الفصل الثاني القرآن الكريم هو الحكم الفصل بين الفرق الإسلامية جميعها
ويشتمل على تلك المباحث الآتية:
المبحث الاول: علوم الدين الأصلية هي الكتاب والسنّة.
المبحث الثاني: القرآن هو الحكم الفصل بين فرق الإسلام .
المبحث الثالث: وجوب رد متشابهات القرآن إلى محكماته.
المبحث الاول علوم الدين الأصلية هي الكتاب والسنّة
[المفتاح الأول]: علوم الدين الأصلية هي الكتاب والسنّة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، دلت الآية الكريمة على طاعة الله وطاعة الرسول، وجعلت طاعة أولي الأمر من طاعة الرسول، وأمرت بالرد عند الخلاف إلى الكتاب والسنّة، {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، كما أنّ قوله تعالى {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3،4]، فيه دليل على أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من السنة الشريفة إنما هو وحي من عند الله تعالى، وما كان من عند الله واجب الاتباع، لأن الله هو المشرع فلذلك كانت السنة الشريفة واجبة الاتباع، ومصدر مستقل أصلي من مصادر التشريع الإسلامي وأدلته، وقد ثبتت حجيتها بالقرآن والسنة والإجماع، فمنكرها على وجه الإجمال كافر منكر للمعلوم من دين الله بالضورة، وعلى ذلك فمصادر الدين الاصلية التي يرجع إليها المسلمون عند التنازع هما (1) الكتاب، (2) والسنّة.
[المفتاح الثاني]: المصدر الأول لدين الإسلام: كتاب الله تعالى:
(أ) القرآن الكريم هو كلام الله تعالى المنزل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باللفظ العربي المعجز، والمنقول إلينا متوترا بلا أدنى شبهة، والمحفوظ في المصاحف، والمتعبد بتلاوته، والمبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس، وقد ذكر الفقهاء أهم شروط القراءة الصحيحة للقرآن أن تكون متواترة، وأن تكون موافقة لرسم المصحف العثماني الذي كتب في زمن عثمان رضي الله عنه، وأن تكون موافقة للغة العربية ولو بوجه من الوجوه فإن القرآن نزل على سبعة أحرف نظرا لتعدد لغات العرب ولهجاتهم، ولذلك فما استوفى هذه الشروط من القراءات كان قرآناً من عند الله تعالى يمثل أمر الله تعالى ونهيه، وكان هو الحجة الأساس، والمصدر الأول من مصادر الدين الإسلامي.
(ب) القرآن الكريم كلام الله تعالى: والدليل على ذلك أنّه معجزة لا تضاهيها معجزة، وللمعجزة عند العلماء ثلاثة شروط هي: التحدي ووجود المقتضي وانتفاء المانع، و (التحـدي ): بأن يكون الأمر الخارق للعادة مصحوبا بالتحدي للخصم أن يأتي بمثله، وإلا لم يكن معجزة، وقد تحقق التحدي، في آيات عديدة من آيات القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23]، وأي تحد أشد من هذا التحدي، أمّا (وجود المقتضى) فيتمثل في أن يكون أمام الخصم دافع لمضاهاتها والإتيان بمثلها، فلو كان الخصم غافلا عنها غير مجتهد في الإتيان بمثلها لم تكن معجزة في حقه، لأن العجز لا يظهر إلا عند التصدي أو مكان التصدي للمضاهاة، وهذا متأكد أيضاً يدل عليه رغبة المشركين الأكيدة في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإظهار عجزه، لما جاء به من نقض لمبادئهم وعقائدهم الفاسدة.
وها هو قول المشرك أمية بن خلف عندما أرسلوه ليفاوض النبي صلى الله عليه وسلم على ترك الدعوة التي يدعوا إليها حيث قال يصف القرآن الكريم: (إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر)، وأمية هو من أبلغ العرب فصاحة ومعرفة باللغة العربية، وأساليبها، والأمر الثالث (انتفاء المانع) وذلك بأن لا يكون أمام الخصم أي مانع من مضاهاتها إلا عجزه المطلق، فلو كان الخصم لم يسمع بها أو لم يفهمها، فإنها لا تعتبر معجزة في حقه، لأن عجزه لا يثبت هنا مع قيام المانــع، وقد تحقق للقرآن الكريم هذا الشرط، بدليل أنّه نزل بلغتهم، وهم العرب الأقحاح مضرب المثل في البلاغة والفصاحة، فلما عجزوا عن مضاهاته، دل ذلك على عجزهم، وإما تقييدهم لإعجاز بسورة منه، فلأن الحرف أو الكلمة أو ما دون السورة ليس بمعجز، والمقصود بالسورة أقصر سورة منه، وذلك لأن التحدي كان بذلك، فإن الله تعالى تحداهم أولا بأن يأتوا بمثله كله، ثم تحداهم بعشر سور منه، ثم تحداهم بسورة واحدة منه، وأما ما دون السورة فلا تحدي فيه، وإذا كان القرآن الكريم معجزا للبشر كان معنى ذلك أنه من عند الله تعالى، وانه الحجة الأساس، والمعجزة الكبرى الباقية والمصدر الأول لدين الإسلام، قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}.
(ت) القرآن الكريم هو أصل العلم الشرعي: فقد وضع أسس الشريعة وأوضح معالمها في العقائد والعبادات والمعاملات والحقوق والواجبات إجمالا، غير أنه تناول بيان الأحكام بالنص الإجمالي ولم يتصد للجزئيات وتفصيل الكيفيات إلا قليلا، وأحال في ذلك إلى السنّة النبوية الشريفة، فقد ورد فيه الأمر مثلا بالصلاة والزكاة والصيام والحج مجملا، ولم يفصل فيه كيفية هذه العبادات ولا مقاديرها، بل فصلتها السنة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله، وكذلك وضع القرآن الكريم الأسس والأصول على وجه الإجمال، وتكفلت السنة أيضا ببيان التفصيلات.
(ث) القرآن الكريم هو المصدر الأول والأساس من مصادر التشريع: أجمع أهل العلم من المسلمين على أن القرآن الكريم هو المصدر الأول والأساس من مصادر التشريع، وأن أحكامه واجبة الاتباع، وكله متواتر في مرتبة واحدة هي مرتبة القطع واليقين، ولكن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية وقد تكون ظنية، تكون قطعية إذا كان اللفظ الوارد فيه يدل على معنى واحد ولا يحتمل غيره، وتكون ظنية إذا كان لفظه يحتمل الدلالة على أكثر من معنى.
[المفتاح الثالث]: المصدر الثاني لدين الإسلام: سنّة النبي صلى الله عليه وسلم:
(1) السنة المشرفة في الاصطلاح: هي كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير القرآن الكريم من قول أو فعل أو تقرير، فالسنة القولية: هي كل ما نقل لنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله الشريفة، والسنة الفعلية: هي كل ما رواه الصحابة رضي الله عنهم عن أفعاله صلى الله عليه وسلم، والسنة التقريرية: هي أن يقال قول أو يفعل فعل أمام النبي صلى الله عليه وسلم أو أمام غيره فيراه أو يسمع به، فيقره بالقول أو السكوت عنه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مشرِع لا يجوز سكوته على خطأ، ولذلك يعتبر سكوته عن هذا الفعل أو القول إقرارا بمشروعيته، والسنة المشرفة هي المتممة لكتاب الله تعالى: فقد أحال القرآن الكريم إحالة عامة على السنة النبوية في أكثر تفصيلات العلم بقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، ومن ثم كانت السنة متممة الكتاب، وشارحة لنصوصه، ومفصلة لمجمله.
(2) مراتب السنة الشريفة من حيث ثبوتها: القرآن الكريم كله متواتر بجملته وتفصيله، ولذلك لا محل لتفصيل مراتبه من حيث الثبوت، فإنه في مرتبة واحدة هي مرتبة القطع واليقين، إذ هو حكم التواتر، أما السنة الشريفة، فهي متواترة بمجموعها، بمعنى أنه تواتر لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم صدرت عنه سنة هي أقوال وأفعال وتقريرات، ولكن مفردات السنة الشريفة وتفصيلاتها ليست كلها متواترة، بل فيها المتواتر، وفيها ما هو دون ذلك، ولذلك قسمها الأصوليون إلى أقسام ومراتب تبعاً لطريق ثبوتها ودرجته.
وقد ذهب جمهور الأصوليين إلى أنها من حيث ثبوتها على مرتبتين: السنة المتواترة، والسنة الأحادية، وذهب الحنفية إلى أنها على ثلاث مراتب، هي: السنة المتواترة، والسنة الأحادية، والسنة المشهورة، وهي مرتبة ثالثة وسط بين التواتر والآحاد، (السنّة المتواترة ): هي السنّة التي وردت إلينا مستوفية شروط التواتر، رواها قوم عن قوم يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، والسنة المتواترة قليلة بشكل إجمالي، وهي في أفعاله أكثر منها في أقواله صلى الله عليه وسلم، و (السنّة الأحادية ): هي ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد أو أكثر لم يبلغوا حد التواتر في كل القرون، والقسم الثالث – وهو عند الحنفية – هو (السنّة المشهورة ): وهي: ما لم يبلغ حد التواتر، وهو فوق الحديث الآحادي من حيث الثبوت، أما الجمهور فإنهم يدخلونه في حديث الآحاد.
(3) مراتب العلم المستفاد من السنة الشريفة: يحدد جمهور الفقهاء والأصوليون للعلم مراتب أربعة هي: القطع أو اليقين، والظن، والشك، والوهم، (فالقطع أو اليقين ): ما كان العلم فيه جازماً لا احتمال معه للنقيض مطلقاً، و (الظن ): ما كان جانب الإيجاب فيه راجحا على جانب السلب، أي إن احتماله للنقيض مرجوح لا راجح، و (الشك ): ما تساوى فيه جانب الإيجاب مع جانب السلب، أي تساوى فيه احتمال الشيء ونقيضه، و (الوهم ): ما كان جانب السلب فيه راجحاً على جانب الإيجاب، وكان احتمال النقيض فيه غالباً، وهم متفقون على أن الأحكام الشرعية لا تثبت إلا بطريق القطع أو الظن، فقط، أما الشك والوهم فلا يجوز أن تدار الأحكام عليهما بحال.
وقد قسّم جمهور الفقهاء والأصوليين السنة الصحيحة بحسب طرق ثبوتها إلى مرتبتين وهما: التواتر والآحاد، وقالوا: الحديث المتواتر يفيد القطع أي العلم اليقيني، أما السنة الأحادية فإنها تفيد الظن، لاحتمال أن تكون قد رويت بالمعنى وليس باللفظ، ولاحتمال الوهم والسهو عند راويها، وكل من له خبرة بالحديث النبوي الشريف يعلم ذلك.
(4) الكتاب والسنّة هما المصدران المستقلان للتشريع الإسلامي: وذلك لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، فالآية دلت على طاعة الله وطاعة الرسول، وأمرت بالرد عند الخلاف إلى الكتاب والسنّة، {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، كما أنّ قوله تعالى {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3،4]، فيه دليل على أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من السنة الشريفة إنما هو وحي من عند الله تعالى، وما كان من عند الله تعالى فهو واجب الاتباع، وقد ثبتت حجيتها بالقرآن والسنة والإجماع.
(5) الأدلة من القرآن الكريم على حجية السنة: الأدلة على حجية السنة من القرآن الكريم كثيرة جدا، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]، وقوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]، وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]، وقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، وقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
(6) الأدلة من السنة على حجية السنّة: الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، بل هو وحي يوحى، قال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 1 إلى 4]، فــ (السنة) النبوية الصحيحة وحي من الله تعالى، فالقرآن هو الوحي المتلو المتعبد بتلاوته، والسنة الصحيحة هي من الوحي غير المتلو، ولكننا مكلفون باتباع ما ورد فيها، فالسنة مفسرة وموضحة للقرآن، ومخصصة ومقيدة لبعض ما فيه، فليس لأحد أن يزعم الاكتفاء بالقرآن عن السنة المطهرة، أخرج مالك في الموطأ قوله صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم أمرين ما إن اعتصمتم بهما فلن تضلوا أبدا، كتاب الله وسنة نبيه) ([1]) .
وأخرج أبو داود والترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألَا هلْ عسى رجلٌ يبلغُه الحديثُ عنِّي وهوَ مُتَّكئٌ على أريكتِهِ، فيقولُ: بيْنَنا وبينَكم كتابُ اللهِ، فما وجَدْنا فيهِ حلالًا استَحْلَلْناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرَّمْناه، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ كمَّا حرَّمَ اللهُ) ([2]) .
وفي هذا الحديث يحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من أهمال السنّة أو انكارها والعياذ بالله، ويخبرنا صلى الله عليه وسلم عن أُناس اخذهم الكبر والجهل والاعجاب بالرأي يقولون: (بيْنَنا وبينَكم كتابُ اللهِ، فما وجَدْنا فيهِ حلالًا استَحْلَلْناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرَّمْناه) فكل شيء حرمه رسول الله أو نهى عنه في سنته هو كما حرم الله عز وجل في كتابه، واخرج الترمذي وأبو داود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُمْ متكئًا على أريكتِهِ يأتيهِ أمرٌ مما أمرتُ بهِ أو نهيتُ عنهُ فيقولُ: لا أدرِي ما وجدنَا في كتابِ اللهِ اتبعناهُ) ([3]) .
(7) اجماع علماء أمة النبي صلى الله عليه وسلم على أنّ السنّة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع: قد اجمع علماء المسلمين على أنّ سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي الأصل الثاني من أصول التشريع بعد القرآن، وأنها حجة في إثبات الأحكام تبعا للقرآن، واستقلالا في بعض الأحكام، وقد ثبت بالتواتر أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يلتزمون سنته صلى الله عليه وسلم وقضاءه في حياته، ولا يخالفونه في شيء منها، وكانوا لا يطلبون منه دليلاً غير قوله وفتواه، والتزامهم بهذا المبدأ بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، فإنهم كانوا إذا لم يجدوا في القرآن الكريم بغيتهم لجأوا إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم يبحثون ويتساءلون فيما بينهم هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحادثة شيء؟ هل قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الأمر بشيء؟ فإن وجدوا قضوا بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يجدوا أعملوا عقولهم وقاسوا هذا الأمر على الأمور الأخرى المنصوص عليها في القرآن الكريم أو السنة الشريفة وقد عُلم ذلك منهم دون معارضة أو منازعة ممن له رأي معتبر، فكان ذلك إجماعاً من أعظم الاجماع.
(8) أحوال السنّة مع القرآن الكريم: للسنة النبوية مع القرآن ثلاثة أحوال: (الأول): أن تكون موافقة للقرآن ومؤكدة لما ثبت فيه من أحكام، أو مفرعة على أصل تقرر فيه. ومثال ذلك جميع الأحاديث التي تدل على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك، وكذلك ما جاء في السنة من النهي عن عقوق الوالدين، وشهادة الزور، وقتل النفس بغير حق ونحو ذلك، و (الثاني): أن تكون مبينة ومفصلة لمجمل القرآن، ومن ذلك السنة التي بينت مقادير الزكاة، ومقدار المال المسروق الذي تقطع فيه يد السارق.، و (الثالث): أن تأتي بأحكام جديدة لم يذكرها القرآن الكريم، وليست بياناً له، ولا تأكيداً لما ثبت فيه من أحكام. مثل تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عمتها، أو على خالتها.
(9) مرتبة السنة الشريفة من الكتاب الكريم في الحجيَّة: السنة الشريفة من حيث مصدريتها للأحكام الشرعية تعد في مرتبة القرآن الكريم تماما، (وذلك من الناحية النظرية)، إذ هي دليل قاطع على حكم الله تعالى سبحانه ما دامت صحيحة بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم من الأدلة، فلا فرق والحال هذه بين حكم الله تعالى الذي ورد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه ومعناه (القرآن الكريم) وبين حكم الله الذي ورد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه دون لفظه (السنة الشريفة)، ما دام مصدر الحكم في الحالتين هو الله تعالى، وهذا إذا تساوت السنة الشريفة بالقرآن الكريم من حيث الثبوت، بأن كانت السنة الشريفة متواترة، إذ القرآن الكريم متواتر كله جملة وتفصيلاً، أما السنة الشريفة الآحادية، فهي في مرتبة دون القرآن الكريم بالإجماع، وذلك لأنها دون مرتبته في الثبوت، فهو متواتر قطعي وهي آحادية ظنية، هذا من حيث مصدرية السنة الشريفة للأحكام.
(10) السنّة من الناحية التطبيقية هي المرتبة الثانية بعد القرآن: السنّة المشرفة – عند الحاجة إلى معرفة الأحكام الشرعية – تأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم، ذلك لأسباب عدة أهمها: (الأول) القرآن الكريم قطعي الثبوت كله بالإجماع، أما السنة الشريفة فهي آحادية ظنية الثبوت في معظمها، إذا المتواتر منها قليل، وحتى في هذا القليل تختلف أنظار الفقهاء، حتى يكاد لا يخلو حديث متواتر واحد من الاختلاف في تواتره بين الفقهاء، وما كان قطعي الثبوت بالإجماع لاشك أولى بالتقديم في الرجوع إليه من المختلف على قطعيته، و (الثاني) السنة الشريفة مبينة للكتاب وشارحة لنصوصه، فهو على ذلك أصل بالنسبة لها، وهي له تبع، وطبيعي أن يُحتاج إلى الأصل قبل التبع،، و (الثالث) ما جاء في حديث معاذ بن جبل حينما أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقد قدم القرآن الكريم على السنة الشريفة وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ذلك دليلا على تقديم القرآن الكريم عليها، ولكن ينبغي أن ينحصر هذا التقديم في الحاجة إليها فقط، ولا يتعداه إلى مصدريتها، لأنها في ذلك في مرتبة تساوي القرآن الكريم كما تقدم، و (الرابع) القرآن الكريم محصور في نصوص محدودة يسهل الرجوع إليها واستقصاؤها، أما السنة الشريفة فغير محصورة، بل هي واسعة جدا، يستحيل الاحاطة بكافة نصوصها، فكان في تأخير الرجوع إليها بعد القرآن الكريم وجها مقبولا.
[المفتاح الرابع]: الجدال بين الفرق الإسلامية لإثبات الحق لا يتيسر إلا بالقرآن: لأسباب عده أهمها الاختلاف في توثيق الرواة، فــ (البخاري) ثقة عند أهل السنّة ولكنه ليس كذلك عند الشيعة والمعتزلة والاباضية، و(الكليني) ثقة عند الشيعة الإمامية ولكنه ليس كذلك عند عامة الفرق الإسلامية، ولذلك فإن الحوار المثمر وإقامة الحجة لا يصلح إلا بالقرآن، لأنه لا يختلف على القرآن مسلمان، لا من حيث الثبوت ولا من حيث الدلالة ولا من حيث الحجية، لذلك لا يُجدي النقاش مع الفرق الإسلامية إلا بالقرآن، وليس معنى ذلك اقصاء السنّة -معاذ الله- فهذا غير وارد ولكنه لزوم الحوار، كما أنّ حوارنا على سبيل المثال مع الملاحدة لا يصلح بالقرآن لأنهم لا يؤمنون به، فلذلك يقتصر الحوار معهم على الأدلة العقلية، وليس معنى ذلك اقصاء القرآن، فهو حياتنا ونور ابصارنا، ولكن لزوم الجدال لإقامة الحجة لن يصلح مع الفرق سوى القرآن وهو كاف ولا شك لا قامة الحجة لاعتبارات عديدة أهمها: لن نحتاج لإظهار الحق سوى القرآن، ومحكم القرآن الكريم استوعب كل الاصول وهو المرجع الوحيد لكل العقائد الكلية التي يقوم عليه المذهب الحق من مذاهب المسلمين، وكل أصول الباطل فلا يُوجد عليها أي دليل قاطع من محكم القرآن، ولكن هي في غالبها أصول قائمة على متشابهات القرآن، فلذلك لا يُجدي الحوار مع الفرق الإسلامية إلا بالقرآن الكريم.
***
المبحث الثاني القرآن هو الحكم الفصل في الحكم بين الفرق
[المفتاح الأول]: القرآن الكريم مصدر هداية للمتقين، ومصدر شقاء للكافرين والمنافقين والذين في قلوبهم مرض والظالمين والفاسقين نسأل الله السلامة، فليس كل من يستدل بالقرآن يكون محقا، إذ كل الفرق الإسلامية لها استدلالات من القرآن، يستدلون بالمتشابه ويدعون المحكم، والعجيب حقا أنه ما من فرقة من تلك الفرق الا ولها حجة من الكتاب الكريم، وما من طائفة الا وفيها علماء ورؤساء صنفوا لهم في عقائدهم مصنفات يستدلون لها بآيات من القرآن الكريم، وكل منهم يؤول دليل صاحبه على حسب عقيدته ووفق مذهبه وما منهم من احد الا ويعتقد انه هو المحق السعيد وان مخالفه في ضلال بعيد مصداقا لقوله تعالى في الكتاب العزيز: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 52، 53]، وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31، 32].
فالمحق من استدل بالمحكم، ورد المتشابه إلى المحكم، والمبطل من استدل على مذهبه بالمتشابه ورد المحكم إلى المتشابه فانعكست حالته، وبدلا من ان يدعو إلى هدى ورشاد صار يدعو إلى بدعة وضلال، وقد ظهرت تلك الحقيقة واضحة جلية في القرآن الكريم، (ففي جانب الهداية): قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2]، وقال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة 185]، وقال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [المائدة: 174، 175]، وقال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، و(في جانب الضلال): قال تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26]، وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82]، وقال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44].
[المفتاح الثاني]: هداية القرآن الكريم نوعان: هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والسداد: (هداية الدلالة والإرشاد) جاءت في مثل قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، أي طريق الخير وطريق الشر، فمن يختار طريق الخبر، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]، والذين استحبوا العمى على الهدى، قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17]، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة: 115]، فالهداية هاهنا هي هداية الدلالة والإرشاد، واما الهداية الثانية، فهي: هداية التوفيق والسداد، وهي من الله وحده، له الفضل والمنة والثناء الحسن، ومنها قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56]، فلا يملكها إلا الله، ولهذا نعلم فضل الفاتحة على سور القرآن جميعا لاشتمالها على هذا الدعاء: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6، 7]، و (القرآن الكريم): كتاب هداية للعالمين، ويحتوي القرآن الكريم على النوعين من الهداية، هداية إرشاد إلى الحق، وهداية توفيق لاتباع الحق، فالذين تصلهم رسالة القرآن وقلوبهم سليمة يعرفون الحق و يؤمنون به يرزقهم الله هداية التوفيق لاتباع الحق، والذين تصلهم رسالة القرآن وفي قلوبهم مرض، يحرفون معاني القرآن اتباعا لأهوائهم يحرمهم الله من هداية التوفيق، ويزيدهم مرضا إلى مرضهم ويزيدهم ضلالا إلى ضلالهم، نسأل الله الهداية والرشاد.
[المفتاح الثالث]: مفتاح الهداية في القرآن الكريم هو في اتباع المحكم وتجنب المتشابه:
(1) القرآن الكريم يحوي المحكم والمتشابه، وقد حذرنا القرآن الكريم من تتبع المتشابه، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) ([4]) .
(2) ماهي دائرة المتشابه: وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم، وعلى ذلك فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم. والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج أهل الحق ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف والفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل الحق في ذلك هي التوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به أهل الحق فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
[المفتاح الرابع]: كيف نعرف المحكم من المتشابه: المحكم: جاء في مقابل المتشابه، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (آل عمران:7)، فالمحكم هنا هو اليقيني وهو كل ما كان معلوم المعنى قطعاً بلا ظن أو احتمال، في مقابل المتشابه الذي هو الظني والمحتمل، والآية الكريمة جعلت المحكم أصلاً ومرجعاً (هن ام الكتاب) يرد إليه ما تشابه من الآيات فلو كان المحكم يحتاج إلى غيره يوضح معناه ويحدد المراد به لما صلح أن يكون أصلاً ومرجعاً بل يكون ذلك الغير هو الأصل وليس المحكم وهو نقيض مراد الآية أيضاً، قال ابن كثير في تفسير الآية: (يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكّم محكمه على متشابهه فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: {هن أم الكتاب} أي أصله الذي يرجع اليه عند الاشتباه {وأخر متشابهات} أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وتحتمل شيئاً أخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد) ([5]) .
وقال القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن) عند تفسير الآية: (المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه من قوله: {إن البقر تشابه علينا} أي التبس علينا، أي يحتمل أنواعاً كثيرة من البقر، والمراد بالمحكم في مقابلة هذا، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل الا وجهاً واحداً، وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوهاً ثم إذا رُدت الوجوه إلى وجه واحد وأُبطل الباقي صار متشابهه محكماً، فالمحكم أبداً أصل ترد اليه الفروع والمتشابه هو الفرع… المحكمات هي التي فيها حجة الرب، وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس فيها تصريف ولا تحريف عما وضعت له والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد قاله مجاهد وابن إسحاق، قال ابن عطية: هذا أحسن الأقوال في الآية، ونقل عن النحاس قوله: أحسن ما قيل في المحكمات والمتشابهات: إن المحكمات ما كان قائماً بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره نحو {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، {وإني لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ}، والمتشابهات نحو: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} يرجع فيه إلى قوله جل وعلا: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ}، وإلى قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}، قلت (أي القرطبي): إن المحكم اسم مفعول من: أحكم، والإحكام: الاتقان، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والاشكال) ([6]) .
والخلاصة: أنّ الله تعالى أنزل الكتاب منه آيات واضحات لا لبس فيها، هذه هي الأصول التي ينبغي أن نرجع إليها، (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ): غير واضحة المعنى يؤول اعتقادها إلى الزيغ والضلالة، (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ): ابتداع وميل عن الحق (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ): يعكسون الأمر فيتركون المحكم، ويتبعون المتشابه (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ): صد الناس عن دينهم وفتنتهم عن عقائدهم تلبيساً بالباطل واحتجاجاً بالمتشابه (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه): حمله على البدعة والضلالة، (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ): معناه المراد قطعاً إذا عزل عن المحكم (إِلاَّ اللَّهُ): فيرد علم حقيقته إلى الله، ولا مانع من رده إلى الآيات المحكمات، لتوضيح ما أشكل من معناه، فتزول الفتنة وتنتفي البدعة.
[المفتاح الخامس]: جميع عقائد الإسلام الرئيسة وأصوله الكبرى بُنيت على المحكم: الإسلام كله دين اليقين، وأساسه اليقين: واليقين هو الاعتقاد الجازم الذي لا يتطرق اليه الشك بحال، وكل عقائد الدين واصوله وكلياته تأسست على اليقين الجازم الذي لا يقبل الشك، ولهذا كان باب الإسلام الأوحد مبني على الشهادة، (أشهد أنّ لا إله إلا الله) ): فـــ (أشهد) جاءت في اللغة على ثلاث معان استعملها القرآن الكريم: الأول: من المشاهدة والنظر، والثاني: من الشهادة باللسان والثالث من الحلف فالإنسان يحلف إذا شهد ويشهد إذا شاهد ولذلك فالشهادة تعني الرؤية بالبصر والبصيرة وجزم العقل والقلب على الأمر مع الشهادة على هذا باللسان بيقين دون شك أو تردد، وعلى ذلك، فقولنا في بداية الشهادة (أشهد) أي أقر وأعترف وأجزم وأرى وأُوقن دون شك أو تردد، أشهد باللسان وأعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنّه (لا إله إلا الله)، وانّ (محمدا رسول الله)، فــ (الأصول) لا تنبني على ظنيات الأدلة أبدا، لأن ما ينبني على الطن فهو ظن، وقد قال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28]، ولذلك قال علماء الأصول -وهم محقون كل الحق في ذلك-: (الدليل إذا تطرق اليه الاحتمال بطل به الاستدلال)، فــ (أصول) الدين وكلياته لا تنبني إلا على اليقين، وكل دليل ظني فلا يُستمد منه أصل من أصول العقيدة أبدا.
[المفتاح السادس]: أصول الدين وأساسياته التي يقوم عليها المذهب الصحيح لابد وان تكون محكمة قطعية يقينية، أدلتها قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، فإن لم تكن كذلك فلا يصح أن يقوم عليها مذهب عقائدي من مذاهب المسلمين، ولهذا كانت عامة الفرق التي ضلت طريق النجاة قائمة على أدلة ظنية وهذه كما قال أهل العلم بالأصول: (الدليل إذا تطرق اليه الاحتمال بطل به الاستدلال)، فلا يقوم المذهب على ادلة ظنية ابدا، ولا يصلح الدليل الظني أن يكون قائدا إلى مذهب او منهج، لأنّه لو قبل المنهج أن يقوم على دليل ظني، لقبل الدين كله ان يقوم على ادلة ظنية، وهذا مُحال، قال تعالى- في بيان هداية القرآن-: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، وقال تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة: 2، 3]، وقال تعالى- في بيان الإيمان باليوم الآخر: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، وقال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87]، وقال تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7]، فــ (أصول الدين) لا تقوم إلا على القطعيات اليقينية ثبوتا ودلالة، والأدلة الظنية لا تصلح إلا في الفرعيات التي لا يقوم عليها مذهب عقائدي صحيح أبدا، فالمذاهب العقائدية الصحيحة لا تقوم إلا على أدلة قطعية ثبوتا ودلالة.
[المفتاح السابع]: أصول الدين كلها قطعية، ولا ظنيات إلا في الفروع التي تقبل الاجتهاد، ومثال الأصول في العقيدة: التوحيد (لا إله إلا الله) والرسالة: (محمد رسول الله) والإيمان بالملائكة والكتب واليوم الآخر، قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، ومثال الأصول في الفقه: وجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج لمن استطاع إليه سبيلا، وحرمة القتل بغير حق وحرمة الزنا، وحرمة الربا وشرب الخمر وقول الزور، ومثال الأصول من التزكية، وجوب الصدق والأمانة وحرمة الكذب والخيانة، فهذه كلها دل عليها القرآن الكريم باستفاضة وأكدتها السنّة النبوية المشرفة وعليها اجماع الامة، ومنكرها منكر للمعلوم من الدين بالضرورة، فيكفر، ولا تجد بحمد الله تعالى من عامة المذاهب الإسلامية يُعارض في شيء من ذلك، ومن أنكر معلوما من الدين بالضرورة كفر وخرج من ملة الإسلام، لأنها كلها أدلة كلية محكمة يقينية من جهة الثبوت ومن جهة الدلالة.
اما الادلة الظنية فهيهات هيهات أن يُبنى عليها مذهب اعتقادي يخالف المسلمين ويتميز به عن اطار الامة، وإلا كان بدعة ضلالة، ومكان الظنيات إنما هو الفروع والملحقات، ومثالها في العقيدة: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لله تعالى في الدنيا، وكذلك المفاضلة بين الملائكة والبشر، وخلق العرش والقلم، وأيهما أقدم، وبعض أشراط الساعة، التي يسوغ فيها الاختلاف وتعدد وجهات النظر، وهذه لا يُبنى عليها تحزب عقدي بين المسلمين، لأنها محتملة، ومثالها في الفقه: الخلافات الفقهية بين المذاهب المعتبرة في عد واجبات الصلاة وسننها ومسافة القصر ومدته، والمسح على الجورب ونحوه، والجمع في المطر، والوضوء من لمس المرأة، والزكاة على بعض الاصناف التي لم تكن توجد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من مسائل الفروع في الفقه، ومثالها في التزكية، وايهما أفضل الصبر ام الشكر، والتزام ورد واحد او تنوع الاوراد، فهذه مئات إن لم تكن آلاف المسائل الفرعية التي تقوم على ادلة ظنية تحتمل وجهات النظر وتقبل الاجتهاد ويسعها الخلاف.
[المفتاح الثامن]: الاصول التي تقوم عليها مذاهب الفرق الضالة كلها ظنية، إما ظنية الثبوت وإما ظنية الدلالة، و(الإسلام): اعتمد في أصوله على الأدلة القطعية التي لا تحتمل نصوصها إلا وجهاً واحداً من وجوه التفسير، وهي التي يسميها الله تعالى [بالآيات المحكمات] فالجماعة الناجية لا تعتمد في عقائدها إلا على اليقين، و الأدلة القطعية التي لا تحتمل نصوصها إلا وجهاً واحداً، أما الفرق الضالة، فعلى العكس من ذلك، إذ قامت على الظن والاشتباه، لأنها تستند في أصولها على المتشابهات، ولذلك صارت آراؤها زيغا وضلالا وظنا لا يقين فيه، مصداقا لقوله تعالى: {وما يتبع أكثرهم الا ظناً إن الظن لا يغني من الحق شيئاً} [يونس: 36]، أي ان عقيدتهم ومنهاج حياتهم مستند على الظن لا على اليقين وهذا أصل جامع يكاد يجمع الفرق الضالة كلها، أنّ عقائدها لا تقوم على المحكم، وإنما تقوم على أدلة ظنية متشابهات لا يؤدي تتبعها إلا إلى الزيغ، (مثال ذلك): (العمدة) عند أهل الحق: في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته، فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف، وفي المقابل نجد أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لأننا جميعا نثبتها، أهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كانت أجزاء من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، وأهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات.
أهل الحق يقولون: يجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، الاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، كما أن القرب في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن المعية في قوله تعالى {وهو معكم أينما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {أحاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}.
(مثال آخر لذلك): خلاف أهل الأصول مع المجسمة ومن دار في فلكهم من أهل الحشو ليس في صفات الله وليس في أفعال الله، ولكن خلافنا معهم فيما يتعلق بكنه الذات، هم – لجهلهم بقواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص – يتكلمون في كنه الذات وشكل الذات ويصممون على أن الوجه والعين واليد والاصابع والانامل والقدم صفات أعيان لله (أي جوارح) ولكن بلفظ لطيف، وهي عند الحقيقة اللغوية المستعملة عند العرب ليست صفات للذات وإنما هي ملامح للوجه وللذات وقد قال العلماء انها صفات وليست جوارح للابتعاد عن التجسيم والتكييف، والمجسمة ومن تبعهم من أهل الحشو يحومون حول التجسيم بغير فهم ولا علم، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع للمتشابهات التي يظنون أنها ترسم شكل الذات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب القدم باب الأصابع باب الأنامل باب الضروس باب اللهوات باب الجنب باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته، قال تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ.
[المفتاح التاسع]: محكم القرآن الكريم استوعب كل الاصول وهو المرجع الوحيد لكل العقائد الكلية التي يقوم عليها المذهب الحق من مذاهب المسلمين، والنص القرآني القطعي الدلالة هو الفيصل بين المسلمين في أصول الدين، وكل دليل تطرق اليه الاحتمال بطل به الاستدلال: فمن جاء بأصل من الأصول، فلا بد أن يكون دليله عليه من القرآن، و بالنص الصريح الذي لا شبهة فيه، وإلا فأصله باطل مردود عليه، وإذا احتاج المذهب في اثبات عقيدة كلية إلى دليل فلم يجده في القرآن الكريم فهو مذهب مبتدع، وهي عقيدة ضالة، وإن وجدها في المتشابه ولم يجدها في المحكم، فهو كذلك مذهب مبتدع، وهي عقيدة ضالة أيضا.
(مثال ذلك): [عقيدة الخوارج في تكفير المسلمين بالكبائر]: استدلوا لذلك بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [التغابن: 2]، ووجه استدلالهم من هذه الآية أن الله تعالى: حصر الناس في قسمين لا ثالث لهما مؤمن وكافر، وعلى ذلك فالناس ينحصرون فقط بين الإيمان والكفر، وإذا نفي الإيمان عن امرئ فهو كافر لا محالة، لأنه لا يوجد صنف ثالث بين المؤمن والكافر، ثم استدلوا على كفر مرتكب المعاصي بقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، ووجه استدلالهم من هذه الآية أن الله تعالى: حكم بالكفر على كل من لم يحكم بما أنزل الله، وكل من أذنب ذنباً فقد حكم بغير ما أنزل الله، يوجب أن يكون المذنب كافراً، ثم حكموا بأن هؤلاء العصاة كفار مشركون وذلك لأن إحباط العمل لا يكون إلا جزاءً للشرك واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، وبقوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] ووجه استدلالهم من الآية أن (يعدلون) بمعنى يشركون، وعلى ذلك فجميع الكفار مشركون، ولما كان هؤلاء العصاة كفار كانوا مشركين بدلالة الآية، وبهذا توصلوا عن طريق فهمهم للقرآن وآياته أن العصاة كفار مشركون خالدون مخلدون في النار هم وذرياتهم لأن الكفار لا يلدوا إلا فاجراً كفاراً، نسأل الله السلامة، فأنت ترى كل استدلالاتهم من متشابه القرآن، نعم نلحظ انهم لا يخرجون عن القرآن ولكن استدلالاتهم كلها من المتشابه، ومنه نعلم لماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حقهم (يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم) ([7]) .وقوله – صلى الله عليه وسلم (يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم) ([8]) . ولو ردوا تلك المتشابهات إلى المحكم لانتفى الزيغ والضلال، فالآية قوله تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن}: لا تدل بحال على نفي ما عدا المؤمن والكافر، بل ثبت بالكتاب والسنّة أن هناك طائفة ثالثه هي أصل الفسوق والعصيان كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]، فلم تصفهم الآية لا بالكفر ولا بالإيمان، فدل ذلك على أن هناك قسم لم تتعرض له الآية وهو الفاسق في قوله تعالى: {وأولئك هم الفاسقون}، و(الطامة) أنهم جعلوا الفسق من أقسام الكفر.
ولنا ان نقول: لما لا تحملونه على المؤمن، ما كان مقراً بالشهادتين مصدقاً لهما منقاداً بقلبه لمعناهما، إذ قد اشتركا في أصل الإيمان لا يصح الإيمان بدونه، لا سيما وقد دل الكتاب على أن اسم الإيمان وإخوته للمسلمين باقية لأصحاب الكبائر، فهذا قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 9 – 10] فأثبت الله عز وجل إخوة الإيمان مع الاقتتال ومعلوم أن مقاتلة المؤمنين ومحاربتهم من أعظم الكبائر لما يمكن أن تؤول إليه من سفك الدماء، وكذلك القتل فإنه من أعظم الكبائر، ومع ذلك فقد أثبت القرآن الكريم للقاتل اسم الإيمان وأخوة الإيمان بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178].
فقد أثبت القرآن الكريم الاخوة بين القاتل وأولياء القتيل – أخوة الإسلام والإيمان – فدل ذلك على أن كبيرة القتل لا توجب الكفر الأكبر المخرج من الملة إلا إن صاحبها استحلال قتله، والكفر الأكبر هاهنا لمناط آخر تماماً وهو الاستحلال، والفسوق قد يأتي داخل إطار الملة: كقوله تعالى: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] فمن الآيتين نعلم أن هناك فسوق داخل إطار الملة صاحبه لا يخرج من الإسلام ولا يوصف بالكفر الأكبر البته، وعلى ذلك فالفهم الصحيح للآية (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) أن الله خلقنا فريقين، مؤمنين لهم الجنة خالدين فيها أبداً، وكفار لهم النار خالدين فيها أبداً، والفساق والعصاة من أهل القبلة داخلون في مسمى الإيمان وحكمه، وهم تحت المشيئة يدخل الله عز وجل من شاء منهم فيعذبه فيها بقدر ذنوبه ومآله الجنة التي أعدها الله عز وجل لعبادة المؤمنين، ففي آخر المطاف الناس حقاً فريقين: مؤمنين لهم الخلود في الجنة وكفار لهم الخلود في النار، والفساق داخلون في مسمى بمعنى لهم اسم الإيمان وحكمه وأما صفة المدح التي مدح الله عز وجل بها عبادة المؤمنين، فلا يستحقها الفساق لأنهم قصروا في حق الإيمان الذي حملوا اسمه بالإقرار والاعتقاد، واما استدلالهم بالآية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] على الكفر الأكبر، ووالله لو استقام هذا الفهم لما نجا من الكفر أحد إذ المعلوم من الدين بالضرورة أنه ما من معصوم سوى النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصلح الصديقين بعده لهم من اللمم والتقصير ما لا يعلمه إلا الله، وكل بني آدم خطاء فهل ينجو بهذا الفهم أحد من الكفر؟ اللهم لا !!، ولو رجعنا إلى فهم الصحابة والأئمة في الدين من بعدهم لهذه الآية وجدنا أنهم حملوا الآية على جحود الحكم بما أنزل الله، وأنه إن ترك الحكم مع الإقرار به واعتقاده فإنه كفر في إطار الملة فلا يخرجون من الملة بحال، ولذلك كان أصدق الأوصاف على هؤلاء الخوارج هو قوله صلى الله عليه وسلم في حقهم (سفهاء الأحلام) فهم لسفاهة عقولهم ما سألوا أهل الذكر عن فقه الأحكام.
[المفتاح العاشر]: الأصول التي يقوم عليها المذهب العقائدي الصحيح لأهل الإسلام نصوص قرآنية محكمة لا مجال للاجتهاد فيها، وذلك لانّ الاجتهاد يحتمل الصواب والخطأ، والمذهب الاعتقادي الحق لا يقوم إلا على نصوص قطعية لا اجتهاد فيها، (مثال ذلك): (الشيعة الإمامية): يجتهدون في اثبات الإمامة بفهمهم لقوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، وحديث الترمذي: (لمَّا نزلت هذِهِ الآيةُ على النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا في بيتِ أمِّ سلمةَ فدعا فاطمةَ وحَسنًا وحُسينًا فجلَّلَهم بِكساءٍ وعليٌّ خلفَ ظَهرِهِ فجلَّلَهُ بِكساءٍ ثمَّ قالَ اللَّهمَّ هؤلاءِ أهل بيتي فأذْهِب عنْهمُ الرِّجسَ وطَهِّرْهم تطْهيرًا قالت أمُّ سلمةَ وأنا معَهُم يا نبيَّ اللَّهِ قالَ أنتِ على مَكانِكِ وأنتِ على خيرٍ) ([9]) .
تقول الرافضة: قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}، ودل حديث الكساء على أن المقصود بأهل البيت هم ” علي وفاطمة والحسن والحسين ” فالآية تدل على أن الله تعالى قد أذهب الرجس عن أهل بيت النبوة عليهم السلام، والحديث يدل على أن أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين، وما دام الله أذهب عنهم الرجس، فهم لا شك معصومون، وإذا كانوا معصومين فهم أولى بالخلافة من غيرهم، لكونهم معصومين وغيرهم غير معصوم.
(قلت) يبدو أن النصوص التي زعمت الرافضة أنها أدلة على النص على ولاية علي وأولاده رضي الله عنهم من بعده لا تسعفهم، فحاولوا الاجتهاد ولكن نصوص العقيدة لا تثبت بالاجتهاد، فأين آية التطهير وحديث الكساء من الاستدلال على النص على إمامة علي عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بحيث أن من خالفه استحق الردة والتكفير، إن الآية الكريمة ثبت أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات المطهرات، وهي خاصة بهن عليهن الرضوان، ولننظر إلى هذه الآيات ولنتدبرها جيدا، حيث تبدأ بقوله تعالى في سورة الأحزاب: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما * يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا * ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعم لصالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما * يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا}.
فلننظر ولنتدبر فإن قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ليس آية مستقلة وإنما هو جزء من آية تتحدث عن أمهات المؤمنين وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات المطهرات، ثم الآيات بعدها تكمل الحديث عنهن، وهذا أدل دليل على كون الآية نزلت أصلا في زوجات النبي الطاهرات العفيفات، والحمد لله أنها ليست آية مستقلة حتى يتقول عليها المتقولون، ولكنها جزء من آية، وما قبلها وما بعدها تناول زوجات النبي الطاهرات المطهرات العفيفات، لا سيما الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها، والصوامة القوامة العابدة القانتة حفصة بنت الفاروق رضي الله عنهما، وأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وبقية أمهات المؤمنين ونساء النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا أهل العلم وأهل القرآن وأهل الفقه وأهل التحقيق من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لكونه نص القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فهذا بالنسبة لآية التطهير، أما حديث الكساء فمعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم خص عليا وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم بالكساء، وجعلهم من آل بيته الذين يريد الله أن يذهب عنهم الرجس وأن يطهرهم تطهيرا، وليس معناه أن عليا وفاطمة والحسن والحسين هم أهل البيت فقط، بل إنّ الآية لما كانت في معرض الحديث عن أمهات المؤمنين، فأدخل النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وذريتهما إلى يوم القيامة معهم في هذا الكساء وفي هذا الفضل العظيم، وليس معناه أنّ هذا الفضل يخصهم وحدهم، ولذلك عندما أرادت أم سلمة رضي الله عنها أن تدخل ضمن أصحاب الكساء قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتِ على مَكانِكِ وأنتِ على خيرٍ)، بمعنى خير سابق شرفكن به الله تعالى، وهو يحتمل أن يكون معناه: أنت على مكانك من كونك من أهل بيتي، ولا حاجة لك في الدخول تحت الكساء؛ كأنه منعها عن ذلك لمكان علي رضي الله عنه داخل الكساء، وعموما فإن المقصود بآل البيت عموما؛ هم أزواجه وعلي وفاطمة وأولادهما.
أما قول البعض: إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن لا يدخلن في إطار أهل البيت، فإنه قول مردود على صاحبه لمنطوق الآيات السابقة، والقرآن حجة على كل أحد، وقد ورد كذلك في القرآن الكريم ما يدل على دخول الزوجة مع زوجها في معنى أهل بيته، ألا ترى إلى قول الله تعالى: {رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت} في حق إبراهيم، ومعلوم أنه آن ذاك لم يكن له سوى زوجته ولم يكن له ولد حتى يقال: إنها نزلت في أبنائه، وقال الله تعالى في حق موسى عليه السلام: (وسار بأهله )، ومعلوم أنه كان يسير بزوجته، فالزوجة هي خاصة أهل الرجل، ويكفينا كما ذكرت من قبل أن قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}، أنها جاءت في وسط آية وليست آية مستقلة، والآيات قبلها وهي نفسها وما بعدها كلهن يتحدثن عن أمهات المؤمنين نساء النبي صلى الله عليه وسلم، (ثم) وعلى فرض أن أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين فقط، مع أن الصحيح خلافة، فليس في الآية ولا في الحديث ما يدل على النص على علي بالخلافة، ولقال من قال: الإمامة موزعة على الأربعة علي وفاطمة والحسن والحسين، وهذا لم يقل به ساذج فضلا عن عالم، وليس في الآية ولا في الحديث دليل على عصمة هؤلاء، إذ قصارى معناه التطهير من الرجس، ولكن لا يمنع من السهو والخطأ والزلل والاجتهاد المخالف للصواب، فالعصمة شيء والتطهير من الرجس شيء آخر وينبغي أن لا نخلط بين الأمرين، وعلى ذلك: فإنّ الأصول التي يقوم عليها المذهب العقائدي الصحيح لابد وان تكون نصوصا قرآنية محكمة لا مجال للاجتهاد فيها، وذلك لانّ الاجتهاد يحتمل الصواب والخطأ، والمذهب الاعتقادي الحق لا يقوم إلا على نصوص قطعية لا اجتهاد فيها.
[المفتاح الحادي عشر]: أصول المذهب العقائدي الصحيح لا تثبت إلا بالنص القرآني ولا يصح اثباتها بالشروح، و(مثال ذلك): يستدل الشيعة لمذهبهم بشروح بعض علمائهم لقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] قالت الرافضة: ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في علي عليه السلام حيث كان يصلي فجاءه سائل يسأله وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه فأنزل الله تعالى في حقه هذه الآيات، و (إنما) هنا للحصر، فدل على أن الولاية قاصرة لعلي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، (قلت) لا يصلح الاستدلال بهذه الآية على مقصود الرافضة فإنهم يقولون بالنص في الإمام علي وأولاده من بعده، والآية ليس فيها مجرد ذكر للإمام علي رضي الله عنه ولا على أولاده من بعده بل هي عامة لكل من يستوفي شروطها من المؤمنين، والولاء في الآية بمعنى الموالاة والمحبة والمودة والمناصرة وليس بمعنى التنصيص على الخليفة والإمام، ثم إن تنزيل هذه الآيات على الإمام علي بعينه ونفي من عداه من الصحابة فيه نظر، إذ القصة وإن كانت وردت في كتب أهل السنة إلا أن في سندها مقالا، وغير ذلك فإن العمل الكثير في الصلاة يبطل الصلاة، والصلاة بمفردها فيها شغل عن التصدق، ولا يجوز للمصلي أن ينشغل بغير الصلاة من أعمال البر والطاعة وهو في صلاته، والإمام علي من أئمة الخاشعين في صلاتهم، وقيامه بخلع خاتمه وإعطائه للمتصدق أمر مستبعد، وعلى فرض حدوث ذلك: فأين النص الجلي في الآيات على إمامة علي رضي الله عنه؟ إنهم يقولون: إن الإمامة أصل أصول الدين، وأصول الدين ينبغي أن يكون الاستدلال بها بنصوص قطعية صحيحة الثبوت صريحة الدلالة وإلا لم تكن أصولا، وهاهنا فأن تفسير الآية له أوجه عديدة، فمن الناس من يحمل معنى الولاء على المحبة والمودة والمؤازرة، وهذا هو الغالب، والروافض يحملونها على معنى الإمامة والإمارة، ثم تنزيل الإمام علي على المتصدقين في صلاتهم أمر فيه مقال.
وملاحظة أخرى: وهي أن خصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ، فالآيات تنطبق على كل من يفعل ذلك من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والتصدق، والكل يستطيع فعل ذلك، إن الحق واضح، وهذا الدليل الذي استدلوا به – وهو أقوى أدلتهم من القرآن – لا يصلح حتى كدليل ضمني، فضلا عن أن يكون نصا صريحا جليا في إمامة علي رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، إنّ حديث علي رضي الله عنه وتصدقه بخاتمه وهو في الصلاة حديث فيه مقال، فلا حجة لمن أورده تساهلا أو بدون تحقيق، ومن الخطأ أن تستدل على أصل من أصول دينك تقدمه على الصلاة والصيام والحج والزكاة بحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، إن الفيصل في الاستدلال هو نص الآية، والآية لا تنص على علي رضي الله عنه، بل ليس فيها ذكر لاسمه أو أدنى إشارة لتخصيصة بالولاية، والآية الكريمة غايتها أن الولاء واجب لله ولرسوله وللمؤمنين الصادقين المقيمين للصلاة والمؤتين للزكاة والخاشعين لله وحده، لأن الركوع يأتي في اللغة بمعنى الخشوع والخضوع، وقد جاء في القرآن كذلك بنفس المعنى حيث أمر الله تعالى مريم بالركوع في قوله تعالى (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين )، ومعناه: واخشعي مع الخاشعين، وحيث وصف الله تعالى عبده داود عليه السلام بقوله: (وخر راكعا وأناب )، ومعلوم أن نبي الله داود عليه السلام خر ساجدا ولكن جاء الركوع هنا بمعنى الخشوع والخضوع لله، وهكذا تنسجم معاني الآيات الكريمات ويكون المعنى (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)، بمعنى وحالة كونهم خاشعين خاضعين لله، وإلا ففي ركوع الصلاة شغل عن الأعمال الخارجة عن الصلاة، مهما كان فضل تلك الأعمال.
والخلاصة: أنّ أصول العقائد لا بد وان تستند إلى نصوص قرآنية واضحة لا تحتاج إلى شرح أو توضيح، فإن استحال اثباتها بغير شرح فليست أصولا معتبرة يُبنى عليها عقيدة من عقائد الجماعة الناجية، وأذكر مرة كان يُناقشني فيها شيعي يُريد أن يُثبت فيها أحقية الإمام علي رضي الله عنه بالخلافة من أبي بكر رضي الله عنه بالآية: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55]، فقلت له أين النص على الإمام علي رضي الله عنه بعينه وهل إذا تصدق أحدهم وهو راكع يصبح إماما تجب طاعته عقيدة، فقال لي اثبت أنت من القرآن أن أبو بكر احق بالخلافة، قلت الأمر يختلف تماما، فعندنا الخلافة شورى وليست عقيدة ولا يترتب عليها أي أثر عقائدي، اختار الصحابة رضي الله عنهم أبا بكر خليفة وهو خير أهل الأرض آنذاك، فكان هو الخليفة ولو كانوا اختاروا غيره لما ترتب على ذلك عقيدة ابدا، أما عندكم الامر مختلف تقولون الإمام علي هو الوصي والإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن لم يؤمن بإمامته وإمامة بقية الأئمة من أبنائه واحفاده فهو كافر كفر أكبر مخرج من الملة عندك، فشتان ما بين هذا المذهب وذاك، فأنتم مطالبون بالدليل من الكتاب على عقيدتكم أم نحن فلم نتبنى عقيدة في الخلافة حتى نُطالب فيها بالدليل.
[المفتاح الثاني عشر]: المحكم من القرآن كله قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وكل ما يُخالفه فهو متشابه قطعي الثبوت ولكنه ظني الدلالة: فــ (المحكم القطعي): هو ما ثبت بدليل قاطع لا يحتمل الشك، وهو مما يتضح معناه ودلالته ولا يحتاج إلى تأويل، وبالتالي فإن المحكم القطعي هو تلك الأصول الثابتة التي لا تقبل الجدل أو الاختلاف، وتمثل جوهر العقيدة الإسلامية التي أجمع عليها علماء الامة المتخصصون في العقيدة، و(المتشابه) هو ما خفي معناه واحتاج إلى بيان، أو احتمل أكثر من معنى، فلو ترك بدون تفسير وبيان، فإنه يؤدي إلى اللبس أو الشبهة في فهم المراد منه، وهذا المتشابه لا يتتبعه إلا الذين في قلويهم زيغ، أما الراسخون في العلم فيردوه إلى أمهاته من المحكم، فيعلمون منه المعنى المراد المتوافق مع المحكم الذي لا لبس فيه ولا شبهة، (مثال ذلك): من المحكم القطعي من عقائد أهل الإسلام فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وهذه الآية، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بأنه السميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بأنه سميع بصير فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.
على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فثبت أن المراد بنفي المماثلة التامة من كل وجه إنما هو نفي المماثلة عن جناب الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يماثل الله تعالى في الذاتية، فتضمنت الآية نفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، وأن ذات الله تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقات، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها فهو منتف عن ذات الله تعالى، وإذا كانت كل المخلوقات متماثلة في الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، ووجب نفي كل لوازم الجسمية الدالة على الخلق والعجز والنقص والقهر عن الله، فكل ما عارض المحكم القطعي من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، ولما كانت كل المخلوقات متماثلة في صفة الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، و(الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، ومن خصائص الأجسام كذلك انها تخضع لجريان الزمان، فيجري عليها الزمان بماضيه وحاضره ومستقبله لا انفكاك لها عن قهر الزمان، ومن خصائص الأجسام كذلك أنّ لها صورا وأشكالا خصها بها خالقها عز وجل، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها تقبل الانقسام، وانها تتكون من الجوارح والأجزاء والأعضاء، وتقبل التحيّز والاختصاص بالجهات، ويقهرها التغير والحدوث، و(الجسمية) تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر في اثبات وجوده، والمحتاج فقير لا يكون إلها البتة، والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، فكل ما ثبت للأجسام من امارات الحدوث وعلامات الخلق فالله تعالى مقدس عنها، جناب الذات الإلهي ليس كمثله شيء، لا تسري عليه مفاهيم الأجسام، ولا قوانين المواد، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، تقديس لله عن الجسمية وهي تقديس لله عن لوازم الجسمية كذلك، والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية، وهي كل ما تقبله الاجسام من الصور والأشكال والأحجام والاوزان والألوان وكل ما تقبله الأجسام من الهيئات كالجلوس والاستقرار، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع، والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته، والندم والتردد على معنى التغير في ذاته، والله تعالى منزه عن أي معنى من معاني الجسمية ولوازمها التي لا انفاك لها عنها.
[المفتاح الثالث عشر]: خطورة تقديم المتشابهات الظنية الدلالة على المحكمات الصريحة الدلالة: قال القرطبي رحمه الله – في درة من كلامه -: (اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته (المجسمة) الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك) ([10]) .أهـ وكلامه غاية في الصواب: إذ هناك آيات متشابهات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، ومن تلك لآيات المتشابهات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ}، وهناك آيات متشابهات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، ومن تلك الآيات المتشابهات، قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، وقوله تعالى: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة: 14]، وهناك آيات متشابهات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، ومن تلك الآيات المتشابهات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه وإنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم وهذا وعيد وتهديد لهم، وهناك آيات متشابهات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ومن تلك الآيات المتشابهات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، وقوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، والمعنى: أنّ كل ذلك هين على الله، وليست للمفاضلة لأنه ليس شيء أيسر عليه من غيره، وهناك آيات متشابهات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ العالم كله بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن تلك المتشابهات قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وسع ربي كل شيء علما، وهناك آيات متشابهات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه، ومنزه عن القرب الحسي بالذات، ومن تلك الآيات المتشابهات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود: 61] .. وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وهناك آيات متشابهات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى استوى على عرشه بذاته، وكل المجسمة يعتقدون أنّ الرحمن سبحانه يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن إذ لا يعقل حتى عند المجسمة أن يجلس الملك على عرش ضيق صغير لا يسعه، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، ليس بالحجم فهو مقدس عن الجسمية ولوازمها من الطول والعرض والحجم، لأنه ليس كمثل ذاته ذات، وكل ما عداه سبحانه فهو من خلقه وكل ما عداه أجسام مخلوقة تقبل الكون في المكان والصور والأشكال ، اما هو سبحانه فلا يخطر على بال، وهو الواحد القهار، وهو الكبير المتعال، وأنّه سبحانه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه العظيم، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن، كما أنّ هناك آيات متشابهات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم، وعلى الوجه الذي يدل على الكمال، مع تنزيه الله تعالى عن أوجه النقص فيها، ومثال ذلك (الوجه) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، صمد يستحيل عليه التركيب ، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة، وكذلك جاءت الآيات في العين مضافاً إلى الله تعالى: كمثل قوله تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا}، وقوله تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة اما نسبة العين إلى جناب الذات على الحقيقة فهو محال لانّ الله تعالى احد لا جزء له صمد مقدس عن الجارحة وكذلك جاءت الآيات في اليد مضافاً إلى الله تعالى: ولها مجازات معلومة من كلام العرب، فقوله تعالى {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}، قلت: فصحاء العرب وأهل البلاغة فيه يعلمون من قوله تعالى (لما خلقت بيدي) أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبعض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزئ يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) وقوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد) وأيد جمع يد لقوله تعالى (ألهم أيد يبطشون بها) فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، ولا عبرة لمن اعترض على ذلك بأن إبليس كان بوسعه أن يقول وأنا خلقتني بيدك لأن الأمر بالسجود لم يكن بعلة تميز آدم بالخلق باليدين ولكن لتمحيص المطيع بالأمر من المتكبر عنه ولذلك جاء في الآية الأخرى في سورة الأعراف: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]، ولا عبرة لمن قال: لو لم يكن لآدم مزية علي سائر الحيوانات باليد التي هي صفة لما عظمه بذكرها وأجله فقال (بيدي) ولو كانت القدرة لما كانت له مزية، وقولهم: ميزه بذلك عن الحيوان فقد قال عز وجل: {خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما} ولم يدل هذا علي تمييز الأنعام علي بقية الحيوان وقال الله تعالي {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} أي بقوة ولم يدل ذلك على تميز السماء على بقية المخلوقات، فإن قالوا: القدرة لا تثن، وقد قال {بيدي} قلنا بلي قال العربي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد} وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة} وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن نضيع الوقت معه.
[المفتاح الرابع عشر]: القرآن الكريم لم يترك أصلا من أصول الدين إلا أشار إليه، ودور السنّة هو البيان والشرح لاصول الدين:، قال تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64]، فالقرآن الكريم هو المصدر الأول والأساس من مصادر العقيدة، والسنة المشرفة هي المتممة لكتاب الله تعالى، وقد أحال القرآن الكريم إحالة عامة على السنة النبوية في أكثر تفصيلات العلم بقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، ومن ثم كانت السنة متممة الكتاب، وشارحة لنصوصه، ومفصلة لمجمله، و(القرآن الكريم) كلام الله تعالى كله متواتر، ولذلك لا محل لتفصيل مراتبه من حيث الثبوت، فإنه في مرتبة واحدة هي مرتبة القطع واليقين، إذ هو حكم التواتر، أما السنة الشريفة، فهي متواترة بمجموعها، بمعنى أنه تواتر لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم صدرت عنه سنة هي أقوال وأفعال وتقريرات، ولكن مفردات السنة الشريفة وتفصيلاتها ليست كلها متواترة، بل فيها المتواتر، وفيها ما هو دون ذلك، وقد ذهب جمهور الأصوليين إلى أنها من حيث ثبوتها على مرتبتين: السنة المتواترة، والسنة الأحادية، والحديث المتواتر يفيد القطع أي العلم اليقيني، أما السنة الأحادية فإنها تفيد الظن، لاحتمال أن تكون قد رويت بالمعنى وليس باللفظ، ولاحتمال الوهم والسهو عند راويها، ولكن لما كان القرآن الكريم يشتمل على كل أصول الدين، كما قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، وقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الانعام: 38]، ولما كان القرآن الكريم محفوظا من الزيادة والنقصان بحفظ الله له بنفسه، كما قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الكهف: 27]، {مَا كَانَ هَذَا القرآن أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ} [يونس: 37]، {إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 41-42]، ولما كانت الفرق الإسلامية تختلف في الجرح والتعديل للرواة، فحتما ستختلف درجة تصحيحها وتضعيفها للاحاديث، لذلك كله كان القرآن الكريم هو الأساس في اثبات العقائد بين المسلمين لأنه محفوظ من الزيادة والنقصان وحوى كل الأصول التي تقوم عليها عقائد أهل الإسلام، فالقرآن الكريم لم يترك أصلا من أصول الدين إلا أشار إليه، ودور السنّة هو البيان والشرح لأصول الدين، وبالتالي تكتمل العقائد اجمالا وتفصيلا، اجمالا في القرآن وتفصيلا في السنّة الصحيحة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وصارت وظيفة السنّة النبوية المشرفة هي التأكيد والتفصيل والشرح والبيان لأصول العقائد التي حواها القرآن، ويُفهم هذا من معنى قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وعلى ذلك فالأصول من القرآن، ومرجعية الفرق عند التحاكم تكون للقرآن، واسعد الفرق حظا بالإسلام من كانت اصولها توافق القرآن ولا تخرج عن القرآن، فكل اصل لا يوجد في القرآن، فليس بأصل، وفروعها على السنة لا تخالف السنّة، مصداقا لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً} [النساء: 59]، وقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً} [النساء:83]، !!!!
[المفتاح الخامس عشر]: العقل مهما كان متخصصا ودارسا فإنه لا يمكن أن يستقل بتأسيس أي أصل من أصول العقيدة، بل يقتصر دوره على فهم النصوص وتدبرها حتى يصل إلى الفهم السديد، لقد أكرم الله تعالى الإنسان بالعقل، يميز به بين الخير والشر، ويحمله عقله على أن يؤمن بربه وخالقه، وقد تكرر ذكر العقل بمرادفاته في القرآن الكريم أكثر من سبعين مرة، يُخاطب الناس باستعمال العقل في فهم الآيات الكونية أو الشرعية أو تدبر القرآن الكريم للوصول إلى منازل الإيمان والإحسان، منها: قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 242]، وقوله تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10]، وخاطب الله تعالى أولي العقول (أولي الألباب) في مواضع عديدة من القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، ولكن دور العقل قاصر على فهم الآيات، فليس له دور في انشاء أي أصل من أصول العقيدة التي الخلاف فيها خلاف بين هدى وضلال، لأنّ العقل لا يمكن أن يكون حجة مستقلة في اثبات أصول الدين، لاسيما وقدرات العقل محدودة ومتفاوته، وليست له العصمة فقد يخطئ وقد يٌصيب، والحجة في الأصول التي تُبنى عليها العقائد لابد وان تصدر عن مصدر معصوم، لأنها مبنية على اليقين الذي لا ريب فيه، فــ (العقل) لا يمكن ان تكون له المرجعية المستقلة في تأصيل الاصول، نعم له دور في فهم الاصول ولكن ليس له اي دور في انشاء الاصول، والخلاصة: (القرآن الكريم) كلام الله له التواتر وله العصمة وله الحفظ عن الزيادة والنقصان، وهو كيان معلوم مبدوء بسورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس أبلغنا الله عنه أنه تبيان لكل شيء واخبرنا بصدقه عن طريق التحدي بالإعجاز، فهو معجر لجميع الخلق لا يأتون بسورة من مثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، والسنّة القليل منها متواتر قطعي الثبوت والدلالة وبعضها قطعي الثبوت ظني الدلالة، واكثرها آحاد ظني الثبوت والدلالة، و (العقل) بمفرده لا يمكن ان يكون مرجعا في اصول الدين، ودوره في الفهم والتدبر، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29].
[المفتاح السادس عشر]: أصول الحق قرآنية تؤيدها نصوص محكم القرآن، أما أصول الباطل فلا يُوجد عليها أي دليل قاطع من محكم القرآن، ولكن هي في غالبها أصول مستنبطة لا نص عليها، (مثال ذلك): قامت عقيدة النصارى على التثليث ولا يوجد نص محكم واحد في الانجيل يدلهم على التثليث والعياذ بالله، بل كل أدلتهم مستنبطة من تصورات كفرية وموروثات شركية، وقيل وقال واستنباطات لا أساس لها من الصحة، واقوى أدلتهم على التثليث، أن الإنسان يتكون من جسد وعقل وروح وهو واحد، فلماذا لا يكون الإله مركب -استغفر الله- من الاب والأبن والروح القدس وكلهم واحد فإنا لله وإنا إليه راجعون، و(مثال آخر لذلك): مذهب الشيعة الإمامية يقوم على ادعاء وجود النص على الأئمة الاثني عشر وانه من لم يؤمن بهم على الترتيب الذي ذكروه فإنه كافر الكفر المخرج من الإسلام، وتسألهم عن دليل واحد من القرآن يؤيد مذهبهم فلا يُوجد، فكيف كفرتم المسلمين جميعا على دليل وهمي ظني لا يوجد إلا في خيالات الإمامية فقط ( وهو ما سياتي بيانه في الفصل الثالث: الأدلة علي استحالة مذهب الشيعة)
[المفتاح السابع عشر]: كل الفرق الضالة لا توجد عندها نصوص شرعية محكمة تدل على بدعها الضالة: وإنما تستدل لضلالاتها بآيات من القرآن تحسبها آيات محكمة، وهي عند التحقيق متشبهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، فليس من أصل بدعي يقوم أبدا على آية محكمة، ولكن على متشابهات يجب ردها إلى محكماتها، ومثال ذلك بدعة الحشو والتجسيم، يستدلون لمذهبهم بمتشابهات لا يوجد عندهم دليل قرآني محكم واحد، فالمحكم وهو سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن تنفي التجسيم، ولكن عندهم مئات المتشابهات التي أفنوا الاعمار في جمعها واعتقادها.
[المفتاح الثامن عشر]: أصول أهل الحق عبارة عن نصوص قرآنية محكمة، فلا يوجد في مذهب أهل الحق شيء أصلي قائم على الاستنباط، فعلى سبيل المثال نجد أحد أصول المعتزلة، قولهم (المنزلة بين المنزلتين) وهو الأصل الثاني من الأصول الخمسة التي تخص المعتزلة دونا عن المسلمين، وهو قولهم بأن مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا هو كافر بل هو في منـزلة ثالثة بين المنـزلتين فلا يأخذ – في الدنيا – اسم وحكم هذا ولا ذاك، وهو في الآخرة مخلد في النار مع الكافرين، وحقيقة الخلاف بينهم وبين أهل السنّة في هذه المسألة أن أهل السنّة والجماعة يسمون مرتكب الكبيرة فاسقاً ولكنهم يعلمون أن معه أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد، لذلك فهم يجعلونه فاسقاً بكبيرته مؤمناً بأصل إيمانه فله اسم الإيمان وحكمه في الدنيا بمعنى أنه يعامل معاملة المسلمين من حيث كافة الأحكام من التزاوج والتوارث وغيرها، وهو في الآخرة إلى المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء عفا عنه إلا أنه لا يخلد في النار خلود الكافرين، بل مآله في الآخرة إلى الجنة برحمة الله، أما المعتزلة فهم لا يعطونه لا اسم الإيمان ولا حكمه هذا في الدنيا، أما في الآخرة فيجعلونه كالكافر ويحكمون عليه بالخلود الأبدي في النار إلا أن عذابه أقل من عذاب الكافرين، والمعتزلة بهذا القول خالفت إجماع أهل القبلة بما فيهم الفرق الضالة، فلم يقل بالمنـزلة بين المنـزلتين غيرهم ولا أحد قبلهم، وهذا وحده كاف في بيان ضلال ما ذهبوا إليه، وصدق الله حيث يقول: {{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
***
المبحث الثالث وجوب رد متشابهات القرآن إلى محكماته
[المفتاح الأول]: القرآن الكريم يحوي المحكم والمتشابه، وقد حذرنا القرآن الكريم من تتبع المتشابه، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) ([11]) .
[المفتاح الثاني]: الأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنّة في ذلك هي التوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، وفي المباحث التالية من هذا الفصل إن شاء الله جمع لمتشابهات أهل الزيغ والضلال، وردها إلى محكمات القرآن.
[المفتاح الثالث]: وجوب رد متشابهات القرآن إلى محكماته: الآية الكريمة: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، (آيات محكمات) أي واضحات بينات، (هن ام الكتاب) أي أنهن الأصل الذي يُرد إليه المتشابه، وهن الأصل البين الذي يُفسر ما خفي، مما يمنع التناقض ويحمي العقيدة من الفتن ويحميها من تأويلات أهل الزيغ، فالآيات المحكمات هي الأصل المعتمد لفهم الآيات المتشابهة، وبدون ذلك يقع الاضطراب في الفهم، (وأخر متشابهات) أي غير واضحات تُعطى معاني مغلوطة اختبارا من الله للمؤمنين، (فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي بدعة وضلالة وميل عن الحق واعوجاج في الفهم والقصد (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) أي يتركون المحكم ويتتبعون المتشابه، (ابتغاء الفتنة) أي الضلالة وفتنة المسلمين في دينهم، وإضلال الناس وإيقاعهم في الشبهات (وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ) أي تفسيره على غير ما أراد الله، والمتشابه نوعان حقيقي (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) و (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)، والراسخون في العلم هم العلماء الثابتون في العلم الشرعي، الذين يعرفون المحكم ويعرفون المتشابه ويعملون بالمحكم ويردون المتشابه إلى أصوله من المحكم فهذا هو الرسوخ في العلم، وإلا فلا، (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) أي المحكم لنعمل يه ونعتقده، والمتشابه ليختبر ايماننا به، فنؤمن به ولا نعمل به، (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) أي وما يعلم ذلك ويعمل به إلا أصحاب الهداية والبصيرة، ولما كان تتبه المتشابه يؤول بصاحبه إلى الزيغ كان دعاؤهم: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}، و القرآن الكريم يصدق بعضه بعضاً ولا يكذب بعضه بعضاً؛ فرد المتشابه إلى المحكم يحقق الانسجام والاتساق بين جميع الآيات.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية: (آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ. بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس) أهــ ([12]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الزيغ والضلال الذين يتركون المحكم ويتتبعون المتشابه، والمستفاد من الآية والحديث: وجوب الرجوع إلى المحكمات، فالمحكمات هي الأصل التي يجب أن يرد إليها المتشابه، وذم اتباع المتشابه فإن اتباع المتشابه من علامات الزيغ والضلال، والحذر من أهل الأهواء والزيغ الذين يتتبعون المتشابه ويصرفون النصوص عن معانيها الصحيحة ليوافقوا بدعتهم، وبيان فضل الراسخين في العلم، وإيمانهم بجميع نصوص القرآن محكمها ومتشابهها.
[المفتاح الرابع]: أهل السنّة والجماعة هم أسعد الناس عملا بالمحكم وتجنبا للمتشابه: عملا بقوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، والفرق الضالة كلها تتبع المتشابه، المعتزلة القدرية تتبع الآيات الدلة على أن الإنسان صانع مشيئته، وقالوا بالقدر، والجهمية الجبرية تتبع الآيات المتشابهات التي تدل على انّ كل شيء بيد الله وحده، وقالوا بالجبر، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وقالوا بالكسب، وهو الصيغة القرآنية الوسط بين هؤلاء وهؤلاء، قال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، وقال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286].
وهكذا في كل أبواب العلم والعقيدة أخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، ففي باب الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، كلٌ يستدل لمذهبه بمتشابهات القرآن، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وجاؤوا بأحسن مذاهب التقديس والتنزيه والاثبات، فلا هم معطلون تعطيل المعتزلة والجهمية ولا هم مفرطون في التجسيم والتمثيل تشبيه المجسمة والحشوية، وقعدوا قواعد التقديس التي ملئت الدنيا علما ونورا وتقديسا لله وتسبيحا بحمد الله، وقد اشتمل بحمد الله تعالى كتابي الأول من سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، (مفاتيح علم التقديس) كل تلك القواعد على احسن ما يكون الفقه في الدين ورد المتشابه إلى محكماته، في باب التقديس والتنزيه، وفي باب الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وجاؤوا بأحسن مذاهب الإيمان فلا هم متشددون تشدد الخوارج والمعتزلة ولا هم مفرطون تفريط الجهمية والمرجئة، وقعدوا القواعد التي ملئت الدنيا علما وفقها في الدين، وقد اشتمل بحد الله تعالى كتابي الثاني من سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، كل تلك القواعد على احسن ما يكون الفقه للدين ورد المتشابه إلى محكماته، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
***
([2]) سنن الترمذي 5/38 ح 2664 واللفظ له ، سنن ابي داود 7/13 ح 4604.
([3]) سنن ابن ماجة 1/10 ح 14، سنن الترمذي 5/37 ح 2663، سنن ابي داود 7/15 ح 4605.
([4]) صحيح البخاري 6/33 ح 4547، صحيح مسلم 4/2053 ح 2665.