مفاتيح علم التقديس في حل إشكالات النصوص المتعلقة بعلم التقديس
(أولاً): مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث: (خلق الله آدم على صورته)
(ثانياً): مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث: (فيأتيهم الله في صورته)
(ثالثاً): مفاتيح حل إشكالية المكان في حديث: (أين الله)
(رابعاً): مفاتيح حل إشكالية الحركة والنزول في حديث (النزول)
(خامساً): مفاتيح حل إشكالية النصوص الدالة على العلو الحسي والجهة والمكان
(سادساً): مفاتيح حل إشكالية النصوص الدالة على الحدوث وقبول الحوادث
(سابعاً): مفاتيح حل إشكالية النصوص الموهمة للحركة والانتقال كالإتيان والمجي
(ثامناً): مفاتيح حل إشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم والجارحة والأعضاء
(تاسعاُ): مفاتيح حل إشكالية الاستواء بأيسر عبارة
(عاشراً): مفاتيح حل إشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم.
(أولاً) مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث(خلق الله آدم على صورته)
[روايات الحديث]: (الرواية الأولى): رواية صحيحة، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن) ([1]) . و(الرواية الثانية): رواية صحيحة، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) ([2]) .
و(الرواية الثالثة): رواية ضعيفة لا يصح الاستدلال بها بأي حال: أخرج عبدالله بن أحمد في السنة وابن أبي عاصم في السنة ، من طريق جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر بلفظ: (لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)، ([3]) .
قلت: هذا الحديث لا يصح ولذلك ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: وأعله بأربعة علل، منها ثلاث علل ذكرها ابن خزيمة في كتابه التوحيد ([4]) .
وهو ممن تأول الحديث – الأولى: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسله الثوري ولم يقل عن ابن عمر، والثانية: أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء، والرابعة ذكرها الألباني، وهي: جرير بن عبدالحميد فإنه وإن كان ثقة، فقد ذكر الذهبي في ترجمته من الميزان أنّه قد نُسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، ومما يؤيد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم وكذا اللالكائي – بلفظ (على صورته) ولم يذكر (على صورة الرحمن) ولفظ (على صورته) هو الصحيح المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة ([5]) .
قلت: ومنه يتبين أنّ الحديث بلفظ (على صورة الرحمن) لا يصح البتة، وأنّه مما رواه بعض الرواة بالمعنى لا باللفظ الصحيح، ولا يبقى لنا إلا الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه بلفظه الصحيح: (على صورته) ومنه يتبين أنّ ما فعله حمود التويجري من المجازفة والخطأ من تصحيح الحديث في كتابه الذي سماه : (عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن)، وقد حاول أن يجيب عن علل الحديث، وفي جميع أجوبته نظر، ثم ما الطائل وراء ذلك ؟، أهو ارغام المسلمين على اعتقاد التجسيم ثم ارداف تلك العقيدة بقول: ليس كمثله شيء، وقد زعم أن الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قد صححا حديث ابن عمر رضي الله عنه الذي جاء فيه: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن) قائلاً: فلا ينبغي أن يلتفت إلى تضعيف ابن خزيمة له فصلاً عن تضعيف الألباني له تقليداً لابن خزيمة، وذلك لأن أحمد وإسحاق أعلم بالأسانيد والعلل ممن أقدم على تضعيف الحديث بغير مستند صحيح) ) ([6]) .
فإن تصحيح الإمام أحمد ليس لهذا الحديث، وإنما لحديث (على صورته) الذي أخرجه البخاري ومسلم، ثم هب أنّ اسحاق أو غيره توهم صحته، فماذا نفعل بتلك العلل التي يستحيل معها تصحيح الحديث، وهذا الحديث برواياته الثلاث هو أقوى ما استدل به المجسمة على التجسيم، ولهذا سأتوسع في بيان مخارجه الصحيحة وبيان معانيه، فإن سلم من شبهات المجسمة فما بعده أيسر، ولما كان للحديث روايات ثلاث فلكل رواية مخرج صحيح ومعنى محكم لابد وأن يرد إليه المتشابه، وإليك مفاتيح الفهم الصحيح للأحاديث.
[المفتاح الأول]:قوله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم.
[المفتاح الثاني]: قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) معناه عدم اهانة الوجه، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام، وهذا قول ابن حجر وقول ابن خزيمة.
[المفتاح الثالث]: لفظ (لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن) مع ضعفه البين، فإن له – إن ثبت وهو محال لشدة ضعفه – مخرجاً صحيحا يُحمل عليه، وهو إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 28، 29]، وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71، 72]، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف، لأنّ الله تعالى خلقه في أحسن صوره مخلوقة ونفخ فيه من روحه المخلوقة، فليست الصورة صورة الرحمن، ولا الروح روح الرب الديان، فقوله صلى الله عليه وسلم: (خلق آدم على صورته) يعني: صورة من الصور التي خلقها الله وصورها، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ} [الأعراف: 11] فآدم على صورة الله، يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف وهذا المخرج الصحيح هو قول ابن خزيمة كذلك كما سيأتي.
[المفتاح الرابع]: وهو حمل المتشابه على المحكم، لأنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف والفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنة في ذلك رد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، كما أنّ ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين المادة والأجسام، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، ولأنّ الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، فكيف نتوهم أنّه على صورة آدم، تنزه الخالق سبحانه عن مشابهة المخلوق.
(ثانياً) مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون)
[روايات الحديث]: (الرواية الأولى): أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أنَّ النَّاسَ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ هلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ: هلْ تُمَارُونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ليسَ دُونَهُ سَحَابٌ قالوا: لا يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: فَهلْ تُمَارُونَ في الشَّمْسِ ليسَ دُونَهَا سَحَابٌ قالوا: لَا، قالَ: فإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذلكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ، فيَقولُ: مَن كانَ يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَن يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، ومِنْهُمْ مَن يَتَّبِعُ القَمَرَ، ومِنْهُمْ مَن يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وتَبْقَى هذِه الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ هذا مَكَانُنَا حتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنَا، فَيَدْعُوهُمْ فيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فأكُونُ أوَّلَ مَن يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بأُمَّتِهِ، ولَا يَتَكَلَّمُ يَومَئذٍ أحَدٌ إلَّا الرُّسُلُ، وكَلَامُ الرُّسُلِ يَومَئذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ)، ([7]) .
وهذا حديث البخاري بدون ذكر لفظة الصورة، (الرواية الثانية): أخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (قَالَ أُنَاسٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَل نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ فَقَالَ هَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَل تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَليَتَّبِعْهُ فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ وَتَبْقَى هَذِهِ الأمة فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا أَتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ) ([8]) .
(تنبيه) تلاحظ أن الرواية الأولى بغير ذكر الصورة والثانية فيها ذكر الصورة، ولذلك قال البيهقي في كتابه الأسماء والصفات: (هذا حديث قد رواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان دون ذكر الصورة، ثم أخرجه من حديث معمر عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، وفيه ذكر الصورة وأخرجه أيضا من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، ورواه مسلم بن الحجاج عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن أبي اليمان نحو حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد وفيه ذكر الصورة) اهـ ([9]) .
وقال المحدِّث محمد زاهد الكوثري في تعليقه على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي: (اضطربت الروايات في ذكر الصورة والإتيان كما يظهر من استعراض طرق هذا الحديث ومتونه في الصحيحين وجامع الترمذي…. ابن خزيمة وسنن الدارمي وغيرها ولم يسبق أن عرفوه على صورة فعلم أنه قد فعلت الرواية بالمعنى في الحديث ما فعلت، على أن المنافقين محجوبون عن ربهم يوم القيامة، فيكون هذا الحديث مخالفًا لنص القرءان إلا عند من يؤوله تأويلاً بعيدًا، فالقول الفصل هنا هو الإعراض عن ألفاظ انفرد بها هذا الراوي أو ذاك الراوي باختلافهم فيها والأخذ بالقدر المشترك من المعنى الذي اتفقوا عليه فلعلك لا تجد في ذلك ما يوقعك في ريبة أو شبهة…. ويقول ابن العربي في عارضة الأحوذي: «إن الناس في هذه الحال لا يرونه سبحانه في قول العلماء، وإنما محل الرؤية الجنة…. بإجماع العلماء) اه ([10]) . ونقل الذهبي في كتابه “سير أعلام النبلاء” إنكار الإمام مالك للفظ الصورة: ” قال ابن القاسم: سألت مالكًا عمَّن حدَّث بالحديث، الذين قالوا: (إن الله خلق آدم على صورته)، والحديث الذي جاء: (إن الله يكشف عن ساقه)، وأنه (يُدخل يده في جهنم حتى يُخرج من أراد) . فأنكر مالك ذلك إنكارًا شديدًا، ونهى أن يُحدِّثَ بها أحد” اهـ ([11]) .
وإليك مفاتيح الفهم الصحيح للحديث
[المفتاح الأول]:
الحديث: (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) الحديث إلى قوله: (فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث، فهم لا يعرفون صورة مسبقة، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال: فيكشف عن ساق أي تنجلي الشدة، ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له.
[المفتاح الثاني]:
أقوال أهل العلم في فهم الحديث: جاء في مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة): ” وفي رواية أبي هريرة فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) أي يتجلى علينا بوجه نعرفه (فإذا جاء ربنا) أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة وأمثالها) أهـ [مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة)]، وقال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل: (حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعبدون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا الحديث إلى قوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث: اعلم أن الأدلة العقلية و النقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى كما تقدم فوجب صرفها على ظاهرها إلى ما يليق بجلاله تبارك وتعالى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة) أهـ ([12]) .
وقال الحافظ ابن الجوزي في كتابه كشف المشكل من حديث الصحيحين: (وفي المتفق عليه من حديث أبي هريرة (فيأتيهم في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك، فيأتيهم في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم فيقولون أنت ربنا) وهذا شيء قد تخبط فيه جماعة، فالمتقدمون من السلف قرأوه وعبروا ولم ينطقوا بشيء مع علمهم واعتقادهم أن الصورة التي هي تخاطيط لا تجوز على الله عز وجل ولا التغير، وهذان أصلان لا بد من اعتقادهما، التخاطيط لا تكون إلا في الأجسام، والتغير لا يصلح أن يطرأ على الإله، فإن الخليل عليه السلام عاب النجم بالأفول فقال {لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} [سورة الأنعام]، لأنه علم أن ما يطرقه التغير لا يصلح أن يكون معبودًا فإذا وقع اعتقاد هذين الأصلين ثم سكت الساكت عن تفسير هذه الكلمات فقد سلك مذهب القدماء.. إلى أن قال: وأما الصورة فتتأول على وجهين أحدهما أنها بمعنى الصفة كقول القائل صورة هذا الأمر كذا والثاني أن المذكورات من المعبودات في أول الحديث صور فخرج الكلام على نوع المطابقة.. إلى أن قال: وكان ابن عقيل يقول الصورة على الحقيقة تقع على التخاطيط والأشكال وذلك من صفات الأجسام والذي صرفنا عن كونه جسمًا من الأدلة النطقية قوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى]، ومن أدلة العقول أنه لو كان جسمًا لكانت صورته عرضًا ولو كان جسمًا حاملاً للأعراض لجاز عليه ما يجوز على الأجسام واحتاج إلى ما احتاجت إليه من الصانع، ولو جاز قدمه مع كونه جسمًا لما امتنع قدم أحدنا فليس لله سبحانه عندها ولا القوم الذي أنكروا في القيامة صورة من صور الذوات ينكرونها،…، ثم قال: ولو حمل – ونعوذ بالله – على ما قالت المجسمة من صورة ترجع إلى ذاته لكان ذلك تجويزًا لتغيير صفاته وخروجه من صورة فإن كانت حقيقة فهو استحالة، وإن كانت تخيلاً فليس ذاك هو، وإنما يريهم غيره، فما أشنع مقالة من يصدر قوله عن الجهالة ويتعلق بالظواهر كما تعلقت النصارى في المسيح وقالوا هو روحه حقيقة) اهـ ([13]) .
وقال الإمام أبو سليمان الخطابيّ: (إن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة لأن الصورة تقتضي الكيفية والكيفية عن الله وعن صفاته منفية) [نقله عنه الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات]، وقال الإمام النووي: (وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: (فيأتيهم اللّه في صورته الّتي يعرفون) فالمراد بالصّورة هنا الصّفة، ومعناه: فيتجلّى اللّه سبحانه وتعالى لهم على الصّفة الّتي يعلمونها ويعرفونه بها، وإنّما عرفوه بصفته وإن لم تكن تقدّمت لهم رؤية له سبحانه وتعالى لأنّهم يرونه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، وقد علموا أنّه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته) أهـ ([14]) .
***
(ثالثاً): مفاتيح حل إشكالية نسبة المكان إلى الله في حديث: (أين الله)
تمهيد:
حديث الجارية مشهور وله روايات عديدة مضطربة، فيها من الاختلاف الكثير، فقد جاءت روايات الحديث بألفاظ مختلفة، (الأولى) بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) و(الثانية): بلفظ (من ربك)، و(الثالثة): بلفظ (أين الله)، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) بقولها (نعم) و عندما كان الحديث بلفظ (أين الله) بقولها (في السماء) وروايات أخرى تدل على أنها خرساء أعجمية تشير بيدها فقط فعندما كان الحديث بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) أشارت بالسبابة بمعنى التوحيد وأنه لا إله إلا الله ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله و عندما كان الحديث بلفظ (أين الله) أشارت إلى السماء بمعنى الإيمان بالله وحده ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله حقا، والحديث على رغم صحة السند في أكثر طرقه وحسنها في بعضه الآخر إلا أن ألفاظه مختلفة اختلافا كبيرا لعل ذلك بسبب تصرف الرواة في بعض ألفاظه وهم يروونه بالمعني أو بما فهموه من الواقعة، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم: الامام الحافظ البيهقي: قال في كتابه الأسماء والصفات ” وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الاوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية ؟ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث ” والامام الحافظ البزار: قال ” وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة ” أهــ الحافظ ابن حجر العسقلاني: قال ” وفي اللفظ مخالفة كثيرة ” اه ([15]) .
وهذا هو الاضطراب عند علماء الحديث: وهو أن يُروى الحديث بعدّة ألفاظ بِحيث لا يمكن الجمع بينها، وعند علماء مصطلح الحديث يقولون: الاضطراب علةٌ للضَّعف، والعجب ممن ترك الألفاظ المحكمة التي تسأل عن الشهادتين أو عن الله تعالى لإثبات الإيمان ثم ذهب إلى لفظة متشابهة قد تكون رويت بالمعنى ليبتغي بها الفتنة في دين الله من أجل اثبات المكان المخلوق المحدود لله الكبير المتعال المنزه عن الحد والمقدار والمنزه عن المكان والزمان وقد حذرنا الله من أولئك في كتابه الكريم بقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) [آل عمران: 8] وحذرنا منهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم)) ([16])
وخلاصة الأمر: أن الحديث جاء صحيحا بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين، وجاء بلفظ (من ربك) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان، وجاء بلفظ (أين الله) وقد تكفل علماء أهل السنة شرح تلك الرواية أيضا بما يوافق قواعد التنزيه العامة وأصول الشريعة الغراء، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم.
.[روايات الحديث]: للحديث عدة روايات اجتهدت في جمعها من كتب الحديث، وجمع أقوال علماء الحديث حولها وفق قواعد علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل، ورأيت أنها تؤول إلى روايات متعددة لواقعة واحدة اختلف الرواة في ألفاظها، (الرواية الأولى): بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله)، أخرج الإمام مالك عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت نعم، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها) ([17]) .
و(الرواية الثانية): بلفظ (من ربك)، أخرج أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: (يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها فجاءت، فقال: (من ربك؟ قالت الله، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) ([18]) .
و(الرواية الثالثة): بلفظ (أين الله)، وهي رواية صحيحة أيضا أخرجها مالك في موطئه وأبو داود في سننه والنسائي في سننه وأخرجها الإمام مسلم بسنده في صحيحه عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: (بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان قال فلا تأتهم قال ومنا رجال يتطيرون قال ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم قال فلا يصدنكم قال قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك، قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة) ([19]) .
و(روايات أخرى للحديث): منها رواية تدل على أنها كانت خرساء وفيها: (فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً)، وهذه الرواية أوردها الذهبي في كتابه (العلو) وذكر سندها الحافظ المزي في (تحفة الأشراف): من طريق سعيد بن زيد عن توية العنبري عن عطاء بن يسار قال: حدثني صاحب الجارية نفسه قال كانت لي جارية ترعى .. الحديث، وفيه: (فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء؟ قالت الله. قال فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مسلمة) ([20]) .
وإسناد هذه الرواية يرقى إلى مرتبة الحديث الحسن، لأنّ سعيد بن زيد ثقة من رجال مسلم وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وسليمان بن حرب وقال عنه البخاري والدرامي: صدوق حافظ، وإن كان يحيى بن سعيد وآخرون قد ضعفوه لذا، فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، وهناك رواية أخرجها البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الظهار باب إعتاق الخرساء إذا أشارت بالإيمان، وصلت من طريق عوف بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة: (أن رجلا أتى النبي بجارية سوداء فقال: يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها: أين الله ? فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها: فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء تعنى أنت رسول الله. فقال رسول الله أعتقها فإنها مؤمنة)، ([21]) .
فإذا كان الغالب أنها نفس القصة السابقة والتي فيها فمد النبي يده إليها مستفهما فتكون المحادثة بالإشارة من الطرفين والله تعالى أعلم، ورواية أخرى أخرجها عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يحيى بن أبي كثير وفيها: (فأشارت إلى السماء) ([22]) .
[المفتاح الأول]:
(مفتاح حل الإشكال في الروايات): الروايات السابقة تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها وهو أمر معروف لكل من عمل في مجال الحديث بحثا ودراسة، ولعل هذا السبب ما حدا بالنحويين – سوى ابن مالك – ترك الاحتجاج بالحديث في الإعراب وغيره لتصرف الرواة في ألفاظ الحديث، ومن الملاحظ على تلك الروايات ما يلي: (أ) رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) ورواية (من ربك) في بعض الروايات سندهما واحد من حماد بن سلمة إلى الشريد بن سويد رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ب) رواية (من ربك) ورواية (أين الله) في بعض الروايات سندهما واحد من هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ت) رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) ورواية (أين الله) في بعض الروايات سندهما واحد من عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ث) رواية (أين الله؟ قالت في السماء) ورواية (أين الله؟ فأشارت إلى السماء) في بعض الروايات سندهما واحد من رواية يحيى بن كثير القصة واحدة واللفظ مختلف.
(ج) رواية (أين الله) عند مسلم تختلف عن رواية (أين الله) عند مالك، فعند مسلم: (يقول وعلي رقبة أفأعتقها وكان الجواب اعتقها فإنها مؤمنة) وعند مالك: (يقول فعظم ذلك على فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها وكان الجواب أعتقها بدون ذكر فإنها مؤمنة) والرواية الأولى تفيد أن عليه نذرا سابقا والرواية الثانية تفيد أنه إنما أعتقها تبرئة لذمته من ضربها.
(ح) بعض روايات الحديث تنص على أن الجارية كانت متكلمة فصيحة وبعضها تنص على أنها كانت خرساء لا تفصح وفيها أن والجواب كان بالإشارة وهاهنا تكون الألفاظ تصرفا من الرواة ويؤيد ذلك ما ورد في بعض طرق الحديث (فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء).
(خ) على اعتبار أن الجارية خرساء عجماء لا تفصح يستقيم السؤال بالإشارة أو بلفظ (أين الله) لمعرفة معبودها – وهاهنا يحل إشكال ألفاظ الحديث – لأن المشركين كانوا يعبدون آلهة في الأرض ويدل على ذلك حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) ([23]) .
يقول الإمام الغزالي: (وأما حكمه صلى الله عليه وسلم على بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء فقد انكشف به أيضاً- يعني السر في رفع الأيدي إلى السماء- إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهيم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو وقد كان يُظن بها أنها من عبدة الأوثان ومَن يعتقد اللهَ في بيت الأصنام، فاستُنطقت عن معتقدها فعرَّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقد هؤلاء) ([24]) .
(د) وقد يكون اللفظ (أين الله) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل (لأن الخلاف فيه بين خطأ وصواب) دون الاعتقاد لأن الخلاف فيه بين حق وباطل وبين هدى وضلال وبين سنة وبدعة)، ولذا أخرجه مسلم في باب تحريم الكلام في الصلاة دون كتاب الإيمان حيث اشتمل على تشميت العاطس في الصلاة ومنعِ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الافعال ما يتعلق بتشميت العاطس من هذا الحديث مقتصراً عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء بدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث.
(ذ) لفظ (أين الله) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ومصداق ذلك ما أخرجه الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) ([25]) . وما أخرجه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) ([26]) .
(ر) لفظ (أين الله والجواب بأنه في السماء) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ويؤيده ويدل عليه حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين: كم تعبد اليوم إلاهاً؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) ([27]) .
(ز) لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين ومصداق ذلك أن النبي صلى الله عليه وأله وسلم بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء وإنما ذكر شهادة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ويؤيدها كذلك حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) وقد نص غير واحد من العلمـاء على أنه حديـث متـواتر.
(س) لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق لإجماع المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم.
(ش) ثبت بحسب قواعد مصطلح الحديث وتصريحات بعض أهل الحديث اضطراب متن حديث الجارية الذي في مسلم وغيره بلفظ: (أين الله) وأن الرواية الصحيحة التي ينبغي التعويل عليها هي رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت: نعم، قال: أتشـهدين أني رسول الله قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت: نعم، قال: أعتقها.) ويؤيده الإجماع على أنه لا يحكم لمن قال (الله في السماء) بالدخول في الإسلام والإجماع المقابل على أن الدخول في الإسلام يكون بالشهادتين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله).
(ص) وأما من قال بصحة حديث الجارية بلفظ (أين الله) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية بلفظ (أين الله) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: (أحدهما): الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و(الثاني): تأويله بما يليق به وهذا هو ما ذكره الإمام النووي عند شرحه للحديث في صحيح مسلم فقال ما نصه: ” قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها (مذهبان): (أحدهما): الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات. و(الثاني): تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها: هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين. أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان اهـ ([28]) .
(ض) الحديث بلفظ (أين الله) فيه التشابه من وجهين: (أحدهما): قولـه صلى الله عليه وسلم لها: (أين الله) فإن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عنه ب (أين) على سبيل المكان الحسي وجوابه كما تقدم أنها كانت خرساء عجماء لا سبيل إلى معرفة إيمانها إلا بإشارتها أن معبودها ليس من الأوثان الموجودة في الأرض وإنما هو رب السماء والأرض، أو أن السؤال محمول على المكانة العالية لا المكان الحسي الذي لا مدح فيه، والوجه الثاني: قولها في السماء وهذا معناه علو المكانة وعظمة الصفات وأنه تعالى منـزه عن صفات الحوادث، ليس كمثله شيء ولله در الحافظ ابن حجر العسقلاني حيث يقول في الفتح: ” فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر، فلا يتوجه على حكمه لِمَ ولا كيف كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث. ” أهــ، ([29]) .
(ط) تقدم مما سبق أن تمسك البعض برواية (أين الله) لإثبات المكان الحسي وإثبات الجهة الحسية لله هو أوهى من بيوت العنكبوت وأن تمسكهم بهذه الرواية تمسك باطل لا وجه له، لأن الحديث الأولى حمله على رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) الموافقة للأصول وأنه إذا حكم بصحة رواية (أين الله) فالمقصود به السؤال عن المكانة والرفعة والمنزلة لا عن المكان والجهة الحسيين، والحديث آنذاك ليس على ظاهره المؤدي إلى التمثيل والتحيز والحد والله تعالى منزه عن ذلك كله {ليس كمثله شيء}.
[المفتاح الثاني]: [أقوال علماء أهل السنة في الفهم الصحيح لرواية (أين الله) على أساس ثبوتها]:
(أ) قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ما نصه: ” قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها: هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان) اه([30]) .
(ب) وقال الحافظ ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري: (قوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله قالت في السماء فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في التعطيل لقصور فهمها عما ينبغي له من تنـزيهه مما يقتضى التشبيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) أهـ ([31]) .
(ت) وقال الإمام ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه – بعد أن ذكر استعمالات (أين)في الرتبة والمنزلة والدرجة في التقريب والتبعيد والإكرام والإهانة -، قال: (فإذا كان ذلك مشهوراً في اللغة احتمل أن يقال إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم (أين الله) استعلام لمنزلته وقدره عندها، وفي قلبها، وأشارت إلى السماء ودلت بإشارتها إلى السماء على أنه في السماء عندها على قول القائل إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منزلة: فلان في السماء، أي هو رفيع الشأن عظيم المقدار، كذلك قولها في السماء على طريق الإشارة إليها على محله في قلبها ومعرفتها به)أهـ . ([32]).
(ث) وقال العلامة ابن الجوزي في كتابه الباز الأشهب: (الحديث السابع عشر: روي مسلم في افراده من حديث معاوية بن الحكم قال: (كانت لي جارية كانت ترعي غنما لي، فانطلقت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب شاه، (وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون) فصككتها صكة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي، فقلت ألا أعتقها ..؟ قال أئتني بها، فأتيته بها، فقال لها: أين الله ؟ قالت في السماء، قال من أنا: قالت: أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة) قلت: قد ثبت عند العلماء ان الله تعالي لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار، وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها) أهـ([33]) .
[ (ج) وقال محقق الكتاب محمد منير الإمام: (حديث الجارية مؤول بأنه سؤال عن المكانة لا المكان، وقولها: في السماء معناه علو المنزلة والقدر، أي أنه أعلي من كل شيء قدرا، ومن لم يرض بذلك، وأراد أن يحمله علي ظاهره فأثبت المكان والحيز لله تعالى محتجاً بأنه لا يخرج عن الظاهر قيل له: لقد خرجت عن الظاهر في حديث أصح من هذا وهو حديث (أربعوا علي أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعاً قريباً وهو أقرب إلي احدكم من عنق راحلته) رواه البخاري، فهذا لو حمل علي ظاهره لكان إثبات تحيزٍ لله بين الرجل وبين عنق راحلته، وهذا ينقض معتقدكم أنه مستقر فوق العرش بمماسة أو بدون مماسة فماذا تفعلون، والحق الذي لا محيد عنه أن لا يحمل حديث الجارية على ظاهره بل يؤول تأويلاً تفصيلياً، فيؤول هذا الثاني ايضاً على أن المراد به القرب المعنوي ليس القرب الحسي) أهـ ([34]).
(ح) وقال القرطبي في تفسيره: (أين ظرف يسأل به عن المكان وهو لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان … وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم، الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم هل هي ممن يعتقد أن معبودهم في بيت الأصنام أم لا فقال لها أين الله ؟ فقالت في السماء فقنع منها بذلك وحكم بإيمانها، إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك) أهـ ([35]) .
[تنبيه: (1)]: مخالفات رواية (أين الله) لبعض أصول العقيدة:
(أ) المخالفة الأولى من جهة اثبات الإيمان بالسؤال عن المكان، وذلك لأنّ اعتقاد وجود الله تعالى في السماء لا يثبت توحيـداً ولا تنفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الجارية بما لا يكفـي للحكـم بإسلامها، وهذا مما يعزز أنّ الرواية الحقيقية جاءت بلفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) أو أنّها كانت خرساء، وكان الاستفهام بالإشارة لمعرفة من تعبد، وليس إثبات المكان لله.
(ب) المخالفة الثانية: أن هذا الحديـث معارض للقـواطع العقليـة والنقليـة الـدالة على تنزيه الله تعالى عن المكان لأنّه خالق المكان، وتنزيه الله تعالى عن التحيز في جهة من الجهات ولو كانت جهة فوق لأنّ جميع الجهات خلقه وهي محدودة والله تعالى منزه عن الحد والنهاية وقد أجمع المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن المكان.
(ت) المخالفة الثالثة من جهة أنّ الحديث مضطرب لا يصح اثبات عقيدة به، واضطرابه يسبب ضعف الاستدلال به في مسألة من مسائل الطهارة فضلاً عن أصول العقيدة التي لا ينبغي أن نمتحن الناس فيها بحديث مضطرب اختلفت رواياته، والمحكم فيها بلفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) أو بلفظ (من ربك) لأنّ هذا هو ما يوافق الأصول عند الحكم على الإيمان والكفر، واللفظ الثالث (أين الله) متشابه ينبغي رده إلى محكمه الذي يثبت به الإيمان وإلا فما علاقة المكان بالإيمان، وهذا اللفظ معارض بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة المتواترة ودلالة العقـل السليم واجماع أهل التخصص في مجال العقيدة ممن درسوا ما يجوز نسبته، وما لا يجوز نسبته في حق الله تعالى.
(ث) المخالفة الرابعة من جهة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من بعثته وإلى انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى تلقين الإيمان والإسلام بإثبات المكان لله، ولو ثبت ذلك لتواتر عنه لأهميته في اثبات الإيمان، بل الثابت عنه تلقين كلمة الشهادة وبعثِ رسله بالدعوة إليها، ولم يُذكر أن أحداً من رسله دعا الناس إلى الإيمان بوجود الله في السماء ولا استكشف عن إيمان أحد بسؤاله: (أين الله) سوى تلك الرواية المضطربة التي تعددت ألفاظها بحيث لا تستقر على لفظ واحد، وقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه، وتواتر عنه صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن هذه العقيـدة المزعومة، كما تواتر عنه صلى الله عليه وأله وسلم أنّه بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء التي يدافع عنها الذين يتبعون المتشابه ابتغاء فتنة المسلمين عن دينهم، ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) ([36]) . فهذا هو الذي تواتر عنه صلى الله عليه وسلم.
(ج) المخالفة الخامسة اقرار المشركين بأنّ الله تعالى في السماء وهذا لا يكفي لإثبات الإيمان للمسلم، فالمشركون كانوا يقرون بأن الله تعالى في السماء فلا يكون جواب الجارية كافياً في الدلالة على التوحيد، ويدل على ذلك ما أخرجه الترمذي عن عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: (يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً ؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) . ([37])
(ح) المخالفة السادسة: الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن المكان، وقد سبق أن تناولتها في بعض مفاتيح هذا الكتاب: عند الحديث عن تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان، فلابد من رجوعها للأدلة اليقينية في استحالة نسبة المكان إلى الله.
[تنبيه (2)]: إنّ صح الحديث بهذا اللفظ (أين الله) فلا اشكال أبدا أبدا في معناه، وهو حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك قالت في السماء أي في اعلى المراتب، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم، وبالتالي فإنّ ّ كل من قال بصحة حديث الجارية بلفظ (أين الله)، وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه يحمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية بلفظ (أين الله) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: (أحدهما): الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و(الثاني): تأويله بما يليق به من المكانة والمنزلة لأن الله تعالى منزه عن المكان، قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ما نصه: ” قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها: هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان) اهـ ([38]) . وعلى ذلك فإنّه: إنّ صح الحديث بهذا اللفظ (أين الله) فلا اشكال أبدا أبدا في معناه، وهو حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك قالت في السماء أي في اعلى المراتب، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، هذا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
(رابعا): مفاتيح حل إشكالية الحركة والنزول في حديث: (ينزل ربنا كل ليلة)
رواية الحديث أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) ([39]) .
[المفتاح الأول]: [تعدد معاني النزول في اللغة]: للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها: منها قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر]، ولم نر جملا نازلا من السماء، وإنما المعنى خلق لكم من الانعام ثمانية أزواج، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [سورة الحديد]، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء، والمعنى: وجعلنا الحديد فيه بأس شديد، وفي اللغة تقول العرب نزل البائع في سلعته إذا خفّض سعرها، وقال الشافعي وهو أمام في اللغة يُحتج بلغته، دخلت مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت، والمعنى نزل عن بلاغته المعهودة حتى يساعدهم في فهم كلامه.
[المفتاح الثاني]: اللوازم الفاسدة للنزول الحقيقي: ومن تلك اللوازم:
(أ) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول.
(ب) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال.
(ت) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، والنتيجة الحتمية هي النزول والصعود على مدار اليوم، وعلى زعمهم وعقيدتهم فمتى يكون الاستواء على العرش على مفهوم هؤلاء، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك.
(ث) كما يقول الرازي: في تفسيره مفاتيح الغيب: أنه إن كان المقصود من النـزول من العرش إلى السماء الدنيا أن يُسْمَعَ نداؤه فهذا المقصود ما حصل، وإن كان المقصود مجرد النداء سواء سمعناه أو لم نسمعه فهذا مما لا حاجة فيه إلى النـزول من العرش إلى السماء الدنيا بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش ومثاله أن يريد مَنْ في الشرق إسماع مَنْ في الغرب ومناداته فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه وهو يعلم أنه لا يسمعه البتـة فههنا تكون تلك الخطوات عملا باطلا وعبثا فاسدا فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى([40]) .
(ج) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين، وإذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النـزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنـزيهه عن الحركة والانتقال.
(ح) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة، وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم، وحقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
المفتاح الثالث: أقوال شرّاح الحديث والعلماء في بيان معنى حديث النزول:
(1) قال ابن حجر – في درة من كلامه – في شرح الحديث: (قوله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) استدل به من أثبت الجهة وقال: هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك، وقد اختلف في معنى النزول على أقوال: فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم، ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث إما جهلا وإما عنادا، ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف … وقال ابن العربي: حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث، وعن السلف إمرارها، وعن قوم تأويلها وبه أقول … والحاصل أنه تأوله بوجهين: إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره، وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه .. وقال البيضاوي: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه، فالمراد نور رحمته، أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة) أهـ ([41]) .
(2) وقال النووي – في درة من تنزيهاته – في شرح الحديث: (قوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له) هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان ومختصرهما أن أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين: أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى، وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد، ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق، وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق . والثاني: مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي: أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين أحدهما: تأويل مالك بن أنس وغيره معناه: تنزل رحمته وأمره وملائكته كما يقال: فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره . والثاني: أنه على الاستعارة، ومعناه: الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف، والله أعلم) ([42]) .
وقال رحمه الله في المجموع: (وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران: (أحدهما) تأويله على ما يليق بصفات الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين و (الثاني): الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله سبحانه عن صفات المحدث لقوله تعالى {ليس كمثله شيء} وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين، وحاصله أن يقال لا نعلم المراد بهذا ولكن نؤمن به مع اعتقادنا أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى والله أعلم) أهـ ([43]) .
(3) وقال الإمام البيهقي في كتابه القيم (الاسماء والصفات): (وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال، فحاد عن هذه الطريقة _ طريقة السلف _ حين روى حديث النزول: أقبل على نفسه فقال: إن قال قائل: كيف نزل ربنا إلى السماء ؟ قيل له: ينزل كيف يشاء، فإن قال: هل يتحرك إذا نزل؟ فقال: إن شاء يتحرك، وإن لم يشأ لم يتحرك، وهذا خطأ فاحش عظيم، والله تعالى لا يوصف بالحركة، لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون، وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين، والله تبارك وتعالى متعال عنهما (ليس كمثله شيء)، فلو جرى هذا الشيخ على طريقة السلف الصالح ولم يدخل فيما لا يعنيه لم يكن يخرج به القول إلى مثل هذا الخطأ الفاحش .قال: وإنما ذكرت هذا لكي يتوقى الكلام فيما كان من هذا النوع فإنه لا يثمر خيرا ولا يفيد رشدا .ونسأل الله العصمة من الضلال، والقول بما لا يجوز من الفاسد والمحال) أهـ ([44]) .
(4) وقال الإمام العيني: في شرح حديث النزول من صحيح البخاري:
(لا شك أن النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله منزه عن ذلك، فما ورد من ذلك فهو من المتشابهات، فالعلماء فيه على قسمين: الأول: المفوضة: يؤمنون بها ويفوضون تأويلها إلى الله، عز وجل، مع الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان. والثاني: المؤولة: يؤولون بها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى: ينزل الله: ينزل أمره أو ملائكته وبأنه استعارة، ومعناه: التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك) أهـ ([45]) .
(5) وقال الإمام بن جهبل وهو يرد على من زعم حقيقة النزول: (وكما تطلق العرب النزول على الانتقال تطلقه على غيره كما جاء في كتابه العزيز: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}، وقوله تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}، ولم ير أحد قط قطعة حديد نازلة من السماء في الهواء ولا جملا يحلق من السماء إلى الأرض فكما جوز هنا أن النزول غير الانتقال من العلو إلى السفل فليجوزه هناك) أهـ ([46])
(6) وقال الزرقاني في شرح حديث النزول في الموطأ: (هذا وقد حمل المشبهة الحديث وأحاديث التشبيه كلها على ظاهرها تعالى الله عن قولهم، وأما المعتزلة والخوارج فأنكروا صحتها جملة وهو مكابرة والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا الأحاديث جهلا أو عنادا) أهـ([47]) .
(7) وقال العلامة ابن الجوزي، وهو من خير الحنابلة وأعلمهم بعد الإمام أحمد: وهو يرد على حشوية الحنابلة ويصحح عقائدهم وذلك في الباز الأشهب (الحديث التاسع عشر: روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول: من يدعوني فأستجيب له) ([48]) . (قلت): وقد روى حديث النزول عشرون صحابيا، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير، فيبقى الناس رجلين (أحدهما): المتأول له بمعنى: أنه يقرب رحمته، وقد ذكر أشياء بالنزول فقال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}، وإن كان معدنه بالأرض وقال {وأنزلنا لكم من الأنعام ثمانية أزواج}، ومن لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل ..؟ و(الثاني): الساكت عن الكلام في ذلك. (روي أبو عيسي الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك انهم قالوا: أمروا هذه الأحاديث بلا كيف (قلت) – القائل العلامة ابن الجوزي –: وواجب علي الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلي مكان يقتقر إلي ثلاثة أجسام: جسم عالي، وهو مكان الساكن، وجسم سافل، وجسم ينتقل من علو إلي أسفل، وهذا لا يجوز علي الله تعالي قطعا، فإن قال العامي: فما الذي أراد بالنزول؟ قيل: أراد به معني يليق بجلاله لا يلزمك التفتيش عنه، فإن قال: كيف حدث بما لا أفهمه؟ قلنا: قد علمت أن النازل إليك قريب منك، فاقنع بالقرب ولا تظنه كقرب الأجسام، قال ابن حامد: هو علي العرش بذاته، مماس له، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل، (قلت): – القائل العلامة ابن الجوزي – وهذا رجل لا يعرف ما يجوز علي الله تعالي، وقال القاضي: النزول صفة ذاتية، ولا نقول نزوله انتقال، (قلت) – القائل العلامة ابن الجوزي – وهذا مغالطة، ومنهم من قال: يتحرك إذا نزل، ولا يدري أن الحركة لا تجوز علي الخالق، وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه. ولو كان النزول صفة لذاته، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة) ([49]) .
(8) وقال الإمام القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن: (قال القاضي عياض: اعلم أن الله ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه لقربه منه إبانة عظيم منزلته وتشريف رتبته وإشراق أنوار معرفته ومشاهدة أسرار غيبته وقدرته من الله تعالى له مبرة وتأنيس وبسط وإكرام ويتأول في قوله عليه السلام ينزل ربنا إلى السماء الدنيا على أحد الوجوه نزول إجمال وقبول وإحسان) أهـ ([50]).
(9) وقال القاضي ابن جماعة في كتابه القيم إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل – وهو يرد على اشكالات الحشوية: (الحديث الرابع: عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر الحديث ورواه أبو سعيد إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب يتوب) اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه: (الأول): النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة أجسام منتقل ومنتقل عنه ومنتقل إليه وذلك على الله تعالى محال، (الثاني): لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله وتنقلات كثيرة لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلا ونهارا من قوم إلى قوم وعودة إلى العرش في كل لحظة على قولهم ونزوله فيها إلى سماء الدنيا ولا يقول ذلك ذو لب وتحصيل، (الثالث): أن القائل بأنه فوق العرش وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع سماء الدنيا كل ساعة حتى تسعة أو تضاؤل الذات المقدسة عن ذلك حتى تسعة ونحن نقطع بانتفاء الأمرين، (الرابع) إن كان المراد بالنزول استماع الخلق إليه فذلك لم يحصل باتفاق وإن كان المراد به النداء من غير إسماع فلا فائدة فيه ويتعالى الله عن ذلك، إذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النزول مع قطعهم بأن مالا يليق بجلاله تعالى غير مراد و تنزيهه عن الحركة والانتقال، قال الأوزاعي وقد سئل عن ذلك فقال يفعل الله ما يشاء) أهـ([51]) .
(10) وقال العلامة عبد الباقي بن عبد القادر – في درة من كلامه – في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: (فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره كآية الاستواء، وحديث النزول وغير ذلك من آيات الصفات إلا بصادر عن النبي أو بعض الصحابة وهذا مذهب السلف قاطبة) أهـ ([52]) .
(11) وقال العلامة الكوثري – وهو يرد علي استدلال البعض على العلو الحسي بحديث النزول -: (قاتل الله الجهل، ما أفتكه، فمن الذي يجهل استمرار الثلث الأخير من الليل في البلاد باختلاف المطالع حتى يحمل النـزول إلى السماء الدنيا على النـزول الحسي، وقد حمل حماد بن زيد النـزول في الحديث على معنى الإقبال ومن أهل العلم من حمل الحديث على أن الإسناد فيه مجازي من قبيل الإسناد إلى السبب الآمر ويؤيده حديث أبي هريرة في سنن النسائي وفيه (ثم يأمر منادياً يقول هل من داع فيستجاب له) وليس في استطاعة من يخاف الله غير أن يفوض معنى النـزول إلى الله مع التنـزيه أو أن يحمل الحديث على المجاز في الطرف أو في الإسناد، بل الأخير هو المتعين لحديث النسائي المذكور فيخرج حديث النـزول من عداد أحاديث الصفات بالمرة عند من فكر وتدبر تعالى الله عن النقلة التي يقول بها المجسمــة) ([53]) .
المفتاح الرابع: [المفتاح الأمثل في حل إشكالية حديث النزول]:
أخرج النسائي حديث النزول بلفظ: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)، ([54]) .
وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله لأنك تقول قطع الأمير يد اللص ولا يكون الأمير بنفسه قد أمـسك السكين وجز المكان إنما المعنى أن يد اللص قطعت بأمر الأمير فتقول قطع الأمير يد اللص وبنى الأمير بيتا وقد لا يكون حمل حجرا واحدا فيه إنما معناه بُـني بأمره، كذلك ينـزل ربنا أي ينـزل الملك بأمر ربنا، ومعلوم أن الإمام في الصلاة إذا قرأ القرآن وقال: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، فإنّه لا يأمر المأمومين بعباده، ولا أحد يعرف العربية يفهم ذلك، وإنما هو كلام الله تعالى على لسان الإمام، وهكذا الملك ينقل قول الله تعالى: (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ).
قال الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في كتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية ما نصه: (قال أهل التأويل إن العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه قالوا والمعنى هنا إن الله تعالى يأمر ملكا بالنـزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره، وقال بعضهم إن قوله: (ينـزل) راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته المقدس فإن النـزول كما يكون في الأجساد يكون في المعاني أو راجـع إلى المَلَك الذي ينـزل بأمره ونهيه تعالى، فإن حمل النـزول في الأحاديث على الجسم فتلك صفة المـلَك المبعوث بذلك، وإن حمل على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل سمى ذلـك نـزولا من مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة والحاصل أن تأويله على وجهين إما بأن المراد ينـزل أمره أو المَلَك بأمره وإما أنه استـعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من التنبيه والتذكير الباعِثَين لهم على الطاعة، وقد حكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبط رواية البخاري بضم أوله على حذف المفعول أي يُنـزل ملكا قالوا ويقويه ما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يُمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)، قال القرطبي: صححه عبد الحق، قالوا: وهذا يرفع الإشكال ويُـزيل كل احتمال والسنة يُفسر بعضها بعضا وكذا الآيات، قالوا: ولا سبيل إلى حمله على صفات الذات المقدس فإن الـحديـث فيه التصريح بتجدد النـزول واختصاصه ببعض الأوقات والساعات وصفات الرب جل شأنه يجب اتصافها بالقدم وتنـزيهها عن التجدد والحدوث، قالوا: وكل ما لم يكن فكان أو لم يثبت فثبت من أوصافه تعالى فهو من قبيل صفة الأفعال، قالوا: فالنـزول والاستواء من صفات الأفعال ” أهـ، ([55]) . وهو كلام يكتب بماء الذهب لمن تدبره.
المفتاح الخامس: [الخلاصة في حديث النزول]: حديث النزول صحيح لا شك في ذلك، ولكن: مقولة (ينزل ربنا نزولا حقيقيا) مقولة خاطئة لا يقولها إلا جاهل بمعناها أو رجل يعتقد بقلبه التجسيم: وذلك لأنّ النزول في لغة العرب بمعناه الحقيقي يتضمن معنى: الانتقال من علوٍ إلى سفلٍ، فمن انتقل من أسفل إلى أعلى، لا يقال في حقه نزل، بل صعد، ويتضمن فراغ الحيز الأعلى واشتغال الحيز الأسفل، فمن كان باقيا في مكانه لا يقال في حقه نزل، ويتضمن: الحركة من أعلى إلى أسفل، والانتقال من مكان عالٍ إلى مكان سافل، ويتضمن: الحركة من أسفل إلى اعلى للرجوع إلى العرش، هذه معاني النزول الحقيقي، وهذا هو المعروف في لغة العرب، فكل من قال: إنَّ معنى نزول الله إلى السماء الدنيا نزولا حقيقيا، وانّه على الحقيقة وليس المجاز، فقد أثبت المعاني السابقة التي تضمنها لفظ النزول، وقد أجمع علماء الأصول على امتناع الحركة في حق الله لأنها من معاني الافول الذي استدل الخليل إبراهيم عليه السلام بأنّ الآفل المتحرك لا يصح ان يكون إلها يعبد.
فالنزول لا محالة له حل من ثلاثة حلول،
(1) إما بالأخذ بحديث النسائي وانّ النازل ملك، كما جاء في الرواية الصحيحة: (حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر منادياً ينادي يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يُعْطى).
(2) أونقول (النزول) على مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
(3) أو نقول انّه (النزول) على سبيل المجاز، وهو تنزل الرحمة والتعطف والتلطف بالداعين في هذا الوقت لفضيلته، فهذه مفاتيح الفهم الصحيح للنزول، وإذا كان النزول، من متشابهات الأخبار، فإنّ الله قد امرنا ان نحمل المتشابه ونرده إلى محكماته، ومعنى النزول اذا حملنا متشابه الحديث على محكمه من حديث النسائي: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)، وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله يتحدث بما أمره الله.
وإما ان يكون النزول على سبيل مجاز اللغة، وهو تنزل الرحمة والتعطف والتلطف بالداعين في هذا الوقت لفضيلته وكون الناس غافلين عنه بالنوم، فيكون المعنى زيادة الاحسان وأوفق لقبول الإجابة من غيره من الأوقات، لا سيما إذا عرفنا أنّ سياق الحديث لم يكن من اجل اثبات النزول وإنما لبيان فضل الثلث الأخير من الليل في العبادة والطاعة والدعاء، والمعنى المراد:، التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من التنبيه والتذكير الباعِثَين لهم على الطاعة، اما حمل الحديث على معنى النزول الحقيقي من علو إلى سفل فهذا لم يقل به إلا اهل التجسيم أو من دار في فلك التجسيم من اهل الحشو الذين هم من أبعد الناس عن التقديس والتنزيه وابعد الناس عن معرفة الواجب والجائز والمحال في حق الله الاحد الصمد المنزه عن كل معاني النزول الحسية والتي منها الحركة والانتقال والتغير والزوال والحد والمقدار والكون في المكان وجريان الزمان فإنا لله وإنا إليه راجعون وصدق الله حيث قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، نسال الله السلامة.
وقد ذكرت في اول المبحث اللوازم الفاسدة من اعتقاد النزول الحقيقي، ومن تلك اللوازم:
(أ) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول.
(ب) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال.
(ت) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين.
(ث) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين.
(ج) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة، وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم، وينسبون إلى الله المحال، وحقاً فإن الجاهل عدو نفسه، نسأل الله السلامة.
***
(خامساً) مفاتيح حل إشكالية النصوص الدالة في ظواهرها على العلو الحسي والفوقية والجهة والمكان
تمهيد: ما يظنه أهل الحشو أدلة في اثبات العلو الحسي والفوقية والجهة والمكان: يستند الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بمتشابهات من الكتاب والسنّة تؤول إلى ثلاثة عشر متشابها، وجميعها لها مفاتيح للفهم الصحيح الذي يمنع من الحشو والتجسيم، المتشابه الأول: التصريح بالفوقية مقروناً بأداة (من) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50].
المتشابه الثاني: ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة، قال تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18].
المتشابه الثالث: التصريح بالعروج إلى الله تعالى، كما في قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4].
المتشابه الرابع: التصريح بالصعود إليه، كما في قوله تعالى:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}[فاطر: 10].
المتشابه الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كما في قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55].
المتشابه السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وشرفاً، قال تعالى:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سـبأ: 23]، وقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51].
المتشابه السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ…} [آل عمران: 7]، وقوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 2].
المتشابه الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206]، وقوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[الأنبياء: 19].
المتشابه التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16].
المتشابه العاشر: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54].
المتشابه الحادي عشر: التصريح بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، لحديث البخاري ومسلم: (يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له).
المتشابه الثاني عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، لحديث الترمذي: (إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين) ([56]) .
المتشابه الثالث عشر: التصريح بلفظ (أين الله) في حديث مسلم: (قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله ؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة) ([57])
وبعد فهذه هي الأدلة الرئيسة التي يستند إليها الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بنصوص من الكتاب والسنّة، وهذه النصوص صحيحة ولكن تكمن المشكلة في الفهم الخاطئ لها من قبل هؤلاء الغير متخصصين في علم العقيدة، وسوف اتناول كل دليل من تلك الادلة برد متشابهها إلى محكمها الذي يضبط الفهم الصحيح اللازم لها.
[المفتاح الأول]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الأول: التصريح بالفوقية مقروناً بأداة (من) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، وفي الآية مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل، قال القرطبي: (ومعنى يخافون ربهم من فوقهم أي من عقاب ربهم وعذابه لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء وقيل المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم ففي الكلام حذف) أهـ ([58]).
وقال بن جهبل وهو يرد على مثبت الجهة: (وأردفه بقوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم وتلك أيضا لا دلالة له فيها عن سماء ولا عرش ولا أنه في شيء من ذلك حقيقة، ثم الفوقية ترد لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا لا يقول به من لا يجسم وبتقدير أن يكون هو المراد وأنه تعالى ليس لجسم فلم لا يجوز أن يكون من فوقهم صلة ل يخافون ويكون تقدير الكلام يخافون من فوقهم ربهم أي أن الخوف من جهة العلو وأن العذاب يأتي من تلك الجهة، وثانيهما: بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير وكما يقال جلس فلان فوق فلان والعلم فوق العمل والصباغة فوق الدباغة وقد وقع ذلك في قوله تعالى {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} ولم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر ومن ذلك قوله تعالى {وإنا فوقهم قاهرون} وما ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم) أهـ ([59])
[المفتاح الثاني]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثاني: ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة، قال تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير.
قال القرطبي: (وهو القاهر فوق عباده القهر الغلبة والقاهر الغالب وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل قال الشاعر تمنى حصين أن يسود جذاعه فأمسى حصين قد أذل وأقهرا وقهر غلب ومعنى {فوق عباده} فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان كما تقول السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد) أهـ([60]).
وقال أبو السعود: (وهو القاهر فوق عباده أي هو المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة إلى غير ذلك) أهـ ([61])
وقال البغوي: ({وهو القاهر فوق عباده}: القاهر الغالب وفى القهر زيادة معنى على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد وقيل هو المنفرد بالتدبير يجبر الخلق على ماده فوق عباده هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل وهو الحكيم في أمره الخبير بأعمال عباده) أهـ ([62]) .
وقال الشوكاني: (قوله وهو القاهر فوق عباده المراد فوقية القدرة والرتبة كما يقال السلطان فوق الرعية) أهـ ([63]) .
وقال الألوسي: (وهو القاهر فوق عباده قيل هو استعارة تمثيلية وتصوير لقهره سبحانه وتعالى وعلوه عز شأنه بالغلبة والقدرة وجوز أن تكون الاستعارة بالظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس وقيل إنه كناية عن القهر والعلو بالغلبة والقدرة إن فوق زائدة وصحح زيادتها وإن كانت اسما كونها بمعنى على وهو كما ترى والداعي إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضي القول بالجهة والله تعالى منزه عنها لأنها محدثة بإحداث العالم واخرجه من العدم إلى الوجود ويلزم أيضا من كونه سبحانه وتعالى في جهة مفاسد لا تخفي) أهـ ([64]) .
[ المفتاح الثالث]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثالث: التصريح بالعروج إلى الله تعالى، كما في قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، قوله تعالى:{مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 3، 4]، فعند حمل متشابه المعاني على محكمها نجد أنّ معنى قوله تعالى: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} أي من الله تعالى ذي الفواضل والنعم والدرجات التي يمنحها للطائعين من عباده، وقد يكون معناه من الله تعالى ذي العظمة والعلاء، قال الطبري: (وقوله {ذي المعارج} يعني ذا العلو والدرجات والفواضل والنعم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله ذي المعارج يقول العلو والفواضل حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة من الله ذي المعارج ذي الفواضل والنعم) أهـ ([65]) .
وقال القرطبي: ({من الله ذي المعارج}، أي ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم قاله ابن عباس وقتادة فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق وقيل ذي العظمة والعلاء وقال مجاهد هي معارج السماء وقيل هي معارج الملائكة لأن الملائكة تعرج إلى السماء فوصف نفسه بذلك وقيل المعارج الغرف أي إنه ذو الغرف أي جعل لأوليائه في الجنة غرفا) أهـ ([66]) .
وقال ابن كثير: (من الله ذي المعارج قال الثوري عن الأعمش عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى ذي المعارج قال ذو الدرجات وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ذي المعارج يعني العلو والفواضل) أهـ ([67]) .
أما قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}، فعروج الملائكة هو صعودها من سما إلى سماء إلى محل قربته لا مكان وجوده تعالى أن يحويه مكان، وقد تقدم أنّ وجوده أزلي قبل خلق المكان، وأنّ المكان مخلوق محدود مهما اتسع، وأنّ الله تعالى لا يحويه مكان لأنّه خالقه وخالق العرش فمن دونه.
قال الواحدي (تعرج الملائكة والروح يعني جبريل عليه السلام إليه إلى محل قربته وكرامته وهو السماء) أهـ : ([68]).
[المفتاح الرابع]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الرابع: التصريح بالصعود إليه: كما في قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10]، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم، قال الطبري: (قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} قال الحسن وقتادة لا يقبل الله قولا إلا بعمل من قال وأحسن العمل قبل الله منه) أهـ ([69]) .
وقال البغوي: (وعن قتادة: {إليه يصعد الكلم الطيب} أي يقبل الله الكلم الطيب) أهـ ([70]).
وقال البيضاوي: (وصعودهما إليه مجاز عن قبوله اياهما) أهـ ([71]) .
وقال النسفي: (ومعنى قوله إليه إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود أو إلى حيث لا ينفذ فيه الا حكمه) أهـ ([72]).
وقال أبو السعود: (وقوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} بيان لما يطلب به العزة وهو التوحيد والعمل الصالح وصعودهما إليه مجاز عن قبوله تعالى إياهما أو صعود الكتبة بصحيفتهما) أهـ ([73]) .
وقال الشوكاني: (ومعنى صعوده إليه قبوله له أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف) أهـ ([74]) . وقال ابن الجوزي: (فالمعنى والعمل الصالح يرفعه الله إليه أي يقبله) أهـ ([75])
وفي الجلالين: (والعمل الصالح يرفعه: يقبله) ([76])
[المفتاح الخامس]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كما في قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، والمعنى في الآيتين: أي إلى مكان كرامته في السماء، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله، ولأنها منزهة عن معاصي العباد، كما أنّ الله تعالى منزه عن المكان كل الأماكن إليه سواء، ليس مكان منها بعيد عن الله، وهو من جميع عباده قريب.
قال القرطبي:(بل رفعه الله إليه ابتداء كلام مستأنف أي إلى السماء والله تعالى متعال عن المكان)([77]) .
وفي تفسير الثعالبي: (وقوله تعالى بل رفعه الله إليه يعني إلى سمائه وكرامته وعيسى عليه السلام في السماء على ما تضمنه حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج) أهـ([78]).
وقال ابن جهبل وهو يرد على المستدل بالآية على اثبات المكان لله: (وأتبعها بقوله تعالى: {إني متوفيك ورافعك إلي}، وما أدري من أين استنبط من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية هل ذلك بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام أو هو شيء أخذه بطريق الكشف والنفث في الروع ولعله اعتقد أن الرفع إنما يكون في العلو في الجهة فإن كان كما خطر له فذاك أيضا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية وإن لم يقل بهما فلا حقيقة فيما استدل به وإن قال بهما فلا حاجة إلى المغالطة ولعله لم يسمع الرفع في المرتبة والتقريب في المكانة من استعمال العرب والعرف ولا فلان رفع الله شأنه) ([79]) .
[ المفتاح السادس]: مفتاح حل اشكالية المتشابه السادس: التصريح بالعلو، كما في قوله تعالى:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سـبأ: 23]، وقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]، وقوله تعالى: {سَـبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، ونقول المراد بالعلو هاهنا هو علو الرتبة والمقام، كما في قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام: {قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى}، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي، وأنّه أعلى مسافة منه، وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع.
وقد أخرج البخاري قصة أحد وفيها: (ونادَى أبو سفيان فقال (اعْلُ هُبَل) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم (الله أعلَى وأَجَلُّ) ([80]) .
فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة، وإلا فما التمدح المرجو من ارتفاع المسافة، وهل إذا كان حراس الملك يحرسونه وهم في شرفة عالية، هل هم الأعلون أم أنّ الملك وإن كان في السفل أعلى منهم، لأنّه الملك الآمر الناهي، هذا على سبيل تفهيم الأمر وأنّه لا علاقة لعلو المكان في بيان الربوبية والإلهية، فالله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط، كما أنّ العلو المكاني غايته منتهى البعد عن الأرض، والله تعالى قريب، أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته،: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة، والمسلم حين يقول وهو ساجد . {سبحان رَبِّيَ الأعلَى}، معناه: سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً، سبحانه وتعالى، وليس المعنى أن الله تبارك وتعالى عالٍ بالمكان والحَيّز والجهة، وعلى هذا الحمل للمتشابه على المحكم أطبق المتخصصون في العقيدة والعلماء الراسخون في العلم، قال القرطبي في تفسيره: (ووصفه تعالى بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ ([81])
[ المفتاح السابع]: مفتاح حل اشكالية المتشابه السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ…} [آل عمران: 7]، وقوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 2] وهذا من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول صلى الله عليه وسلم، ودليل وجوده في اللوح المحفوظ قوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21، 22]، ودليل نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة، قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ} [الدخان: 3]، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، وقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، ولما أخرجه النسائي والحاكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم) ([82]) . فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء، ونسبة المماثلة لأنّ جميع الخلائق تحكمها قوانين المكان والكون فيه إلا خالق المكان فهو القاهر للمكان ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا.
[المفتاح الثامن]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206]، وقوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[الأنبياء: 19]، المراد من العندية في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ}، وقوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ}، هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان، قال القرطبي: (لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده عن الزجاج وقال غيره لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله وقيل لأنهم رسل الله كما يقال عند الخليفة جيش كثير وقيل هذا على جهة التشريف لهم وأنهم بالمكان المكرم فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة) أهـ([83])
وقال رحمه الله: (قوله: {إن الذين عند ربك}،{رب ابن لي عندك بيتا في الجنة}، و(إن الله لمع المحسنين} ونحو ذلك كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة لا إلى المكان)([84])
وقال أبو السعود: {إن الذين عند ربك} وهم الملائكة عليهم السلام ومعنى كونهم عنده سبحانه وتعالى قربهم من رحمته وفضله لتوفرهم على طاعته تعالى لا يستكبرون عن عبادته بل يؤدونها حسبما أمروا به ويسبحونه أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه وله يسجدون أي يخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به شيئا) أهـ([85]).
وقال الشوكاني: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته المراد بهم الملائكة قال القرطبي بالإجماع قال الزجاج وقال: {عند ربك}، والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده) ([86]) .
(تنبيه): القصد من قوله: (والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده): أنّه قريب ليس كمثله في قربه شيء، وإلا فاللفظ المناسب هو أنّ الله تعالى منزه عن المكان لأنّ الأماكن كلها محدودة والله تعالى منزه عن الحدود، وقال النسفي: (أن الذين عند ربك مكانة ومنزلة لا مكانا ونزلا يعنى الملائكة لا يستكبرون عن عبادته) أهـ([87]) .
وقال: ({فان استكبروا فالذين عند ربك} أي الملائكة: {يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون} لا يملون .. وعند ربك عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة) أهـ([88]).
وقال الألوسي: (قوله تعالى إن الذين عند ربك وقوله سبحانه حكاية ابن لي عندك بيتا وقوله تعالى وإن الله لمع المحسنين إلى غير ذلك مما هو كناية عن المكانة لا عن المكان) أهـ ([89]) .
وقال ابن الجوزي، وهو يرد على حشوية الحنابلة في كتابه الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب: (الحديث الخامس والأربعون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضي الله الخلق كتب في كتابه – فهو عنده فوق العرش – إن رحمتي غلبت غضبي، وفي لفظ سبقت)، قال القاضي – يقصد به أبو يعلى -: ظاهر قوله عنده القرب من الذات، واعلم أن القرب من الحق لا يكون بمساحة وإنما ذلك من صفة الأجسام، وقد قال سبحانه وتعالي ” مسومة عند ربك “) أهـ ([90]) .
وقال القاضي ابن جماعة – وهو يرد على مثبت المكان بالعندية بكلام رصين محكم يكتب بماء الذهب -: (الآية الخامسة قوله تعالى: {إن الذين عند ربك}، {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}، {عند مليك مقتدر}، {ابن لي عندك بيتا في الجنة}، {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}، {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته}، ورد ذلك في الحديث كثيرا كقوله: (أنا عند ظن عبدي بي)، (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي)، كل ذلك ليس المراد به عندية الجهة بل عندية الشرف والكرامة والإعانة والجبر واللطف، لا عندية الحيز والمكان فإن كون الرب تعالى عند الإنسان باعتبار الجهة والمكان محال بالإجماع) أهـ ([91]) .
[ المفتاح التاسع]: مفتاح حل اشكالية المتشابه التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى علو الذات والصفات، لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء، تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ. ولما تقدم من اجماع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان.
وقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم وقد قيل هو جبريل عليه السلام لأنّه الموكل بالخسف، أو يكون المعنى أأمنتم من في السماء: أي من في السماء أمره أو قضاؤه أو من في السماء (أي العلو) مكانته وقدرته وسلطانه، أما فهم الجهلاء بأن الله تعالى في السماء على سبيل المظروفية والكون في المكان مما لا يكون إلا للأجسام، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى، وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها من صفات العجز والنقص، وإليك طائفة من أقوال الراسخين في علم العقيدة والمتخصصين فيها في فهم الآية ورد متشابهها إلى محكمه، قال القاضي عياض: (لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}: أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم) أهـ([92]) .
وقال القرطبي – في درة من تنزيهاته –: (تقديره: أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض، وقيل هو إشارة إلى الملائكة وقيل إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب، قلت: ويحتمل أن يكون المعنى أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون فإذا هي تمور) أهـ([93]).
وقال العلامة ابن الجوزي – وهو يرد على حشوية الحنابلة: (ومن الآيات قوله تعالي: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} قلت: وقد ثبت قطعيا أنها ليست علي ظاهرها،لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف، وإذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا، بقي وصف التعظيم بما هوعظيم عند الخلق)([94])
وقال أبو السعود في تفسيره: (أأمنتم من في السماء أي الملائكة الموكلين بتدبير هذا العالم او الله سبحانه على تأويل من في السماء امره وقضاؤه او على زعم العرب حيث كانوا يزعمون انه تعالى في السماء اي أأمنتم من تزعمون انه في السماء وهو متعال عن المكان أن يخسف بكم الأرض بعدما جعلها لكم ذلولا تشمون في مناكبها وتأكلون من رزقه) أهـ([95])
وقال الواحدي في تفسيره: (أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه أن يخسف بكم الأرض) أهـ([96])
وجاء في إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: (وكذلك لا يصح أن يقال لمن هو فوق سطح يسع لدار عظيمة في وسطها من أسفل بيت صغير إنه في ذلك البيت مع أن نسبة العرش إلى السماء أضعاف أضعاف ذلك السطح بالنسبة إلى ذلك البيت، وأيضا فإن بعض الخصوم يقول إنه على العرش وقد قام الدليل القاطع عند العقلاء أن نسبة السماء إلى العرش وعظمته قليل جدا فكيف تسع مع لطفها بالنسبة إلى العرش من هو ملء العرش مع عظمته فإنه يلزم إما اتساع السماء أو تضاؤل الذات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، الثالث اعلم أن السموات كرية لقيام الدليل الحسي والنقلي على ذلك فإن كان في وجهها عندكم فقد جعلتموه كفلك منها وإن كان في جهة البعض فترجيح من غير مرجح، فإن قيل المراد بالسماء الجنس لا المسمى الجميع قلنا يلزم التناقض لأن العرش خارج السموات وقلتم إنه على العرش وأيضا يلزم التجزيء أو كونه متحيز داخلا في حيزين كما سيأتي في قوله تعالى: {وهو الله في السموات}، والكل محال تعالى الله عن ذلك، إذا ثبت ذلك تعين أن المراد إما ملائكة في السماء مسلطون على من شاء الله من الكفار لأن اللفظة تحتمله أو أن المخاطبين كانوا يعتقدون اعتقاد المجسمة فقيل لهم بحسب ما كانوا يعتقدونه في زعمهم أو أن المراد التعظيم وعلو الرتبة والقدرة أي من في السماء ملكوته وسلطانه وملائكته فيكون المراد بالسماء العلو والرفعة، فإن قيل في هاهنا بمعنى على كقوله تعالى: {في جذوع النخل}، قلنا هذا مردود لوجهين: أحدهما: أن ذلك خلاف الأصل وموضوع اللغة التي نزل بها القرآن وممنوع عند المحققين من نحاة البصرة بل هو على بابه لتمكنهم على الجذوع تمكن المظروف من ظرفه لآنهم لم يكونوا مستعلين عليها بل كانوا معها، الثاني لو أريد معنى على كان لفظه أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله: {من في السماء}) أهـ ([97])
وقال العلامة بن جهبل وهو يرد مثبت المكان والجهة: (وأتبع ذلك قوله: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} وخص هذا المستدل من بالله تعالى ولعله لم يجوز أن المراد به ملائكة الله تعالى ولعله يقول إن الملائكة لا تفعل ذلك ولا أن جبريل عليه السلام خسف بأهل سدوم فلذلك استدل بهذه الآية ولعلها هي النص الذي أشار إليه) أهـ ([98]) .
[المفتاح العاشر]: مفتاح حل اشكالية المتشابه العاشر: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، أقول وبالله التوفيق: جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85].
وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
وجاءت الإحاطة في آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ}[فصلت: 54].
وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه.
وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}، فكانت هذه الآية بمثابة المفتاح لمعنى الإحاطة.
(الجميع) متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة.
والقاعدة العامة أن الذات غيب الغيوب لا يُدرك، فالقرب قرب صفات والإحاطة إحاطة صفات، والاستواء استواء صفات، لأن جناب الذات مقدس عن المكان لا يحتاج في وجوده إلى مكان، وكل الأماكن عنده سواء وهو قريب من كل خلقه ولا شيء منها عنه ببعيد، نحن اجسام نحتاج في وجودنا إلى المكان، يميننا يمين المكان وشمالنا شمال المكان، وهكذا تقهرنا الجهات الست، لا مخرج لنا من الكون في المكان، أما خالق المكان فلا يقهره شيء وهو القاهر فوق عباده، ولا يحتاج في وجوده إلى شيء.
وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء تدبير وملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت.
وقد جاء المفتاح في موضعين من القرآن الكريم:
(الأول): قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية.
و(الثاني): قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد 2]، المفتاح: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}، جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش)، الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى {وسخر}، وقوله تعالى {يدبر الأمر}، وقوله تعالى {بلقاء ربكم}، فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير.
(فائدة): جمع الله تعالى في سورة الحديد في آية واحدة بين الاستواء والمعية، فقال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4].
فجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالتدبير والربوبية والهيمنة والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بحمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء.
[المفتاح الحادي عشر]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الحادي عشر: التصريح بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، لحديث البخاري ومسلم: (يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له) قلت: قد تقدم الرد على شبه المجسمة والمشبهة فيما يُشتبه أنّه يعارض علم التقديس والتنزيه، مبحث: مفاتيح علم التقديس في حل إشكالات النصوص المتعلقة بعلم التقديس، (رابعا) مفاتيح حل إشكالية الحركة والنزول في حديث: (ينزل ربنا كل ليلة)، والرد على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون، بما يشفي العليل في هذا الباب.
[المفتاح الثاني عشر]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثاني عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، لحديث الترمذي: (إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين) ([99]) . وذلك لأن السماء قبلة الدعاء كما أنّ الكعبة قبلة الصلاة، فترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، قال القرطبي: (الأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند والمراد بها توقيره وتنزيهه على السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان) أهـ ([100])
وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي: (وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة، ولله أن يَتعبَّد عبادَه بما شاء، ويوجههم إلى حيث شاء، وإن ظَنَّ من يظن أن رفع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض بما يضع عليها وجهه متوجهًا في الصلاة ونحوها، وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة، أو نحو مكة لخروجه إلى الحج” انتهى ثم ذكر تنـزيه الله عن الجهة) أهـ([101]) .وقال الحافظ الزبيدي: (فإن قيل: إذا كان الحقُّ سبحانه ليس في جهةٍ، فما معنى رفع الأيدي بالدعاء نحو السماء ؟. فالجواب: من وجهين ذكرهما الطُّرْطُوشي: أحدهما: أنه محلُّ التعبُّد، كاستقبالِ الكعبةِ في الصلاة، وإلصاق الجبهةِ بالأرضِ في السجود، مع تنـزُّهه سبحانه عن محلِّ البيت ومحلِّ السجود، فكأنَّ السماءَ قبلةُ الدعاء، وثانيهما: أنها لما كانَتْ مهبِط الرزقِ والوحيِ وموضعَ الرحمةِ والبركةِ، على معنى أن المطرَ يَنـزِلُ منها إلى الأرضِ فيخرج نباتًا، وهي مَسكنُ الملإ الأعلى، فإذا قَضَى اللهُ أمرًا ألقاه إليهم، فيُلقونه إلى أهلِ الأرض، وكذلك الأعمال تُرفَع، وفيها غيرُ واحد من الأنبياء، وفيها الجنةُ -وهي فوق السماء السابعة – التي هي غايةُ الأماني، فلما كانت مَعْدِنًا لهذه الأمور العِظام ومَعرِفةَ القضاءِ والقَدَر، تَصرَّفَت الهِممُ إليها، وتوفَّرَت الدواعي عليها) أهـ ([102]) .
وقال الحافظ ابن حجر: (السماء قِبْلة الدعاء كما أن الكعبة قِبْلة الصلاة) أهـ ([103]) .
وقال الشيخ مُلاّ علي القاري الحنفي في كتابه شرح الفقه الأكبر: (السماء قِبْلة الدعاء بمعنى أنها محل نزول الرحمة التي هي سبب أنواع النعمة، وهو مُوجِب دفع أصناف النقمة… وذكر الشيخ أبو معين النسفي إمام هذا الفن في “التمهيد” له من أن المحقّقين قرّروا أن رفع الأيدي إلى السماء في حال الدعاء تعبّد محض) أهـ ([104])
[المفتاح الثالث عشر]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثالث عشر: التصريح بلفظ (أين الله) في حديث مسلم: (قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله ؟ قالت: في السماء. قال: من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة) ([105]).
قلت: قد تقدم الرد على شبه المجسمة والمشبهة فيما يُشتبه أنّه يعارض علم التقديس والتنزيه، مبحث: مفاتيح علم التقديس في حل إشكالات النصوص المتعلقة بعلم التقديس، (ثالثاً) مفاتيح حل إشكالية نسبة المكان إلى الله في حديث: (أين الله)، والرد على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون، ما يشفي العليل في هذا الباب، وحاصله انّ السؤال عن المكانة وليس المكان.
[المفتاح الرابع عشر]: المفتاح الأمثل لحل إشكالية العلو الحسي: فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان وذلك لأنّ:
(أولا) الكون في المكان محال على الله، المكان محدث احدثه الله عندما خلق الكون، والذات الإلهي قديم، والقديم يقوم إلا بنفسه، لأنّه الحي القيوم لا يحتاج في وجوه إلى مكان، والمكان أكبر من المتكون فيه، والله اكبر من كل شيء، فلا يصح أن يحويه مكان، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والله منزه عن الحد والحيز، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والله بكل شيء محيط، والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء كيف يحويه المكان، المكان محدث مخلوق والله تعالى له القدم الأزلي كان قبل المكان وهو على ما عليه كان، لا يلحقه تغير بمخلوقاته ولا تأثر بها.
(ثانيا): الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة، و (الاحدية المطلقة): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى في مكان.
(ثالثا): قوله تعالى (قل هو الله أحد) يعدل ثلث القرآن، ومعناه تقديس عن المكان، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا لأنه متبعض بعضه يكون بيمين المكان، وبعضه يكون بيسار المكان، ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، والحشوية لا يستندون لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان إلا بمتشابهات من الكتاب والسنّة، نهانا الله عن تتبعها، وقد اخبرنا الله أن الذين يتتبعون المتشابه في قلوبهم زيغ، أما اهل التخصص فهم الراسخون في العلم يردون تلك المتشابهات إلى أمهاتها من المحكم القطعي من تقديس الله تعالى عن الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان، ورحم الله الإمام الطحاوي حين قال: (تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات ” أهــ([106]) .
***
(سادساً) مفاتيح حل إشكالية الحدوث وحلول الحوادث وكل ما يوحي بذلك
تمهيد: (الحدوث): هو الوجود بعد ان لم يكن موجودا، وهذا صفة المخلوق لأنّه ممكن الوجود كان عدما فأوجده الله من العدم، والله تعالى هو الأول بلا ابتداء واجب الوجود وذاتي الوجود لا يقبل العدم ولا الفناء، و(الحوادث): هي ما يطرأ على الذات من التغيّرات المختلفة، من قبيل: الحركة والسكون، والقيام والقعود، والنوم واليقظة، واللذّة والألم، والنشاط والضعف، والظهور، والأفول، ونحوها من الأعراض التي تنقل الذّات من حالة إلى أخرى.
ودليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث: أنّ الحوادث تستلزم التغيّر والانفعال والتأثّر، لأنّ الذات التي تطرآ عليها الحوادث تتغيّر وتنفعل وتنتقل من حالة إلى أخرى، وهذه من صفات الأشياء المادية والجسمانية، والله تعالى ليس كمثله شيء، منزّه عن الأمور المادية والجسمانية، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، فسبحان من لا يقبل الأفول، وسبحان من لا يدخل عليه التغير والزوال، ولا ينتقل من حال إلى حال، ومن هيئة إلى هيئة، له الكمال المطلق فلا يقبل التغير والحدوث ولا يقبل الزيادة ولا النقصان لأنّه الإله الحق الذي له التقديس والكمال، وليست صفة القدم الأزلي إلا لله وحده هو المستحق سبحانه للإلهية فلا معبود بحق سواه.
ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث، والله تعالى منزه عن التغير والأفول، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة، والله تعالى قديم الذات وأخص صفات القديم أنه لا يقبل الحادث، وبما أنّه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث.
[المفتاح الأول]: الجمع بين الآية والحديث من قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقول نبيه صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([107])
يجعلنا نعلم يقيناً: أنه لا قديم أزلي إلا الله: والعالم كله مُحدَثٌ مخلوق أحدثه الله تعالى من العدم إلى الوجود، قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ}، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء) دليل على أنّه كان الله ولم يكن شيء معه ولا غيره فهو وحده الأول ذي لا بداية لوجوده، لا قديم أزلي سواه، وكل ما سواه من العالم محدث مخلوق، ومن اعتقد أن شيئًا من العالم بنوعه أو بأفراده لا بداية لوجوده فقد خالف الآية والحديث واجماع أهل الأصول، وقال بقول الفلاسفة والدهرية الذين قالوا بقدم العالم، أو بقول الكرامية: انه قديم النوع حادث الآحاد، {هُوَ الْأَوَّلُ} جملة أسمية، المبتدأ (هو)، والخبر (الأول) كلاهما معرفة للدلالة على أنه وحده (الأول) الأزلي الذي لا يشاركه في هذه الصفة غيره، ويؤيد ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ) ([108]). فلا شيء معه ولا شيء غيره ولا شيء قبله، لا بداية لوجوده، لا يشاركه في القدم الأزلي شيء من خلقه، فلا قديم أزلي إلا الله، وشرط الإلهية القدم وإلا كان الخالق محدثا مخلوقا، وشرط القدم الكمال المطلق، لأنّ الأزلية تنزيه عن النقص كما سيأتي بيانه، فالإله لابد وأن يكون قديما أزليا اول بلا ابتداء.
ومن الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([109]). وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم، وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته جل جلاله، و (القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدم الزمان، فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما وهو قاهر لهما فلا تأثير لهما عليه لأن الإله له القدم الأزلي فلا يتغير، ولا تتغير صفاته.
[المفتاح الثاني]: تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 76 إلى 79]، تماشى الخليل عليه السلام مع قومه ليقيم لهم الحجة بأنّ الكواكب والقمر والشمس لا تصلح للإلهية لأنها حادثة متغيرة علتها الافول، فعلة الكوكب الافول {رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}، وعلة القمر الافول {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}، وعلة الشمس الافول: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}.
قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79].
ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إنّ ملة الخليل إبراهيم تقوم على تقديس ذات الله عن الافول، ولا معنى للأفول إلا التغير والحدوث وقبول الحوادث، وإنّ من جوز على ذات الله تعالى التغير والحدوث وقبول الحوادث فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].
[المفتاح الثالث]: سورة الإخلاص تقديس لله عن التغير والحدوث: سورة الإخلاص يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على عدة أصول: وصف الله تعالى بالأحدية (الله أحد)، والصمدية (الله الصمد)، وتنزيهه سبحانه عن حلول الحوادث (لم يلد)، وعن الحدوث (ولم يولد)، وعن مماثلة الخلائق (ولم يكن له كفوا أحد).
فقوله تعالى (الله أحد) يدل على الأحدية واستحالة تقدير الانقسام في ذاته تقدس وتنزه، ويدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى، والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله.
وقوله تعالى: {الله الصمد} الصمدية كذلك تدل نفي الحدوث لأنّ الصمد من الصمود وهو ضد التغير والحدوث، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} أنه تعالى أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، لأنّه القديم الأزلي المنزه عن أن تحل به الحوادث.
ومن فقه الآية {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد – ومن غيرها من الآيات كما سيأتي – تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للمخلوقات الحوادث، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ}:، كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى: {وَلَمْ يُولَدْ}، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ولا مثيل، ولو كان قابلا للتغير والحدوث، أو كان محلاً للحوادث – سبحانه – لكان مثلاً لسائر المخلوقات المحدثة المخلوقة.
[المفتاح الرابع]: كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون.
ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
كما أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيقولون إن صفة الكلام لله صفة فعلية وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء قياسا على البشر، ولازم قولهم أن القرآن ليس قديما وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم، وأنه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة، وهم يقولون بأنه حادث الآحاد، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}.
[المفتاح الخامس]: من جملة أخطاء ابن تيمية: قوله على صفات الله كالعلم والسمع والبصر والكلام أنها قديمة النوع حادثة الآحاد، وهي بدعة غريبة يحتار لها اللبيب لأنها من المحالات والمستحيلات لأنه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل بالأصول، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم أنّ الحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه.
إنّ هذه المقولة (قديم النوع حادث الآحاد) لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون.
وقد دخلت عليهم الشبهة من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس.
وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد.
ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما.
بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق.
فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
[المفتاح السادس]: كل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و كل ما يقوله أهل الجهل والبدعة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، إنّ القول بقبول جناب الذات الإلهي (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول، بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، وقد أجمع علماء الأصول المتخصصون في العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وقد نقل الإجماع في ذلك، الإمام النووي، والغزالي، والرازي، ومن السادة الحنابلة الإمام ابن الجوزي والامام عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي الأثري، قال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر) أهـ ([110])
وقال الإمام النووي: (اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال قائلون تتأول على ما يليق بها، وهذا أشهر المذهبين للمتكلمين، وقال آخرون: لا تتأول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى وانتفاء صفات الحوادث عنه، فيقال مثلاً: نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به، مع أنا نعتقد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن الحلول وسمات الحدوث، وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم) اهـ ([111]) .
وكل متون العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية تنص على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وتذكر أن: القديم الذاتي لا يقبل الحدوث، وانه لو قبل الحدوث لم يكن قديما، وتذكر أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، وتذكر أن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، لان الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها إما أن توجب له زيادة أو نقصًا، و الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان،، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات.
[المفتاح السابع]: المدرسة السلفية المعاصرة للأسف تسير على كلام الإمام ابن تيمية وكانه معصوم، وهذا أضر بهم ضررا بالغا، وهم يتبعونه في أخطائه كما يتبعونه في صوابه، أخطا عندما قال في المنهاج: ” فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض) أهــ ([112]).
وقال في المنهاج: (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب، قلنا لكم: نعم وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل) أهــ ([113]).
ومن العجب أن يقول هذا ذاهلا عن حجة سيدنا إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام من احتجاجه بقيام دلائل الحوادث بالقمر والكوكب والشمس وهو التحول من حال إلى حال، وان ذلك دليل على عدم ألوهيتها، لقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية المجسمة شبرًا بشبر، و (الكرامية) خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، وأهم أسباب تبني ابن تيمية لهذه البدعة: زعمه أن العلم بالشيء يتجدد عند الله، فمثلا يزعم ان علم الله بعمل العبد يتجدد عندما يقوم العبد بهذا العمل، وان السمع والبصر يتجددان كذلك وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وكلها شبه زائفة والرد عليها يسير.
والرد على تلك الشبة يسير على اهل التخصص، فأما شبهة العلم والسمع والبصر: فإن الله تعالى له سبحانه الكمال المطلق، (الكمال المطلق) لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، وكما أنّ جناب ذات الله تعالى له الكمال المطلق، فكذلك الصفات تابعة للذات، لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ولا تقبل الحدوث والتغير، له كمال العلم، بلا غاية ولا نهاية، علم الله تعالى محيط بكل ذلك، ولا يقبل الزيادة او النقصان، إذ لو قبل الزيادة لم يكن قبل الزيادة كاملاً بل كان به بعض الجهل بمقدار تلك الزيادة، ولو قبل النقصان لم يكن لينسب إلى عالم الغيب والشهادة الذي بكل شيء عليم، وله كمال السمع منكشف على سمعه كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات ويميزها عن بعضها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد بلا زمان لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل فلا يغيب عن سمعه مسموع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، الكل منكشف على سمعه له كمال السمع المطلق فلا تزيد له صفة ولا تنقص بتجدد الأزمان لأنه خالق الزمان فمحال أن يكون خلقه فاعلا في ذاته او في صفاته، وله كمال البصر لا يغيب عن بصره شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان بلا زمان يجري على بصره، وهو بكل شيء شهيد، لا يتجدد له سبحانه لا علم ولا سمع ولا بصر، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك، ولو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما.
وأما شبهة الإرادة، فإن الإرادة عند الإنسان حادثة، لان الإنسان كله حادث مخلوق، ولذلك فإن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة الكاملة الكمال المطلق على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وأما شبهة الكلام، فالمشكلة أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيتصورون أن صفة الكلام صفة فعلية وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه لم يتكلم به في الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة لا تتعلق بإرادة الله، بمعنى أنه لا يجوز القول: أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق بالإرادة، لأن هذا القول يحد كلام الله الذي له الكمال المطلق، وللخروج من هذا المأزق ابتدعوا بدعة جديدة وهي في حقيقة الامر من المحالات ومن قبيل التلاعب بالألفاظ، فقالوا قديم النوع حادث الآحاد، ولنا ان نتساءل إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل المركب، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون.
[المفتاح الثامن]: الحنابلة الذين ينتسب إليهم الإمام ابن تيمية براء من هذه التهمة الشنيعة المخالفة لقواعد الأصول جملة وتفصيلا، ولهذا لنا أن تعجب من جرأة ابن تيمية وتجاسره القول بأن صفات الله تعالى قديمة النوع حادثة الآحاد، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله في اللوامع (فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها وسائر الصفات الخبرية من الوجه واليدين والقدم والعينين ونحوها وسائر صفات الأفعال من الاستواء والنزول والاتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) اهـ ([114])
وحتى الحشوية القدامى أمثال أبو حامد والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني فلم يرضوا بهذا الهراء، لأنه إما قديم لا يقبل الحدث وإما محدث، أما بدعة قديم النوع حادث الآحاد، فهذه لم يقبلها حتى أهل الحشو القدامى الموغلون في الحشو أصحاب عقيدة الشاب الأمرد، قال أبو الحسن ابن الزاغوني في كتابه (لو كان كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون مخلوقا في محل أو لا في محل فإن كان في محل فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري أو ذاتا غير ذاته مخلوقة ومحال أن يكون خلقه تعالى في ذاته لأن ذلك يوجب كون ذاته تعالى محلا للحوادث وهذا محال اتفقت الأمة قاطبة على إحالته) اهـ([115]) .
ونقل عنهم ابن تيمية في (التسعينية) (وقد ظن من ذكر من هؤلاء كأبي يعلى وأبي الحسن وابن الزاغوني أن الأمة قاطبة اتفقت على أنه لا تقوم به الحوادث وجعلوا ذلك الأصل الذي اعتمدوه وهذا مبلغهم من العلم) اهـ ([116]) . يقول هذا مبلغهم من العلم وأقول ما ذهبوا إليه أصح مما ذهب إليه ابن تيمية من نسبة المحال إلى الله وجر الامة إلى بدعة ضالة لا تصح عند صغار طلبة العلم في مدارس الأصول والتخصص، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[المفتاح التاسع]: قد يتساءل البعض: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس.
وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلا من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع أو بصر جديدين، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم االله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما.
بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق.
فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، لا المعلوم والمسموع والمبصَر، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، فلا تجري الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت على الخالق وصفاته كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور
***
(سابعاً) مفاتيح حل إشكالية النصوص الموهمة للحركة كالإتيان والمجيء
[المفتاح الأول]:
قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، وقال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]، فظن اهل الحشو والتجسيم أنّ المجيء يكون بالذات وأنّ الإتيان يكون بالذات وهذا تجسيم محض، فإنّ الذي يتحرك ويذهب ويجيء ويتنقل بين الأماكن ليس بإله له الكمال المطلق في جناب ذاته، مقدس عن التغير والحدوث (الأفول)، وتلك حجة الخليل عليه السلام، {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76].
قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الشمس والقمر والكواكب لتغير حالها لا تصلح للإلهية لأن الله دائم لا يزول، والزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث.
(الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة، (جناب الذات الإلهي) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأنّه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، إنّ ملة إبراهيم الخليل عليه السلام تقديس الله عن التغير والحدوث وعن قبول الحوادث، فمن جوز التغير والحدوث وقبول الحوادث على ذات الله تعالى فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130]، ولذلك فإننا نجد المفسرين إذا كان لهم نصيب من العلم فإنهم يحملون المتشابه على المحكم، فقوله تعالى {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، مفتاحه قوله تعالى: {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} [هود: 76]، وقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]، مفتاحه قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل:33].
قال القرطبي رحمه الله:
(قوله تعالى: {وجاء ربك}: أي أمره وقضاؤه قاله الحسن، وهو من باب حذف المضاف، وقيل: أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة وهو كقوله تعالى: {إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}، أي بظلل، وقيل: جعل مجيء الآيات مجيئا له، تفخيما لشأن تلك الآيات، ومنه قوله تعالى ومنه قوله تعالى في الحديث: (يا بن آدم، مرضت فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني، واستطعمتك فلم تطعمني) ([117]) .
وقيل: وجاء ربك أي زالت الشبه ذلك اليوم، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه، قال أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستولت، والله – جل ثناؤه – لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنى له التحول والانتقال، ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان ; لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز) ([118]) .
[المفتاح الثاني]: الله تعالى لا يوصف لا بالحركة ولا بالسكون، وذلك لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، وقد كان دليل الخليل عليه السلام مع قومه ليقيم لهم الحجة بأنّ الكواكب والقمر والشمس لا تصلح للإلهية لأنها حادثة متغيرة علتها الافول، فعلة الكوكب الافول والافول هو الحركة من مكان إلى مكان، وهو التغير والزوال، وهو قبول الحركة والسكون، هذه بعض معاني الافول، والله تعالى هو خالق الأجسام في المكان ثم قدر لها الحركة والسكون فكان الزمان، والله تعالى لا تجري عليه صفات خلقه من الحركة والسكون والكون في المكان وجريان الزمان، وكيف يجرى عليه ما هو أجراه، أو يعود إليه ما هو ابتدأه، إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزّأ كنهه، ولأمتنع من الأزل معناه، وكيف ذلك وهو الاحد المقدس عن البعض والجزء وهو القديم المنزه عن التغير والحدوث، فيمتنع ان يوصف الاحد الصمد القديم الازلي بالزمان ولا المكان، ولا الحركة ولا الزوال ولا الانتقال ولا السكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى الله عمّا يقول الجاهلون علوا كبيرا، كما انّ كلّ متحرّك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به.
فمن ظنّ بالله قبول الحركة والسكون كما تقبل به الاجسام المحدودة المحدثة المخلوقة كان من الجاهلين، وكان أبعد الناس عن حجة الخليل إبراهيم {لا احب الآفلين}، أي لا تصلح الكواكب المسخرة المتحركة شرقا وغربا أن تكون لها الإلهية فتعالى الله عما يقولون، والحركة تستلزم خلو الذات المتحرّكة من المكان التي كانت فيه واستقرارها في مكان غير المكان السابق، وهذا باطل بالنسبة إلى الله، لأنّه تعالى منزّه عن المكان، والحركة تستلزم جريان الزمان وقت الحركة والانتقال من مكان إلى مكان، والله تعالى أزلي هو الذي خلق الزمان واجراه، فكيف يجري عليه ما اجراه، وكيف يكون مقهورا لما تحت قهره وعبوديته، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
والخلاصة: أنّ الذي يعتقد أنّ الله تعالى يجوز عليه الانتقال والحركة يكون مجسما ضالا والعياذ بالله، فَيَجب عليه اعتقاد أنّ الله لا يُوصَف بالتغيّر والانتقال، وإلا فهو يعبد جرما متحركا كما كان يعبد قوم إبراهيم ونحن نقول له لا يصلح الآفل أن يكون إلها له القدم والبقاء،.
(تنبيه): لا يفهم من تقديس الله تعالى عن الحركة إثبات السكون، إذ السكون نقصٌ أيضاً، لأن الحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، والله تعالى مقدس عن الجسمية ولوازمها من الحركة والسكون، ونفي الحركة السكون عن الله تبارك وتعالى، ليس جمعاً بين النقيضين، لأن الحركة والسكون لازمان للأجسام التي يصح في حقها الحركة أو السكون.
[المفتاح الثالث]: من قواعد تنزيه الله تعالى عن النقص ومماثلة الخلائق: قاعدة أنّ الله تعالى منزه عن الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق، لأنها محدثات لا تكون إلا عند الذي يقبل الحوادث، أما القديم الأزلي الأبدي فلا يقبل جناب ذاته الحوادث ولا يقبل الكيفيات الحسية التي من أمثلتها الجلوس والاستقرار، ولأنها لا تحدث إلا بالجوارح، وتنزيه الله تعالى عن النزول الحسي والصعود الحسي على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته.
فالله تعالى منزه عن تلك الكيفيات الحسية، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث، لأنّ الكيفيات المحسوسة: من لوازم الأجسام والله تعالى منزّه عن الجسمانية، وأنها حادثة، لكن الباري غير حادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للحوادث، وهي تستلزم التغير والانفعال، والله منزّه من التغير في ذاته.
[المفتاح الرابع]: من أقول اهل العلم في تقديس الله عن الحركة والسكون والتغير والحدوث: قال الإمام أبو حنيفة في (الفقه الأكبر): (وليس قرب الله تعالى ولا بُعده من طريق المسافة وقصرها ولكن على معنى الكرامة والهوان، والمطيعُ قريب منه بلا كيف، والعاصي بعيد عنه بلا كيف، والقرب والبُعد والإقبال يقع على المناجي، وكذلك جواره تعالى في الجنة والوقوف بين يديه بلا كيف) ([119]).
وقال شيخ المفسرين الإمامُ ابن جرير الطبري: (اجتمع الموحِّدُون من أهل القبلة وغيرهم على فساد وَصْفِ الله تعالى بالحركة والسكون) ([120]).
وقال أيضا رحمه الله: (القيُّومُ: الذي لا زوال معه ولا انتقال، وإنَّ الله تعالى إنما نفى عن نفسه التغيُّرَ والتنقل من مكان إلى مكان، وحدوثَ التبدُّلِ الذي يَحدُثُ في الآدميين وسائِر خلقه غيرِهم) ([121]).
وقال الإمام ابن عبد البرّ رحمه الله: (ليس مجيئه تعالى حركةً ولا زوالًا ولا انتقالًا؛ لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسماً أو جوهراً، فلما ثبتَ أنه تعالى ليس بِجِسْمٍ ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئُه حركةً ولا نقلة) ([122]).
وقال الإمام مكي القيرواني رحمه الله: (لا يجوز على الله الحركةُ ولا الانتقال ولا التغير من حال إلى حال) ([123]).
وقال القاضي عياض رحمه الله: (لا تجوز على الله الحركةُ والانتقال) ([124]).
وقال الإمام البيهقي في كتابه الأسماء والصفات: (نقلًا عن الحافظ المحدث الفقيه أبي سليمان الخطاب: (والله تعالى لا يوصف بالحركة لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}) أهـــ([125]).
وقال الإمام البيهقي أيضا: (عند قوله تعالى: {وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}[سورة الفجر]: (والمجيء والنزول صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال بل هما صفتان لله تعالى بلا تشبيه) أهــ ([126]).
[المفتاح الخامس ]: كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة المجيء والاتيان والذهاب والاستواء والنزول والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا ننفي ما جاء عن الله في الكتاب والسنّة ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول، لا نتقول على الله بغير علم، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن.
(فائدة): الأساس في هذا التقديس هو حجة إمام المتكلمين إبراهيم عليه السلام على قومه، ومن جوز الحركة والنقلة والحركة والسكون والانتقال ومن جوز التغير والحدوث وغير ذلك من لوازم الجسمية فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].
***
(ثامناً) مفاتيح حل إشكالية الظواهر الموهمة للتجسيم وقبول التركيب من الجوارح والأعضاء كالوجه واليد والعين والساق
(تنبيه): حذرا من التكرار مع انّ العلم الراسخ لا يمل أحد من تكراره، فإنّ اغلب مفاتيح التقديس التي ذكرتها عند حديثي على سورة الإخلاص فإنها تتعلق بتقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازمها من الأجزاء والأعضاء والجوارح والصور والأشكال، منها – على سبيل الإيجاز- (1) قاعدة تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس عن الجسمية، (2) قاعدة تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس عن الصور والأشكال، (3) قاعدة تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس عن الجوارح والأعضاء، وعند حديثي في الفصل السابع: مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند فقه المراد بالوجه واليد والعين في القرآن الكريم.
[المفتاح الأول]: خلافنا مع المجسمة ومن دار في فلكهم من أهل الحشو ليس في صفات الله وليس في أفعال الله، ولكن خلافنا معهم فيما يتعلق بكنه الذات، هم – لجهلهم بقواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص – يتكلمون في كنه الذات وشكل الذات ويصممون على أن الوجه والعين واليد والاصابع والانامل والقدم صفات أعيان لله (أي جوارح) ولكن بلفظ لطيف، وهي عند الحقيقة اللغوية المستعملة عند العرب ليست صفات للذات وإنما هي ملامح للوجه وللذات وقد قال العلماء انها صفات وليست جوارح للابتعاد عن التجسيم والتكييف.
والمجسمة ومن تبعهم من اهل الحشو يحومون حول التجسيم بغير فهم ولا علم، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع للمتشابهات التي يظنون أنها ترسم شكل الذات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب القدم باب الأصابع باب الأنامل باب الضروس باب اللهوات باب الجنب باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته، قال تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، والإنسان مهما بلغت منه المكابرة فلن يستطيع ان يكابر في نفي مجازات الوجه واليد والعين والساق في القرآن الكريم.
[المفتاح الثاني]: مجاز الوجه في القرآن الكريم: المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن (الوجه) يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها: ومثالها: قوله تعالى {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار.
كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم، ومنه قوله تعالى (وكان عند الله وجيها) أي ذا منزلة عند الله، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين، وقوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11]، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة) خسر الدنيا والآخرة، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة، وكذلك قوله تعالى {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[البقرة: 112]، فهل المقصود إسلام الوجه، أم الذات كله، لا شك أن المقصود الذات، لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه، فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله. وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، والذي حمل أهل الأصول على هذا الفهم، أن الوجه في اللغة يعنى الجزء من الذات، والاحدية لله تمنع من قبول الأجزاء، وهذا ما جعلهم يتأولون الوجه بالذات، أو ما قصد به رضا الله.
[المفتاح الثالث]: مجاز اليد في القرآن الكريم: المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها.
وقوله تعالى (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}، هل للرحمة يدين ؟، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه. وقوله تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، هل للعذاب يدين ؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب.
وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}، هل للنجوى يدين ؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
وقوله تعالى:{فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، الآيات الكريمات السابقات وضحت أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان.وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد (بما كسبتم وكسبت أنفسكم).
وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، ومعنى الآيات: أن اليهود لعنهم الله عز وجل قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا.وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله. وقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية، ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد).
فإن أصروا وجادلوا قلنا: قال الله تعالي في محكم التنزيل {إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى {ثم قال له كن فيكون}، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته، وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية {لما خلقت بيدي} أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه.
[المفتاح الرابع]: مجاز العين في القرآن الكريم: المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، فتأتي كناية على شدة العناية والحفظ والحراسة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة.
وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
المفتاح الخامس: مجاز الساق: (الساق): في مجاز اللغة يحمل على الشدة و الكرب: تقول العرب: قامت الحرب على قدم وساق إذا اشتد كربها وحمي وطيسها، والآية التي ذكرت فيها الساق قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، وقد أخرج شيخ المفسرين الطبري في تفسيره بسنده: عن حبر الامة عبد الله بن عباس: يوم يكشف عن ساق قال عن أمر عظيم كقول الشاعر وقامت الحرب بنا على ساق، ، ونقل عنه قوله : يكشف عن أمر عظيم ألا تسمع العرب تقول وقامت الحرب بنا على ساق، وقوله يوم يكشف عن ساق هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة، وعن مجاهد قوله يوم يكشف عن ساق قال شدة الأمر وجده، وعن سعيد بن جبير قال عن شدة الأمر- كما سبق ذكره- وليس الطبري وحسب ولكن سواد المفسرين الأعظم على ذلك التأويل.
***
(تاسعاً) مفاتيح حل إشكالية الاستواء بأيسر عبارة وأسهل دليل
(تنبيه): حذرا من التكرار مع انّ العلم الراسخ لا يمل أحد من تكراره، فإنّ اغلب مفاتيح التقديس التي ذكرتها عند حديثي على سورة الإخلاص فإنها تتعلق بتقديس الله تعالى عن المعاني الحسية للاستواء، وعند حديثي في الفصل السادس: مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند الجمع بين معاني القرب والاستواء والإحاطة.
(الاستواء): ذكر في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية، أما جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف ولا حد ولا صورة ولا يحده مكان ولا يجري عليه زمان، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، وقد أوردت في مبحث (مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند الجمع بين معاني القرب والاستواء والإحاطة) مفاتيح الأيات السبعة التي وردت في الاستواء بما لا يدع مجالا لشاك بأنّ استواء الله على العرش استواء صفات لا استواء ذات.
فعند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء تدبير وملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يعتقد اهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته.
أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، والحل الأمثل لإشكالية الاستواء، هو المفتاح القرآني، فقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير.
فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، و(الثاني): قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد 2]، المفتاح: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}، جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش)، الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى {وسخر}، وقوله تعالى {يدبر الأمر}، وقوله تعالى {بلقاء ربكم}، فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير.
وقد جمع الله تعالى في سورة الحديد في آية واحدة بين الاستواء والمعية، فقال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]. فجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالتدبير والربوبية والهيمنة والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء.
إنّ أهل التنزيه والتقديس في هذه الأمة يفهمون العرش على أنه أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان، وعن العرش فالقرب قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير) والاستواء استواء الصفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولم يكن له كفواً أحد.
***
(عاشراً) حل إشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم
تمهيد: إنّ أصعب المسائل العقدية مسألة الكلام: حتى أنّ البعض زعم أن هذا العلم (علم العقيدة) إنما سمي بعلم الكلام بسبب هذه المعضلة، والفتنة الكبرى التي كانت بين المعتزلة وأهل السنّة (فتنة خلق القرآن) في زمان الإمام أحمد رحمه الله، و كانت بسبب الاختلاف في كلام الله وهل هو قديم أم مخلوق، وهل هو صفة معنوية قائمة بالذات أم صفة فعلية يترتب عليها أثر في حق المخلوق، والكلام إذا نسب لله فلابد وأن يكون قديما كقدم الذات، وكيف يكون قديما وهو عبارة عن أصوات وحروف والأصوات محدثة والحروف متعاقبة يجري عليها الزمان، وما جرى عليه الزمان فهو محدث، وكلام الله تعالى صفة من صفاته فلابد وان يكون قديما أزليا منزها عن الحدوث، والآيات القرآنية نصت على صفة الكلام لله، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، والآية جاءت على سبيل التأكيد بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، فدل ذلك على انّ لله تعالى صفة الكلام على الحقيقة، وصفات الله تعالى تابعة لجناب ذاته فلابد وان تأخذ حكم الذات، فلها القدم الأزلي والكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا وتقدست صفات الله عن النقصان، ولو قبل النقصان انتفى عنه الكمال المطلق، فتنتفي الإلهية التي من خصائصها الكمال المطلق، هذا حكم كلام الله القائم بذاته، وقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، فدل ذلك على أنّ القرآن الكريم كلام الله على الحقيقة، يأخذ حكم الصفات الإلهية من القدم والكمال، وهنا لابد وأن يكون الكلام قديما، ولكن نسب الله تعالى إلى كلامه (القرآن الكريم) الحدوث في آيتين من كتاب الله، (الأولى): قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]، و(الثانية): قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5]، والحدوث ضد القدم.
وكذلك جاء في موضعين من القرآن الكريم نسبة القرآن الكريم إلى جبريل عليه السلام وإلى النبي صلى الله عليه وسلم، في الموضع الاول إلى جبريل عليه السلام، قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}[التكوير: 15 إلى 21]، والموضع الثاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الحافة: 38، 43]، فدل ذلك على انّ المسموع هو قراءة جبريل عليه السلام، وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وهاهنا يكون الكلام محدثا، لأنّ جبريل عليه السلام والنبي صلى الله عليه وسلم مخلوقان من خلق الله، وجبريل عليه السلام خير الملائكة والنبي صلى الله عليه وسلم خير البشر، وفي سورة المدثر توعد الله تعالى من نسب القرآن إلى البشر بسقر، قال تعالى: {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر: 26 إلى 28].
فالقرآن أنى تصرف فهو كلام الله، يبلغه جبريل عن الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويبلغه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله إلى أمته وإلى الناس جميعا، فالقرآن كلام الله المعجز الذي تحدى الله تعالى به الخلق أجمعين، قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:٨٨]، وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة:٢٣]، وهنا نحتاج إلى وقفة تدبر نجمع فيها بين الأدلة كما جمعها السادة المتخصصون، ونعلم منها المراتب المتعددة التي تتعلق بكلام الله، فإذا كان الكلام من الله فلابد وان يكون قديما وإذا كان من جبريل عليه السلام أو من الرسول صلى الله عليه وسلم أو من أحد القراء من امته فلابد وان يكون محدثا، ولكنه أنى تصرف فهو كلام الله لفظا ومعنى.
ولذلك سوف أتناول إن شاء الله حل شبهات هذا المبحث الشائك من خلال تلك النقاط: (1) أقوال الفرق في مسألة الكلام، (2) الله تعالى من صفاته الأزلية الكلام (3) الأدلة على صفة الكلام النفسي لله تعالى، (4) الأدلة على أنّ القرآن هو كلام الله على الحقيقة، (5) معنى قوله تعالى {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، (6) معنى قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ}، (7) القرآن كلام الله المعجز الذي تحدى به الجن والانس، (8) قواعد التقديس المتعلقة بكلام الله القديم، (9) الجمع بين الأدلة وتنزيل كل دليل على مرتبته الخاصة به، (10) المذهب المختار في صفة الكلام، (11) الرد على المعتزلة في مسألة خلق القرآن (12) الرد على الحنابلة في مسألة قدم الحرف والصوت، (13) الرد على التيمية والوهابية في مسألة قديم النوع حادث الآحاد، (14) خلاصة القول في مسألة الكلام، (15) درر من أقوال أهل التقديس في بيان صفة الكلام،.
[المفتاح الأول]: أقوال الفرق في مسألة الكلام: منذ نزل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم والمذهب المعروف عند علماء السلف الصالح ان كلام الله صفة لله وصفات الله تابعة لجناب ذاته، وجناب ذاته أزلي لا أول له ولا آخر ولا بداية ولا نهاية لقوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3}، وقول نبيه صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) [أخرجه مسلم].ولذلك قالوا إن القرآن الكريم كلام الله وكلام الله صفة لله وصفات الله تابعة لجناب ذاته، لا يشكون في ذلك ولا يخطر ببالهم سوى ذلك.
حتى جاءت المعتزلة ووجدت أن المسموع من القرآن هو الأصوات والحروف، وهذه مخلوقة لا جدال في ذلك، لان الحروف متعاقبة يجري عليها الزمان ففي قولنا بسم الله الرحمن الرحيم لابد وان تكون الباء قبل السين والسين قبل الميم، والأصوات أعراض محدثة يطرأ عليها الابتداء والاستمرار والسكوت وهذه صفات المحدث المخلوق، ووجدوا أن صفات الله قديمة أزلية تابعة لذاته ووجدوا أنّ القديم الأزلي لا يصح معه تعاقب الحروف والأصوات، ولا يطرأ عليه سكوت ولا يصح أن مستمرا متواصلا لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمان، فزعموا أنّ كلام الله ليس صفة لذاته وإنما هو مخلوق يخلقه الله في محل كالشجرة أو لا في محل فيُسمع هذا الكلام لمن شاء من خلقه، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]، وقوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5]، والحدوث ضد القدم، وليس للحدوث عندهم معنى سوى المخلوق، ولم يكونوا على قدر من العلم والتوفيق يسمح لهم بجمع الآيات والأحاديث المتعلقة بصفة الكلام وتنزيل كل دليل منزلته المنوطة به، ولم يكن الله قد فتح عليهم بمعرفة الكلام النفسي الأزلي القديم وما هي صفاته، وسار على قول المعتزلة فيما بعد بعض الشيعة الزيدية والإمامية وبعض الخوارج، والقرآن عندهم مخلوق محدث.
وكرد فعل لقول المعتزلة، وقف الإمام أحمد رحمه الله وقفته المعروفة في محنة القرآن ولم يزد على قوله (القرآن كلام الله غير مخلوق) ورفض قول المعتزلة وصبر على البلاء والمحنة في زمان المأمون وفي عهد خلفه المعتصم بالله والواثق بالله وكانوا على مذهب المعتزلة، وانتهت بوصول المتوكل على الله إلى الحكم، فرفع المحنة وأزال الفتنة.
ولكن حشوية الحنابلة الذين لا باع لهم في معرفة أصول الدين ولا رسوخ في العلم يمكنهم من التفريق بين المحدث والقديم، وهم لا يعلمون مقصود أهل التخصص العقدي بقولهم (قديم أزلي) في حق الله تعالى، لأنهم ما عهدوا القدم إلا قدم الزمان وحسب، هؤلاء الحشوية وكرد فعل لخلل المعتزلة ردوا عليهم بخلل جديد فقالوا الحروف قديمة والأصوات أزلية قديمة وغالى المغالون منهم فقالوا الورق الذي كتب عليه القرآن قديم.
وهؤلاء ظهروا في زمان الإمام البخاري فرد عليهم بأن القرآن كلام الله قديم ولكن أصواتنا بالقرآن مخلوقة والمسموع كلام الله القديم وأصواتنا وقراءتنا للقرآن من أعمالنا وهي مخلوقة، وتعرض الإمام البخاري للمحنة كما تعرض لها الإمام أحمد ولكن هذه المرة لم تكن من المعتزلة وإنما من حشوية الحنابلة الذين لا علم لهم بالأصول والفرق بين المحدث المخلوق والقديم الازلي، وفضلاء الحنابلة آنذاك على مذهب الإمام أحمد لا يزيدون على قوله (القرآن كلام الله غير مخلوق) ولم يتعرضوا لمسألة الكلام الأزلي القديم، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع انه الفتح الأكبر في المسألة كما سيأتي، وهو مما لا ينبغي لأحد من العقلاء أن يخالف في ثبوته لله تعالى لتواتر الأدلة عليه وهو الحل لكل معضلات المسألة كما سيأتي.
والحاصل ظل الهرج والمرج بين المعتزلة والحشوية هذا يقول لا يعقل إلا مخلوقا لأنه أصوات وحروف متعاقبة خاضعة للزمان لا يُعقل إلا أن تكون مخلوقة، وهذا يقول الأصوات أزلية والحروف قديمة، إلى أن شاء الله بالفتح على يد الإمامين المحققين البارعين المهديين الموفقين صاحبي المذهبين الذين صارا فيما بعد جناحي أهل السنّة والجماعة في أصول الدين، الامام المجدد إمام اهل السنّة والجماعة الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، والأمام ناصر الدين أبو منصور الماتريدي إمام الهدى وإمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين فقاما على تأسيس المذهب العقائدي الواسع للجماعة الناجية كما قام أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد على تأسيس المذهب الفقهي الواسع لأهل السنّة والجماعة، وكم جعل الله على أيديهما حلاً لمشكلات عويصة ضل فيها الآخرون كمشكلة الرؤية والكسب والقضاء والقدر والكفر والإيمان والصحابة والآل، فجمعا ادلة الكتاب والسنّة في مسالة الكلام ونزلا كل دليل على مرتبته الخاصة به فكانت النتيجة المذهب الأمثل: الذي يجعل كلامَ اللهِ يُطلقُ على مرتبتين:
(الأولى):الكلامِ النفسيِّ القديمِ القائمِ بذاتهِ تعالى، و (الثانية) الكلامِ اللفظيِّ الذي نقرؤه (القرآن الكريم)، وبهذا صاغا المذهب الأقرب إلى الحق، ووجدا الحل الأمثل لإشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم، والمتمثل في بيان أنّ الكلام النفسي هو الكلام القديم القائم بذات الله وأنه يستحيل (القدم) مع الحرف والصوت، ويستحيل مع القدم ابتداء الكلام أو السكوت، وانه يستحيل مع القدم التغير والحدوث، ثم تفصيل الكلام في الكلام اللفظي (القرآن الكريم) بما يناسب كل مرتبة من مراتب الكلام المتعددة، وبهذا يكونوا قد جمعوا بين الأدلة وانزلوا كل دليل على مرتبته الخاصة به، وصاغوا المذهب المختار في صفة الكلام وردوا على المخالفين بأدلة القرأن والحديث وجاءوا بدرر من التنزيه والتقديس المتعلقة بكلام الله القديم، وسياتي بيان ذلك بالتفصيل.
ولكن لما كانت البدع تجري بأصحابها جري الدماء في العروق فقد ظلت المعتزلة على بدعتها وظلت الحشوية على بدعتها وجاء ابن تيمية سامحه الله بمذهب بدعي جديد خليط بين قول الكرامية والسالمية والحشوية واهل الاعتزل، وهو قوله (قديم النوع حادث الآحاد) وهو من المستحيلات لأنه إذا كان قديما فلن يقبل الحدث وإذا كان حادثا فلن يكون قديما أزليا، ولأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، الحاصل: أنّ هذا القول الشاذ المستحيل تصوره أماته في مهده اهل الأصول والتخصص وقضوا عليه لتناقضه، حتى جاءت فتنة أهل نجد متمثلة في ظهور الوهابية فأحيوا ما اماته العلماء من أخطاء ابن تيمية وقالوا كما قال بأنّ القرآن قديم النوع محدث الآحاد، وسيأتي بيان شبهتهم والرد عليها إن شاء الله عز وجل.
[المفتاح الثاني]: الله تعالى من صفاته الأزلية الكلام: الكلام صفة لله تعالى على الحقيقة، وكما أنّ له العلم صفة ذات، فإنّ له الكلام صفة ذات: قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، والآية جاءت على سبيل التأكيد بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، فدل ذلك على انّ لله تعالى صفة الكلام على الحقيقة، وصفات الله تعالى تابعة لجناب ذاته فلابد وان تأخذ حكم الذات، فلها القدم الأزلي الذي هو من خصائص جناب الذات، ومما يؤكد صفة الكلام لله، قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}[الأعراف: 143]، وقوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148]، قال القرطبي في تفسير الآية: (ألم يروا أنه لا يكلمهم بين أن المعبود يجب أن يتصف بالكلام) [تفسير القرطبي]، وكلام الله تعالى القديم صفة لجناب ذاته، لها الإطلاق، فلا حد ولا عد ولا بداية ولا نهاية لصفاته: قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، فلو كان كل شجرة في الأرض أقلاما والبحر مدادا لنفد الماء وتكسرت الأقلام قبل أن تنفد كلمات الله، مما يدل على انّ كلام الله لا بداية ولا نهاية، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27]، فالآية تفيد أن كلماته غير متناهية، فلو أن البحار التي خلق الله كانت مدادا تكتب به، والشجر الذي خلق الله أقلاما تخط به، لنفد مداد البحور، ونفدت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله، فلا يقاس كلام الله تعالى بالكلام المخلوق المحدود المعدود، كلام الله تعالى صفة لذاته فلا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية.
[المفتاح الثالث]: القرآن هو كلام الله على الحقيقة: قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، فالقرآن الكريم كلام الله تعالى على الحقيقة غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك كلام الله، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم على الحقيقة، وقد توعد الله تعالى من نسب القرآن الكريم إلى غير الله بسقر، قال تعالى: {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر: 26 إلى 28]، تحذير عظيم من نسبة القرآن إلى غير الله، ولذلك قال الطحاوي: (من سمعها – أي آيات القرآن – فزعم أنها كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وأوعده بسقر حيث قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} فلما أوعده الله تعالى بسقر على قوله: {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَر}ِ علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر) أهــ([127])
المفتاح الرابع: معنى قوله تعالى {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}: نسب الله تعالى قراءة القرآن في موضعين من كتابه الكريم في أحدهما إلى جبريل عليه السلام، فقال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}[التكوير: 15 إلى 21]، والموضع الثاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الحافة: 38، 43].
فدل ذلك على انّ المسموع بالصوت والحرف هو قراءة جبريل عليه السلام، وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي قراءة القراء من امته صلى الله عليه وسلم، ودل ذلك على انّ الكلام كلام الله والمسموع هو كلام الله ولكن القراءة قراءة الرسول جبريل عليه السلام، والمسموع هو كلام الله ولكن القراءة قراءة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهاهنا لفتة مهمة وهي ان اللفظ في الآية {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، فلم يقل إنه لقول ملك كريم ولا قال إنه لقول نبي كريم، بل بلفظ رسول، لأن الرسول لا يأتي بقول من عنده، وإنما القول الذي جاء به هو ما أرسل به من عند الله، إلى الناس كافة، والأمين لا يخون ولا يبدل، فكان القرآن الذي جاء به مصونا من أن يتسلط عليه أحد، وقد بين القرآن مهمة الرسول، فقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور:54، العنكبوت:18]، فكان قوله:{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } بمنزلة قوله: لتبليغ رسول كريم، أو مسموع من رسول كريم.
وليس معناه: أنه أنشأه، أو أحدثه، وقد توعد الله تبارك وتعالى من قال: إن القرآن كلام البشر بأن يصليه سقر، فقال سبحانه عن الوليد بن المغيرة: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر:٢٢ – ٢٦]، فنسأل الله السلامة والعافية.
المفتاح الخامس: معنى قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ}: نسب الله تعالى الحدوث إلى كلامه في آيتين من كتاب الله، (الأولى): قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]، و(الثانية): قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5]، والحدوث ضد القدم، وقد اتفقت كلمة المفسرين والأصوليين على ان المقصود بالمحدث أي إلينا، إذ كل ما تعلق بالقديم قديم وما تعلق بالمحدث محدث، قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: ما يحدث الله من تنـزيل شيء من هذا القرآن للناس، ويذكرهم به ويعظهم إلا استمعوه، وهم يلعبون) أهــ ([128]) .
وقال القرطبي: (أي ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث، يريد في النزول وتلاوة جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما كان ينزله الله تعالى عليه في وقت بعد وقت، لا أن القرآن مخلوق) أهــ،([129])
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وقوله: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث فالمراد أن تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه) أهــ،([130]) .
وجاء في الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: ({مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} يعني: ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن يُذكِّرهم ويعظهم به {إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} يستهزئون به) أهــ، ([131]) .
وجاء في تفسير البغوي معالم التنزيل: ({مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} يعني: ما يحدث الله من تنزيل شيء من القرآن يُذكِّرهم ويعظهم به) أهـ ([132])
فالحدوث متعلق بما نزل إلينا وليس ما نزل من عند الله، فالمرادُ به مُحْدَثُ الإتيانِ لهم لا الوجودِ، لأنّه قديمٌ في العين أزلي الوجود، حادث في الإتيان، والقاعدة أنّ كل ما تعلق بالله قديم أزلي وكل ما تعلق بالمخلوق حادث مخلوق مثله.
[المفتاح السادس]: القرآن كلام الله المعجز الذي تكفل بحفظه وتحدى به الجن والانس: قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقال تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[فصلت: 42]، وقد تحدى الله عز وجل الجن والانس على ان يأتوا بمثله، قال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء 88]، نزلت الآية تكذيبا لقول المشركون عندما ادعوا أنهم قادرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، كما حكى القرآن عنهم {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الانفال: 31]، ففي هذه الآية يقول الله: قل لهم يا نبي الله وأخبرهم بأنه لو اجتمع الإنس والجن واتفقوا على أنهم يأتوا بمثل هذا القرآن فإنهم لن يستطيعوا، ولو كان بعضهم لبعض مناصراً، ثم تحداهم بعد أن عجزوا عن الإتيان بمثله بأن يأتوا بعشر سور من مثله كما في قوله سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [سورة هود:13]، أي: إن قلتم بأن محمداً افتراه من عند نفسه فأتوا بعشر سور مثله، واستعينوا بمن استطعتم من دون الله عز وجل إن كنتم صادقين.
بل قال سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [سورة يونس:38]، تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله كما في قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:23-24]، أي إن كنتم في شك مما أنزلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ} مِنْ مِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، فإنكم لا تستطيعون ذلك، فالقرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.، واعظم التحدي فيما يكون في المستقبل، لقوله تعلى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا}، وهذا من أعظم الأدلة على اعجاز القرآن وانه من عند الله، خمسة عشر قرنا من الزمان ولم يأت أحد بآية واحدة يعارض بها كلام الله.
[المفتاح السابع]: وأنعم به من مفتاح: الأدلة على صفة الكلام النفسي لله تعالى:
أثبت القرآن الكريم (الكلام النفسي) بما لا يدع مجالا للشك، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول النفسي: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد ولم يكن بصوت، ولكن سمعهم الله السميع العليم، وقال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، فالقول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}بصوت يُسمع:.
وقال تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، قول النفس: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه {وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ}، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، وقال تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت.
وقال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، والكلام النفسي يقبل معاني القدم فلا يكون بحرف ولا صوت وقد كان فتحا في العلم أن يفرق أهل الأصول ما بين نوعين من الكلام، الكلام النفسي القائم بالنفس، والكلام اللفظي الذي يكون بحرف وصوت،.
وقد أثبت الأصوليون من أهل السنّة والجماعة (الأشاعرة والماتريدية) لله تعالى القسم الأول (الكلام النفسي) على وجه الحقيقة، وقالوا: إنه معنى قديم قائم بذاته ليس بحرف ولا صوت، قال الباقلاني: (ومما يدل على أن حقيقة الكلام هو المعنى القائم بالنفس من الكتاب والسنة وكلام العرب ما نذكر… وقوله تعالى مخبرا عن الكفار: {ويقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول}، … وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: (يقول الله تعالى إذا ذكرني عبدي في نفسه…) ويدل على ذلك أيضا قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (زورت في نفسي كلاما فأتى أبو بكر فزاد عليه) فأثبت الكلام في النفس من غير نطق لسان، وعمر رضي الله عنه كان من أجل أهل اللسان والفصاحة…. والعربي الفصيح يقول: كان في نفسي كلام، وكان في نفسي قول، وكان في نفسي حديث إلى غير ذلك، وأنشد الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما:: جعل اللسان على الفؤاد دليلا([133])
وهذا الكلام النفسي -للأسف- نفته المعتزلة وهذا خطؤهم، لأن الآيات تذكره، وأثبتوا لله الكلام اللفظي فقط، ولما كان الكلام اللفظي بحرف وصوت فمحال ان يكون قديما، قالوا أن الله يخلق الكلام في غير ذي محل، وأما الحنابلة فقد أثبتوا الكلام اللفظي وجعلوه قديما يحرفه وصوته وهذا محال، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع انه الفتح الأكبر في المسألة، وهو مما لا ينبغي لأحد من العقلاء أن يخالف في ثبوته لله تعالى.
[المفتاح الثامن]: قواعد التقديس المتعلقة بكلام الله تعالى: كلام الله صفة لذاته وصفات الذات تابعة للذات وذات الله تعالى أحدية لا تقبل الابعاض والاجزاء وصمدية لا تقبل التركيب ولها القدم الازلي مقدسة عن التغير والحدوث بلا بداية ولا غاية ولا حد ولا نهاية لها الغنى الكامل والكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان ولا تحتاج في وجودها إلى المكان ولا يجري عليها زمان، وصفات الله تابعة لجناب ذاته فلا بداية تبتدئ منها ولا نهاية تنتهي إليها أزلية قديمة لا تقبل التغير أو الحدوث ولا تقبل التجدد ولا يجري عليها زمان، فإذا كانت صفة الكلام صفة ذاتية لله فلا بد وأن تكون قديمة، (صفة الكلام): إذا كانت قديمة فيستحيل القدم مع الحرف والصوت، ويستحيل القدم مع ابتداء الكلام ومن ثم السكوت، ويستحيل القدم مع التغير والحدوث.
ولهذا فمن فهم معاني القدم الأزلي يستحيل ان ينسب إلى كلام الله تعالى هذه الأشياء، وقد وردت آثار تدل على ان كلام الله بحرف وصوت، ولكنّ الحرف محمول على تلاوتنا نحن للقرآن ولم يصح حديث واحد في نسبة الصوت لله، فلا يمكن اثبات المحال إلى كلام الله القديم الازلي، ولما علمت المعتزلة ذلك زعمت أنه مخلوق، الشاهد كلام الله القديم منزه عن الحرف والصوت، لأنّ الحروف يسبق بعضها بعضاً، فمثلاً: بسم الله الرحمن الرحيم: لابد أن تكون السين بعد الباء والميم بعد السين، فالحروف متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا محدث وليس بقديم، فمحال نسبة القدم إلى الحروف ومن نسبها من الحنابلة فقد دخل عليه ذلك من باب الجهل بمعنى القدم الأزلي الاصطلاحي عند علماء الأصول وقصارى علمه إنما في القديم بمعنى قدم الزمان أما القدم الازلي فمعناه منع الابتداء والافتتاح (أول بلا ابتداء) والله تعالى لو تكلم بهذه الحروف إما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والتوالي، والأول باطل لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على هذا التعاقب والتوالي، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى، والثاني باطل لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة، ومحال أن تقوم بذات الله صفة محدثة.
فصفة الكلام لله صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه، منزهة عن كل معاني الحدوث، ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن.
وكلام الله القديم ليس كمثله كلام فهو قائم بذات الله ليس بحرف ولا صوت ولا يتجدد ولا يطرأ عليه سكوت ولا يتصف بتقديم ولا تأخير ولا ابتداء ولا انتهاء ولا كل ولا بعض ويتعلق بكل ما يتعلق به العلم، فكلاهما عام التعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، ولا تتناهى متعلقات كلامه وهو واحد، لكن تعلق العلم على سبيل الكشف، أما تعلق الكلام فعلى سبيل الدلالة، فالعلم كشف الشيء على حقيقته بغير سبق خفاء، والكلام دلالة على مراد الله بغير سبق سكوت، فصفة الكلام ليست هي صفة العلم، ولا هي صفة الإرادة، بل هي صفة ذاتية تدل على أوامر الله.
(صفة الكلام) قديمة لا يجري عليها زمان، فلا يتجدد له كلام، ولا يكون الزمان فاعلا في كلامه القديم، له الكمال المطلق في كل صفاته، ومنها كلامه فلا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل كلامه قديم ولا عجب من ذلك فالله كلمنا وخاطبنا بالقرآن القديم قبل أن نوجد لأننا كنا في علم الله القديم، و(الكلام الأزلي القديم) لا يقال عنه: أن الله يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء لأنّ هذا يجعل الكلام محدودا مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان، وهذا نقص يتنزه الله تعالى عنه، و(كلام الله) له الكمال المطلق فلا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا وتقدست صفات الله عن النقصان، ولو قبل النقصان انتفت عنه الإلهية والكمال المطلق.
وكلام الله القديم ليس من جنس كلام البشر بحرف وصوت، فالحروف يسبق بعضها بعضاً، فمثلاً: بسم الله الرحمن الرحيم: لابد أن تكون السين بعد الباء والميم بعد السين، فالحروف متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا محدث وليس بقديم، وكلام الله القائم بذاته لا يكون إلا قديما، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما}، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم، أزال الله المانعَ عن سمع موسى، فسَمعَ كلامَ الله القديم من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود.
قال الغزالي: (ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون، وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره، فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات، فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات، وإن عقل كون السماوات السبع وكون الجنة والنار مكتوبة في ورقة صغيرة ومحفوظة في مقدار ذرة من القلب، وأن كل ذلك مرئي في مقدار عدسة من الحدقة، من غير أن تحل ذات السماوات والأرض والجنة والنار في الحدقة والقلب والورقة، فليعقل كون الكلام مقروءاً بالألسنة محفوظاً في القلوب مكتوباً في المصاحف، من غير حلول ذات الكلام فيها، إذ لو حَلّت بكتاب اللّه ذاتُ الكلام في الورق، لحلت ذات اللّه تعالى بكتابة اسمه في الورق، وحلت ذات النار بكتابة اسمها في الورق ولاحترق) أهـ،([134]).
وقال الرازي عند تفسير قوله تعالى {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا}: (وكما لا يبعد أن ترى ذات الله مع أنه ليس بجسم ولا في حيز فأي بُعد في أن يسمع كلام الله مع أنه لا يكون حرفا ولا صوتا) أهــ، ([135]).
وصفة الكلام مطلقة لا حد لها، قـال تعالى:{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 1.9]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27]، ولا يوصف كلام الله تعالى بجهر ولا سر ولا تقديم ولا تأخير ولا وقف ولا سكوت ولا وصل ولا فصل، لأن هـذا كله من صفات الحوادث، وهى محالة عليه تعالى، وكلام الله تعالى القديم لا يجري عليه زمان وليس هو تعاقب الحروف ولا الكلمات، فإن الله تعالى منزه عن جريان الزمان عن جناب ذاته وصفاته وأفعاله، وإنما يجري الزمان على خلقه ومتعلقات كلامه، وهذا الكلام القديم الأزلي يجب أن يكون معنى وراء الأصوات والحروف، وهو المعنى القائم بذات الله تعالى، وهو غير العبارات واللغات لأنها محدثات متغيرات، وكلام الله أزلي أبدي له الكمال المطلق ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمان، وكلام الله كما لا يقبل العدم ولا ما في معناه من السكوت ولا التجديد ولا البعض ولا الكل ولا التقديم ولا التأخير ولا اللحن ولا الأعراب ولا سائر التغيرات، ليس كمثل كلامه كلام لا يشبه كلامَ المخلوقيَن ليس لكلامه ابتداء، وليس له انتهاء، وليس هو بحروف متعاقبة وأصوات مخلوقة محدثة.
وكلامه سبحانه واحد وانقسامه إلى الأمر والنهي والاستفهام والخبر والنداء بحسب التعلق، فهو صفة واحدة، لا تعدد فيها، لكن لها أقسام اعتبارية، فمن حيث تعلقه بطلب فعل الصلاة (أمر)، ومن حيث تعلقه بطلب ترك الزنا (نهى)، ومن حيث تعلقه بأن فرعون فعل كذا (خبر)، ومن حيث تعلقه بأن الطائع له الجنة (وعد)، ومن حيث تعلقه بأن العاصي يدخل النار (وعيد)، إلى غير ذلك من الأقسام، والقرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان المخلوقة مقروء بالألسنة المخلوقة مكتوب في المصاحف المخلوقة محفوظ في القلوب والصدور المخلوقة، لكنه كلام الله على الحقيقة صفة قائمة بذات الله تعالى، لا تقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق.
لقد أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة، (فقالوا): صفة الكلام من صفات الفعل، وأنه قديم النوع حادث الآحاد، بمعنى أنه ينشئ الكلام متى شاء ويسكت عن الكلام متى شاء، وجعلوا الزمان فاعلا في الكلام، وهم لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالزمان ينشئ الكلام متى شاء ويسكت عنه متى شاء، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية، بل محدثة، وهي ليست مطلقة بل محدودة، والقرآن الكريم – على لازم قولهم – محدث لأنه كان بعد أن لم يكن، ويحدون الصفة في حال السكوت على ظنهم، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109].
يقولون (قديم النوع حادث الآحاد) ولنا ان نتعجب إذ كيف يكون اللفظ الإلهي حادثا شخصًا ويكون في نفس الوقت قديما نوعًا، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثا حتمًا، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديمًا بالنوع، وهذا محال أشد ما يكون بعده عن تدقيق المتخصصين، وهو متناقض، لأنّ الذي يقبل حدوث آحاده لا يكون قديما أبدا وكيف يكون قديما وهو يقبل المحدثات، ولكن إذا لم يكن لديك تخصص فقل ما شئت، و(العجب) من أهل الحشو يغارون على ابن تيمية أن نتكلم في اخطائه ولا يغارون على الله العظيم أن ننسب إليه الحدوث، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
[المفتاح التاسع]: الجمع بين الأدلة وتنزيل كل دليل على مرتبته الخاصة به: لكل كلام مرتبته فكلام القديم قديم وكلام المخلوق مخلوق ولكن كلام الله أنى تصرف فهو كلام الله بلفظه ومعناه غير مخلوق فالقرآن كلام الله على الحقيقة وأصواتنا بالقرآن مخلوقة، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96].
والذي ينبغي بيانه: أنّ هناك قسمان من الكلام:
(القسم الأول): هو (الكلام النفسي) وهذا اثبته السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية وهما المدرستان المتخصصتان في العقائد الإسلامية بحق، وقد أيدوا قولهم بأدلة القرآن، وهذا الكلام الأزلي القديم القائم بذات الله هو الذي نفته المعتزلة وهذا خطؤهم، لأن الآيات تذكره، وأثبتوا لله الكلام اللفظي فقط، ولما كان الكلام اللفظي بحرف وصوت فمحال ان يكون قديما، قالوا أن الله يخلق الكلام في غير ذي محل، وأما الحنابلة فقد أثبتوا الكلام اللفظي وجعلوه قديما بحرفه وصوته وهذا محال، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع انه الفتح الأكبر في المسألة، وهو مما لا ينبغي لأحد من العقلاء أن يخالف في ثبوته لله تعالى.
والقسم الثاني من الكلام وهو (الكلام اللفظي): وهو الذي سمعه النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل عليه السلام وسمعه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وسمعه التابعون من الصحابة رضي الله عنهم وهو الذي نسمعه بصوت الحصري والمنشاوي وعبد الباسط وغيرهم من مشاهير القراء، فالقائم بذات الله لا خلاف بين الأصوليين أنه كلام الله على الحقيقة لفظا ومعنى، والذي نسمعه من القراء هو أيضا كلام الله على الحقيقة لفظا ومعنى ولكن بصوت المنشاوي وعبد الباسط فالمتلو كلام الله والذي نسمعه كلام الله ولكن صوت المنشاوي محدث وحرف القرآن الذي نسمعه من المنشاوي محدث، وبذلك نحل الإشكال، فالقرآن أنى تصرف فهو كلام الله والقديم منه ما كان صفة لله قائما بالله، وما كان من المخلوق قائما بالمخلوق من الصوت والحرف فهو محدث.
وهذا هو التحقيق وما عداه إذا صدر عن اهل الأصول فهو يتناول أحد الأقسام، فمن تكلم عن الكلام النفسي فإنه يقول أنه كلام الله القائم بذاته بلا حرف ولا صوت ولا ابتداء ولا انتهاء ولا حد ولا غاية، ومن تكلم عن القرآن الذي نسمعه من المنشاوي وعبد الباسط فإنه يقول أنّه كلام الله بحرف المنشاوي وصوته، وهذا لا شك انه محدث مع أن الذي نسمعه هو كلام الله القديم لفظا ومعنى، وهذا القرآن غير قائم بالله تعالى لأنه تعالى لا يكون محلا للحوادث، بل هو قائم بغيره تعالى، وهو لا يتحقق إلا بحروف وكلمات وألفاظ مترتبة متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا محدث وليس بقديم، أوجده الله تعالى في اللوح المحفوظ، وتلاه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كلام الله حقيقة ومعنى يؤديه الناس بحروفهم وأصواتهم حين تلاوتهم له.
فكلام المعتزلة محمول على اللفظي، ولكنهم ذهلوا عن الأصل وهو الكلام النفسي القائم بالله فنفوه وهذا أكبر أخطائهم في مسألة الكلام، وكلام حشوية الحنابلة الأوائل خليط دون تحقيق فأخذوا القدم من الكلام القائم بالله واخذوا الحرف والصوت من الكلام اللفظي المسموع من الخلق، وذهبوا إلى أن كلام الله تعالى مؤلف من أصوات وحروف مترتبة، وأنها قائمة بذاته تعالى قديمة قدم الذات، ولا يخفى ما في كلامهم من التناقض، فإن قيام الصفة بذات الله تعالى يقتضي قدمها لأن الله تعالى لا يكون محلا للحوادث، وكون الكلام مؤلفا من الأصوات والحروف المترتبة يقتضي حدوثها لبداهة تعاقبها وتجددها المستلزم للحدوث، ومذهبهم حشو يجمع بين المحالات.
وأما ما قاله ابن تيمية بأنه قديم النوع حادث الآحاد، فهذا من أمحل المحال إذ الآحاد في مجموعها هي النوع فكيف يكون النوع قديما والآحاد حادثة لا يستقيم هذا عند من يفهم الفرق بين القديم والحادث وهؤلاء أبعد الناس عن معرفة معنى القديم وأنه لا يقبل الحادث، فجاءوا بالمحال واعتقدوه وسار خلفهم كل جاهل يعتقد انها قاعدة سحرية حلت كل المشكلات (قديم النوع حادث الآحاد)، وهيهات هيهات، ثم لا محال أن يكون الكلام القائم بذات الله تعالى مسموع لمن شاء الله ان يتجلى عليه بكلامه فيسمعه الكلام الأزلي القديم الذي بغير حرف ولا صوت، سمعه جبريل عليه السلام، وسمعه الكليم موسى عليه الصلاة السلام، ويسمعه المؤمنون يوم القيامة، بغير ان يحل في ذواتهم لأنه صفة الله وصفات الله لا تحل بالمخلوق، ومن أجاز رؤية الله على سبيل خرق العادة مقدسة عن الصورة والشكل واللون والجهة والزمان والمكان يسهل عليه تصور سماع كلام الله تعالى على سبيل خرق العادة بغير صوت ولا حرف، ومعتقد كل مسلم أنّ المسموع والمكتوب والمحفوظ هو القرآن الكريم كلام الله على الحقيقة، وكلام الله تعالى القائم بذاته لا ينفصل عنه، ولا يحل في غيره من المحدثات.
وهذه مراتب للوجود، فهناك وجود في الأعيان، وهناك وجود في الأذهان، وهناك وجود في الأسماع، وهناك وجود في الكتابة، فالكتابة تدل على العبارة، والعبارة تدل على ما في الأذهان، وما في الأذهان، صور لما في الأعيان، والأسماع متعلقة بالعبارة، وليس ما في الأعيان بحال في شيء من الأذهان واللسان والقرطاس والآذان، والدليل عليه اننا إذا كتبنا كلمة (النار) على الورقة فإنها لن تحترق لأن كلمة (النار) التي كتبناها على الورقة ليست هي عين النار، وبالتالي فإنّ الأعيان لا تحل فيما سوى الاعيان، واللفظ الدال على تلك الاعيان هو المكتوب والمقروء والمسموع، والكلام كلام الله على الحقيقة.
ويبقى أمر يحتاج إلى إيضاح: وهو أنّ المسموع لسيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ما هو؟ ذهب السادة الأشاعرة إلى انه (الكلام النفسي القديم الذي هو ليس بحرف ولا صوت)، يُسمِعه الله تعالى من يشاء من عباده على سبيل خرق العادة، فإن العادة أن: لا تسمع إلا الأصوات. وذلك على أصلهم: (أن كل موجود يصح أن يسمع كما أن كل موجود يصح أن يرى)، وذهب السادة الماتريدية إلى أن المسموع لهؤلاء هو صوت مخلوق لله تعالى دال على المعنى القائم بنفسه، قال أبو المعين النسفي في التبصرة: (وذكر أبو منصور في كتاب التأويلات أن موسى عليه السلام سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى)، وكان اختصاصه أن الله تعالى أفهمه كلامه بإسماعه صوتا تولى تخليقه من غير أن يكون ذلك الصوت مكتسباً لأحد من الخلق إكراماً منه إياه) أهــ ([136]).
والذي أراه: أنّ كلام السادة الأشاعرة هو التحقيق في المسألة وان كلام السادة الماتريدية قريب محتمل وهما المدرستان المتخصصتان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة وان كلام المعتزلة خطأ وأنّ كلام الحشوية بقدم الحروف والأصوات محال وان كلام التيمية والوهابية بقدم النوع وحدوث الآحاد من أمحل المحال، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، وحتى الحنابلة الذين ينتمي إليهم ابن تيمية براء من هذه التهمة الشنيعة المخالفة لقواعد الأصول جملة وتفصيلا، قال السفاريني الحنبلي في اللوامع (فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها … ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) اهـ([137]).
[المفتاح العاشر]: المذهب المختار في صفة الكلام: هو مذهب السادة الأشاعرة لأنّي أراه التحقيق الذي يجمع بين كافة النصوص ويضع كل نص في المرتبة التي تخصه، وهم أعرف الناس بمعاني القدم الازلي وأنه لا يصلح معه اثبات الحرف والصوت والابتداء والانتهاء (أي ابتداء الكلام والسكوت) ولا يصلح معه الاستمرار والتواصل لأنه هكذا يجري عليه الزمان، وهم أعرف الناس بأنّ قدم الحروف القدم الازلي محال وكذلك قدم الأصوات محال، وأنّ من أمحل المحال ما يقوله أهل الجهل بالمقدمات والإلهيات بقدم النوع وحدوث الآحاد، وكلامهم رسوخ في العلم، وهم يقولون: إنّ (صفة الكلام): صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه، دليلها: قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وأنّ (صفة الكلام) صفة أزلية قديمة منزهة عن كل معاني الحدوث، كلام الله أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن.
وأنّ (كلامه تعالى) صفة واحدة، لا تعدد فيها، لكن لها أقسام اعتبارية، فمن حيث تعلقه بطلب فعل الصلاة (أمر)، ومن حيث تعلقه بطلب ترك الزنا (نهى)، ومن حيث تعلقه بأن فرعون فعل كذا (خبر)، ومن حيث تعلقه بأن الطائع له الجنة (وعد)، ومن حيث تعلقه بأن العاصي يدخل النار (وعيد)، إلى غير ذلك من الأقسام، وأنّ (الكلام) يطلق على الكلام النفسي القديم بمعنى: أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وصفاته كلها قديمة، والكلام القديم الأزلي هو معنى وراء الأصوات والحروف، وهو المعنى القائم بذات الله تعالى، وهو غير العبارات واللغات إذ قد تختلف العبارات واللغات مما يدل على حدوثها، وأنّ (صفة الكلام) غير صفة العلم، عام التعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، مثل العلم، ولكن العلم كشف الشيء على حقيقته بغير سبق خفاء، والكلام دلالة على مراد الله بغير سبق سكوت، وأنّه (أزلي) غير تابع للمشيئة مثله مثل العلم لا يتبع المشيئة.
و(الكلام) صفة قائمة بالنفس قديمة لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى، و (كلامه سبحانه) واحد وانقسامه إلى الأمر والنهي والاستفهام والخبر والنداء بحسب التعلق، وأنّ (كلام الله تعالى القديم) لا يجري عليه زمان فليس هو تعاقب الحروف ولا الكلمات، فإن الله تعالى منزه عن جريان الزمان عن جناب ذاته وصفاته وأفعاله، وإنما يجري الزمان على خلقه ومتعلقات كلامه، وأنّ (كلام الله تعالى) لا حد ولا عد ولا أول ولا آخر لقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27]، وأنّ (كلام الله تعالى) مسموع سمعه الكليم موسى عليه السلام من الله تعالى من غير صوت ولا حرف على سبيل خرق العادة، فقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما}، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم، أي أزال الله المانعَ عن سمع موسى عليه السلام، فسَمعَ كلامَ الله القديم من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود.
ومذهبهم في الكلام والقرآن أعدل المذاهب لجمعه بين الأدلة والتوفيق بينها بما لا يخالف قواعد التقديس المستمدة من أدلة الكتاب والسنة كالتقديس عن الحد والبداية والنهاية والغاية والتقديس عن الحدوث وقبول الحوادث والتقديس عن الأعراض المحدثة التي يجري عليها زمان كتعاقب الحروف والاصوات، فلا انتقاص كما قالت المعتزلة أنّ الكلام مخلوق، فحدوه وعدوه، ولا محال كقول الحنابلة بقدم الحروف والأصوات وازليتها ولا تناقض وتعارض ومخالفة لقواعد التقديس كقول التيمية والوهابية بقدم النوع وحدوث الآحاد.
قال الغزالي: (ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون، وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره، فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات، فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات) ([138]).
وأنّ (القرآن الكريم): الموجود بين أيدينا هو كلام الله على الحقيقة، وانه قديم أزلي، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم على الحقيقة.
[المفتاح الحادي عشر]: الرد على المعتزلة في مسألة خلق القرآن: قالت المعتزلة: القرآن مخلوق يخلقه الله متى شاء ويكلم بهذا الكلام المخلوق من شاء، وقالوا: إذا قلنا: إن القُرْآن كلام الله، فلا يمنع ذلك أن يكون مخلوقاً، لأننا نقول: بيت الله والبيت مخلوق، وناقة الله والناقة مخلوقة، إذاً كلام الله مخلوق، وهذا خطأ، لأننا نقول علم الله وقدرة الله فهل العلم مخلوق وهل القدرة مخلوقة معاذ الله، ولكن بيت الله إضافة تشريف لأن كل البيوت لله، وناقة الله تشريف لناقة صالح لأنها كانت آية وإلا فكل النوق لله.
فالأعيان إذا أضيفت لله فهي على سبيل التشريف والمعان إذا أضيفت لله فهي صفات مثل قدرة الله وعلم الله وكلام الله وعزة الله، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف:54]، فقد فرَّق الله تعالى بين الخلق والأمر، أما الخلق ففعله، وأما الأمر فقوله، والأصل في المتعاطفين التغاير إلا إذا قامت القرينة على عدم إرادة ذلك، وهنا قد قامت القرائن على توكيد الفرق بينهما، ومنها: أن الخلق إنما يكون بالأمر، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[يس: 82]، فقوله تعالى: {كن} هو أمره، فلو كان مخلوقا لاحتاج خلقه إلى أمر، والأمر إلى أمر، إلى ما لا نهاية، وهذا باطل، وقد اكد القرآن الكريم أنّ لله صفة الكلام على الحقيقة وليس فعلا لله كالخلق والرزق، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، والآية جاءت على سبيل التأكيد بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، فدل ذلك على انّ لله تعالى صفة الكلام على الحقيقة، والوصفُ بالتكلُّم مِنْ أوصافِ الكمال، وضده من أوصاف النقص، فالكلام صفة كمال لله عز وجل.
[المفتاح الثاني عشر]: الرد على الحنابلة في مسألة قدم الحرف والصوت: القاعدة عند المتخصصين في علم الأصول وقواعد التقديس: أنّ الحروف متعاقبة، يعقب بعضها بعضًا، وكذلك الأصوات، فلو كان كلام الله بحرف وصوت لكان حادثًا، والله منزه عن الحوادث، فلزم أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت، ولكن للحنابلة رأي آخر وهو أنه يمكن أن تكون الحروف والأصوات أزلية، يقول السجزي الحنبلي: (فإن قالوا: دخول التعاقب إنما يتعين فيما يتكلم بأداة، والأداة تعجز عن أداء شيء إلا بعد الفراغ من غيره. وأما المتكلم بلا جارحة فلا يتعين في تكلمه التعاقب) أهــ([139])
وقال الشيخ أبا بطين الحنبلي:
(وقلتم: الحروف يلزمها التعاقب، ويتقدم بعضها بعضًا، فيلزم أن تكون مخلوقة. قلنا: إنما يلزم التعاقب في حق من يتكلم من المخارج، والله سبحانه غير موصوف بذلك) أهــ ([140])
وإنما التزموا هذا المحال ظنا منهم أنّ أدلة الكتاب والسنّة قد جاءت بالحرف والصوت، فخالفوا القطعي الذي أجمع عليه أهل التخصص بالظني الذي لا يؤيد ما ذهبوا إليه، فأما (الحرف)، فيكفي أهل السنة دليلا على أن الله تعالى لا يتكلم بالحرف ما أنزله الله في القرءان وهو قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [سورة التكوير: 19]، يعني أن القرآن الذي هو اللفظ المنزل هو كلام الله ولكنه مقروء جبريل ليس مقروء الله، وأما (الصوت) فلم يأت فيه حديث صحيح، وهؤلاء يستدلون على الصوت بأحاديث لا يصح الاحتجاج بها في العقيدة عموما فضلا عن اثبات صفات لله وهي في عرف الأصوليين المتخصصين من المحال، وهم لا يعلمون محاذير هذا القول الباطل من نسبة الحوادث والاعراض إلى الله، الشاهد: أحاديث الصوت لا يصح الاحتجاج بها في العقيدة، قال البيهقي في الأسماء والصفات: ” فليس في أحاديث الصوت ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات ” أهــ، ([141])
ومثل ذلك قاله أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (وبيان مفاتيح هذه الأحاديث كما يلي: فقد روى البخاري في الأدب المفرد بصيغة التمريض، قال: ويُذكر، وفيه: (فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ، أنا الملك أنا الديّان)، وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض من أجل راويه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في ضبطه وحفظه، وأخرجه البخاري في صحيحه عند ذكر الصوت معلقا، ولا يكفي في مسائل الاعتقاد المعلق، وذكره البخاري في كتاب العلم بصيغة الجزم من غير ذكر الصوت) أهـ([142])
وعليه فقد قد رجح ابن حجر صنيع البخاري لأنه عندما اشتمل على نسبة الحدث والعرض إلى الله تعالى وهو الصوت جعله معلقا لأنه لا تثبت الصفات إلا بأدلة لا اختلاف فيها، قال البيهقي: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، وعندما لم يذكر الصوت وصل الحديث، ثم اختلف الرواة (فينادي بصوت بكسر الياء، أم فينادى بصوت بفتح الياء)، وكلاهما يحمل على المَلَك، (فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ، أنا الملك أنا الديّان)، واعتراض البعض ممن أكلت البدعة قلوبهم وعقولهم بأن لفظ (أنا الديان) دليل على انّ الله بذاته هو المتكلم لا دليل فيه لأنّ الحكم في نهاية الامر يرجع إلى الله، والملَكَ إذا كان يقول هذا عن الله تعالى فالحكم يرجع إلى الله رب العالمين، والدليل عليه أن الواحد منا إذا تلا قول الله تعالى: {إنًّنِي أَنَا الله} [سورة طه: 14]، فليس يرجع إلى القارئ وإنما القارئ ذاكر لكلام الله تعالى ودالُّ عليه بأصواته وهذا بَيّنٌ لمن لم تأكل البدعة قلبه وعقله، وأخرج البخاري في الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيّك وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار)، ([143]) .
بهذا اللفظ رواه رواة البخاري على وجهين، بعضهم رواه بكسر الدال وبعضهم رواه بفتح الدال، ولا محذور، لإن قرينة قوله: (إن الله يأمرك)، تدل ظاهرًا على أن المنادي الملَكَ يأمره الله بأن ينادي، وأخرج الدارقطني الحديث نفسه بلفظ: (يبعث الله يوم القيامة مناديًا بصوت) ([144]).
وهذا بمثابة المحكم الذي يجب أن نرد إليه المتشابه، وبالتالي تُحل المشكلة، ونكون من الراسخين في العلم الذين يردون المتشابهات إلى امهاتها من المحكم، في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ] [آل عمرن:7]، وأخرج أبو داود في السنن: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل حتى إذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم قال فيقولون يا جبريل ماذا قال ربك فيقول الحق فيقولون الحق الحق) ([145]). والحديث واضح بانّ الصوت للسماء: (سمع أهل السماء للسماء) وهو عند البخاري حديثا معلقا وموقوفا على عبد الله ابن مسعود.
والحاصل: ليس في أحاديث الصوت ما يصح الاحتجاج به، قاله البيهقي في الأسماء والصفات ونقله عنه أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري وقال: (قال البيهقي: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي غير حديثه، فإن كان ثابتا فإنه يرجع إلى غيره في حديث ابن مسعود وفي حديث أبي هريرة أن الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتًا، فيحتمل أن يكون الصوت للسماء أو للملك الآتي بالوحي أو لأجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصًّا في المسألة) ([146]). وقال الكوثري في مقالاته: (ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث) ([147])
وإني لأتعجب أننسب المحال إلى الله بأسانيد فيها نظر ولها مفاتيح ومخارج، والعجب من استدلالات ابن تيمية حيث يقول: (النداء لا يكون إلا بالصوت، وذلك عند قوله تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وينسج تلميذه ابن القيم على منواله فيقول: (وقد ذكر سبحانه النداء في تسعة مواضع في القرآن أخبر فيها عن ندائه بنفسه، ولا حاجة إلى أن يقيد النداء بالصوت، فإنه بمعناه وحقيقته باتفاق أهل اللغة، فإذا انتفى الصوت انتفى النداء قطعا) أهـ ([148])
وعند التحقيق فإنّه ليس شرط النداء ان يكون بصوت، قصاراه أنه في غالب الاستعمال يكون بالصوت، وقد قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا}، نداء خفيا، فيكون تعارض بين زعمه أنه بصوت وبين قوله نداء خفيا أي لا يسمع له صوت، وكثير من اهل اللغة قالوا: النداء طلب الإقبالِ، وله مخرج يحسم مادة المتشابهات، ويرد المتشابه إلى أمهاته من المحكم: ان يُحمل النداء المضاف إلى الله تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن الله تعالى وأمره، ومثل ذلك سائغ في الكلام غير مستنكر، كما قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَونُ فِي قَوْمِهِ} [سورة الزخرف: 51]، وإنما المراد نادى المنادي عن أمره، وأصدر نداءه عن إذنه، واللغة العربية تسمح بذلك، فلم التنطع ونسبة المحال إلى الله وعندنا المفتاح للتقديس والتنزيه، وصدق الله تعالى حيث يقول: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}.
[المفتاح الثالث عشر]: الرد على مذهب ابن تيمية في مسألة قديم النوع حادث الآحاد: من جملة أخطاء ابن تيمية في العقيدة: -لأنه غير متخصص فيها-: قياسه كلام الله تعالى على كلام البشر، وجعله من الحوادث التي تحدث في ذات الله تعالى، فذكر من تلك الحوادث تجدد المعلومات والمسموعات والمبصرات وتعاقب الكلمات، قال في منهاج السنّة: ” قولُنا بقيام الحوادث بالرَّبِّ إنما هو قولٌ له دليلُه من الشَّرْعِ والعقل “([149])، وقال في موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول: (والقولُ الحقُّ الصَّحِيحُ أنَّ الله لم يزلْ مُتَكَلِّمًا بحروفٍ متعاقبةٍ لا مجتمعة) أهــ ([150])، وقال في مجموع الفتاوى: (الله يتكلَّم إذا شاء ويسكتُ إذا شاء) ([151]) .
وهذا كله جهل وضلال منشؤه من قياس كلام الله تعالى الذي ليس كمثله شيء بكلام المخلوق الذي يتكلم ثم يسكت، ونسي أنّ كلام الله تعالى من صفاته القديمة، وأنّ صفات الله تعالى الذاتية لا تعلق للمشيئة والإرادة بها، وما قاله ابن تيمية تكييف لكلام الله على كلام البشر، لأنَّ الذي يَتَكَلَّمُ ثمَّ يسكتُ يستحيلُ في العقلِ أنْ يكونَ إلها، أليسَ السُّكُوتُ بعدَ الكلامِ علامةُ التغيُّر؟ وكَيْفَ يكونُ م/380.َنْ يطرأ عليه تَغَـيُّـرٌ إلها، وقد قال الخليل إبراهيم عليه السلام: {لا احب الآفلين} أي لا يصلح المتغير من حال إلى حال ان يكون إلها، إنّ الله تعالى له الكمال المطلق، وكمال كلام الله تعالى كمال مطلق ككمال جناب ذاته وصفاته، منزه عن أي نقص، كمال يستحيل عليه الزيادة ولا النقصان، لأنه الكمال المطلق، ومن صعب عليه تصور هذا التقديس فليعتزل التخصص في العقيدة ويدعها لأهلها المتخصصين فيها.
لقد أخطأ ابن تيمية واتباعه خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات، لان الإلهيات مبنية على نفي المماثلة، والحس مبني على القياس على المماثلة، لقد أخطأ هؤلاء عندما أهملوا جانب التخصص في الإلهيات وزهدوا في علم التقديس (قسم توحيد جناب الذات) لأنّ من فوائد علم التقديس تصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله وعن ذات الله وعن صفات الله، ولو في دقائق الصفات، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التقديس العقلي والقلبي مع التقديس اللساني، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور جناب الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات، وتصور حقائق الصفات لأنّ ليس كمثل صفاته صفات، ومن فوائد هذا العلم الفهم الصحيح والأمثل للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء لله تعالى، وهو العلم الذي يؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله تعالى، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة، و كما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث، فكذلك فإن علم التقديس والتنزيه – على صعوبة هضمه وفهمه – يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس، لغلبة الحس عليهم، يصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجوده لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه، ولا يتصورون ذاتا لا يحتاج إلى مكان، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان، و (العامة) لا يتصورون كلاماً إلا يسبقه سكوت ويعقبه سكوت، كما هو حال الإنسان يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء، ولا يتصورون كلاما إلا بحرف وصوت، كما هو جنس كلام البشر بحروف تقبل التقديم والتأخير، وأصوات قد تكون عذبة، وقد تكون مستقبحة، تعالى الله تعالى عن تلك الأضداد والأعراض، وهم لا يتصورون كلاما إلا بصوت قد يكون خافتا أو جهورا، هكذا لأنّه لم ير غير ذلك، ولا يتصورون غير ذلك، وعقلهم الباطن يقيس كل ما غاب عنه بما يُشاهده، فيحكم باستحالة أن يكون الكلام بغير صوت.
اتباع الإمام ابن تيمية يتشدقون بانه لا أساس للكلام النفسي الذي قال به أهل التخصص، مع أنه لا مخرج لقدم صفة الكلام إلا بتبني مسألة: (الكلام النفسي) الذي جاء ذكره في القرآن الكريم، إذ لو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، ولكن سمعهم الله السميع العليم، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر، ولو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، لعلموا: أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر بصوت يُسمع: {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا.
وهذا القرآن ينطق بذلك، ولو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، لعلموا أنّ من القول قول السر: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقط، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، ومثله تماماً قوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، ولو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت.
فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص؟ حتى قال بعض الحشوية الأجلاف: (نحن نستدل في الحرف والصوت بقوله تعالى {كهيعص} [مريم:1]، وخصومنا يستدلون بقول الأخطل النصراني (إن الكلام لفي الفؤاد) أهــ، وهذا جهل لان الأدلة من القرآن على الكلام النفسي أبين من الشمس في رابعة النهار، هكذا يقولون وهذا مبلغهم من الجهل المركب فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
ومن جملة أخطاء ابن تيمية نسبته إلى أئمة الحديث وإلى أهل السُّنة والجماعة مذهب الكرامية في مسألة الكلام، ينقل عن أهل السنّة أنهم يقولون: أن الله متكلم بصوت يحدث في ذات الله شيئا بعد شيء، وانه يتكلم بمشيئته وقدرته، وان كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد، وانه بحرف وصوت، وفي هذا جملة من الأخطاء الجسيمة:
(أولها): أنّ هذا المذهب ليس مذهب أهل السنّة وليس مذهب أهل الحديث وإنما هو مذهب الكرامية المجسمة، فمذهب الكرامية: (أن الله تعالى تقوم به كلمات تحدث في ذاته وقتا بعد وقت) وابن تيمية ينسب هذا المذهب الرديء الذي أخذه من الكرامية إلى أئمة أهل الحديث، وأئمة أهل الحديث على خلاف ما يدعيه وما يقول، فإن معتقدهم أن ذات الله تعالى لا تحدث فيه صفة تتجدد من وقت إلى وقت، تتجدد في مرور الأوقات،
و(الثاني): قوله: (قديم النوع حادث الآحاد) وهي بدعة يحتار لها اللبيب لأنها من المحالات والمستحيلات وهي من قبيل التلاعب بالألفاظ، ولنا ان نتساءل إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل المركب، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، وحتى الحنابلة الذين يتمسح بهم ابن تيمية براء من هذه التهمة الشنيعة المخالفة لقواعد الأصول جملة وتفصيلا، قال السفاريني الحنبلي : (فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها … ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) اهـ([152]).
وحتى الحشوية القدامى أمثال أبو حامد والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني فلم يرضوا بهذا الهراء، لأنه إما قديم لا يقبل الحدث وإما محدث، أما بدعة قديم النوع حادث الآحاد، فهذه لم يقبلها حتى أهل الحشو القدامى الموغلون في الحشو، قال أبو الحسن ابن الزاغوني في كتابه الإيضاح في أصول الدين: (لو كان كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون مخلوقا في محل أو لا في محل فإن كان في محل فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري أو ذاتا غير ذاته مخلوقة ومحال أن يكون خلقه تعالى في ذاته لأن ذلك يوجب كون ذاته تعالى محلا للحوادث وهذا محال اتفقت الأمة قاطبة على إحالته) اهـ([153])
فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك بانّ الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد إضافة إلى كونه من المحال، فإنه قد جعل الزمان حاكما على الله لأنه بمرور الزمان تتجدد صفاته من العلم والسمع والبصر والكلام، فيكون حاله قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما.
بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث وأنّ من قبل الحادث فهو حادث وأنّ من كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن لها الكمال المطلق، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول.
بل عقيدة كل مسلم أنّ الحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، لا المعلوم والمسموع والمبصَر، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة.
و(الثالث) قوله أنه بحرف وصوت، أما (الحرف)، فيكفي أهل السنة دليلا ما أنزله الله في القرآن، وهو قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [سورة التكوير: 19]، يعني أن القرآن الذي هو اللفظ المنزل كلام الله ولكن مقروء جبريل عليه السلام وليس مقروء الله، وأما (الصوت) فلم يأت فيه حديث صحيح، وقد تقدم، وقال البيهقي في الأسماء والصفات: ” فليس في أحاديث الصوت ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات ” أهــ ([154]).
ومثل ذلك قاله أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري([155])، وقال الكوثري في مقالاته: (ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث) ([156]).
وإني لأتعجب أننسب المحال إلى الله بأسانيد فيها نظر ولها مفاتيح ومخارج، إنّ عدم تمرس ابن تيمية بعلم أصول الدين، وعدم فهمه للمحالات وعدم دراسته لمقدمات الإلهيات وجهله المطبق بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله، جعله هذا الجهل المركب ينسب إلى الله تعالى المحال: قال في كتابه رسالة في صفة الكلام : (وحينئذٍ فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وإن قيل إنه ينادي ويتكلم بصوت ولا يلزم من ذلك قدم صوت معين، وإذا كان قد تكلم بالتوراة والقرآن والإنجيل بمشيئته وقدرته لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين، وإن كان نوع الباء والسين قديمًا لم يستلزم أن يكون الباء المعينة والسين المعينة قديمة لما علم من الفرق بين النوع والعين) اهـ([157]).
وهذا الكلام به كمية كبيرة من المغالطات ونسبة المحال إلى الله، يقول: (فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته) كيف يكون قديما وهو يتعلق بالمشيئة والقدرة فكل ما تعلق بهما لا محالة حادث مخلوق، وكيف يكون قديما وهو يقول: (لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين) فالباء قبل السين تعاقب، والتعاقب حدوث يخضع للزمان، فكيف يكون قديما وهو متعاقب، ثم أضحك الثكلى بقوله (قديم النوع حادث الآحاد) إذ كيف يكون اللفظ الإلهي حادثا شخصًا ويكون في نفس الوقت قديما نوعًا، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثا حتمًا، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديمًا بالنوع، وكلامه محال أشد ما يكون بعده عن تدقيق المتخصصين، وهو متناقض، لأنّ الذي يقبل حدوث آحاده لا يكون قديما أبدا وكيف يكون قديما وهو يقبل المحدثات، ولكن إذا لم يكن لديك تخصص فقل ما شئت.
و(العجب) من أهل الحشو يغارون على ابن تيمية أن نتكلم في اخطائه ولا يغارون على الله العظيم أن ننسب إليه الحدوث، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، إنّ مشكلة هؤلاء انهم يقيسون كلام الله على كلام البشر فيقولون أنّ صفة الكلام من صفات الفعل، وينسبون إلى الله الكلام والسكوت، وهذا حد لصفة الكلام لو كانوا يعلمون، كلام الله ليس كمثله كلام فهو أزلي أبدي قديم ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى قديم لا يجري عليه زمان، لأنه في النهاية كلام الله صفة الله، وصفة الله تابعة لذاته، غيب الغيوب لا يُدرك، ليس كمثله شيء وليس كمثل كلامه كلام.
لقد أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة، فكما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث.
وأما شبهة أهل الحشو المتعلقة بالكلام، فالمشكلة أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر المحدث المحدود الناقص، فيتصورون أن صفة الكلام -كما هي في الإنسان – صفة فعلية تتعلق بالإرادة واستنبطوا وبئس ما استنبطوه: أن الله يتكلم بما شاء متى شاء، ويسكت متى شاء فجعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء، ويرزق من يشاء متى شاء، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم محدثا مخلوقا، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}.
لقد أجمع علماء الأصول المتخصصون في العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وقد نقل الإجماع في ذلك، الأئمة: النووي، والغزالي، والرازي، ومن السادة الحنابلة الإمام ابن الجوزي والامام عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي الأثري، قال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر) أهـ ([158]). وكل متون العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية تنص على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وتذكر أن: القديم الذاتي لا يقبل الحدوث، وأنه لو قبل الحدوث لم يكن قديما، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء.
[المفتاح الرابع عشر]: خلاصة القول في مسألة الكلام: الله تعالى متكلم له صفة الكلام، وصفاته قديمة ازلية تابعة لذاته، ولما كان الكلام على قسمين كلام لفظي بحرف وصوت وكلام نفسي بغير حرف ولا صوت، فالأول لا شك انه محدث لتعاقب الحروف والأصوات، والثاني يصلح ان يكون قديما بغير صوت ولا حرف، ومذاهب الناس في الصفة ثلاثة الأول: المعتزلة اختاروا اللفظي وجعلوه مخلوقا، وان الله تعالى إذا أراد ان يتكلم خلق الكلام في محل أو لا في محل، فالكلام ليس صفة له بل هو من مخلوقاته، واختار المجسمة اللفظي وانه قديم بحرفة وصوته.
واختار التيمية والوهابية والحشوية انّه قديم النوع حادث الآحاد، وهذا من أعجب الأقوال لأنه يجمع التناقضات، واختارت الأشعرية والماتريدية الكلام النفسي، واعتمدوه أصلا للمسألة، وجعلوا الكلام اللفظي دالا عليه، وهذا القول هو القول الراجح وهو الأقرب إلى الصواب، وهذا يعني أن المخالف لا يكفر لإنكاره الكلام النفسي، والمنكرون لهذا الكلام النفسي – الذي هو الفتح والمفتاح للمسألة – طوائف المجسمة والمعتزلة، وكلاهما يقول بالحرف والصوت.
فالمجسمة قالوا: إن كلام الله تعالى ما هو إلا حروف وأصوات، وأن هذه الحروف والأصوات قائمة بذات الله تعالى، ومعلوم أن الحرف والصوت كل منهما حادث، فهذا هو القول منهم بقيام الحادث بذات الله تعالى، وقال زعيمهم وشيخهم إن جنس الكلام قديم وأفراده حادثة وهي الحروف والأصوات، وهؤلاء يعتقدون بقيام الحوادث بذات الله تعالى الله عن ذلك، وهم لا يرون بأسا في أن تكون صفات الله تعالى متألفة من عدد لا نهاية له من الحوادث، ويجوزون التسلسل في الأزل، وكلها محالات عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، ويزعمون أنّ كلام الله تعالى تابع لإرادته فهو يتكلم إذا شاء، وبذلك يكون الله تعالى عندهم مريداً لحدوث صفة من صفاته، وهذا لا يقول به إلا اهل الحشو والتجسيم، ورفضوا نظرية الكلام النفسي مع أنّ الأدلة له في القرآن الكريم كثيرة. واما (المعتزلة) فقد نفوا أن يكون الله تعالى له صفة تسمى صفة الكلام، وأثبتوا الكلام له تعالى فعلاً من أفعاله، وقالوا: إنه يخلق أصواتاً وحروفاً دالة على ما يريد، ورفضوا أيضا نظرية الكلام النفسي مع أنّها المخرج الأمثل لمعضلات قدم صفات الله، ومنها صفة الكلام.
وأَعْدَلُ الناسِ مذهبا في الكلام هُمْ أهلُ السنة الأشاعرة والماتريدية، وهم أكثر المذاهب توفيقا للنصوص، وقولهم هو الراجح في النظر، فلما ثبت عندهم أن الله تعالى متكلم بنص القرآن، لزمهم أن يقولوا بأن الله تعالى موصوف بصفة الكلام، ولما نظروا في معاني الكلام لم يجدوا إلا صنفين: الأول: الكلام القائم بالنفس المنـزه عن مشابهة الكلام الحادث والثاني هو الكلام الحادث المتألف من الحوادث، وهي الأصوات والحروف، وهو الكلام اللفظي، فأثبتوا (الأول) النفسي صفة قديمة قائمة بذات الله، وجعلوا (الثاني) اللفظي دلالة على الأول، والمسموع كلام الله على الحقيقة، و(الكلام النفسي) حل لكل مشكلات التقديس المتعلقة بكلام الله القديم، فهو مطلق لا أول ولا آخر ولا حد ولا غاية ولا نهاية، يدل على كل ما يدل عليه العلم من مدلولات، أي إنه دال على سائر الواجبات والمستحيلات والممكنات، وهو واحد لا يتعدد وليس من جنس الحروف والأصوات، وهو قديم كسائر الصفات ولا يقاس على صفات البشر فلا يلزم منه التشبيه، والحاصل من كل هذا أن الواجب إنما هو إثبات أن الله تعالى متكلم وأن كلامه ليس ككلام البشر، وانّ القول بقيام الصوت والحرف بالله تعالى خطأ، وأن التحقيق أنه تعالى موصوف بالكلام النفسي الأزلي القديم، وانّ القرآن الكريم أنى تصرف فهو كلام الله على الحقيقة، يبلغه جبريل عن الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويبلغه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله إلى أمته وإلى الناس جميعا، والقرآن الكريم كلام الله تعالى على الحقيقة غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك قديم لا يوصف بالحدوث والخلق، صفة قائمة بذات الله تعالى، ليس كمثل كلامه كلام، والقرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو كلام الله، وأما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله.
ورحم الله حجة الإسلام الغزالي فما أجمله وما أرسخه في علم التقديس حين قال: (الركن الثاني العلم بصفات اللّه تعالى ومداره على عشرة أصول، … (الأصل السادس): أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام، وهو وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف، بل لا يُشْبِهُ كلامُهُ كلامَ غيرِه، كما لا يُشْبِهُ وجودُهُ وجودَ غيره، والكلام بالحقيقة كلام النفس، وإنما الأصوات قطعت حروفاً للدلالات، كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات، وكيف التبس هذا على طائفة من الأغبياء، ولم يلتبس على جهلة الشعراء حيث قال قائلهم: (إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا)، ومن لم يعقله عقله ولا نَهاه نُهاه عن أن يقول: لساني حادث، ولكن ما يحدث فيه بقدرتي الحادثة قديم، فاقطع عن عقله طمعك وكف عن خطابه لسانك، ومن لم يفهم أن القديم عبارة عما ليس قبله شيء، وأن الباء قبل السين في قولك بسم اللّه فلا يكون السين المتأخر عن الباء قديماً، فنزه عن الالتفات إليه قلبك فللّه سبحانه سر في إبعاد بعض العباد {ومن يضلل اللّه فما له من هاد}، ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون، وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره، فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات، فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات، وإن عقل كون السماوات السبع وكون الجنة والنار مكتوبة في ورقة صغيرة ومحفوظة في مقدار ذرة من القلب، وأن كل ذلك مرئي في مقدار عدسة من الحدقة، من غير أن تحل ذات السماوات والأرض والجنة والنار في الحدقة والقلب والورقة، فليعقل كون الكلام مقروءاً بالألسنة محفوظاً في القلوب مكتوباً في المصاحف، من غير حلول ذات الكلام فيها، إذ لو حَلّت بكتاب اللّه ذاتُ الكلام في الورق، لحلت ذات اللّه تعالى بكتابة اسمه في الورق، وحلت ذات النار بكتابة اسمها في الورق ولاحترق) أهـ([159]).
[المفتاح الخامس عشر]: تصحيح مفاهيم واجبة تتعلق بمسألة الكلام:
(1) قول بعض الأشاعرة: (والمعنى النفسي شيء واحد في ذاته لكن إن جاء التعبير عنه بالعبرانية فهو توراة وإن جاء بالسريانية فهو إنجيل، وإن جاء بالعربية فهو قرآن)، ليس معناه أنّ القرآن والإنجيل والتوراة كلها ترجمات لمعاني واحدة بل القرآن غير التوراة والتوراة غير الانجيل، والقرآن نفسه فيه معاني متعددة منه التوحيد كقوله تعالى {قل هو الله أحد}، ومنه الأمر كقوله تعالى {وأقيموا الصلاة}، ومنه النهي كقوله تعالى {ولا تقربوا الزنا}، ومنه الوعد كقوله تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}، ومنه الوعيد كقوله تعالى {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، ومنه الخبر كقوله تعالى {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ}، ومنه الإنشاء كقوله تعالى {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}، فالمعنى المراد أنّ كلام الله هو كلام الله سواء أكان بالعبرانية او السريانية أو العربية.
(2) قول بعض الأشاعرة: (القرآن يطلق على وجه الحقيقة على المعنى النفسي القديم القائم بالله تعالى، ومجازا على النظم المنزل المعجز المقروء والمسموع)، ليس المقصود منه المجاز الذي هو في مقابل الحقيقة، ولكن باعتبار دلالته على كلام الله فإن الصوت صوت القارئ والخط خط الكاتب، فالقرآن انى تصرف فهو على الحقيقة كلام الله، قال التفتازاني في “شرح العقائد النسفية ” وهو يوضح المقصود: (فإن قيل: لو كان كلام الله حقيقة في المعنى القديم مجازا في النظم المؤلف لصح نفيه، بأن يقال: ليس النظم المنزل المعجز المفصل إلى السور والآيات كلام الله تعالى، والإجماع على خلافه، وأيضا المعجز المتحدى به هو كلام الله حقيقة، مع القطع بأن ذلك إنما يتصور في النظم المؤلف المفصل إلى السور، إذ لا معنى لمعارضة الصفة القديمة، قلنا: التحقيق أن كلام الله تعالى اسم مشترك بين كلام الله النفسي القديم، ومعنى الإضافة (إلى الله) كونه صفة له، وبين اللفظي الحادث المؤلف من السور والآيات، ومعنى الإضافة أنه مخلوق الله تعالى ليس من تأليفات المخلوقين، فلا يصح النفي أصلا، ولا يكون الإعجاز والتحدي إلا في كلام الله تعالى، وما وقع في عبارة المشايخ من أنه مجاز في النظم فليس معناه أنه غير موضوع للنظم المؤلف، بل معناه أن الكلام في التحقيق وبالذات اسم للمعنى القائم بالنفس، وتسمية اللفظ به ووضعه لذلك إنما هو باعتبار دلالته على المعنى، فلا نزاع لهم في الوضع والتسمية) اهـ([160]).
(3) قول الإمام احمد: (إن الله تعالى لم يزل متكلماً إن شاء) ليس معناه أنّ الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى يتبع المشيئة كالخلق والرزق فإنه قديم ازلى لا بداية ولا نهاية، والإمام احمد لم يتكلم على الكلام النفسي أصلا وإنما كلامه على الكلام اللفظي المسموع، وهذا كما قال تعالى {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ}، وهذا يصح فيه أن نقول: إن الله تعالى لم يزل متكلماً إن شاء، باعتبار السامع للقرآن فإن هناك مرتبتان مختلفتان، فكل ما تعلق بالقديم الازلي قديم أزلي وكل ما تعلق بالمخلوق المحدث مخلوق محدث مثله.
[المفتاح السادس عشر]: حل إشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم: الحاصل أنه ليس في إثبات الصوت لله تعالى حديث يصلح للاستدلال به من جهة السند والمتن، لأن أمر الصفات يُحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره، و الحاصل أنه ليس في إثبات الحرف لكلام الله تعالى دليل، بل قراءة القرآن بالحرف والصوت هي قراءة المخلوقين لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، يعني أن القرآن الذي هو اللفظ المنزل مقروء جبريل ليس مقروء الله، والحروف مسبوق بعضها ببعض، والمسبوق لا يصلح ان يكون قديما، فإن القديم لا ابتداء لوجوده، ولا انتهاء لوجوده، والحروف والاصوات لها ابتداء ولها انتهاء، وصفات البارئ جلّ جلاله قديمة لا ابتداء لوجودها، ومن تكلم بالحروف يترتب كلامه ومن ترتب كلامه كان حادثا، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل التغير ولا الحدوث وبالتالي لا تقبل الزيادة ولا النقصان، والكمال المطلق يمنع التغير والحدوث، وأهل الحشو يعتقدون قيام الحوادث بجناب ذات الله.
ومن العجب أنهم أعرضوا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام {لا أحب الآفلين} أي لا يصلح المتغير ان يكون إلها، هؤلاء خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، فمن جوز ابتداء الكلام والسكوت ومن جوز قبول الحادثات فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}، وهؤلاء يقولون بأن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أو خلق مخلوق أوجد في ذاته، كافًا ونونًا (كن) وإرادة حادثة، وعن ذلك تصدر المخلوقات. وهم يقولون: أنّ الحوادث التي تحدث في جناب ذاته هي أقواله وإراداته وتجدد معلوماته وتجدد إدراكه للمسموعات والمبصرات، ويزعمون ان علم الله يتجدد عندما يقوم عباده بما قدر عليهم من أعمال، وان السمع والبصر يتجددان كذلك برؤيته لعباده وسمعه لكلامهم، وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وذهلوا أن شرط الإلهية القدم الأزلي، وأخص صفات القدم الأزلي امتناع قبول الحوادث، لا سبيل للحدوث إليه، فليس في جناب ذاته شيء حادث ولا في صفاته شيء حادث، مشكلة اهل الحشو أنهم لا يفهمون معنى (القـدم الأزلي) الأولية بلا ابتداء، (القديم الذاتي) لا يقبل الحدوث، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، والله تعالى هو الحي الباقي الذي لا يزول، ولا يقبل الفناء، و (شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن التغير والحدوث، وقد أجمع العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأنه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث. و(الخلاصة): أنّ الله عز وجل متكلم بكلام قديم أزلي أبدي غير مخلوق ولا محدث ولا مخترع، وصفة الكلام صفة كمال وضدها يستحيل على الله كالخرس والسكوت لأنه حد لصفة الكلام، صفة الكلام لها الكمال المطلق، بل لم يزل في قدمه موصوفا بمحامد الصفات ولا يزال في أبده كذلك منزها عن تغير الحالات، لأن ما كان محل الحوادث لا يخلو عنها وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، صفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة، ولا مخرج للكلام الأزلي المنزه الحدوث والبدايات والنهايات سوى ما قاله أهل التخصص (الكلام النفسي) القائم بجناب الذات والتابع لقدمه الازلي وكماله المطلق، وقد دل القرآن على وجوده بغير حرف ولا صوت، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، وقد ذكرت فيما سبق آيات عديدة تدل على ان القول النفسي لا يلزم منه الصوت، فلا يبقى شك في (الكلام النفسي)، ولا مخرج للتقديس إلا بالقول (بالكلام النفسي) وقد اثبته القرآن، وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى كما في قوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما}، وقد كان الله تعالى متكلما ولم يكن كلم موسى عليه السلام وقد كان الله تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق، فلما كلم الله موسى كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل، كان هذا ما تيسر في حل إشكالات صفة الكلام وبيان أنّ كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان.
([1]) صحيح البخاري 8/50 ح 6227، صحيح مسلم 4/2183 ح 2841.
([2]) صحيح مسلم 4/2017 ح 2612.
([3]) السنة لعبدالله بن الامام أحمد1/ 268ح 498. السنة لابن أبي عاصم 1/228 ح 517.
([4]) التوحيد لابن خزيمة 1/85.
([5]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/470، أنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 3/316.
([6]) عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن صـ 37.
([7]) صحيح البخاري 1/160 ح 806.
([8]) صحيح البخاري 8/117 ح 6573.
([11]) سير أعلام النبلاء 8/104.
([12]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 159.
([13]) كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/132.
([15]) ” الأسماء والصفات للبيهقي 2/325 و انظر السنن الكبرى للبيهقي 7: 388) والامام الحافظ البزار: قال ” وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة ” أهــ [كشف الاستار 1: 14] والحافظ ابن حجر العسقلاني: قال ” وفي اللفظ مخالفة كثيرة ” اه [التلخيص الحبير 3: 223479 ط دار الكتب العلمية.
([17]) أخرجه الإمام مالك في الموطأ 2: 777 ح 9، مسند أحمد25/19، مصنف عبدالرازق 9/174:175، والمنتقى لابن الجارود ص 344.،العلو للعلي الغفار للذهبي ص 15 ، تفسير ابن كثير2/374.، التمهيد لابن عبدالبر6/223.
([18]) صحيح ابن حبان 3/353، مسند أحمد 13/287، سنن ابي داوود5/176 ح3282،التوحيد لابن خزيمة 1/283، المعجم الكبير للطبراني 12/26 ح ١٢٣٦٩.
([19]) صحيح مسلم 2/70 ح537، سنن ابي داود5/176 ح3282.
([20]) العلو للعلي الغفار ص 120،تحفة الأشراف 8/426 ح11378.
([21]) مسند أحمد 13/285 ح 7906.
([22]) مصنف عبد الرزاق 9/176 ح 16816.
([23]) سنن الترمذي5: 519ح 3483.
([24]) الاقتصاد في الاعتقاد صـ 36.
([25]) صحيح البخاري 1/14 ح 25.
([26]) صحيح البخاري 2/104 ح 1395.
([27]) سنن الترمذي5: 519(3483)
([28]) النووي في شرحه على صحيح مسلم 5/22.
([30]) النووي في شرحه على صحيح مسلم5/22.
([32]) مشكل الحديث وبيانه صـ 159.
([33]) مشكل الحديث وبيانه صـ 159.
([35]) تفسير القرطبي 18 / 3150
( [38] ) شرح النووي علي مسلم 5/24.
([39]) صحيح البخاري 2/53ح 1145.
([42]) شرح النووي على صحيح مسلم6/37.
([44]) الأسماء والصفات: 2/378.
([46]) طبقات الشافعية الكبرى 9 / 51.
([47]) شرح الزرقاني ج: 2 / 49، 50.
([48]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145، صحيح مسلم 1/521.
([51]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل 1 / 163.
([52]) العين والأثرفي عقائد أهل الأثر ص: 34، 36.
([54]) السنن الكبرى للنسائي 9/180 ح 10243.
([55]) لوامع الأنوار البهية 1/249.
([56]) سنن الترمذي 5/556 ح 3556.
([58]) تفسير القرطبي 10 / 113.
([59]) طبقات الشافعية الكبرى: 9 /47.
([61]) تفسير أبي السعود 3 / 144.
([72]) تفسير النسفي( مدارك التنزيل) 3/79.
([73]) تفسير ابي السعود 7/145.
([79]) طبقات الشافعية الكبري 9/43.
([80]) صحيح البخاري4/95 ح 3039.
([82]) السنن الكبري للنسائي 7/247 ح7937؛ المستدرك علي الصحيحين 2/242 ح 2881.
([85]) تفسير أبي السعود: 3 / 310.
([91]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ص 112.
([97]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ص 115:116.
([98]) طبقات الشافعية الكبرى 9/46.
([99]) سنن الترمذي 5/556 ح 3556.
([102]) إتحاف السادة المتقين 5/34:35.
([104]) شرح الفقه الأكبر ص 199.
( [106] ) العقيدة الطحاوية ص 260.
([114]) لوامع الأنوار البهية 1/132.
([115]) الإيضاح في أصول الدين ص .377
([116]) التسعينية لابن تيمية 2/492.
([117]) صحيح مسلم 4/1990ح 2569.
([120]) التبصير في الدين، ص201:202.
([121]) تفسير الطبري، 5: /178.
([122]) التمهيد لابن عبدالبر 5/147.
([123]) الهداية الي بلوغ النهاية 1/850.
([125]) الاسماء والصفات 2/378.
([126]) الاسماء والصفات 2/378.
([127]) شرح العقيدة الطحاوية ص 127.
([131]) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ص 710.
([139]) رسالة إلى أهل زبيد: ص: 256.
([140]) مجموع رسائل وفتاوى أبا بطين ص: 101.
([141]) الأسماء والصفات ص: 273.
([143]) صحيح البخاري 4/138 ح 3348.
([144]) رؤية الله للدار قطني ص 156 ح 43.
([145]) سنن ابي داوود 7/117.ح 4738.
([149]) منهاج السُّـنَّةِ النبويَّة: 2
([150]) موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول: 2/151.
([151]) مجموع الفتاوي 6/155:156.
([153]) الإيضاح في أصول الدين ص 377.
([154]) الأسماء والصفات ص: 273.
([157]) رسالة في صفة الكلام 519.
([158]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر 1 / 34 – 36.