسمية وجميع لوازمها من الكيفيات الحسية، و(القدم الأزلي): المتمثل في قوله تعالى {لم يلد ولم يولد}: تقديس لله عن الجسمية وجميع لوازمها من الكيفيات الحسية، لأنّ الأجسام محدثة بسبب التركيب الذي هو اخص صفاتها، ونفي المثلية المتمثل في قوله تعالى: {ولم يكن له كفوا احد}: تقديس لله عن الجسمية وجميع لوازمها من الكيفيات الحسية لأنّ جميع المخلوقات اجسام والله ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد.
إنّ الصور والاشكال والاوصاف والأحجام والمقادير والأوزان والألوان والاصوات والملموسات كالخشونة والنعومة والطعوم والروائح والحرارة والبرودة واللذة والالم، بل وعامة المشاعر والاحاسيس وكل ما يفيد التغير والحدوث كالحركة والسكون والجلوس والقيام والذهاب والمجيء فكلها من خواص الاجسام والله تعالى منزّه عن الجسمانية ولوازمها واعراضها وكيفياتها، فالأعراض والكيفيات المحسوسة حادثة، والله تعالى أزلي قديم مقدس عن التغير والحدوث وقبول الحوادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للكيفيات الحسية لأنها آنذاك من المحدثات، والاعراض والكيفيات المحسوسة تستلزم الانفعال، والانفعال تغير وحدوث وضعف، والله تعالى صمد لا يقبل التغير والحدوث، وهو منزّه من الانفعال، والكيفيات المحسوسة إنما هي من خصائص الأجسام والله تعالى منزّه عن الجسمانية ولوازمها المحدثة.
(تنبيه): كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا ننفي ما جاء عن الله في الكتاب والسنّة ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول.
وإنّ الأساس في هذا التقديس هو حجة إمام المتكلمين إبراهيم عليه السلام على قومه، قال في حق الكوكب: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}،، ثم قال في حق الشمس: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، فإن الذي يقبل الحوادث حادث، والله تعالى أول بلا ابتداء، أزلي قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته يستحيل عليه الفناء، تنزه عن قبول الحوادث، لانّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات.
وكل ما يقوله أهل البدعة والضلالة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، إنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
[المفتاح الحادي والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن المكان: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان وذلك لان المكان محدود والله منزه عن الحدود والمكان محدث مخلوق والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته سبحانه خلق المكان وقهر جميع خلقه بالكون في المكان أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان، والكون في المكان ينافي الأحدية لأن الكائن في مكان يمينه غير شماله وأعلاه غير أسفله وهذا يوجب الكثرة والانقسام و(الأحد): منزه عن الكثرة والانقسام فلزم التنزيه عن المكان، والمكان محدود أعلاه الظاهر وأدناه الباطن والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، الله تعالى موجود بلا كيف والله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان، ليس كمثله شيء له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان، ومن كان مقدسا عن المكان فهو بالضرورة مقدس عن الزمان لأنّ الزمان مرتبط بالمكان، فلولا حركة الأَجرام في المكان لما عرفنا الزمان.
(تنبيه): قد يتمسك الحشوية والمجسمة بالمتشابهات، في اثبات المكان لله، وفي اثبات الفوقية الحسية لجناب الذات الإلهي من مثل فهمهم السقيم لقوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، وفي الآية مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم، والدليل على ذلك قوله تعالى -على لسان فرعون اللعين- : {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وهو مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] , المراد من العندية هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى المكانة والصفات لا الحيز والمكان، , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، وقد اجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان، لو أريد معنى على السماء، لكان اللفظ أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله: {من في السماء} لو اريد علو المكان.
ولذا قال القاضي عياض: (لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله (ءأمنتم من في السماء) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم)أهـ ([20]) .
وقد يتمسك الحشوية والمجسمة وتعلو أصواتهم بحديث (أين الله) في صحيح مسلم، لإثبات المكان لله، وحديث الجارية له روايات عديدة مضطربة، فيها من الاختلاف الكثير، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة صحيحة، الأولى بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) والثانية بلفظ (من ربك) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ (أين الله) لإثبات الإيمان، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم: الامام الحافظ البيهقي والحافظ ابن حجر العسقلاني: قال ” وفي اللفظ مخالفة كثيرة ” اه ([21])
وخلاصة الأمر: أن الحديث جاء صحيحا بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين، وجاء بلفظ (من ربك) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان، أخرجه أبو داود والنسائي والإمام أحمد وابن حبان والدارمي ، والرواية الثالثة بلفظ (أين الله)، أخرجها الإمام مسلم،([22]) .
والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها، إذن قد يكون اللفظ (أين الله) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنّ لفظ (أين الله) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان، كما أنّ لفظ (أين الله والجواب بأنه في السماء) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله، وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره، كما أنّ لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام، فإذا صحت رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم.
(تنبيه) إن صح حديث الجارية بلفظ (أين الله) فإنّه يتوجب تفويض العلم به إلى الله، لاستحالة نسبة المكان إلى جناب الذات، أو حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة، فحديث الجارية بلفظ (أين الله) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم، وقد يتعلق أهل الحشو والتجسيم بالمتشابهات، ومن ذلك الاستواء وفهمهم السقيم المبتدع أنه استواء الذات على العرش، من أجل اثبات المكان لله، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على القرب، كقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}، فلم لا تحمل على قرب الذات، قالوا: القرب قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على الاحاطة، كقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} فلم لا تحمل على إحاطة الذات، قالوا: الاحاطة: إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة، قلنا: فما الاشكال أن نحمل الاستواء على استواء الصفات من صفات التدبير والتسخير والملك والقهر والهيمنة والربوبية للعالم، إذن الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها أهل الحشو والتجسيم على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم}، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن.
قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير.
وقد يتمسك الحشوية والمجسمة وتعلو أصواتهم بحديث (النزول) في صحيح البخاري]، لإثبات المكان والحركة والسكون والنزول والصعود الحسي لله، وللرد عليهم نقول: للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها: منها قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر]، ولم نر جملا نازلا من السماء، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [سورة الحديد]، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء، وللنزول الحقيقي الذي يتبناه أهل الحشو لوازم فاسدة: من تلك اللوازم: (اللازم الأول) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول، (اللازم الثاني) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال، (اللازم الثالث) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، (اللازم الرابع) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة.
حل إشكالية حديث النزول:
أخرج النسائي حديث النزول بلفظ: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى) ([23]) وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله، وإما أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر، وقد قال الشافعي حدثت أهل مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت حتى يفهموا كلامي، وليس معنى ذلك أنه نزل من مكان عال إلى مكان أسفل ولكنها البلاغة.
[المفتاح الثاني والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس عن أي مثيل أو كفء أو شبيه: لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً وكلا الحالين على الله محال كما أن ذات المخلوق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت وهي إلى الفناء سائرة قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ولا المخلوق للخالق الباري، قال تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، أي لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر بالبال فهو باطل سبحان الله عما يصفون.
[المفتاح الثالث والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية: (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره قال تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها والجسم يمينه غير يساره وأعلاه غير أسفله والجسمية تعارض الأحدية المطلقة التي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأن ذلك كله من صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام كما أنّ الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ويستحيل وصف جناب الذات بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص التي تنزه الله عنها.
[المفتاح الرابع والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الصور والأشكال: لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة والصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى لأنه احد صمد وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص والمخصص هو الله تعالى المصور وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه خالق الصور والصورة تقتضي الكيفية وهي عن جناب الذات منفية لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط التي تدل على الخلق والحدوث.
(تنبيه): وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث الصورة: (خلق الله آدم على صورته) وذلك من اجل اثبات الصورة لله، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث:
(المفتاح الأول): قوله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا) ([24]) .
معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم.
(المفتاح الثاني): قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) ([25]) .
معناه عدم اهانة الوجه، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام، وهذا قول الحافظين: ابن حجر وابن خزيمة([26])
(المفتاح الثالث): إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71، 72]، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف.
(المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة): وهو حمل المتشابه على المحكم، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ} [آل عمران: 7، 8]، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وطريقة أهل السنة في المتشابه: رد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم، وحمل الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، تنزه عن الصور والأشكال،، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق، وأما حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله: (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) ([27]) .الحديث.. إلى قوله: (فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث، فهم لا يعرفون صورة مسبقة، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال: فيكشف عن ساق أي ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له.
[المفتاح الخامس والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجوارح والأعضاء: وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل أن كل جسم فهو مركب وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا.
(تنبيه): قد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم لاثبات الأجزاء والابعاض والجوارح لله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وللرد على جهل هؤلاء، أقول: أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال.
[مجاز الوجه في القرآن]: المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها: قوله تعالى {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم، ومنه قوله تعالى (وكان عند الله وجيها) أي ذا منزلة عند الله، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين، وكذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا}[المائدة: 108]، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه، وكذلك قوله تعالى: {اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} [يوسف: 9]، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام، وكيف يخلو هذا الوجه ؟ ومن أي شيءٍ يخلو ؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم، وقوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج: 11]، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة)خسر الدنيا والآخرة، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة، وكذلك قوله تعالى {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[البقرة: 112]، فهل المقصود إسلام الوجه، أم الذات كله، لا شك أن المقصود الذات، لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله، (قلت): وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة.
[مجاز اليد في القرآن]: والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها، وقوله تعالى (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}، هل للرحمة يدين ؟، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه، وقوله تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، هل للعذاب يدين ؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب، وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}، هل للنجوى يدين ؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل، وقوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، (قلت): توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد (بما كسبتم وكسبت أنفسكم)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم، ومثاله (وما ملكت أيمانكم) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين، وقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر، فهذا لا يقوله عاقل، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى، وقوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين، وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق، وهكذا هاهنا، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، ومعنى الآيات: أن اليهود لعنهم الله عز وجل قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى {بل يداه مبسوطتان} ؟ قلت: ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله، وقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبعض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزئ يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد)، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، فإن قالوا: القدرة لا تثن، وقد قال {بيدي} قلنا بلي قال العربي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد} وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة} وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه، فإن أصروا وجادلوا قلنا: قال الله تعالي في محكم التنزيل {إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى {ثم قال له كن فيكون}، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته، وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية {لما خلقت بيدي} أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه، على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها، وهذا الوجه مقبول ضمناً، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم، قال تعالى {لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه {وما يعلم تأويله إلا الله} {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل.
[وأما مجاز العين في القرآن]: فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
وأما [مجاز الساق في القرآن]: (الساق): في مجاز اللغة يحمل على الشدة و الكرب: تقول العرب: قامت الحرب على قدم وساق إذا اشتد كربها وحمي وطيسها، والآية التي ذكرت فيها الساق قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، والحديث الذي ذُكر فيه الساق مضافا إلى الحق تعالى: أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري الحديث نفسه، وفيه: (فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه، فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا)([28]) .
والملاحظ أنّ الآية: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} بصيغة المبني للمجهول، وحديث البخاري: (فيكشف عن ساقه) بصيغة المعلوم، وقد نص الحافظ ابن حجر في الفتح نقلا عن الحافظ الاسماعيلي وأقره: (وأما لفظة ” ساقه ” بإثبات الهاء فهي لفظة غير محفوظة) ثم قال الحافظ ابن حجر: (وهو من رواية سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم فأخرجها الإسماعيلي كذلك ثم قال في قوله ” عن ساقه ” نكرة . ثم أخرجه من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ: (يكشف عن ساق)، قال الإسماعيلي: هذه أصح لموافقتها لفظ القرآن في الجملة، لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك ليس كمثله شيء) أهـ ([29])
وقد تأول الصحابة والتابعين لكلمة (الساق): أخرج شيخ المفسرين الطبري في تفسيره بسنده: ” 1- عن ابن عباس: يوم يكشف عن ساق قال هو يوم حرب وشدة
2- عن ابن عباس يوم يكشف عن ساق قال عن أمر عظيم كقول الشاعر وقامت الحرب بنا على ساق 3 – وكان ابن عباس يقول يكشف عن أمر عظيم ألا تسمع العرب تقول وقامت الحرب بنا على ساق، 4- عن ابن عباس قوله يوم يكشف عن ساق يقول حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه.
5- عن ابن عباس قوله يوم يكشف عن ساق هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة.
6-عن مجاهد قوله يوم يكشف عن ساق قال شدة الأمر وجده.
7 – عن مجاهد قوله يوم يكشف عن ساق قال شدة الأمر.
8 عن سعيد بن جبير قال عن شدة الأمر.
9- عن قتادة في قوله يوم يكشف عن ساق قال عن أمر فظيع جليل.
10 – عن عكرمة في قوله يوم يكشف عن ساق قال هو يوم كرب وشدة ” أهـ “ ([30]) .
(قلت): وليس الطبري وحسب ولكن سواد المفسرين الأعظم على ذلك التأويل.
[المفتاح السادس والعشرون]:
سورة الإخلاص تتحدث عن توحيد جناب الذات الإلهي تبارك وتعالى، الذات الإلهي له الاحدية المطلقة والاحدية المطلقة تنفي التكثر في الذات وتنفي قبول الانقسام وتنفي قبول الأجزاء والابعاض، لذلك نفت (الاحدية المطلقة) عن جناب الذات الإدراك فيستحيل إدراك الذات التي تتصف بالأحدية، و (الأحدية) لمن يفهمها تؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، ولله در الطحاوي حين قال في عقيدته التي لاقت القبول من كل المسلمين: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام) ([31]) .
فكل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما، قال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء، ولا يحيطون به علما، و (الخلق) عاجزون عن إدراك وجود الروح التي لا تفارق أجسادهم، إلا بآثار تلك الروح، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، فأنى لهم ان يدركوا شيئا من ذات الحق، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، والحاصل جناب الذات الإلهي له الاحدية المطلقة، موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك هو غاية ما نقدر عليه من الإدراك.
[المفتاح السابع والعشرون]: تقسيم أي علم، ومنه علم التوحيد إلى أقسام، لا مشاحة منه، لانّ الهدف من التقسيم هو استيفاء كافة الجوانب بغير قصور، وعلى ذلك، لا يوجد حرج من التقسيم ولكن الحرج يكون في إهمال قسم بالكامل، أو الإفراط في قسم على حساب الأقسام الأخرى، أو التفريط في قسم منها، بما يعد خللاً في تناول علم التوحيد وهذا الخطأ هو ما وقعت فيه بعض طوائف أهل الإسلام.
ومباحث التوحيد يمكن ان تؤول إلى سبعة اقسام عظيمة تتناول جميع مباحث التوحيد (توحيد الإلهية) وتتمثل هذه الاقسام في:
القسم الأول: توحيد الله تعالى في جناب ذاته، والقسم الثاني: توحيد الله تعالى في أسمائه، والقسم الثالث: توحيد الله تعالى في صفاته، والقسم الرابع: توحيد الله تعالى في أفعاله، والقسم الخامس: توحيد الله تعالى في الربوبية، والقسم السادس: توحيد العبودية أو ما يسميه البعض توحيد الألوهية، والقسم السابع: البراءة من الشرك في أقسام التوحيد.
وهناك تداخل لا يمكن فصله بين تلك الأقسام، وهذا التداخل لا يمنع من التقسيم لأن الغرض منه استيفاء مباحث العلم، بشرط عدم اهمال قسم بكامله كما فعلت الحشوية عندما ألغت قسم توحيد الذات بكامله من تقسيمات علم التوحيد فوقعوا في بدع التجسيم والتكييف وإن لم يشعروا بذلك، و(سورة الإخلاص) تعدل ثلث القرآن وتعدل ثلث العلم، وتشمل علم العقيدة وتتخصص في أهم أقسام العقيدة (قسم توحيد الذات)، وتوحيد الذات: هو علم التقديس والتنزيه: وهو أعظم أقسام التوحيد، والمقصود من (توحيد الذات) هو اعتقاد الكمال المطلق لله تعالى في ذاته، والتنزيه لجناب ذاته عن كل مثيل او ند او كفؤ او شبيه، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد وتقديس ذات المعبود سبحانه، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد الذات، وقد حجب الله تعالى عن الخلق كنه ذاته أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وليس كمثله شيء، ولذلك فإن (توحيد الذات) لا معنى له إلا تقديس الذات عن كل مثيل أو ند او شريك والاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن معرفة الذات والتوقف عن التفكير في تكييف ذات الله تعالى، وفهم سورة الإخلاص وما اشتملت عليه من معاني الأحدية والصمدية والقدم الذاتي ونفي المثلية معناه – بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها – هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص لله تعالى.
[المفتاح الثامن والعشرون]: خطورة الذهول عن فهم معاني سورة الإخلاص: سورة الإخلاص تتناول توحيد الذات وتوحيد الذات هو أساس التوحيد، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه، ومن هنا كان توحيد الذات هو أهم وأشرف أقسام التوحيد، كما أنّه أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد، وإنّ أخطر الجهل هو الذهول عن فهم معاني سورة الإخلاص: لأنها تتناول اهم اقسام التوحيد وهو (توحيد الذات)، والذهول عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد، سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد وإلى خلل في الإحاطة بجوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين الموحدين المسبحين، والذهول عن هذا القسم (قسم توحيد الذات) يؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى.
ولذلك فإن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات الإلهي، أو أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة، وهو لا يعرف قواعد هذا العلم الراسخ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين، وحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة، والفقه في التوحيد والتقديس، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به.
[المفتاح التاسع والعشرون]: سورة الإخلاص هي وصف الذات وهي صفة الرحمن وهي تعني عجز الخلائق عن إدراك الذات، لأنّ الاحدية نفي المثلية مع نفي الانقسام وكل الخلائق منقسمة يمينها غير شمالها لأنّ لها أجزاء اختصت باليمين وأجزاء أخرى اختصت بالشمال وأجزاء اختصت بالفوق وأخرى بالتحت وأجزاء بالأمام وأخرى بالخلق، و(الاحدية المطلقة) تمنع من ذلك، و(الاحدية) تمنع من الادراك وتوجب الإقرار بالعجز عن كنه الوجود الإلهي، لأنه غيب الغيوب، {ليس كمثله شيء} لا يشبه المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث الحقائق، فوجود الله تعالى وجود ذاتي كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء، فهو الأول بلا ابتداء، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء، وليس بعده شيء، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، الرحمن على العرش استوى، وهو قريب من كل شيء، ومحيط بكل شيء، وقاهر لكل شيء، وهو الكبير المتعال، وهو العلي العظيم، وهو الواحد القهار، وهو الأحد الصمد، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، ولما كان جناب الذات الإلهي بالحال التي ذكرنا، فإن العقل البشري يستحيل عليه إدراك كنه جناب الذات، لأنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها، والله تعالى منزّه عن الحدّود، إذ هو الذي حدّ الحدود، وقدّر المقادير، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى، كما أنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ عن طريق مقايستها مع سائر الأشياء، والله تعالى لا يقاس بأحد، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى، كما أنّ إمكانات العقل محدودة والله تعالى فوق الحد، لا نهاية لكمالاته، و (الحواس) مختصة بمعرفة ما هو في دائرة عالم المادة فقط، عاجزة عن معرفة ما عداها، ولهذا فهي لا تدرك حتى الروح التي لا تفارق جسد الإنسان، فكيف يسعى إلى معرفة كنه الرحمن.
[المفتاح الثلاثون]: ذات الله تعالى (أحدية) لا يسري عليه أي قانون من تلك القوانين التي تقهر عباده لأنه القاهر فوق عباده فلا يحتاج في وجوده إلى مكان ولا يجري عليه في وجوده زمان لأنهما من مخلوقاته كما انه لا تسري عليه قوانين المادة والأجسام: لأنّ المواد والاجسام مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وتغير وحدوث وظهور وأفول وحركة وسكون وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه، وأنّ الذي خلق المواد والأجسام هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا يحده حد ولا يقدره مقدار، ولا يقهره مكان فيحيط به، ولا يقهره زمان فيجري عليه، ولا يعتريه أفول، ولا تغير وحدوث، ولا يخضع لقوانين الحركة والسكون، ولا تسري عليه مفاهيم الألوان والأشكال، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والإكرام.
[المفتاح الحادي والثلاثون]: دراسة (سورة الإخلاص) هو الأصل لعلم توحيد الذات (علم التقديس): هذا العلم الذي يؤول بدارسه إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103].
وإذا كان لكل علم دقائقه التي تميز علماءه في مجال التخصص عن سائر العلماء، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث، فكذلك فإن علم توحيد الذات يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس، لغلبة الحس عليهم، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجودها لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه، ولهذا دائما ما يوسوس لهم الشيطان بقوله: (هذا خلق الله، فمن خلق الله)، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج في وجوده إلى مكان، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان، ولا يتصورون ذاتا كل الأماكن عندها سواء قريبة من كل شيء أقرب لكل شيء من ذاته لأنها منزهة عن المكان، فالله تعالى هو خالق المكان، والمكان يحيط بمن فيه، والله تعالى بكل شيء محيط، والمكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان، والعامة كذلك لا يتصورون ذاتا منزهة عن الزمان فلا يجري عليها زمان، ولا تتقيد في صفاتها وأفعالها لا بزمان ماض ولا حاضر ولا مستقبل، إذ كل الأزمنة عندها سواء كما أنّ كل الأمكنة عندها سواء، وهذا لأن العامة اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا انفكاك له عن الزمان، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها، لأنّهم لم يروا مثل ذلك، فينفونه، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ، ولا يعلمون أنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية، والكمال يضاد التناهي، الذي هو صفة المخلوق المحدود، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات، وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة، ومن ذلك نفي الحلول، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد، إنّ التعمق في علم التقديس والتنزيه، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى بالتقديس والتنزيه والتسبيح ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم، ولا تحيط الأذهان به علما.
[المفتاح الثاني والثلاثون]: حقيقة الذات الإلهي الذي له الاحدية والصمدية: غيب مطلق لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى، ولقد قطع القرآن كل سبيل إلى التفكر في حقيقته، فقال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}، وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، هذه الآيات تضمنت نفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، وأن ذات الله تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقات، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها من قبول الأعضاء والاجزاء والصور والأشكال والكون في الأماكن والتعلق بالأزمان، وهذا كله منتف عن ذات الله تعالى، ومما يدل على أنّ جناب الذات الإلهي لا يدرك ما كان بين نبي الله موسى عليه السلام وبين فرعون، عندما سأله فرعون عن ذات الله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23]، والسؤال ب ـ(ما) سؤال عن حقيقة الذات، فكأنه قال: وأي شيء رب العالمين؟ وقد كان موسى عليه السلام عارفًا بربه عالِمًا بأحكام الإلهية وعالِمًا أنه لا يصح السؤال عن الله تعالى بـ (ما) بحثًا عن ماهية أو حقيقة، لأنه سبحانه فوق إدراك المخلوق ولا نحيط به علما، فأجاب موسى عليه السلام بما حكاه القرآن: {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ}، {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ}، {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء: 24، 26، 28]، وفي سورة طه أجاب نبي الله موسى عليه السلام بقوله: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}، {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} [طه: 50 إلى 53]، وهو جواب يفيد أنّ السبيل إلى معرفة الله عز وجل أن نستدل بصفاته وأفعاله وآثاره على وجوده، وأمّا البحث عن كنه وجوده وحقيقة ذاته فمحال لأنه فوق طاقة المخلوق.
وقد أكرم الله سبحانه أمة النبي صلى الله عليه وسلم بزيادة بيان في التقديس والتنزيه فعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن جناب الذات الإلهي، أنزل الله تعالى عليه سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن بما حوته من أصول الاعتقاد والتوحيد ومن معاني التقديس والتنزيه لله سبحانه، فقد أخرج أحمد والترمذي عن أبي بن كعب رضي الله عنه: أن المشركين قالوا للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: يا محمد، انسب لنا ربك، فأنزل اللَّه تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}([32])
وهي تشتمل على أربعة أصول كلها في تقديس الذات الإلهي: [الأول]: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، [الثاني]: وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الحاجة عن جناب الذات، [الثالث] وصف الله تعالى بالقدم الازلي، وسلب أي معنى من معاني الحدوث عن جناب الذات، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: أول بلا ابتداء، {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} لا يكون هو من شيء، منزه عن الحدوث، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، [الرابع]: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه، والعجز عن درك الادراك هو غاية ما نقدر عليه من الإدراك.
[المفتاح الثالث والثلاثون]: لقد كان النهي الشرعي عن التفكير في ذات الله تعالى، لأنّ العقول يستحيل عليها معرفة كنه ذات الله تعالى، فلا يجوز للمسلم أن يتخيل شكلاً لذات الله سبحانه وتعالى، لأن كل شكل يتخيله العقل أو يخطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه، والله تعالى منزه عن الأشكال والصور لأنّه سبحانه هو خالقها، وهو المخصص لكل مخلوق بصورة هو مقهور عليها، فالصور تدل على المصور، وجل المصور ان يكون مصَوَرا، وكل من يتوهم شيئا في مخيلته أو يرسم شكلا يتوهمه لله عز وجل، فإنه مشبه، والمشبه لا يعبد الله تعالى، وإنما يعبد وثناً رسمه له خياله ووهمه، ولهذا ورد النهى عن التفكر في ذات الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله) ([33]) بمعنى تخيل شكلها وصورتها، فإن الأشكال مخلوقة والصور محدثة مركبة محدودة، قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء والصور والأشكال، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، ولله در الطحاوي حين قال في عقيدته التي لاقت القبول من كل المسلمين: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام) ([34]) .
فكل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما، قال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء، ولا يحيطون به علما، (لكن) ليس معنى النهي الشرعي عن التفكير في ذات الله تعالى أن لا نتكلم في تنزيهه عن مشابهة الخلق، فإنّ هذا أصل التوحيد، وسنام العلوم، أن تعلم قواعد التقديس التي تقدس الله عن المثيل، والله تعالى ليس كمثله شيء، هو القاهر فوق كل مخلوق، فلا يحده حد ولا يقدره مقدار، ولا يقهره مكان فيحيط به، ولا يقهره زمان فيجري عليه، ولا يعتريه أفول، ولا تغير وحدوث، ولا يخضع لقوانين الحركة والسكون، ولا تسري عليه مفاهيم الألوان والأشكال، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وليس من التفكر في ذات الله أو الخوضِ فيه تنزيهُه عن مشابهة الخلق وتقديسه عن مماثلة المخلوقات، قال الطحاوي: (وَلا نَخُوضُ في الله) ([35]). والمعنى: أي لا نفكّرُ في ذاتِ الله، ولا نتخيل له شكلا لأن التفكر بهذه الطريقة في ذات الله يؤدي إلى الضلال، ولا محالة يوقع في بدعة التجسيم والتشبيه والتمثيل، وليس -أبدا- من التفكر في ذات الله والخوضِ فيه، تنزيهُه عن مشابهة الخلق بقول: إن الله موجود أزليّ أبدي، كان قبل الزمان والمكان، لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان وأنه لا يتصف بشيء من صفات البشر، وإنه يَرى بلا حدقةٍ، ويسمع بلا صِماخ وأذن، ونحوُ ذلك من مقالات علماء أهل السنة من السلف والخلف، إنما هذا تنزيه لله عملاً بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [سورة الشورى].
وإنما هلك من هلك في تشبيه الله تعالى بخلقه كقولهم: بأنه مستقر على العرش، وإنه ينزل بذاته من فوق إلى أسفل ويصعد بذاته من أسفل إلى أعلى لأنهم قاسوا الخالقَ على المخلوق فكذبوا بذلك قوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وعليه فليس النهي عن معرفة قواعد التقديس المستمدة من أدلة الكتاب والسنة ولا مدارستها وإنما النهي عن تخيل شكل لله وتكييف الوجود الإلهي كما تفعل الحشوية والمجسمة في مؤلفاتها عن العقيدة حيث يع يعقدون أبوابا في التكييف والحشو والتجسيم مثال ذلك باب الوجه وباب اليدين وباب العينين وباب القدمين وباب الأنامل والأصابع وتسميتها صفات أعيان أي أجزاء من الذات وكأنهم لا يعلمون من الأحدية التي تعدل ثلث القرآن شيئا، ومن أبواب الكون في السماء والنزول الحقيقي من فوق العرش إلى السماء الدنيا والكلام بصوت وحرف وغير ذلك من أبواب الحشو والتجسيم وتتبع المتشابهات التي لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ نسأل الله السلامة، إنّ الطريق إلى تنزيه الله تعالى وتقديسه هو معرفة قواعد التقديس المتعلقة بالذات والتي تمنع من التمثيل والتشبيه، فإنها مبادئ الفقه في علم العقيدة، ومبادئ الفقه في علم التوحيد، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لمسلم أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به، والحاصل فإنّ المقصود من دراسة توحيد الذات هو وضع قواعد التقديس التي تمنع من الخوض في ذات الإله تعالى وتقدس.
[المفتاح الرابع والثلاثون]: توحيد الذات الإلهي هو ذروة سنام التسبيح: فالمقصود بالتسبيح هو التنزيه والتقديس لله، وما أكثر الآيات القرآنية الدالة على التسبيح، كما أن الصلاة لا تخلو من التسبيح في الركوع: (سبحان ربي العظيم)، وفي السجود: (سبحان ربي الاعلى)، ومن أعظم الأذكار قولنا: (سبحان الله)، ومعناه التنزيه لله، وهو منصوب على صيغة المصدر كأن قائله يقول : أنزه الله تعالى وأنفي عنه كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، وعلى ذلك فإن (التسبيح) عقيدة بالقلب وقول باللسان، أهم ما تشتمل عليه هو: تنزيه الله تعالى في ذاته بنفي الشبيه والمثيل والند، وتنزيه ذات الله تعالى عن كل نقص وعيب وعجز، وتنزيه ذات الله تعالى عن كل وصف لا يليق بجلاله وعظمته، والحاصل مما سبق ان توحيد الذات هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي الذي هو أعلى من تسبيح اللسان.
و(علم التقديس) هو العلم الذي يتعلق بجناب الذات الإلهي وما يجب له من التقديس والتعظيم والتنزيه، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والعجز والعيب وغيرها من النقائص التي يجب تنزيه الله تعالى عنها، كما يشمل هذا العلم على بيان قواعد التنزيه التي نتعلم من خلالها المستحيل في حق الله تعالى فيكون المرء على بينه وعلم راسخ وهو يتكلم فيما يتعلق بذات الله تعالى وتقدس، وتحدثا بنعمة الله الكريم أني ما إن استوعبت علم التنزيه وقواعده الرصينة حتى أحسست أنه العلم الذي له أعظم الدور في تصحيح مفاهيم علم التوحيد، وأعظم الأثر في تحقيق التقارب والوحدة العقائدية بين المسلمين عامة، وبين طوائف أهل السنّة والجماعة خاصة، وإنّ المقصود الأسمى من هذا العلم هو قطع الطمع عن إدراك حقيقة ذات الله تعالى، ومن أهم ثمرات قواعد التقديس أنها تقطع الطمع تماماً في إدراك ذات الله، وأنها تصفي الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى – على لسان الملائكة – {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}.
[المفتاح الخامس والثلاثون]:لماذا يجب إدراج قسم توحيد الذات الإلهي تعالى وتقدس إلى أقسام التوحيد، ولماذا يجب تدريس وفهم سورة الإخلاص وما تدل عليه من قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس؟:
(1) لان دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103].
(2) لان دراسة علم توحيد الذات: تؤدي إلى اعتقاد التنزيه، والفهم الأمثل والأوسع لمعاني التسبيح والتقديس والتنزيه المتعلق بالله تعالى، فقه معاني التسبيح التي تكرر ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من ثمانين موضعا، ومعناه التنزيه والتقديس، وفهم الآيات التي تدل على التنزيه التام لله، والتي منها: قوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، فلا يشبهه في ذاته شيء، وليس كمثل ذاته ذات، وقوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد}، فلا كفء ولا مثيل، وقوله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين، وقوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا.
(3) لان دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى اعتقاد اتصاف الذات بالكمال المطلق الذي ليس بعده كمال ونفي النقص والعجز والعيب والحاجة التي تناقض الكمال، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث، فكذلك فإن علم توحيد الذات يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس، لغلبة الحس عليهم.
(4) لان دراسة علم توحيد الذات تؤدي إلى الاعتراف بالعجز عن درك الإدراك، وذلك بتصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله، ولو في دقائق الصفات، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التنزيه العقلي والقلبي مع التنزيه اللساني، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات، أمّا العامي ومن لم يطلب علم التنزيه وتوحيد الذات لأنه بمثابة العامي في علم الإلهيات – مهما بلغ من علوم الدين الأخرى – فقد يكيف المملكة بذهنه وهو يلوك بلسانه دون فهم {ليس كمثله شيء} وذهنه على التكييف بوجود حد ونهاية لذات الله تعالى تتمثل في حجم العرش، وقد يكون العرش المربوب في ذهنه أكبر من ذات الله، وهو يقول بلسانه في كل صلاة (الله أكبر) وفي مخيلته أنّ العرش أكبر، وأذكر أنني ناقشت واحدا منهم يُصر على أنّ العرش يفضل عن ذات الله بمقدار أصابع، يُجلس إلى جواره الرسول صلى الله عليه وسلم، فساوى بين ذات الإله وذات الرسول، وهو يظن أنّه بذلك يؤمن بالخبر، وأنّ من يعارضه جهمي ضال، ومع أنّ الخبر شديد الضعف ولا يصح الاحتجاج به، ومع أنّ المحاور لا يعرف أصلاً علم الإلهيات وعلم التقديس، ولا يفرق بين قديم الذات الذي لا تجوز عليه البداية ولا النهاية، وبين المحدث الذي له بداية ونهاية، وبين الخالق والمخلوق، وبين ذات الله المنزهة عن الحد وبين المحدود، وبين ما يجوز وما يستحيل نسبته إلى ذات الله، وكثير مثل هذا ممن لم يدرس قواعد التنزيه فأنى له أن يشعر قلبه بحلاوة التقديس، وهو أقل درجة من العامي في علم التقديس والتنزيه، ثم الويل لك والويل لك إن لم تطعه على ما يقول وإلا رماك بالبدعة والتعطيل أو بالشرك والإلحاد أو مسميات أخرى كثيرة جاهزة لاستحلال الدم، فأمثال هؤلاء لا تزكو عقائدهم إلا بدراسة علم التقديس والتنزيه، لأنّه يساعدهم على استيعاب ما فوق الحس من قضايا التوحيد.
(5) لان دراسة علم توحيد الذات: تؤدي إلى معرفة ما يجب لذات الله تعالى وما يستحيل علي ذات الله تعالى، وما يجوز في حق ذات الله سبحانه وتعالى جل شأنه وتعالت صفاته، فالواجب في حقه عز وجل هو ما لا يتصور عدمه مثل وجود الله تعالى وعلمه وقدرته، والجائز في حق الله تعالى هو كل ما يتصور وجوده أو عدمه كالخلق والرزق والإحياء والإماتة لمخلوقاته، فالجائز في حق الله تعالى: فعل كل ممكن أو تركه فهو متفضل بالخلق والإنعام والإمداد والإحسان لا عن وجوب ولا إيجاب فلا يجب عليه شيء مما ذكر، فهو المالك لكل شيء وللمالك أن يتصرف في ملكه بما يشاء كما يشاء، وهو وحده الخالق للإيمان والطاعة فضلا منه وإحسانا، وهو وحده الخالق للكفر والمعصية عدلا منه سبحانه، من يهد الله فبفضله هداه، ومن يضلل فبعدله أضله، قال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، والمستحيل في حق الله تعالى هو ما لا يتصور ثبوته مثل الشريك أو الصاحبة والولد، ويستحيل في حقه تعالى كل ما يدل على النقص او العجز أو المشابهة للمخلوقات، فيستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، ويستحيل عليه الحد والمقدار، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، ويستحيل عليه الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والجوارح والأجزاء والأعضاء، ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات، ويستحيل عليه التغير والحدوث، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، ليس كمثله شيء: لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه.
[المفتاح السادس والثلاثون]: أجهل الناس بمعاني سورة الإخلاص المحكمة بعد النصارى هم المجسمة ومن دار في فلك التجسيم كالمشبهة والحشوية، وكل هؤلاء أهل تمثيل، والله تعالى ليس كمثله شيء،:
و(المجسمة) مصطلح إسلامي يُطلَق على كل من يقول بأن الله جسم لا كالأجسام ويثبتون له لوازم الجسم من من الحد والمقدار ومن الصور والأشكال والأجزاء والأعضاء، ومن التقيد بالمكان والزمان، والتغير والحدوث وغير ذلك من لوازم الأجسام.
و(المشبهة): مصطلح إسلامي يطلق على كل من يشبه الله بالمخلوقات ويزعم بأنّ الله تعالى في صورة الإنسان، والحشوية مصطلح إسلامي يُطلَق على من ينكر لفظ الحسمية ولكنه يقول بلوازم التجسيم ويقر بها.
ومن أبرز المجسمة الضالة على مر عصور الإسلام (الكرامية) الذين قالوا بأن الله تعالى جسمٌ قائمٌ بذاته، مباينٌ للعالم، مستقرٌّ على العرش من جهة الفوق، وأنه محلٌّ للحوادث! وهذه العقيدة الباطلة ليست امتدادًا لأي مذهب إسلامي معتمد ولكنه للأسف تلفيق بين معتقدات الوثنية واليهودية المحرفة والتشبيه النصراني مغلّفة ببعض ظواهر النصوص التي أساؤوا فهمها وأخطأوا في تأويلها، فأخذوا من التوراة المحرفة فكرة التشبيه والتجسيم، حيث امتلأت أسفارهم بنسبة صفات البشر إلى الله تعالى: من الاستراحة، والندم، والمشي في الجنة، والضحك، بل وتجسيده في صورة إنسان، والنصرانية المحرفة: أطلقت لفظ “الجوهر” على الله تعالى، وزعمت أنه تجسّد في صورة عيسى عليه السلام، وتأثر ابن كرام بذلك، فقال إن الله تعالى “أحدي الذات، أحدي الجوهر جسم لا كالأجسام، وأثبتوا له الصورة والشكل والكيف، واثبتوا له المكان والجهة والمماسّة والاستقرار المكاني وزعموا ان له حجما وثقلا يملأ العرش ويثقل عليه، واثبتوا له الحد والتناهي، وبعضهم أثبت له نهاية من ست جهات، وبعضهم من جهة واحدة، وبعضهم أنكر النهاية، على معنى الجسمية وهو الامتداد طولا وعرضا في الجهات، وقالوا بأنّ كل متميّز عن العالم فلابد أن يكون في جهة من جهات العالم، وكل ما كان في جهة فلا يعقل إلا ان يكون جسما فهو جسم لا كالأجسام، وزعموا بأنّ رؤية الله تقتضي الجهة، وقالوا: الرؤية لا تكون إلا في جهة، وكل ما كان في جهة فهو جسم، وشُبَه هذه الفرقة الضالة كلها شُبَه ساقطة، يُبطلها العقل والنقل، وهي مبنية على القياس الفاسد لله تعالى على المخلوق، واستندوا إلى آيات وأحاديث متشابهات لها أكثر من معنى فاتبعوها مصداقا لقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، فحملوها على ظاهرها بغير علم، وسيأتي -إن شاء الله- في الفصل الثاني عشر من هذا الكتاب: (مفاتيح علم التقديس في حل إشكالات النصوص المتعلقة بعلم التقديس) حل جميع الإشكالات المتعلقة بالمتشابهات حلا حاسما لا يدع مجالا لمتشكك إلا ويظهر الحق المحكم الذي لا اختلاف فيه، وصدق الله حيث يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، والحمد لله الذي هدانا لمذهب التنزيه، مذهب أهل السنّة والجماعة، لا مذهب المجسّمة وأهل الحشو والضلالة، وقد قال البيهقي في كتابه: “الأسماء والصفات”: (من قال إن الله جسم فقد كفر، لمخالفته لقوله تعالى: ليس كمثله شيء) اهـ ([36]) .
[المفتاح السابع والثلاثون]:ما هي الجسمية وما هي لوازمها التي من قال بها صار مجسما او مشبها او ممثلا أو حشويا جاهلا: (الجسمية): نسبة إلى الجسم، و(الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره قال تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها والجسم يمينه غير يساره وأعلاه غير أسفله.
و(الجسمية): دليل على النقص والعجز والقهر والخضوع والحدوث، فلا يصح أبدا نسبتها إلى الخالق الواحد القهار الاحد الصمد الغني الحميد، أما النقص فلأن كل جسم لابد وان يحكمه حد ينتهي إليه ومقدار مقدر عليه، فالجسم مقهور بالحد والنهاية، والنهاية نقص عن الكمال، وكل محدود مخلوق لانّ له إلها خالق حده بهذا الحد وخصه به وقدره على هذا المقدار الذي هو عليه، ومقهور عليه، فلا يقدر على غيره.
و(الجسمية): دليل على العجز والقهر، لأنّ الجسم مقهور بالكون في مكان يحيط به المكان من كل جهة وإذا انتقل منه انتقل إلى مكان اخر أكبر منه وأوسع منه ويحيط به أيضا فليس يخرج الجسم عن قهر المكان واحاطة المكان، و(الأجسام): لا انفكاك لها عن قوانين المكان، يمينها يمين المكان ويسارها يسار المكان فهي مقهورة بالمكان، ولا يخرج عن احاطة المكان وقهر المكان إلا خالق المكان الذي هو بكل شيء محيط وهو القاهر فوق عباده وهو الواحد القهار، و(الأجسام) لا انفكاك لها عن جريان الزمان عليها وهي مقهورة بقوانين الزمان فلا تستطيع الاجسام العودة إلى الماضي ولا اختراق المستقبل فهي مقهورة بكونها في حاضرها الذي لا ينفك فيه عن جريان قوانين الزمان.
و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة قبول الأجزاء والابعاض، فالجسم مركب من أجزاء، والمركب من أجزاء محتاج في وجوده إلى أجزائه وأبعاضه، والاحتياج نقص، فالنقص صفة الاجسام ولازم لها.
و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة التقيد بالصور والأشكال، لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والتركيب صفة الاجسام، والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر ؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، فالله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة، والصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى لأنه احد صمد وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص والمخصص هو الله تعالى المصور، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه خالق الصور، والصورة تقتضي الكيفية وهي عن جناب الذات منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط التي تدل على الخلق والحدوث.
و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة التقيد بالحركة والسكون، لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، فالحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان ثابت، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، قال شيخ المفسرين الإمامُ ابن جرير الطبري: (اجتمع الموحِّدُون من أهل القبلة وغيرهم على فساد وَصْفِ الله تعالى بالحركة والسكون) ([37]) .
و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة الحدوث والتقيد بالتغير والحدوث، وقبول الحادثات، فإن الجسم محدث لا محالة لكونه مركب من أجزاء وأبعاض، والمركبات محدثات تحتاج في وجودها إلى من أحدثها وركبها، وهي تقبل الزيادة والنقصان وبالتالي فهي تقبل في ذاتها الحوادث والمتغيرات، وصفات الله الأحدية والصمدية لمن فهمها تمنع من ذلك كله، لذلك كله يمتنع وصف الله تعالى بالجسمية لأنها سمة الخلق والعجز والنقص والاحتياج والخضوع والقهر، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
[المفتاح الثامن والثلاثون]: المجسمة والمشبهة والحشوية أهل جهل بالله تعالى وهم في نهاية المطاف: (ممثلة)، أهل تمثيل لله بخلقه، والله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وهذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وهذه الآية الكريمة {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى يقول: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هو السميع البصير، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية بما لا يدع مجالا للشك بأن المقصود من قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، وهذه الآية أقوى سوط على ظهور المجسمة والمشبه والحشوية -وكلهم اهل تمثيل لله تعالى بخلقه- لأنها تقضي على كل أوهام التجسيم والتشبيه والحشو والتمثيل، وهؤلاء جميعهم يتمسكون بالمتشابهات التي يوحي في أذهانهم الممثلة المريضة برسم الذات وشكل الذات، وهيئة الذات وصورة الذات، وهيهات هيهات، اذ ليس كمثله شيء حتى نبني عليه أو نفترض عليه.
فهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، وإلا زعموا اننا نعبد عدما، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}.
والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع للمتشابهات التي يظنون أنها ترسم شكل الذات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب القدم باب الأصابع باب الأنامل باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته أما الصفات فقد من على بعض خلقه بصفات وصف بها نفسه كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ولكن شتان بين الصفات القديمة المطلقة والصفات المخلوقة المحدودة المحدثة، تقدس الله الأحد الصمد الذي له الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة والتي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان، ومن التقيد بالحدود والمقادير ومن التقيد بالصور والأشكال، تقدس عن كل ماهيات الوجود، فلا هو مادة محدودة لها صفات الأجسام، ولا هو طاقة لا إرادة لها ولا مشيئة، ولا هو من جنس الأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان، تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.
[المفتاح التاسع والثلاثون]: خلاف أهل السنّة والجماعة أهل التقديس والتنزيه مع المجسمة ومن دار في فلكهم من أهل الحشو ليس في صفات الله وليس في أفعال الله، ولكن خلافنا معهم فيما يتعلق بكنه الذات، هم – لجهلهم بقواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص – يتكلمون في كنه الذات وشكل الذات ويصممون على أن الوجه والعين واليد والاصابع والانامل والقدم صفات أعيان لله (جوارح) ولكن بلفظ لطيف، وهي عند الحقيقة اللغوية المستعملة عند العرب ليست صفات للذات وإنما هي ملامح للوجه وللذات وقد قال العلماء انها صفات وليست جوارح للابتعاد عن التجسيم والتكييف، والمجسمة ومن تبعهم من اهل الحشو يحومون حول التجسيم بغير فهم ولا علم ويصممون على أنّ الاستواء على الحقيقة وصرح ابن القيم انه الجلوس على العرش والجلوس يحتاج إلى جوارح يجلس بها الجالس على الشيء، والله أحد مقدس عن الجوارح، ويتهم اهل التقديس بانهم يعبدون العدم وأنهم يقولون ليس فوق العرش إله، وحسبهم الله من هذا الاتهام الباطل، كل ما في الامر أنهم يقولون بأنّ جناب الذات غيب الغيوب لا يُدرك، وانه أحد صمد مقدس عن الوجود الحسي في المكان ومن الجلوس الحسي على عرش مخلوق مربوب، فالاستواء استواء صفات التدبير لان الله تعالى قال {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}[يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، وقد تكرر المفتاح في سورة السجدة، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة 4 إلى 7]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع)، كما انّ الإحاطة احاطة صفات في قوله تعالى: {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، لأننا علمنا المفتاح من قوله تعالى: {احاط بكل شيء علما}.
أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، كما أنّ القرب قرب صفات في قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]، والمفتاح: الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض.
ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون:
(أولا): فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا (أي له بداية) فهو أبدي (أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة.
(ثانيا): قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن الظاهر يدل على العلو والباطن يدل على السفل والله تعالى خالق المكان بعلوه وسفله وهو منزه عن المكان وعن الاتحاد بالمخلوق أو الحلول فيه . وهذا يدل على بطلان قول الحشوية أنه في العلو على سبيل الحس دون السفل ونحن نقول أنه منزه عن العلو المحسوس والسفل المحسوس الذي يقاس بالمسافة ومع ذلك فهو أقرب إلى أحدنا من حبل وريده سبحانه ليس كوجوده وجود وليس كقربه قرب ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد.
(ثالثا): قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم}، دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شي ء، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون “.
(رابعاً): جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى (المعية)، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف.
والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء، والحاصل: أنّه سبحانه غيب الغيوب لا يدرك، استواؤه على العرش استواء صفات (التدبير والهيمنة والربوبية)، وقربه من الخلق قرب صفات (السمع والبصر والعلم)، وإحاطته بالكون احاطة صفات (العلم والقدرة والمشيئة والسمع والبصر)، أما جناب الذات غيب لا يدرك، تنزه وجوده عن الكيف، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، قريب من كل شيء، أقرب إلى أحدنا من حبل وريده، لا يغيب عنه شيء، ولا يغيب هو عن شيء، وهو بكل شيء محيط، غيب الغيوب لا يدرك، موجود بلا كيف، موجود بلا حد، موجود بلا مكان، موجود لا يجرى على وجوده زمان، غيب الغيوب لا يدرك، والحاصل: هو التقديس المطلق، لا كيف لا حد ولا صورة ولا شكل لا يدرك ولا يُكيف غيب مطلق انقطع علم الخلق دونه، لا يعجزه شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والاكرام، (الشاهد) خلافنا مع المجسمة ومن حام حول التجسيم من اهل الحشو هو في جناب الذات، وما يتعلق بشكل الذات وهيئة الذات وماهية الذات وكنه الذات، هم يصممون على انّ للذات شكل وهيئة وصورة ومكان منه يدير المملكة، ويتحرك فيه ويدخل إليه ويخرج منه (يحل فيه) والعياذ بالله، وينزل فيه نزولا حقيقيا وكانه جسم من الاجسام.
[المفتاح الأربعون]: أمثلة لبيان خطأ المجسمة ومن دار في فلكهم من أهل الحشو في عدم الإلمام بما حوته سورة الإخلاص من علوم التقديس: الحشوية أعداء التقديس والتنزيه والتسبيح، يظنون – جهلاً وتلبيسا من تلبيسات إبليس الرجيم عليهم – أنّ تمام الإيمان والتسليم يكون بإلغاء دور العقل في فهم النصوص، وهل صار العلماء علماء والفقهاء فقهاء واهل الأصول أصوليون إلا باستعمال العقل وإجهاده في فهم النصوص والجمع بينها، فلمّا ألغوا دور العقل، عاشوا في العقيدة بالحس الذي سيطر على أوهامهم، (فإنّ قلت لهم): إنّ أي شيء محدود لا يصلح أن يكون إلها، وذلك لأنّ الحد معناه التناهي، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، ولأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، هو القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية، لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لذاته، وأنّ الله تعالى هو الواحد القهار، القاهر فوق عباده، قهر الخلق أجمعين بالحدود والمقادير، فليس مخلوق إلا مقهور بقدر معلوم وحد مخصوص، لا يستطيع أن يتجاوز تلك الحدود، لأنّه مقهور عليها، والقاهر له هو خالقه الواحد القهار، أما الخالق الواحد القهار فقد جل عن أن يقهره حدٌ أو يحده مقدار، لأنّه قاهر الخلق بتلك الحدود والمقادير، تنزه عن الحد والمقدار، (قال لك أحسنهم حالا – وذلك لأنّ منهم من يتجاسر على اثبات الحد الحسي لذات الله -): لم يأت الحد في الكتاب والسنّة فلا ننفيه ولا نثبته، يا سبحان الله، أليس (الله أكبر) نفي للحد،، أليس (الواحد القهار) نفي للحد، لأنّ القهار قاهر للحد، فلا بداية ولا نهاية ولا يقهره حد ولا مقدار، أليس (الأحد الصمد) نفي للحد، أليس كل الخلق لهم حد والله تعالى يقول (ليس كمثله شيء)، ويقول (ولم يكن له كفوا أحد)، إنه لا يفهم تلك الأدلة ولا يرد العلم كما أمره الله تعالى للمتخصصين فيه كما يُفهم من قوله تعالى {ولو ردوه إلى الرسول}، وقوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر}، أي أهل التخصص، وقوله تعالى {ولا ينبئك مثل خبير}، المتخصص في علمه، ماذا تفعل معه وهو لا يفهم ولا يرد العلم إلى أهله، تتنزل للنقاش معه من اجل انقاذه، (تقول له): هل يأكل ربنا تقدس وتعالى، يقول بملء فيه معاذ الله لا يأكل، لماذا ؟ يقول: لأنّ الأكل دليل على الحاجة والحاجة نقص، قلنا له والحد غاية والغاية دليل على النقص، ولكنه يفهم الأولى لسهولتها، ولا يفهم الثانية لخفائها على غير المتخصص.
(وإن قلت له): إنّ كل مخلوق مهما كبر حجمه أو جل مقداره، إلا أنّه محدود متناهي مقدر بمقدار، مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، أما الله تعالى الواحد القهار فإنه لما كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، فهو الواحد القهار لا يشوبه نقص، ولا يحده حد، ولا يقدره مقدار، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار، وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أنه تعالى خلق الأشياء وخصصها بما هي عليه من قدر معين قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً}، وقال تعالى: {جعل الله لكل شيء قدرا}، وقال تعالى: {وإن من شيء إلاّ عندنا خزآئنه وما ننزله إلا بقدر معلوم}، ومعنى الآيات أن الله عز وجل خص كل مخلوق (بحد ومقدار) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما، وأن الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث، وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته فلا حد لذات الله تعالى وتقدس ولا حد لصفات الله عز وجل، قال لك: آتني بدليل من القرآن على أنّ الله تعالى منزه عن الحد فأقبله، تقول له: أوليس قوله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً} دليل على أن الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق، والله تعالى هو الخالق، (قال لك): لا أفهم هذا الدليل، (تقول له): القاعدة تقول: كل ما يقبل الحد فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق، ثم كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (الله أكبر) ويدخل في معانيها: الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار، (يقول لك): هذا لم يرد به كتاب ولا سنّة.
(فإن قلت له): لقد اتفق المتخصصون على تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات والنهايات ولم يخالف في ذلك إلا قلةٌ جاهلون بما يجب لله تعالى من التقديس والتعظيم، يعتقدون ان إلههم محدود بحد لا يعلمه إلا هو وأكثرهم على أن حده العرش، فحدوه بمخلوق مربوب مثلهم وقد اشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى {وهو رب العرش العظيم} كما أنه رب العالمين جميعا، فالله تعالى رب العرش ورب العالمين والجميع محفوف بعناية الله ومحفوظ بحفظه، وهل – أستغفر الله تعالى – الرب عز وجل محمول على عرش او كرسي، الرب الذي قال عن نفسه سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]، هل يحتاج إلى شيء يحمله، أو شيء يحيط به ويحويه، مهما بلغ اتساعه وحجمه، فأنى للمخلوق المربوب أن يحمل الخالق، وأنى للمحدود ان يحوي الذي تعالى عن الحد والمقدار، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بأن الله هو الغني الذي تحتاج إليه الخلائق بما فيها العرش، وهو الغني عنها، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بان الله هو الحي القيوم الذي يقوم على حاجة كل مخلوق وهو مستغنٍ عنها، سبحانك هذا بهتان عظيم.
(وأنبه وأكرر) ليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين، كمالات الذات لا تتناهى، بلا حد ولا مقدار، لأنّ الحد مهما اتسع فهو مخلوق، ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق، ويُحتمل وجود ما هو أكبر واعظم منه، والخالق – سبحانه – لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك، ولا يُحتمل وجود ما هو أكبر، أو اعظم منه، لأنّ من أسمائه الحسنى: الكبير المتعال، والعلي العظيم، ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات، منزه عن كل ما يخطر بالبال، وكما ذكرت فإنّ من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود، ولا كمثل ذاته ذات، ولا كمثل صفاته صفات، تنزهت ذاته وصفاته عن كل حد ومقدار، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام وجميع المخلوقات المحدودة المقدرة، فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات – اهم وأصعب أقسام العقيدة – أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد الذات.
(وأنبه أيضا): تنزيه الخالق سبحانه عن الحدود والغايات والنهايات ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود، وليس معناه أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، له حد الربوبية والإلهية، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، إنّ من فوائد هذا التنزيه عن الحد والحصر والمقدار على المسلم أن يعظم الله تعالى بقلبه ويفهم العظمة والجلال في جميع الآيات التي تدل على هيمنة الله تعالى على أرجاء الكون كقوله تعالى {الرحمن على العرش استوى}، مع قوله تعالى {فإني قريب}، مع قوله تعالى {فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم}، مع قوله تعالى {والله بكل شيء محيط}، وقوله تعالى {وكان الله بكل شيء محيطا}، لأننا نعبد المنزه عن الحد والحصر والمقدار،
ولا نقول كما قالت الحلولية والجهمية: إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا نقول كما قالت الحشوية الجهوية: إن الله في مكان دون مكان ألا وهو العرش العظيم، بل نقول إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان وأنه هو رب العرش العظيم، خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته، وأنه لا يُقال إن الله داخل الكون _ لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود _ ولا يُقال إنه خارجه لأنه قريب كما قال تعالى {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} وكما قال تعالى:{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، وكما قال تعالى {واسجد واقترب}، وكما قال الرسول الكريم _ وهو يبين قرب الرحمن _ (إذا كَانَ أَحَدُكُم في صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي ربَّه فلا يَبْصُقَنَّ في قِبْلَتِهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ) ([38])
وقوله صلى الله عليه وسلم (أربعوا على أَنفُسِكُمْ فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غَائِباً، إنَّكم تَدْعُونَ سميعاً قَرِيباً، والذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ) ([39]) .
ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأنه سبحانه ليس كمثله شيء لا يُقاس قربه بالمسافة، بل كل خلقه منه قريب تحيرت العقول في ذاته وصفاته والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر، وهذا حد البشر نبذ التمثيل والتكييف والتشبيه وتنزيه الله عن الزمان والمكان والحد والمقدار، ولا تلتفت إلى القاصر عن علم العقيدة والتقديس، (إذا قلنا له): إنه لا يُقال أنه سبحانه داخل العالم ولا خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه، لأن الدخول والخروج والاتصال والانفصال من صفات الأجسام المخلوقة، ولا وجه للتماثل بين الخالق والمخلوق، (فإنّه يقول): لا داخل ولا خارج تناقض، (نقول): هو التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال ” لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل ” لعدم التماثل بين العلم والحجر، ولله المثل الأعلى، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق، الله تعالى موجود بذاته وصفاته وأفعاله ولكن ليس كوجوده وجود وليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، وليس كمثل أفعاله أفعال، وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد، فلا تناقض يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق، (تقول له): عند إعمال العقل وتدبره لقول الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3}، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([40]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء غيره) ([41]) .
نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه، كمال منزه عن الوجود الزماني، وكمال منزه عن الوجود المكاني، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود، إذ هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء، فلا يجري عليه زمان، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فلا يحويه المكان، وإذا لم يكن قبل (الله) تعالى شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء، وهو بكل شيء محيط، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته، وعلى ذلك: فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، كما أنّ كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث، كان قبل خلقه عدما ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما، أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى: {الله خالق كل شيء}، وقال تعالى: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه}، ومن جملة خلقه المكان والزمان، فهل يحل الخالق في المخلوق أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان، أيضا ومن الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا.
(أيضا): ومن الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون: أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة والله تعالى خالق مقدِر (بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود، وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول: (تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهــ. ([42])
(أيضا): عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد.
إنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء المقدس عن الحدود، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان.
و(أيضا): (الأحدية) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان، وذلك لأن الأحدية تنافي الكثرة والانقسام والأجزاء، والموجود في المكان، يمينه يمين المكان، ويساره يسار المكان، واليمين واليسار والفوق والتحت يلزم منها الكثرة والانقسام وكل ذلك يضاد الأحدية.
وأيضا (الصمدية) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان، لأنّه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق.
و(أيضا): قوله تعالى (والله الغنى وأنتم الفقراء) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان، لأنه لو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق، و(أيضا): قوله تعالى (لا إله إلا هو الحى القيوم) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق، وقوله تعالى (هل تعلم له سمياً) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره.
والله تعالى كما أنّه منزه عن المكان فإنّه كذلك منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون.
(يقول الحشوي غير الدارس لعلم الأصول): لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون، فهذا نقول له: رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره، ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير.
والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن أو متحرك لهما أمثال كثيرة، أو منزه عن السكون والحركة لا تماثل بينه وبينها ليس كمثله شيء ألا وهو الله تعالى وتقدس، إنّ الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام (كان الله ولم يكن معه غيره) ([43]).
إنّ الحشوي الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا.
لقد أخطأت الطائفة الحشوية خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود. وأخطأت الطائفة الحشوية خطأ جسيما أيضاً: عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا – بفهم سقيم بعيد عن التقديس – هل هو (سبحانه) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون، وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق، وأعظم به من منهاج، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا (علم توحيد الذات) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا أدنى مرتبة من العوام، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين، وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى (والله بكل شيء محيط) وقوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطا) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى (فإني قريب) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)، (يقول لك): هذا من علم الكلام، وعلم الكلام من علوم اليونان، تقول له: إن اليونان كانوا يعبدون الأوثان، وما أبعدهم عن هذا التقديس فأين ذلك من علوم عباد الأصنام والأجسام والأوثان، ثم إن علم الكلام نوعان: نوع باطل يقوم على السفسطة والفلسفة والتعطيل، وهذا ذمه السلف والخلف العدول وقالوا في أهله ما قالوا، ونوع آخر يمثل ركائز التقديس والتسبيح والتنزيه، وهو العلم الراسخ الذي لابد من دراسته لأنّه علم توحيد الذات الذي يمنع من نسبة النقص أو العيب أو العجز إلى الله، وهذا العلم مطلوب لكل متخصص في العقيدة كما أن علم أصول الفقه مطلوب لكل فقيه مجتهد، ولتقريب أهمية هذا العلم الراسخ إلى ذهنه، (تقول له): هل ربنا موجود بيننا بذاته على الأرض، قال حاش لله، فإن قلت لم ؟ قال أنجعله في الأرض حيث المزابل والحشوش، وحيث شبه الحلول في القاذورات سبحانك هذا بهتان عظيم، (تقول له): فإنّ الله تعالى يقول في كتابه الكريم: {فإني قريب}[البقرة: 186]، ويقول سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وقوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم}، وظاهر الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته، (قال لك): المراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة، ومن كان كذلك كان قريبا حقا وصدقا، (تقول له): نعم ما قلت، فلم لا تعمم القاعدة، فإنه كما الأرض خلقه فإنّ السماء خلقه والعرش خلقه، والكون بالذات فيهما شبه حلول في المخلوقات كما قررت أنت من قبل، قال لك وكيف أفعل بقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، (فإن قلت له): إنّ الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى علو مرتبة الذات والصفات، لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء، تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ، وقد أجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان، (قال لك): فكيف أفعل بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}، فإن قلت له: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه عديدة تزيد على العشرة، فيأتي بمعنى: التمكن والاستقرار: ومنه قوله تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} أي أن سفينة نوح عليه السلام استقرت على جبل الجودي، ويقال: استوى الرجل على ظهر دابته أي استقر عليها، ويأتي بمعنى الاستقامة والاعتدال: ومنه قوله تعالى: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [سورة الفتح] أي الزرع، ويأتي بمعنى التمام: ومنه قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [سورة القصص]) أي تمت قوته الجسدية، ويأتي بمعنى الاستيلاء أي القهر: يقال استوى فلان على بلدة كذا إذا احتوى على مقاليد الملك واستولى عليها وحازها، قال اللغوي الفيومي (واستوى على سرير الملك كناية عن التملك وإن لم يجلس عليه) اهـ،([44]) ويأتي بمعنى النضج: (استوى الطعام أي نضج)، ويأتي بمعنى القصد أو الإقبال: استوى إلى العراق: أي قصد إليها)، ويأتي بمعنى التماثل والتساوي: استوى القوم في المال إذا لم يفضل منهم أحد على غيره وتساووا فيه وهم فيه سواء، ويأتي بمعنى الجلوس: يقال: استوى على السرير إذا جلس عليه، ويأتي بمعنى العلو. والاستواء بمعنى العلو قد يكون بالرتبة وقد يكون بالمكان، وللاستواء في اللغة غير ذلك من المعاني، فلابد وأن نعرف من تلك المعاني ما يستحيل على جنابه من معاني النقص والعجز والعيب والحدثان، والاستواء بمعنى الجلوس لا يجوز لأنّه لا يكون الجلوس إلا بالجوارح والله تعالى منزه عن الجارحة، كما لا يكون الجلوس إلا بمماسة واتصال وهما يستحيلان بين القديم والمحدث وبين الخالق والمخلوق وبين الرب والمربوب وبين الإله والمعبود، والاستواء بمعنى الكون في مكان لا يجوز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويحده ويحيزه وهو أكبر من المتمكن فيه، والله تعالى هو خالق المكان وهو القاهر للمكان وهو بكل شيء محيط، والعرش أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن، لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق، والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة، وهو جل شأنه القريب منا، ولكنة قرب منزه عن الحلول والاتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير) كما أن الاستواء استواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والاستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله، وكما أنه منزه عن الحلول والاتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد، ولهذا اعتبر السلف الكرام الراسخون في العلم صفة الاستواء من المتشابهات التي لا يجوز الخوض في تفسيرها، لأنّ ظواهرها تدل على محدودية الخالق ونهاية ذاته، ومحاذاته للمخلوق وتمكنه في المكان، وكل ذلك علامات الخلق والحدوث وسمات المخلوق الناقص العاجز المحدود الذي ظهر عجزه بمحدوديته ونهاية غايته، أمّا الخالق البارئ المصور تنزه عن الحد والغاية وتنزه عن المقدار والنهاية، وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، وقد علم الراسخ في علم الأصول أنّ سياق آيات الاستواء جاء لبيان كمال الربوبية والهيمنة لقرينة قوله تعالى بعد ذكر الاستواء {يدبر الأمر}.
أعود فأقول: لقد أخطأت الطائفة الحشوية التي تنتسب إلى السلفية خطأ جسيما أيضاً: عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا – بفهم سقيم بعيد عن التقديس – هل هو (سبحانه) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون، وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق، وأعظم به من منهاج، ولكن لم يكن لهم توسع في استعمال العقل في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا (علم توحيد الذات)، لو تواضعوا للعلم ودرسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا أدنى مرتبة من العوام، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون.
(فائدة جليلة): هناك طائفة يزعمون انهم يتبعون الكتاب والسنة وأنهم ينتسبون إلى السلف، ثم هم يكيفون وجود الله تعالى، وأن له حد ينتهى إليه كما تنتهي الاجسام، وأن له مقدار، وان مقداره وحده هو العرش، وأنه – تعالى – أصغر من العرش بمقدار أصابع، وانه سبحانه جالس على العرش كما يجلس الملك على كرسي الملك، وانه يدبر المملكة من هناك، وأن له الوجه والعينين واليدين والأصابع على معاني الاجزاء وليس الصفات، فهو يرى بعينه، ويخلق بيده، ثم بعد ذلك يلوكون ألسنتهم بقولهم {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وقلوبهم قد كيفت الخالق وجعلت له الحد والمقدار وتوهمت وجوده على سبيل الملك والمملكة في عرف الإنسان، وإن قلت لهم إن علم التنزيه هو علم المسبحين والمقدسين من علماء المسلمين، وهو من أشرف العلوم لأنه يمنعك من تصور النقص والخطأ في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، قالوا إنما هو علم الفلاسفة والملاحدة من أهل اليونان، نقول يا قوم إنما هو علم القرآن والسنة، وإنما هو الفقه بآيات التنزيه والتقديس، وكما أن الفقه لا يدرك إلا بإعمال العقل والاجتهاد من جهابذة الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وهم أهل القرآن والسنة، ولكن للفقه شروط عسيرة لا بد وأن يستوفيها العالم حتى يكون فقيها، ولا يجوز لأحد أن يقول هذا حلال، وهذا حرام، حتى يستوفي شروط العلم بالفقه، وكذلك العقيدة – بل هي أشد – لذا لا يكفي سرد الآيات والأحاديث دون فقه لها، ثم تبديع الآخرين وأنتم المخطئون، والله إنا لنحب لكم الهداية، كما نحبها لأنفسنا، فلا تكونوا قطاع طريق على أهل العلم بالله، ولا تكونوا صائلين على السنة بدلا من أن تكونوا صائلين لها، الله تعالى أكبر من كل تصور، والله تعالى اعظم من كل وهم أو خيال.
يا قومنا إن أهم شروط التلقي في علوم الإلهيات هو تصفية العقل عن الاوهام والخيالات، فنحن في الوهم لا نعقل شيئا في غير مكان، ولا شيئا لا يجري عليه زمان، لأننا مخلوقين تحكمنا تلك القوانين التي أوجدها الله تعالى لتقهرنا نحن المخلوقين، لا أن تكون حاكمة وقاهرة على الله الخالق الواحد القهار الكبير المتعال، كما اننا لا نعقل شيئا لا تحده الحدود، ولا تقدره المقادير، لان أذهاننا لم تتعود سوى على ذلاك، لان كل ما حولنا مخلوق محدود مقدر، ولكن الخالق غير ذلك ليس كمثله شيء، تنتفي عنه البداية كما تنتفي عنه النهاية، ونحن في الحس لا نتخيل موجود بلا بداية إذ تعودنا أن كل شيء له بداية، ولذلك يأتينا الرجيم بوسوسة من خلق الله لان الحس يقضي بان كل موجود له بداية، ونحن في الحس لا نتخيل الوجه إلا بالشكل والملامح ووجود العين والانف والفم لأنها اجزاء الوجه. مع انّ الإنسان مهما بلغت منه المكابرة فلن يستطيع ان يكابر في نفي مجازات الوجه واليد والعين والساق في القرآن الكريم، وقد تقدم في المفتاح الخامس والعشرين: أن (الوجه) يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومنه قوله تعالى {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]، فهل المقصود إسلام الوجه، أم الذات كله، لا شك أن المقصود الذات، لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله.
وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة.
والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة، وقد تقدم في المفتاح الخامس والعشرين ذر ذل بالتفصيل، ومنه قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، ومعنى الآيات: أن اليهود لعنهم الله عز وجل قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى {بل يداه مبسوطتان} وقد ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله، وقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات، وإلا فما الفارق عند كل منصف بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد)، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية {لما خلقت بيدي} أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى. والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، (ونعود إلى ما بدأناه): فنقول: ونحن في الحس لا نتخيل موجودا إلا وله شكل وصورة، لأننا تعودنا ان كل موجود له شكل وله صورة ولو علمنا أنّ نسبة الصور إلى الله محال، وذلك لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، و (الاحدية المطلقة): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب، لأنها تنفي الانقسام وقبول الابعاض، و (الصمدية المطلقة): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب لأنّ الشيء المركب يحتاج في وجوده إلى اجزائه ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال، وطلب علم التنزيه لا يكون إلا بالتجرد عن الحس لأن هذا العلم يتناول جناب الذات الإلهي الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
([1]) (المجسمة) لقب يُطلَق على كل من يقول بأن الله جسم لا كالأجسام ويثبتون له لوازم الجسم من الحد والمقدار والصور والأشكال والأجزاء والأعضاء، ولتقيد بالمكان والزمان، والتغير والحدوث والحركة والسكون وغير ذلك من لوازم الأجسام.
([2]) (الحشوية) لقب أطلق على طائفة من المبتدعة الذين يقبلون نفس المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في لفظ التجسيم، فلا يرضون به، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينسبون بدعتهم إلى السلف ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، يصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فكأنهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنها، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف.
([6]) صحيح البخاري 6/33ح 4547، صحيح مسلم 4/2053 ح 811.
([7]) صحيح البخاري 9/115 ح7375، صحيح مسلم 1/557 ح813.
([8]) مسند أحمد 35/144 ح21219، سنن الترمذي 5/451ح 3364، المستدرك2/589 ح 3987، والحديث حسنه الحافظ السيوطي في “الدر المنثور” (8/669).
([9]) الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 38)، [والحديث حسنه الحافظ في “الفتح (13/ 356)].
([10]) لسان العرب 3/448، تاج العروس 7/376. تفسير ابن كثير8/519، تفسير الرازي 32/357
([12]) ينظر :لسان العرب 3/258،259، المعجم الوسيط 1/523.
([13]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713
([14]) صحيح البخاري9/124 ح 7418.
([15]) سنن أبي داوود1/349 ح 466.
([16]) العقيدة الطحاوية 1 / 111.
([17]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر 1 /34- 36.
([21]) الأسماء والصفات للبيهقي ص 422، التلخيص الحبير 3/ 223.
([22]) الموطأ 2/777 :776ح8،9، سنن أبي داوود 5/176 ح2382، مسند أحمد 13/285 ح 7906، سنن النسائي 6/163ح6447/صحيح ابن حبان 3/355ح2550، مسند الدارمي 3/1514ح 2393.
([23]) سنن النسائي 9/180 ح 10243.
([24]) صحيح البخاري 8/50 ح 6227، صحيح مسلم 4/2183 ح 2841.
([25]) صحيح مسلم 4/2017 ح 2612.
([27]) صحيح البخاري 1/160 ح 806.
([28]) صحيح البخاري 9/129 ح 7439.
([33]) المعجم الاوسط للطبراني 6/250 ح 6319، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي 3/580 ح 927، شعب الإيمان للبيهقي 1/136 ح 119.
([35]) العقيدة الطحاوية 2/427.
([36]) الأسماء والصفات للبيهقي 1/92.
( [37] ) التبصير في الدين، ص202.
([38]) صحيح البخاري 1/91 ح 417