الفصل الثاني مباحث مهمة لفقه مسائل وأحكام البدعة عند فقهاء أهل السنّة والجماعة
وقد تناولت فيه مفاتيح هذه المباحث:
(المبحث الأول): مفاتيح الفقه في مسألة الترك وضابطها الرصين.
(المبحث الثاني): مفاتيح الفقه في مسالة العمل بالحديث الضعيف وعدم جواز تبديع القائل به.
(المبحث الثالث): مفاتيح الفقه في منع التبديع والتفسيق في المسائل الخلافية.
(المبحث الرابع): مفاتيح الفقه في التفريق بين بدع الأصول وبدع الفروع.
(المبحث الخامس): مفاتيح الفقه في تقدير مسألة البدعة الإضافية.
(المبحث الخامس): مفاتيح الفقه في مسألة تحريم المباح بزعم سد الذرائع إلى البدعة.
(المبحث السادس): الفقه في التفريق بين الأعمال العادية والأعمال التعبدية.
(المبحث السابع): الفقه في التفريق بين بدع الاعتقاد وبدع العمل.
المبحث الاول مفاتيح الفقه في مسألة الترك وضابطها الرصين ودورها في تصحيح وتهذيب وضبط مفهوم البدعة
[المفتاح الأول]: تمهيد ضروري في بيان أقسام السنة: السنة في اللغة: جاءت على معنى الطريقة سواء أكانت حسنة أو قبيحة، وعلى معنى السيرة، سواء أكانت محمودة أو مذمومة، أما في الاصطلاح فالسنة لها معان اصطلاحية متعددة متنوعة تبعا لتخصص القائلين بها، والذي يعنينا هنا هو تعريفها اصطلاحاً عند أهل الأصول، وهم يعنون بها ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو عمل أو تقرير، وعلى ذلك فهي ثلاثة أقسام: (السنن القولية)، وتشمل كل اقوال النبي صلى الله عليه وسلم، و(السنن الفعلية) وهي تشمل كل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، والسنن التقريرية، وهي أي قول أو فعل يقع أمام النبي صلى الله عليه وسلم فيحضره ويسمعه أو يراه، فيسكت عليه ولا يُنكره، لأنه لا يسكت على باطل ولا يقر إلا حقاً، وعلى ذلك فكل ما حدث في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من اجتهادات الصحابة الكرام، سمع بها النبي صلى الله عليه وسلم او رآها أو علم بها فأقرها ولم ينكر عليها فهي داخلة ضمن أقسام سنّة النبي صلى الله عليه وسلم، وأركان السنّة التقريرية تتمثل في: (أ) إحداث أحد الصحابة الكرام شيئاً لم يكن، (ب) بلوغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، (ت) إقراره صلى الله عليه وسلم لذلك بسكوت أو قول أو فعل أو غير ذلك، (ث) يتحول هذا العمل إلى سنّة تقريرية للنبي صلى الله عليه وسلم التي هي أحد أقسام السنّة الثلاث.
[المفتاح الثاني]: العلاقة الوثيقة بين السنّة التقريرية وبين مسائل السنّة والبدعة: هناك علاقة وثيقة بين السنة التقريرية وبين مبحث السنّة والبدعة، وذلك لأنّ السنة التقريرية تعني أن يقول أحد الصحابة قولاً أو أن يفعل فعلاً ابتداء من نفسه، واجتهادا من عنده، ثم يبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فيقره النبي صلى الله عليه وسلم أو يسكت عنه صلى الله عليه وسلم ولا ينكره، فيصير سنة نبوية تقريرية بهذا الإقرار يُعلم بها جواز ما أقره له ولغيره من المسلمين، وصورة الامر أنّ الصحابي يحدث طاعة او عبادة أو امرا من أمور الخير، ثم يعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقر فاعلها على فعلها، فهي هاهنا دليل واضح جواز سنّ سنة محدثة من سنن الخبر التي تستند إلى أصل من أصول الشرع، وهي ما يسميه جمهور العلماء والفقهاء بالبدعة الحسنة، فلو أنّ كل محدثة بدعة ضلالة بإطلاق، لأنكر النبي صلى الله عليه وسلم كل فعل للصحابة لم يكن لهم به سند من كتاب أو سنة، ولكن الناظر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنه صلى الله عليه وسلم يقرهم على كثير من الأفعال والأقوال التي أحدثوها من تلقاء انفسهم لأنها كانت داخلة في عموم دليل شرعي من الكتاب والسنّة أو راجعة إلى أصل شرعي مستمد من الكتاب والسنّة.
ومثال تلك السنن التقريرية، ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال عند صلاة الفجر: (يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك في الجنة، قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً قط في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي)، قال ابن حجر: يستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة، لأن بلالاً توصل إلى ما ذكره بالاستنباط، فصوبه الرسول صلى الله عليه وسلم، انتهى، واليوم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يعملون بهذه السنّة ويسمونها سنّة بلال رضي الله عنه، وكذلك ما رواه البخاري وغيره عن رفاعة بن رافع قال: كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: (سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا: قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها)، قال الحافظ ابن حجر: استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور اهـ،، وصار هذا الدعاء سنّة لكل المسلمون في كل زمان ومكان، وما جاء في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من القائل كلمة كذا وكذا، قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء، قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك) انتهى.
وعلى ذلك فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يواجه المحدثات بطريقة واحدة بل يفرق بينها، ففي الوقت الذي أثنى فيه على صنيع بلال رضي الله عنه، أنكر أشد الانكار على غائر العينين الخارجي الذي اعترض على قسمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر صلى الله عليه وسلم انه سيخرج من ضئضئ هذا المبتدع الخارجي قوم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود، وكما اعترض على أولئك النفر الذين شددوا على انفسهم بصوم الدهر واعتزال النساء وقيام الليل كله، فكان اعتراضه عليهم أقل حدة من اعتراضه على الخوارج لأنّ لكل بدعة مقياس، فبدعة بلال حسنة وبدعة الخوارج مهلكة وبدعة العباد أقل خطرا ولكنها مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن التشدد والغلو.
وقد يظن البعض أنّ سن سنن الخير جائز في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه صاحب الرأي الأخير في جواز تلك الاعمال، أما بعد حياته صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي فذلك غير جائز، وهذا محض وهم وذلك لأنّ المجتهدين من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أحدثوا أشياء كثيرة ليس لهم فيها نص مباشر وإنما استنبطوها من الأدلة العامة او أصول الشريعة، كجمع القرآن وصلاة التراويح، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم انتقل إلى الرفيق الأعلى وانقطع الوحي، فإن نصوص القرآن والسنة ما زالت موجودة محفوظة وقد اشتملت على الأصول والقواعد والمقاصد العامة التي يمكن من خلالها الاجتهاد في اطار النصوص.
ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) والتمييز بين الحسنة والسيئة إنما يكون بمدى موافقتها لأصول الشرع ومقاصده من عدمه، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الأمور المحدثة الموافقة للشرع مقبولة، والمخالفة للشرع مردودة، بدلالة قوله عليه الصلاة والسلام (ما ليس منه فهو رد) فإن كان منه مستندا إلى اصوله وقواعده فهو مقبول، وما لم يكن فهو مردود على صاحبه.
[المفتاح الثالث]: (الترك) المجرد من القرائن هو عدم فعل، والعدم ليس بشيء، ولا يصلح دليلاً لجواز شيء أو حرمته، وسنّة النبي صلى الله عليه وسلم إما قولية وإما فعلية وإما تقريرية، أما الأشياء التي تركها النبي صلى الله عليه وسلم، فهي في الحقيقة لا تصلح دليلا على جواز شيئا او حرمته، ولا يصح أنّ نستدل بها على حرمة الشيء او جوازه حتى نعرضها على الكتاب والسنّة ونزنها بميزان الشرع، وقواعده العامة ومقاصده الشريفة.فالترك المجرد من القرائن فهو (عدم فعل)، والعدم ليس بشيء، ولا يصلح دليلاً لجواز شيء أو حرمته، وقد حذرنا الله تعالى من التشريع والتحريم بغير هدى من الله وبما لم يأذن به الله، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].
كما أنّه من الخطر الجسيم تحريم المباح والحلال بأي وسيلة كانت، ولهذا خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التحريم: 1]، وخاطب الناس جميعا بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116} [النحل: 116]، وجاءت الآيات تحرم من القول في دين الله تعالى بغير علم كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، فكيف إذا كان تحريم المباح يعقبه الاتهام بالبدعة والضلالة لانّ كل بدعة ضلالة، إن هذا لهو من أسوأ التقول على دين الله تعالى بما ليس فيه، فالزعم بأن الترك المجرد سنّة فهذا ادخال في الدين ما ليس فيه، ولم يقل به أحد من الأئمة المجتهدين المقتدى بهم في الدين، وهو تقول على دين الله بغير علم، وبما لم يأذن به الله، وهو في حد ذاته بدعة بإدخال ما ليس من الدين إليه.
[المفتاح الرابع]: الدليل على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي، ما جاء في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) ([1]) . دليل على أنّ الترك لا يدل على أمر أو نهي أو تشريع، وإلا لما أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم)، ففرق بين الترك والنهي والأمر، ففي الترك قال: (دعوني ما تركتكم) وفي النهي قال: (فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، وفي الامر قال: (وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)، ففرق بين الترك وجعله من باب المباح، وبين النهي وجعله من باب المحرم الذي ينبغي اجتنابه كله، وبين الامر الذي يأتي الإنسان منه ما استطاع، وأما ما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فهو عفو، وهذا من رحمة الله، فالأشياء إما مأمور بها، أو منهي عنها، أو مسكوت عنها، فما سكت الله ورسوله فإنه عفو لا يلزمنا فعله ولا تركه، ولا يدخل فيه التشريع بإيجاب ولا نهي إلا بدليل آخر مستقل.[المفتاح الخامس]: من الأدلة على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي، ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) ([2]) .
وقال النووي في شرح الحديث: (قوله صلى الله عليه وسلم: (ذروني ما تركتكم) دليل على أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) أهـ ([3]) .
[المفتاح السادس]: ومن الأدلة على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي، ما أخرجه ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم الحديث الثلاثون وحسنه، وأخرجه الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء، فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها)، ([4]) . وقد روي معنى هذا الحديث مرفوعا من وجوه أخر، خرجه البزار في مسنده ، والدار قطني من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا ثم تلا هذه الآية: {وما كان ربك نسيا})([5]) . وخرجه الترمذي، وابن ماجه من رواية سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء، فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) ([6]) . فإذا كان ما سكت عنه القرآن وترك بيان حكمه فهو مباح، فكذلك ما سكت عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وتركه فهو من باب المباح حتى يأتي ما يدل على حكم جديد له.
[المفتاح السابع]: ترك النبي صلى الله عليه وسلم أفعالاً كثيرة تعد من المستحبات والطاعات عمداً لاعتبارات عديدة، فقد كان يترك بعض العبادات والطاعات خشية أن تفرض على الناس فيعجزوا عنها، مع أنها من الطاعات وعمل الخير، وهذه الامور تركها الرسول، ولكنها في شرع الله تعالى من الطاعات والقربات، ومثال ذلك ما أخرجه البخاري عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فصلى فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: (أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها) ([7]) .
[المفتاح الثامن]: ترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض العبادات والطاعات التي ثبتت فضيلتها حتى لا يشق على المسلمين، رفقاً بهم، ومن ذلك تركه للخروج في جميع السرايا للجهاد في سبيل الله، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة: قوله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده: لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده: لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل) ([8])
[المفتاح التاسع]: ترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض العبادات والطاعات التي ثبت أنها أفضل الطاعات لشيء في علم الله تعالى ولعله حتى لا يشق على المسلمين رفقاً بهم أن يقتدوا به، ومن ذلك صيام يوم وافطار يوم، وقد نص حديثه صلى الله عليه وسلم على أن أفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ومع ذلك تركه النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عنه قط أنه كان يصوم هكذا، مع أنّه أفضل الصيام بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
[المفتاح العاشر]: ترك النبي صلى الله عليه وسلم الخلوة التي كان يواظب على فعلها قبل البعثة، مع أنّه أجازها للمسلم عند فساد الزمان، فهل تركه لها يدل على بطلانها وأنها لا تجوز، أم أنّ الترك في هذه الحالة لا يدل إلا على أن الفعل المتروك لم يعد مستحباً، فيعود جائزاً مباحاً، إلا أن يأتي دليل على الكراهية أو التحريم.
[المفتاح الحادي عشر]: ترك النبي صلى الله عليه وسلم بيان العلوم على الطريقة التي نتعلمها، ومثال ذلك كان يعلمهم الصلاة، ولم ينقل عنه أنّه كان يوضح لهم التفريق بين أركانها وشروط وجوبها وشروط صحتها وواجباتها وسننها مع أنّه أعلم الخلق بها وبدين الله تعالى، ولكنه ترك المجال واسعاً للفقهاء المجتهدين بعده أن يجتهدوا فيها، فهل تركه لها يدلنا على أنّها علوم مبتدعة لا حاجة للمسلمين إليها.
[المفتاح الثاني عشر]: حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الفرق الضالة وكان يخبرنا بانه ستكون فوق السبعين فرقه، وقد كان في مقدوره أن يضع لنا كتابا فيه الرد على تلك الفرق الضالة، وبيان ضلالها، ولكنه ترك ذلك، وهو يعلم أنّها كائنة بعده، وأنّ الأمة ستحتاج من العلم ما يمكنها من الرد عليها، ولكنه ترك ذلك للعلماء الذين هم ورثة الانبياء بعده، فلما ظهرت الخوارج رد عليها علي وابن عباس رضي الله عنهم، ولما ظهرت القدرية رد عليها ابن عمر رضي الله عنهما، ولما ظهرت المعتزلة رد عليها أحمد بن حنبل رحمه الله، ولما ظهرت المشبهة والمجسمة والحشوية رد عليهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، وهكذا يحمل العلم من كل جيل عدوله ينفون عنه تحريف الغالين.
[المفتاح الثالث عشر]: قد يترك النبي بعض العمل لاعتبارات كثيرة أخرى منها ما نعلم سببه، ومنها ما لا نعلم سببه، والترك في جميع الأحوال عدم فعل، والعدم لا يصلح دليلاً على شيء في الشرع مطلقاً، إلا أن يصاحبه نهي أو أمر من الشارع بشيء،.
[المفتاح الرابع عشر]: خطر اعتماد مبدأ (السنّة التركية) كدليل على التبديع والتضليل: لقد تسبب اعتماد مبدأ السنة التركية كدليل على التبديع إلى غلو شنيع في مسائل التبديع، أخرجها عن إطار التوسط والاعتدال إلى مجال الغلو والتنطع، ومثال ذلك، بعضهم يبدع استعمال السبحة للتسبيح، ودليله أنّ الرسول تركها ولو كان فيها خير لأستعملها، وهل السبحة إلا آلة بسيطة تُعين الذاكر على عدّ الأذكار وإحصائها واحتسابها تقرباً إلى الله، فهل تركُ الرسول صلى الله عليه وسلم لها دليل على بدعيتها، ألا تصلح أن تكون بديلاً عن العد بالحصى والحجارة، فقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وقال: صحيح، وابن حبان عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه: ” أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نَوَى، أو حَصى تسبح به فقال: ” ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، سبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك” ([9]) .رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وقال: صحيح، وابن حبان في صحيحه، ومعنى والله أكبر مثل ذلك،، إلخ، أي يقول: الله أكبر عدد ما خلق في السماء،، إلخ فهذه عابدة تسبح الله وتعد بالنوى والحصى ما تريد أن تسبحه فلم ينهها الرسول صلى الله عليه وسلم وأقرها على ذلك ولكنه دلّها على ما هو أيسر وأفضل، وعن أم المؤمنين صفية بنت حُيَىّ رضى الله عنها: ” أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل عليها وبين يديها أربعة آلاف نواة تسبح بهن، فقال: ألا أعلَّمك بأكثر مما سبَّحت به؟ فقالت: بلى علمني، فقال: قولي سبحان الله عدد خلق، من شيء “([10]) . رواه الترمذي والحاكم والمنذري.
فحسبنا الله ونعم الوكيل في كل من يغالي في دين الله تعالى ويصرف المسلمين عن نصرة الدين إلى مشاحنات لا طائل من ورائها سوى ضياع أوقات المسلمين والتشويش على دينهم، ومثال ذلك أيضا صلاة القيام في رمضان، المسلمون يصلون كما شاءوا ثمانية أو عشرين أو ستاً وثلاثين، فالأصل التقرب إلى الله تعالى بالقيام والركوع والسجود، حتى أتى على المسلمين من يقول إنّ زيادة الركعات في اليوم والليلة عن ثمانية بدعة، لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم ما زاد في ليلة على ثمانية ركعات، وكان الرسول يقدر على صلاتها أكثر من ثمانية ولكنه صلى الله عليه وسلم تركها مع وجود المقتضي لها وهو كثرة العبادة والتقرب إلى الله وانتفاء الموانع عنها وهو امكانية جعلها أكثر من ثمانية، فهي سنة تركية واظب الرسول على تركها، وفعل القيام أكثر من ذلك تعدي على فعل الرسول، وهو يظن أنّ من فعلها أكثر من ثمانية فقد زاد في العبادة على الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسكين لا يدرك أنّه لو صلاها ألف ركعة بتمام خشوع وحضور لما بلغ بها أجر ركعة من الرسول، كيف وكله ونفسه وأعماله كلها إن كان صالحا فهي في ميزان الرسول صلى الله عليه وسلم، والقضية أنّه على مر عصور الإسلام وللصالحين أوراد كيف شاءوا مع الله، فمنهم من كان ورده ركعة ومنهم من كان ورده مائة، وهذا من المباح ما كان في اطار اعطاء كل ذي حق حقه، فكيف نقول هذا بدعة إلا إذا كان الخلل في أذهاننا نحّرم ما أحل الله ونحجر واسعاً من دين الله،.
ومثال ذلك أيضا القارئ في مجلس الاستماع للقرآن أراد أن يعلم الناس بإنهاء القراءة فقال صدق الله العظيم، فقامت قيامة أحدهم والسبب أنها من البدع التركية لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تركها مع وجود المقتضي لها وانتفاء الموانع عنها، وهل الرجل عندما أراد أن يفصل بين قراءة القرآن وحديث الناس فقال بما أيده به القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87]، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، هل أتى ببدع من القول، وهل قال أنّ هذا من الدين، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يسمع صحابيا يقول ” الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنُّا أن يحمد وينبغي له “، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ فردّ عليه كما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لقد ابتدرها عشرة أملاك كلهم حريص على أن يكتبها فما دَرَوْا كيف يكتبونها حتى رفعوها إلى ذي العزّة، فقال: اكتبوها كما قال عبدي) ([11]) .
وهذا بلال رضي الله عنه يجتهد في الطاعة، حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (بم سبقتني إلى الجنة؟ فقال: ما أذَّنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت ورأيت أن لله علّى ركعتين، فقال صلى الله عليه وسلم: بهما نِلْتَ) ([12]) .
لا شك أنّ هناك بدعاً انشطارية أتت علينا من فتح باب (البدعة التركية) وصار همّ هؤلاء الشاغل: قل ولا تقل، افعل ولا تفعل، هذا ورد، وهذا لم يرد، دونما فقه وضبط لهذا الباب الدقيق.
[تنبيه]: قد يقول قائل إن الترك المجرد ليس حجة ولكن الترك مع وجود المقتضى، وانتفاء الموانع، فهو حجة، وقوله هذا لم يعتد به أحد من أهل الأصول، لأنّ هناك موانع قد تمنع من فعل المستحبات والطاعات، ونحن نعلم أنها طاعات وقد تركها النبي صلى الله عليه وسلم في ظروف معينة، فهذه طاعات وقربات فضلاً عن المباحات التي هي مجال حديثنا ها هنا، كما أنّ هناك موانع قد لا نهتدي إليها فيكون التشريع تخرصاً بالظن، ويكون التبديع بالترك اتهاماً بغير دليل، ودين الله تعالى لا يقوم إلا على الدليل الواضح الذي لا شبهة فيه، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)، وأنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي، وأنّ هناك فرق بيّن بين الترك الذي هو من باب المباح، وبين النهي الذي هو من باب المحرم الذي ينبغي اجتنابه كله، وبين الامر الذي هو من باب الواجب يأتي الإنسان منه ما استطاع.
[المفتاح الخامس عشر]: ماذا يقتضي الترك: قال الشيخ عبد الله محمد الصديقي الغماري في رسالته ” حسن التفهم والدرك لمسألة الترك: (ماذا يقتضي الترك؟] بيّنا فيما سبق أن الترك لا يقتضي تحريمًا، وإنما يقتضي جواز المتروك، ولهذا المعنى أورده العلماء في كتب الحديث، فروى أبو داود والنسائي عن جابر رضي الله عنه قال: ” كان ءاخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيّرت النار”،([13]) . وأورده تحت ترجمة: [ترك الوضوء مما مسّت النار]، والاستدلال به في هذا المعنى واضح، لأنه لو كان الوضوء مما طبخ بالنار واجبًا ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم وحيث تركه دل على أنه غير واجب، قال الإمام عبد الوهاب التلمساني في مفتاح الوصول: ” ويلحق في الفعل بالدلالة، الترك، فإنه كما يستدل بفعله صلى الله عليه وسلم على عدم التحريم يستدل بتركه على عدم الوجوب، وهذا كاحتجاج أصحابنا على عدم وجوب الوضوء مما مسّت النار به”، روى أنه صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ، وكاحتجاجهم على أن الحجامة لا تنقض الوضوء، بما روى أنه صلى الله عليه وسلم احتجم ولم يتوضأ وصلى،([14]) .
[ومن هنا نشأت القاعدة الأصولية: جائز الترك ليس بواجب، [إزالة اشتباه]: قسّم العلماء ترك النبي صلى الله عليه وسلم لشيء ما، على نوعين: نوع لم يجد ما يقتضيه في عهده ثم حدث له مقتض بعده صلى الله عليه وسلم، فهذا جائز على الأصل، وقسم تركه النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود المقتضى لفعله في عهده، وهذا الترك يقتضي منع المتروك، لأنه لو كان فيه مصلحة شرعية لفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فحيث لم يفعله دل على أنه لا يجوز، ومثل ابن تيمية في ذلك بالأذان لصلاة العيدين الذي أحدثه بعض الأمراء وقال في تقريره: فمثل هذا الفعل تركه النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود ما يعتقد مقتضيًا له مما يمكن أن يستدل به من ابتدعه، لكونه ذكر الله ودعاء للخلق إلى عبادة الله وبالقياس على أذان الجمعة، فلما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالأذان للجمعة، وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، دل تركه على أن ترك الأذان هو السنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك،، إلخ كلامه، وذهب إلى هذا أيضًا الشاطبي وابن حجر الهيثمي وغيرهما، وقد اشتبهت عليهم هذه المسألة بمسألة السكوت في مقام البيان، صحيح أن الأذان في العيدين بدعة غير مشروعة، لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركه ولكن لأنه صلى الله عليه وسلم بيّن في الحديث ما يعمل في العيدين ولم يذكر الأذان، فدل سكوته على أنه غير مشروع، والقاعدة: أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر، وإلى هذه القاعدة تشير الأحاديث التي نهت عن السؤال ساعة البيان، روى البزار عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرّم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا ثم تلا: {وما كان ربك نسيا}”، قال البزار إسناده صالح، وصححه الحاكم، وروى الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها“، ([15]) .في هذين الحديثين إشارة واضحة إلى القاعدة المذكورة، وهي غير الترك الذي هو محل بحثنا في هذه الرسالة، فخلط إحداهما بالأخرى مما لا ينبغي، ولذا بيّنت الفرق بينهما حتى لا يشتبها على أحد، وهذه فائدة لا توجد إلا في هذه الرسالة والحمد لله، …
[نماذج من الترك]: هذه نماذج لأشياء لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم: 1، الاحتفال بالمولد النبوي،2، الاحتفال بليلة المعراج،3، إحياء ليلة النصف من شعبان،4، تشييع الجنازة بالذكر،5، قراءة القرءان على الميت في الدار،6، قراءة القرءان عليه في القبر قبل الدفن وبعده،7، صلاة التراويح أكثر من ثمان ركعات، فمن حرّم هذه الأشياء ونحوها بدعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها فاتل عليه قول الله تعالى {ءآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}، لا يقال: وإباحة هذه الأشياء ونحوها داخلة في عموم الآية لأنا نقول: ما لم يرد نهي عنه يفيد تحريمه أو كراهيته، فالأصل فيه الإباحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” وما سكت عنه فهو عفو” أي مباح) أهــ ([16]) .
[المفتاح السادس عشر]: حكم ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم: قال الشيخ عيسى عبد الله محمد الحميري في رسالته القيمة البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع: (حكم ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم]: رأينا من خلال الأمثلة السابقة أن تركه صلى الله عليه وسلم للشيء لا يدل على تحريمه، فقد ترك أكل لحم الضب ثم قرر صلى الله عليه وسلم بأنه ليس بحرام، وترك شيئاً من الصلاة سهواً ثم عاد فأتمها، وترك الجماعة في التراويح مخافة افتراضها، ثم جمع الصحابة من بعده ولم ينقل عن أحد من الأمة إنكارها، وترك نقض الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم مع رغبته في ذلك مخافة تغير قلوب أصحابه، وترك أكل الثوم ولم يقل أحد من الأمة بتحريمه، فالترك على ذلك لا يفيد التحريم، فماذا يفيد إذن؟ يقول الشيخ عبدالله بن الصديق في حسن التفهم والدرك لمسألة الترك: والترك وحده إن لم يصحبه نص على أن المتروك محظور لا يكون حجة في ذلك (أي التحريم) بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع، وأما أن ذلك الفعل المتروك يكون محظوراً فهذا لا يستفاد من الترك وحده، وإنما يستفاد من دليل يدل عليه، أهـــ ـ ([17]) .
إذن فالترك لا يدل إلا على أن الفعل المتروك يجوز تركه ـ اللهم إلا ما تركه سهواً ـ أمّا حكم فعله فهذا شيء آخر، فقد يكون حراماً لا لمجرد الترك بل لدليل يدل على التحريم، كما قد يكون مباحاً أو مندوباً أو مكروهاً حسب الدليل، والله أعلم، وانظر في ذلك رسالة الشيخ الغماري فإنه أتى فيها بما لا مزيد عليه.
[رأي ابن تيمية في الترك]: قسم ابن تيمية ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم قسمين: (الأول): ما تركه مع وجود المقتضي لفعله في عهده صلى الله عليه وسلم، وهذا الترك يدل على أنه ليس بمصلحة ولا يجوز فعله، ويمثل لذلك بالأذان لصلاة العيدين حيث أحدثه بعض الأمراء، فمثل هذا الفعل تركه الرسول صلى الله عليه وسلم مع وجود ما يعتقد مقتضياً مما يمكن أن يستدل به من ابتدعه ككونه ذكر الله، ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات كقوله تعالى: {اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب: 41] وقوله: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً} [فصلت: 33] ويدخل أيضاً في القياس على صلاة الجمعة، وهذه الأمور كانت موجودة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما أمر بالأذان للجمعة، وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، دل تركه على أن ترك الأذان هو السنة فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة فيه كالزيادة في أعداد الصلوات وأعداد الركعات، أو زيادة أيام الصوم المفروضة أو شعائر الحج المطلوبة ونحو ذلك، (والثاني): ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لعدم وجود ما يقتضيه، لحدوث المقتضي له بعد موته صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا قد يكون مصلحة وقد يكون جائزاً، ويمثل ابن تيمية لهذا النوع بجمع القرآن، فقد كان المانع من جمعه على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أن الوحي كان لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو لتعذر تغييره في كل وقت.. انتهى بتصرف.(أقول): هذا كلام ليس بمحرر ولا محقق، فقد اشتبهت عليه هذه المسألة كما قال الشيخ عبدالله بن الصديق بمسألة السكوت في مقام البيان، صحيح أن الأذان في العيدين بدعة غير مشروعة، لكن لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركه، وإنما لأنه صلى الله عليه وسلم بين في الحديث ما يعمل في العيدين ولم يذكر الأذان، فدل سكوته على أنه غير مشروع، والقاعدة: أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر، وإلى هذه القاعدة تشير الأحاديث التي نهت عن السؤال ساعة البيان، روى البزار عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا: وما كان ربك نسياً وروى الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)، ففي هذين الحديثين إشارة واضحة إلى القاعدة المذكورة، وهي غير الترك الذي هو محل بحثنا في هذه الرسالة، فخلط إحداهما بالأخرى مما لا ينبغي أهـ، …. وقد ادعى بعضهم بناء على كلام ابن تيمية السابق أن الدعاء بعد الصلاة في جماعة بدعة لا ينبغي فعلها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها مع وجود المقتضي لها، وهذا الكلام مردود برد كلام ابن تيمية السابق، وعلى فرض صحة كلامه فهذا كلام مردود أيضاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعُ بجماعة بعد الصلاة لوجود مانع يمنع من ذلك، فإن بقاء النبي صلى الله عليه وسلم كان من أسبابه انتظار خروج النساء، والنساء كن يخرجن مباشرة بعد السلام حتى لا يحدث اختلاط بين الرجال والنساء، فإذا كان سيدعو بالجماعة بعد أذكاره فلن يخرج النساء انتظاراً لدعائه المستجاب، وخروجهن بعد الدعاء ربما كان سبباً لريبة ما، لأن الرجال قد فرغوا من الأذكار ومما يشغلهم عن النساء، فترك صلى الله عليه وسلم الدعاء بالجماعة برغم ما فيه من المصلحة الواضحة خوفاً من مفسدة أعظم، ومعلوم في الشريعة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، فإن انتفت العلة كحال مساجدنا اليوم فيستحب الدعاء الجماعي لما فيه من الخير العظيم، والله أعلم، هذا وإن السنة قد رصدت لنا بعض مواقف النبي صلى الله علي وسلم ممن فعل من الصحابة أمراً تركه النبي صلى الله عليه وسلم، … فمما فعله الصحابة من الأمور التي تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أ) الأذان الأول يوم الجمعة: فقد أخرج البخاري وابن ماجه والترمذي وغيرهم عن السائب بن يزيد قال: (كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثُر الناس زاد النداء الثالث على الزَّوراء.(سبق تخريجه)
(ب) زيادة ابن عمر في التشهد: فقد أخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد: (التحيات لله الصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ـ قال ابن عمر: زدتُ فيها: (وبركاته) ـ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله ـ قال ابن عمر: زدتُ فيها: (وحده لا شريك له) ـ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).
(ج) تعدد صلاة العيد في مصر واحد: فقد قال ابن تيمية في منهاج السنة: أحدث عليُّ بن أبي طالب في خلافته العيد الثاني بالجامع، فإن السُّنة المعروفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان أنه لا يصلى في المصر إلا جمعة واحدة، ولا يصلى يوم النحر والفطر إلا عيد واحد، فلما كان عهده قيل له: إن بالبلد ضعفاء لا يستطيعون الخروج إلى المصلى فاستخلف عليهم رجلاً يصلي بالناس بالمسجد، انتهى، فبهـذه الأدلــة وغيــرها يتبين لنا أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم ليس دليلاً على التحريم، وإلا لما فعل الصحابة هذه الأشياء التي تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم) ([18]) .انتهى من رسالة البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع.
[المفتاح السابع عشر]:من القواعد والضوابط المهمة التي تضبط باب السنة والبدعة وتمنع من الغلو فيه: أنّه لا يجوز التبديع بالسنة التركية: إن الفقه السديد في مسألة الترك له دور عظيم في ضبط مفهوم السنة والبدعة:
(أولا) فالسّنة عند أهل الأصول، تعني ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو عمل أو تقرير، وعلى ذلك فهي ثلاثة أقسام: السنن القولية، والسنن الفعلية، والسنن التقريرية، وأما الترك المجرد من القرائن فهو عدم فعل، والعدم ليس بشيء، ولا يصلح دليلاً لجواز شيء أو حرمته، وقد حذرنا الله تعالى من التشريع والتحريم بغير هدى من الله وبما لم يأذن به الله، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، فكيف إذا كان تحريم المباح يعقبه الاتهام بالبدعة والضلالة لانّ كل بدعة ضلالة، إن هذا لهو من أسوأ التقول على دين الله تعالى بما ليس فيه، فالزعم بأن الترك المجرد سنّة فهذا ادخال في الدين ما ليس فيه، ولم يقل به أحد من الأئمة المجتهدين المقتدى بهم في الدين، وهو تقول على دين الله بغير علم، وبما لم يأذن به الله، وهو في حد ذاته بدعة بإدخال ما ليس من الدين إليه.
(ثانيا) الدليل على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي، ما جاء في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) دليل على أنّ الترك لا يدل على أمر أو نهي أو تشريع، وإلا لما أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم)، ففرق بين الترك والنهي والأمر، ففي الترك قال: (دعوني ما تركتكم) وفي النهي قال: (فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، وفي الامر قال: (وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم).
(ثالثا) من الأدلة على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي، ما أخرجه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) (ذروني ما تركتكم) دليل على أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) أهـ.
(رابعا) ترك النبي صلى الله عليه وسلم أفعالاً كثيرة تعد من المستحبات والطاعات عمداً لاعتبارات عديدة، فقد كان يترك بعض العبادات والطاعات خشية أن تفرض على الناس فيعجزوا عنها، مع أنها من الطاعات وعمل الخير، وهذه الامور تركها الرسول، ولكنها في شرع الله تعالى من الطاعات والقربات.
(خامسا) ترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض العبادات والطاعات التي ثبتت فضيلتها حتى لا يشق على المسلمين، رفقاً بهم، ومن ذلك تركه للخروج في جميع السرايا للجهاد في سبيل الله، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة: قوله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده: لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده: لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل) .
(سادسا) ترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض العبادات والطاعات التي ثبت أنها أفضل الطاعات لشيء في علم الله تعالى ولعله حتى لا يشق على المسلمين رفقاً بهم أن يقتدوا به، ومن ذلك صيام يوم وافطار يوم، وقد نص حديثه صلى الله عليه وسلم على أن أفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ومع ذلك تركه النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عنه قط أنه كان يصوم هكذا، مع أنّه أفضل الصيام بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
(سابعا) ترك النبي صلى الله عليه وسلم الخلوة التي كان يواظب على فعلها قبل البعثة، مع أنّه أجازها للمسلم عند فساد الزمان، فهل تركه لها يدل على بطلانها وأنها لا تجوز، أم أنّ الترك في هذه الحالة لا يدل إلا على أن الفعل المتروك لم يعد مستحباً، فيعود جائزاً مباحاً، إلا أن يأتي دليل على الكراهية أو التحريم.
(ثامنا) قد يترك النبي بعض العمل لاعتبارات كثيرة أخرى منها ما نعلم سببه، ومنها ما لا نعلم سببه، والترك في جميع الأحوال عدم فعل، والعدم لا يصلح دليلاً على شيء في الشرع مطلقاً، إلا أن يصاحبه نهي أو أمر من الشارع بشيء.
(تاسعا) لقد تسبب اعتماد مبدأ (السنة التركية) كدليل على التبديع إلى غلو شنيع في مسائل التبديع، أخرجها عن إطار التوسط والاعتدال إلى مجال الغلو والتنطع.
(ط) خلاصة الأمر أنّ مسألة ترك النبي صلى الله عليه وسلم، هو على الإباحة الأصلية المطلقة، حتى يأتي دليل من دين الله تعالى بترجيح الترك أو الفعل، ولا يجوز أبداً استعمال هذا الأمر (السنّة التركية) للتبديع والتفسيق ورمي الناس بالبدعة والضلالة.
[المفتاح الثامن عشر]: خلاصة الأمر أنّ مسألة ترك النبي صلى الله عليه وسلم، هو على الإباحة الأصلية المطلقة، حتى يأتي دليل من دين الله تعالى بترجيح الترك أو الفعل، ولا يجوز أبداً استعمال هذا الأمر (السنّة التركية) للتبديع والتفسيق ورمي الناس بالبدعة والضلالة، بل ينبغى تقييد الحكم بالبدعة على عدم وجود ما يؤيد الفعل أو على وجود ما يردّه من النصوص، لأنّ حكم الترك – المجرد – في الشريعة هو الإباحة، حتى يأتي دليل مستقل بالنهي أو الإيجاب، أو الاستحباب أو الكراهة، أمّا التبديع بمجرد الترك هو في ذاته قول منكر وبدعة تؤول بصاحبها إلى تبديع من لا يستحق من عباد الله المسلمين، وهذا المبحث في حكم الترك، هو غاية في الأهمية في ضبط مسائل السنّة والبدعة بما يمنع من الغلو فيها، غلواً مقيتا يجعل بأس المسلمين بأسهم بينهم شديد، نسأل الله تعالى السلامة،
***
المبحث الثاني مفاتيح الفقه في مسالة العمل بالحديث الضعيف ودوره في تصحيح وتهذيب وضبط مفهوم البدعة
[المفتاح الأول]: الحديث الضعيف: هو ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول أو من شروط الحديث المقبول، وهذا يعني أن نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نسبة ضعيفة، وليس معنى حكم العلماء على الحديث بالضعف أنَّ النبي لم يقله، فهذا ما لا يستطيع أحدٌ أن يجزم به، نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى في كثيرٍ من كتبه كالروضة والأذكار والإرشاد والتقريب، اتفاق المحدثين والفقهاء على جواز الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب ما لم يكن موضوعا، قال في الأذكار: ” قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق، وغير ذلك، فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح، أو الحسن، إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك ” أهـ ([19]) .
وقال في المجموع: ” وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون الحلال والحرام، وهذا من نحو فضائل الأعمال ” ([20]) .
[ويؤيد كما ذكره الإمام النووي: ما أخرجه الخطيب البغدادي عن عبد الرحمن بن مهدي: ” إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والأحكام تشددنا وانتقدنا الرجال، واذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب والمباحات والدعوات تساهلنا في الأسانيد ” ([21]) .وما أخرجه الخطيب البغدادي عن الإمام أحمد: ” إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال وما لا يضع حكماً ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد ” أهـ ([22]) .
[المفتاح الثاني]: شروط الحديث الضعيف الذي أجاز الفقهاء والمحدثون العمل به: قال الحافظ بن حجر العسقلاني: ” قواعد العمل بالحديث الضعيف:
(أحدها): أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه، نقل العلائي الاتفاق عليه، (الثاني): أن يندرج تحت أصل معمول به، (الثالث): أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط ” أهـ ([23]) وذكر تلك الشروط الحافظ السخاوي، وقال: وممن اختاروا ذلك أيضاً ابن عبدالسلام وابن دقيق العيد ” أهـ ([24]) .
[ المفتاح الثالث]: أقوال العلماء في جواز العمل بالحديث الضعيف ما لم يكن شديد الضعف: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ” تجوز رواية الحديث الضعيف إن كان بهذا الشرطين: ألا يكون فيه حكم، وأن تشهد له الأصول ” أهـ ([25]) .
وقال الإمام السيوطي: ” ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع من الضعيف والعمل به من غير بيان ضعفه في غير صفات الله تعالى والأحكام كالحلال والحرام وما لا تعلق له بالعقائد والأحكام ” أهـ ([26]) .
وقال الحافظ المنذري: ” ولأن من تقدم من العلماء رضي الله عنهم أساغوا التساهل في أنواع من الترغيب والترهيب ” أهـ ([27]) . وقال الخطيب البغدادي: ” والتجوز في فضائل الأعمال قد روي عن غير واحد من السلف أنه لا يجوز حمل الأحاديث المتعلقة بالتحليل والتحريم إلا عمن كان بريئاً من التهمة بعيداً عن الظن وأما أحاديث الترغيب والمواعظ ونحو ذلك فإنه يجوز كتابتها عن سائر المشايخ ” أهـ ([28]) . وقال الحافظ العراقي: ” أما غير الموضوع فيجوز التساهل في اسناده وروايته من غير بيانٍ لضعفه إذا كان في غير الأحكام والعقائد بل في الترغيب والترهيب من المواعظ والقصص وفضائل الأعمال ونحوها أما إن كان في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام وغيرها أو العقائد كصفات الله تعالى وما يجوز وما يستحيل عليه ونحو ذلك فلم يروا التساهل في ذلك ” أهـ ([29]) . وقال أيضاً عن الإمام أحمد أنه قال: ” أحاديث الرقاق يُحتمل التساهل فيها حتى يجيء بشيءٍ فيه حكم ” ([30]) . وقال الحافظ ابن عبد البر: ” أهل العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل فيرونها عن كل، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام ” أهـ ([31]) . وقال الإمام النووي: ” يُستأنس بأحاديث الفضائل وإن كانت ضعيفة الإسناد ويُعمل بها في الترغيب والترهيب ” أهـ ([32]) . وقال أيضاً: يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية سوى الموضوع من الضعيف، والعمل به من غير بيان ضعفه في غير صفات الله تعالى والأحكام، كالحلال والحرام، ومما لا تعلق له بالعقائد والأحكام”([33]) .
وقال الإمام الرملي في فتاواه: ” حكى النووي في عدة من تصانيفه إجماع أهل الحديث على العمل بالحديث الضعيف في الفضائل ونحوها خاصة “ ([34]) .
وقال ابن حجر الهيثمي: ” قد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، لأنه إن كان صحيحًا في نفس الأمر، فقد أعطى حقه من العمل به، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدةُ تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير ” أهـ ([35]) .
[المفتاح الرابع]: اتفاق الفقهاء من المذاهب الأربعة المتخصصة في الفقه والشريعة على العمل بالحديث الضعيف بشروطه: قال عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي في كتابه ” حكم العمل بالحديث الضعيف عند المحدثين والفقهاء دراسة تأصيلية ” – تحت عنوان: حكاية الاتفاق على العمل بالحديث الضعيف في الفضائل:
” قال الإمام النووي في المجموع ” وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون الحلال والحرام، وهذا من نحو فضائل الأعمال” أهـ، ([36]) .
وفي فتاوى الرملي : ” حكى النووي في عدة من تصانيفه إجماع أهل الحديث على العمل بالحديث الضعيف في الفضائل ونحوها خاصة ” أهـ، ([37]) . وجاء في مواهب الجليل للحطاب وشرح الخرشي على خليل ” قلت: وإن كان ضعيفا [أي حديث كل أمر ذي بال…] فقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ” أهـ، ([38]) .
وقال علي القاري في الحظ الأوفر كما في الأجوبة الفاضلة للكنوي : ” الحديث الضعيف معتبر في فضائل الأعمال عند جميع العلماء من أرباب الكمال” أهـ، وقال القاري في رسالته في الموضوعات كما في الأجوبة الفاضلة للكنوي : ” الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقا ” أهـ، ([39]) .
وقال ابن حجر الهيتمي في شرحه على الأربعين النووية: ” قد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، لأنه إن كان صحيحا في نفس الأمر، فقد أعطى حقه من العمل به، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدةُ تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير ” أهـ، ([40]) .
وفي فتاوى ابن حجر الهيتمي ” وقد تقرر أن الحديث الضعيف والمرسل والمنقطع والمعضل والموقوف يعمل بها في فضائل الأعمال إجماعا ” أهـ ([41]) .
، وفي تطهير الجنان لابن حجر أيضا: ” فإن قلت هذا الحديث المذكور سنده ضعيف فكيف يحتج به؟ قلت: الذي أطبق عليه أئمتنا الفقهاء والأصوليون والحفاظ أن الحديث الضعيف حجة في المناقب، كما أنه بإجماع من يعتد به حجة في فضائل الأعمال، وإذا ثبت أنه حجة في ذلك لم تبق شبهة لمعاند، ومطعن لحاسد بل وجب على كل من فيه أهلية أن يقر هذا الحق في نصابه ” ([42]) .
وقال – تحت عنوان: من أقوال أهل الفقه في ذلك، وفيه مطالب:
(المطلب الأول: من أقوال الحنفية): قال الكمال بن الهمام في فتح القدير: (فإن صح وإلا فالضعيف غير الموضوع يعمل به في فضائل الأعمال) اهـ، ([43]) .
وفي حاشية ابن عابدين: (قوله: في فضائل الأعمال) أي لأجل تحصيل الفضيلة المترتبة على الأعمال، قال ابن حجر في شرح الأربعين: لأنه إن كان صحيحا في نفس الأمر فقد أعطي حقه من العمل وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير ” أهـ ([44]) .
، وقال الخادمي في كتابه بريقة محمودية (قيل عن ابن الهمام رحمه الله: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعا ” أهـ، . ([45]) .
(المطلب الثاني: من أقوال المالكية): قال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير : ” قوله: قال الغزالي [لا ينظر للصحة إلا في باب الأحكام]: أي التكليفية والوضعية وأما فضائل الأعمال والآداب الحكمية فلا تتوقف على ذلك بل يتأنس لها بالحديث الضعيف وبالآثار المروية عن السلف ” أهـ، ([46]) . وتقدم عن فتح المغيث: ” قال ابن عبد البر: أحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى من يحتج به ” أهـ، وتقدم كلام الحطاب والخرشي عند حكاية الاتفاق.
(المطلب الثالث: من أقوال الشافعية): قال الإمام النووي في مقدمة المجموع : (فصل: قال العلماء: الحديث ثلاثة أقسام صحيح، وحسن وضعيف قالوا: وإنما يجوز الاحتجاج من الحديث في الأحكام بالحديث الصحيح أو الحسن، فأما الضعيف فلا يجوز الاحتجاج به في الأحكام والعقائد وتجوز روايته والعمل به في غير الأحكام، كالقصص وفضائل الأعمال والترغيب والترهيب ” أهـ، ([47])
(المطلب الرابع: من أقوال الحنابلة): قال الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى: (ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب مالا يسهلون في أسانيد أحاديث الأحكام .. ” أهـ، ([48]) .
وقال ابن مفلح في الآداب: (فصل في العمل بالحديث الضعيف وروايته والتساهل في أحاديث الفضائل دون ما تثبت به الأحكام والحلال والحرام…ينبغي الإشارة إلى ذكر العمل بالحديث الضعيف، والذي قطع به غير واحد ممن صنف في علوم الحديث حكاية عن العلماء أنه يعمل بالحديث الضعيف فيما ليس فيه تحليل ولا تحريم كالفضائل ” أهـ، ([49]) .
وفي شرح الكوكب لابن النجار الفتوحي: (ويعمل ب (الحديث) الضعيف في الفضائل) عند الإمام أحمد رضي الله عنه والموفق والأكثر” أهـ ([50]) .
[المفتاح الخامس]: [حكاية الخلاف في مسالة جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال حكاية لا تصح، والرد علي ذلك]: ذكر بعضهم الخلاف في المسألة وادعى أن العلماء اختلفوا في ذلك على قولين: (القول الأول): أنه لا يُعمل بالحديث الضعيف مُطلقاً، لا في الأحكام والعقائد ولا في فضائل الأعمال، ونسب ذلك القول إلى الإمام البخاري، والإمام مسلم، والإمام أبو زكريا النيسابوري، والإمام أبو زرعة الرازي، والإمام أبو حاتم الرازي، والإمام ابن أبي حاتم الرازي، والإمام ابن حِبان البستي، والإمام أبو سليمان الخطابي، والإمام ابن حزم الظاهري، والإمام أبو بكر بن العربي، والإمام ابن تيمية، والإمام أبو شامة المقدسي، والإمام جلال الدين الدواني، والإمام الشوكاني، وأنّ (القول الثاني): أنه لا يُعمل بالحديث الضعيف في الأحكام والعقائد، ولكن يُعمل به في فضائل لأعمال والترغيب والترهيب والتفسير والمغازي والسير بشروط اعتمدها الأئمة الثقات، وممن قال بذلك: الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام النووي، والإمام السيوطي، والإمام ابن جماعة، والإمام الطيبي، والإمام سراج الدين البلقيني، والحافظ المنذري، والحافظ زين الدين أبو الفضل العراقي، والإمام ابن دقيق العيد، والحافظ ابن عبد البر المالكي، والحافظ ابن حجر الهيثمي، والإمام ابن الهمام، وابن قدامة المقدسي، والإمام ابن كثير، والإمام جلال الدين المحلي، والإمام ابن علان، والإمام الصنعاني) انتهى كلامه.
والذي يهمنا في فقه الرد عليه أمور أهمها:
(أولاً) أنّ حكاية الخلاف ليس فيها انصاف، فقد اجتهد في جمع كل ما وقعت عينه عليه من أقوال المانعين ولم يستطع أن يزيدهم على عشرين قولاً في مقابل مئات النصوص للفقهاء والمحدثين التي تُجيز العمل بالحديث الضعيف – وفق شروطه – في فضائل الأعمال، فضلاً عن الأئمة الكبار كالإمام أحمد ابن حنبل، وقد سبق قوله الذي ذكره الخطيب البغدادي عن الإمام أحمد:” إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال وما لا يضع حكماً ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد([51]) . وما أخرجه الخطيب البغدادي عن عبد الرحمن بن مهدي: ” إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والأحكام تشددنا وانتقدنا الرجال، واذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب والمباحات والدعوات تساهلنا في الأسانيد ” ([52]) .
(ثانياً) نسب القول المانع من رواية الحديث الضعيف والعمل به إلى الإمام البخاري، وهذا مخالف لصنيع البخاري في الأدب المفرد، فقد جمع فيه الصحيح والضعيف، وبالتالي فنسبة القول إلى البخاري غير صحيحة، ونسب القول إلى الأئمة أبي زكريا النيسابوري، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم الرازي، وابن أبي حاتم الرازي، ولم يذكر صريح قولهم في ذلك، ونسب القول إلى ابن تيمية، وكان يتحدث عن الحلال والحرام (الشريعة) وهذا ليس مجال البحث إذ الاتفاق على منع العمل به في العقائد وفي الحلال والحرام، والحديث عن العمل به في فضائل الأعمال، ودليل ذلك ما نقله عنه: ” ولا يجوز أن يُعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة ” أهـ ([53]) .
فحديثه عن التشريع، كما أنّه هو القائل – كما في مجموع الفتاوى- وهو يتحدث عن علماء أهل السنّة ” ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب مالا يسهلون في أسانيد أحاديث الأحكام ” أهـ، ([54]) .
وأمّا نقله كلام ابن الجوزي فغير مناسب لأنّ تفسيره المسمى زاد المسير في علم التفسير فيه من الأحاديث الضعيفة الشيء الكثير، وهو يستدل بها، وما نقله عن الشوكاني في غير محله حيث يقول: وقال الإمام الشوكاني: ” الضعيف الذي يبلغ ضعفه الى حدٍ لا يحصل معه الظن لا يثبت به الحكم ولا يجوز الاحتجاج به في اثبات شرعٍ عام وانما يثبت الحكم بالصحيح والحسن لذاته أو لغيره لحصول الظن بالصدق ” أهـ ([55]) .
فالشوكاني يتحدث عن التشريع واثبات الأحكام – كما هو واضح -، ونحن نتحدث عن فضائل الأعمال، ثم هو لم يتكلم عن الضعيف، وإنما تكلم عن الشديد الضعف، بدلالة قوله: (الضعيف الذي يبلغ ضعفه الى حدٍ لا يحصل معه الظن)، وأمّا قول الألباني: ” العمل بالضعيف فيه خلاف عند العلماء، والذي أُدينُ الله به، وأدعوا الناس إليه، أنَّ الحديث الضعيف لا يُعمل به مُطلقاً لا في الفضائل ولا المُستحبات ولا غيرها ” أهـ ([56]) . فقد أنصف في ذكر الخلاف، ويدين هو بما شاء، ولكن نسبة الخطأ إلى الفريق المجيز خلل جلل.
(ثالثا): أنّ الكاتب ينتصر لرأيه ويريد ان يلغي رأي الآخرين، فكيف إذا كان الراي المقابل له هو رأي الجمهور، وإذا لم يعتبر المخالف بأمثال من ذكرهم: (الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام النووي، والإمام السيوطي، والإمام ابن جماعة، والإمام الطيبي، والإمام سراج الدين البلقيني، والحافظ المنذري، والحافظ زين الدين أبو الفضل العراقي، والإمام ابن دقيق العيد، والحافظ ابن عبد البر المالكي، والحافظ ابن حجر الهيثمي، والإمام ابن الهمام، وابن قدامة المقدسي، والإمام ابن كثير…
(رابعا) الجمهور والمدارس الحديثية المعتبرة والمدارس الفقهية المتخصصة جميعها متفقة على القول بجواز العمل بالحديث الضعيف – وفق شروطه – في فضائل الأعمال، ولذلك فالخلاف فيها يميل إلى صالح الجمهور كما ذكر الاتفاق عليه الإمام النووي، فكيف إذا أخذت وعملت به طوائف من المسلمين، فهل يكون هناك سبيل لتبديعها فضلاً عن تخطئتها نسأل الله السلامة.
ومن آثار ونتائج الغلو في هذه المسالة: رأينا الألباني رحمه الله يتهم بالبدعة من يعمل بالحديث الضعيف كما سوّد بذلك كتاب أحكام الجنائز وبدعها، فقد بدّع ما لا يُبدع بحال، واتهم بالبدعة من عمل بالأحاديث الضعيفة في أمور هي من قبيل فضائل الأعمال كقراءة سورة يس على أموات المسلمين، وتلقين موتى المسلمين، فصار رحمه الله صائلاً على السنّة لا صائلاً لها، وأما استدلال مقبل الوادعي بحديث: (من حدَّثَ عني بحديث يرى أنه كذِّب فهو أحد الكذابين)، ليلغي بذلك فائدة كل حديث ضعيف، فنقول وهل يستطيع أحد من أمّة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجزم بأنّ الحديث الضعيف كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجميعنا يعلم أنّ الحديث الضعيف: هو ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول أو من شروط الحديث المقبول، وهذا يعني أن نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نسبة ضعيفة، وليس معنى حكم العلماء على الحديث بالضعف أنَّ النبي لم يقله، فهذا ما لا يستطيع أحدٌ أن يجزم به، ثم كم رأينا الالباني يضعف حديثا وفي اليوم التالي يصححه لأنه وجد له طريقا صحيحا او طريقا يدعمه فهل ننتظر في ديننا حتى يستقر الالباني على التصحيح والتضعيف، وقد أحصى طلبة العلم له حوالي 500 حديث فيما سموه تراجعات الألباني، وغالبا ما كانت هذه التراجعات نتيجة لإعادة تقييم للأسانيد أو المتون، مما أدى إلى تغيير الحكم في بعض الأحاديث، سواء من تصحيح إلى تضعيف أو العكس، وكذلك فإن العلماء جعلوا (للضعيف) شروطا ثلاثة لجواز العمل به: (أحدها): أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه، نقل العلائي الاتفاق عليه، (الثاني): أن يندرج تحت أصل معمول به، (الثالث): أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط، أما نقله لقول عبد المحسن العباد البدر فالنقل يشير إلى الحديث الموضوع وليس الضعيف بدلالة قوله: ” والوضع مطلقاً حرام بالإجماع ولا عبرة بشذوذ من شذ فأجازه في الترغيب والترهيب ” أهـ، فليس حديثه عن الموضوع، وبذا يتبين الخلل في نقل الخلاف في المسألة، وأنّ قول الإمام النووي هو العمدة في الباب حيث نقل اتفاق المحدثين والفقهاء على جواز الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب ما لم يكن موضوعا، وقد تقدم بيانه.
[المفتاح السادس]: خلاصة المبحث: (مبحث مفاتيح الفقه في مسالة العمل بالحديث الضعيف ودوره في تصحيح وتهذيب وضبط مفهوم البدعة): اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، لأنه إن كان صحيحاً في نفس الأمر فقد أُعْطى حقَّه من العمل به، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق، وهذا ما ذكره الأئمة الفقهاء، وأنّه إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال، ولم يكن هذا العمل مما يحتمل الُحْرمة أو الكراهة فإنه يجوز العمل به ويستحب، لأنه مأمون الخطر ومرجوّ النَّفع، إذا هو دائر بين الإباحة والاستحباب، والاحتياط العمل به رجاء الثواب، وقد جعل الفقهاء لقبوله ثلاثة شروط:
(الأول): أن يكون الضعف غير شديد، و(الثاني): أن يكون مندرجاً تحت أصل عام، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلا، و(الثالث): أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته لئلا يُنْسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقلْه، وإذا تلقت الأمة الضعيف بالقبــول يُعمل به، ويــكون ذلك العمل تصحــيحاً له، كما صّرح به الحافظ ابن حجر العسقلاني في نكته على مقدمة ابن الصلاح ونقله عن جماعة من أئمة الأصول، وقد نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى في كثيرٍ من كتبه كالروضة والأذكار والإرشاد والتقريب، اتفاق المحدثين والفقهاء على جواز الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب ما لم يكن موضوعا.
وقد اتفق الفقهاء من المذاهب الأربعة المتخصصة في الشريعة على العمل بالحديث الضعيف بشروطه، وعلى أنه لا يُعمل بالحديث الضعيف في الأحكام والعقائد، ولكن يُعمل به في فضائل لأعمال والترغيب والترهيب وانّه لا يجوز التبديع بعمل ورد فيه حديث ضعيف: لعدة أسباب منها: (الأول) احتمال ثبوته بوجه من الوجوه، (الثاني) أن العمل بالضعيف مستحب عند بعض الأئمة احتياطاً حتى لو اشتدّ ضعفه، (الثالث) إثبات الأئمة هذه الأحاديث بأسانيدهم فما من كتاب إلا فيه ضعيف عدا الصحيحين والموطأ على خلاف في الموطأ، (الرابع) دخول الضعيف في مسائل الاجتهاد وليس في المحدثات، فالخلاصة التي تهمنا في هذا المبحث، أنّه لا يجوز التبديع بعمل ورد فيه حديث ضعيف وأنّ هذا لهو من أهم القواعد والضوابط التي تضبط باب السنة والبدعة وتمنع من الغلو فيه.
*
المبحث الثالث مفاتيح فهم القاعدة الفقهية لا تبديع ولا تفسيق في المسائل الخلافية بين المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة
[المفتاح الأول]: لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ولا يجوز التهجم على علومهم دون الرجوع إليهم، قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83].
[المفتاح الثاني]: مذاهب الفقهاء الأربعة هي المتخصصة في علم الفقه الإسلامي: الأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة يجمعون علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار، فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه، ويملأ طباق الأرض علما وفقها، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه، ويتخرج على هؤلاء أكابر الفقهاء، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة.
الإمام أبو حنيفة يجمع علم أهل العراق: فإنّ الكوفة بعد أن ابتناها الفاروق – رضي الله عنه – وأسكن حولها الفُصَّح من قبائل العرب، بعث إليها ابن مسعود – رضي الله عنه – ليفقه أهل الكوفة في دين الله قائلا لهم: إني آثرتكم على نفسي بعبدالله، وعبدالله رضي الله عنه أحد أعظم المجتهدين في الفقه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومنزلته في العلم بين الصحابة عظيمة جدا، فعُني ابن مسعود بتفقيه أهل الكوفة من عهد عمر إلى أواخر عهد عثمان – رضي الله عنهم – عناية لا مزيد عليها، حتى امتلأت الكوفة بالفقهاء، ولما انتقل علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – إلى الكوفة، سُرَّ من كثرة فقهائها جدا فقال: رحم الله ابن أم عبد، قد ملأ هذه القرية علما، وأتّم علي رضي الله عنه تفقيههم، إلى أن أصبحت الكوفة مضرب المثل في كثرة فقهائها ومحدثيها، والقائمين بعلوم القرآن وعلوم اللغة العربية فيها بعد أن اتخذها على بن أبي طالب رضي الله عنه عاصمة الخلافة، وبعد أن انتقل إليها فقهاء الصحابة، وقد ذكر العجلي أنه توطن الكوفة وحدها من الصحابة ألف وخمسمائة صحابي، سوى من أقام بها ونشر العلم بين ربوعها، وكبار أصحاب علي وابن مسعود رضي الله عنهما بها لو دونت تراجمهم في كتاب خاص لأتى كتابا ضخما، يقول أنس بن سيرين: دخلت الكوفة فوجدت بها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربعمائة قد فقهوا، وقد جمع شتات علوم هؤلاء إبراهيم بن يزيد النخعي، ومن أبرز تلامذته: حماد بن أبي سليمان، الذي انتهت إليه رياسة الفقه في العراق بعد استاذه إبراهيم النخعي، وقد أخذ الإمام أبو حنيفة الفقه عن شيخه حماد بن أبي سليمان الذي لازمه نحواً من ثماني عشرة سنة.
والإمام أبو حنيفة يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم مستقل له منهج واضح، وقواعد رصينة، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه، ضرب رحمه الله مثلا عظيما في الفقه بكتاب الله تعالى وسعة الإطلاع على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تتلمذ على كبار أئمة التابعين، فهضم علمهم، واستوعب فقههم، ووضع أصولا لمنهجه، وقد أخذ العلم عنه خلق كثيرون، ربما بلغ عددهم أربعة آلاف شخص، وقد دوّن الإمام أبو حنيفة فقهه بعد أخذ وردّ سديدين في المسائل الفقهية بينه وبين أفذاذ أصحابه في مجمع فقهي كيانه من أربعين فقيها من نبلاء تلاميذه المتبحرين في الفقه والحديث وعلوم القرآن والعربية، وكان رحمه الله تعالى المؤسس الأول لأول مدرسة فقهية متكاملة، ولله در الشافعي حيث قال: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة.
الإمام مالك يجمع علم أهل المدينة: هو إمام أهل المدينة، وهو إمام أهل الحديث وهو إمام أهل الفقه، وإذا ذكر عالم المدينة فليس ثمة غيره، اشتُهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي وتثبُّته فيه، جمع فقه علماء مدرسة أهل الأثر بالمدينة جميعهم، وجمع فقه مدرسة أهل الرأي عن طريق الإمام الفقيه ربيعة الرأي، فكان آية في الفقه والعلم، وصدق فيه حديث النبي صلى الله عليه، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة ) ([57]) .
وقد كانت المدينة المنورة مهبط الوحي، ومقر جمهرة الصحابة إلى آخر عهد ثالث الخلفاء الراشدين، وعني كثير من التابعين من أهل المدينة بجمع شتات المنقول عن الصحابة من الفقه والحديث، حتى كان للفقهاء السبعة من أهل المدينة منزلة عظيمة في الفقه، كان سعيد بن المسيب يسأله ابن عمر – رضي الله عنهما – عن أقضية أبيه، تقديرا من ذلك الصحابي الجليل لسعة علم هذا التابعي الكبير بأقضية الصحابة، ثم انتقلت علوم هؤلاء إلى شيوخ مالك من أهل المدينة، فقام مالك بجمعها وإذاعتها على الجماهير، فنسب المذهب إليه تأصيلا وتفريعا، وانصاع له علماء كبار تقديرا لقوة حججه ونور منهجه على توالي القرون، ولو قام أحد هؤلاء العلماء المنتمين إليه بالدعوة إلى مذهب يستجده لوجد من يتابعه من أهل العلم لسعة علمه وقوة نظره، لكنهم فضلوا المحافظة على الانتساب إلى مذهب عالم المدينة، حرصا على جمع الكلمة، وعلما منهم بأن بعض المسائل الضعيفة المروية عن صاحب المذهب تترك في المذهب إلى ما هو أقوى حجة وأمتن نظرا برأي أصحاب الشأن من فقهاء المذهب، حتى أصبح المذهب باستدراك المستدركين لمواطن الضعف بالغَ القوة، بحيث إذا قارعه أحد المتأخرين أو ناطحه فَقَدَ رأسه.
الإمام الشافعي يجمع علوم أهل الحجاز وأهل العراق: الإمام محمد بن إدريس الشافعي هو ثالث الأئمة والإمام المجدد الذي ملأ طباق الأرض علما، إليه ينسب علم أصول الفقه، جمع علم مدرسة الفقه بمكة المكرمة مما تلقاه من شيوخه من أهل مكة كمسلم بن خالد، الذي تلقى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، ثم رحل إلى المدينة فجمع علم مدرسة الفقه بالمدينة المنورة، وقرأ الموطأ على الإمام مالك رحمه الله، ثم رحل إلى العراق، ولقي أصحاب أبي حنيفة، وأخذ عنهم، ودارس الإمام محمد ابن الحسن تلميذ الإمام أبي حنيفة، ومزج طريقة أهل الحجاز (مكة والمدينة) بطريقة أهل العراق، ووضع علم أصول الفقه، واستقر بمصر ومنها ملأ طباق الأرض علما وفقها، وقد امتلأ الخافقان المشرق والمغرب بأصحاب الشافعي وأصحاب أصحابه، ممن نشروا علم الفقه السديد، فامتلأت طباق الأرض منهم علما وفقها.
الإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع علم الحديث وعلم الفقه: طلب الحديث في فجر شبابه، وأخذ عن كل علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، وجمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها، وإن مسنده لشاهد على ذلك، فقد انتقاه من سبعمائة وخمسين ألف حديث وجمع علم أهل العراق، وفقه أبي حنيفة من محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة، ثم تتلمذ على الشافعي، وتفقه على يديه، وجمع الله تعالى له الحديث والفقه، قال عنه الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة، وقال عنه أيضاً: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلا أفضل ولا اعلم ولا افقه من أحمد بن حنبل، وقال عنه أستاذه وكيع: ما قدم الكوفة مثل ذلك الفتى يعني: أحمد بن حنبل، وقال عنه عبدالرزاق: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع.
نعم هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة: وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي (ت157هـ) بالشام، وسفيان الثوري (ت161هـ) بالعراق، والليث بن سعد (ت175هـ) بمصر، وسفيان بن عيينة (ت198هـ) بمكة، وإسحاق بن راهويه (ت238هـ) بنيسابور، إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع، وعلى ذلك: فأولى المجتهدين بالإتباع: من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب، وصار له مذهب معروف، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة.
[المفتاح الثالث]: أولى المجتهدين في الفقه بالاتباع هم الفقهاء الأربعة: إن أصل العلوم جميعا كتاب الله تعالى ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد تعبد الله تبارك وتعالى كل مسلم بإتباع الكتاب والسنة، والناس تجاه الكتاب والسنة صنفان: مجتهد وعامي، و(المجتهد)فقط له الحقّ في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، و(العامّي)وهو كلّ من لم يبلغ رتبة الاجتهاد، وهذا يأخذ الأحكام من المجتهد، ولا يجوز له استنباط الأحكام، فإن فعل ذلك فقد عصى الله ورسوله ولو أصاب في اجتهاده فضلاً عن خطئه، لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} أي: إن كنتم لا تعلمون الحكم، أو الوسائل الواجبة لاستنباط الأحكام والتي يتوقف فهم الأحكام على مراد الله عليها.
وأولى المجتهدين بالإتباع: من أتفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب، وصار له مذهب معروف، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام.
لقد كان لكثير من علماء المسلمين الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة، ولكن آراء الصحابي لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه، كما أنها لم تخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام، لقد حظيت المذاهب الأربعة بقبول واسع لدى المسلمين وجاءت فترات للأمة لا تكاد تجد فيها أحدا إلا وهو ينتسب لمذهب منها، بل استحوذ كل مذهب في غالب الأحيان على مناطق شاسعة، فيقال مثلا بلاد كذا جميعها حنفية، أو مالكية، أو شافعية، أو حنبلية، وذلك له عدة عوامل أهمها نبوغ جماعات من العلماء الذين تبنوا نشر هذه المذاهب والتأصيل لها والإفتاء بموجبها، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه، فمن أراد من المسلمين أن يسلك الطريق الصواب في الفقه، فعليه أن يلتزم مذهباً من هذه المذاهب الأربعة، التي تضم خيرة فقهاء وعلماء أهل السنّة والجماعة الأئمة المهديين المُتبعين.
[المفتاح الرابع]: المقولة: (لا تبديع ولا تفسيق في المسائل الخلافية التي قال بها أئمة المذاهب الاربعة): تعني أنه لا ينبغي الحكم على من يختلف في مسائل فقهية واجتهادية بـ “البدعة” أو “الفسق” إذا كان هذا الخلاف قائماً على اجتهاد مقبول، وذلك احتراماً لمبدأ “لا إنكار في مسائل الاجتهاد، ومع ذلك، لا تنطبق هذه القاعدة على كل الخلافات، بل تُستثنى منها المسائل التي تخالف نصاً قطعياً أو إجماعاً، حيث يجب الإنكار فيها، وقد كان الهدف من هذه القاعدة: الحفاظ على وحدة المسلمين وتجنب الفرقة والتنازع بسبب مسائل اجتهادية غير محسومة، وهذه القاعدة: تنطبق على المسائل التي تعتمد على الاجتهاد ولا توجد فيها نصوص قطعية الثبوت والدلالة، وهذه القاعدة ليست على اطلاقها وإنما هي مقيدة بما يكون بين المدارس الفقهية الأربعة لأنها مدارس بلغت الذروة في الدقة والفقه والفهم، والمسائل التي اختلف العلماء فيها نوعان: الأول: مسائل ورد في بيان حكمها نص صريح من القرآن الكريم أو السنة الصحيحة، ولا معارض له، أو نقل فيها إجماع، ثم شذ بعض المتأخرين وخالف الإجماع، أو دل على حكمها القياس الجلي الواضح، فهذه المسائل ينكر فيها على من خالف الدليل، وهذه غير موجودة فيما بين المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة لانّ كل المسائل قتلت فيها بحثا عبر مئات من الفقهاء الأئمة المجتهدين.
إنّ المسائل الخلافية تنقسم إلى قسمين، قسم: مسائل اجتهادية يسوغ فيها الخلاف، بمعنى أن الخلاف ثابت حقاً وله حظ من النظر، فهذا لا إنكار فيه على المجتهد، والقسم الثاني من قسمي الخلاف: لا مساغ له ولا محل للاجتهاد فيه، فينكر على المخالف فيه لأنه لا عذر له، وهذه المسائل لا انكار فيها بمعنى لا يجوز التغيير باليد عند القدرة، ونقض القضاء بها، ومنع الفتوى والعمل بها، ومن التشنيع والإغلاظ على القول، ونحو ذلك من معاني إنكار المنكر المحكم، أما النقاش العلمي فلا باس، قال النووي: (العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق، فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو وقوع في خلاف آخر، وذكر قاضي القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الشافعي، في كتابه الأحكام السلطانية خلافا بين العلماء في أن من قلده السلطان الحسبة: هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء، إذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد، أم لا يغير ما كان على مذهب غيره؟ والأصح أنه لا يغير، لما ذكرناه، ولم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم ـرضي الله عنهم أجمعين ـ ولا ينكر محتسب ولا غيره على غيره، وكذلك قالوا: ليس للمفتي، ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه، إذا لم يخالف نصا، أو إجماعا، أو قياسا جليا. اهــ ([58]) .
[المفتاح الخامس]: من المقرر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة أنّه لا تشنيع ولا تفسيق ولا تبديع للمخالف في الأمور الاجتهادية، فلا يجوز اتهام المخالف، ولا التشنيع عليه، ولا ذكره من أجل مخالفته، ولا تبديعه، ولا تفسيقه، ومن صنع شيئاً من ذلك فهو المبتدع المخالف لما عليه فقهاء أهل السنّة والجماعة.
قال ابن تيمية:(وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم، كمسائل في العبادات، والمناكح والمواريث والعطاء، والسياسة، وغير ذلك، وحكم عمر أول عام في الفريضة الحمارية بعدم التشريك، وفي العام الثاني بالتشريك في واقعة مثل الأولى، ولما سئل عن ذلك قال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي، وهم الأئمة الذين ثَبَتَ بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة، ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم) ([59]) .
وقال الذهبي في ترجمة محمد بن نصر المروزي: (ولو أنَّا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه، لما سلم معنا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، هو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة) ([60]) .
كما أنّه لا يجوز التشنيع ولا التبديع ولا التفسيق لأحد من سلف الأمة ومجتهديها إذا خالف بعض الأمور القطعية اجتهاداً، ففي المسائل الخلافية: يجوز بيان الحق وترجيح الصواب وإن خالف اجتهاد الآخرين، في ظل احترام رأي الآخرين، ولكل من المختلفين أن يذكر ما يراه حقاً، وينشر ما يراه صواباً، ويرجح ما يراه الراجح، وله أن يبين أن قول معارضه مرجوح، ولكن بدون تبديع ولا تفسيق، وقد خالف ابن عمر وابن عباس وغيرهما، عمر بن الخطاب، وأبا بكر الصديق -رضي الله عنهم- في متعة الحج، وأفتيا بخلافهما، هذا مع كمال الموالاة للصديق والفاروق، وكان كل إمام وعالم يفتي بما يراه الصواب وإن خالف غيره، وقد قال الإمام مالك: (ما منا إلا رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر) يعني النبي صلى الله عليه وسلم، كما لا يجوز حمل الناس على الرأي الاجتهادي، فلا يجوز لعالم مجتهد، ولا لإمام عام أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده.
[المفتاح السادس]: اختلاف علماء الامة رحمة من الله: قال الشيخ محمد حسين في كتابه اللمع في تجلية البدع: – تحت عنوان ضرورة اختلاف الاجتهادات وقيمته -: (1) يقول الدكتور مصطفي الرزقا في كتابه المدخل الفقهي العام: (بعض المتــــوهمين ممن لا علم عندهـــم ولا بصيـــــــرة لهم يظنون أن اخــــتلاف الاجتهادات في الفقه الإسلامي نقيصة، ويتمنون لو لم يكن إلا مذهب واحد، وقــد يذهبون إلى أبعد من هذا في أوهامهم فـــــيرون أن اخـتلاف المذاهب قد يوهم تناقضًا في المصدر التشريعي، ودفعًا لهذا الوهم الفاسد نقول: إن الاختلاف الفقهي في الأحكام العمــــلية من المفاخر والذخائر، لأنه ثروة تشريعــــية كلما اتسعت كانت أروع وأنفع وأنجع، فإن معنى هذا الاختلاف هو تعدُّد النظريات والمـــبادئ والطرائق الحقوقية في استمداد الأحكام وتقريرها، وهذا يجعل الأمة في غنى من تشريعاتها لا يضيق بها عن حاجاتها) انتهى، ([61]) .
(2) يقول الإمام الشاطبي في الاعتصام مبينًا حال المذاهب الفقهية في التشريع الإسلامي: (روى ابن وهب عن القاسم بن محمد: أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ” ما احب أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يختلفون، لأنه لو كان قولاً واحداً لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم لكان سنه” يقول الشاطبي: ومــعنى هذا أنهم فتحوا للناس باب الاجـــتهاد وجواز الاختلاف فيه، لأنهم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق، فوسَّع الله على الأمة بوجود الخلاف الفرعي فيهم، فكان فتح باب الدخول في هذه الرحمة)، ([62]) .
(3) يقول الأستاذ محمد أبو زهرة في كتاب الملكية ونظرية العقد: (ولقد كان اختلاف الصحابة في الفروع رائده الإخلاص، ولذا لم يكن بينهم تنازع في الفقه ولا تـــعصب، بل طلب للحقيقـــة وبحث عن الصواب من أي ناحية أُخذ، ومن أي جهة استبان، وأن هذا الاختلاف كان فيه شحذ للأذهان، واستخراج للأحكام من القرآن، واستنباط قانوني شرعي عام، وإن لم يكن مسطوراً، ونــــحن لا نرى الخـــلاف في الفـــروع إلا ثمـــرات ناضجة لما بثه القرآن الكريم والسنة النبوية في نفوس الناس من البحث بعقولهم، وتدبير شئونهم بالشورى ومـــبادلة الرأي، مستضيئين بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومستظلين بأحكام القرآن)، انتهى، ([63]) .
(4) يقول الزرقا أيضًا في المدخل: (وهذا الاختلاف الفقهي نتيجة ضرورية لا يمكن أن لا تكون ما دام للعلماء نظرات لا تتحد، وأفهام لا تتفق، وهو .. يدلّ على مـــرونة النص، وسعة قابليته التطبيــــقــية، وأن تعدد الاحتمالات في معانى النصوص الأساسية في الشريعة مع تشعب وجوه القياس يجعلان اختلاف الاجتهادات أمراً حتمًا مبرمًا مع كونه ثروة قيمة” – إلى أن قال … ولا نعجب أن نعلم أن للإمام أحمد بن حنبل في معظم أقواله في الأحكام الفــــرعية العملية، أن له في المسألة قولين، أو ثلاثة أو أربعة أقوال، وكلها من إمام واحد في حكم واحد عند إنزال الحكم الشرعي على وقائع مختلفة الوجوه، وكذلك عند الإمام الشافعي في فقهه الحديث والقديم، وغيرهما رحمهم الله جميعًا، ثم ذكر رحمه الله تعالى بعض الصور مما اختلف فيها العلماء بما لا يجوز فيه تبديع المخالف، ومن ذلك:
[1]: القيام للقادم أو الداخل: أما الإمام أحمد بن حنبل فــــقد منع منه مطلقًا لغير الوالدين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ســـيد الأمة ولم يكونوا يقومون لـــه، وسئل رحمه الله ما تقول في المعانقة؟ وهل يقوم أحد لأحد في السلام إذا رآه؟ قال: لا يقوم أحد لأحد، وأمـــا إذا قدم من سفر فلا أعلم به بأسًا إذا كان على التدين يحبه في الله أرجو لحديث جعفـــر أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتنقه وقبًّل جلده بين عينيه، وأما الحاضر الذى يتكرر مـــجيئه في الأيام كـــإمام المسجد، أو السلطان في مجلسه، أو العالم في مقعده فاستحباب القيام له خطأ، وقال أيضًا: لا يجوز أن يكون قاعـــداً وهم قيام، قـــال النبي صلى الله عليه وسلم: ” من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار” ([64]) . ذكرها بن مفلح في الآداب الشرعية([65]) . ( .. في المدوّنة فقه الإمام مالك: روى ابن القاسم: قــــيل لمالك: فالرجل يقوم لـــلرجل له الفضل والفقه؟ قال: أكره ذلك ونقل صاحب الآداب الشرعية ابن مفلح الحنبلي عن ابن عـــبد البر المالكي قال: قال ابن عبد البر: جائز للرجل أن يكرم القاصد إليه إذا كان كريم قوم أو عالمهم أو من يستــحق البر منهم بالقيام إليه، وغير جائز للرئيس وغيره أن يكلف الناس القيام إليه أو يرضى بذلك منهم، ([66]) .
قال البيهقي في السنن: باب القيام لأهل العلم على وجه الإكرام، ثم ذكر قيام طلحة بن عبيد الله بن كعب بن مالك رضى الله عنهما، كما ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء سعد بن معاذ: ” قوموا إلى سيدكم” ([67]) . قال مسلم: لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثًا أصحّ من هذا.
روى أبو داود عن عمرو بن السائـــب أنه بلغه ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم عليه أبوه من الرضاعة فأجلسه على بعض ثوبه، ثم أقبلت أمه فوضع شقَّ ثوبه من جانبـــه الآخر فجلســــت عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فــــقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلسه بين يديه” ([68]) .مرسل جيد.
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: ” ما رأيتُ أحداً كان أشبه ســَمْتًا وهدْيا ودُلاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه قـــام إليها فأخذ بيديها وقبَّلها وأجلسها في مجلسه، كان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها”، ([69]) . وروى الترمذي عنها رضى الله عنها قالت: ” دخل زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فـــأتاه فقرع الباب فــقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عُــريانًا يجرُّ ثوبه واللهِ ما رأيته عريانا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبله”، ([70]) . وروى البخاري قصة تــوبة كعب بن مــالك رضى الله عنه وفــيهــا: “،، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يتلقَّانى الناس وفوجاً فوجاً يهنونى بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني، واللهِ ما قــام رجل من المهاجــرين غيره، فــكان كعب لا ينساها لطلحة“ ([71]) .
قال القرافي في كتابه الفروق الجزء الرابع عند الحديث عن البدعة: والقاعدة في ذلك أن تعرض البدعة على قــاعد الشريعة وأدلتــها، فأي شيء تناولهـــا من القواعــد أُو لحقت به من إيجـــاب أو تحريم أو غيرهما، وضرب لذلك مثلا فقال: ينقسم القيام للقادم إلى خمسة أقسام: (1) محرّم: إن فعل تعظيماً لم يحبه تجبُّراً من غير ضرورة، (2) مكروه: إذا فعل تــعظيمًــا لمن لا يحبه، لأنه يشبه فعل الجبابرة، ويوقع فساد قلب الذى يقام له، (3) مباح: إذا فعل إجلالاً لمن لا يريده، (4) مندوب: للقادم من السفر فرحاً بقدومه ليسلم عليه، أو إحسانه، أو القادم للمصاب ليعزيه في مصيبته، (5) واجب: يستند فيــه إلى فتوى الشيخ عز الدين عبد السلام أجاب فــيهــا عن حكم القيــام فقــال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا” وترك القيام في هذا الوقت يفضى إلى المقاطعة والمدابرة، فلو قيل بوجوبه ما كان بعيدا، لان تركه سيسوق إلى محرم ودفع المحرم واجب، قال القرافي: وينبغي أن يحمل النهى الوارد عن محبة القيام على من يريد ذلك تجبُّراً، أما من أراده لدفع الضرر عن نفسه والنقيصة به فلا ينبغي أن ينهى عنه، لأن محبته دفع الأسباب المؤلمة مأذون فــيها بخــلاف التكّبر، انتهى كــلام القرافي رحمه الله، ([72]) .
واقول: الأمر في فقه الفروع أوسع من أن ينحصر في رأى واحد وما عداه يعامل باعتباره باطلاً وغير صحيح، فالعلم في ســعة يجب أن تتــسع له الصدور.
[2]: إعفاء اللحية وقص الشارب: جاء في المغنى لابن قدامة تحت عنوان: فصول في الفطرة، قال: روت عائشة رضى الله عنها أن رســول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” عشــر من الفطرة: قص الشــارب، و إعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء، ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة” ([73]) .، قال: فأما الختان فقد جاء في حديث ابى هريرة رضى الله عنه في الصــحيحين، وهو واجــب على الرجــال ومكرمة في حق النســاء، وليس بواجب عليهن، هذا قول كثير من أهل العلم، والدليل على وجوبه، أن ستر الــعورة واجب، فلولا أن الختان واجب لم يجز هتك حرمــة المختون بالنظر إلى عورته من أجل ختانه، قال: قال ابن قدامة: والاستــحداد حلق العانة وهــو مستــحب لأنه من الفطرة، ونتف الإبط سنة لأنه من الفــطرة، ويســتحب تقـــليم الأظفار لأنه من الفطرة أنتهى كـــلام ابن قدامة، ([74]) .
وقال الأمــام السفارينى الحنبلي في غـــذاء الألباب شرح منظومة الآداب: وإعفاء اللحى ندب وقيل خذَن لما يلى الحلق مع ما زاد عن قبضة اليد، قال الشارح: ولا يأخذ منها شيئاً ـ ندب ـ أى مندوب،
قال الإمام ابن الجوزي: ما لم يستــــهجن طولها، فالمذهب المعتمد كما في الإقناع وغيره أنه لا يكره أخذ ما تحت حلقه قدر قبضة اليد المعروفة، قال في شرح المنتهى وغيره: لا يكره أخذ ما زاد على القبضة من لحيته ولا أخذ ما تحت حلقه وأخذ الإمام أحــمد رضى الله عنه من حاجبيه وعارضيه، نقله ابن هانئ، وقال في الفروع: ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة ونصه: لا بأس بأخذه وتحت حلقه لفعل ابن عمر رضى الله عنها لكن إنها فعله في حج أو اعتمر، رواه البخاري، وفي المستوعب: وتركه أولى، وقيل: يكره، والمعتمد في المذهب حرمة حلق اللحية، قال في الإقناع: ويحرم حلقها وكذا في شرح المنتهى وفي الفروع، انتهى كــلام السفاريني الحنبلي ـ ([75]) .
وأقول: إن سلوك ابن قدامة في المغنى وهو من أشــهر كتب الحنابلة يشعر أن إعفاء اللحية ليس بواجب حيث لم يوجب من سنن الفطرة في الحديث غير الختان للرجال وأن باقى خصال الفطرة سنة مستحبة، إلا أن ما ذكره أصحاب كتب المذهب أن المــعتمـد في المذهب حرمة حلق اللحــية وإن أجازوا الأخذ منها بحيث لا يبقى منها غير قدر قبضة اليد، فالمذهب الحنبلي ليس فيه الإجماع من أصحاب المذهب بحرمة حلق اللحية والاختلاف بينهم حاصل.
قال الإمام أبو سلــيمان الخطابي في شرح الترمذي: وأما الفطرة فقد اختلفت في المراد بها هنا فقال أكثر العلماء إنها السنة، ومعناه أنها من سنن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقيل: هي الدين، قال الإمام النووي الشافعي في شرح مسلم: هذه الخصال ليــست بواجبــة عند العلماء وفي بعضــها خلاف في وجوبه كــالختان والمضمضة والاستنشاق ولا يمنع قرن الواجب بغيره ـ أي في حديث خصال الفطرة ـ كمــا قال الله تعــالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، والإيتاء واجب والأكل ليس واجب، وقال النووي في المجموع شرح المهذب: سبق في الحديث أن إعفاء اللحية من الفطرة، وهو توفيرها وتركــــها بلا قص، وكره لنا قصها كفــــعل الأعاجم، وكان من زي كســـــرى قص الشـــوارب، ([76]) .
قال الغزالي في الإحيــــاء: اختلف السلف فيـــــما طال من اللحية فقيل: لا بــــأس أن يقبض عليهـــا ويقص ما تحت القبضة، فــــعله ابن عمر ثم جماعة من التابعين، واستــــحسنه الشعبي وابن سيرين، وكــــرهه الحسن وقتادة، قال الغزالي: والأمر في هذا قريب لأن الطول المفرط قد يشوه الخلقة، ([77]) .
وقال النووي أيضاً في المجموع: ذكر الختان في جملة خصال الفطرة وهو واجب وباقيها سنة فـــــغير ممتنع فقد يقرن المختلفــــان كقول الله تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، والأكل مـــباح والإيتاء واجب، وقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]، والإيتـــاء واجب والكتـــابة سنــة ونظائره في الكتاب والسنة كــــثيرة ومشهورة، انتهى كلام النووي، ([78]) .
وأقول: قد نص هذا الإمام على أن خصـــال الفطرة العشرة ومنها إعفاء اللحية أنها سنة إلا الختان فهو واجب، وذكـــر الدليل على استثناء الخــــتان وحده وجعله واجبًـــا والباقي سنه، وهو نفس ما سلكه الخطابي في شرح السنن وابن قدامة في المغنى فقه الحنابلة.
وكذلك ذكر الإمام النووي الشافعي في شرح مسلم قال: قد ذكر العلماء في اللحية عشر خصال مكروهة بعضها أشد قبحاً من بعض إحداها: خضابها بالسواد لا لغرض الجهاد، الثانية: خضابها بالصفرة تشبهاً بالصالحين لا لاتباع السنه، الثالثة: تبييضها بالكبريت أو غـــيره استعجالاً للشـــيخوخة لأجل الرياسة وإيهام أنه من المشايخ، الرابعة: نتفــها أو حلقها أول طلوعها إيثاراً للمرودة وحسن الصورة، الخامسة: نتف الشــــيب، السادسة: تصفيفها طاقة فوق طـــاقة تصنَّعًا ليستحسنه النساء وغيرهن، السابعة: الزيادة فيها والنقص منها بالزيادة في شــــعر العذار من الصدغين، أو أخـــذ بعض العذار في حلق الرأس ونتف جــــانبى العنفــقة، الثامنة: تسريحـــها تصنعًا لأجل الناس، التاسعة: تركها شـــعثة ملبـــدة إظهاراً للزهادة وقلة المبالاة بنفسه، العاشرة: النظر إلى سوادها وبياضها إعجابًا وخيلاءً، الحادية عشر: عقدها وضفرها، الثانــية عشرة: حلقها، انتهى كــــلام النووي، ([79]) .
وأقول: إن مذهب الشافعية هو كراهة حلق اللحــــية باعتــبار أنها سنة مســــتحبة يكره تركـــها، ومعلوم أن السنة يكره تركها والواجب يحــــرم تركه، وأن السنة يثاب فاعلها ولا يأثم تاركهـــا، وأن الكراهة تزول بأدنى حاجة كـــما اتفق العلماء، كــــما يلاحظ أن هذه الخصـــال في كراهة إتيانهـــا برغم أن إعفاء اللحـــية سنة ليس مستغـــربًا، فالعلمـــاء مثلا يقولون: يحـــرم على من يصلى نافلة أن يتكلم أو يأكل، فصلاة النافلة مستحبة ولكن يحـــرم فعل هذه الأمور فيها، كما يجب أن لا ننسى أن كون ذلك مذهًبـــا يفيد أن مئات الآلاف من الأئمة والعلماء على مدار الدهور في المذهب يقولون بذلك ويتعبدون الله تعالى به، نقل النووي في شرح مسلم قال: قـــال القاضي عياض المالكي المذهب رحمه الله: يكره حلق اللحية وقصها وتحريقها، وأما الأخذ منها طولاً أو عرضاَ فحســــن، وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في قـــــصها وجزَّها، قال: وقد اخــــتلف السلف هل لذلك حد؟ فمنهم من لم يحدد شيئاً في ذلك إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة ويأخذ منها، قال: وكــــره مالك طولها جداً، ومنهم من حدَّد بما زاد على القبضة فيـــزال، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة، قال: وأما الشارب: فذهب كــــثير من السلف إلى استـــئصاله وحلقه بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: احفـــوا وانهكوا، وهو قول الأحناف، وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال، قاله مالك وكان يرى حلقــــه مثلة ويأمر بتأديـــب فاعله وكـــان يكره أن يؤخذ من أعلاه، وذهب بعض العلماء إلى التخيـــير بين الأمـــرين، انتهى كـــلام القاضي، ([80]) .
(وأقول): وهذا أيضاً فقه المـــذهب المالكي ينص عليه هذا الإمـــام القاضي عيـــاض من أنه: يكره حلق اللحيـــة فلم يوجبـــها ويحرم حلقها ولــــكنها الكراهة التي من فعلها لم يؤجر ولم يأثم بحلقها، وأعيد القول: إن هذا مذهب آلاف الأئمة العلماء على مدار تاريخ المذهب، قال الإمام النووي في المجموع: وأما قص الشارب فمتفق على أنه سنة، ودليلـــه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” من لم يأخذ من شاربه فليس منا” ([81]) . رواه الترمذي وقـــال حديـــث حسن صحيح، قــال النووي: ثم ضــــابط قص الشارب أن يقـص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله هذا مذهبنا ـ أي الشافــعية ـ وقال أحـــمد رحمه الله: إن حفَّه فلا بأس، وإن قصــــه فلا بأس، واحتج بالأحاديث الصحيحة كحديث ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” احفوا الشارب واعفوا اللحى“ ([82]) . وفي رواية: ” جزوا الشوارب” ([83]) . وفي رواية ” انهكوا الشوارب” قال النووي: وهذه الروايات محمولة عندنا على الحف من طرف الشــــفة لا من أصل الشعر، ومما يستدل به من السنه قص بعض الشارب كما رواه ابن عباس رضى الله عنهما قال: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص أو يأخذ من شاربه، قال: وكان إبراهيم خليل الرحمن يفعله” ([84]) . رواه الترمذي، وقال حسن.
وروى البيهقي في سننه عن شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: ” رأيت خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصون شواربهم: أبو أمامة الباهلي وعبد الله بن بُسر وعتيبة بن عبد السلمى والحــجاج بن عامر الثمالى والمقدام بن مـــعد يكرب، وكانوا يقصون شواربهم مع طرف الشفة” ([85]) .
وذكـــر الإمام القرطبي في تفسيره: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات، قال: أخرج الطبري عن عبد الله بن أبى رافع قال: ” رأيت أبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، ورافع بن خديج، وأبا أســـيد الأنصاري، وسلمة بن الأكـــوع، وأبا رافع، ينهكون شواربهم كالحلق” ، ([86]) .
وأقول: فهؤلاء علماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلفون في فقه أحاديث الفطرة برغم أنها جاءت في ظاهرها بالأمر الذى يفيد في ظاهره الوجوب، فمنهم من خالف غـــيره وبلا إنكار
قال الإمام الغزالي في الإحياء: ولا بأس بتـــرك سباليه وهما طرفا الشــــارب، فعل ذلك عمر ابن الخطاب رضى الله عنه وغيره، ([87]) .
وقال الإمـــام الطبري ووافقه الإمام ابن حجر العسقلاني: الوارد في السنة الأمران ولا تعارض بينهــــما، وأقول: الأمر في الحديث بجز الشوارب وإنهاكها وفعله بعض الصحابـــة، وترك القص بعض الصحابة كما مر، بل إن عمر بن الخطاب كان يترك سباليه ـ أي يطيل طرفي شـــاربه ـ وأحاديث الفطرة بإعفاء اللحية هي بقص الشارب والاختــلاف حاصل وبلا نكير، فلماذا ينكــــر البعض الخلاف في حلق اللحية والخلاف حاصل من قديم، ذهب بعض العلماء المعاصرين مثل الشــيخ أبى زهرة، والشيخ محمد الغزالي وغيرهــــما إلى أن حكم اللحية مثل أحكام النظافة كتقليم الأظافر وحلق العانة لأنها من أحكام الفطرة كما جاء في الحديث.
[3]: طول الملابس وتقصيرها: قال الإمام النووي في رياض الصالحين: باب صفة طول القــــميص والكم والإزار وطرف العمــــامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على ســــــبيل الخيلاء، وكراهته من غير خيلاء، ثم أورد الشواهد من الأحاديث التالية:
(1) عن أسمــــاء بنت يزيد الأنصارية رضى الله عنها قال: ” كان كُمُّ قمـــيص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ” ([88]) .رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
والرسغ: مـــفــــصل الساعد والكف، قـــال الصديقي في دليل الفالحين: قال ابن الجزري: فيه دليل أن لا يجاوز رؤوس الأصابع، فقـــد أورد ابن الجوزي في الوفاء من حديث ابن عباس: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس قميصاً فوق الكعبين مــــستوى الكمـــين بأطراف أصابعه” ([89]) .ويحمل ذلك على تعدّد القميص أو حديث الباب على التقريب.
(2) عن ابن عـــــمر رضى الله عنهـــــما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” مَن جرَّ ثوْبه خُيَلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر رضى الله عنه: يا رسول الله إن إزاري يسترخى إلا أنْ أتعــــاهده؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لستَ مِـــمَّن يفعله خيلاء” ([90]) .
ومعنى جرَّ ثوبه: أى سحبه على وجه الأرض لطوله حتى مسَّها، قال الصديقي في دليل الفـــالحين: وذكر الإزار لا يخصُّه لأن ذكـــــر بعض أفراد العــــام لا يخصص، قال الطبري: لأنهـــــم كانوا إذا ذاك يلبـــســون الأزار والأردية، فلما اعتــيـــد لبس القميص تُركــــا فكان حكمــهمـــا في ذلك حكمهمــا، قال الصديقى: وخيلاء: فيه بيان أن قوام الأعمال بالنيات، وأنها تختلف أحكامها بحسب اختلافها، وأن الوعيد لمن فعل ذلك عجباً أو كبـــراً، لا لمن وقع له ذلك لا بقصد ذلـــك ولو لقصد آخـــر لا محظور فيه، ([91]) .
أقول: لذلك أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل أبى بكر الـــصديق من جرَّه الإزار أن يكون ممن يلحـــقهم الوعيــد لأنه لا يفعل ذلك كـــبراً أو عجباً..
(3) عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا ينظر الله يوم القيامـة إلى من جرَّ إزاره بطراً” ([92])، ومعنى جرّ إزاره بطرا: أي سحب إزاره على الأرض عجباً وخيلاء، والبطر كفران النعمة.
(4) وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما أســفل من الكعبين من الإزار ففي النار“ ([93]) . قال الصديقى: هذا محمول على من فعل ذلك خــــيلاء وبطرا كـــــما تقدم مـــا يدل عليه، قال وقد نبه الحافظ العراقي في شرح الترمذي على أن محل الكراهة لمن أرخى إزاره عن كعبه إذا لم يكن عــــــذر وإلا فمن برجله جراح تؤذيــه الذباب وأسبل إزاره ليسلم من أذاها فلا كراهة.
(5) عن أبى ذر الغفاري رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيـــامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيــهم ولهم عذاب أليم قال: فــقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مــرات، قال أبو ذر: خــابوا وخســـروا، من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل إزاره والمنًّان، والمنفق سلعته بالحلف والكذب” ([94]). قال الصديقي: المــسبل لثوبــه الجار له خيـــلاء فهــــو مخـــصوص بذلك.
(6) عن عمـــر رضى الله عنهمـــا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” الإسبــال في الإزار والقميص والعمامــة، من جرَّ شيئاً خيـــلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة”، ([95]) .
رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحــيح، ومعنى جـــر العمامة هو إطالة عذبتها حتى تجر على الأرض كبراً.
(7) عن جـــابر بــن سليم رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” وإياك وإســـبــــال الإزار فـــــإنهــا من المخـــيلة، وإن الله لا يحــب المخـــيلة” ([96]) . قال الصديقي، وأن الله لا يحب المخيلة أى النفوس ذوات الخيلاء، وفيه وعيد للمتكبر والمختال.
قال الإمـــام ابن قدامة الحنبلي في المغنى: ويكره السَّـــدل، كرهه ابن مســــعود والنخعي والثوري والشافعي ومجـــاهد وعطاء، وعن جابر وابن عمـــر الرخصة فيه، وعن مكحول والزهري وعبيد الله بن الحسن أنهم فعلوه، وعن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يسدلان فوق قميصهما، وقال ابن المنذر: لا أعلم فيـــه حديثاً يثـــبت، وقد روى أبو داود عن أبى هريرة ” أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة” ([97]) .
ثم روى أبو داود أن عطاء الراوي عن أبى هريرة ذكــــر عنه ابن جـــريج قــــال: أكـــثــــر مـــا رأيت عطاء يصلى سادلا، ([98]) . وقال النووي في المجموع: الحديث ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين والبخاري وأبو حاتم([99]) .
وقـــال الإمام السفاريني الحنبلي في غذاء الألباب: ويكره تنزيهًــا تقصــــير الثيـــاب يُشْهر نفسه، قال ابن تميم: السنة في الإزار والقــــميص ونحوه من نصف الساق إلى الكعبين فــــلا يتأذى الساق بحرَّ ولا برد ولا يتأذى الماشي بطوله ويجعلــــه كالمقــيـَّد ويكره ما نزل عن ذلك أو ارتفع عنه، نص عليـــه وهو المذهب، قـــال في الأقنــاع: ويكره أن يكون ثوب الرجل إلى فــوق نصف ساقة وتحت كـــعبيــــه بلا حاجة، وأما إذا كان لبسه ذلك لحاجة داعـــية لذلك كســـتر ساق قبيح مــــن غير خيــــلاء ولا تدليس، أبيح، وأما إذا كان إسبــاله للباس كبراً فإنه مكروه فقط عند صاحب المــــنظومة المرداوي الحنبلي ([100]) .
وأقول: فهؤلاء الأئمة من المذاهب اخــــتلفوا في الكراهة في الصلاة، كمـــا اختلفوا في الكراهة والإباحة خارج الصلاة، واتفقوا على تحريم ما أسفل الكعبين إن كان للخيلاء أى العجب والكبر لا لطول الثوب واللباس ولكن للخيلاء، فقد فهموا النهى الوارد في الأحاديث أنه وارد على هذا القيــــد في الطول وهو الخيلاء ولــــيس على طول اللباس، فهذا به خيـــلاء فلا بأس به، ومثله الإمام الشافعي رحمـــه الله حيث يقول: وإن كان لغـــير الخيلاء فــــمكروه وليس بحرام، وعنده أن الكراهة تزول لأدْنى حـــــاجة، وكـــذلك رأينا النقل عــــن الإمام مــــالك أنه رخص السدل في الصلاة التي هي مقام التواضع إذا لم يكن للخيلاء، كما صح النقل عن الإمام أبى حنيــــفة قد جرّ ثوبه الثمــــين على الأرض وأخبر أنه ليس ممن يفعله خيـــلاء، فهؤلاء أئمة الإسلام والفقــــه، فمن نأخذ عن غيرهم؟
[4]: زكاة الفطر واختلافهم في إخراج القيمة: قال الإمام النووي الشافعي في المجموع: مذهبنا أنه يشترط أن يمتلك فاضلاً عن قوته وقوت من يلزمه نفقته ليلة العيد ويومه،وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من يملك نصاباً من الذهب والفضة أو ما قيمـــــته نصاب فاضلاً عن مسكنه وأثاثه الذي لابد منه، قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من لا شيء له فلا فطرة عليه، انتهى كلام النووي، ([101]) .
من أي شيء تؤدى زكاة الفطر؟ عن أبى سعيـــد الخدري رضى الله عنه قــــال: ” كنا نُخْرج زكــــاة الفطر صاعًا من زبيب” رواه البخاري ومسلم، وعن ابن عمــــر رضى الله عنهما قال: ” فــــرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكـــاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحرَّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين” ([102]) .
قال النووي في المجموع: الواجب في الفطرة عن كل أنســـان صاع بــــصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خـــمســــة أرطال وثلث بالبغدادي، ([103]) .
أقول: وهو يساوى بأوزاننا الحاضرة (2،175) اثنان كيلو جرام ومائه وخمســــة وسبعون جراماً.
قال النووي: لا يجزئ القيمة في الفطرة عندنا، وبه قــــال بن المــــنذر، وقال أبو حنيفة: يجوز، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصرى وعمر بن عبد العزيز والثوري، وقال إســحـــاق وأبو ثور: لا تجــزئ إلا عند الـــضـــرورة، وقال الشافعي والأصحاب: ولا يجزئ الدقيق ولا السويق كــــما لا يجزئ القيمة، وحكى الرافعي عن أبى الفضل بن عبدان من أصـــــحابنا أنه قال: الصحيح عندي أنه يجزئ الخبز والسويق لأنهما أرفق بالمساكين، ([104]) . قال الدردير في الشرح الصغير في فقه المالكية: يخرج زكاة الفطر من غالب قــــوت البلد، ([105]) .وقال الشافعي في الأم: من وجبت عليـــه زكاة الفطر أخرجهـــا في غالب قوته هو، فإن اقتـــات قوم ذرة أو سلتا أو أرزاً أو أى حبة مـــا كانت مما فيه الزكاة، فلهم إخراج الزكـــاة منها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذْ فرض زكاة الفطر من الطعام وسمىّ شــــعيراً وتمراً، فقد علقنا عنه أنه أراد من القوت فإذا اقتـــاتوا طعاماً فيه الزكاة فــــأخرجوا منه أجزأ عنهم، انتهى كلام الأمــــام الشافعي، ([106]) .
وأقول: إن قول الإمـــام الشافعي ـ فقد علقنا عنه ـ أي النبي صلى الله عليه وسلم: أي نقيس على الأصناف المنصوصة الخمسة في الحديث ونخـــــرج مما فيه مـــعنى الطعام والقوت، فلم يقـــــيّد الإمام إخراج زكاة الفطر بهذه الأصناف وأجازة غيرها، .. وقــــال الإمام ابن قـــدامـــــة الحنبلي في المغنى، (الجزء الثالث): ظاهر الحديث صـــاعًا من طعام والطعام قد يكون البـــر والشعيـــــر وما دخل في الكيل، وقال أبو بكر من أئمتـــنا: يتوجّه قول آخر أنه يعطى ما قــــام مقام من الخمســـة على ظاهر الحديث، وكلا القولين مــــحتمل وأقيســــهما أنه لا يجوز غيـــــر الخمسة إلا أن يعدمــــها فيعطى مـــا قام مقامهـــا، وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد، وقال الشافعي: أي قوت كان الأغلب على الرجل أدى الرجل زكـــــاة الفطر منه، ويجـــــوز إخراج الــــدقيق، نص عليه أحمــد، وكذلك السويق، قال أحــــمد: روى عن ابن سيــــرين: سويق أو دقيق، فيكفي الفقـــــير مؤنته فأشبه ما لو نزع نوى التــــــمر ثم أخرجه، وقال ابن المنذر: استحب مالك إخراج العجوة، وقال ابن حامد من أئمـــة الحنابلة: يجزئه عند عدم الأصناف الإخراج مما يقتـــــاته كالذرة والدخن ولحوم الحــــيتان والأنعام، وذكــــر القاضي أنه إذا عدم الأقط وقلنا له إخراجه جــــاز إخراج اللبن لأنه أكمل من الأقط، لأنه يجئ منه الأقط وغيره، وحكاه أبو ثور عن الشافعي، وقال الحسن: إن لم يكن بُرُّ ولا شعيـــر أخرج صاعًا من اللبن، قال ابن قدامـــة تعليقًا على كلام الحسن، لكن يكون حكم اللبن حكم اللحم يجزئ إخراجه عند عدم الأصناف المنصوص عليهـــا على قول ابن حامد ومَن وافقـــه وكذلك الجُبْن وما أشبهه، انتهى ([107]) .
[وهل يجوز إخراج القيمة؟]: قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في المغنى: قال أبو داود: قـــــيل لأحمد وأنا أسمع: أُعطى دراهم في صدقــــة الفطر؟ قال: أخاف أن لا يــجزئه خــــلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقــــال أبو طالب: قـــال لى أحــمــد: لا يعطى قيمتــــه، قيل له: قوم يقولون: عمـــر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقـــيمة؟ قال: يَدَعــــون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولـــون قال فلان؟ قال ابن عــــمر: ” فرض رســـول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفـــطر صاعًا من…”، قال ابن قدامة: وظاهر مذهبه: أنـــه لا يجزئه إخراج القيمـــة في شيء من الزكوات، وبه قال مالك والشافعي، وقال الثوري وأبو حنيفة: يجوز، وقد روى الجواز عن عمر بن عبد العزيز والحسن، وقـــد روى عن أحمد مثل قولهم فيما عدا الفطرة، قال أبو داود: سئل أحـــمد عن أحمد مثل قولهم فيما عدا الفطرة، قال أبو داود: سئل أحـــمد عن رجل باع ثمرة نخله؟ قال: عُشْــــرُهُ على الذى باعه، قـــيل له: فيخـــرج ثمراًَ أو ثمنه؟ قال: إن شاء أخـــرج تمراً وإن شاء أخـــــرج من الثمـــــن، وهذا دليل على جواز إخــــراج القيمة، وَوَجْهُه قول معــــاذ لأهل اليمن: ” ائتونى بخميص أوليس آخذه منكم فــإنه أيسر عليكم وأنفع للمــــهاجــرين بالمدينة” حدثنا سفيان عن عمرو طاوس قال: ” لما قدم معـــاذ اليمن قال: ائتونى بعرض ثيابكم آخذه منكم مكان الذرة والشــــعير، فإنه أهــون عليكم وخير للمهـــاجرين بالمدينة” قـــال: وحدثنا جــــرير عن ليث عن عطاء قـــال: ” كان عمـــر بن الخطاب يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم” قال: ولأن المقصود دفع الحاجة ولا يخــــتلف ذلك بعد اتخاذ قدر المالية باختــــلاف صور الأموال، قال ابن قدامة: وقد روى أبو داود وابن مـــاجة بإسنادهما عن معاذ: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثــــه إلى اليمن فـــقال: خذ الحب من الحب، والشــاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر” انتهى كلام ابن قدامـــة ([108]) .
وأقول: فهذا عالم الصحابة مـــعاذ بن جبل رضى الله عنه بعد أن بيَّن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الحب من الحب… قد فهم أن ذلك تيسيراً على أصحاب الأموال بأن يأخذ مما في أيديهـــــم فلا يكلفهم الحـــصول على غيــر ما في أيديهم فقال لهم: ائتوني بالثياب فإنه أيسر عليكم وأنفع للمـــهاجرين بالمدينة، لأن أهل المدينة لديهم الشــــعير ويحتــــاجون للثيــــاب، وأهل اليمن لديهم الثياب فأيسر عليـــهم أن يخرجوا الثياب وهو أنفع في نفس الوقت لأهل المدينة، ولهذا لما سئل الإمام ابن تيميه رحــــمه الله عمن أخرج القيمة في الزكاة؟ قال: أما إخراج القيمـــة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك فالمعروف من مـــذهب مالك والشافعي أنه لا يــــجوز، وعند أبى حنيــفة يجــــوز، وأحمــد قد منع القيمـــة لغير حـــاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه، وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة، أو العدل، فلا بأس به: مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فمنها إخراج عُشْر الدراهم يجزيه ولا يكلف أن يشتـــرى تمراً أو حنطة، إذا كان بذلك قد ســــاوى الفقراء بنفســه، وقد نص أحمـــد على جواز ذلك، ومـــثل أن يجب عليه شــاة في خمس من الإبل وليس عنده من يبيــــعه شاة، فــــإخراج القيمــــة هنا كافٍ ولا يكلَّف السفر إلى مدينة أخــــرى ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستـــــحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكوْنها أنفع، فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي أن أخذها أنــفع للفقــراء كما نُقــــل عن معاذ بن جــــبل أنه كان يــــقول لأهل اليمن: ” ائتونى بخميص أو لبــــيس أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار” انتهى كلام ابن تيمية كما نقله ابن قدامة في المغنى، وأقول: انظر رعاك الله وشرح صدرك لقبول فقه العلماء إلى قول الإمام ابن تيميه: ومثل أن يكون المســـتحقون للزكـــاة طلبوا منه إعطاء القيـــمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها ـ أى يترك المنصوص عليه في الزكاة ويعطيهم القيـــمة لأنها أنفع لهــم، فمــــا بالك بمخرج زكاة الفطر وليس لديه التــــمر والزبيب وليس هو مـــن أهل هذه الأقوات هــل نحرجـــه ونكلفـــه شـــراء الشعير والتمر ليعطيه فقراء يوم العـــيد فيأخذونه غير محتاجين له ولا هو نافع لهم فيبيعونه ليشتروا به حاجتهم” أهـ ([109]) .
المبحث الرابع مفاتيح الفقه في التفريق بين بدع الأصول وبدع الفروع ودورها في تصحيح وتهذيب وضبط مفهوم البدعة
[المفتاح الأول]: [البدعة نوعان]: بدعة تتعلق بأصول الدين، وبدعة تتعلق بفروعه: فأما البدعة التي تتعلق بأصول الدين: فهي التي حدثت في العقائد وما يناسبها ولها أمثلة: منها: (1) بدعة الاعتزال وإنكار القدر، و(2) بدعة التجهم، (3) بدعة الخروج (4) بدعة التشيع، (5) بدعة الإرجاء (6) بدع التشبيه والتجسيم والحشو، واما الأمثلة على بدع الفروع: (1) مسألة الاحتفال بالمولد النبوي، (2) مسألة الذكر الجماعي، (3) الذكر الجهري، (4) مسألة الذكر بالاسم المفرد، (5) مسألة المبالغة في التعبد والتراويح، (6) مسألة الصلاة على الرسول عقب الآذان، (7) مسألة لفظ السيادة للنبي صلى الله عليه وسلم، (8) مسألة رفع اليدين عند الدعاء، (9) مسألة المصافحة عقب الصلاة، (10) مسألة استعمال السبحة في التسبيح، (11) مسألة شد الرحال لزيارة قبر الرسول، (12) مسألة اهداء ثواب القرآن والأعمال، (13) أحكام الجنائز والمقابر، (14) أحكام العادات التي لا تدخل تحت إطار الدين.
المفتاح الثاني:
(1) بدعة الاعتزال وإنكار القدر: وأول من أظهرها، معبد الجهني بالبصرة، كما في صحيح مسلم، واعتقدها طائفة من المبتدعة، يتسمون بالقدرية وهم صنفان: صنف يزعمون أن الله لا يعلم الحوادث قبل وقوعها، وهؤلاء كفار، وقد انقرضوا والحمد لله، وصنف يزعمون أن الله لا يقدر الشر ولا يريده، وهم المعتزلة، ويزعمون مع ذلك أن القرءان مخلوق، وأن المسلم المرتكب لكبيرة، ليس بمؤمن ولا كافر، بل هو فاسق، منزلة بين المنزلتين وأن المسلم العاصي مخلد في النار، وينكرون الشفاعة في العصاة، وينكرون عذاب القبر والحوض والميزان والصراط ورؤية الله في الجنة، ويزعمون أن العبد خالق لأفعاله وأوجبوا على الله رعاية مصالح العباد، إلى غير ذلك من عقائدهم الباطلة المخالفة للكتاب والسنة.
[المفتاح الثالث]: (2) بدعة التجهم: أتباع جهم بن صفوان، وهو جبري، يقول: إن العبد مجبور في أفعاله، لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه، على حسب ما يخلق في سائر الجمادات وينسب إليه الأفعال مجازا، كما تنسب إلى الجمادات، ويفرع على ذلك أن التكليف جبر، والثواب والعقاب جبر، وأصول البدع الضالة عند الجهمية: الأصل الأول: تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل، والأصل الثاني: القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر، والأصل الثالث: القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة، والأصل الرابع: القول بفناء الجنة والنار، والأصل الخامس: إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان وعذاب القبر.
[المفتاح الرابع]: (3) بدعة الخروج: وهم فرق، يكفرون أصحاب الكبائر من امة النبي صلى الله عليه وسلم ويزعمون أنهم خالدون مخلدون في النار، ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي رضي الله عنهما، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك ويكفرون اصحاب الكبائر، ومن بدعهم الضالة: (أ)غلوهم في الإمامة: فيشترطون في الإمام أن يكون على نفس معتقدهم وإلا كفروه واستحلوا دمه وأوجبوا الخروج عليه، (ب)غلوهم مع أهل القبلة: يكفرون أصحاب الكبائر من أمة الإسلام، ويقولون كل ذنب مغلط كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان، ومرتكب الكبيرة كافر مشرك عابد للشيطان، ويحكمون على صاحب الكبيرة إذا مات عليها أنه خالد مخلد في النار أبداً كالكفار الجاحدين بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر، ويقولون إذا كفر الرجل كفرت نساؤه وأولاده ويحكمون بانهم مع آبائهم في النار، والكافر حلال الدم والعرض والمال ولذلك فهم يستحلون دماء وأموال وأعراض من يكفرونه من أهل القبلة، وقلما ينجو من تكفيرهم مسلم موحد، (ت)غلوهم في حق أنفسهم: يقرون لأنفسهم بالإيمان، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ودار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم، (ث)يقولون بأن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر مرتد حلال المال والعرض والدم دونما تفصيل أو فقه في الدين، ويقولون بأن كل من وافقه أو سكت عنه فهو كافر مثله، (ج)من صفاتهم يدعون أهل الشرك إلى الإسلام، ويكفرون أهل الإسلام الأصليين، ويطبقون الآيات التي نزلت في المشركين على أهل الإسلام فيكفرونهم ويستحلون حرماتهم، يمرقون من الدين بأدنى شبهة، فهذه صور من غلو الخوارج كلاب أهل النار.
[المفتاح الخامس]: (4) بدعة التشيع: وهم فرق يجمعهم تقديم الإمام علي رضي الله عنه على أبي بكر وعمر وعثمان، وأقربهم إلى أهل السنة الزيدية، وشرهم الإسماعيلية، وأصول الضلال عند الشيعة الإمامية وهي الطائفة الاوسع من الشيعة: وأصول البدع الضالة عند الإمامية: الأصل الأول: الضلال في باب الإيمان والكفر، الأصل الثاني: المغالاة في الإمامة وجعلها أصل من أصول الاعتقاد وجعلها الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم، الأصل الثالث: المغالاة في الإمام علي وأولاده من بعده – رضي الله عنهم جميعاً، الأصل الرابع: بُغض الصحابة والانتقاص من قدرهم وتكفيرهم وسبهم ولعنهم والبراءة منهم، الأصل الخامس: بغضهم لآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم والانتقاص من قدرهم والحط من منزلتهم وتولى بعضهم ومعاداة البعض الآخر وفق الهوى، الأصل السادس: التشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم، الأصل السابع: إنكار الشيعة لما جمعه محدثو أهل السنّة والجماعة من السنة النبوية الكريمة، الأصل الثامن: الغلو في الاعتقادات والغلو في الأعمال والدخول في إطار البدعة والضلال، الأصل التاسع: وقوع الشيعة الإمامية في مسالك الكفر ومذاهب الإلحاد والزندقة: وذلك بفتحهم التفسير الباطني للقرآن الكريم على مصراعيه، الأصل العاشر: وقوع الشيعة الإمامية في مسالك التدسية وسوء الأخلاق باستحلال المتعة واللعن.
[المفتاح السادس]: (5) بدعة الإرجاء: والإرجاء في الاصطلاح: هو صفة وعلامة على فرقة ضالة في الاعتقاد وهي المرجئة وإرجاء هؤلاء معناه تأخير العمل عن مسمى الإيمان، فلا يجعلون الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، ويزعمون أن من قال لا إله إلا الله لم تضره الكبائر أن يعملها ولا الفواحش أن يرتكبها، ويزعمون أن إيمان مدمن الخمر كإيمان الملائكة بل كإيمان جبريل وميكائيل، وأن من قال لا إله إلا الله لا تضره الكبائر أبداً، ويقولون الإيمان كلام بلا عمل، من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فهو مؤمن مستكمل الإيمان، إيمانه كإيمان جبريل والملائكة، وإن قتل كذا وكذا مؤمن، وإن ترك الغسل من الجنابة، وإن ترك الصلاة،
[المفتاح السابع]: (6) بدع التشبيه والتجسيم والحشو: وهؤلاء يشبّهون الله بخلقه، أجازوا عليه المصافحة، وأجروا ما جاء في الآيات والأحاديث من ألفاظ الاستواء والوجه واليدين والعين والجنب والمجيء والإتيان والفوقية وغير ذلك على ظاهرها الذي يفهم عند إطلاقها على الأجسام، و (الحشوية): لقب أُطلق على طائفة من المبتدعة الذين اعتقدوا بلوازم التجسيم من الحد والصورة والتغير والحدوث وقبول الحوادث والكون في المكان وأنه بذاته على العرش، والفرق بينهم وبين المجسمة، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى، أمّا الحشوية، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون زورا إلى السلف، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، والحشوية لهم مواصفات معينة، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى، يعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، ويتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه في المخلوق المحدث فيقيسون جناب جلال ذات الله تعالى وتقدس القديم بذاته وأسمائه وصفاته على المحدث المخلوق، وهم لا يحترمون تخصص المذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية المنتسبة إلى أهل السنّة والجماعة، ويهجمون على كل أبواب العلم، لا سيما الأصول، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم، يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص، ومن أهم مشاكل هؤلاء، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة، وعلومهم القاصرة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في الحشو المرذول على حساب التقديس والتنزيه، يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، مصداقا لقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7].
وقد سماهم أهل العلم بـ (الحشوية): لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية، وبكل ما يخالف صريح العقل، وهم أبعد الناس عن العقل وأدلته القطعية، ينسبون الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله الأحد الصمد المنزه عن كل ما يعارض الأحدية المطلقة من الانقسام والجزئية والبعضية والجارحة، وينسبون الحد والمقدار إلى ذات الله الواحد القهار، ولو عقلوا أنّ المحدود المقهور بحده لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون علي الله تعالى الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، كما سماهم أهل العلم حشوية لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة، في أبواب العقيدة وما يتعلق بجناب ذات الله تعالى وصفاته، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف، كما سماهم أهل العلم حشوية: لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات: لأنّهم أهل التناقض، فهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أذهانهم السقيمة التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود ملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته)من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان، والملك والملكوت، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ويقولون ” لا يعقل ” وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات، كما سماهم أهل العلم حشوية: لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة.
[المفتاح الثامن]: [بدع الفروع]: يقول الشيخ للسيد الحسيني عبد الله بن الصديق الغماري في رسالته: (إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة): وأما البدعة التي تتعلق بالفروع، فليست بضلالة لأنها من جملة الحوادث التي تحدث على مر الزمن، ويطلب حكمها من دلائل الشريعة وقواعدها العامة على مراعاة المصالح والمفاسد، وعدم وجودها في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو عدم فعله لها، لا يقتضي أن تكون محرمة، فضلا عن أن تكون ضلالة، وقد قدمنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل جميع المباحات ولا جميع المندوبات، وهذا مقرر في علم الأصول، على أتم وجه، ولتوضيح ذلك، وتقريبه نذكر بعض الأمثلة:
(1) تعدد الجمعة: لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في عهد الصحابة والتابعين، روى البيهقي في المعرفة من طريق أبي داود في المراسيل عن بكير بن الأشج، قال: كان في المدينة تسعة مساجد مع مسجده صلى الله عليه وآله وسلم، يسمع أهلها أذان بلال فيصلون في مساجدهم، زاد يحيى: ولم يكونوا يصلون الجمعة في شيء من تلك المساجد إلا مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ([110]) . قال الحافظ: ويشهد له صلاة أهل العوالي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة كما في الصحيح، وصلاة أهل قباء معه، ([111]) .
كما رواه ابن ماجة وابن خزيمة، وروى البيهقي أن أهل ذي الحليفة كانوا يجمعون بالمدينة قال البيهقي: ([112]) ولم ينقل أنه أذن لأحد في إقامة الجمعة في شيء من مساجد المدينة، ولا في القرى التي بقربها، وقال الأثرم لأحمد: أجمع جمعتين في مصر؟ قال: لا أعلم أحد فعله، وقال ابن المنذر: لم يختلف الناس أن الجمعة لم تكن تصلى في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي عهد الخلفاء الراشدين إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي تعطيل الناس مساجدهم يوم الجمعة واجتماعهم في مسجد واحد، أبين البيان بأن الجمعة خلاف سائر الصلوات وأنها لا تصلى إلا في مكان واحد اهـ، .. وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدا قال بتعدد الجمعة غير عطاء)([113]) .
وهو ابن أبي رباح، وقال بتعددها أيضا داود الظاهري وابن حزم، وابن العربي المعافري، وله في ذلك رسالة خاصة، أخبرني بها الإمام الوالد رحمه الله ورضي عنه، وعلى التعدد استمر عمل المسلمين، في البلاد الإسلامية، ولم يقل أحد أنه بدعة ضلالة، وأن الذين أجازوه مبتدعة ضالون، لأنه فرع فقهي، [اختلفت] أنظار العلماء فيه، بحسب ما ظهر لهم من الأدلة، تعدد الجمعة بدعة: بلا شك دعت إليها الحاجة، لاتساع العمران وكثرة السكان، بحيث لا يجمعهم مسجد واحد، وأهل الشرق، اقتصروا على التعدد المحتاج إليه…
(2) قراءة الحزب جماعة بعد الصبح والمغرب، لم تكن في العهد النبوي فهي بدعة، لكنها ليست بحرام، ومن ادعى تحريمها فقد كذب على الله حيث حرم ما لم يأتِ تحريمه في الكتاب ولا في السنة، كيف وتلاوة القرءان مطلوبة على العموم؟ قال الحافظ حرب الكرماني تلميذ الإمام أحمد: رأيت أهل دمشق وأهل حمص وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون على القرآن بعد صلاة الصبح ولكن أهل الشام يقرأون القرءان كلهم جماعة من سورة واحدة بأصوات عالية، وأهل البصرة وأهل مكة يجتمعون فيقرأ أحدهم عشر آيات، والناس ينصتون، ثم يقرأ ءاخر عشر ءايات حتى فرغوا، قال حرب: وكل ذلك حسن جميل… لحديث مسلم عن أبي هريرة: ” وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده” ([114]) يفيد مشروعية تلاوة القرءان جماعة في المسجد… وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” تعاهدوا القرءان فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها” ([115]) . وقراءة الحزب، من طرق تعاهد القرءان، فهو مشروع بهذا الحديث أيضا…
(3) السبحة، صحت أحاديث في الذكر بأعداد معينة كمائة ومائتين وأكثر منها حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” قولوا خيرًا قولوا سبحان الله وبحمده فبالواحدة عشرة وبالعشرة مائة وبالمائة ألف ومن زاد زاده الله عز وجل”، والسبحة تضبط الأعداد المأثورة، وللوسائل حكم المقاصد، فالسبحة مشروعة، وصح عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به فقال: ” أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السماء وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما بين ذلك وسبحان الله عدد ما هو خالق والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك“، حسنه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم وعن صفية أُم المؤمنين قالت دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أُسبح بها، فقال: ” قد سبحت بهذا؟ ألا أُعلمك بأكثر مما سبحت به” فقالت: علمني، فقال: ” قولي سبحان الله عدد خلقه” حسنه الحافظ ابن حجر قال الشوكاني في نيل الأوطار: والحديثان يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى، وكذا بالسبحة لعدم الفارق، لتقريره صلى الله عليه وسلم للمرأتين على ذلك وعدم إنكاره، والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز اهـ، ([116]) قلت: وكذلك حديث يسيرة -بالتصغير- وكانت من المهاجرات قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” عليكنَّ بالتسبيح والتهليل والتقديس ولا تغفلن فتنسين الرحمة واعتقدن بالأنامل فإنهنَّ مسؤولات ومستنطقات” ([117]) لا ينافي العد بالنوى والحصى والسبحة، بل هي داخلة في معنى الحديث، لأن الأنامل التي تعد الذكر على هذه الأشياء، يثاب صاحبها كما يثاب على العد عليها نفسها، ووردت ءاثار عن الصحابة أنهم كانوا يعدون على الحصى أو النوى أو خيط فيه عقد على هيئة السبحة، استوفاها الحافظ السيوطي في جزء المنحة في السبحة، وقال في ءاخره: ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف، المنع من جواز عد الذكر بالسبحة، بل كان أكثرهم يعدون بها، ولا يرون ذلك مكروها، ..
(4) الذكر بعد الأذان، ليس ببدعة، وليس زيادة في الأذان لأن نهاية الأذان يعرفها الأطفال، فضلا عن الرجال، والذكر مأمور به في عموم الأحوال قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرا كَثِيرا} فهذا الأمر يعم جميع الأوقات، وكونه بعد الأذان، له حكمة، بيّنها مولانا الشيخ الإمام الوالد رضي الله عنه، حيث قال: روى أبو داود والترمذي وحسّنه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” الدعاء لا يُرد بين الأذان والإقامة” ([118]) مع ما رواه الدارمي والترمذي وحسّنه عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يقول الرب تبارك وتعالى مَن شغله قراءة القرءان وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين”، ([119])
(5) الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، بعد الصلاة المكتوبة، زعم مبتدع متزمت أنها بدعة، وبئس ما زعم، فإن قول الله تعال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيما} مطلق، يصدق بأي وقت تقع فيه الصلاة، إلا إن ورد النهي عنها في وقت معين، وهو غير موجود، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرة“ ([120]) فهذا عام يشمل جميع الأوقات، ومثله أحاديث كثيرة تفيد العموم، والمقرر في الأصول: أنّ العام يُعمل به في جميع جزئياته، فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة، مشروعة بهذا الحديث وأمثاله، ودعوى بدعيتها جهل بعلم الأصول، نعم ورد الحض عليها في أوقات معينة، منها عقب الأذان، وعند الدعاء، وعند دخول المسجد، وعند الخروج منه، وهذا لا يجعلها بدعة في غير هذه الأوقات، لأن تخصيص بعض أفراد العام بالذكر، لا يخصص العام.
(6) السيادة في الأذان والإقامة والتشهد في الصلاة، يمنعها المتنطعون، ويجهلون أن لا حرام ولا مكروه إلا ما ورد النهي عنه، لقول الله تعالى: {وَمَا ءاتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ولم يقل وما تركه فانتهوا عنه، أو ما لم يفعله فانتهوا عنه، ومر في المقدمة: أن ترك الشيء لا يدل على منعه ولا كراهته وهي قاعدة أصولية، يجهلها المبتدعة، وقد أوضحتها في كتاب الرد المحكم المتين، وقد أخبرني شخص بينتها له، أنه ذكرها لمبتدع يدّعي العلم، أثناء مناقشة معه، فأنكرها وقال: ليست من علم الأصول، وأغلب أخطاء هؤلاء المبتدعة –وما أكثرها- تأتي من جهة جهلهم بالأصول، وعدم تمكنهم من قواعده، مع ضيق باعهم، وقلة اطلاعهم، ثم السيادة بالأذان وما ذُكر معه، لاستحبابها أربعون دليلا، ذكرها شقيقنا الحافظ أبو الفيض في كتاب تشنيف الآذان، مفصلة دليلا دليلا، مع ما يتبعها من ايرادات وأجوبة عنها ويتخللها نقول عديدة عن جماعة من الأئمة والحفاظ والفقهاء وعلماء المذاهب الأربعة، بحيث من يستوعبه قراءة وفهمًا لم يبق له شك في أن استحباب السيادة هو الصواب، وأنا أذكر هنا دليلين أو ثلاثة، وأحيل من أراد التوسع والبسط على تشنيف الآذان:
(أ) نقل جمال الدين الأسنوي في المهمات عن الإمام عز الدين بن عبد السلام أنه بنى مسألة السيادة على أن الأفضل سلوك الأدب، أو امتثال الأمر وقال ابن ظهيرة: الأفضل الإتيان بلفظ السيادة، كما صرّح به جمع، وأفتى الجلال الحلي جازمًا به، قال: لأن فيه الإتيان بما أمرنا به، وزيادة الأخبار بالواقع الذي هو أدب، فهو أفضل من تركه، وقال الأبي في شرح مسلم: وما يستعمل من لفظ السيد والمولى حسن وإن لم يرد، والمستند فيه ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: ” أنا سيد ولد آدم”،، ([121]) والدليل أن سلوك الأدب أفضل حديثان أحدهما في صحيح البخاري عن سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس حتى التفت أبو بكر فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه رسول الله أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، ثم استأخر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى، فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ([122]) فأبو بكر قدّم سلوك الأدب، على امتثال الأمر، وأقرّه النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر: في صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال: لما صالح رسول الله أهل الحديبية، كتب علي بن أبي طالب رضوان الله عليه بينهم كتابًا، فكتب: محمد رسول الله، فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولا، لم نقاتلك، فقال لعلي: ” امحه” فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، ([123]) وهذا أيضًا فضل سلوك الأدب، على امتثال الأمر، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم،.
(ب) قال الله تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضا} عن ابن عباس قال: كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم الله عن ذلك إعظامًا لنبيّه، فقالوا: يا نبي الله، يا رسول الله، ([124]) وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، وكما لا يجوز نداؤه باسمه المجرد عن التعظيم، لا يجوز ذكر اسمه مجردًا عن وصف السيادة، لأنها من ألقاب التعظيم في العرف، وليس هذا بقياس بل هو حكم في معنى النص، لأن ذكر الاسم مثل النداء فالآية تشمله.
(7) الفدية عن الميت: اعتاد بعض الناس أن يدعو إلى داره بعض حفاظ القرآن والمنشدين، يتلون شيئًا من كتاب الله، ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، وينشد المنشدون أمداحًا نبوية، ثم يُطعمون ويوزّع عليهم صاحب الدعوة ما تيسّر من نقود، يفعل ذلك صدقة عن روح ميته، رجاء أن يخفف الله عنه، حرم المتنطعون هذا العمل، وبالغوا في تحريمه، حتى قال قائل منهم: إن الجلوس في حانة مع شرب الخمر ومدخني الحشيش أفضل من الجلوس مع هؤلاء الطلبة والمنشدين، وهذا قبيح جدًا، وإطعام الطعام للإخوان والأصدقاء مطلوب، بل جعل الشارع إطعام الطعام كفارة لحنث اليمين، والظهار وفطر رمضان عمدًا ولغير ذلك، وتلاوة القرءان والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عبادتان، وكذلك مدحه عليه الصلاة والسلام، فلم يبق إلا الهيئة المجتمعة من هذه الأشياء، وهي غير حرام جزمًا إن لم توجد في العهد النبوي، لما مرّ في المقدمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المباحات ولا جميع المندوبات، وأن ترك الشيء لا يدل على حرمته ولا كراهته، وأخذ الأجرة على الوظائف الدينية كتلاوة القرآن والإمامة وخطبة الجمعة والأذان وتعليم العلوم الشريعة، جرى العمل به في البلاد الإسلامية، من زمن بعيد، على أن أخذ الأجر على تلاوة القرءان، يدخل في عموم حديث البخاري: ” إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله” ([125]) وهو أصح من حديث ” لا تستأكلوا به”، وقد صح وصول الحج إلى الميت والصوم والصدقة والدعاء والاستغفار فكذلك يصل القرءان إليه، بجامع أن كلا منها عبادة، والتفريق بينها وبين القرءان، تفريق بين المتماثلات، وقراءة القرءان على الميت جرى العمل بها في البلاد الإسلامية من عهد الأنصار.
وهذه المسألة الراجح فيها أنها مستحبة، والجمهور على ذلك، قال القرافي في الفرق الثاني والسبعين والمائة :هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلَفًا فِيهَا فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ لَا يُهْمِلَهَا فَلَعَلَّ الْحَقَّ هُوَ الْوُصُولُ إلَى الْمَوْتَى فَإِنَّ هَذِهِ أُمُورٌ مُغَيَّبَةٌ عَنَّا، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ إنَّمَا هُوَ فِي أَمْرٍ وَاقِعٍ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ التَّهْلِيلُ الَّذِي عَادَةُ النَّاسِ يَعْمَلُونَهُ الْيَوْمَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ وَيُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يُيَسِّرُهُ وَيُلْتَمَسَ فَضْلُ اللَّهِ بِكُلِّ سَبَبٍ مُمْكِنٍ وَمِنْ اللَّهِ الْجُودُ وَالْإِحْسَانُ هَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْعَبْدِ. انتهى ([126]) . ومثله قال الشيخ العدوي في حاشيته على الخرشي : وَوُصُولُ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ وَإِنْ حَصَلَ الْخِلَافُ فِيهَا فَلَا يَنْبَغِي إهْمَالُهَا فَلَعَلَّ الْحَقَّ الْوُصُولُ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مُغَيَّبَةٌ عَنَّا وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ إنَّمَا هُوَ فِي أَمْرِ هَلْ يَقَعُ كَذَلِكَ ؟ . وَكَذَا التَّهْلِيلُ الَّذِي عَادَةً النَّاسُ يَعْمَلُونَهُ الْيَوْمَ وَيُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ. أَيْ: الَّذِي هُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ السَّبْعِينَ أَلْفًا الْمَعْرُوفَةَ. انتهى ([127]) . وقال الدردير في الشرح الصغير : قَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ» قال الصاوي في حاشيته : قَوْلُهُ: [كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ] : ظَاهِرُهُ حَتَّى لِلْكَبَائِرِ وَلِذَلِكَ اتَّخَذَهَا الْعَارِفُونَ عَتَاقَةً وَاخْتَارُوا أَنْ تَكُونَ سَبْعِينَ أَلْفًا؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِهَا أَثَرٌ كَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ السُّنُوسِيِّ. انتهى ([128]) .ونقل عليش في شرح خليل عن القرافي انه قال : “وَكَذَا التَّهْلِيلُ الَّذِي اعْتَادَ النَّاسُ يَنْبَغِي عَمَلُهُ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى”. وقال المصطفى : فَكَلَامُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ يَدُلُّ عَلَى الْوُصُولِ فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَيْهَا شَرْقًا وَغَرْبًا. انتهى ([129]) .وفي تهذيب الفروق لابن حسين :قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ نَعَمْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ مَنْ أَرَادَ وُصُولَ قِرَاءَتِهِ بِلَا خِلَافٍ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ دُعَاءً بِأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا أَقْرَأُ إلَى فُلَانٍ اهـ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الرَّهُونِيِّ وَكَنُونٍ قَالَ الرَّهُونِيُّ وَالتَّهْلِيلُ الَّذِي قَالَ فِيهِ الْقَرَافِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ هُوَ فِدْيَةُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ سَبْعِينَ أَلْفِ مَرَّةٍ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ السَّنُوسِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا الَّذِي فَهِمَهُ مِنْهُ الْأَئِمَّةُ اُنْظُرْ الْحَطَّابَ هُنَا أَيْ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ وَمُصْطَفَى الرَّمَاصِيَّ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ. اهـ ([130]) .
وقيد ابن الحاج جوازه إذا لم يقصدوا الاجتماع لفعل ذلك واتخاذ ذلك سنة، وإلا فيجوز لمن فعله وحده في خاصة نفسه لأنه من الخير . وقال الشيخ الاكبر في الفتوحات المكية : الذي أوصيك به أن تحافظ على أن تشتري نفسك من الله بعتق رقبتك من النار بأن تقول : “لا إله إلا الله” سبعين ألف مرة فإن الله يعتق رقبتك بها من النار أو رقبة من تقولها عنه من الناس ورد في ذلك خبر نبوي. و لقد أخبرني أبو العباس أحمد بن علي بن ميمون بن أبو التوزري عرف بالقسطلاني بمصر قال في هذا الأمر : إن الشيخ أبا الربيع الكفيف المالقي كان على مائدة طعام وكان قد ذكر هذا الذكر وما وهبه لأحد وكان معهم على المائدة شاب صغير من أهل الكشف من الصالحين فعند ما مد يده إلى الطعام بكى فقال له الحاضرون ما شأنك تبكي فقال هذه جهنم أراها وأرى أمي فيها وامتنع من الطعام فأخذ في البكاء قال الشيخ أبو الربيع فقلت في نفسي اللهم إنك تعلم أني قد هللت بهذه السبعين ألفا وقد جعلتها عتق أم هذا الصبي من النار هذا كله في نفسي فقال الصبي الحمد لله أرى أمي قد خرجت من النار وما أدري ما سبب خروجها وجعل الصبي يبتهج سرورا وأكل مع الجماعة قال أبو الربيع فصح عندي هذا الخبر النبوي بكشف هذا الصبي وصح عندي كشف هذا الصبي بالخبر وقد عملت أنا على هذا الحديث ورأيت له بركة في زوجتي لما ماتت. انتهى
وقد تلقاها الفقهاء بالقبول والاعتناء فنشرت في كتب الفقه المالكي وغيره، وممن نقلها وذكر فضلها من المتاخرين الشيخ ميارة الفاسي والامام الحطاب والامام القرافي والشيخ مصطفى وغيرهم من جلة الفقهاء، وكأئمة الصوفية رحمهم الله تعالى، وعن ميارة نقلها ايضا الشيخ الطالب بن حمدون.
(8) الاحتفال بالمولد النبوي: قال عنه مبتدع يدّعي العلم: هو مثل احتفال النصارى بعيد ميلاد المسيح، يقصد أنه حرام، وهذه جرأة على القول في الدين، بغير حجة، وما أكثر جراءة المبتدعة على تحريم أمور، وللحافظ السيوطي رسالة [حسن المقصد في عمل المولد] قال في أولها: وقع السؤال عن المولد النبوي في شهر ربيع الأول، ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل محمود؟ أو مذموم؟ وهل يُثاب فاعله؟ أم لا؟ والجواب عندي: أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسّر من القرءان، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط يأكلونه، وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف، ثم قال: وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر، عن عمل المولد فأجاب لما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن، وتجنب ضدها، كانت بدعة حسنة، قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكرًا لله، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين، من إسداء نعمة، ودفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة، كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم، فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه، فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى، من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك، فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحًا بحيث يفتضي السرور بذلك اليوم، لا بأس بإلحاقه به، وما كان حرامًا أو مكروهًا فيمنع، وكذلك ما كان خلاف الأولى أهـ، انتهى من كلام السيد الحسيني عبد الله بن الصديق في رسالته إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة، ([131]).
المبحث الخامس الفقه في تقدير مسألة البدعة الإضافية
[المفتاح الأول]: البدعة الحقيقية: هي البدعة التي أُحدثت بأصلها ووصفها، لذا فهي تُعارض السنّة من كل وجه، وينطبق عليها تعريف بدعة الضلالة من كل وجه كما تنطبق عليها ضوابط البدعة التي لا تكون إلا بدعة ضلالة، ألا وهي: الأول: أن يكون مجالها في الدين، والثاني: أن لا يكون لها أصل في الشرع، قال الشاطبي: (البدعة الحقيقية فهي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل) أهـ ([132]) .
ومثال تلك البدعة غالب البدع العقائدية كبدع التشيع والخروج والاعتزال والتجسيم والتشبيه والقدر والتجهم والجبر، فإنّها بدع من جميع وجوهها، خارجة عن الشرع من كل وجه، وهي بدع ضلالة تستحق الوعيد بالنار.
أما البدعة الإضافية: فهي البدعة التي لها أصل في الدين ترجع إليه ولكنها تزيد على الأصل بتخصيص وصف معين، وذلك كتخصيصها بوقت محدد أو هيئة محددة، وعلى ذلك فهي بدعة في وصفها لا أصلها.
قال الإمام ابن دقيق العيد الشافعي رحمه الله: – وهو يتكلم عن فقه مسائل البدعة الإضافية- (“والحق – والله أعلم – في هذا الباب – أعني ما ورد فيه أحاديث بالنسبة إلى التطوعات والنوافل المرسلة – أن كل حديث صحيح دل على استحباب عدد من هذه الأعداد، أو هيئة من الهيئات، أو نافلة من النوافل: يعمل به في استحبابه ثم تختلف مراتب ذلك المستحب، فما كان الدليل دالا على تأكده – إما بملازمته فعلا، أو بكثرة فعله، وإما بقوة دلالة اللفظ على تأكد حكمه، وإما بمعاضدة حديث آخر له، أو أحاديث فيه – تعلو مرتبته في الاستحباب، وما يقصر عن ذلك كان بعده في المرتبة، وما ورد فيه حديث لا ينتهي إلى الصحة، فإن كان حسنا عمل به إن لم يعارضه صحيح أقوى منه، وكانت مرتبته ناقصة عن هذه المرتبة الثانية، أعني الصحيح الذي لم يدم عليه، أو لم يؤكد اللفظ في طلبه، وما كان ضعيفا لا يدخل في حيز الموضوع، فإن أحدث شعارا في الدين: منع منه، وإن لم يحدث فهو محل نظر، يحتمل أن يقال: إنه مستحب لدخوله تحت العمومات المقتضية لفعل الخير، واستحباب الصلاة، ويحتمل أن يقال: إن هذه الخصوصيات بالوقت أو بالحال والهيئة، والفعل المخصوص: يحتاج إلى دليل خاص يقتضي استحبابه بخصوصه، وهذا أقرب، والله أعلم، وههنا تنبيهات، الأولى: أنا حيث قلنا في الحديث الضعيف: إنه يحتمل أن يعمل به لدخوله تحت العمومات، فشرطه: أن لا يقوم دليل على المنع منه أخص من تلك العمومات مثاله: الصلاة المذكورة في أول ليلة جمعة من رجب: لم يصح فيه الحديث، ولا حسن، فمن أراد فعلها – إدراجا لها تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة والتسبيحات – لم يستقم، لأنه قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ” نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام ” وهذا أخص من العموميات الدالة على فضيلة مطلق الصلاة، الثاني: أن هذا الاحتمال الذي قلناه – من جواز إدراجه تحت العمومات – نريد به في الفعل، لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة، لأن الحكم باستحبابه على تلك الهيئة الخاصة: يحتاج دليلا شرعيا عليه ولا بد، بخلاف ما إذا فعل بناء على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك الوقت، ولا بتلك الهيئة، فهذا هو الذي قلنا باحتماله، الثالث: قد منعنا إحداث ما هو شعار في الدين، ومثاله: ما أحدثته الروافض من عيد ثالث، سموه عيد الغدير، وكذلك الاجتماع وإقامة شعاره في وقت مخصوص على شيء مخصوص، لم يثبت شرعا، وقريب من ذلك: أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة على وجه مخصوص، فيريد بعض الناس: أن يحدث فيها أمرا آخر لم يرد به الشرع، زاعما أنه يدرجه تحت عموم، فهذا لا يستقيم، لأن الغالب على العبادات التعبد، ومأخذها التوقيف، وهذه الصورة: حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو منعه، فأما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول، ولعل مثال ذلك، ما ورد في رفع اليدين في القنوت، فإنه قد صح رفع اليد في الدعاء مطلقا، فقال بعض الفقهاء: يرفع اليد في القنوت، لأنه دعاء، فيندرج تحت الدليل المقتضي لاستحباب رفع اليد في الدعاء، وقال غيره: يكره، لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقيف، والصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليد في القنوت: كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع: أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء، الرابع: ما ذكرناه من المنع: فتارة يكون منع تحريم، وتارة منع كراهة، ولعل ذلك يختلف بحسب ما يفهم من نفس الشرع من التشديد في الابتداع بالنسبة إلى ذلك الجنس أو التخفيف، ألا ترى أنا إذا نظرنا إلى البدع المتعلقة بأمور الدنيا: لم تساوي البدع المتعلقة بأمور الأحكام الفرعية، ولعلها – أعني البدع المتعلقة بأمور الدنيا – لا تكره أصلا، بل كثير منها يجزم فيه بعدم الكراهة، وإذا نظرنا إلى البدع المتعلقة بالأحكام الفرعية: لم تكن مساوية للبدع المتعلقة بأصول العقائد، فهذا ما أمكن ذكره في هذا الموضوع، مع كونه من المشكلات القوية، لعدم الضبط فيه بقوانين تقدم ذكرها للسابقين، وقد تباين الناس في هذا الباب تباينا شديدا، حتى بلغني: أن بعض المالكية مر في ليلة من إحدى ليلتي الرغائب – أعني التي في رجب، أو التي في شعبان – بقوم يصلونها، وقوم عاكفين على محرم، أو ما يشبهه، أو ما يقاربه، فحسن حال العاكفين على المحرم على حال المصلين لتلك الصلاة، وعلل ذلك بأن العاكفين على المحرم عالمون بارتكاب المعصية، فيرجى لهم الاستغفار والتوبة، والمصلون لتلك الصلاة – مع امتناعها عنده – معتقدون أنهم في طاعة، فلا يتوبون ولا يستغفرون، والتباين في هذا يرجع إلى الحرف الذي ذكرناه، وهو إدراج الشيء المخصوص تحت العمومات، أو طلب دليل خاص على ذلك الشيء الخاص، وميل المالكية إلى هذا الثاني، وقد ورد عن السلف الصالح ما يؤيده في مواضع ألا ترى أن ابن عمر رضي الله عنهما قال في صلاة الضحى ” إنها بدعة “، لأنه لم يثبت عنده فيها دليل، ولم ير إدراجها تحت عمومات الصلاة لتخصيصها بالوقت المخصوص، وكذلك قال في القنوت الذي كان يفعله الناس في عصره ” إنه بدعة ” ولم ير إدراجه تحت عمومات الدعاء، وكذلك ما روى الترمذي من قول عبد الله بن مغفل لابنه في الجهر بالبسملة ” إياك والحدث ” ولم ير إدراجه تحت دليل عام وكذلك ما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه فيما أخرجه الطبراني في معجمه بسنده عن قيس بن أبي حازم قال ” ذكر لابن مسعود قاص يجلس بالليل، ويقول للناس: قولوا كذا، وقولوا كذا، فقال: إذا رأيتموه فأخبروني، قال: فأخبروه، فأتاه ابن مسعود متقنعا، فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود، تعلمون أنكم لأهدى من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يعني أو إنكم لمتعلقون بذنب ضلالة ” وفي رواية ” لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما ” فهذا ابن مسعود أنكر هذا الفعل، مع إمكان إدراجه تحت عموم فضيلة الذكر، على أن ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب الزيادة في العبادات) أهــ ([133]) .
[ المفتاح الثاني]: خلاصة الفقه في مسألة البدعة الإضافية: مع تطبيق القواعد والضوابط الفقهية عند من لا يجيز البدعة الحسنة، وعند من يجيزيها تضيق مساحة الخلاف ويتهذب ويؤول إلى خلاف البدعة الإضافية إلى مسائل الفروع التي لا يصح الحسبة عليها، ولا المخاصمة من أجلها، لأنّه شتان ما بين البدعة الحقيقية التي لا اصل لها في الدين بل تُعارضه وتضاد سننه، وما بين البدعة الإضافية التي لها أصل في الدين، وإنّما الخلاف في جهة الوصف أو الهيئة أو الكم، وخلاصة الفقه في مسألة البدعة الإضافية أنّ ما كان أقرب إلى التشريع منه إلى التنظيم فهذا لا يصح فعله، ومثال ذلك: الأذان للعيدين ولصلاة الكسوف فالأذان في أصله مشروع ولكن الأذان للعيدين والكسوف لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، مع كون المقتضي له موجود في زمان التشريع، فلما لم يُشرع عُلم أنّه من باب العبادات التي يكون الأصل فيها الاتباع والتوقف.
أمّا ما كان اقرب إلى التنظيم والترتيب والتزام الأوراد، فهذا لا يكون بدعة ضلالة بحال ومثاله التزام أذكار مخصوصة بصفة منتظمة على سبيل الاجتهاد في العبادة كمن يجعل له ورداً بختم جزء قرآن مثلاً بعد صلاة الفجر، أو يجعل له ورد تسبيح ألف تسبيحة بعد صلاة العصر مثلاً، فهذا لا حرج منه البتة، لأنّه ليس من باب التشريع وإنّما من باب تنظيم العبادة والاجتهاد فيها، هذا حتى لو كان له أتباع يقلدونه فيما يفعل ويلتزمون به، فإنّه ما جاز له جاز لغيره، ومنه أيضاً الاجتماع للذكر أو للعلم في وقت معين يتفق عليه الجميع، ويُلحق به الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم عقب الآذان، فإنّه في أصله سنّة ولكن اختلفت الهيئة من السر إلى الجهر، فإن كان فاصل يفصل بين الآذان والصلاة على الرسول فلا بأس ولا حرج لأنّها تذكر الناسي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الآذان.
[المفتاح الثالث]: من الأمثلة على البدعة الحقيقية: (1) بدعة الاعتزال وإنكار القدر، و(2) بدعة التجهم، (3) بدعة الخروج (4) بدعة التشيع، (5) بدعة الإرجاء (6) بدع التشبيه والتجسيم والحشو، (7) بدعة النصب، (7) الفرق المبتدعة في زماننا المعاصر: ومنها: (أ): الصفوية الخمينية التي تنتسب إلى الشيعة الإمامية وقد غالت زيادة على غلو الشيعة، و(ب) الإباضية من الخوارج والتي تعمل جاهدة على عودة الامة إلى مذهب الخوارج المارقين، و(ت) أدعياء السلفية الذين يحاربون التخصص العلمي الإسلامي وينتسبون زورا وبهتانا إلى السلف الكرام والسلفية الحقة منهم برآء، و(ث): أدعياء الصوفية من أهل الدجل والخلل يحاربون التزكية والإحسان وينتسبون زورا وبهتانا إلى أهل التصوف والصوفية الحقة منهم برآء.
واما الأمثلة على بدع الفروع الإضافية: (البدع الإضافية): (1) مسألة الاحتفال بالمولد النبوي، (2) مسألة الذكر الجماعي، (3) الذكر الجهري، (4) مسألة الذكر بالاسم المفرد، (5) مسألة المبالغة في التعبد والتراويح، (6) مسألة الصلاة على الرسول عقب الآذان، (7) مسألة لفظ السيادة للنبي صلى الله عليه وسلم، (8) مسألة رفع اليدين عند الدعاء، (9) مسألة المصافحة عقب الصلاة، (10) مسألة استعمال السبحة في التسبيح، (11) مسألة شد الرحال لزيارة قبر الرسول، (12) مسألة اهداء ثواب القرآن والأعمال، (13) أحكام الجنائز والمقابر، (14) أحكام العادات التي لا تدخل تحت إطار الدين، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في [الفصل الثالث]: فقه تنزيل أحكام البدع على الواقع مع أمثلة عملية لذلك.
[المفتاح الرابع]: من الأمثلة التي تُحمل على الوجهين وفقا لنية الفاعل: (البدعة الحقيقية) إن صاحبها تحريم الحلال تقربا إلى الله، و(البدعة الإضافية) إن صاحبها العنت والمشقة وخوف الانقطاع: ما أخرجه البخاري ومسلم: عَنْ أنسٍ – قال: (جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزْواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يسْألونَ عن عبادةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا أُخبروا كأنَّهم تَقالُّوها، وقالوا: أين نحن من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قد غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذنبِه وما تأخَّر؟! قال أحدُهم: أمَّا أنا فأصلِّي الليلَ أبدًا، وقال الآخرُ: وأنا أصومُ الدَّهرَ ولا أُفْطرُ، وقال الآخرُ: وأنا أعتزلُ النِّساءَ فلا أتزوَّجُ أبدًا، فجاء رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم فقال: «أنتم الذين قُلتُم كذا وكذا؟! أما واللهِ إنِّي لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكنِّي أصومُ وأفطرُ، وأصلي وأرْقدُ، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فليس مِنِّي) ([134]) .
فالاقتصاد في العبادة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وأحبَّ العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ، وخير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث يُحمل على المبالغة في التعبد على سبيل تحريم الحلال، فإنّ الاجتهاد في العبادة لا بأس به وهو ديدن اهل الجد والعمل، وقد قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]، وقال تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} [الفرقان: 64]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، ورسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، قال الله تعالى له: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الانعام: 162]، ولذلك كان يقوم في الليل حتى تفطرت قدماه؛ كما ورد في الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا قَالَتْ:(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَصْنَعُ هَذَا، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)([135]).
وقد يُفضي الاجتهاد إلى مشقة ينهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث الذي اخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أُخبِر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنت الذي قلت ذلك؟ فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأمي، فقال: فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، فقلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يوماً وأفطر يومين، فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فصم يوماً وأفطر يوماً، فذلك مثل صيام داود، وهو أفضل الصيام، فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «لا أفضل من ذلك) ([136]) . فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر لما فيه من المشقة التي تؤول إلى الانقطاع عن العمل، ولكن ان يُفضي الاجتهاد في العبادة إلى تحريم الحلال، فهذا من البدع الحقيقية التي تيرأ منها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال للثلاثة الذين رغبوا عن سنّة النبي صلى الله عليه وسلم وحرموا على انفسهم ما احله الله: (أما واللهِ إنِّي لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكنِّي أصومُ وأفطرُ، وأصلي وأرْقدُ، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فليس مِنِّي) فإنّ الغلو في الدين هو سبب هلاك المتنطعين من هذه الأمة: فقد أخرج مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هلك المتنطعون – قالها ثلاثا) ([137]) . وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس مرفوعا (إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) ([138]) .
والغلو في الدين يعارض يسر الدين وسماحة الدين، لقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]، وأخرج البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه: فسددوا، وقاربوا، وأبشروا! واستعينوا بالغدوة، والروحة، وشيء من الدلجَة) ([139]) . وأخرج البخاري عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما، كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها) ([140])
وهلاك الخوارج إنما هو بسبب الغلو في الدين: فقد أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال بعث علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة، فقسمها بين الأربعة: الأقرع ابن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: (يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا؟!)، قال: (إنما أتألفهم!)، فأقبل رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية، محلوق، فقال: (اتق الله يا محمد !)، فقال: (من يطع الله إذا عصيت؟!! أيأمنني الله على أهل الأرض، فلا تأمنوني؟)، فسأله رجل قتله (أحسبه خالد بن الوليد)، فمنعه، فلما ولى قال: (إن من ضئضئ هذا (أو في عقب هذا) قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) ([141]) .
وأخرج البخاري من طريق أخرى فيها فوائد وزيادات، بإسناد آخر صحيح، غاية في الصحة، عن أبي سعيد، رضي الله عنه، قال: بينما نحن عند رسول، الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: (يا رسول الله اعدل !)، فقال: (ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل)، فقال عمر: (يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه)، فقال: (دعه! فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، ([142]) .
المبحث السادس مفاتيح الفقه في مسألة تحريم المباح بزعم سد الذرائع إلى البدعة
[المفتاح الأول]: الأصل في الأشياء الإباحة: لقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [سورة البقرة: 29]، وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [سورة الجاثية: 13]، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [سورة لقمان: 20].
[المفتاح الثاني]: لا يجوز تحريم المباح بزعم سد الذرائع إلى البدعة، لأنّ الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3]، فالقول إن شيئاً مما أحله الله لا يجوز، مثل القول: إن شيئاً مما حرمه الله يجوز، وهذا من القول على الله بغير علم، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116].
[المفتاح الثالث]: أيّ قضية سكت عنها الدين قضية مباحة: فلا حرام إلا ما ورد فيه نص صحيح صريح، وكل قضية سكت عنها الدين مباحة، ما لم يرد في تحريمها نص شرعي، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته) ([143]) .ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء غير نسيان رحمة لكم فلا تبحثوا عنها)([144]) .
[ المفتاح الرابع]: الأصل في العبادات قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) وقوله صلى الله عليه وسلم: في رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ([145]) .والمعنى أنّ كل ما ليس له أصل في الدين فهو مردود على صاحبه، وما كان له أصل في الدين، فهو ليس بمردود، ومن درر الفقهاء في فهم الحديثين: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في بيان فقه الحديث وضوابط البدعة ما نصه: ” وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث ” الأعمال بالنيات ” ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء “ ([146]) .
فشرط للبدعة الضالة أن تضاف إلى الدين ولم يأذن بها الله ورسوله، وقال بن حجر في فتح الباري في بيان فقه الحديث وضوابط البدعة ما نصه: (وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه)، فشرط للبدعة الضالة أن تضاف إلى الدين وأن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، (قلت) ومما يستفاد من الحديث الشريف معرفة شرطين للبدعة: الأول: أن ينسب إلى الدين، والثاني: أن لا يكون له أصل من دين الله يشهد له الحديث، فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين، وقوله صلى الله عليه وسلم (ما ليس منه) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم (فهو رد)، قال الشافعي: ” البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم ” أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي، ([147]) . وجاء عن الشافعي أيضا ما أخرجه البيهقي في مناقبه قال ” المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة ” انتهى، ([148]) . أي أن البدعة الشرعية التي يقصد بها الضلالة هي كل محدثة في الدين وليس لها أصل فيه، أما المحدثات التي لها أصل من الدين أو داخلة تحت شيء من مقاصده، أو أمر عام من أوامره، ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ولا خلاف فيما تدل عليه من الخير فهذه من المحدثات الحسنة التي جاء بها الحديث الصحيح (من سن سنة حسنة).
وهذا هو الفقه الحقيقي للدين الذي سبقنا إليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين فهموا روح الدين وحقيقته، وحاصل الفقه أنّ في هذا الحديث الشريف تحذير ووعيد لمن يحدث في أمر الدين شيئاً وهو ليس منه، وأنه مردود عليه، وهذا حق لا مرية فيه، لكن إيراد هذا الحديث في معرض الاستدلال به على أن عملاً ما من بدع الضلالة هو إيراد في غير محله، إذ قد يكون ذلك العمل داخلاً فيما هو من الدين، لا فيما ليس منه، فيعود السؤال: ما الدليل على أن ذلك العمل ليس من أمور الدين، لأنه إذا كان مندرجاً تحت نص من نصوص الإذن العامة أو المطلقة ولم يعارض نصاً آخر فلم لا يكون من المأذون فيه؟ !!، فظهر بهذا أن هذا الحديث يبين أن ما أُحدث مما ليس من الدين مردود على صاحبه، وليس فيه البتة أن كل ما أحدث فهو ليس من الدين.
[المفتاح الخامس]: القواعد المستقرة من الشريعة تدل على ترفع العلماء الربانيين عن قول هذا حلال وهذا حرام من دون دليل قطعي، وذلك لقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) إذ تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر، والمتنطعون هم الذين يسارعون أن يقولوا كلمة ” حرام ” على ما أحله الله، وقد قال الفقهاء: أجرؤكم على الفتية أجرؤكم على النار.
المبحث السابع مفاتيح الفقه في التفريق بين الأعمال العادية والأعمال التعبدية
المفتاح الأول:
الأمر العادي: هو الأمر الذي يعاوده صاحبه، ويرجع إليه مرة بعد أخرى حتى يصبح له عادة، سواء في ذلك أكان هذا الأمر متصلا بالفــرد نفسه، أو متصلا بالجماعة فيما بين أفرادها، أو فيما بينها و بين جماعة أخرى، وهو بحسب استعـــمال الشرع: ما يجرى بين الناس من تصرفات لتحقيق المصلحة فيها مما لا يقصد به التـــقرب إلى الله تعالى ولكنها تحقق المقاصد التي يراعيها الشرع مثل تسهيل سبل الحياة، وما يصلح للناس ويحقق لهم السعادة وطيب العيش وقوة الرابطة، وهو بخلاف الأمر التعبدي القائم على أســاس الانقيـــاد والخضوع لدين الله تعالى والسير وفق ما أمر به شرع الله، وقد وضع بذاته للتقرب إلى الله تعالى، كالذكر، والصلاة، وقد ذكرنا أنّ الابتـــداع المنهى عنه هو مـــا يدخل في الأمور التعبدية، سواء أكانت من أمور الاعتقاد، أو كانت من أمور الجوارح والأعمال الظاهرة، وأما الأمور غير التعبدية، أي العادية، المحدثة لتحقيق منفعة لا ينهى عنها الشرع فــلا حرج منها، فما دام الأمر العادي لا ينهى عنه الشرع، ولا يضر بالمصلحة، ولا يخرج على مقاصد الشرع، ولا يُعد تشبهاً منهيا عنه بالكفار.
قال ابن تيــمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم ” إن الأصل الذى بنى عليه الإمام أحمد وغيره مذاهبهم، أن أعمال الخلق تنقسم إلى قسمين: عبادات يتخذونهــا دينًا، ينتفعون بها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة، والأصل فيها أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، [و] عادات ينتفعون بها في معاشهم، والأصل فيها أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله ” أهـ، ([149]) .
وقال الشيخ شلتوت في فتاويه: أما ما لم يتعبّدنا الله بشيء منه، وإنما فوَّض لنا الأمر فيه باختيار ما نراه موافقًا لمصلحــتنا، ومحققًا لخيرنا بحسب العصور والبيئات، فأن التصرف فيه بالتنظيم أو التغير لا يكون من الابتداع الذى يؤثر على تدين الإنسان وعلاقته بربه، بل إن الابتداع فيه من مقتضيات التطور الزمنى الذى لا يسمح بالوقوف عند حدَّ الموروث من وسائل الحيــــاة عن الآباء والأجداد ([150]) .
المفتاح الثاني:
تطبيق فقه القاعدة على أمور عادية غير تعبدية: مثال: ما يسّمى عيد الميلاد، وما يسمى عيد الأم، وما يسمى بالمناسبات الوطنية: قال الشيخ محمد حسين في كتابه اللمع في تجلية البدع: ” عادة الاحتفال بيوم الولادة للشخص أو للولد يفعلها الناس وليست من أمور الدين، فلا نعلم أن أحد المسلمين يتقرب إلى الله تعالى بعمل حفل يوم مولد أو يوم ولده أو أحد من أسرته، ولا نعلم أن أحداً يُمْدح لشدّة تدينه لأنه لا يترك يوم ميلاد إلا ويتقــرب به إلى الله بجعله الحفل عبادة بل لا يخطر بباله أو ببال أحد أن ذلك قربه ودين، ولكنها عادة ألفها واعتادها الناس، المتدين وغير المتدين، بل المسلم وغير المسلم، كسائر الأمور الدنيوية المعتـــادة، ولم نر أيضًا أحداً مـــن العلماء يحض المسلمين على التقرب إلى الله بعملها أو اللوم على تركها، فالكل يأتي بهذه الأحفال بعيدا عن الدين، وقد يقول قـــائل: فيها تشبه بغير المسلمين، والرد عليه أن ذلك مثل سائر أمور الدنيا ليس فيها تشبه بالكفـــار، ولكن فيها مــا يراه كل أحد ومصلحته، كما يقول أحد: هذا تشريع لعيد وليس للمسلمين غير عيدين، وأقول من قال إن هذا الحفل عيد؟! وهل عيد المسلمين يعتاده كل شخص على حده؟! بل كل المسلمين يعلمون أن عيدي المسلمين هما عيدا الفطر والأضحى وأنهما دين، أما هذا فهو حفل، ومع ذلك كله فأقول: إن مصالح الناس يحكم عليها بالُحْسن والقبيح، والنفع والضرر، فمناط الحكم العقل والاستحسان، أما أمور الدين بالحكم فيها للشرع فقط، فإذا قام أحد المسلمين بعمل حفل ليوم مولد ولده وأنفق أموالا طائلة، أو صاحب الحفل أمور تخالف الدين، فنقول له: هذا إسراف، وهذا مخالف للدين ولكن الاحتفال مباح … وأما عادة الاحتفال بعيد الأم فأقول: إنها ليست حسنة، وإن لم تكن بدعة ضلالة [لأنّ] الإسلام يوجب على المسلم والمسلمة، الاحتفاء والاهتمام ببرَّ الوالدين، في حياتهما، وكل يوم، وبعد وفاتهما، فلسنا في حاجة مثل اعتياد الغــرب غير المسلمين أن يجعلوا يومًا واحدًا كل عام لرعاية الأم، و [أنّه] قد يؤدى الدوام على هذا الاحتــفال كل عام إلى اعتقاد أنها قربة من القربات، وأن هذا واجب ديني، وعند ذلك تصبح بدعة في الدين، فتدخل من باب سدَّ الذرائع ” ([151]) .
(قلت) الأولى لكل مسلم التنزه عن هذه الاحتفالات لما فيها من مشابهة أهل الكتاب، ولما يصاحبها من بذخ وإسراف وقطيعة لمن لم يُشارك، وللمسلم كذلك أن يعتز بكل ما هو اسلامي ويتنزه عن كل ما هو أجنبي عن دين الإسلام، ولله در القائل: ” أبي الإسلام لا أبا لي سواه… إذا افتخروا بقيس او تميم “، وأمّا المناسبات الوطنية، والتي لا علاقة لها بالدين، فما دام الأمر فيها لا ينهى عنه الشرع، ولا يضر بالمصلحة الدينية، ولا يخرج على مقاصد الشرع، ولا يُعد تشبهاً منهيا عنه بالكفار، فإنّها من أمور الدنيا العادية التي لا علاقة لها بالبدعة، وإنّما يُنظر إليها من منظار المصلحة والمفسدة، والله تعالى أعلم،
***
المبحث الثامن مفاتيح القاعدة كل ما ورد في الشرع أو جاء عن السلف في التحذير عن البدع المقصود به بدع الاعتقاد التي تشق صف الأمة ولا يُحمل على الخلافات الفقهية أبدا
المفتاح الأول: أصول البدع المخرجة عن إطار أهل السنّة والجماعة إلى أُطر الفرق الضالة تتمثل في بدع اعتقادية ضالة عريضة يؤول اعتقادها إلى مفارقة الفرقة الناجية إلى الضلال واستحقاق الوعيد بالنار، وإنّ رؤوس الفرق الضالة في باب الاعتقاد في إطار الإسلام تتمثل في الشيعة، والخوارج، والمعتزلة، والحشوية، والمرجئة، والجهمية الجبرية، فهذه أصول الفرق الضالة عن مذهب أهل السنّة والجماعة، ومن كل فرقة منهم انشطر العديد من الفرق بعدد أفكار الضلال، وتمايز عنهم أهل الفرقة الناجية باسم: أهل السنة والجماعة، وهناك بدع خطيرة معاصرة تمثل خطرا على صفاء منهج أهل السنّة والجماعة الذي يعتبر امتدادا صحيحا لمنهج السلف، وهذه البدع تمثل انحرافا عن منهجهم الصافي إلى مناهج أهل الضلال: ومن ذلك بدعة الغلو في مسائل التكفير، وبدعة الحشو عند الحديث عن ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، وبدعة الغلو في مسائل الشرك، وبدعة الغلو في مسائل التبديع.
[المفتاح الثاني]: مذاهب الأثرية والأشعرية والماتريدية هي المتخصصة في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، إذ هي مدارس التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وآراء تلك المدارس قد تمحصت بما فيه الكفاية لأنها تأصلت بفعل آلاف العلماء المتخصصين في باب العقيدة، لا أمثال أنصاف المتعلمين الذين درسوا العقيدة في ساعات معدودة، ثم صاروا يتنطعون في اتهام المتخصصين بالبدعة، وهؤلاء لا يكاد أحدهم يميز المحدث من القديم في مصطلح أهل التخصص إلا بما يفهمه من مجرد اللغة، ولا يعلم ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الأول الآخر سبحانه المتصف بالقدم الأزلي والبقاء الأبدي، والمقصد من ذلك أنّه يندر أن نقع على خطأ جسيم عند مدرسة هذا حالها منذ أكثر من ألف سنة تخرج على أقوالها الاكابر من علماء أهل السنّة والجماعة المقتدى بهم في الدين، ولن يفهم ذلك جلياً إلا أهل التخصص في العقيدة على منهاج التقديس والتنزيه، لا المناهج السطحية المبتورة عن أصلها والتي كتبها غير المتخصصين في العقيدة، ثم صارت مراجع لخلفهم، وهي أبعد ما تكون عن التخصص العلمي الرصين، ولا يكون متخصصا في العقيدة إلا من استطاع التفريق بين المحسوسات والمعقولات تفريقا صحيحا، واستطاع التفريق بين صفات القديم والمحدث تفريقاً سديدا، ولا يحل لأحد أن يتكلم في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وهو لا يعلم قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة، ويعلم علم اليقين ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، وإلا كان من الذين يقولون على الله تعالى بغير علم، والله تعالى يقول: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].
وما من طائفة خالفت تلك المدارس او بدعتها او ضللتها إلا وكانت هي الأحق بالضلال والبدعة، وكانت بمثابة قطاع الطريق على أهل التخصص العلمي، ومما يؤكد ذلك أنّنا نجد غالب علماء أمة الإسلام الأكابر على مذهب الأشاعرة والماتريدية العقائدي، فأكابر مفسري الأمة من الأشاعرة والماتريدية، وأكابر محدثي الأمة وحفاظها من الأشاعرة والماتريدية، وأكابر فقهاء الأمة من الأشاعرة والماتريدية، والصروح الشامخة والمراكز العلمية التي كانت تنشر علوم الإسلام في بلاد المسلمين كانت تدرس المذهبين الأشعري والماتريدي، مثل الجامع الأزهر في مصر، وجامع القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس، والجامع الأموي في دمشق، وندوة العلماء في الهند، وغيرها من منارات العلوم المبثوثة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، كلها كانت تتبنى إما مذهب الأشاعرة أو الماتريدية، فهل بعد هذا من شك في أنّ المدارس المعبرة عن أهل السنّة والجماعة هي مذاهب الأثرية والأشعرية والماتريدية، وأنّ ما عدها شذوذ وخلل، وبدع العقيدة التي تشق صف الأمة هي التي حذر منها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وعليها يُحمل كلام السلف والأئمة الأكابر.
[المفتاح الثالث]: آثار وأخطار بدع العقيدة على دين الله تعالى:
(أ) بدعة الاعتقاد هي السبب الأول للافتراق في الدين: فقد أخرج الترمذي في سننه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([152]) .وأخرج في سننه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي) ([153]) .
والبدعة هي السبب الرئيس للتفرق، فقد اجتمعت الخوارج على بدعة الغلو في مسائل الإيمان وتكفير المسلمين به واستحلال حرماتهم به، واجتمعت الشيعة على بدعة الغلو في الإمام علي رضي الله عنه واتهام الصحابة بمخالفة الحق، واجتمعت المعتزلة على تقديم العقل على النقل، واجتمعت المجسمة والمشبهة على بدع التشبيه والتمثيل وهكذا، البدعة هي السبب الأول في تفرق المسلمين ومعاداة بعضهم بعضا، وذلك لأنّ هذه البدع إذا تأصلت اتخذها اتباعها أصولاً لتفريق المسلمين واختلافهم، ولهذا أخرج أبو داود في سننه عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: ” أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة” ([154]) .
(ب) بدعة العقيدة هي السبب الأول للتفرق والتشرذم والخروج عن جماعة المسلمين: قال تعالى: {أو يَلبِسَكم شِيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض} [سورة الأنعام – 65]، قال الإمام الطبري بسنده عن مجاهد: {أو يلبسكم شيعاً}: الأهواء المفترقة ” ([155]) . وقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} [سورة آل عمران – 103]، قال الإمام الطبري بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال في قوله {واعتصموا بحبل الله جميعاً} قال: ” الجماعة” ([156]) . وتأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ” إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان” ([157]) .
قلت: تأمل هذا الحديث لتدرك خطورة هذا الافتراق والتشرذم حتى أباح النبي صلى الله عليه وسلم دم من تربص للأمة به.
(ث) بدعة العقيدة تؤدي إلى استحلال السيف في رقاب المسلمين: أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) ([158]) . فلا يستغرب لمن انتحل البدعة وخالف السنة أن تكون أولى ثمار بدعته هذه استحلال السيف في رقاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما فعل الخوارج فقد أخرج ابن أبي شيبة عن حميد بن هلال قال: حدثني رجل من عبد القيس قال: كنت مع الخوارج فرأيت منهم شيئاً كرهته ففارقتهم على أن لا أكثر عليهم، فبينا أنا مع طائفة منهم إذ رأوا رجلاً خرج كأنه فَزِع وبينهم وبينه نهر، فقطعوا إليه النهر فقالوا: كأنا رعناك؟ قال: أجل، قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب بن الأرت، قالوا: عندك حديث تحدثناه عن أبيك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعته يقول أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن فتنة جائية القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، فإذا لقيتهم فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فلا تكن عبد الله القاتل” قال: فقربوه إلى النهر فضربوا عنقه، فرأيت دمه يسيل على الماء” ([159]) . وليس الأمر خاصاً بالخوارج فحسب، فعن أبي قلابة قال: ” ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف” ([160]) . فالبدعة تؤدي إلى استحلال القتل واستباحة الأعراض والأموال المحرمة.
[المفتاح الرابع]: بدع الخوارج بدع عقائدية سببها الغلو في الدين: فقد أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: بينما نحن عند رسول، الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: (يا رسول الله اعدل !)، فقال: (ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل)، فقال عمر: (يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه)، فقال: (دعه! فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه، فما يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم! آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس قال أبو سعيد: (فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته)، ([161]) . وأخرج البخاري عن أبي سعيد، رضي الله عنه، يقول: بعث علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تُحَصَّل من ترابها، قال فقسمها بين أربعة نفر، بين: عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجال من أصحابه: (كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء)، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً)، قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: (يا رسول الله، اتق الله)، قال: (ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله)، قال: ثم ولى الرجل، قال خالد بن الوليد: (يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟!)، قال: (لا، لعله أن يكون يصلي!)، فقال خالد: (وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم)قال: ثم نظر إليه وهو مقف فقال: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا،لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية)([162]) . وأخرج مسلم عن يسير بن عمرو قال: سألت سهل بن حنيف: هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج، فقال: سمعته، وأشار بيده نحو المشرق، (قوم يقرءون القرآن بألسنتهم، لا يعدو تراقيهم: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، ([163]) .
[المفتاح الخامس]: كل ما ورد في الشرع أو جاء عن السلف في التحذير عن البدع المقصود به بدع الاعتقاد التي تشق صف الأمة، ولا يُحمل على الخلافات الفقهية أبدا: لأنّ من القواعد الفقهية، التي تعتبر من أهم ضوابط الخلافات الفقهية التي تخضع للاجتهاد قاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف الفقهية)، وهذه القاعدة تتعلق بالأساس بالمذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة لأنّها مدار س فقهية مؤصلة روجعت آراؤها على أيدي آلاف المجتهدين الأئمة العلماء، لقد صارت تلك القاعدة أساسا اجتماعيا وأخلاقيا يصبغ المجتمع المسلم بالتراحم والألفة والتراضي لاسيما في أمور الفقه التي تحتمل الوجوه، ومما يؤكد ذلك أنّ تلك المذاهب الإسـلامية لم تنشأ إلا لاستيعاب أحكام الشريعة، وهذه القاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف الفقهية)، إنما وضعها الفقهاء صيانة للدين، واستيعاباً لاختلاف الآراء، وضبطاً لتعدد الاجتهادات الفقهية التي تخضع لقواعد اللغة ومدي ثبوت النصوص ودلالاتها، وحفاظاً على وحدة الأمة، وإعلاء لمبدأ: {إنما المؤمنون إخوة}.
والاختلاف في تلك المسائل الفقهية سعة ورحمة، لأنه لو كان قولاً واحداً كان الناس في ضيق، وما دام المختلفون أئمة يقتدى بهم، فلا بأس بالاقتداء بأحدهم، وأولى الناس بذلك هم الأئمة الأربعة، وأولى المذاهب بذلك المذاهب الأربعة، ومن أهم أسباب وضع قاعدة: (لا إنكار في مسائل الاجتهاد): ضبط الخلاف بين المتنازعين، وتخفيف وطأة الخلاف بين العلماء فيما فيه سعة من مسائل الاجتهاد، والحفاظ على شمول الشريعة من حيث قبول جميع أوجه الفقه المقبول، ولهذا برزت قاعدة فقهية أخرى تتناول اجتهادات المذاهب الفقهية المعتمدة للحفاظ على لحمة المجتمع المسلم، ألا وهي قاعدة: (كل مجتهدٍ مصيب): وهذا ما جعل الإمام النووي، رحمه الله يقول: (إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأنه على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه) ([164]) .
(تنبيه) معنى القاعدة: (كل مجتهدٍ مصيب): أي إذا كان مؤهلا للاجتهاد يملك ادواته التي قررها الفقهاء، والثاني أنه مصيب في اجتهاده، فإن أصاب الحق كان له اجران، وإن أخطا كان له أجر واحد، بمعنى انه لا يُحرم الاجر ابدا.
[المفتاح السادس]: الاختلاف في الفروع الفقهية العملية رحمة ومنفعة وسعة، وهو كذلك عامل من عوامل خلود هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، كما أنّه لا خطر منه ولا ضرر، وهو أمر فطري طبيعي حيث تختلف العقول في فهم النص الواحد وتفسيره، فكيف بمئات بل آلاف النصوص من الكتاب والسنّة، والتي تجتهد عقول المجتهدين في شرحها وتفسيرها واستنباط الاحكام منها، وعلى ذلك، فإنّ الاختلاف في الأمور الفرعية والتفصيلية أمر طبيعي تقتضيه طبيعة الإنسان،
(أ) كما أنّ الاختلاف بين المذاهب الفقهية كان السبب الأول في نماء الثروة الفقهية ومرونة التشريع، وجعله تشريعاً مرناً متجدداً ومستمراً وصالحاً لكل زمن ومكان، ملبياً لجميع حاجات الإنسان مهما اختلفت الظروف والأزمان، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: (ما سرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة).
(ب) اختلاف الأئمة الفقهاء لم يكن سببه الهوى أو أي غرض من أعراض الدنيا الزائلة، بل كان هدفه الوصول إلى الحق، ابتغاء مرضاة الله.
(ت) أكثر الخلاف هو من قبيل خلاف التعدد والتنوع، وهذا لا خلاف على الحقيقة فيه إذ الكل جائز وصحيح، وأقله خلاف تضاد وهذا يكاد ينحصر في النصوص الظنية، وفي الدلالات الظنية، التي لا سبيل إلى جمع الناس جميعاً فيها على رأي واحد، والكل فيها مجتهد، وقد أخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (نَادَىَ فِينَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الأَحْزَابِ “لاَ يُصَلّيَنّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إلاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ” فَتَخَوّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَصَلّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لاَ نُصَلّي إلاّ حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَإنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ، قَالَ: فَمَا عَنّفَ وَاحِداً مِنَ الْفَرِيقَيْنِ) ([165]) .وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خَرَجَ رَجُلاَنِ في سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمّمَا صَعِيداً طِيّباً فَصَلّيَا ثُمّ وَجَدَا الْمَاءَ في الْوَقْتِ فأعَادَ أحَدُهُمَا الصّلاَةَ وَالْوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الاَخَرُ، ثُمّ أتَيَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فقال لِلّذِي لَمْ يعد: أصَبْتَ السّنّةَ وَأجْزَأتْكَ صَلاَتُكَ، وقال لِلّذِي تَوَضّأَ وَأعَادَ: لَكَ الأجْرُ مَرّتَيْنِ) ([166]) .
فإننا نلحظ إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لاختلاف الصحابة في مسألة واحدة، وهذا يدل على سعة هذه الشريعة ومرونتها، والتيسير فيها، ورفع الحرج عن المكلفين في تطبيقها.
[المفتاح السابع]: لا مناص من الاختلاف في الفقه: وأهم أسباب ذلك سببين: الأول: سبب طبيعي: ويعود إلى التفاوت والتباين إما في طبيعة التفكير، وإما في البيئة المحيطة، والأول: وهو التباين والتفاوت الذي فطر الله تعالى عليه البشر من حيث تفاوتهم في القدرة على الإدراك والاستيعاب، بما فضل الله به بعضهم على بعض من الفهم والعلم والحفظ وسَعة الاطلاع، والثاني وهو التفاوت في البيئة والمعيشة لما لهما من دورٌ في التأثير على اجتهاد المجتهد، وما يترتب عليه من الحكم الشرعي الصادر عن المجتهد والفقيه.
والسبب الثاني: العامل الشرعي: ويتناول أربعة أمور:
(الأول): الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته: فهناك ثبوت النص عند إمام وعدم ثبوته عند غيره، وذلك تبعاً للاختلاف في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم، أو تبعاً إلى شذوذٍ في المتن أو في السند بالنسبة إلى متن آخر أو سندٍ آخر، إلى غير ذلك مما يتصل بهذا السبب.
(والثاني): الاختلاف في فهم النص: الاختلاف الذي يعود إلى نوعية النص، ككونه مشتركاً لفظه بين معانٍ كثيرة، أو مجملاً لم يبين معناه، ولم يتضح المراد منه للمجتهد، أو جاء على سبيل الحقيقة، أو المجاز إلى غير ذلك مما يعرفه أهل اللغة والبيان، وسواء في ذلك الاختلاف الذي يعود إلى اختلاف القدرات والإمكانات في الفهم عند المجتهدين.
(والثالث): الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة: وعلى فرض الاتفاق بين العلماء على ثبوت النص وفهمه، يعترض أمر آخر وهو: سلامة هذا النص من معارض راجح في الظاهر من النصوص الأخرى، وهنا يحصل الاختلاف في طرق الجمع بين النصوص، أو ترجيح بعضها على بعض، ولا ننسى هنا ما للفهم من أثر كبير في هذه المرحلة، وهناك من ينظر إليها نظرة عدم التعارض فيعمد إلى الترجيح، وليس فهم أحدهم بحجة على فهم الآخر، ولا بملزم له أن يقول بقول غيره.
(والرابع): الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط: وهو الاختلاف في حجية المصدر الذي تستنبط منه الأحكام، فلكل إمام قواعد وشروط في قبول الحديث ورده، ولكل وجهته ومنهجه في الاستنباط، وهناك من ينظر إلى فعل الصحابي مثلاً أو فتواه، نظرته إلى النصوص الشرعية، فيعتبرها حجة قوية، وهناك من يخالفه في ذلك، هناك من يعتبر عمل أهل المدينة حجة شرعية، يقدمها على غيرها من النصوص، وهناك من ينظر إلى عمل الراوي بخلاف ما رواه، نظرة يخالفه فيه الآخرون، وهناك من يرى أن مقتضى النهي الفساد، ويخالفه في ذلك غيره، إلى غير ذلك مما هو مبسوط في محله من كتب الأصول ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن كثيراً ما نجد هذه الأسباب الأربعة للاختلاف متداخلة في بعض المسائل، لا ينفك سبب منها أحياناً عن الأسباب الأخرى، لأن مما يؤثر في فهم المجتهد واستنباطه منهجه وطريقته فيه، كما يؤثر فيه أيضاً ذلك المصدر الذي يعتمد عليه، ويستنبط منه، ولهذا ضاقت دائرة الاختلاف بين العلماء الذين تقاربت أصولهم ومناهجهم، واتسعت دائرته بين المجتهدين الآخرين، كما هو واضح في اجتهاد المجتهدين المطلقين، والمجتهدين المتقيدين بمذهب من المذاهب، وعلى هذا، فدعوى بعض الناس إلى توحيد المذاهب والآراء في مذهب واحد دعوى لا يلتفت إليها لمخالفتها الواقع المفروض الذي أشرت إليه، كما أن تهجم الآخرين على اختلاف العلماء في المسائل العلمية ناشئ عن ضيق النظر، وسوء الفهم، نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا، فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين [انظر لهذا التفصيل رسالة دراسات في الاختلافات العلمية للدكتور محمد أبو الفتح البيانوني، مقدمة الفصل الرابع].
[المفتاح الثامن]: الاختلاف الفقهي نوعان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد، واختلاف التنوع: (لا يمثل في حقيقته أي اختلاف) لأن منه ما يكون كل واحد من القولين صحيح شرعا، كما هو الحال في اختلاف القراءات، واختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه، ومن الاختلاف ما يكون كل من القولين هو في معنى قول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان، ومنه ما يكون المعنيان متغايرين، لكن لا يتنافيان، فهذا قول صحيح، وهذا قول صحيح وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان، فيجوز سلوك أحدهما أو الآخر كما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة، وأما اختلاف التضاد: فيكون فيه القولان متنافيين، وهذا الاختلاف هو اختلاف الرحمة والسعة، وللمجتهد المصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد، وهو خلاف بين راجح ومرجوح، وإن كان المصيب واحد، فلا بأس بتمحيص الصواب وينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، وعلى هذا الأمر اتفقت كلمة الفقهاء المقتدى بهم من كافة المذاهب الفقهية الإسلامية التي تنتمي إلى الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة، وابرزها مذاهب الأئمة الأربعة: (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)، فهذه الاختلافات الفقهية، قد مثلت سعةً ورحمةً وغنًى وثراءً في الاجتهاد، مجسدة بذلك التنوّعَ الطبيعيَّ في مناهج النظر الفقهي، والاستجابة المناسبة لتنوّع واقع الأمة ومصالحها عبر الزمان والمكان، وعلى ذلك فإن اختلاف هؤلاء في الفروع لا يعد بحال اختلافا مذموما، ومن كان في مثل علم هؤلاء – وهيهات – فله أن يجتهد مثلهم، ومن لم يصل إلى علمهم فليتتلمذ على فقههم، حتى يصل إلى فقههم، ومحاولة جمع المسلمين على رأي فرعي واحد، فهو مخطئ يضيع جهده ويصرف الأمة عن مهامها الثقيلة إلى ما هو دونه.
[المفتاح التاسع]: خصائص الخلاف في الفقه الإسلامي تمنع من تبديع المخالف: الخلاف في الفروع يختلف عن الخلاف في الأصول: فأمّا الخلاف الذي يتعلق بأصول الدين وأصول العقيدة فهو خلاف خطير لأنّه خلاف بين حق وباطل وبين هدى وضلال، وهو الخلاف الذي ينشأ عنه فرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار، وفي هذا الخلاف أشارت روايات حديث تفرق الامة، والتي منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([167]) .
وحديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([168]) .
وحديث معاوية ابن أبي سفيان – رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([169]) .
وحديث انس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) ([170]) .
وأما الخلاف في الفروق فإنّه خلاف بين صواب وخطأ، والمجتهد فيه له أجر سواء أصاب أم أخطأ، ولهذا تواترت أقوال الفقهاء بأنّه خلاف رحمة وسعة، فشتان بين خلاف الأصول الذي ينشأ عن الخطأ فيه الضلال واستحقاق النار، وبين خلاف الفروع الذي للمصيب وللمخطئ فيه اجر ما كان خالص النية مستوف لشروط الاجتهاد، وإذا كان هذا هو حال الاختلاف والتنوّع في المذاهب الفقهية، فلا يوجد أي داع لتبديع المخالف ولا تفسيقه، وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة المرحومة، وعلى اختلاف مذاهب الفقه: لا يوجد أدنى مشكلة بين هذه المذاهب المتأصلة العريقة، بل إنّها علامة على صلاحية الشريعة الربانية لكل زمان ولكل مكان ولجميع أجناس البشر الصعب منهم والسهل، وهي لا تزال تمثل مظهراً من مظاهر السعة والرحمة والغنى والثراء في ميدان الاجتهادات الفقهية، والأحكام الشرعية، إنّ كل ما نحتاجه في ميدان الفقه، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان.
[المفتاح العاشر]: مذاهب الفقهاء الأربعة هي المتخصصة في علم الفقه الإسلامي: إنّ لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ولا يجوز التهجم على علومهم دون الرجوع إليهم قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، والأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة يجمعون علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار، فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه، ويملأ طباق الأرض علما وفقها، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه، ويتخرج على هؤلاء أكابر الفقهاء، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة.
***
([3]) شرح النووي علي مسلم 9/110.
([4]) أخرجه الدارقطني 5/325 ح 4396 ، والحاكم 4/129 ح 7114 والبيهقي 19/617 ح 19757.
([5]) مسند البزار10/26. ح 4087. وقال البزار: إسناده صالح سنن الدار قطني 3/59 ح 2066. . وقال الحاكم: صحيح الإسناد المستدرك 2/406.
([6]) سنن ابن ماجة 4/459 ح 3367، سنن الترمذي 4/220 ح 1726.
([7]) صحيح البخاري 2/11 ح 924.
([8]) صحيح مسلم 3/1495 ح 1876.مسند أحمد 12/73 ح7158.
([9]) سنن ابي داود 2/615ح1499سنن الترمذي 5/562 صحيح ابن حبان 2/512ح 1785. المستدرك1/732.
([11]) مسند أحمد20/62 ح 12612، السنن الكبري للنسائي 7/148 ح 7671.
([12]) مسند أحمد 28/101 ح 22966.، صحيح ابن حبان 4/273 ح 2424. المستدرك 1/457 ح 1179.
([13]) سنن ابي داود 1/137 ح 191، سنن النسائي الكبري 1/148 ح188.
([14]) أنظر مفتاح الوصول الي بناء الفروع علي الاصول ص: 580.
([16]) مبحث حسن التفهم والدرك لمسألة الترك للشيخ عبد الله محمد الصديقي الغماري رحمه الله
([17]) البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع
([18]) البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع
([19]) الأذكار للنووي ص: 7، 8.
([21]) الجامع لأخلاق الرواي للخطيب البغدادي: 2: 91.
([22]) الكفاية في علم الرواية ص 135.
([23]) تبيين العجب بما ورد في فضل رجب ص 3.
([24]) القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ص 195.
([25]) الإصابة في تميز الصحابة 5: 512.
([28]) الكفاية في علم الرواية ص133.
([29]) شرح (التبصرة والتذكرة = ألفية العراقي) 1/325.
([30]) الكفاية في علم الرواية ص 134.
([31]) جامع بيان العلم وفضله 1/103.
([32]) المجموع شرح المهذب 4/490.
([38]) مواهب الجليل للحطاب ١: ١٧، وشرح الخرشي على خليل ١: ٢٣.
([39]) الأجوبة الفاضلة للكنوي ص ٣٦.
([40]) الفتح المبين شرح الاربعين لابن حجر ص 107.
([41]) الفتاوي الفقهية الكبري لابن حجر 2/54.
([42]) تطهير الجنان لابن حجر أيضا ص ٣.
([44]) حاشية ابن عابدين ١: ١٢٨.
([45]) بريقة محمودية للخادمي ١: ١١٥.
([46]) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤: ٧٧١.
([48]) مجموع الفتاوى: 20: 261.
([49]) الآداب الشرعية لابن مفلح : 2: 303
([50]) شرح الكوكب المنير: 2/569.
([51]) الكفاية في علم الرواية ص 135، وطبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي: 1: 95.
([52]) الجامع لأخلاق الرواي للخطيب البغدادي: 2: 91.
([53]) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: 1/175.
([54]) مجموع الفتاوى ٢٠: ٢٦١ .
([56]) صحيح الجامع الصغير وزيادته (1: 49)
([57]) سنن الترمذي 5/47 ح 2680.
([58]) شرح النووي علي مسلم 2/24 (بتصرف)
([60]) سير أعلام النبلاء 14: 40.
([64]) سنن الترمذي 5/90 ح 2755.
([65]) الآداب الشرعية لابن مفلح 1/407.
([67]) السنن الكبري للبيهقي 9/107 ح 18017.
([68]) سنن ابي داود 7/458 ح 5146.
([69]) سنن الترمذي 7/506 ح 5218، سنن النسائي 7/393 ح 8311.
([70]) سنن الترمذي 5/76 ح 2732.
([71]) صحيح البخاري 6/3 ح 4418.
([74]) المغني لابن قدامة 1/117.
([75]) غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب 1/433.
([76]) شرح مسلم للنووي 3/148، المجموع 1/290.
([77]) احياء علوم الدين 1/143.
([80]) شرح النووي علي مسلم 3/151.
([81]) سنن الترمذي 5/93 ح 271.
([83]) مسندأحمد 14/385 ح 8778.
([84]) سنن الترمذي 5/93 ح 2760.
([85]) سنن البيهقي 1/243 ح 698.
([87]) احياء علوم الدين 1/140.
([88]) سنن الترمذي 4/238 ح1765.
([89]) الجامع الصغير وزيادته ص 10094.
([90]) صحيح البخاري 5/6 ح 3665، صحيح مسلم 3/1651 ح 2085.
([92]) صحيح البخاري 7/141 ح 5788.صحيح مسلم 3/1653 ح 2087.
([93]) صحيح البخاري 7/141 ح5787.
([95]) سنن ابي داود 6/192 ح 4094. سنن النسائي 8/440 ح 9637.
([96]) سنن ابي داود 6/182 ح 4084.
([97]) مسند أحمد 14/225 ح 8550 سنن ابي داود 1/480، المغني لابن قدامة 2/298.
([98]) سنن ابي داود 1/481 ح 644.
([102]) صحيح البخاري 2/130 ح 1503. صحيح مسلم 2/677 ح 984.
([105]) الشرح الصغير للدردير 1/672.
([107]) المغني لابن قدامة 4/290: 291.
([109]) اللمع في تجلية البدع ص 53 إلى 78 باختصار يسير]
([110]) المراسيل لابي داودص 78 ح 15.
([112]) معرفة السنن والاثار للبيهقي 4/314.
([113]) الأوسط في السنن والإجماع 4/116.
([114]) صحيح مسلم 4/2074ح 2699.
([115]) صحيح مسلم 1/545 ح 791. مسند أحمد 32/316 ح 19546.
([116]) (الحديثان سبق تخريهما) وانظر قول الشوكاني في نيل الأوطار 4/446.
([117]) صحيح ابن حبان 1/402 ح 554.
([118]) سنن ابي داود 1/392 ح 521.
([119]) سنن الترمذي 5/184 ح 2926 ، مسندالدارمي 2/1066 ح 3456.
([120]) صحيح مسلم 1/306 ح 408.
([121]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2278، مسند أحمد 17/10 ح 10978.
([122]) صحيح البخاري 1/137 ح 684، موطأ مالك 1/163 ح 61.
([123]) صحيح البخاري 3/184 ح 2698.
([124]) شعب الايمان للبيهقي 2/195.
([127]) حاشية العدوي علي الخرشي 2/137.
([128]) حاشية الصاوي علي الشرح الصغير4/793.
([129]) تهذيب الفروق لابن الحسين
([131]) فتح الباري لابن حجر 1/40: 41. اتقان الصنعة في تحقيق معني البدعة.
([133]) أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد 1/201:202.
([134]) صحيح البخاري 7/2 ح 5063،
([135]) صحيح البخاري 6/135 ح 4837، صحيح مسلم 4/2172 ح 2820
([136]) صحيح البخاري 3/40 ح 1976، صحيح مسلم 2/812 ح 1159.
([137]) صحيح مسلم 4/2055 ح 2670.
([138]) مسند أحمد 3/350 ح 1850،سنن النسائي 4/178 ح 4049.
([139]) صحيح البخاري 1/16 ح 39.
([140]) المرجع السابق 8/30 ح 6126.
([141]) المرجع السابق 9/127 ح 7432.، صحيح مسلم 2/741 ح 1064.
([142]) صحيح البخاري 4/200 ح 3610.
([143]) مسند البزار10/26. ح 4087. وقال البزار: إسناده صالح سنن الدار قطني 3/59 ح 2066. . وقال الحاكم: صحيح الإسناد المستدرك 2/406.
([144]) أخرجه الدارقطني 5/325 ح 4396 ، والحاكم 4/129 ح 7114 والبيهقي 19/617 ح 19757.
([146]) جامع العلوم والحكم 1/183.
([147]) حلية الأولياء 9 / 113.
([149]) اقتضاء الصراط المستقيم 2/86.
([150]) فتاوي الشيخ شلتوت ص 162.
([151]) اللمع في تجلية البدع ص 42 إلى 44 باختصار يسير.
([152]) سنن الترمذي 5/25 ح 2640. مسند أحمد 14/124 ح 8396.
([153]) المرجع السابق 5/26 ح 2641.
([154]) سنن ابي داود 7/16 ح 4607، صحيح ابن حبان 4/114 ح 3144.
([157]) صحيح مسلم 3/1479 ح 1852.
([158]) صحيح البخاري 8/39 ح 6166.
([159]) مسند أحمد 34/543 ح 21064.
([160]) سنن الدارمي: 1/90. ح 97.
([161]) صحيح البخاري 4/200 ح 3610.
([162]) صحيح البخاري 5/163 ح 4351.
([163]) صحيح مسلم 2/750 ح 1086.
([164]) شرح النووي على صحيح مسلم،2/ 23.
([165]) صحيح البخاري 2/15 ح 946، صحيح مسلم 3/1391 ح 1770.واللفظ له.
([166]) سنن ابي داود1/253 ح 337 ، المستدرك للحاكم 1/286ح 632.
([168]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641.
([169]) أخرجه أبو داود كتاب السنة 7/5 وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة ح (204) 1/358، وفي صحيح سنن أبي داود 3 / 869، وفي صحيح الجامع الصغير 1/516 ح 2641]،
([170]) مسند أحمد 28/135، وابن ماجه في السنن 5/130 ، وذكره الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/364 وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة وقال: لحديث أنس طرق كثيرة،، وسنده حسن في الشواهد سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/359].