الفصل الثالث مفاتيح الفهم الصحيح لمتشابهات الفرق الإسلامية من القرآن
يشتمل الفصل الثالث على تلك المباحث:
المبحث الاول: مفاتيح الفهم الصحيح لمتشابهات الخوارج من القرآن.
المبحث الثاني: مفاتيح الفهم الصحيح لمتشابهات المعتزلة القدرية من القرآن.
المبحث الثالث: مفاتيح الفهم الصحيح لمتشابهات الشيعة من القرآن.
المبحث الرابع: مفاتيح الفهم الصحيح لمتشابهات الجهمية الجبرية من القرآن.
المبحث الخامس: مفاتيح الفهم الصحيح لمتشابهات المرجئة من القرآن.
المبحث السادس: مفاتيح الفهم الصحيح لمتشابهات المجسمة والممثلة والحشوية من القرآن.
المبحث السابع: الجماعة الام هم سواد الامة الأعظم وهم الامة الوسط بين أهل القبلة.
المبحث الأول مفاتيح الفهم الصحيح لأدلة الخوارج من القرآن
[المفتاح الأول]: بدأ ظهـور الخوارج كفرقة ضالة تكفر المسلمين وتستحل دماءهم وأعراضهم في عام 37 هـ عندما بايع الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي أميرا عليهم، واتهموا أمير المؤمنين على رضي الله عنه بأنّه رضي بتحكيم الرجال في دين الله تعالى: وأن هذا التحكيم كفر أكبر مخرج من الملة، واعتلوا لذلك بقول الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، فكفروه بهذا الزعم الضال، وقد حاول رضي الله عنه أن يزيل ما التبس عليهم من أمر التحكيم وأنه إنما حكم كتاب الله عز وجل وشرط على الحكمين أن يحييا ما أحياه القرآن ويميتا ما أماته القرآن، وبين لهم أن القرآن ما هو إلا خطا مسطوراً بين دفتين لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال، وأرسل إليهم حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فحاورهم وتاب منهم كثير، وأما الباقون فقد انحازوا عن جماعة المسلمين بمكان يسمى النهروان، وتركهم الإمام علي رضي الله عنه وشأنهم حتى استحلوا دماء المسلمين وأعراضهم، وكان أول من قتلوه عبد الله بن الصحابي الجليل خباب بن الأرت ثم قتلوا ولده وجاريته أم ولده، وانتهى خبرهم إلى الإمام علي رضي الله عنه فسار إليهم في أصحابه حتى إذا اقترب منهم أرسل إليهم أن سلموا قاتل عبد الله بن خباب فأرسلوا إليه إنا كلنا قتلناه ولئن ظفرنا بك قتلناك، فقاتلهم رضي الله عنه وأكرمه الله عز وجل بقتل أكثرهم وصار سيفه في الخوارج سيف حق إلى قيام الساعة.
[المفتاح الثاني]: الخوارج ليسوا فرقة واحدة: وإنما هم ربما اكثر من عشرين فرقة كل منها يكفر سائرها وسائر المسلمين دونهم، وكل فرقة منهم لا ترى الحق إلا معها ولا ترى الجنة إلا حكر على أتباعها نعوذ بالله من الضلال، والذي يجمع الخوارج في الصدر الأول إكفار سيدنا علي رضي الله عنه وسيدنا عثمان رضي الله عنه وأصحاب الجمل وقد كان فيهم من الصحابة عدد كبير منهم الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم وإكفار الحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عنهما وأصحاب صفين، وعلى ذلك فحقيقة مذهبهم كان تكفير غالب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان الخوارج في الصدر الأول يتبرأون من أمير المؤمنين عثمان وأمير المؤمنين علي رضي الله عنهما ومن كل من والاهما ويقدمون إعلان ذلك على كل طاعة حتى كانوا لا يصححون مناكحاتهم إلا بهذا التبرؤ، ولقد بلغ بهم الحال إلي تكفير عامة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالذنوب، وليس من أحد بمعصوم عن الذنب فلذلك فإنّ عامة أهل الإسلام في نظرهم كفار حتى يثبت العكس أو حتى ينضم إلى فرقتهم الضالة.
[المفتاح الثالث]: استدلال الخوارج من متشابهات القرآن: الخوارج على ضلالهم لا يعرفون إلا القرآن، ولكنهم لا يستدلون لمذهبهم الضال إلا بمتشابهات القرآن، كما قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ} [آل عمران: 7، 8]، ولذلك فكل استدلالاتهم من القرآن باطلة، وصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سيكون بعدي من أمتي قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة) ([1]) . وقوله صلى الله عليه وسلم في وصفهم (قوم يقرأون القرآن بألسنتهم لا يعدوا تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)([2]) .
[المفتاح الرابع]: الخوارج ومن سلك مسلكهم من أهل البدع أهل الحشو لجهلهم بباب النبوات وما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الأنبياء، نسبوا إلى آدم وحواء عليهما السلام الوقوع في الشرك، واستدلوا لذلك بروايات باطلة تنسب إليهما أنهما المقصودان بقوله تعالى: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيَما آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْـرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُون * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} قالوا بان بأنّ ضمير التثنية في قوله تعالى {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيَما آتَاهُمَا}، يرجع إلى آدم وحواء، والعجيب من هؤلاء الخوارج أنّ الآيات لم تنص على آدم وحواء، ومحال أن يقع نبي مكلم في الشرك، وإلا فما فائدة النبوة وأين تكون العصمة، ولماذا لا يكون المراد من الآيات بيان طبيعة الإنسان الجاحد لنعمة الله، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الاِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ}، والآية جارية مجرى المثل المضروب لبني آدم في نقضهم ميثاقهم الذي واثقوا الله تعالى به، والدليل على ذلك أن الآيات السابقة لهذه الآية تتحدث عن الميثاق الذي أعطاه الاِنسان لربّه ولكنّه نقضه، {وَإِذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاوَنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرّيّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَافَعَلَ المُبْطِلُونَ}، وهذا دليل على أنّ المراد هو تعريف طبيعة الاِنسان الناقض للعهود والمواثيق مع الله، ثم إنّ خاتمة الآية تؤكد ذلك، لأنه سبحانه ختم الآية بقوله: {فَتَعَالى الله عَمَّا يُشْرِكُون}، فلو كان المراد من النفس وزوجها في الآية شخصين معيّنين كآدم وحواء، كان من حق الكلام أن يقول: (فتعالى الله عمّا يشركان )، والآية التالية تؤكد ذلك لقوله تعالى – على سبيل الانكار على المشركين: {أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون}، وحاشا أنْ يكون آدم عليه السلام النبي المكلم مشركاً في عبادة الله، و(الخوارج): استدلوا لكلامهم بحديث رواه الإمام احمد في مسنده والترمذي في سننه: عن الحسن البصري، عن سمرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما ولدت حواء طاف بها إبليس – وكان لا يعيش لها ولد – فقال: سميه عبد الحارث ; فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث، فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره ) ([3]) .
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: الحديث معلول من ثلاثة أوجه: أحدها: أن عمر بن إبراهيم راوي الحديث، قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، والثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعا، والثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا، لما عدل عنه، قال ابن جرير: بسنده عن الحسن: (جعلا له شركاء فيما آتاهما) قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم، وعن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا، فهودوا ونصروا، قال ابن كثير: هذه أسانيد صحيحة عن الحسن، أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب، ثم ذكر ابن كثير آثارا في ذلك ثم قال: هذه الآثار يظهر عليها – والله أعلم – أنها من آثار أهل الكتاب، ونحن فعلى مذهب الحسن البصري، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ; ولهذا قال الله {فتعالى الله عما يشركون} هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، من الأنداد والأصنام والأوثان) انتهى ([4]) . وقال القرطبي: (وهو الذي يعول عليه، فقوله: جعلا له يعني الذكر والأنثى الكافرين، ويعني به الجنسين . ودل على هذا فتعالى الله عما يشركون ولم يقل يشركان) انتهى ([5]) . فالحديث ضعيف لا يثبت، والأولى: ان نقول: أنّه ليس المقصود به آدم وحواء عليهما السلام بذاتيهما، وأنّ الآية جارية مجرى المثل المضروب لبني آدم في نقضهم ميثاقهم الذي واثقوا الله تعالى به، وانه لو المراد من النفس وزوجها في الآية آدم وحواء، كان من حق الكلام أن يقول: (فتعالى الله عمّا يشركان) فحاشا أنْ يكون نبي الله آدم عليه السلام وهو النبي المكلم الذي رأى سجود الملائكة له تكريما، مشركاً في عبادة الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[المفتاح الخامس]:استدلالهم من متشابهات القرآن على جواز نسبة الشك على الانبياء
(1) فِي سورة يُونُس {فَإِن كنت فِي شكّ مِمَّا أنزلنَا إِلَيْك فاسأل الَّذين يقرؤون الْكتاب من قبلك}، جوزوا وقوع الشك على الأنبياء، والشك محال على الأنبياء، إذ لو تتطرق الشك إلى قلوبهم فليس على ظهر الأرض مؤمن، والخطاب في الآية للنبي في الظاهر، ولكن المقصود الحقيقي هو إزالة الشبهات عن المشركين الذين استغربوا بشرية النبي، فيكون المعنى حينئذ قل يا رسول الله لهؤلاء المشركين إذا كنتم في شك من هذا القرآن فاسألوا الراسخين في العلم من أهل الكتاب أمثال عبد الله بن سلام فسيخبرونكم بصدقه لأن عبدة الأوثان كانوا يقرون لأهل الكتاب بأنهم أعلم منهم لوجود الكتب السماوية عندهم،
(2) وفي سورة الشورى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان}، و(المفتاح): أي ما كنت على علم تفصيلي بحقائق القرآن وشرائعه، ولا حقيقة الإيمان وأصوله وأركانه قبل الوحي، والغاية من الآية تذكير بنعمة الله على الرسول، والرد على المعاندين ليدركوا أن ما جاء به الرسول ليس من عنده، بل هو من عند الله، وإثبات صدق الرسالة وأن هذا القرآن هو نور يهديهم إلى الحق، كما في قوله تعالى: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}،
(3) وفي سورة الضُّحَى {ووجدك ضَالًّا فهدى} والمعني أن الله وجدك غافلا عن طريق النبوة والشريعة الكاملة فهدَاك إليها، ويُفسّر أيضًا بأنه وجدك بين قوم ضالين فهداك أنت، وجعل هدايتك لهم، مع التأكيد أن النبي معصوم ولم يكن ضالاً بالمعنى الكفري بل كان حنيفاً موحداً لكنه لم يكن مُكلفاً بعد، والآية إشارة إلى عناية الله بالرسول صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها، وتوجيهه له من حال إلى حال أفضل، فهو لم يكن ضالاً بالمعنى الكفري، بل كان على الفطرة، لكنه كان ضالاً عن تفاصيل الدين الذي سيُوحى إليه لاحقاً.
(4) وفي سورة يُوسُف {إِنِّي تركت مِلَّة قوم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وهم بِالآخِرَة هم كافرون} يقصدون أنه كان على الكفر وهيهات فالانبياء معصومون من الكفر، والمعنى العام أنّ يوسف عليه السلام يقول لصاحبي السجن، إنه بريء من دين قومه الذين يعبدون غير الله ويكفرون باليوم الآخر والحساب، وأنه لم يكن من أهل تلك الملة قط، وإنما يبرأ منها ويتبنى عقيدة التوحيد والآخرة.
(5) وفي سورة ابراهيم {وَقَالَ الَّذين كفرُوا لرسلهم لنخرجنكم من أَرْضنَا أَو لتعودن فِي ملتنا}، يقصدون المعنى الحرفي وهو العودة إلى الكفر الذي كانوا عليه، وهذا محال، لعصمة الأنبياء، والمعنى: لنخرجنكم من قريتنا، أو لترجعن عن دينكم إلى ديننا، والمعنى: أو لتصيرن إلى ديننا،
(6) وفي سورة الاعراف {قَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه لنخرجنك يَا شُعَيْب وَالَّذين آمنُوا مَعَك من قريتنا أَو لتعودن فِي ملتنا قَالَ أولو كُنَّا كارهين قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا}، والمعنى كما الآية السابقة، يعني أن العودة إلى الكفر أو إلى ملتهم الضالة أمر مستحيل وغير ممكن لهم إلا بمشيئة الله وقضائه، والمعنى الإجمالي: “لا يمكن لنا أن نعود إلى ملتكم الضالة أبداً، إلا إذا شاء ربنا ذلك وقضى به، وهذا يظهر إيماننا الكامل بأن كل شيء بيده، وليس لنا من الأمر شيء.
(7) وفي سورة الْأَنْعَام {فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكبا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين فَلَمَّا رأى الْقَمَر بازغا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة قَالَ هَذَا رَبِّي}، قالوا: قوله عليه السلام: (هذا ربي) في المواضع الثلاثة ظاهر في أنّه (عليه السلام) كان في صباه وقبل البلوغ وقبل أن يجري عليه القلم في مقام البحث والتحري عن الإله حتى وصل إلى الرب الحق، وهذا الذي قالوه لا يجوز نسبته إلى أحد من الانبياء فضلا عن الخليل، إذا الانبياء مفطورون على التوحيد مذ ولادتهم وإلى أن يلقوا الله على ذلك التوحيد، بل الحاصل أن إبراهيم الخليل عليه السلام كان في معرض المحاججة مع قومه، وكان بعضهم يعبد الكواكب والبعض يعبد القمر والبعض يعبد الشمس، فأتى على معبوداتهم يهدم اعتقادهم ويثبت لهم أنهم على الباطل، فكان أوقع في نفوسهم واثبت للحجة ان يتبنى مذهبهم أولا ثم يبطله ثانيا، كما فعل مع الأصنام فإنه بعدما كسرها قال (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} فهو يثبت لهم انها لا تصلح للإلهية لأنها خرساء عاجزة عن الدفاع حتى عن انفسها، فكيف تدافع عن عابديها، فهذا هو طريق الخليل عليه السلام في تبني قول الخصم ثم الاتيان عليه من قواعده فلا يدع مجالا لمجادل، ولذا قال تعالى في خاتمة الآيات: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، ولهذا قال أهل العلم بالأصول أنّ إمام المتكلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو الخليل إبراهيم عليه السلام.
(8) وفي سورة الْبَقَرَة {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259]، قالوا: أن عزيرا شك في البعث، وأنه لما اماته الله مائة عام ثم بعثه أيقن بان الله على كل شيء قدير، وهذا خطأ، فالآية تحكي قصة النبي عزير عليه السلام الذي مر على قرية مدمرة، فتساءل كيف يحيي الله هذه القرية بعد خرابها، فأماته الله مئة عام ثم بعثه، ورأى بأم عينيه إحياء الله لعظام حماره والقرية، فعلم علم اليقين قدرة الله على الإحياء بعد الموت، بعد أن كان يعلم ذلك ويؤمن به علمًا نظريًا أصبح علمًا حسيًا يقينيا.
(9) وفي سورة يُوسُف {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110]، استدلوا بالآية على ان الأنبياء قد يصيبهم اليأس والظن السيء، وهذا من اعظم الجهل، فإنّ الضمائر في قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} لا ترجع إلى الرسل، ولكنها تعود إلى الامم، وليس إلى الرسل، ومفاد الآية انّ الرسل عليهم السلام كانوا ينذرون قومهم، وكانوا يعدون المؤمنين بالنصر والغلبة ويوعدون الكفّار بالهلاك والاِبادة، لكن إذا تأخر النصر الموعود ظنت الاَمم أنّ الرسل كذبوا في ما أخبروا به من نصر الله إيّاهم وأهل اك أعدائهم، فأخذوا يستهزئون بالمؤمنين، آنذاك: جاءهم نصرنا، فنجّي من نشاء وهم المؤمنون، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين.
(10) وفي سورة الأنبياء: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، زعموا أنّ يونس عليه السلام خالف أمر ربه، والحاصل انّ يونس عيه السلام نبي معصوم دعا قومه فلم يوَمنوا فأخبرهم بوقوع العذاب، وفارقهم قبل نزول العذاب، ظنا منه أن العذاب واقع عليهم لا محالة، وظنا منه انّ الله تعالى لن يؤاخذه، فلمّا أشرف عليهم العذاب تابوا وآمنوا، فكشفه الله عنهم، وعاتبه لأجل مفارقته قومه مع إمكان رجوعهم إلى الله سبحانه وإيمانهم به، وأُمّة يونس عليه السلام هي الاَمّة الوحيدة التي نفعها إيمانها قبل نزول العذاب، قال تعالى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين}، يونس عليه السلام ذهب مغاضباً لقومه لعدم استجابتهم له، عندما ظهرت أمارات العذاب، وظن أن لن يضيق الله عليه بسبب تركه لقومه، ثم ندم على عمله (فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أي لنفسه، فاستجاب الله تعالى له ونجاه من الغم.
[المفتاح السادس]:استدلالهم من متشابهات القرآن على جواز وقوع المعاصي من الأنبياء:
(أولا): في حق آدم عليه السلام: نسبوا إليه الظلم والمعصية وهونبي مُكلم:
(1) قصة آدم عليه السلام فِي سورة الْبَقَرَة {وَقُلْنَا يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين}، وفي سورة الاعراف {وَيَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة فكلا من حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين}، وفيهَا {قَالَا رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}، قالوا: نهى الله تعالى آدم عليه السلام عن الشجرة فعصى آدم ربه وأكل منها، وصار من الظالمين، وانّ هذا يدل على جواز وقوع المعصية والكبيرة من النبي شرط ان يتوب بعدها، وكلامهم خواء عن الصحة والفهم، ولو كان ذلك من انسان عادي لكان منقص في حقه فكيف بأبي البشر النبي المُكلم الذي اسجد الله تعالى له الملائكة، والقصة كما يلي: آدم عليه السلام نبي مُكلم معصوم والخوارج وأهل البدع لا يعرفون كيف يتعاملون مع النصوص التي تخص الانبياء، والعلماء يفرقون بين درجات النهي، ويقولون بان هناك نهي ارشاد مثله مثل الطبيب الذي ينهى المريض عن طعام معين خوفا على صحته، وهناك نهي تكليف كما نهانا الله تعالى عن الزنا وشرب الخمر، فالأول نهي ارشاد وارفاق وتعليم والثاني نهي تكليف وتحريم، وقد ذهب أهل العلم بأصول الدين، وما يجب وما يجوز وما يستحيل في حق الأنبياء إلى القول بأن نهي آدم عن الأكل من الشجرة كان نهي إرشاد ورفق، وليس نهيا على جهة التكليف والتحريم، ثم أنساه الله تعالى بعد ذلك إرشاده إياه ووصيته له فأكل من الشجرة غافلا عن الوصية فكانت تلك بمثابة المعصية، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]، فلما تاب وهو على قول القائل: (حسنات الأبرار سيئات المقربين) تاب الله عليه واجتباه، إنّ النهي الرباني ينقسم إلى قسمين: نهي إلزام ونهي نصح وإرشاد، نهي الإلزام مخالفته معصية، أما نهي النصح والاِرشاد، فإن مخالفته لا تعد معصية على المعنى الاصطلاحي عند أهل الأصول، وعند النظر إلى القرائن الموجودة في الآيات نجد انها إرشادية تهدف إلى صيانة آدم من آثار الأكل من تلكم الشجرة، مثل الخروج من الجنة، كما في قوله تعالى: {فَقُلْنَا يا آدمُ إنَّ هَذَا عَدُوّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى}، فإنّ قوله سبحانه: {فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى} صريح في أنّ أثر امتثال النهى هو البقاء في الجنّة، وهذا يدلّ على أنّه سبحانه كان ينهى آدم بصورة الاِرشاد والنصح، وانّه لو خالف هذا الأمر لترتب عليه الخروج من الجنة والشقاء، وكما في قوله تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوّ مُبِينٌ}، فإن الاسلوب القرآني اسلوب النصح والاشفاق على آدم، وكذلك قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُرِىَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءاتِهِمَا}، يبين أنّ ما يترتب على الأكل من الشجرة هو ظهور العورة، وبداية رحلة الشقاء والمعاناة، ومن تدبر وسوسة الشيطان رأى انها جاءت على صورة النصح أيضا {وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}، ولو كان الامر الإلهي امر إلزام لما صدق آدم عليه السلام قسم الشيطان وهو لا يتصور أن أحدا يقسم بالله كاذبا، إذ كيف ينصح في امر قد نهى الله تعالى عنه نهي إلزام، وإنما يستقيم القسم بالنصح إذا كان الامر الاول أمر هداية وإرشاد، وهذا واضح لمن له أدنى إلمام بأساليب الكلام واختلافها ما بين إلزام وإرشاد، والحاصل أن نبي الله آدم عليه السلام ترك الاولى والأفضل، ولم يكن العصيان على معناه المراد، الله سبحانه أعزّ آدم بتعليمه الاَسماء، وأسجد له الملائكة، وفي هذه الحالة طلب منه أن يترك الاَكل من الشجرة المعينة، كان المترقب من مثله وهو نبي مكلم أن يتورّع عن أيّة مخالفة مهما صغرت، ومهما كان الاَمر والنهي غير إلزاميين.
ولأجل ذلك يعد هذا العمل في حق النبي معصية تحتاج إلى توبة، من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولهذا كان المحكم في ذلك هو قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}، فالأسلوب القرآني لا يلائم المعصية إذا كانت معصية، وإنما المعنى: وصيناه أن لا يأكل من الشجرة وأرشدناه إلى ذلك فنسي امرنا، ولم نجد له حزما، وهذا يدل على أن آدم عليه السلام (النبي المكلم) ظلم من ذريته ظلما كبيرا عندما ظنوا أنه خالف الامر الرباني وأخرجهم من الجنة، بل كان الأمر أمر نصح وإرشاد واجتهد آدم عليه السلام، وكان اجتهاده عائدا على نفسه إذ لم يسمع النصيحة، فعرّض نفسه للشقاء، وقد يتمسك أهل البدعة بظاهر الآية: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}، على أن آدم عصى وغوى ثم تاب فتاب الله عليه، ولو كان الامر على أحد الناس لهان الأمر ولكنه على آدم النبي المعصوم، فلابد من معرفة معنى العصيان ومعنى الغواية في الآية، كلمة (عصى) فهي وإن كانت مستعملة في مصطلح الشرع في الذنب إلا أن المعنى الحقيقي لها: أنّ المعصية هي خلاف الطاعة، فإن كان الاَمر إلزامياً كان العصيان ذنباً، وإذا كان أمراً إرشادياً على سبيل النصيحة وحسب لم تكن المخالفة ذنباً في المصطلح، ولأجل ذلك لا يصلح التمسّك بهذا اللفظ وإثبات الذنب على آدم (عليه السلام )، وأما كلمة (فغوى ): فالغي يستعمل بمعنى الخيبة، والمعنى المراد من (الغي) في الآية هو خيبة آدم بحرمانه من الجنة، أهل الحشو يظنون ان (الغي) هنا في الآية بمعنى الضلال في مقابل الهدى والرشاد، وليس كذلك، لأن الضلال قد يأتي بمعنى عدم معرفة الأصلح والأصوب، ومنه تقول العرب (ضل الطريق) إذا لم يعرف الطريق، ومنه قوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى}، أي لا تعرف طريق النبوة فهداك إليه، إذن ليس كل غي ضلال ولا كل ضلال معصية، و (آدم) عليه السلام بعدما أكل من الشجرة بدت له سوأته وخرج من الجنة وهبط إلى دار الفساد، فعندئذ غوى عن مصلحته الذاتية ولم يكن الامر غواية عن طريق الله ولا معصية في حق الله، بل كل ذلك في حق نفسه وحسب، وقد يتمسك (الخوارج) بظاهر الآية: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أن فعل (آدم) عليه السلام كان معصية لأنه قال {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، و معنى (الظلم) وضع الشيء في غير موضعه، ومن أمثال العرب قولهم (من أشبه أباه فما ظلم )، فإذا كان معنى الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، لا يلزم أن يكون كل ظلم ذنباً ومعصية، فمن لم يسمع قول الناصح المشفق وعمل بخلاف قوله فقد ظلم نفسه، وهذا معنى الآية: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أي لم نسمع نصيحتك فكان عاقبة ذلك ان ظلمنا انفسنا، ويؤيده قوله سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} فالمقصود ظلم النفس، بإخراجها من النعيم إلى الشقاء، وقد يتمسك (الخوارج) بظاهر الآية: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، ويقولون انه ما دامت هناك توبة فلابد وان تكون هناك معصية، ونقول: لا تلازم، لان (التوبة) تأتي بمعنى الرجوع لاسيما إن تعدت بحرف الجر (على )، كقوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِىّ}، ولم يكن له ذنب آنذاك، بل المعنى [رجع عليه بالرحمة]، أما إن تعدت بحرف الجر (إلى) فتعني التوبة من الذنب كما قال تعالى: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، إذن الآية {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، كانت التوبة بمعنى الرجوع، أي: انّ الله تعالى رجع عليه بالرحمة، ومثله قوله: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) فالتوبة هنا من الله على (آدم) عليه السلام، بمعنى رجع الله تعالى عليه بالرحمة، وليس دلالة على وقوع الذنب، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّه ليران على قلبي وانى استغفر الله كل يوم سبعين مرّة ) [أخرجه مسلم] وليس هذا الاستغفار دليلاً على صدور الذنب، بل هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، فعندما ينظر النبي إلى حق الربوبية والإلهية عليه يشعر بالتقصير ومن ثم الاستغفار من هذا التقصير، ولا ذنب ولا معصية، وقد يتمسك (الخوارج) بظاهر الآية: {وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، على أن المغفرة تقابل اقتراف الذنب، ولا دلالة، لان أصل المغفرة هو [التغطية والستر]، فإذا كان الغفران بمعنى الستر فلا ملازمة بين الستر والذنب، فإنّ المستور ربّما يكون ذنباً وربّما يكون من باب مخالفة الاولى، ولأجل ذلك طلب (آدم) عليه السلام من الله سبحانه أن يستر العيب وان يرجع عليه بالرحمة، {وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} بسبب عدم قبول النصيحة من رب العالمين، وبه يتبين براءة (آدم) عليه السلام من الذنب والمعصية بالمعنى الاصطلاحي، وانه نبي مكلم معصوم، نبي الله (آدم) عليه السلام كان معصوما، وقد ظلم من ذريته ظلما كبيرا عندما ظنوا أنه خالف الامر الرباني الإلزامي فعصى وغوى وضل، بل كان الأمر أمر نصح وإرشاد وحسب، واجتهد آدم عليه السلام، وكان اجتهاده عائدا على نفسه، وكله كان من باب القضاء والقدر ولذا حج آدم موسى، ولوكان آدم عاصيا على الحقيقة لم استطاع أن يحج موسى، في الحديث: (حاجَّ موسى آدم عليهما السلام فقال له: أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم، قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحجَّ آدم موسى ) ([6]) .
فإن كان آدم عليه السلام عاصيا مذنبا على الحقيقة لكان في قوله احتجاج بالقدر على المعصية وهذه وحدها كبيرة، بل الأمر على غير ذلك، إنه احتجاج على القدر بالمصيبة وليس بالمعصية، ومثاله، رجل خرج من بيته فزلقت رجله فانكسرت فقال له قائل لو لم تخرج من بيتك لما كسرت رجلك، فيقول له هذا قدر قدره الله تعالى عليّ فيكون كلامه في محله، ويكون احتجاجه على القدر من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب والذنوب والمعاصي، بخلاف آخر شرب الخمر فعاتبه الناس فيقول هذا أمر قدره الله علي، فهذا لا يكون من باب المحاججة بل من باب الاستخفاف بالقضاء والقدر، وقاعدة أهل السنة والجماعة (لا يجوز الاحتجاج على القضاء والقدر بالمعاصي) ولو كان (آدم) عليه السلام عاصيا حقيقة لما استطاع ان يحج موسى عليه السلام، فدل ذلك يقينا على أنّ الامر الرباني بعدم الأكل من الشجرة كان من باب النصح والارشاد وليس من باب الامر والإلزام.
(ثانيا): في جق نبي الله نوح عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك به الخوارج ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابه قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 45، 46]، على أن نوحا عليه السلام راجع ربه الذي وعده بنجاة اهله عندما رأى غرق ابنه بقوله: (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي )، وقد فسر العلماء الآية بأن الله تعالى نفى أن يكون ابن نوح من أهله الذين وعد الله بنجاتهم، {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}، أي أنه ليس من أهلك في العقيدة والدين، والحاصل أن نوح عليه السلام لم يطالب بنجاة ابنه الكافر معاذ الله، ولكن غاية الأمر استفسار من نبي الله توح أنك يا ألله وانت اعلم وأحكم وعدني بنجاة أهلي وإن ابني من اهلي ووعدك حق وصدق فماذا حدث، يسأل على سبيل العلم لا على سبيل الاعتراض وحاشاه، وهو القائل في سورة نوح {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}، فكان الجواب: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، فكان الرد: {قَالَ رَبّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الخَاسِرينَ}، فالأمر كله على سبيل الاستعلام لا على سبيل الاعتراض وحاشاه وهو النبي المرسل، ومن أولي العزم من الرسل أن يعترض على حكم الله، قصارى الأمر، وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين: صدور سؤال منه غير لائق بساحة الاَنبياء، ولأجل ذلك خوطب بالعتاب: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، فكان الرد من نبي الله نوح هو التسليم المطلق لحكمة الله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، فكان الرد الإلهي على هذا التسليم: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ}، فأين المعصية في كل هذا، ثم إنّ (الراجح) كما قال الكثير من المفسرين أنّ الابن كان متظاهرا بالإيمان مبطناً للكفر، ويدل على ذلك قول نوح لابنه عندما امتنع أن يواكب أباه في ركوبه السفينة: (يَا بُنَىَّ ارْكَب مَعَنَا وَلاَ تَكُن مَعَ الْكَافِرينَ )، أي لا تكن معهم حتى تشاركهم في البلاء، ولو كان عارفاً بكفره لكان عليه أن يقول: (ولا تكن من الكافرين )، فلما أدركه الغرق أدركته الحيرة في أنّه كيف غرق مع أنّ وعده سبحانه حق لا يشوبه ريب، ولم يكن نوح مطّلعاً على باطن ابنه، بل كان معتقداً بظاهر الحال أنّه موَمن، وعندئذ استفسر بقوله: {انّ ابنى من أهلي وإن وعدك الحق}، وأجابه الله تعالى بأنّه ما أدركه الغرق إلاّ لاَجل كفره، فهو لكفره كان داخلاً في قوله تعالى: {إلاّ من سبق عليه القول} أي بالكفر والعناد،) كان نوح (عليه السلام) يتصور أنّ ولده موَمن فاستفسر من العليم الحكيم، فنبّهه سبحانه على أنّه ليس من أهلك، والمعنى: (انّ ولدك وإن كان من نسلك لكنّه ليس من الاَهل الذين وعدت بنجاتهم وخلاصهم لأنه كافر داخل في المستثنى بقولي: {إلاّ من سبق عليه القول منهم}، وهم الكفار، وقوله عليه السلام: {وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}، ليس معناه وقوعه في الذنب، فطلب المغفرة والرحمة لا تلازم بينه وبين المعصية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قول (استغفر الله العظيم من كل ذنب واتوب إليه )، وكان الصحابة رضي الله عنهم يحصون له في المجلس الواحد أكثر من سبعين استغفارا، وليس استغفار من ذنب وإنما من تقصير في حق الإلهية والربوبية بسبب عجز الجنس البشري وإن كان كاملا كما هو حال الانبياء عن استيفاء حقوق الربوبية والعبودية والإلهية لله.
(ثالثا): في جق نبي الله إبراهيم عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك به الخوارج ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، في انه استدل لمعرفة ربه سبحانه بأفول الكواكب والقمر والشمس، وأنه قبل ذلك لم يجري عليه القلم، وهذا من أجهل الجهل بحال الأنبياء وعصمتهم، والخليل إبراهيم (عليه السلام) هو خير أولي العزم من الرسل بعد النبي صلى الله علسيه وسلم، خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}، أي وفى بكل ما امره الله تعالى به، وكان له موقف مع كل أهل الشرك، خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، و خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، وقال سبحانه مخاطبا سيد المرسلين بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّني هَدَاني رَبّي إِلَى صِـرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، ومع كل هذا الثناء على الخليل إبراهيم (عليه السلام) يريد أهل الحشو أن ينسبوا إليه ما لا يليق.
(1) قوله تعالى: {وكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمواتِ وَالا ََرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِين * فَلَمّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِني رَبّي لا ََكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْركُونَ}، قال أهل الحشو: قوله: (هذا ربي) في المواضع الثلاثة ظاهر في أنّه (عليه السلام) كان في صباه وقبل البلوغ وقبل أن يجري عليه القلم في مقام البحث والتحري عن الإله حتى وصل إلى الرب الحق، وهذا الذي قالوه لا يجوز نسبته إلى أحد من الانبياء فضلا عن الخليل، إذا الانبياء مفطورون على التوحيد مذ ولادتهم وإلى أن يلقوا الله على ذلك التوحيد، بل الحاصل أن إبراهيم الخليل عليه السلام كان في معرض المحاججة مع قومه، وكان بعضهم يعبد الكواكب والبعض يعبد القمر وابعض يعبد الشمس، فأتى على معبوداتهم يهدم اعتقادهم ويثبت لهم أنهم على الباطل، فكان أوقع في نفوسهم واثبت للحجة ان يتبنى مذهبهم أولا ثم يبطله ثانيا، كما فعل مع الأصنام فإنه بعدما كسرها قال (بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون} فهو يثبت لهم انها لا تصلح للإلهية لأنها خرساء عاجزة عن الدفاع حتى عن انفسها، فكيف تدافع عن عابديها، وكان الحاصل كما ذكر القرآن الكريم: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}، فكانت الفرصة التي يريدها الخليل فقال كما ذكر القرآن الكريم: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، عبر لهم عن حقيقة أصنامهم وانها لا تضر ولا تنفع، فأبوا: و {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}، فتدخلت القدرة الإلهية بقوله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}، هذا هو الحاصل، طريق الخليل هي تبني قول الخصم ثم الاتيان عليه من قواعده فلا يدع مجالا لمجادل، ولذا قال تعالى في خاتمة الآيات: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، ولهذا قال أهل العلم بالأصول أنّ إمام المتكلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو الخليل إبراهيم عليه السلام، ومما يدل على ان ذلك كان منهجه عليه السلام، ما جاء في سورة الصافات: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ}، معنى الآيات أنه حاججهم بقوله {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، فلما آيس منهم احتال عليهم، كانوا ينظرون في النجوم يستطلعون الغيب، فشابههم لكي يعتذر منهم من الخروج إلى عيدهم، وكان بنوي أن يختلي بالأصنام يكسرها {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} احتال عليهم لاجل اظهار الحق، فأوهمهم انه ينظر إلى النجوم مثلما يفعلون حيث كانوا يستكشفون من الاَوضاع الفلكية الاَحداث المستقبلية وتعلل بانه لن يخرج معهم لأنه سقيم، هو أراد أنه سقيم القلب من عبادتهم للأوثان، وهم ظنوا أنه يشتكي المرض، أو ان طالع النجوم أخبره بانه سيمرض، نظر في السماء على عادتهم وأوهمهم أن النجوم تدل علي أنه سيسقم غدا، وكانوا منجمين، فتركوه مقتنعين بحاله، وإلا لما تركوه يختلي بأصنامهم وهو الذي قد توعدها من قبل، فاختلى بالأصنام وكسرها، وصدق فيه قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}، أي وفى بكل ما امره الله تعالى به في الدفاع عن عقيدة التوحيد، حنى كان له موقف مع كل أهل الشرك باختلاف أقسامهم.
(2) حديث البخاري: عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَّا ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَوْلُهُ {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]. وَقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]. وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلاَ تُكَذِّبِينِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا، قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ ” قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ ) ([7]) .فــ (الكذب) هنا من باب التورية والمعاريض، يقصد شيئا حقا وصدقا ولا يفهمونه، فقوله {إني سقيم} أراد أنه سقيم القلب من عبادتهم للأوثان، وفهموا أنه مريض لا يتمكن من الخروج معهم، وقوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} له قرائن تدل على أنه لا يقصد سوى إقامة الحجة عليهم بانها أصنام لا تقدر على شيء، والسياق يدل على ذلك {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} فهو يطلب منهم ان يستوثقوا صحة ذلك {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}، فكانت الفرصة التي يريد الخليل أن يصل إليها {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، أما قوله ان سارة أختي، يقصد في الإيمان، إنما المؤمنون إخوة، فالصدق واجب في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في كل أقوالهم وأفعالهم واحوالهم، مع الله ومع الناس، واتصافهم بالكذب محال، ولا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق في كل أحواله.
(رابعا): في جق نبي الله يوسف عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك به الخوارج ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، في هم يوسف عليه السلام بامرأة العزيز: استدل أهل الحشو بقوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}، وزعموا انه قد وقع منه الهم ولكن تداركته رحمة الله فرأى برهان ربه فامتنع من المعصية، وكلامهم باطل لا أساس له من الصحة، ومن فهم اللغة علم ان (لولا) حرف امتناع لوجود، امتناع الهم لوجود العصمة، فلولا انه رأى برهان ربه (النبوة والعصمة) لوقع منه الهم ولكنه لم يقع منه الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، أهل الحشو ذكروا المحال وانه وقع منه (الهم) جزما، واستدلوا لذلك بما ورد في الاسرائيليات وأخبار أهل الكتاب وانه لما جلس منها مجلس الخيانة والخطيئة، أدركه برهان ربّه ونجّاه من الهلكة، ولو كان الامر كذلك فلربما وقف بعض الصالحين موقفا خيرا من موقف العفيف النبي ابن يعقوب النبي ابن اسحق النبي ابن الخليل إبراهيم، كان يهرب من الفتنة بلا هم، فكيف بنبي الله الذي يستحيل عليه التفكير في الإثم، حال الأنبياء ليس كحالنا هم معصومون حتى عن مجرد التفكير في الإثم ومن نظر في رد يوسف عليه السلام علم بداهة انه يستحيل عليه التفكير في الإثم والمعصية، قال تعالى: {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، الرد يستحيل معه تصور الهم السيء، ومن عرف ان (لولا) حرف امتناع لوجود المانع، فلولا انه رأى برهان ربه لوقع منه الهم ولكنه لم يقع من الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، والعصمة هي اليقين المانع من الذنب، فمحال أن يقع في قلب نبي هم بمعصية فكيف بالزنا والعياذ بالله، سبحانك هذا بهتان عظيم، ومن تدبر قوله تعالى لنبيه سيد الانبياء والمرسلين: {وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيءٍ} ومحال أن نظن بحبيب الرحمن وسيد الانام ظاهر المعنى، (لولا) حرف امتناع لامتناع، والمعنى أنه لولا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ بالنبوة والعصمة لكان يسري عليك ما يسري على بني آدم، ولكنه لا يكون لما فضلك الله به من الرسالة والنبوة والعصمة.
(خامسا): في جق نبي الله موسى عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك به الخوارج ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، عصمة كليم الله موسى (عليه السلام) من المعصية، وموسى عليه السلام كليم الله، أحد أولي العزم من الرسل، قال تعالى عنه: {وَ اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الاَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً}، استدلوا على عدم عصمته بثلاثة أمور: (الأول) قتله القبطي وتوصيفه بأنّه من عمل الشيطان، و(الثاني) أخذه الغضب وألقى الألواح وفيها كلام الله، ثم لما سكت غنه الغضب أخذها، قال تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}، و(الثالث) مشاجرته أخاه هارون النبي مع عدم كونه مقصّـراً.
(الأمر الأول) قتله القبطي وتوصيفه بأنّه من عمل الشيطان: قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أهلها فَوَجَدَ فِيهَا رَجُليْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذا مِنْ عَدُوِّه فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوّ مُضِلّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفْسِي فَاغْفِر لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، قالوا: قتل نفسا واقر بانه كان من عمل الشيطان، واقر بالظلم وطلب المغفرة، فغفر الله تعالى له، وكلامهم كله من الجهل المركب، فإنّ نبي الله موسى عليه السلام قال ذلك هضما لنفسه على عادة الأنبياء، لأنه لا دخل له في مقتل هذا الجندي، وإنما هو قدر الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو كثيرا بهذا الدعاء ويستغفر الله في كل مجلس ويتوب إليه، واما دعائه لنفسه بالمغفرة {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فليس في طلب المغفرة أي دليل على صدور المعصية، لاَنّ المغفرة تأتي بمعنى الستر، وكان اكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (الاستغفار) ولا يلزم من ذلك المعصية، ولكنه التقصير في حق الإلهية والربوبية وحقهما فوق طافة البشر ولو كانوا انبياء، فلزم الاستغفار من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وحاصل القصة: أنّ موسى عليه السلام لم يكن يقصد قتله وإنما أراد أن يردعه عن ظلم المظلوم فوكزه بغير نية القتل فمات بقدره، لقد كان المقتول من جند فرعون الذين علوا في الأرض ظلما وفسادا، قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَونَ عَلا فِي الا ََرْضِ وَجَعَلَ أهلها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ويَسْتَحْىِ نِساءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدينَ}، ولم يكن فرعون قائماً بهذه الاَعمال إلاّ بجنده الظالمين، ولهذا الظلم كان هذا الرجل من أعداء موسى، لأنه كان كافرا بالله ظالما في معاملة عباد الله من نسل يعقوب وقد كانوا آنذاك هم المؤمنون، وعلى ذلك فقتل مثل هذا الكافر الظالم لا يعد عملاً قبيحاً، وقد كان بصدد قتل المؤمن من شيعة موسى عليه السلام، ولم يقصد موسى قتله، فلا يعد هذا معصية ولا ذنبا، واما قوله عليه السلام: {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}، يقصد المشاجرة والاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين، ولا حرج في نسبة المعاصي إلى الشيطان، كما قال سبحانه: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الاَنْصابُ وَ الاَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوه ُلَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، أما قوله تعالى حكاية عن الكليم موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فإنه قال ذلك هضما لنفسه على عادة الأنبياء، لأنه لا دخل له في مقتل هذا الجندي وإنما هو قدر الله،
أما (الامر الثاني والثالث) أخذه الغضب وألقى الألواح وفيها كلام الله، وجذب أخاه هارون النبي من لحيته ورأسه مع عدم كونه مقصّـراً، فلها قصة لا يصلح معها إلا ما فعله موسى عليه السلام، واعد الله تعالى موسى ـ بعد أن أغرق فرعون وجنده ـ بأن يأتي جانب الطور الاَيمن فيوفيه التوراة التي فيها بيان الشرائع والاَحكام وما يحتاج إليه، وكانت المواعدة على أن يوافي الميعاد مع جماعة من وجوه قومه، فتعجّل موسى من بينهم شوقاً إلى ربّه وسبقهم على أن يلحقوا به، ولمّا خاطبه سبحانه بقوله: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى} أجابه كما جاء في القرآن الكريم: {قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} (على أثري) وورائي يدركونني عن قريب، وعند ذلك أخبره سبحانه بأنّه امتحن قومه بعد فراقه (وأضلّهم السامري )، فرجع موسى من الميقات إلى بني إسرائيل حزيناً مغضباً، فرأي أنّ السامرى (أخرج لهم عجلاً) جسداً له صوت، وقال: إنّه إله بني إسرائيل عامة، وتبعه السفلة والعوام، واستقبل موسى هارون فألقى الاَلواح وأخذ يعاتب هارون ويناقشه، الموقف لا يحمل أقل من ذلك، لان بني اسرائيل هلكوا وكفروا بعد كل الآيات والمعجزات وعبدوا العجل، قال تعالى – في سورة طه -: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الاَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوْا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِىَ الاَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، فنبي الله موسى عليه السلام أخلف هارون عليه السلام على قومه، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى لاَخِيهِ هَارُونَ اخُلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}، وقام هارون بوظيفته في قومه، فعند ما أضلّهم السامري ناظرهم بقوله: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}، فاكتفى بالبيان انتظارا لمقدم موسى عليه السلام، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}، السامري أضل بني إسرائيل، وعبدوا العجل من دون الله، فكان لابد في هذا الموقف العصيب أن يظهر موسى عليه السلام غاية الغضب انتصارا لعقيدة التوحيد، وتنبيها لقومه ان ما فعلوه كفر اكبر اهدر كل ما كانوا عليه من الإيمان، وفي هذا الظرف العصيب أظهر كليم الله غضبه بإلقاء الاَلواح جانباً، ومناقشته أخاه بقوله: (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي )، فلا يحتمل الموقف غير هذا، وإلا لتهاون بني إسرائيل وحسبوا الموقف هينا، وهو عند الله عظيم، أهلك الله عدوهم، فكان المترقب منهم هو الثبات على طريق التوحيد ومكافحة ألوان الشرك ـ ومع الاَسف ـ فإنّهم كفروا بالله وعبوا العجل، بنو إسرائيل كانوا غافلين عن مدى الجرم الذي ارتكبوه فكان لابد أن ينبههم رسولهم على خطورة الامر، وإلا تمادى القوم في غيّهم وضلالهم وحسبوا أنّهم لم يقترفوا ما يستحقون عليه اللوم والعتاب، وهكذا قام الكليم بمعالجة القضية، ولولا ما قام به لهلكت أمته وكانت من اخس الامم كفرا وجهلا حيث عبدوا عجلا بعدما راوا من الايات الباهرات.
(سادسا): في جق نبي الله داود عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك به الخوارج ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، في عصمة نبي الله داود (عليه السلام)، قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ * يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 21 إلى 26].
تمسك الخوارج وأهل الحشو بما جاء في الاسرائيليات أن نبي الله داود عليه السلام كانت له تسع وتسعون امرأة , إذ جاءه الشيطان قد تمثّل في صورة حمامة من ذهب، حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي , فمد يده ليأخذه , فتنحى فتبعه , فتباعد حتى وقع في كوّة, فذهب ليأخذه , فطار من الكوّة, فنظر أين يقع , فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها, فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقا , فحانت منها التفاتة فأبصرته , فألقت شعرها فاستترت به , قال: فزاده ذلك فيها رغبة , فسأل عنها, فأخبر أن لها زوجا , وأن زوجها غائب، في جند داوود، فبعث إلى أمير الجند أن يؤمره ويرسله إلى قتال الاعداء، فبعثه , ففتح له. وكتب إليه بذلك , فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ آخر , أشد منهم بأسا, فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك, فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا, فبعثه فقتل المرة الثالثة , فتزوج امرأته، فلم تلبث عنده إلا يسيرا حتى بعث الله مَلَكين في صور إنسيين , فطلبا أن يدخلا عليه, فوجداه في يوم عبادته, فمنعهما الحرس أن يدخلا فتسوّروا عليه المحراب وكانت القصة، ونحن نربأ بأنبياء الله تعالى المعصومين أن يصلوا إلى ما في القصة من الظلم واللؤم، يتغمد قتل الجندي حتى يستأثر بزوجته، هذه أكاذيب الإسرائيليات، والقصة على خلاف ذلك تماما، أراد الله تعالى أن يعلم نبيه التأني في القضاء لانه سيجعله خليفة في الارض يقضي بين الناس فلابد من سماع حجج جميع الأطراف حتى لا يقع في ظلم احد، فأرسل له الملكين في صورة رجلين فلما عرض الاول قصته تعجل في الحكم قبل سماع حجة الثاني، فاختفى الملكان وعلم داود انه تعليم من الله تعالى كيف يكون القضاء بين الناس، فلما تاب واناب وعلم احكام القضاء خاطبه الله تعالى بقوله: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}، لقد كان الهدف من طرح تلك الواقعة هو تسديد نبي الله داود في خلافته وحكمه بين الناس حتى يمارس القضاء بالنحو اللائق بساحته ولا يغفل عن التثبت.
(سابعا): في حق سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: قالوا جاء في حقه الكثير من العتاب، ولكن الله تاب عليه وعفى عنه، ففي سورة التَّوْبَة، قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ * لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44 , 45]، وفي سورة الْأَنْفَال {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة وَالله عَزِيز حَكِيم لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} [الأنفال: 67]، وفي سورة الإسراء، قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}، وفي سورة الأحزاب، {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]، وفي سورة محمد {واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات}، وفي سورة التَّحْرِيم {يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك تبتغي مرضات أَزوَاجك}، وفي سورة عبس: {عبس وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى}، وفي سورة الشرح: {ووضعنا عَنْك وزرك الَّذِي أنقض ظهرك}.
(1) قوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}، {عفا الله عنك لم أذنت لهم}، تلطف تعالى في عتاب الرسول، حيث قدم العفو على العتاب اكراما له عليه السلام، بل من هذه الآية يعرف الانسان مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه، وعلو قدره، وسمو منزلته، والمعنى: سامحك الله يا رسول الله، لم اذنت لهؤلاء المنافقين، في التخلف عن الخروج معك بمجرد الاعتذار، {حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}، أي هلا تركتهم حتى يظهر لك الصادق منهم في عذره، من الكاذب المنافق، {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر}، أي لا يستأذنك عن الجهاد من يؤمن بالله واليوم الاخر {أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم}، لانهم يعلمون ما أعده الله للمجاهدين الابرار من الاجر الجزيل، فكيف يتخلفون عنه؟ {والله عليم بالمتقين}، عليم بحالهم لانهم مخلصون في الايمان متقون للرحمن، {انما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الاخر}، أي انما يستأذنك المنافقون، الذين لم يثبت الايمان في قلوبهم، {وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون}، أى شكت قلوبهم في الله وثوابه، فهم يترددون حيارى لا يدرون ما يصنعون، اسلوب الكلام في الآية، اسلوب حب وتحنن وعطف، {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ}، وكلنا يعلم من خلق النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يرد سائلا أبدا ولا يعنف معتذرا أبدا بل يكلهم إلى نياتهم والله عالم بحالهم يحاسبهم وفق علمه وحكمته، وكان صلى الله عليه وسلم لا يمسك عن احد حاجة أبدا، حتى هذا الذي طلب عباءته أعطاه إياها ومنعه ذلك من الخروج للناس ونزل فيه قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الاسراء: 29]، وهو الذي قال الله فيه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فالقصة كلها اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم ورأى ان الاذن لهم في مصلحة الامة، واخبره القرآن الكريم ان اجتهاده كان خلاف الأولى.
(2) قوله تعالى: {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة وَالله عَزِيز حَكِيم لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} [الأنفال: 67]، الملاحظ في قضية أسرى بدر أنه لم يسبق وجود حكم إلهي في الامر، بل كان اجتهادا من الرسول صلى الله عليه وسلم ووافقه في هذا الاجتهاد أبوبكر الصديق رضي الله عنه، ومعروف من عظيم اخلاقه صلى الله عليه وسلم ولينه وحبه للعفو والكرم والسخاء، فقد أسر المسلمون سبعين منهم، فاستشار الصحابة وأخذهم بالرفق واللين وقرر إعفاءهم من القتل، وقبول الفدية ممن يستطيع منهم، ومن لم يكن معه مال، كان فداؤه أن يُعلّم بعض المسلمين القراءة والكتابة، أخرج الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: استشار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم . فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس . فقام عمر فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم . فأعرض عنه النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء . قال: فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء . قال: وأنزل الله – عز وجل -: (لولا كتاب من الله سبق) الآية) ([8]) .
فالقضية كلها كانت اجتهاد فيما لم يرد فيه نص، واخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق واللين، فليس هناك ذنب، وإنما هو من باب لاجتهاد فمن أصاب فله أجران ومن أخطا فله أجر، ولم يكن العتاب لشخص النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو التشريع الرباني الذي لا يُجامل أحدا، وقد استقر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء: أن الإمام مخير فيهم: إن شاء قتل – كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببني قريظة – وإن شاء فادى بمال – كما فعل صلى الله عليه وسلم بأسرى بدر – أو بمن أسر من المسلمين – كما فعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر . هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة كبيرة من العلماء.
وهناك فائدة عجيبة، فإن الآيات لم تنزل إلا بعد إطلاق أسارى بدر وقبول الفداء منهم، وقد بدئت بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمت بإقرارها وتطييب النفوس بها، قال تعالى: (لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأنفال: 68 -69]. والملاحظ هاهنا انّ العتاب لم يكن موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو عتاب لبعض الصحابة ليس على اختيارهم للفداء، وإنما على نياتهم فيه، {تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة}، فنية الرسول صلى الله عليه وسلم جزما كانت مصلحة الإسلام والمسلمين ولعل الله ان يهدي بعض هؤلاء الاسارى إلى الإسلام وهذا قد حدث مع عمه العباس رضي الله عنه، ولكن العتاب منصرف إلى نيات أولئك الذين قدموا عرض الدنيا على الآخرة، حين تخيروا الفداء أنهم ما راعوا فيه إلا محبة المال لنفع أنفسهم فعاتبهم الله على ذلك.
(3) قوله تعالى: [وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك] قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين، في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه، قال المفسرون: حاول المشركون محاولات كثيرة ليثنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المضي في دعوته، منها: مساومتهم له أن يعبدوا إلهه مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم، وما كان عليه آباؤهم، ومنها مساومة بعضهم اْن يجعل أرضهم حراما كالبيت العتيق الذي حرمه الله، ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلسا غير مجلس الفقراء، فعصمه الله من شرهم، وأخبر أنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره، [وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك] أي وإن كان الحال أن المشركين قاربوا أن يصرفوك عن الذي أوحيناه إليك [لتفتري علينا غيره] أي لتأتي بغير ما أوحاه الله إليك وتخالف تعاليمه، [وإذا لاتخذوك خليلا] أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك صاحبا وصديقاً، [ولولا أن ثبتناك] أي لولا أن ثبتناك على الحق بعصمتنا إياك [لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا] أي كدت تميل إليهم وتسايرهم على ما طلبوا (ولولا حرف امتناع لوجود) فالأمر لم يحدث ولن يحدث ولكن عاقبة الأمر: [إذا لأذقانك ضعف الحياة وضعف الممات] أي لو ركَنتَ إليهم لضاعفنا لك عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وهذا لن يحدث، [ثم لا تجد لك علينا نصيرا] أي لا تجد من ينصرك منا، أو يدفع عنك عذابنا، والغرضُ من الآية بيانُ فضل الله على الرسول صلى الله عليه وسلم في تثبيته على الحق، وعصمته من الفتنة، [ولولا] حرف امتناع لوجود أي امتنع الركون إليهم، لعصمته تعالى وتثبيته له، فليس في الآية ما يُنقص من قدر الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هي بيان لفضل الله العظيم على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يخاطب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقضايا شرطية كثيرة قال سبحانه: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً}، وقال تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلـىٍّ وَلا نَصِيرٍ}، وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ}، وقال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَقَاوِيلِ * لاَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِن أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزينَ}، فهذه الآيات التي تحكى عن القضية الشرطية لا تدلّ على النتيجة، بمعنى أنّه لو فعل كذا لقوبل بكذا، ولكنه لا يفعل لوجود العصمة، وهذه الآيات الهدف الأساس منها تعريف الناس بوظائفهم وتكاليفهم أمام الله سبحانه، إذا كانت هذه الأحكام تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم فهي تخاطب الأمة من باب الاولى.
(4) قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37]، فالآيات ليس بها عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم على خطأ ما، ولكنه كان توجيها إلهيا لابطال عادة التبني، حيث أوحى الله للنبي صلى الله عليه وسلم بأن زينب ستكون زوجته بعد أن يطلقها مولاه زيد، وأخفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك خوفا من كلام المنافقين، ورحمة بأصحابه، وكان كلما جاء زيد يطلب الطلاق، يأمره بالتمسك بها (“أمسك عليك زوجك”)، بينما كان صلى الله عليه وسلم يعلم أن الفراق لا بد منه، ولكنه كان صابرا حتى يقضي الله امرا كان مفعولا، ويعلم الناس جميعا أنها إرادة الله وليست رغبة شخصية للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاتبَه الله بقوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ”}، ليس للعتاب ولا للتقصير ولكن ليكون أسوة وقدوة في إزالة جاهلية التبني، وابطال عادة العرب في ذلك، فقد كانت عندهم كبيرة أن يتزوج الرجل بحليلة ابنه ولو كان من التبني، ونزل القرآن أولا بمقدمة للأمر وهيي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}، تمهيدا لما قدره الله تعالى من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب رضي الله عنها ابطالا لعادة التبني عند العرب قبل الإسلام، هذا كل ما في الامر فلم يكن عتابا بقدر ما هو تشريعا وابطالا لعادة جاهلية كان عليها العرب جميعا قبل الإسلام، ثم جاء الوحي القرآني لرفع الحرج عن النبي صلى الله عليه وسلم، {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}، ومن روعة وجمال زيد رضي الله عنه وأخلاقه وولائه للنبي صلى الله عليه وسلم، ذهب سريعا يُبشر زينب بأعظم بشارة الا وهي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها، وانها ستصبح من أمهات المؤمنين، فقد اخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: فاذكرها علي، قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليها بغير إذن) ([9]) . وقوله: (فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها) وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد خطبتها، فأنزلها منزلة أمهات المؤمنين، فأبعد نظره عنها وأعطاها ظهره، ورجع إلى الوراء وبعد عنها مسافة، ثم بشرها بالأمر.
(5) قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19]، وتكرر الامر بالاستغفار في سورة غافر: قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55]، الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يستغفر في كل اوقاته وكان الصحابة رضي الله عنهم يعدون له في الجلسة الواحدة (أستغفر الله واتوب إليه) أكثر من سبعين مرة، فقد أخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم) ([10]) . واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم ليس من جنس استغفارنا، لأنه يستغفر من مرتبته وهي مرتبة رؤية العجز عن أداء حق العبودية كما ينبغي لله، وعظم حق الإلهية والربوبية، وهذه ليست في مقدور احد من الخلق، فهو يستغفر عن تقصير ليس له فيه ذنب، وليس هو في مقدوره ومع ذلك لابد من الاستغفار بسبب رؤية عظيم الفضل، {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، وقد يكون الامر بالاستغفار ليقتدي به المؤمنون، في طلب المغفرة، بمعنى أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالاستغفار فغيره من باب أولى، وهذا على حد قول الفقهاء: الخطاب له والمراد به الأمة، لأنه معصوم من الذنب أصلا، وقد قال الله تعالى في حقه: {وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْىٌ يُوحى}، فالآية واضحة وصريحة في أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، أي لا يتكلم بداعي الهوى، جميع ما يصدر عنه من القول هو من الوحي الإلهي المحفوظ.
(6) قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 1،2]، والمعنى العام للآية: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك}، يا أيها النبي، لماذا تمنع نفسك من شيء أباحه الله لك؟ تبتغي مرضاة أزواجك، أي كنت تفعل ذلك لتكسب رضا بعض زوجاتك وتتجنب غضبهن بسبب الغيرة، والله غفور لذنبك هذا، ورحيم بك وبالمؤمنين، وقد شرع لك كفارة ليمينك، فأي ذنب هاهنا، للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما موقفه جاء من عظيم أخلاقه وهضم نفسه صلى الله عليه وسلم والله تعالى يُشفق عليه، وإنما كان العتاب لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم: 5]
(7) قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الاَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمّا مَنِ اسْتَغْنَى * فأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}، روى المفسرون أنّ عبد الله بن أُمّ مكتوم الاَعمى أتى رسول الله وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأُبيّاً وأُمية ابني خلف، يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم، فقال عبد الله: اقرئني وعلّمني ممّا علّمك الله، فعبس (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلّمهم، فنزلت الآيات، وكان رسول الله بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه يقول: مرحباً بمن عاتبني فيه ربّي ويقول: هل لك من حاجة، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين، وهذه الآيات موعظة وتبصرة للخلق، يجب أن يتعظ بها ويعمل بموجبها العقلاء [فمن شآء ذكره] أي فمن شاء من عباد الله اتعظ بالقرآن، واستفاد من إرشاداته وتوجهاته، قال المفسرون: كان صلى الله عليه وسلم بعد هذا العتاب، لا يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى لغني أبدا وكان الفقراء في مجلسه أمراء، وكان إذا دخل عليه ” ابن أم مكتوم ” يبسط له رداءه ويقول: مرحبا بما عاتبني فيه ربي، والخلاصة: النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا مع أئمة الكفر قي مكة يدعوهم إلى الإسلام، وكان يرجو اسلامهم لأنه إن اسلموا أسلمت مكة كلها، فاجتهد هل يترك مجلسه الدعوي هذا ويقبل على عبد الله بن أم مكتوم يعلمه أحكام الدين، أم يؤجل عبد الله بن أم مكتوم إلى حين الفراغ من دعوة رؤساء مكة إلى الإسلام، اجتهد صلى الله عليه وسلم وقد كان أشد الحرص على إسلامهم، ولكن الله عز وجل بين له انه ليس عليه اسلامهم ولكن عليه أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم، اجتهد لمصلحة الدعوة، فاين التقصير الذي يقوله الخوارج والحوية هنا، والعبوس لم يكن مرادا به عبد الله، وإنما هو كرد فعل لدخول عبد الله عليهم في ناديهم ولم يصبر حتى يتم النبي صلى الله عليه وسلم نقاشه مع المشركين، اجتهد للإسلام، وكانت حياته كلها له، حتى خاطبه الله تعالى بقوله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، اجتهد وبين القرآن أنه خلاف الأولى، فنحن بين الصواب والأصوب، وبين الكمال والاكمل، وهو يبين مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الناس أجمعين، حتى خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]،
(8) قوله تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح: 1 إلى 3]، يقولون أوزار الجاهلية وما قبل البعثة المحمدية، وهذا ناشئ من عدم معرفتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [المؤمنون: 68]، فهم لم يعرفوا نبيهم صاحب الخلق العظيم، فإنّ الوزر الذي أنقض ظهر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) هو الهموم التي كان يتحملها من قومه، من كفرهم وجحودهم وتكذيبهم، كما جاء في قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]ن وقوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3، 4]، وباخع نفسك أي قاتل نفسك كمدا وحزنا، فهذا هو الحمل الثقيل والوزر الذي أنقض ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، والوزر في اللغة يأتي بمعنى الذنب، ويأتي بمعنى الحمل الثقيل الذي ينقض الظهر، فالله تعالى رفع عنه هذا الثقل الشديد، وبشره بالفتح حتى لا يكون مكان في الأرض إلا ويصله الإسلام، وبشره باليسر بعد العسر، فقال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}، فإنّ العسر لن يغلب يسرين، فإذا إذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء، وإذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل وإذا فرغت من العبادة فانصب إلى الطاعة، وإلى ربك فارغب وتقرب إليه بالدعاء والتضرع والإخلاص، تطلب منه ما عنده من الخير والمغفرة والرضا.
(تنبيه مهم): العصمة للرسل الكرام: الرسل الكرام رجال اصطفاهم الله تعالى من البشر ليكونوا وسطاء بينه وبين عباده في تبليغ ما شاء الله تعالى من الدين، قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75]، وقال تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165]، وأهم صفات الرسل الكرام (الصدق) و(الامانة) و(التبليغ) و(الفطانة) , [الصدق] في كل شيء ولا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق في كل أحواله وأقواله وأفعاله، و الصفة الثانية الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (الأمانة )، و(الأمانة ): معناها حفظ ظواهر الأنبياء وبواطنهم من المعاصي والمكروهات، و(الامانة ): هي العصمة ظاهراً وباطناً من الحرام والمكروه، و(العصمة )، هي ملكة راسخة في النفس تمنع صاحبها من مخالفة شرع الله، ظاهرا وباطنا، و(العِصْمَةُ) صفة واجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام، وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ضِدُّهَا، وَهْوَ فِعْلُ المعصية، لان الله تعالى أمر الناس باتباعهم والاقتداء بهم، فلا يصح في حقهم مخالفة أمر الله، والصفة الثالثة الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (التبليغ ): وهو إيصال كل ما أمروا بإيصاله إلى الخلق، وتبليغه غلى الناس، وضده كتمان ما امرهم الله تعالى بتبليغه، فلا يكتمون شيئا من شرع الله، و الصفة الرابعة الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (الفطانة) ومعناها: الذكاء الحاد، وسرعة الفهم، والبديهة العظيمة ودقة التصرف، والتيقظ التام لإلزام الخصوم ودحض حججهم، وإبطال دعاويهم، والرسل هم أهل الاصطفاء الرباني، هم أتقى الناس لله وهم أعبد الناس لله، وهم أصدق الناس مع الله، منزهون عن الكبائر والصغائر ورذائل الأخلاق، معصومون عن الخطأ في تبليغ الرسالات، هم أهل الاصطفاء الرباني: قال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ) [القصص: 68]، وقال تعالى: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124]، فالذي يجب في حق الرسل عليهم الصلاة و السلام أربع صفات و هي: الصدق، والأمانة، والتبليغ، والفطانة، ويستحيل في حقهم أضدادها وهي: الكذب، والخيانة، والكتمان، والبلادة، ويجوز في حقهم جميع الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقصان، مثل: الأكل، والشرب، النكاح، والنوم، والمرض، ما عدا الامراض التي ينفر الناس من أصحابها كالجزام والبرص والجنون، ولا يجوز الكذب على الأنبياء والرسل، قال تعالى في حق سيد المرسلين: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 44 إلى 47]، وقال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15]، {إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ}، فـــ (الصدق) هو أول وأبرز صفات الرسل، الصدق في كل الامور والاحوال والأقوال والافعال.
و(العِصْمَةُ) صفة واجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام، وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ضِدُّهَا، وَهْوَ فِعْلُ المعصية، لان الله تعالى أمر الناس باتباعهم والاقتداء بهم، فلا يصح في حقهم مخالفة أمر الله، وقد ذهب الخوارج ومن تأثر بهم: إلى عدم امتناع صدور الكبائر والصغائر من النبي قبل نبوته، والصحيح أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الصغائر والكبائر قبل البعثة وبعدها، وهو من باب تعظيم قدر الانبياء الذين عظم الله تعالى قدرهم ورفع منازلهم، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، وهو الأولى من باب سد الذرائع، ومن باب الاحتياط للشرع، وهو ما عليه مذاهب علماء أهل السنة والجماعة المعتمدة في العقيدة، وذلك لأسباب:
(1) الرسول (أي رسول) هو المثل الأعلى لأمته , والذي يجب الاقتداء به في كل اعتقاداته وأقواله وأفعاله وأخلاقه , وهو الأسوة الحسنة بشهادة الله له , لذلك وجب أن تكون كل اعتقاداته وكل أفعاله وكل أقواله وجميع أخلاقه موافقة لطاعة الله عزّ وجل، ووجب ألا يدخل في شيء من اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه معصية لله تعالى.
(2) إذا أمكن أن يفعل الرسل المعاصي , كان معنى الأمر أن يتخذوهم أسوة في المعاصي , وهذا مستحيل، لأن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا انبياءه يأمرون بالفحشاء، وقد جعل الله تعالى طاعة الرسل من طاعة الله، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء:80]، وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آلِ عمران:32]، وقال تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، وجعل في طاعتهم الهداية، قال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}، وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}، فلابد وأن يكونوا على العصمة التامة.
(3) من لوازم العصمة: العصمة عن الكتمان والتحريف: فكتمان الحق معصيةٌ في الدعوة إلى الله عزّ وجل، والتحريف أيضاً معصيةٌ في الدعوة إلى الله عزّ وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام معصوم عن الكتمان وعن التحريف وعن الخطأ والغلط والنسيان فيما أمره الله بتبليغه للناس، لأنه لو لم يكن معصوماً عن ذلك لانعدمت الثقة بما يبلغه عن الله من شرائع وأحكام وأخبار.
(4) من لوازم العصمة: العصمة من الذنوب والخطايا صغيرها وكبيرها، وكل ما ورد في الشرع مما يوحي بوقوع المعصية فهو محمول على أحسن المحامل وأصحها مما يحفظ جناب الأنبياء والمرسلين.
(5) القرآن الكريم لم ينص صراحة على معصية نبي إلا معصية آدم عليه السلام، وقد ذهب الحذاق من أهل العلم إلى القول بأن نهي آدم عن الأكل من الشجرة كان نهي إرشاد ونصح وإعلام، وليس نهيا على جهة التكليف يترتب عليه عضب من الله، وانه لما أكثر الشيطان الوسوسة عليه، نسي نصح الله تعالى له فأكل منها غير عامد لمخالفة أمر الله، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}، فـ (آدم) عليه السلام خالف الأمر الإرشادي فسمّي ذلك عصياناً، لأنّ الله تعالى أوحى لآدم عليه السلام: أنّك يا آدم اذا اردت البقاء في الجنّة فلا تأكل من هذه الشجرة، فإن أكلت منها فسوف تخرج من الجنة، ومثل هذا النهي لا يكون مخالفته قادحاً في العصمة، بل غاية ما هنالك انّه يترتّب عليه الأثر، وهو الخروج من الجنّة والابتلاء بالاستقرار في الأرض.
(6) ويوسف (عليه السلام) كان معصوما من الهم بامرأة العزيز: قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}، ومن فهم اللغة العربية فهما صحيحا علم ان (لولا) حرف امتناع لوجود مانع، امتناع الهم لوجود مانع العصمة، فلولا انه رأى برهان ربه (النبوة والعصمة) لوقع منه الهم ولكنه لم يقع منه الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، وكذلك كل ما يتعلق بجناب الانبياء والرسل عليهم صلوات ربي وسلامه، وخلاصة القول فإن عصمة الأنبياء ثابتة لهم من الكبائر ومن الصغائر وسيء الاخلاق ومن كل مخالفة لأمر الله، مهما كانت صغيرة.
[المفتاح السابع]: استدلالهم من متشابهات القرآن على تكفير المسلمين: فِي سورة الْمَائِدَة {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ، وفيهَا {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ}، وفيهَا {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ}، استدلوا بها على كفر كل من لم يحكم بما انزل الله دون النظر إلى حالة القلب هل جحودا لحكم الله واستحلالا للحكم بغيره أم معصية وفسقا، وغفلوا عن أن أي طاعة لها جانبان: جانب بالقلب وهو الاعتقاد، وجانب الجوارح وهو العمل، والتـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط: والحكم بما انزل الله إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً، ولهذا اتفقت كلمة فقهاء أهل السنّة والجماعة فيها على تأويل حبر الأمة الذي دعا الرسول صلى الله عليه وسلم له بالفقه في الدين عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعامة الصحابة رضي الله عنهم على أن مناط الكفر الأكبر هو جحود حكم الله عز وجل، وليس مجرد الترك، وأن الترك المجرد الخالي عن الجحود فهذا من نوع الكفر في إطار الملة وهو ما عبروا عنه بقولهم كفر دون كفر فلا يأخذ صاحبه اسم الكفر الأكبر وحكمه، بل هو كفر في إطار الملة حيث له اسم الملة وحكمها، وخلاصة مسألة كفر تارك الحكم بما أنزل الله، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المنقاد بقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، وتفريطه في عمل الجارحة فقط.
[المفتاح الثامن]: خلل فهم الخوارج في باب الإيمان والكفر: خلل فهم الخوارج في باب الإيمان والكفر يقوم على أصلين: الأصل الاول: هو ظنهم أن الإيمان حقيقة واحدة لا تتجزأ وتشمل أداء كافة الواجبات والكف عن كافة المحرمات وأن هذا الإيمان لا يتجزأ فإذا انتفت منه جزئية – ولو صغيرة – انتفى جميعه، والأصل الثاني: أنه ليس هناك سوى إيمان وكفر فإذا انتفى الإيمان حل محله الكفر الأكبر المخرج من الملة، وعلى ذلك فإذا انتفى الإيمان على امرئ حل محله الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وقد استدلوا على هذين الأصلين بمتشابهات في الكتاب والسنّة تبدو لو أخذت بسطحية وظاهرية مفرطة أن لها وجهاً من الحق، ولولا أعلام السنّة مصابيح الدجى لضل بضلال الخوارج خلق كثيرون، ومن هذه الأدلة: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ،) [التغابن: 2]، ووجه استدلالهم من هذه الآية أن الله تعالى: حصر الناس في قسمين لا ثالث لهما مؤمن وكافر، وعلى ذلك فالناس ينحصرون فقط بين الإيمان والكفر، وإذا نفي الإيمان عن امرئ فهو كافر لا محالة لأنه لا يوجد صنف ثالث بين المؤمن والكافر، وبعد هذا الجهل والضلال استدلوا على كفر مرتكب المعاصي بقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، ووجه استدلالهم من هذه الآية أن الله تعالى: حكم بالكفر على كل من لم يحكم بما أنزل الله، وكل من أذنب ذنباً فقد حكم بغير ما أنزل الله، يوجب أن يكون المذنب كافراً، وتأكد لهم هذا الضلال عندما فهموا حديث النبي – صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن…) ([11]) .
فقالوا نفي الشرع عن الزاني وعن شارب الخمر وعن السارق الإيمان، وليس بعد الإيمان إلا الكفر فعلى ذلك لا يكون الزاني ولا شارب الخمر ولا السارق إلا كافراً، وكانت الطامة عندما سحبوا هذه الأحكام على ذراري العصاة بفهمهم العقيم لقـول الله تعالى: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 27]، فقالوا الآية دالة على أن الكافر لا يلد إلا كافراُ، ولما كان العاصي كافراً كانت ذريته كذلك، ثم حكموا بأن هؤلاء قد حبطت أعمالهم جميعاً لأنهم كفار، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5]، ثم حكموا بأن هؤلاء العصاة كفار مشركون وذلك لأن إحباط العمل لا يكون إلا جزاءً للشرك واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، وبقوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] ووجه استدلالهم من الآية أن (يعدلون) بمعنى يشركون، وعلى ذلك فجميع الكفار مشركون، ولما كان هؤلاء العصاة كفار كانوا مشركين بدلالة الآية، وبهذا توصلوا عن طريق فهمهم للقرآن وآياته أن العصاة كفار مشركون خالدون مخلدون في النار هم وذرياتهم لأن الكفار لا يلدوا إلا فاجراً كفاراً، نسأل الله السلامة، ومنه نعلم لماذا قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – في حقهم (يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم) ([12]) .وقوله – صلى الله عليه وسلم (يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم) ([13]) .
[المفتاح التاسع]: الرد على ضلالات الخوارج في باب الإيمان والكفر: (أولا): الرد على استدلالهم بالآية {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن}: من عدة وجوه: (الوجه الأول): أن الآية لا تدل بحال على نفي ما عدا المؤمن والكافر، بل ثبت بالكتاب والسنّة أن هناك طائفة ثالثه هي أصل الفسوق والعصيان كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]، فلم تصفهم الآية لا بالكفر ولا بالإيمان، فدل ذلك على أن هناك قسم لم تتعرض له الآية وهو الفاسق في قوله تعالى: {وأولئك هم الفاسقون}، و(الوجه الثاني): أنهم جعلوا الفسق من أقسام الكفر، ولنا ان نقول: لما لا تحملونه على المؤمن، ما كان مقراً بالشهادتين مصدقاً لهما منقاداً بقلبه لمعناهما، إذا قد اشتركا في أصل الإيمان لا يصح الإيمان بدونه، لا سيما وقد دل الكتاب على أن اسم الإيمان وأخوته باقية لأصحاب الكبائر، فهذا قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 9 – 10] فأثبت الله عز وجل إخوة الإيمان مع الاقتتال ولهذا جاء فيها قول النبي – صلى الله عليه وسلم – (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) والحديث يستحيل أن يعارض القرآن ويخالفه لأن كلاهما من عند الله {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 – 4] ولقوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82 فلزم فهم قوله – صلى الله عليه وسلم – بأنه كفر في إطار الملة وليس بخارج عنها، لكون القرآن أثبت اسم الإيمان وأخوة المؤمنين مع وجود كبيرة الاقتتال.
(ثانيا): الـرد على استدلالهم بالآية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] والحق أن ضلالهم في فهم هذه الآية مركب فقد حملوا الآية على الكفر الأكبر وحملوا الكفر الأكبر على مجرد ترك الحكم بما أنزل الله، ثم حكموا على المذنب والعاصي أنه لم يحكم بما أنزل الله من ترك المعصية فأثبتوا له الكفر الأكبر ووالله لو استقام هذا الفهم لما نجا من الكفر أحد إذ المعلوم من الدين بالضرورة أنه ما من معصوم سوى النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصلح الصديقين بعده لهم من اللمم والتقصير ما لا يعلمه إلا الله، وكل بني آدم خطاء فهل ينجو بهذا الفهم أحد من الكفر؟ اللهم لا !!، ولو رجعنا إلى فهم الصحابة والأئمة في الدين من بعدهم لهذه الآية وجدنا أنهم حملوا الآية على جحود الحكم بما أنزل الله، وأنه إن ترك الحكم مع الإقرار به واعتقاده فإنه كفر في إطار الملة فلا يخرجون من الملة بحال،.
(ثالثا): الرد على استدلالهم بالحديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن): والحديث لا يدل على كفر الزاني ولا كفر السارق ولا كفر شارب الخمر، وإنما قصاراه نفي الإيمان، وقد علمنا أنه نفي للإيمان المطلق الذي يستوجب المدح والثناء كمثل قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، ولا يجوز حمله على نفي مطلق الإيمان وأصله الذي متى زال ثبت الكفر الأكبر المخرج من الملة وإلا عارض الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه يحدث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (أتاني جبريل عليه السلام فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق) ([14]) .وما أخرجه مسلم عنه أيضاً – رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) قلت وإن زنى وإن سرق قال (وإن زنى وإن سرق) قلت وإن زنى وإن سرق قال (وإن زنى وإن سرق) ثلاثاً ثم قال في الرابعة (رغم أنف أبي ذر) ([15]) .
[فائدة]:الإباضية أعدل فرق الخوارج: يمثلون غالب المسلمين في دولة عمان بالخليج العربي، وهم أقرب فرق الخوارج إلى أهل السنّة، كما أنّ الزيدية من الشيعة هم أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنّة، والإباضية من الخوارج لموقفهم من سيدنا عثمان وسيدنا علي رضي الله عنهما، وذلك انهم يرون أحقية الخوارج في الخروج على عثمان ثم على علي رضي الله عنهما، ويتبرؤون من الإمام علي رضي الله عنه، وكذلك من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، ويتبرؤون من سائر من شارك في الفتنة، من الصحابة اومن التابعين وقد كانوا أكثر أهل الإسلام آنذاك، والإباضية في باب الإلهيات والعقيدة على مذهب المعتزلة، ولكن تكفير الإباضية لمرتكب الكبيرة يختلف عن تكفير سائر الخوارج، فإنهم يرونه كفر نعمة لا كفر شرك، ولا يحكمون عليه بالخروج من الملة، ولكنهم مع ذلك يحكمون على مرتكب الكبيرة الذي لم يتب عنها بأنه من المخلدين في النار،وتتسم معاملة الإباضية لمخالفيهم باللين والمسامحة وجوزوا تزويج المسلمات منهم من مخالفيهم، وأنّهم في معاركهم كانوا لا يقتلون النساء والأطفال كما تفعل الازارقة من الخوارج، وهذا ما يذكره علماء الفرق عنهم.
المبحث الثاني مفاتيح الفهم الصحيح لأدلة القدرية والمعتزلة من القرآن
[المفتاح الاول]: نشأة المعتزلة وسبب تسميتهم بهذا الاسم: المعتزلة اسم يطلق على فرقة ضالة ظهرت في الإسلام في القرن الثاني الهجري ما بين سنة (105 هـ وسنة 110 هـ)، وكان بداية ظهورها على يد واصل ابن عطاء (80 هـ – 131 هـ)، وكان في بداية أمره من تلامذة الإمام الحسن البصري ثم اعتزله وأسس فرقة الاعتزال وعموماً فإن اعتزالهم لأنهم اعتزلوا الأمة جميعها في مرتكب الكبيرة فجاءوا بقول لم يقل به أحد به أحد قبلهم ولا بعدهم وهو المنزلة بين المنزلتين وأنه صاحبها لا هو مؤمن ولا هو كافر في أحكام الدنيا وهو خالد مخلد في النار خلود الكافرين في الآخرة إلا أن عذابه – كما يزعمون – أقل.
[المفتاح الثاني]: أصول الضلال الخمسة عند المعتزلة: المعتزلة يظنون أنها من أصول الحق الخمسة وهي في حقيقتها أصول الضلال عند المعتزلة.
[الأصل الأول]: يسمونه التوحيد وهو في حقيقته إفراط في باب التنزيه على حساب الإثبات وخوض في صفات الله تعالى بما لا ينبغي، وقد وصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي جميع صفات الله تعالى: من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، ووصلوا إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنّة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثبوتاً.
[الأصل الثاني] يسمونه العدل وهو في حقيقته نفي القدر والتكذيب به، وهذا الأصل يبحثون فيه أفعال الله تعالى: وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى: فوقعوا في وصفه – سبحانه – بالعجز، ومن ضلالاتهم المتعلقة بهذا الأصل: أنهم يرون أن أفعال العباد هم الخالقون لها والمحدثون لها، والرد الموجز على ضلالات هذا الأصل: أراد المعتزلة نفي الجور والظلم عن الله عز وجل فوصفوا الله عز وجل بالعجز وعدم كمال القدرة والمشيئة، وذلك لأنهم جعلوا الإنسان خالق لأعماله، وأنّ في ملك الله تعالى خلق ليس لله، وصفوه – سبحانه – بأنه لا يهدي من يشاء إذا شاء الشخص الضلال لنفسه، ووصفوه بأنه لا يخلق أفعال عباده وبالتالي يقع في ملكه ما لا يشاء وما لا يريد، مع أن القرآن الكريم قد وضح هذه الحقائق مراراً وتكراراً منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقوله تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17] وقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:99] وقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] وقوله صلى الله عليه وسلم: (من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له) ، ولكن أهل الإيمان الحق – أهل السنّة والجماعة – يقولون أنه من كمال علم الله تعالى: وكمال إرادته وقدرته فإن هذه الأعمال قد كانت قبل أن يعملها البشر في مشيئة الله وعلمه وإرادته، وهو المقدر لها وهو العالم بها وأهل ها وما يستحقون من التوفيق والهداية أو ما يستحقون من الخذلان.
والمعتزلة يرون أن الله لا يفعل القبيح بمعنى أنه لا يضل من يشاء، وأهل السنّة والجماعة يرون أن الله تعالى: لا يفعل القبيح بمعنى أنه لا يفعل القبيح المجرد الذي لا منفعة فيه ولا حكمه من وراءه البتة، ويرون أنه سبحانه حتى في إضلاله لمن يشاء من عباده فإن في ذلك حكماً عديدة يطلع البشر على بعضها وعلمها كاملاً عند الله تعالى، وكذلك فإنه ليس من الحكمة أن تسوى بين المجرمين والمهتدين وبين المؤمنين والفاسقين {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]، وهذا من جانب الاستدلال على ضلالهم في المسألة، أما قولهم هذا فهو مخالف نص القرآن الكريم مخالفة صريحة فهم يقولون – أضلهم الله – لا يقدر الله على هداية عبد متى شاء الضلال ولا يضل الله عز وجل أحداً لأنه لا يفعل القبيح، والقرآن الكريم ينص على خلاف قولهم بقوله تعالى: في سورة الكهف: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف:17] وقوله تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 88] وقوله تعالى: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}.
وبقي قولهم أن الله تعالى: يجب عليه فعل الأصلح دائماً وإلا كان ظالماً للعباد لأنه لم يفعل ما فيه اللطف بهم والصلاح لحالهم، وهذا أيضاً من تلبيسهم الحق بالباطل فهم يرمون من هذا الأصل التحكم في أفعال الله تعالى: بمحض عقولهم وإيجابهم عليه – سبحانه – ما يرونه الأصلح لهم وهذا من ضلالهم وأهل السنّة والجماعة يرون أن اللطف بالعباد واختيار الأصلح لهم هو محض تفضل يتفضل به الله تعالى: على من يشاء من عباده، ، وليس هو من باب الواجب على الله، لأنهم – أي أهل السنّة – لا يتقدمون بين يدي الله ورسوله فلا يوجبون على الله تعالى: إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه تفضلاً منه ورحمة.
[الأصل الثالث]: يسمونه الوعد والوعيد: ومفاده أن الله عز وجل وعد المطيعين بالثواب وأنه يفعل ما وعد لا محالة ولا يجوز عليه الخلف وإلا كان كذباً لا ينبغي أن يوصف به الله عز وجل – وهذا حتى الآن لا غبار عليه به قول أهل السنّة والجماعة-، ولكنهم يرتبون على ذلك أن الوعد بالثواب هو بطريق الاستحقاق وأن العبد مستحق لذلك الثواب وليس هو من باب الفضل والتفضل، وهم بذلك مخالفون لأهل السنّة والجماعة، لأن أهل السنّة يرون أن هذا محض فضل الله تعالى: على عباده المطيعين فأي حق لهم سوى فضل الله عز وجل عليهم بدليل قول أهل الجنة {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ،} [فاطر: 35] فالجنة إنما يحل فيها أهلها بفضل الله، ويصدق هذه الآية الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحداً الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة) ([16]) . فدخول الجنة محض فضل تفضل الله به على أهل طاعته، هذا هو فهم أهل السنّة والجماعة لمسائل الوعد.
أما مسألة الوعيد، فإن المعتزلة أتوا فيها بما يضحك الثكلى فقالوا: كما أن الوفـاء بالوعد واجب على الله، كذلك الوعيد فإنه واجب على الله أن يوفي بوعيده، والوعيد معناه كل خبر يتضمن إيصال العقوبة والضرر والعقاب والعذاب إلى الغير مستقبلاً، وعلى ذلك فمن توعده الله بالعذاب أو النار فإنه لا يعفو عنه ولكن يعذبه ويوفي بوعيده وإلا تضمن خطاب الله عز وجل خلف الوعيد وبناءً على هذا الأصل الضال بنوا بأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار خلود الكافرين، مع أتفاق العقلاء على انّ الكريم إذا وعد وفى وإذا اوعد عفا.
(1) استدلالهم بالآية {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، وفهمهم للآية يعارض ما نص عليه القرآن الكريم، حيث نص على أخوة القاتل لأولياء القتيل ونص على أخوة المؤمنين وإن تقاتلوا فقال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] ولله در الإمام القرطبي حيث يقول في تفسير آية النساء: ” الآية مخصوصة بآيات وأحاديث، فمن الآيات، قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ …،} [هود: 114]، وقوله تعالى: {… وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ..} [النساء: 48] ثم إن الجمع بين آية الفرقان، وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا *إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 68 – 70] فالجمع بين آية الفرقان، وبين هذه الآية ممكن، فلا نسخ ولا تعارض، وذلك بأن يحمل مطلق آية النساء على مقيد آية الفرقان، فيكون معناه: فجزاؤه كذا إلا من تاب، لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل، والموجب وهو التوعد بالعقاب، وأما الأخبار المخصصة لعموم الآية فكثيرة منها: حديث عبادة بن الصامت، أنه – صلى الله عليه وسلم – قال( بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه فأمره إليه إن شاء عفى عنه، وإن شاء عذبه (“([17]) .
” قلت “: حمل الكثير من المفسرين أنّ ما أخبر به سبحانه من خلود القاتل في النار خلوداً أبدياً إنما هو في حق المستحل، قال الطبري: ” قوله متعمداً … أي مستحلاً قتله ” ([18]) .
وقال أبو السعود بعد تفسير الآية: ” ولا دليل في الآية للمعتزلة في قولهم بخلود عصاة المؤمنين في النار لما قيل في حق المستحل كما هو رأي عكرمة وأضرابه بدليل أنها نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني المرتد ” أهـ ([19]) . وأما كون القاتل تحت المشيئة إذا لم يكن مستحلاً فقد نقل أبو السعود عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ” {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} أي هي جزاؤه، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له ” أهـ ([20]) .
(2) استدلالهم بالآية: في حق آكل مال اليتيم {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، وقد رد الإمام القرطبي على المعتزلة ضلالاهم في فهم هذه الآية، فقال: ” ولا حجة فيها – أي الآية – لمن يكفر بالذنوب، والذي يعتقده أهل السنّة أن ذلك نافذ على بعض العصاة فيصلي ثم يحترق ويموت، وبخلاف أهل الشقاء فإنهم لا يموتون ولا يحيون، لما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال صلى الله عليه وسلم (.. أما أهل النار هم أهلها فيها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناساً أصابتهم النار بذنوبهم – أو قال بخطاياهم – فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر فبثوا على أنها الجنة ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل) ([21]) . ساقط بالمشيئة عن بعضهم لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ..} [النساء: 116] فالآية تدل على أن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده … ” الآية ” أهـ ([22]) .
(3) استدلالهم بالآية: قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14]، وهذه الآية فهموها على غير وجهها الصحيح، فإن المعصية إذا بلغت الكفر، فلا شك في الخلود الأبدي في النار، وإن لم تبلغ الكفر فإن العاصي تحت المشيئة وإن عذبه الله فهو دون الخلود، وبهذا قال المفسرون: قال الطبري عقب الآية: ” فإن قال قائل: أو يخلد في النار من عصى الله ورسوله في قسمة المواريث؟ قيل: نعـم، إذا جمع إلى معصيتهما في ذلك شكا في أن الله فرض عليه ما فرض على عباده في هاتين الآيتين، أو علم ذلك، فحاد الله ورسوله في أمرهما على ما ذكر ابن عباس من قول من قال: حين نزل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم، قول الله تبارك وتعالى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ،} [النساء: 11] … إلى تمام الآيتين، أيورث من لا يركب الفرس، ولا يقاتل العدو، ولا يحوز الغنيمة نصف المال أو جميع المال، استنكاراً منهم قسمة الله ما قسم لصغار ولد الميت ونسائه وإناث ولده، ممن خالف قسمة الله ما قسم من ميراث أهل الميراث بينهم، على ما قسمه في كتابه، وخالف حكمه في ذلك وحكم رسوله، استنكاراً منه حكمهما، كما استنكره الذين ذكر أمرهم ابن عباس ممن كان بين أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم لأنه باستنكاره حكم الله في تلك، يصير بالله كافراً، ومن ملة الإسلام خارجاً “أهـ ([23]) . وقال القرطبي: ” {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 14] يريد في قسمة المواريث فلم يقسمها ولم يعمل بها {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} أي يخالف أمره {يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا}، والعصيان إن أريد به الكفر فالخلود على بابه، وإن أريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى: فالخلود مستعار لمدة ما، كما تقول: خلد الله ملكه، وقال زهير: ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا، وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع ” أهـ ([24]) .
(4) استدلالهم بالآية: قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]، وهذه الآية أيضا: فهموها على غير وجهها الصحيح، فزعموا أن الآية دلت على أن من غلبت كبائره على طاعاته فهو من أهل النار مخلداً فيها وذلك لأن هذا هـو المعقول من الإحاطة في باب الخطايا أن تكثر على الطاعات ” قاله القاضي عبد الجبار [متشابه القرآن ج1 / 97]، والحق أن السيئة في الآية إنما معناها الشرك، لأن الشرك هو السيئة والخطيئة التي لا تدع لصاحبها منفذاً، قال القرطبي: ” السيئة: الشرك، قال ابن جريح قلت لعطاء (من كسب سيئة) قال: الشرك وتلى قوله تعالى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ..} [النمل: 90] الآية ” أهـ ([25]) .
وقال ابن كثير: ” الآية رد على بني إسرائيل الذين زعموا أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة بأن الأوامر ليس كما زعموا، بل إن من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع أعماله سيئات فهم من أهل النار، قال ابن عبـاس: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً..} [البقرة: 81] الآية أي عمل مثل عملكم وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط به كفره فما له من حسنة ” أهـ ([26]) .
وعلى ذلك فلا حجة في الآية لما ذهبت إليه المعتزلة من خلود أصحاب الكبائر في النار لأن الإحاطة إنما تصح في شأن الكافر الذي أحاطت الخطيئة بقوله وعمله واعتقاد قلبه أما العاصي فالمعصية لا تحيط لا بإقراره ولا باعتقاده وبهذا لا تكون الإحاطة ولا يكون الخلود في النار.
[وعلى ذلك]: فالملاحظ أنّ المعتزلة لم يفهموا هذه الآيات الفهم الصحيح الذي تميز به أهل السنّة والجماعة، ولو عرفوا أن الكريم من البشر وصاحب الفضائل والشيم والصفات الحسنة إذا وعد بشيء وفى بوعده حق الوفاء وإذا أوعد على شيء فإنه يعفو متى كان العفو أجمل وأفضل، وقد قال العرب قديماً ” إن الكريم إذا وعد وفى وإذا أوعد عفا “، فما بالنا بالله تعالى، وهو أرحم الراحمين وسعت رحمته كل شيء وهو ربنا الكريم فالعفو في حقه أولى وأجمل، وهذه قاعدة ينبغي فهمها، ولكن المغفرة معلقة بالمشيئة لأنّ الله تعالى كما له الرحمة التي وسعت كل شيء له كمال العلم والحكمة، ولذلك فإن (أهل السنّة والجماعة) يقولون بأن الله عز وجل يعفو – متى شاء، ومشيئته نافذة تجلت بالعلم والحكمة – عمن شاء إلا الشرك لأنّه القائل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، أما المعتزلة فلم يفهموا ذلك، وبناء على فهمهم الضال لمسألة الوعد والوعيد أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر: فأنكروا شفاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – وشفاعة المؤمنين لأهل الكبائر من أمة الإسلام، وقالوا لا يجوز أن يخرج الفاسق – مرتكـب الكبيـرة – من النـار بشفاعـة الرسـول صلى الله عليه وسلم، إذ الفاسق – عندهم – خالد مخلد في النار خلود الكافرين، وقد استدلوا لإنكارهم الشفاعة بمتشابهات من القرآن الكريم منها:
[1]: قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48]، فقالوا الآية دليل على أن من استحق العقاب لا يشفع له النبي – صلى الله عليه وسلم، ولا ينصره، هذا فهم الخوارج، والمعتزلة، أما أهل السنّة والجماعة، فقد اتفق أهل العلم قاطبة على أن المراد بالنفس في الآية، هي النفس الكافرة التي لا تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر، لا النفس المؤمنة بالله وبرسوله، فهي من العام الذي أريد به الخاص، قال القرطبي: ” أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } النفس الكافرة لا كل نفس ” ([27]) .
وقال الطبري: ” قوله تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله عز وجل ” أهـ ([28]) .
[2] واستدلوا كذلك بقوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، فقالوا الآية دلت على أن الظالم لا يشفع له أحد وإن شفع له فلا يطاع ومرتكب الكبيرة ظالم ولا شك فدخل في حكم الآية، ” قلت ” هكذا فهموا الآيات كما فهمها الخوارج بغير علم ولا هدى ولا سلف من أهل العلم، أما أهل السنّة والجماعة فهم يفهمون الآيات وفق قواعد الدين العامة التي أرساها النبي – صلى الله عليه وسلم وسار عليها السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فقوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، المراد بالظالمين في الآية هم المشركون لأنهم هم الكاملون في الظلم المستوفون لصفته بخلاف الفاسق فإنه ظالم من جهة كبيرته مؤمن طائع من جهة إقراره واعتقاده، فلا يأخذ صفة الظلم المطلق (الكفر الأكبر)، ويؤيد ذلك فهم كافة المفسرين من علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والفقه، فقد حملوا الظالمين في الآية على الكافرين واستدلوا له بقوله تعالى: {، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، وقوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254].
[الأصل الرابع]: يسمونه المنـزلة بين المنـزلتين: وهو في حقيقته نفي مطلق الإيمان عن أصحاب الكبائر وجعلهم في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة، ومن ثم مضاهاة الخوارج في الحكم عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين، يقولون: مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا هو كافر بل هو في منـزلة ثالثة بين المنـزلتين فلا يأخذ – في الدنيا – اسم وحكم هذا ولا ذاك، وهو في الآخرة مخلد في النار مع الكافرين، وحقيقة الخلاف بينهم وبين أهل السنّة في هذه المسألة أن أهل السنّة والجماعة يسمون مرتكب الكبيرة فاسقاً ولكنهم يعلمون أن معه أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد، والمعتزلة بهذا القول خالفت إجماع أهل القبلة بما فيهم الفرق الضالة، فلم يقل بالمنـزلة بين المنـزلتين غيرهم ولا أحد قبلهم.
[الأصل الخامس]: يسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر، وهو في حقيقته تهيئة الأجواء للخروج على الحاكم المسلم العاصي أو الفاسق وإثارة الفوضى والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين، وذلك لأنهم يرون الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق وأهل السنّة والجماعة يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه الشرعية منها أنه لا يجوز إنكار المنكر إذا كان يعقبه منكر أكبر منه، وكذلك فإن حد إنكار المنكر هو تغييره باليد دون استعمال السيف، والسيف عندهم لا يستعمل إلا بضوابط عديدة تضمن صحة تغيير المنكر وإلا فتركه أولى من تغييره.[المفتاح الثالث]: متشابهات المعتزلة القدرية من القرآن:
(1) ومن ذلك تتبعهم وجمعهم للمتشابهات التي تدل على أنّ هناك قدران قدر لله وقدر للإنسان، وإرادة لله وإرادة للإنسان مستقلة عن إرادة الله، ومثال ذلك: في سورة الْبَقَرَة {يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر}، وفي سورة آل عمرَان {وَمَا الله يُرِيد ظلما للْعَالمين}، وفي سورة غافر: {وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد}، وفي سورة النِّسَاء {يُرِيد الله ليبين لكم وَيهْدِيكُمْ سنَن الَّذين من قبلكُمْ وَيَتُوب عَلَيْكُم وَالله عليم حَكِيم وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم وَيُرِيد الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات أَن تميلوا ميلًا عَظِيما يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا}، وفيهَا {وَيُرِيد الشَّيْطَان أَن يضلهم ضلالا بَعيدا وفي سورة الْمَائِدَة {مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تشكرون} وفي سورة الانفال {تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة وَالله عَزِيز حَكِيم}.
(2) ومن ذلك تتبعهم وجمعهم للمتشابهات التي تدل على أنّ هناك للعبد مشيئة تخصه، وذلك في مواضع عديدة من القرآن الكريم، في سورة الانعام {سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون}، فقد كذب القرآن الكريم أصحاب عقيدة الجبر في قولهم {لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء}، يقولون فدل ذلك على صحة مذهبنا في القدر، وان الانسان هو خالق لمشيئته، وفي سورة الزخرف {وَقَالُوا لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم مَا لَهُم بذلك من علم إِن هم إِلَّا يخرصون}، يقولون فدل تكذيب القرآن على مزاعم الجبرية في نفي القدر والمشيئة والإرادة اثبات لمذاهبهم في اثبات القدر والإرادة والمشيئة للإنسان، وفي سورة المزمل {فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا}، وفي سورة المدثر {لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يتَقَدَّم أَو يتَأَخَّر}، وفي سورة الانسان {فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا} وفي سورة عبس، {فَمن شَاءَ ذكره فِي صحف مكرمَة} وفي سورة الْكَهْف {فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر}.
(3) ومن ذلك تتبعهم وجمعهم للمتشابهات التي تدل على أنّ الهداية والضلالة من صنع الإنسان لنفسه، وذلك في مواضع عديدة من القرآن الكريم، في سورة النِّسَاء {وَيُرِيد الشَّيْطَان أَن يضلهم ضلالا بَعيدا}، وفيهَا {وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْك وَرَحمته لهمت طَائِفَة مِنْهُم أَن يضلوك وَمَا يضلون إِلَّا أنفسهم}، وفي سورة الْمَائِدَة {قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل}، وفي سورة الانعام {وَإِن تُطِع أَكثر من فِي الأَرْض يضلوك عَن سَبِيل الله وفي سورة الاعراف {قَالَت أخراهم لأولاهم رَبنَا هَؤُلَاءِ أضلونا}، وفي سورة يُونُس {وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا}، وفي سورة الإسراء: {من اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا}، وفي سورة طه {وأضل فِرْعَوْن قومه وَمَا هدى} وفيهَا {وأضلهم السامري}، وفي سورة الْفرْقَان {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ}، وفي سورة الْفرْقَان {يَا ويلتى لَيْتَني لم أَتَّخِذ فلَانا خَلِيلًا لقد أضلني عَن الذّكر بعد إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَان للْإنْسَان خذولا}، وفي سورة الشُّعَرَاء {وَمَا أضلنا إِلَّا المجرمون}، وفي سورة الاحزاب {وَقَالُوا رَبنَا إِنَّا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا}، وفي سورة يس {ألم أَعهد إِلَيْكُم يَا بني آدم أَن لَا تعبدوا الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين وَأَن اعبدوني هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم وَلَقَد أضلّ مِنْكُم جبلا كثيرا أفلم تَكُونُوا تعقلون}، وفي سورة السَّجْدَة {أرنا الَّذين أضلانا من الْجِنّ وَالْإِنْس}، وفي سورة نوح {وَلَا يَغُوث ويعوق ونسرا وَقد أَضَلُّوا كثيرا}،
(4) ومن ذلك تتبعهم وجمعهم للمتشابهات التي تدل على أنّ إضافة الظلم إليهم في الآيات دليل على أنهم خالقوا اقدارهم مسؤولون عنها مسؤولية تامة، وذلك في مواضع عديدة من القرآن الكريم، في سورة التَّوْبَة {فَمَا كَانَ الله ليظلمهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ}، وفي سورة يُونُس {إِن الله لَا يظلم النَّاس شَيْئا وَلَكِن النَّاس أنفسهم يظْلمُونَ}، وفي سورة هود {وَمَا ظلمناهم وَلَكِن ظلمُوا أنفسهم} وفي سورة النَّحْل {وَمَا ظلمهم الله وَلَكِن أنفسهم يظْلمُونَ} وفيهَا {وَمَا ظلمناهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ}، وفي سورة العنكبوت {وَمَا كَانَ الله ليظلمهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ}.
(5) ومن ذلك تتبعهم وجمعهم للمتشابهات التي تدل على أنّ الكفر وقع بإرادة الكفار أنفسهم، وذلك في مواضع عديدة من القرآن الكريم، في سورة آل عمرَان {يَا أهل الْكتاب لم تصدُّونَ عَن سَبِيل الله من آمن}، وفيهَا {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تطيعوا فريقا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب يردوكم بعد إيمَانكُمْ كَافِرين}، وفيهَا {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تطيعوا الَّذين كفرُوا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين}، وفي سورة الْأَنْعَام {وَكَذَلِكَ زين لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عَلَيْهِم دينهم}، وفي سورة ابراهيم {وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار}، وفي سورة الْكَهْف {فَخَشِينَا أَن يرهقهما طغيانا وَكفرا}، وفي سورة المؤمنون: {فاتخذتموهم سخريا حَتَّى أنسوكم ذكري}، وفي سورة الْقَصَص {وَمَا كُنَّا مهلكي الْقرى إِلَّا وأهل هَا ظَالِمُونَ}.
(6) ومن ذلك تتبعهم وجمعهم للمتشابهات التي تدل على أنّ هناك خالقين سوى الله، وأنه إذا كان الامر كذلك فإن الإنسان يخلق عمله، ومن ذلك في سورة آل عمرَان {أَنِّي أخلق لكم من الطين}، قالوا: نسب نبي الله عيسى إلى نفسه الخلق، وكذلك نسبه الله تعالى إليه كما في قوله تعالى، في سورة الْمَائِدَة {وَإِذ تخلق من الطين}، وفي سورة المؤمنون: قال تعالى: {فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ}، فدل على أن هناك من يخلق وانّ الله هو احسن الخالقين.
[المفتاح الرابع]: مفاتيح الفهم الصحيح لمتشابهات المعتزلة القدرية من القرآن: صدق الله العظيم حيث يقول: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، تتبع القدرية المعتزلة كل الآيات التي تدل على إرادة الإنسان، وكل الآيات التي تدل على مشيئة الإنسان، وكل الآيات التي تدل على أنّ الهداية والضلالة من صنع الإنسان لنفسه، وعلى انّ الإنسان يظلم نفسه بيده، وأنّ إضافة الظلم إليهم في بعض الآيات دليل على أنهم خالقوا اقدارهم مسؤولون عنها مسؤولية تامة، في عشرات الآيات التي تنسب العمل إلى الإنسان.
وللرد على متشابهات المعتزلة: نقول وبالله التوفيق: للرد على فهمهم المغلوط للآيات نقول نعم لله قدر هو خالقه، يدخل في توحيد للأفعال لله وحده، وهناك مسؤولية للإنسان على عمله، فأما (توحيد الأفعال): فمعناه: أنّه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته، هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة، هو الخالق ولا خالق غيره، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وأهل العلم بالأصول متفقون في توحيد الأفعال على أنّ كل ما يكون في الكون، وكل ما يقع في الكون، إنما هو من خلق الله تعالى.
وأما (مدى مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله؟): فالاجابة لها شقان:
(الشق الأول): الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، ولكن ليس معنى ذلك، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، وما أحسن ما قاله الطحاوي وهو يعبر عن عقيدة المسلمين في القضاء والقدر: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى في كتابه : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين) أهـ ([29]) .
فالخير والشر مقدران على العباد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
و(الشق الثاني للإجابة): [نظرية الكسب]: التي وردت في القرآن وهي الحل الامثل لمتشابهات القضاء والقدر وتمثل التوسط ما بين بدعتي الجبر والقدر، وقد ورد الكسب في القرآن الكريم في أكثر من ستين آية، جميعها يشير إلى كسب الإنسان، وأنّه مسؤول عن كسبه، منها قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141]، وقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17].
عند التوفيق بين آيات الكسب، وآيات توحيد الأفعال، والتي منها: قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]، نجد أنّ توحيد الأفعال يستلزم اعتقاد أنّ كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الأفعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، و(الكسب) يستلزم مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله بدليل ترتب الثواب والعقاب على تلك الأعمال، إذن الكسب هو الاختيار، وهذه هي حدود قدرة الإنسان، أما الفعل في حد ذاته فهو مخلوق لله تعالى، وبمقتضى هذا الأصل فإن جميع أفعال الإنسان التي سيحاسب عليها إنما هي مخلوقة من الله مكسوبة من العبد، للعبد فيها الاختيار فإن شاء الله كانت لأنها خلقه، وإن لم يشأ لم تكن، فمن اختار طريق الهداية وسار فيه، فبفضل الله تعالى وتوفيقه، ومن اختار طريق الضلال وسار فيه فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، هذا هو الكسب وتلك هي حدوده، وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه، وحاسبه الله تعالى على ما كسبت نفسه، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط بين مذهبي الجبرية والقدرية، فالإنسان قادر على كسبه واختياره وبالتالي هو مسؤول عن أعماله، ولكنه غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته، وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق، وبذلك ستصبح عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة المسلمين في القضاء والقدر.
وفي القدر أسرار تتعلق بالربوبية، لا يحق للعبيد تتبعها ولا السؤال عنها، فمن طلب في القدر ما وراء ما ذكرت من معاني الكسب، فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فهذا هو الكسب وتلك هي حدوده، وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه، وحاسبه الله تعالى على ما كسبت نفسه، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه.
وأهل السنة والجماعة ينصون على أن للعبد كسب بلا خلق لعمله ولا جبر عليه، وكل إنسان منصف يعرف الفرق بين الأفعال الجبرية كضربات القلب ونبضات الدم، وبين الافعال الاختيارية كأداء الصلاة أو تركها، وأهل السنة يصرحون بعدم الجبر، ردا على الجبرية، ويصرحون بعدم الخلق ردا على القدرية الذين زعموا أنّ الإنسان خالق لعمله، و أهل السنة والجماعة يقولون: أنه ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب، فليس مجبورا كما تقول الجَبرية، وليس خالقا لها كما تقول المعتزلة، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط الملائم لعقيدة التوحيد ونصوص القرآن التي تؤكد انفراده سبحانه بالخلق لقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]. فلو قلنا بمشاركة الإنسان لله تعالى في خلق الفعل لانتهى بنا الأمر إلى إثبات خالق مع الله تعالى ضدا على أصل التوحيد، وهو قول القدرية المعتزلة، ولو قلنا بانتفاء الاختيار والكسب لانتهى بنا الأمر إلى الجبر وهو قول الجهمية الجبرية، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط بين مذهبي الجبرية والقدرية، فالإنسان قادر على كسبه واختياره وبالتالي هو مسؤول عن أعماله، ولكنه غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته، وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق.
وبذلك تصبح عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر، وبها يبطل مذهب الجبرية القائم على أساس إنكار القدرة الحادثة، ويصبح التكليف لا معنى له في غياب إرادة وقدرة الانسان على الفعل، كما يسقط مذهب المعتزلة الذي يجعل العبد مخترعا لأفعاله ضدا على أصل التوحيد الذي يجعل الخالق سبحانه وتعالى متفردا بالوحدانية في خلق الأفعال، وأهل السنّة والجماعة عند إقراراهم لمبدأ الكسب حققوا من خلاله مقصدين عقديين عظيمين: (الأول): إثبات اختيار العبد ومسؤوليته عن الأفعال الاختيارية، و(الثاني): الحفاظ على جوهر التوحيد وعدم جرحه كما فعل التيار الاعتزالي من قبل، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، كما قال تعالى في كتابه: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.
(تنبيه): كل الآيات التي سردها القدرية هي رد على الجبرية وكل الآيات التي سردها الجبرية هي رد على القدرية، والصواب الوسط، وهو الذي تمثل في نظرية (الكسب)، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17]،
[المفتاح الخامس]: مفاتيح الفهم الصحيح لقولهم: بأنّ الْجنَّة جَزَاء الْأَعْمَال التي عملوها، واستدلوا لذلك بآيات عديدة من القرآن الكريم، كما في سورة الاعراف {ونودوا أَن تلكم الْجنَّة أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} وَفِي سورة النَّحْل {سَلام عَلَيْكُم ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} وَفِي سورة الزخرف {وَتلك الْجنَّة الَّتِي أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} وَفِي سورة الطّور {كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} وَفِي سورة المرسلات {كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} وَفِي سورة الحاقة {كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية}، وَفِي سورة النَّمْل {هَل تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} وَفِي سورة يس {وَلَا تُجْزونَ إِلَّا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} وَفِي سورة سبأ {هَل يجزون إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ} وَفِي سورة السَّجْدَة {نزلا بِمَا كَانُوا يعْملُونَ} وَفِي سورة الاحقاف {أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة خَالِدين فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ} وَفِي سورة الْوَاقِعَة {وحور عين كأمثال اللُّؤْلُؤ الْمكنون جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ} وَفِي سورة الصافات {لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ} وَفِي سورة الرَّحْمَن {هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان} وَفِي سورة طه {وَذَلِكَ جَزَاء من تزكّى} وَفِي سورة الْفرْقَان {أم جنَّة الْخلد الَّتِي وعد المتقون كَانَت لَهُم جَزَاء ومصيرا} وَفِي سورة الزمر {لَهُم مَا يشاؤون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ} وَفِي سورة النَّجْم {ليجزي الَّذين أساؤوا بِمَا عمِلُوا وَيجْزِي الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى} وَفِي سورة الْإِنْسَان {إِن هَذَا كَانَ لكم جَزَاء وَكَانَ سعيكم مشكورا}، والرد الصحيح على هؤلاء: هو أن دخول الجنة يكون برحمة الله وفضله، والعمل الصالح هو سبب لدخولها وليس ثمنا لها، وفي المسالة نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سددوا وقاربوا، وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله قالوا: ولا أنت؟ يا رسول الله، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة) ([30]) .
وهذا يعني أن أعمالنا مهما عظمت لا تعادل نعم الله، فالجنة تُنال برحمة الله والعمل الصالح سبب لذلك، ولا ننس انّ العمل الصالح لا يتم إلا بتوفيق من الله، ولولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21]، فالعمل سبب لدخول الجنة وليس ثمناً لها لأنه لا يعدل الجنة أي ثمن، وعند الانصاف لو عبد العبد الله تعالى ألف سنة لا يعصي أمره قط، ما وفى نعمة الإيجاد ولا وفي نعم الأمداد ولا وفى نعمة السمع والبصر والكلام، وكيف تكون الجنة الباقية ثمنا للأعمال المحدودة الفانية، فلن يدخل الجنة أحد بعمله ولكن برحمة الله، والاعمال الصالحة سبب في دخول الجنة وليست ثمنا لها،
***
المبحث الثالث مفاتيح الفهم الصحيح لأدلة الجهمية الجبرية من القرآن
[المفتاح الاول]: الجهمية: هم أتباع الجهم بن صفوان وهو ضال مبتدع قال عنه الذهبي ” هلك في زمان التابعين وما علمته روى شيئاً، لكنه زرع شراً عظيماً ” أهـ ([31]) . والذي يهمنا من الجهمية هو قولهم الضال في مسائل الإيمان.
[المفتاح الثاني]: إشارة إلى الجهمية وبيان لأهم ضلالاتها: قال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله: ” ذكر قول الجهمية ما تفرد به جهم: الذي تفرد به جهم القول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل بالله فقط، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك وزالت الشمس، وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله – سبحانه ! – إلا أنه خلق للإنسان قوة كان بها الفعل، وخلق له إرادة للفعل واختياراً له منفرداً بذلك، كما خلق له طولاً كان به طويلاً، ولوناً كان به متلوناً، وكان جهم ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقتل ” جهم ” بمرو، قتله مسلم بن أحوز المازني في آخر ملك بن أمية ويحكي عنه أنه كان يقول: لا أقول إن الله – سبحانه! – شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء، وكان يقول: إن علم الله – سبحانه ! – محدث، فيما يحكي عنه، ويقول بخلق القرآن، وأنه لا يقال: إن الله لم يزل عالماً بالأشياء قبل أن تكون ” أهـ ([32]) .
وقال الشهرستاني رحمه الله:” الجهمية: أصحاب جهم بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة، ظهرت بدعته بترمذ، وقتله مسلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء، منها قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى: بصفة يوصف بها خلقه لأن ذلك يقضي تشبيهاً فنفى كونه حياً عالما، وأثبت كونه قادراً، فاعلاُ، خالقاً، لا يوصف شيء من خلق بالقدرة والفعل والخلق، ومنها إثباته علوماً حادثة للباري تعالى: لا في محل، قال: لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه، لأنه لو علم ثم خلق، أفبقي علمه على ما كان أم لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل، فإن العلم سيوجد غير العلم بأن قد وجد، وإن لم يبق فقد تغير والمتغير مخلوق ليس بقديم، ووافق في هذا المذهب هشام بن الحكم كما تقرر، قال: وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو: إما أن يحدث في ذاته تعالى:، وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته، وأن يكون محلاً للحوادث، وإما أن يحدث في محل فيكون المحل موصوفاً به لا الباري تعالى:، فتعين أنه لا محل له، فأثبت علوماً حادثة بعدد الموجودات المعلومة، ومنها قوله في القدرة الحادثة: إن الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعـة، وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى: الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازاً كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس، وغربت، وتغيمت السماء وأمطرت، واهتزت الأرض وأنبتت إلى غير ذلك، والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر، قال: وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضاً كان جبراً، ومنها قوله: إن حركات أهل الخالدين تنقطع، والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها، وتألم أهل النار بجحيمها، إذ لا تتصور حركات لا تناهي آخراً، كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولاً، وحمل قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا} على المبالغة والتأكيد دون الحقيقة في التخليد، كما يقال خلد الله ملك فلان، واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 108] فالآية اشتملت على شريطة واستثناء، والخلود والتأييد لا شرط فيه ولا استثناء، ومنها قوله: من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده، لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد، فهو مؤمن، قال: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى عقد، وقول وعمل، قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الانبياء، وإيمان الأمة على نمط واحد، إذ المعارف لا تتفاضل، وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه، ونسبته إلى التعطيل المحض، وهو أيضاً موافق للمعتزلة في نفي الرؤية وإثبات خلق الكلام وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود السمع ” أهــ ([33]) .
[المفتاح الثالث]: وعلى ذلك يمكن تلخيص أهم ضلالات الجهمية في هذه الأصول الضالة: (الأصل الأول): تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل، و (الأصل الثاني): القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر، و (الأصل الثالث): القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة، و (الأصل الرابع): القول بفناء الجنة والنار، و (الأصل الخامس): إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى: وعذاب القبر.
فأما الأصل الأول: (تعطيل أسماء الله عز وجل وصفاته) فحجتهم فيه أن وصف الله تعالى: بصفات موجودة في المخلوق توجب التشبيه فينبغي نفي كل صفة نسبت إلى الله تعالى، ومن هذا الباب عطلوا جميع الصفات دون استثناء وذلك لأن الإنسان وهو مخلوق موصوف بالحياة والعلم والسمع والبصر والكلام وغيرها من الصفات، وقد تقدم الرد على ضلالاتهم في الكتاب الأول، مفاتيح علم التقديس، وخلاصة الامر أنّ هناك فرق بين جناب الذات وبين الصفات، وانّ قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وهذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وهذه الآية الكريمة {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى يقول: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هو السميع البصير، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية بما لا يدع مجالا للشك بأن المقصود من قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، وليس الصفات، فكل اسم من أسماء الله الحسنى دل على صفة واجبة لله تعالى.
وأما الأصل الثاني (قولهم بالجبر) فحجتهم فيه أنهم يثبتون لله عز وجل القدرة التامة وأن إثبات القدرة التامة يستلزم الجبر في أعمال الإنسان وأنه مجبور على عمله لا خيار له فيه وعمله بمثابة طوله ولونه وبمثابة حركة الجمادات والنباتات، وأي عاقل سمع كلامهم هذا علم أنه إذا عوقب الإنسان على عمله الرديء وهو لا دخل له فيه البته أن هذا ظلم يتنزه الله تعالى: عنه، فكأنهم إذا جاءتهم الشبهة من باب القدرة نسبوا إلى الله تعالى: الظلم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وأهل السنّة يقولون أن للإنسان مشيئة وإرادة واختيار، وكل منا يعلم من نفسه ذلك، فهل القيام بعمل من أعمال الطاعة أو المعصية يشبه رعشة العضلات اللاإرادية أو دقات القلب اللاإرادية دون دخل من الإنسان هذا لا يقوله منصف ولا عاقل، ولكن إرادة الإنسان واختياره داخل ضمن تقدير الله ومشيئته وإرادته، ويجمع الأمرين قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] فأثبت القرآن الكريم المشيئتين بصورة نؤمن بها تثبت لله القدرة التامة والعدل التام والمسئولية الكاملة للإنسان على أفعاله وتصرفات، ثم الجهمية يدخلون من باب الجبر إلى الاحتجاج على الله عز وجل بالمعاصي والذنوب لأنهم يقولون إذا كان الإنسان مجبوراً على عمله فما ذنب ارتكابه الكبائر وهو مجبور عليها، ويلزمهم في ذلك أنه ما ذنب الكافر في وقوعه في الكفر وهنا ينفرط عقد الإيمان بل عقد الملة بأسرها فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما الأصل الثالث: (ضلالهم في مسائل الإيمان والكفر): فالجهميـة من أشـد الفرق ضلالاً وتفريطاً في حق مسائل الإيمان والكفر، وذلك بانهم قالوا: الإيمان هو المعرفة بالله فقط ومن عرف الله بقلبه فهو مؤمن، والكفر هو الجهل بالله فقط، ومن أتى بالمعرفة القلبية فهو مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل وكإيمان الأنبياء والمرسلين، ومن أتى بالمعرفة والإقرار فلا يضره شيء البتة كما لا ينفع مع الكفر طاعة البتة، وقد مر بنا فيما مضى ضلال تلك الأصول بما يغني عن الرد عليها، والله المستعان.
وأما (الأصل الرابع): القول بفناء الجنة والنار، فإنّه قد دلت الآيات على بقاء الجنّة والنار، منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: 57]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]، وأما (الأصل الخامس): إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى وعذاب القبر، فهذا من الضلال المتعلق بعدم الأخذ بأحاديث الآحاد فيما لا تعارضه أدلة النقل والعقل، ولا يُخالف قواعد التقديس.
[المفتاح الرابع]: استدلال الجهمية بمتشابهات القرآن والرد عليها:
[الشبهة الاولي]: استدل الجهمية القائلين بان الله في كل مكان بما جاء فِي سورة الانعام {وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وفي سورة الأَرْض} وفي سورة الزخرف {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وفي سورة الأَرْض إِلَه وَهُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم}، وفي سورة الْبَقَرَة {فأينما توَلّوا فثم وَجه الله}، وفِي سورة الرَّعْد {أَفَمَن هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت}، وفي سورة النُّور {حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عِنْده وفي سورة الْقَصَص: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، وفي سورة العنكبوت {وَقَالَ إِنِّي مهَاجر إِلَى رَبِّي إِنَّه هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم} وفي سورة الصافات {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي سيهدين}.
وللرد على هذه العقيدة الفاسدة، نقول وبالله التوفيق: المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود، وأهل الأصول يقولون أنّ الله مقدس عن الحد والحصر والمقدار، ولا يقولون كما قالت الحلولية والجهمية: إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا يقولون كما قالت الحشوية الجهوية: إن الله في مكان دون مكان ألا وهو العرش العظيم، بل يقولون: إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان وأنه هو رب العرش العظيم، خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته، وأنه لا يُقال إن الله داخل الكون _ لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود _ ولا يُقال إنه خارجه لأنه قريب كما قال تعالى {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} وكما قال تعالى:{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، وكما قال تعالى {واسجد واقترب}، ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأنه سبحانه ليس كمثله شيء لا يُقاس قربه بالمسافة، بل كل خلقه منه قريب تحيرت العقول في ذاته وصفاته والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر، وهذا حد البشر نبذ التمثيل والتكييف والتشبيه وتنزيه الله عن الزمان والمكان والحد والمقدار.
ولا تلتفت إلى القاصر عن علم العقيدة والتقديس، (إذا قلنا له): إنه لا يُقال أنه سبحانه داخل العالم ولا خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه، لأن الدخول والخروج والاتصال والانفصال من صفات الأجسام المخلوقة، ولا وجه للتماثل بين الخالق والمخلوق، (فإنّه يقول): لا داخل ولا خارج تناقض، (نقول): هو التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال ” لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل ” لعدم التماثل بين العلم والحجر، ولله المثل الأعلى، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق، الله تعالى موجود بذاته وصفاته وأفعاله ولكن ليس كوجوده وجود وليس كمثل ذاته ذات، ليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد، فلا تناقض يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق، (تقول له): عند إعمال العقل وتدبره لقول الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3}، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([34]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء غيره) ([35]) .
نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه، كمال منزه عن الوجود الزماني، وكمال منزه عن الوجود المكاني، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود، إذ هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء، فلا يجري عليه زمان، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فلا يحويه المكان، وإذا لم يكن قبل (الله) تعالى شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء، وهو بكل شيء محيط، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته، وعلى ذلك: فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، كما أنّ كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث، كان قبل خلقه عدما ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما، أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى: {الله خالق كل شيء}، وقال تعالى: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه}، ومن جملة خلقه المكان والزمان، فهل يحل الخالق في المخلوق أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان، أيضا ومن الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا. (أيضا): عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد، إنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء المقدس عن الحدود، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان، و(أيضا): (الأحدية) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان، وذلك لأن الأحدية تنافي الكثرة والانقسام والأجزاء، والموجود في المكان، يمينه يمين المكان، ويساره يسار المكان، واليمين واليسار والفوق والتحت يلزم منها الكثرة والانقسام وكل ذلك يضاد الأحدية، وأيضا (الصمدية) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان، لأنّه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق، و(أيضا): قوله تعالى (والله الغنى وأنتم الفقراء) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان، لأنه لو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق، و(أيضا): قوله تعالى (لا إله إلا هو الحى القيوم) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق، وقوله تعالى (هل تعلم له سمياً) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً، ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره.
[الشبهة الثانية]: استد الجهمية القائلين بانّ الله قريب بذاته بما جاء : فِي سورة الْبَقَرَة {وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب} وفي سورة هود {إِن رَبِّي قريب مُجيب}، وفي سورة مَرْيَم {وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن وقربناه نجيا}، وفي سورة ق {وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد}، وفي سورة الْوَاقِعَة {وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون}.
وفِي حجج القائلين منهم بأنّ الله مع كل احد بذاته: فِي سورة الْبَقَرَة {وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ}، وفي سورة آل عمرَان {وَالله مَعَ الصابرين}، وفي سورة النَّحْل {إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون}، وفي سورة التَّوْبَة {لَا تحزن إِن الله مَعنا}، وفي سورة طه {قَالَ لَا تخافا إِنَّنِي مَعَكُمَا}، وفي سورة الشُّعَرَاء {فاذهبا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعكُمْ مستمعون}، وفيهَا {كلا إِن معي رَبِّي سيهدين} وفي سورة الانفال {وَأَن الله مَعَ الْمُؤمنِينَ}، وفي سورة النِّسَاء {وَلَا يستخفون من الله وَهُوَ مَعَهم}، وفي سورة سُورَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {وَالله مَعكُمْ وَلنْ يتركم أَعمالكُم}، وفي سورة الْحَدِيد {وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم}، وفي سورة المجادلة {مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سادسهم وَلَا أدنى من ذَلِك وَلَا أَكثر إِلَّا هُوَ مَعَهم أَيْن مَا كَانُوا}.
وللرد على هذه العقيدة الفاسدة، نقول وبالله التوفيق: هناك آيات تدل على القرب، كقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}، فلم لا تحمل على قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة، وهناك آيات تدل على الاحاطة، كقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} فلم لا تحمل على إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة، وهناك آيات تدل على الاستواء، {ثم استوى على العرش يدبر الامر}، فما الاشكال أن يحمل الاستواء على استواء الصفات من صفات التدبير والتسخير والملك والقهر والهيمنة والربوبية للعالم، إذن المذهب السوي يتفق على حمل الجميع على الصفات، القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والإحاطة على العلم والسمع والبصر، والاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، أما جناب الذات غيب لا يُدرك، وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4]، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بمعنى القرب الحسي وإلا نافي الاستواء، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء ولا العكس، ثم جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وليست المعية بالقرب الحسي.
والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، والحاصل: أنّه سبحانه غيب الغيوب لا يدرك، استواؤه على العرش استواء صفات (التدبير والهيمنة والربوبية)، وقربه من الخلق قرب صفات (السمع والبصر والعلم)، وإحاطته بالكون احاطة صفات (العلم والقدرة والمشيئة والسمع والبصر)، أما جناب الذات غيب لا يدرك، تنزه وجوده عن الكيف، موجود بلا كيف، موجود بلا حد، موجود بلا مكان، موجود لا يجرى على وجوده زمان، غيب الغيوب لا يدرك.
[الشبهة الثالثة]: استدل الجهمية القائلين بِفنَاء الْجنَّة وَالنَّار بأهليهما، بما فهموه من قوله تعالى في سورة الْأَنْعَام {قَالَ النَّار مثواكم خَالِدين فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ الله إِن رَبك حَكِيم عليم} وَفِي الْقَصَص {كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه}، وَفِي الرَّحْمَن {كل من عَلَيْهَا فان}، وَفِي سورة هود {فَأَما الَّذين شَقوا فَفِي النَّار لَهُم فِيهَا زفير وشهيق خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك إِن رَبك فعال لما يُرِيد وَأما الَّذين سعدوا فَفِي الْجنَّة خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك عَطاء غير مجذوذ} وَفِي سورة النبأ {لابثين فِيهَا أحقابا}، قالوا: الاحقاب أزمان، والأبدية لابد وان يكون لها زمن، والاستثناء دليل على انّ للخلود الابدي مدة ينتهى إليها.
وللرد على هذه العقائد الفاسدة، نقول وبالله التوفيق: استدل الجهمية على فناء الجنة والنار بما فهموه من متشابهات من القرآن، منها: قوله تعالى في سورة الْأَنْعَام {قَالَ النَّار مثواكم خَالِدين فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ الله إِن رَبك حَكِيم عليم} فالاستثناء، يُفيد أنّ العذاب والبقاء تابع لقدرة الله ومشيئته في أمد العذاب، فخلودهم في جهنم تحت مشيئة الله، فله أن يخرج من شاء منها، وهو تعبير عن تمام القدرة والملك، وبيان أن القدرة لله وحده، وختمت الآية بفوله تعالى: {إن ربك حكيم عليم}، للإشارة إلى أن الله حكيم في قضاؤه، عليم بما يستحقه العباد من عقاب، وَفِي الْقَصَص {كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه}، والمقصود أنّ كل شيء هالك إلا ما أريد به رضى الله، أو أنه يهلك قبل يوم القيامة ثم تكون الإعادة يوم القيامة، وَفِي الرَّحْمَن {كل من عَلَيْهَا فان}، نفس المعنى يفنى كل شيء إذا أتت الساعة، ثم يوم القيامة يعيدهم الله تعالى للحساب، ، وَفِي سورة هود {فَأَما الَّذين شَقوا فَفِي النَّار لَهُم فِيهَا زفير وشهيق خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك إِن رَبك فعال لما يُرِيد وَأما الَّذين سعدوا فَفِي الْجنَّة خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك عَطاء غير مجذوذ}، فــ (الاستثناء): في قوله تعالى “إلا ما شاء ربك” (في سياق خلود أهل الجنة أو النار) يفيد تأكيد أن خلودهم بمشيئة الله وقدرته وليس بفرض ذاتي، وأن الأمر كله بيد الله. كما يشير إلى إخراج عصاة الموحدين من النار أو بقاء أهل الجنة في النعيم المقيم الذي لا نهاية له، تحقيقاً لطلاقة مشيئة الله، والقرآن نزل بلغة العرب التي يفهمونها، وقد جرت عادة العرب أنهم إذا أرادوا التعبير عن خلود الشيء الخلود الأبدي قالوا إنه باق ما بقيت السماوات والأرض، قال الطبري رحمه الله في تفسير الآية الكريمة: (وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا، قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض؛ بمعنى أنه دائم أبدا، وكذلك يقولون: هو باقٍ ما اختلف الليلُ والنهار، وما سمَر لنا سمير، وما لألأت العُفْر بأذنابها، يعنون بذلك كله أبدا) فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم، فقال: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض}. والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدا) أهــ ([36]) .
وقال البغوي رحمه الله: (وقال أهل المعاني: هذا عبارة عن التأبيد، على عادة العرب، يقولون: لا آتيك ما دامت السماوات والأرض، ولا يكون كذا ما اختلف الليل والنهار، يعنون: أبدا) ([37]) .
وقال ابن عطية رحمه الله: (معنى قوله: { مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض}: العبارة عن التأبيد بما تعهده العرب، وذلك أن من فصيح كلامها إذا أرادت أن تخبر عن تأبيد شيء، أن تقول: لا أفعل كذا وكذا مدى الدهر، وما ناح الحمامُ وما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، ونحو هذا، مما يريدون به طولا من غير نهاية، فأفهمهم الله تعالى تخليد الكفرة بذلك، وإن كان قد أخبر بزوال السماوات والأرض)أهـ([38]) .
وقال القرطبي رحمه الله: (أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا. وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده، كقولهم: لا آتيك ما جَن ليل، أو سال سيل، وما اختلف الليل والنهار، وما ناح الحمام، وما دامت السماوات والأرض، ونحو هذا؛ مما يريدون به طُولا من غير نهاية، فأفهمهم الله تخليد الكفرة بذلك) أهــ ([39]) .
وذهب بعض أهل التفسير إلى أن المراد دوام السماوات والأرض التي في الآخرة، فإن فيها سماءً وأرضا، غير سمائنا أرضنا، قال الزمخشري رحمه الله: {مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض }، فيه وجهان: أحدهما: أن تراد سماوات الآخرة وأرضها، وهي دائمة مخلوقة للأبد. والدليل على أنّ لها سماواتٍ وأرضًاً قوله تعالى: { يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ}، وقوله: {وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ}، ولأنه لا بدّ لأهل الآخرة مما يُقِلهم ويُظلهم: إمّا سماء يخلقها الله، أو يظلهم العرش، وكل ما أظلك فهو سماء.، والثاني: أن يكون عبارةً عن التأبيد ونفي الانقطاع، كقول العرب: ما دام تعار[جيل معروف]، وما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وغير ذلك من كلمات التأبيد)أهــ ([40]) .
وقال ابن كثير : (ويحتمل أن المراد بما دامت السموات والأرض: الجنس؛ لأنه لا بد في عالم الآخرة من سموات وأرض، كما قال تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} [إبراهيم:48]؛ ولهذا قال الحسن البصري في قوله: {مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض }، قال: تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض، وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قوله: (مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض }، قال: لكل جنة سماء وأرض) أهــ ([41]) .
فهذا هو الذي عليه المفسرون في تفسير هذه الآية الكريمة، (فوائد الاستثناء): أذكر عشرة فوائد: (الاولى) إثبات المشيئة الإلهية: التأكيد على أن الخلود أو البقاء معلق بمشيئة الله تعالى، (الثانية) إخراج المذنبين من النار: فسرها ابن عباس رضي الله عنهما بأنها المدة التي يخرج الله فيها عصاة الموحدين من النار، فلا يخلدون فيها أبداً، (الثالثة) الزيادة في النعيم بالنسبة لأهل الجنة، قد تعني الزيادة في النعيم بما لا يخطر على البال مما لم يذكر في القرآن، (الرابعة) طلاقة المدة: إشارة إلى أن الخلود لا يتقيد بمدة وجود السموات والأرض، بل هو أزلي أبدي بمشيئة الله، (الخامسة) هذا الاستثناء يُبين أن الخلود في الآخرة هو منحة وإرادة إلهية، لا استحقاقاً ذاتياً للمخلوق، (السادسة) بيان طلاقة القدرة الإلهية: التأكيد على أن خلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ليس واجباً على الله عقلاً، بل هو بمشيئته؛ فقدرته سبحانه لا يقيدها قيد، ولو أراد غير ذلك لفعله، (السابعة) التفريق بين صفات الخالق والمخلوق: ليعلم العباد أن الأبدية والدوام في الآخرة ليسا نابعين من ذات الجنة أو النار، بل هما بفضل إبقاء الله لهما، فكل شيء خاضع لمشيئته، (الثامنة) فتح باب الرجاء: ذهب بعض المفسرين إلى أنها تشير إلى عصاة الموحدين الذين يدخلون النار ثم يخرجون منها بمشيئة الله ورحمته (أي أنهم خالدون فيها إلى المدة التي شاء الله خروجهم فيها) ، (التاسعة) التأدب مع الله: وذلك بالإشارة إلى أن الوعد والوعيد لا يخرجان عن سلطان المشيئة الإلهية، حتى وإن أخبر الله بخلودهم، ليبقى العبد دائماً معلقاً بالله وحده ، (العاشرة) بيان أنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله وارادته، فليس معنى ذبح الموت ان يصير الخلود ذاتيا، حاش لله، فلا يكون في ملك الله إلا ما شاء الله ولا خلود إلا بمشيئته وقدرته، وأما ما جاء َفِي سورة النبأ {لابثين فِيهَا أحقابا}، قالوا: الاحقاب أزمان، والأبدية لابد وان يكون لها زمن، والاستثناء دليل على انّ للخلود الابدي مدة ينتهى إليها، وكل هذا من متشابه القرآن الذي يجب رده إلى المحكم.
والأدلة من محكم القرآن على بقاء الجنة والنار: (أ) الخلود الابدي للجنة: آيات عديدة منها: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: 57]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، وقوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119]، وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 7، 8]، و(ب) الخلود الابدي للنار: آيات عديدة منها: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 65]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23]، و(ت) الاكل الدائم غير المنقطع: في قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} [الرعد: 35]، و(ث) الفاكهة الكثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، لقوله تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 27 إلى 33]، و(ج) الرزق الباقي الذي لا ينفد، كما في قوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 96]، أخبر سبحانه أن ما في الدنيا من الخير ينفد وما عند الله باق لا ينفد، فلو كان لما عند الله من النعيم آخر لكان نعيم ينفد كنعيم الدنيا، و(ح) الأجر الممنون الذي لا ينقطع، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [فصلت: 8]، قال عامة المفسرين: غير مقطوع، ولا منقوص، وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [الانشقاق: 25]، وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 6]، (خ) العطاء الغير مجذوذ أي غير منقطع، كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108].
[الشبهة الرابعة ]: استدل القائلين منهم بِفنَاء الْعَالم (الكون)، وذلك بما فهموه من مواضع عديدة من القرآن الكريم، منها ما ورد فِي سورة الْحَدِيد {هُوَ الأول وَالْآخر}، قالوا اذا كان الآخر فمعناه عودة الكون على حالة العدم، وَفِي سورة الرّوم {وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ} وَفِي سورة الْأَنْبِيَاء {يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب كَمَا بدأنا أول خلق نعيده} قالوا: والابتداء كَانَ عَن عدم فَكَذَا الإعادة ستؤول إلى العدم، وَفِي الْقَصَص {كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه}، إذا كان الهلاك لكل شيء إلا الله فسيعود الكون إلى الفناء والعدم، وَفِي الرَّحْمَن {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، فلا بقاء إلا لله، وكل ما عداه يفنى.
وللرد على هذه العقائد الفاسدة، نقول وبالله التوفيق: استدل الجهمية على فناء الكون يقوله تعالى {هُوَ الأول وَالْآخر}، وليس معناه الأول على سبيل المحسوس والآخر على سبيل المحسوس وذلك لان أهل الجنة خلود بلا موت وأهل النار خلود بلا موت، وإنما المقصد التنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا (أي له بداية) فهو أبدي (أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة، فدل ذلك على أن المراد من قوله {الأول والآخر} هو التقديس أصلا عن الزمان فلا يجري عليه زمان، والماضي والحاضر والمستقبل عنده سواء لأن الزمان لا يجري عليه سبحانه، ولهذا قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، وقال تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، وقال جل شأنه {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}، ولهذا فإن علمه قديم أزلي لأنه لا يجري عليه زمان، المعلومات كلها السابق منها واللاحق منكشفة على صفة علمه، وسمعه قديم لأنه لا يجري عليه زمان منكشفه على صفة سمعه جميع المسموعات ولا تختلط عليه الأصوات، فيسمع ما كان وما يكون وما هو كائن من كلام أهل الجنة والنار مما لا انقضاء له من الأصوات لأن سمعه محيط بكل خلقه لا يجري عليه زمان، وبصره قديم أزلي يرى ويبصر جميع المبصرات الماضي والحاضر والآت، يبصر أول الخلق كما يبصر أهل الجنة وأهل النار، كل منكشف على بصره لأنه محيط لا يجري عليه زمان، وكلامه قديم أزلي لا يحتاج إلى ترتيب أو تقديم أو تأخير لأنه لا تعلق له بزمان دون زمان، مقدس عن الزمان، ولهذا جاء التعبير القرآني: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا} بلفظ الماضي مع أنه مستقبل، وقال تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} بلفظ المستقبل مع أنه ماضي للدلالة على تقديس الله عن الزمان.
والقاعدة العامة عند أهل الأصول: أنّ كل ما تعلق بالقديم الأزلي فهو قديم، لا يخضع لقوانين الزمان والمكان المحدثة المخلوقة، وكل ما تعلق بالمخلوق المحدث فهو مخلوق يخضع لقوانين الزمان والمكان، وقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}، إشارة إلى نفي الزمان في حق الله تعالى وعدم حاجة الله للوقت لكي يفعل ما يشاء، والحاصل أنّ الزمان من خلق الله جعله قاهرا لخلقه فيجري عليهم ولا يخرجون عنه قدر أنمله فهم مقهورون بالماضي والحاضر والمستقبل لا يملكون له تصرفا ولا تغييرا والزمان قاهر لهم، أما الله فهو القاهر فوق الزمان وهو المحيط بالزمان كما أنه بكل شيء محيط، وهو الذي يتصرف فيه كيف يشاء، وأنى للزمان أن يجري على خالقه ومصرفه سبحانه، وَفِي سورة الْأَنْبِيَاء {يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب كَمَا بدأنا أول خلق نعيده} قالوا: والابتداء كَانَ عَن عدم فَكَذَا الإعادة ستؤول إلى العدم، وليس كما ظنوا، فقد جاءت الآية في سياق الحديث عن يوم القيامة وطي السماء كطي السجل للكتب، لتبين سهولة إعادة الخلق، والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى سيُعيد الخلق بعد موتهم وفناء الكون، أحياءً للبعث والنشور، تماماً كما أوجدهم من العدم في المرة الأولى، حيث أن الإعادة أهون على الله، وهو وعد حق لا يخلفه، وتأكيد على قدرته المطلقة على البعث والجزاء، كما بدأنا خلق الإنسان (من تراب ثم نطفة..) في المرة الأولى، سنعيدهم أحياءً بعد الموت، وَفِي سورة الْقَصَص {كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه}، إذا كان الهلاك لكل شيء إلا الله، فسيعود الكون إلى الفناء والعدم، وليس كما فهموه بل المقصود كل شيء هالك إلا ما أُريد به رضاه، ولو كان المعنى المقصود هو هلاك الكون وما فيه، لجاء التعبير (كل شيء هالك إلا ذاته)، ولكن لما كان المقصود أنه لا يبقى إلا ما أُريد به وجه الله، وَفِي سورة الرَّحْمَن {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، قالوا: فلا بقاء إلا لله، وكل ما عداه يفنى، وليس كما ظنوا بل المعنى: أن كل الخلائق كُتب عليها الموت فلابد وان تذوق الموت، تموت وتفنى، ويبقى الله عز وجل الباقي الدائم، ثم يعيدها يوم القيامة للحساب والجزاء، فالآية مخصوصة بما قبل يوم القيامة، وقد أخرج البخاري: عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم:(يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت) ([42]) .
[الشبهة الخامسة ]: استدل الجهمية الجبرية من القرآن بأنّ الإرادة والمشيئة لله، ليس للمخلوق منها شيء، وإنما هو مجبور على قدر الله، أما الإرادة فقد جاءت في مواضع عديدة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: في سورة آل عمرَان {يُرِيد الله أَلا يَجْعَل لَهُم حظا فِي الْآخِرَة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم}، وفي سورة الْمَائِدَة {وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم} وفي سورة الانعام {فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء كَذَلِك يَجْعَل الله الرجس على الَّذين لَا يُؤمنُونَ}، وفي سورة التَّوْبَة {فَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم إِنَّمَا يُرِيد الله ليعذبهم بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وتزهق أنفسهم وهم كافرون}، وفي سورة يُونُس {وَإِن يمسسك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يردك بِخَير فَلَا راد لفضله يُصِيب بِهِ من يَشَاء من عباده وَهُوَ الغفور الرَّحِيم}، وفي سورة هود {إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هُوَ ربكُم وَإِلَيْهِ ترجعون} وفي سورة الرَّعْد {وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال}، وفي سورة الاحزاب {قل من ذَا الَّذِي يعصمكم من الله إِن أَرَادَ بكم سوءا أَو أَرَادَ بكم رَحْمَة وَلَا يَجدونَ لَهُم من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا}، وفي سورة الْبَقَرَة {وَلَكِن الله يفعل مَا يُرِيد} وفي سورة الْفَتْح {قل فَمن يملك لكم من الله شَيْئا إِن أَرَادَ بكم ضرا أَو أَرَادَ بكم نفعا بل كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا}، وأما الْمَشِيئَة فقد جاءت في مواضع عديدة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى، في سورة الْبَقَرَة {وَلَو شَاءَ الله مَا اقتتل الَّذين من بعدهمْ} وفيهَا {وَلَو شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا}، وفي سورة الْمَائِدَة {وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن ليَبْلُوكُمْ فِي مَا آتَاكُم}، وفي سورة الانعام {وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى فَلَا تكونن من الْجَاهِلين} وفي سورة النَّحْل {وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء}، وفي سورة الشورى: {وَلَو شَاءَ الله لجعلهم أمة وَاحِدَة وَلَكِن يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته}، وفي سورة يُونُس {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}، وفي سورة هود {وَلَو شَاءَ رَبك لجعل النَّاس أمة وَاحِدَة وَلَا يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم رَبك وَلذَلِك خلقهمْ} وفي سورة الرَّعْد {أفلم ييأس الَّذين آمنُوا أَن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا} وفي سورة النَّحْل {وعَلى الله قصد السَّبِيل وَمِنْهَا جَائِر وَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ}، وفي سورة يُونُس {قل لَا أملك لنَفْسي ضرا وَلَا نفعا إِلَّا مَا شَاءَ الله}، وفيهَا {قل لَو شَاءَ الله مَا تلوته عَلَيْكُم وَلَا أدراكم بِهِ فقد لَبِثت فِيكُم عمرا من قبله أَفلا تعقلون}.
(قلت): ولكل ما قالوه له مفاتيحه الصحيحة، فقوله تعالى: {يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة}، أي نصيبا في ثواب الآخرة فلذلك خذلهم حتى سارعوا في الكفر، وقوله تعالى: {ومن يرد الله فتنته}، أي كفره وضلالته كقوله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي كفر {فلن تملك له من الله شيئا}، فلا تقدر على نفعه وصرف الكفر ودفعه، وقوله تعالى: {فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للإسلام}، أي يوسع قلبه وينوره ليقبل الاسلام، {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا}، أي يجعل قلبه ضيقا حتى يشق عليه الايمان ويمتنع ويضيق عنه قلبه ويصعب عليه الايمان كما يصعب صعود السماء على الانسان، (كذلك يجعل الله الرجس} أي العذاب، وقوله (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا تقديره فلا تعجبك اموالهم ولا اولادهم في الحياة الدنيا انما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وقيل ليعذبهم في الدنيا باخذ الزكاة والصدقة والمؤنة والنفقة وكثرة المصائب والتعب والنوائب وتزهق أنفسهم تخرج أرواحهم على الكفر والنفاق والشقاق قوله (وإن يمسسك الله بضر أي يصبك الله ببلاء وشدة (فلا كاشف له فلا دافع له (إلا هو وإن يردك بخير) برخاء ونعمة (فلا راد لفضله) فلا مانع لرزقه (يصيب به بكل واحد من الخير والشر والنفع والضر (من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم) قوله (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة على ملة واحدة وهي ملة الاسلام (ولكن ليبلوكم) ليختبركم وهو اعلم فيما آتاكم من الكتب وبين لكم من الملل ليظهر المطيع من العاصي والقريب من القاضي فاستبقوا الخيرات فبادروا الى الطاعات وسارعوا الى الأعمال الصالحات، وقوله تعالى(ولا يزالون مختلفين) على أديان شتى (إلا من رحم ربك} فهداهم (ولذلك خلقهم) للرحمة، وقوله (أفلم ييأس الذين آمنوا) أي أفلم يعلم الخ (أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا}، قوله تعالى: (وعلى الله قصد السبيل يعني عليه بيان طريق الحق (ومنها جائر) ومن السبيل جائر عن الاستقامة (ولو شاء لهداكم أجمعين وقوله (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله تقديره ان الحال والشان أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله قوله (وكلمهم الموتى) فشهدوا لك بالنبوة (وحشرنا عليهم كل شيء قبلا أي معاينة وقبلا أي ضمناء وكفلاء فوجا فوجا (ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) قوله (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا أي أعداء شياطين الانس والجن والشيطان العاتي المتمرد من كل شيء (يوحي بعضهم إلى بعض) أي يلقي (زخرف القول غرورا وهو القول المموه بالباطل (ولو شاء ربك ما فعلوه}.
و للرد على هذه العقائد الفاسدة، نقول وبالله التوفيق: كل ما استدل به أهل القدر (المعتزلة) لإثبات القدر واثبات مسؤولية الإنسان على أعماله، كلها تصلح للرد على الجبرية، والعكس صحيح فكل ما استدل به القدرية على مذهبهم تصلح ادلة الجبرية في الرد عليهم، وأهل السنّة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، أثبتوا الكسب عقيدة وسط بين القدر والجبر، وقد ورد الكسب في القرآن الكريم في أكثر من ستين آية، جميعها يشير إلى كسب الإنسان، وأنّه مسؤول عن كسبه، منها قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفي كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقوله تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [إبراهيم: 51]، و (الله) سبحانه وحده هو المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة، ليس في الوجود خالق غيره، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء وعمدة هذا التوحيد: قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، وأهل السنة والجماعة في توحيد الأفعال متفقون على أنّ كل ما يكون في الكون، وكل ما يقع في الكون، إنما هو من خلق الله تعالى، والإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، وهذا الاختيار هو ما عبروا عنه بالكسب، والكسب هو الاختيار والقصد والميل نحو الفعل: وهذه هي حدود قدرة الإنسان، أما الفعل في حد ذاته فهو مخلوق لله تعالى، وبمقتضى هذا الأصل فإن جميع أفعال الإنسان التي سيحاسب عليها إنما هي مخلوقة من الله مكسوبة من العبد، للعبد فيها الاختيار فإن شاء الله كانت لأنها خلقه، وإن لم يشأ لم تكن، لأنّ للإنسان أن يختار، ولكنّه لا يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، و(القدر) سر الله تبارك وتعالى، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وهذا هو الكسب وتلك هي حدوده، وحاصل مذهب أهل السنة، هو أنه ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب، فليس مجبورا كما تقول الجَبرية، وليس خالق لها كما تقول المعتزلة، وإذا علمت هذا فلا تلتفت إلى قول ابن تيمية وهو ينقل كلام أحد أهل الحشو: وفيه: وأنشدوا في ذلك: ممـا يقـال ولا حقـيقة تحـته،. معـقولة تدنـو إلى الأفـهام، الكسب عند الأشعري والحال عند البهشـمي وطـفرة النظام) كرره في أكثر مؤلفاته وانظر منهاج السنة له ([43]) .
فساوى بين امام الهدى الأشعري وبين البهشمي والنظام من أئمة الضلال والاعتزال، ولم يدر أن الكسب هو التوسط العدل الوسط الملائم لعقيدة التوحيد ونصوص القرآن التي تؤكد انفراده سبحانه بالخلق لقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]. فلو قلنا بمشاركة الإنسان لله تعالى في خلق الفعل لانتهى بنا الأمر إلى إثبات خالق مع الله تعالى ضدا على أصل التوحيد، وهو قول القدرية المعتزلة، ولو قلنا بانتفاء الاختيار والكسب لانتهى بنا الأمر إلى الجبر وهو قول الجهمية الجبرية، وما زاد على ذلك فهو تكلف، ومن أجمل ما يحضرني في هذا المقام، قول الطحاوي لمن أرد المزيد: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}) أهـ [العقيدة الطحاوية]، والحاصل: فإنّ للعبد مشيئة وقدرة حقيقة، وأفعاله مخلوقة لله حقيقة، ولكنها منسوبة للعبد مباشرة، لكونها من كسب الإنسان، فتنسب إليهم الأعمال (طاعة أو معصية) حقيقة، ولولا ذلك لما كان للتكليف أو الثواب والعقاب معنى، والله لا يظلم مثقال ذرة ولا يظلم الناس شيئا، وهو لا يجبر عباده على المعاصي ثم يعذبهم بسببها، والمحتج بالقدر على المعصية يُرد عليه بوجوب الطاعة، والمحتج بالجبر على المعصية، يرد عليه بالمسؤولية التامة عن العمل (الكسب)، وقد قال تعالى- جامعا بين العقيدتين-: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 27 إلى 29].
المبحث الرابع مفاتيح الفهم الصحيح لأدلة المرجئة من القرآن
[المفتاح الأول]: من هم المرجئة: (الإرجاء): هو صفة وعلامة على فرقة ضالة في الاعتقاد وهي المرجئة وإرجاء هؤلاء معناه تأخير العمل عن مسمى الإيمان، فلا يجعلون الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، و(المرجئة): لهم مقالات تدل على إهمال قيمة عمل الجارحة بالكلية منها قول بعضهم (لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة)، وقول بعضهم (المعصية لا تضر صاحب التوحيد) وقول بعضهم (لا يدخل النار مؤمن) ويقصدون بالمؤمن كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها مهما أتى من الذنوب والآثـام، وأهل السنّة يقولون لا يخلد في النار مؤمن، والفارق بينهما عظيم فالمرجئة يقولون بعدم دخوله النار ابتداءً وهذا إهمال عظيم لعمل الجوارح وإهدار عظيم للطاعات واستهتار واضح بالمعاصي والذنوب.
[المفتاح الثاني]: درر من أقوال العلماء في بيان حد الإرجاء: (الدرة الأولى): أخرج اللاكائي بسنده عن وكيع يقول ” أهل السنّة يقولون الإيمان قول وعمل والمرجئة تقول الإيمان قول بلا عمل والجهمية يقولون الإيمان المعرفة ” أهـ، ([44]) .
والمستفاد منها: أن من قال أن الإيمان قول وعمل فهو من أهل السنـة، وأن من قال الإيمان قول بلا عمل فهو من المرجئة، وأن من قال الإيمان مجرد المعرفة فهو جهمي، و(الدرة الثانية): قال وكيع رحمه الله: ” المرجئة يقولون: الإيمان قول بلا فعل و هذا بدعة ” أهـ، ([45]) .
والمستفاد منها: أنّ المرجئة يهملون قيمة أعمال الجوارح وهذا بدعة، و(الدرة الثالثة): أخرج الآجري بسنده عن نافع بن عمر القرشي، قال: كنا عند ابن أبي مليكة فقال جليس له يا أبا محمد إن ناساً يجالسونك يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل، فغضب عبد الله بن أبي مليكة فقال: .. أفجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان لا، ولا كرامة ولا حباً، قال نافع: قد رأيت فهدان كان رجلاً لا يصحو من الشراب ” أهـ، ثم علق الآجري على قول ابن أبي مليكة بقوله: ” من قال هذا فلقد أعظم الفرية على الله عز وجل وأتى بضد الحق وبما ينكره جميع العلماء. ([46]) .
[المفتاح الثالث]: (أقسام المرجئة): (القسم الأول): من المرجئة: وهم الجهمية الغلاة: والجهمية يزعمون أنّ الإيمان هو المعرفة، وانه محصور في القلب لا يتعداه إلى أعمال الجوارح، ثم أخرجوا منه أعمال القلوب كالانقياد، ثم بلغ بهم الغلو أن حصروه في مجرد المعرفة القلبية، ولازم هذا القول الفاسد أن إبليس اللعين مؤمن لأنه عارف بربه، وكذا اليهود والمشركون الذين عرفوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يخبر به، ولكنهم كذبوه حسداً وبغياً وكبراً، و(القسم الثاني): من المرجئة: وهم عامة فرق المرجئة: وهؤلاء يدخلون أعمال القلوب في مسمى الإيمان، ولهذا فليسوا من غلاة الإرجاء (الجهمية) ألا إنهم يخرجون أعمال الجوارح كافة عن مسمى الإيمان، وخلافهم مع أهل السنّة حقيقي لكونهم يهملون قيمة عمل الجوارح بالكلية.
[المفتاح الرابع]: أصول الضلال التي قام عليها الإرجاء الحقيقي:
[الأصل الأول]: الإيمان أصله وفرعه وجميعه لا يخرج عن القلب ولا يتعداه إلى الجوارح وأعمال الجوارح ليست من الإيمان، وإن نسبت إلى الإيمان فهي نسبة مجازية وليست حقيقية لأن الإيمان في القلب لا يتعداه إلى غيره، وهذا الأصل يكاد يجمع غالب فرق المرجئة، وأدلتهم على هذا القول، هو فهمهم الخاطئ والقاصر تمثل قوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ،} [المجادلة: 22] وقوله تعالى: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ،} [النحل:106] وقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89] – وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ،} [الحجرات: 14].
فظنوا من هذه الآيات الكريمات أنها قصرت الإيمان على القلب فلا يتعداه إلى غيره، وكذلك فهموا من مثل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ،} [البقرة: 7] وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} ومن فهمهم القاصر للآيات، فقالوا الإيمان لا يتعدى القلب وكذلك الكفر لكونه نقيض الإيمان، واستدلوا لهذا الفهم القاصر تمثل قوله صلى الله عليه وسلم (التقوى هاهنا ونشير إلى صدره ثلاث مرات) ([47]) .وقوله صلى الله عليه وسلم (اللهم ثبت قلبي على دينك) ([48]) . وقوله – صلى الله عليه وسلم في أحاديث الشفاعة (فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل) ([49]) .
فقالوا الإيمان محله القلب لا يتعداه إلى أعمال الجوارح، وهنا خطأ منهم وقصور في فهم الإيمان، فالآيات والأحاديث السابقة ليس المراد منها إخراج العمل وإغفال عن الإيمان ولا تدل عليه بل غاية ما فيها التركيز على أهمية الإيمان القلبي وكونه بمثابة الأصل الذي يتفرغ منه أعمال الإيمان الخاصة بالجوارح، وبمثابة المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، فإذا ضممنا إلى هذه الأدلة أدلة أخرى من الكتاب والسنّة تدل على دخول أعمال الجوارح في الإيمان علمنا أن إيمان القلب هو الأصل وإيمان الجوارح هو الفرع الذي يستمد من هذا الأصل، وكلاهما يطلق عليه إيمان ولهذا أجمع السلف على أن الإيمان قول وعمل.
[الأصل الثاني]: الخطأ في فهم الإيمان وظنهم أنه حقيقة واحدة لا تقبل التجزئة فإما أن توجد وإما أن تنتفي ولهذا جردوه عن الأعمال وقالوا لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وعارضوا بهذا الأصل العقلي القاصر النصوص الصريحة الدال ة على زيادة الإيمان ونقصانه والدالة على أن للإيمان شعب ومراتب وأن للإيمان منازل ودرجات، ومن هذه الآيات الدالة على أن الإيمان يزيد وينقص قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الانفال:2]، وقوله تعالى: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، ومن النصوص الدالة على شعب الإيمان وتفاوتها: قوله صلى الله عليه وسلم:(الإيمان بضع وسبعون جزء أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ([50]) .ومن النصوص الدالة على تفاوت درجات الإيمان: قوله صلى الله عليه وسلم: (إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) ([51]) . والأدلة على ذلك مستفيضة.
[الأصل الثالث]: إهمال قيمة عمل الجوارح بالكلية وعدم الاعتداد به، وبالتالي فالنتيجة الحتمية لذلك هي إهمال أداء الواجبات وإهمال قدرها، والاستهانة بالمعاصي والاجتراء عليها، وقد بدا هذا الخلل العظيم واضحاً في مقولات المرجئة: فمنهم من يقول: (الفاسق مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كجبريل وميكائيل وإن لم يعمل واجباً قط وإن لم يدع كبيرة قط)، ومنهم من يقول: (فساق أهل القبلة لا نطلق عليهم اسم الفسوق ولكن نقول فسق في كذا وكذا)، ومنهم من يقول: (لا يدخل من أهل التوحيد أحد النار أبداً)، ومنهم من يقول: (النار محرمة على أهل لا إله إلا الله)، وهكذا من الأقوال التي يبدو فيها الخلل واضحاً في إهمال قيمة الطاعات وأداء الواجبات والكف عن المحرمات، وهذا الأصل العظيم من أصول الضلال عند جمهور المرجئة هو الذي أخرج الحنفية والماتريدية من دائرة الإرجاء الحقيقي إلى دائرة الإرجاء الصوري، وذلك لأنهم مع إخراجهم عمل الجارحة من مسمى الإيمان وقول بعضهم أنه لا يزيد ولا ينقص إلا أنّ كلامهم كله كان على أصل الإيمان وهذا كمثل (النصاب) لا يزيد ولا ينقص، كما أنهم مجمعون على أهمية عمل الجارحة وعلى ضرورة أداء الواجبات والكف عن المحرمات وأن العاصي فاسق مستحق للوعيد بالنار وأن بعض أهل القبلة يدخلون النار يعذبون فيها وأن الطاعات تزيد في الدرجات في الجنة وأن المعاصي تعرض صاحبها للوعيد بالنار، وهذا هو قول أهل السنّة قاطبة فالخلاف صار بينهم صوري محض وبينهم وبين المرجئة حقيقي واضح.
[الأصل الرابع]: زعمهم أنه ما دام الإيمان في القلب فلا يكفر صاحبه مهما أتى به من أعمال الكفر الظاهرة، فمن سجد للصنم أو سب الدين أو استهان بالدين أو أهان المصاحف فهذه الأعمال عندهم لا تضر صاحبها وهو مؤمن كامل الإيمان ما كان في قلبه التصديق وعلى لسانه الإقرار.
[المفتاح الخامس]: غلو بعض المعاصرين في فهم حدود الإرجاء وأثر ذلك الخطير على العقيدة: فقد أبتلينا هذا الزمان بطائفة من المعاصرين الذين لم يحققوا مسائل الإيمان والكفر ولم يضبطوا أحكامهما ولم يعرفوا قواعدهما على منهاج المحققين من علماء أهل السنّة فصاروا يظنون كل من قسم الإيمان إلى أصل وفرع مرجئ، وكل من حقق عناصر الأصل وأخرج أعمال الجوارح عنها إلى الإيمان الواجب مرجئ، وكل من تردد في كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر مرجئ دخل عليه الداخل الذي دخل على المرجئة، وكل من قال الكفر الأكبر كفر اعتقاد وما كان من الأعمال كفراً فلدلالته على كفر القلب مرجئ، ومن هؤلاء سفر الحوالي من علماء الدعوة النجدية، في كتابه (ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي) اتهم فيه غالب علماء الامة بالإرجاء، وهؤلاء المغالين في فهم الإرجاء، لم يفلت من الإرجاء عندهم أحد فالمالكية والشافعية والاحناف مرجئة لأنهم فرقوا بين ترك الصلاة جحداً وتركها تكاسلاً وجعلوا الأول مخرج من الملة وهذه عند هؤلاء المعاصرين فروع فاسدة لم يتكلم فيها الصحابة في ظنهم ولم يعلم هؤلاء المساكين أن هذا هو صريح أدلة الكتاب والسنّة وأن الجمع بين النصوص المتعارضة هو هدى الفقهاء العلماء من أهل السنّة وأنهم جمعوا بين قوله – صلى الله عليه وسلم – (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) ([52]) وبين قوله – صلى الله عليه وسلم – (خمس صلوات افترضهن الله على العباد … من أتى بهن … ومن لم يأت بهم لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة) ([53]) . ولا يكون تحت المشيئة إلا مؤمن، (الشاهد) كل من فرق في الصلاة بين الجاحد والمتكاسل عند هؤلاء الغلاة مرجئة، والحنابلة قسمان قسم على شاكلتهم نجا من الإرجاء – في اعتقادهم- وهم أقل الحنابلة لأن الرواية الصحيحة عندهم والتي صححها وذكرها المرداوي وابن قدامة وابن بطة وغيرهم هو التفريق والقسم الثاني دخل عليه الداخل من الإرجاء، أما الأحناف فهم عندهم – ولا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون فهم أخبث المرجئة وأما الأشاعرة والماتريدية – مع أن قولهم في الإيمان هو محض قول المحققين الفقهاء من أئمة أهل السنة، وبالتالي فإنّ نسبة العلماء الذين اتهموهم بالإرجاء لا تقل نسبتهم عن 99 ٪ من أمة الإسلام في الإرجاء وهكذا اتهموا في زماننا هذا كل مخالف لهم بالإرجاء حتى أنه إذا ألف أحدهم مؤلف تجده لا تخلو صفحة من مؤلفه من ذكر الإرجاء ووقوع الأمة من براثنه واستفحال أمره ووقوع أكثر العلماء فيه.
[المفتاح السادس]: استدلال المرجئة من متشابهات القرآن:
(1) فِي حجج الْقَائِلين منهم بِأَن الايمان قَول بِلَا عمل، وَذَلِكَ فِي سورة النِّسَاء {وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا} وفي سورة الْمَائِدَة {فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار}،
(2) فِي حجج الْقَائِلين منهم بَان الايمان كله مسماه وأصله وفرعه هُوَ التصديق بالقلب فقط، وَذَلِكَ فِي خمس آيَات فِي سورة يُوسُف {وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا وَلَو كُنَّا صَادِقين} أَي بمصدق لنا وفي سورة الحجرات {وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ} وفيهَا {وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ} وفي سورة المجادلة {أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان} وَقَوله {إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد إِنَّك لرَسُول الله وَالله يعلم إِنَّك لرَسُوله وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ} نفي الايمان مَعَ وجود القَوْل.
(3) فِي حجج الْقَائِلين منهم بِأَن مرتكب الْكَبَائِر مُؤمن مُسلم: وَذَلِكَ فِي سِتَّة مَوَاضِع فِي سورة الْبَقَرَة {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى الْحر بِالْحرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمن عُفيَ لَهُ من أَخِيه شَيْء فاتباع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان ذَلِك تَخْفيف من ربكُم وَرَحْمَة}، سمى الْقَاتِل مُؤمنا وَجعله اخا لوَلِيّ الْمَقْتُول فِي الدّين، وفي سورة التَّحْرِيم {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا}، وفي سورة النُّور {وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون}، والامر بِالتَّوْبَةِ متناول لأصحاب الْكَبَائِر وفي سورة الاحزاب {وَيَتُوب الله على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات}، وفي سورة الحجرات {وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا}، وَقَالَ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم}.
(4) فِي حجج الْقَائِلين منهم بِأَن مرتكب الْكَبِيرَة يسْتَحق الْمَغْفِرَة: وَذَلِكَ فِي سِتَّة مَوَاضِع فِي سورة النِّسَاء {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء}، فِي موضِعين وفيهَا {وَمن يعْمل سوءا أَو يظلم نَفسه ثمَّ يسْتَغْفر الله يجد الله غَفُورًا رحِيما}، وفي سورة الرَّعْد {وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة للنَّاس على ظلمهم}، وفي سورة الْحجر {نبئ عبَادي أَنِّي أَنا الغفور الرَّحِيم} وفي سورة الزمر {قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم}.
(5) فِي حجج الْقَائِلين منهم بِأَن مرتكب الْكَبِيرَة يسْتَحق الرَّحْمَة: وَذَلِكَ فِي عشرَة مَوَاضِع، فِي سورة الانعام {كتب على نَفسه الرَّحْمَة ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وفيهَا {كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة أَنه من عمل مِنْكُم سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم}، وفيهَا {وَرَبك الْغَنِيّ ذُو الرَّحْمَة وفي سورة الْكَهْف {وَرَبك الغفور ذُو الرَّحْمَة}، وفي سورة الْأَنْعَام {فَإِن كَذبُوك فَقل ربكُم ذُو رَحْمَة وَاسِعَة}، وفي سورة النَّحْل {وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ}، وفي سورة الْأَنْبِيَاء {وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين}، وفي سورة الْحجر {وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون} وفي سورة الزمر {لَا تقنطوا من رَحْمَة الله}، وفي سورة الإسراء: {ويرجون رَحمته}، وفيهَا {إِلَّا رَحْمَة من رَبك}.
(6) فِي حجج الْقَائِلين منهم بِأَن مرتكب الْكَبِيرَة يسْتَحق الْجنَّة: وَذَلِكَ فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع فِي سورة التَّوْبَة {وعد الله الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار}، وفي سورة فاطر: {ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات بِإِذن الله ذَلِك هُوَ الْفضل الْكَبِير جنَّات عدن يدْخلُونَهَا}، وفي سورة الْفَتْح {ليدْخل الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا} وفي سورة الْحَدِيد {وجنة عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض أعدت للَّذين آمنُوا}.
(7) فِي حجج الْقَائِلين منهم بِأَن مرتكب الْكَبِيرَة لَا يسْتَحق الْوَعيد وَأَن الْمُسْتَحق لَهُ هُوَ الْكَافِر: وَذَلِكَ فِي سورة النِّسَاء {مَا يفعل الله بعذابكم إِن شكرتم وآمنتم وَكَانَ الله شاكرا عليما}، وفي سورة آل عمرَان {وَاتَّقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ}، وفي سورة الْبَقَرَة {فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة أعدت للْكَافِرِينَ}، وفي سورة التَّوْبَة {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم إِن الله غَفُور رَحِيم}، وفي سورة النَّحْل {قَالَ الَّذين أُوتُوا الْعلم إِن الخزي الْيَوْم وَالسوء على الْكَافرين}، وفي سورة النِّسَاء {إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة الْآيَة} وفي سورة طه {إِنَّا قد أُوحِي إِلَيْنَا أَن الْعَذَاب على من كذب وَتَوَلَّى} وفي سورة الْفرْقَان {وَكَانَ يَوْمًا على الْكَافرين عسيرا وفي سورة غافر: {وَأَن المسرفين هم أَصْحَاب النَّار} قالوا: يعني بالمسرفين (الْكَافرين) لَا غَيرهم، وفي سورة الْحَج {النَّار وعدها الله الَّذين كفرُوا وَبئسَ الْمصير} وفي سورة المدثر {يَوْمئِذٍ يَوْم عسير على الْكَافرين غير يسير}، وفي سورة الزخرف {يَا عباد لَا خوف عَلَيْكُم الْيَوْم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلمين} وفي سورة الاحقاف {فَهَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الْفَاسِقُونَ}، وفي سورة الْملك {كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ضلال كَبِير}، وفي سورة اللَّيْل {فأنذرتكم نَارا تلظى لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى}، وفي سورة النِّسَاء {إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مدخلًا كَرِيمًا}، وقالوا كبائر ما تنهون عنه هو الْكفْر.
(8) فِي حجج الْقَائِلين منهم بِأَن مرتكب الْكَبِيرَة يسْتَحق الْوَعْد لا الوعيد، ومن ذلك ما في سورة النِّسَاء {يُرِيد الله ليبين لكم وَيهْدِيكُمْ سنَن الَّذين من قبلكُمْ وَيَتُوب عَلَيْكُم وَالله عليم حَكِيم وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم}، وفيهَا {يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا}، وفي سورة الانعام {الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم}، أَي بشرك وفي سورة النِّسَاء {وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله وَلم يفرقُوا بَين أحد مِنْهُم أُولَئِكَ سَوف يُؤْتِيهم أُجُورهم وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما}، وفي سورة يُونُس {ثمَّ ننجي رسلنَا وَالَّذين آمنُوا كَذَلِك حَقًا علينا ننج الْمُؤمنِينَ}، وفيهَا {وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم}، وفي سورة الْبَقَرَة {وَبشر الْمُؤمنِينَ}، وقالوا: أصحاب الكبائر من المؤمنين، وفي سورة إِبْرَاهِيم {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وفي سورة الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين}، وفي سورة الْفرْقَان {فَأُولَئِك يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات}، وفي سورة النَّحْل {وَهدى وبشرى للْمُسلمين}، وفي سورة النَّمْل {وبشرى للْمُؤْمِنين} وفي سورة الاحزاب {وَبشر الْمُؤمنِينَ بِأَن لَهُم من الله فضلا كَبِيرا}، وفيهَا {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما}، وفي سورة الْحَدِيد {يَوْم ترى الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات يسْعَى نورهم بَين أَيْديهم وبأيمانهم}، وقالوا أصحاب الكبائر يشملهم اسم الإيمان، ولم يفرقوا بين مطلق الإيمان الذي به الاسم وبين الإيمان المطلق الذي به الثناء والفضل.
(9) فِي حجج الْقَائِلين منهم بِأَن مرتكب الْكَبِيرَة مؤمن كامل الإيمان لَيْسَ للشَّيْطَان عَلَيْهِ سُلْطَان، لقوله تعالى، فِي سورة الْحجر {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين}، وفي سورة الإسراء: {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان وَكفى بِرَبِّك وَكيلا}، يقولون صاحب الكبيرة مؤمن من عباد الله فهو داخل في الآية، وَفِي النَّحْل {إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطَان على الَّذين آمنُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانه على الَّذين يتولونه وَالَّذين هم بِهِ مشركون}، يقولون وصاحب الكبيرة مؤمن متوكل على الله فكيف يكون للشيطان عليه من سبيل.
[المفتاح السابع]: مفاتيح الرد على المرجئة: هناك فرق بين الإيمان المطلق وبين مطلق الإيمان: المصطلح الأول (الإيمان المطلق): وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها، والمنفي عنه هذا الإيمان (المطلق) ليس كافراً الكفر الأكبر، بل هو مسلم معه (مطلق الإيمان) أي أدنى ما يصح به الإيمان، وهو الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وعلماء أهل السنّة يعبرون عن (الإيمان المطلق): بعدة مصطلحات قد وردت في بيانهم لأقسام الإيمان، من ذلك (فرع الإيمان) و (الإيمان الواجب) و (الإيمان الكامل الكمال المأمور به)، وهذا الإيمان يسميه العلماء أيضاً (الإيمان الواجب).
(الإيمان المطلق): اسم ثناء يدخل صاحبه في مثل: قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68]، و قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1]، وقـوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، [الأنفال: 2 إلى 4]، وهذا الإيمان المطلق يستحق أهله به الثواب بلا عقاب.
والمصطلح الثاني (مطلق الإيمان): وهو أدنى ما يصح به الإيمان، وهذا الإيمان لا يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء لتقصيره في حق (أعمال الإيمان المطلق)، لكنه يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين، وليس بعده إلا الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وهذا الإيمان يسميه العلماء أيضاً (أصل الإيمان) أو (الحد الأدنى من الإيمان)، أو إيمان أصحاب القبضة، و(مطلق الإيمان): اسم يحفظ للمسلم حرمة الإسلام يدخــل صاحبه في مثل: قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، وقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]، فاثبت الإيمان مع وجود الاقتتال، وقوله تعالى عن القاتل: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178]، فجعل الاخوة قائمة بين القاتل والمقتول من المسلمين، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأَنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بكافِر) ([54]) . وأمثال ذلك مما يثبت مجرد الإيمان وإن استحق أهله الوعيد بالعقاب، فليس أصحاب مطلق الإيمان بمأمن من العقاب لأن الذي يستحق الثناء هم أصحاب الإيمان المطلق المقتصدين المؤدين ما عليهم من واجبات وفرائض والممتنعين عما حرم الله من الكبائر.
وفقه الإيمان يستوجب معرفة ثلاثة اقسام للإيمان: (القسم الأول): أصل الإيمان ومطلق الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار، وضد الإيمان الأصل: الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومن أتى بأصل الإيمان وصح له هذا الأصل فهو في مأمن من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، و(القسم الثاني): وهو الإيمان الواجب المأمور به، وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها، وهذا الإيمان يسميه العلماء ” الإيمان الواجب ” وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها، و(الإيمان الواجب): يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء ويهي صاحبه لدخول الجنة ابتداء، أما المستحب فإنما يرفع درجة صاحبه في عِلِّيّين، وحدود الإيمان الواجب: أداء الفرائض والكف عن المحرمات والوقوف عند حدود الله دون تعد لها، وضد الإيمان الواجب الكفر ولكن في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرب المتروك منه أو بعده عن الإيمان الأصل، فالأقرب للإيمان الأصل كالصلاة فإن تركها كفر ولكن دون الكفر الأكبر، وما كان بعيدا عن الأصل فإن ضده العصيان، فإن تكرر كان ضده الفسوق، وأياً كان المتروك من الإيمان الواجب، فلا يبلغ منه شيء أن يخرج من الملة بكفر أكبر حتى يأتي على أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد على وجه الإجمال حين الإجمال، والتفصيل حين التفصيل. و(القسم الثالث): وهو الإيمان المستحب ويكون بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل ودرجات هذا الإيمان المستحب عديدة: تتمثل في أداء السنن والمستحبات والقربات والتنزه عن الشبهات والمكروهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح، وهذا الإيمان الكامل المستحب فليس له ضد، والمقصر فيه ينزل من مرتبة الإحسان إلى مرتبة الإيمان، وفي ذكر هذه الأقسام الثلاث، تشير الآية الكريمة، قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، فالمؤمنون ثلاثة مراتب أقلها مرتبة الظالم لنفسه، والمرتبة الوسط هي مرتبة المقتصد، والمرتبة العليا هي مرتبة السابقين بالخيرات.
ومن أهم الفوائد التي أشار إليها هذا التقسيم: أنّ من حقق أصل الإيمان (مطلق الإيمان) نجا من الكفر الأكبر ونجا من الخلود الأبدي في النار، وإذا زاد العبد عن الأصل فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرّم عليه فقد حقق الإيمان الواجب واستحق اسم الإيمان المطلق، وإذا مات العبد على الإيمان الواجب دخل الجنّة بلا عذاب، وإن زاد العبد على الواجب بأداء المستحبات والبعد عن الشبهات واجتناب المكروهات فقد دخل في دائرة الإيمان الكامل المستحب، وأهل الإيمان الكامل المستحب متفاوتون في المنازل والدرجات تفاوتاً شديداً وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، و (الإيمان) إذا أطلق في نصوص الشرع فإنه يدخل فيه الإيمان الواجب والمستحب، وإذا نفي في نصوص الشرع فالمقصود به الإيمان الواجب دون الأصل أو المستحب، وأنّ من قال من العلماء أن المنفي هو كمال الإيمان فالمراد به الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة، وأنّ الإيمان بهذا التقسيم ثلاثة مراتب: (الظالم لنفسه)، وأدناه الوقوف على (أصل الإيمان) لأنه ليس بعده إلاّ الكفر الأكبر، ثم المقتصد (الإيمان المطلق الواجب) وصاحبه هو المؤدي للواجبات والمبتعد عن المحرمات، ثم السابق بالخيرات بإذن الله وهو مرتبة (الإيمان المطلق المستحب)، (فائدة): كل ما استدل به المردئة من آيات إنما يصلح للرد على غلو الخوارج والمعتزلة، وكل ما استدل به الخوارج والمعتزلة من آيات في باب الغيمان إنما يصلح ردا على شبهات المرجئة، وأهل الحق هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو وتفريط، وهم أهل توسط بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، فالخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة جميعهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، فأما الخوارج والمعتزلة فأدخلوا فيه عمل الجوارح، ولهذا فالخوارج يعتبرون مرتكب الكبيرة كافراً، والمعتزلة يسلبون منه مسمى الإيمان، فيجعلونه لا مؤمناً ولا كافراً، والجهمية والمرجئة يعتبرونه مؤمناً كامل الإيمان، أما أهل الحق فهم يجعلون الإيمان منه ما هو أصل ضده الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومنه ما هو واجب، وضده الكفر دون كفر والفسوق والعصيان، ومرتكب الكبيرة عندهم مسلم لا يزال في مرتبة الإسلام، وهو عندهم مؤمن فاسق عاص، مؤمن بأصل إيمانه فاسق بكبيرته، فلا يسلبون عنه أصل الإيمان الناقل من الكفر الأكبر إلى الإسلام كما تفعل الخوارج والمعتزلة، ولا يصفونه بالإيمان الكامل كما تفعل الجهمية والمرجئة.
المبحث الخامس مفاتيح الفهم الصحيح لأدلة الشيعة من القرآن
[المفتاح الأول]: بدايات ظهور التشيع: (الشيعة): في اللغة: هم أنصار الرجل وأتباعه، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة) ([55]) . وقال الفيروز أبادي: (وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علياً وأهل بيته، حتى صار اسماً لهم خاصاً) ([56]) .
ولم يكن استعمال هذه اللفظة في العصر الأول من الإسلام إلا في معناه اللغوي والدليل على ذلك أنّه عند اختلاف معاوية رضي الله عنه مع الإمام علي رضي الله تعالى عنه بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه، كان يقال عن أنصار أمير المؤمنين علي رضي الله عنه شيعة الإمام علي، وكان يُقال لأنصار معاوية شيعة معاوية وهم من يرون أحقية معاوية في الطلب بدم عثمان، ولسنا الآن بصدد دراسة الفتنة وبيان أسباب الحرب التي دارت بين الإمام علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عن الصحابة أجمعين، ولكننا نريد أن نبين هنا أن فئتين عظميتين من المسلمين ـ كما عبر عنها الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام في مدحه الحسن رضي الله عنه، انحاز كل واحدة منهما إلى جانب وشايعت وناصرت من رأوا الحق معه فسميت كل طائفة من هاتين الطائفتين شيعة علي وشيعة معاوية ولم يكن الخلاف بينهما إلا خلافاً سياسياً محضاً فطائفة كانوا يرون علياً رضي الله عنه خليفة صاحب حق شرعي حيث انعقدت له الخلافة بمشورة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، وطائفة كانوا يرون انه لابد من الثأر لدم عثمان وانّ أحق الناس بالمطالبة بدم عثمان هو معاوية بن أبي سفيان، وذلك لقرابته من الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، والامام علي رضي الله عنه آنذاك لم يستتب له أمر جيشه وذلك لكثرة الغوغاء والسفهاء فيه فكان يريد المهلة حتى يستتب له الأمر ثم يأخذ بدم عثمان، ولكن معاوية لم يمهله وأصر على طلبه لدم الخليفة عثمان رضي الله عنه وقد كان له وجه اجتهاد ولكنه اجتهاد خاطئ وبغي على الإمام الحق، والحق كان أقرب إلى الإمام علي رضي الله عنه، وظل الخلاف حتى كانت موقعة صفين وكان فيها ما كان، وأدنى الطائفتين وأقربهما إلى الحق طائفة الإمام الراشد على رضي الله عنه، والبغي من نصيب الطائفة الأخرى، وللصحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم حُرمة عظيمة، لا يتعداها إلا جريء ضال، وجميعهم أكابر وأخطاؤهم مغمورة في بحر حسناتهم، ولا يحق لمن جاء بعدهم إلا ما جاء في قوله تعالى – بعد ذكر فضائل المهاجرين والأنصار -: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، وهكذا وجدنا الإمام علي رضي الله عنه بين تأديب السفهاء والقصاص لدم عثمان رضي الله عنه وبين المطالبين بدم الإمام عثمان رضي الله عنه، وهو أشد ما يكون حرصا على وحدة الأمة ووحدة صفوفها، فإذا بالفتنة الحقيقية تطل برأسها متمثلة في ظهور (الخوارج) وخروجهم عليه، وكانت أول فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الخوارج انتقصوا من الإمام علي وكفروه وخرجوا عليه بعد (صفين) محققين ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من خروج هؤلاء الضالين الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وقاتلهم الإمام علي رضي الله عنه وسن للأمة من بعده إحكام التعامل مع هؤلاء، وبحمد الله تعالى قتل الكثير منهم وتحققت على يديه بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الخوارج، وعلى النقيض من هؤلاء الخوارج الذين كفروا الإمام علي واستحلوا دمه.
بدأ ظهور الرفض في شيعة الإمام علي رضي الله عنه متمثلا في جماعة عبد الله بن سبأ، وهؤلاء (السبئية) – على النقيض من الخوارج – غالوا في الإمام علي وادعوا له ما ليس من حقه، وما لا يرضاه هو رضى الله عنه لنفسه، وقد ظل الإمام علي رضي الله عنه يبغض هؤلاء وهؤلاء (أي الخوارج والروافض)، ويحمل في قلبه ثقيل هم جمع الأمة ووحدة صفوفها على الحق كما كانت على عهد الخلفاء الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، وظل رضي الله عنه على ذلك حتى تمكن أحد الخوارج المارقين من قتله غدرا وهو في طريقه إلى صلاة الفجر، فرضي الله عنه وأرضاه.
ثم بايع أصحابه الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالإصلاح بين فئتين عظيمتين من المسلمين فتنازل بالخلافة للصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وبذلك توحدت الأمة واجتمعت كلمتها وسمي هذا العام بعام الصلح، وبعام الجماعة وكان ذلك عام واحد وأربعين من الهجرة، وكان كل واحد من الحزبين يعتقد بإيمان الآخر وإسلامه ويحب الإصلاح بينهما ويسعى إلى التوافق والتصالح، وعلى ذلك صالح الحسن بن علي معاوية رضي الله عنهم أجمعين وبايعه، على أنه يعمل بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين وأن يؤمن الناس أينما كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن وأن يؤمن شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه في أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم وأخذ على هذه الشروط العهود المغلظة باليمين.
[المفتاح الثاني]: (الشيعة في زمان الإمام علي رضي الله عنه): كان شيعة الإمام علي رضي الله عنه هم أهل الحق لأنه كان على الحق وكان الحق أقرب إليه من كل من خالفوه، وكانت طائفته هم أهل الحق، ولكن كان أول ما ظهر الخلل متمثلا في (السبئية) أتباع عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وقال إن عليًّا عليه السلام أمره بذلك فأخذه عليّ فسأله عن قوله هذا فأقر به فأمر بقتله فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك فصيره إلى المدائن، وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب الإمام علي عليه السلام أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًّا فأسلم ووالى عليًّا عليه السلام وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى عليه السلام بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في علي عليه السلام بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض ولاية علي رضي الله عنه، وأظهر البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان، ، لقد كان المتشيعون لعلي في هذه المرحلة معتدلين، فلم يكفروا واحداً من المخالفين لعلي رضي الله عنه ولا من الصحابة، ولم يسبوا أحداً، وإنما كان ميلهم إلى علي نتيجة عاطفة وولاء.
[المفتاح الثالث]: (الشيعة أيام الحسن رضي الله عنه): اجتمع شيعة علي رضي الله عنه بعد استشهاده حول ابنه الحسن رضي الله عنه، وجعلوه إمامًا لهم في اليوم الثالث بعد انتقال أبيه من دار الدنيا إلى دار الآخرة، وعند ذاك ظهرت السبئية بكل قوة وأظهروا العقائد التي طالما أخفوها خوفًا من بطش الإمام عليّ رضي الله عنه، وحذرًا من يقظته ومراقبته الأفكار الهدامة ومن يريد بثها في صفوف شيعته، ومعاقبتهم معاقبة شديدة، ولكن لم يكن محاربته إياهم مثل محاربة أبيه، فبدأ السبئية يزرعون بذور الفتنة والفساد ويبثون سموم الخلاف والشقاق والفرقة بكل حرية وانطلاقة، وخاصة بعد أن تخاذل الشيعة عن الحسن وبعد تفرقهم عنه ودخول بعضهم في السبئية وميول بعضهم إلى معاوية والتحاق البعض الآخرين بالخوارج وغيرهم، ولقد صوّر هذه الأحوال شيخ الشيعة المفيد والأربلي الشيعي والمجلسي في كتبهم وهم يذكرون أنه أمر بهم أن ينادى بالصلاة جامعة فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فكان من فوله: (ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرًا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمريّ ولا تردوا علي رأيي غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا) فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل، ثم شدوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عانقه، فبقي جالسًا متقلدًا السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه وأحدث به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده فقال: ادعوا إليّ ربيعة وهمدان فدعوا فطافوا به ودفعوا الناس عنه رضي الله عنه وسار ومعه شوب من غيرهم، فلما مر في مظلم ساباط بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان فأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال الله أكبر أشركت يا حسن! كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم ثم اعتنقه الحسن عليه السلام وخرّا جميعًا إلى الأرض، فوثب إليه رجل من شيعة الحسن – رضي الله عنه – يقال له عبد الله بن خطل الطائي فانتزع المغول من يده وخضخض به جوفه فأكب عليه آخر يقال له ظبيان بن عمارة فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأخذ آخر كان معه فقتل، وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن فأنزل به على سعد بن مسعود الثقفي وكان عامل أمير المؤمنين عليه السلام بها فأقره الحسن عليه السلام على ذلك، واشتغل الحسن عليه السلام بنفسه يعالج جرحه، وازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم له وفساد نيات المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير له واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصته من شيعة أبيه وشيعته، فكتب إلى معاوية في الهدنة والصلح، واشترط عليه أن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق منهم حقه فأجابه معاوية إلى ذلك كله وعاهد عليه وحلف له بالوفاء” [الإرشاد للمفيد ص189 – 191]، وبعد ان بايع معاوية بالشام اتجه الحسن إلى المدائن، فلم يزل يعالج بها في منزل سعد بن مسعود الثقفي حتى صلحت جراحته ثم انصرف إلى المدينة فلم يزل جريحًا من طعنته كاظمًا لغيظه متجرد طريقه على الشجا والأذى من أهل دعوته حتى توفي رضي الله عنه في آخر صفر سنة سبع وأربعين وهو ابن خمس وأربعين سنة وستة أشهر.
[المفتاح الرابع]: الشيعة أيام الحسين رضي الله عنه: ولما توفي الحسن رضي الله عنه واجتمع الشيعة حول أخيه الحسين رضي الله عنه حدثت حادثة كبيرة، ووقعت كارثة عظيمة، ألا وهي خروج الحسين على يزيد بن معاوية بعد وفاة أبيه وقتله في كربلاء، ونقف برهة يسيرة قبل أن نذكر تفرق الشيعة بعد هذه الكارثة لسرد وبيان تخاذل الشيعة وغدرهم عن الحسين، فلقد ذكر اليعقوبي المؤرخ الشيعي أن يزيد بن معاوية لما تولى الخلافة بعد أبيه كتب إلى عامله بالمدينة الوليد بن عقبة بن أبي سفيان أن يأخذ البيعة من الحسين بن علي رضي الله عنهما ولما طلب الوليد منه ذلك: فخرج الحسين إلى مكة، فأقام بها أيامًا، وكتب أهل العراق إليه، ووجهوا بالرسل على أثر الرسل، فكان من تلك الكتب كتاب هانئ بن أبي هانئ، وسعيد بن عبد الله الخثعمي: “بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي من شيعته المؤمنين والمسلمين، أما بعد فحيّ هلا، فإن الناس ينتظرونك، لا إمام لهم غيرك، فالعجل ثم العجل والسلام…ولما تواترت الرسائل وكثرت، واشتد طلب الكوفيين: وجه إليهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب وكتب إليهم، وأعلمهم أنه إثر كتابه، فلما قدم مسلم الكوفة اجتمعوا إليه، فبايعوه وعاهدوه وعاقدوه، وأعطوه المواثيق على النصرة والمشايعة والوفاء ” ” ([57]) . وزاد المفيد: “فبايعوه وهم يبكون، وتجاوز عددهم ثمانية عشر ألفًا” وبعد أيام وصل إليه من مسلم بن عقيل: “أن لك مائة أله، ولا تتأخر” ([58]) .
فتحرك نحو الكوفة، فأتاه الحبر البحر عبد الله بن العباس فقال له: كما نقل المسعودي: “يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد العراق، وإنهم أهل غدر، وإنما يدعونك للحرب، فلا تعجل، وإن أبيت إلا محاربة هذا الجبار وكرهت المقام بمكة فاشخص إلى اليمن، فإنها في عزلة، ولك فيها أنصار وإخوان، فأقم بها وبث دعاتك: واكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق أن يخرجوا أميرهم، فإن قووا على ذلك ونفوه عنها، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم، وما أنا لغدرهم بآمن، وإن لم يفعلوا أقمت بمكانك إلى أن يأتي الله بأمره، فإن فيها حصونًا وشعوبًا، فقال الحسين: يا ابن عم، إني لأعلم أنك لي ناصح وعلي شفيق، ولكن مسلم بن عقيل كتب إلي باجتماع أهل المصر على بيعتي ونصرتي، وقد أجمعت على المسير إليهم، قال: إنهم من خبرت وجربت، وهم أصحاب أبيك وأخيك وقتلتك غدًا مع أميرهم، إنك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشد من عدوك، فإن عصيتني وأبيت إلى الخروج إلى الكوفة فلا تخرجن نساءك وولدك معك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه”([59]) .
ويذكر المسعودي: “واتصل خبر مجيء مسلم الكوفة بيزيد فكتب إلى عبيد الله بن زياد بتولية الكوفة؛ فخرج من البصرة مسرعًا حتى قدم الكوفة على الظهر، فدخلها في أهله وحشمه وعليه عمامة سوداء قد تلثم بها، وهو راكب بغلة والناس يتوقعون قدوم الحسين فجعل بن زياد يسلم على الناس فيقولون؛ وعليك السلام يا ابن رسول الله! قدمت خير مقدم، حتى انتهى إلى القصر وفيه النعمان بن بشير، فتحصن فيه، ثم أشرف عليه، فقال: يا ابن رسول الله مالي وما لك؟ وما حملك على قصد بليد من بين البلدان؟ فقال ابن زياد: لقد طال نومك يا نعيم، وحسر اللثام عن فيه، فعرفه، ففتح له، ثم وضع ابن زياد الرصد على مسلم حتى علم بموضعه، وجعل الناس يتفرقون عنه فإذا ليس معه منهم أحد، فبقي حائرًا لا يدري أين يذهب، ولا يجد أحدًا يدله على الطريق فنزل عن فرسه ومشى متلددًا في أزقة الكوفة لا يدري أين يتوجه، حتى انتهى إلى باب مولاة للأشعث بن قيس، فاستسقاها ماء فسقته، ثم سألته عن حاله، فأعلمها بقضيته، فرقت له وآوته، وجاء ابنها فعلم بموضعه، فلما أصبح غدا إلى محمد بن الأشعث فأعلمه، فمضى ابن الأشعث إلى ابن زياد فأعلمه، فقتله [مروج الذهب ص59]، فلما بلغ الحسين القادسية لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال: أريد هذا المصر، فعرفه بقتل مسلم وما كان من خبره، ثم قال: ارجع، فإني لم أدع خلفي خيرًا أرجوه لك، فهم بالرجوع فقال له أخوة مسلم: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل كلنا، فقال الحسين: لا خير في الحياة بعدكم” ([60]) . ثم قال للناس: “أما بعد فإنه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر وقد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ليس معه ذمام فتفرق الناس عنه وأخذوا يمينًا وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب الذين اتبعوه إنما اتبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلدًا قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون، ثم سار حتى وصل كربلاء: “فلما كثرت العساكر على الحسين أيقن أنه لا محيص له فقال: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا ثم هم يقتلوننا، فلم يزل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه وكان جميع من حضر مقتل الحسين من العساكر وحاربه وتولى قتله من أهل الكوفة خاصة، فلم يحضرهم شامي” ([61]) . فلما قُتل الحسين خرجت نساء الكوفة يصرخن ويبكين، فقال علي بن الحسين: هؤلاء يبكين علينا فمن قتلنا؟،” ([62]) . لقد كانت فاجعة لا تحتمل، وبدأ التشيع بعدها يحمل الأفكار الغالية، حتى قال بعض الشيعة من هول الصدمة: إن النار محرمة على كل شيعي.
[المفتاح الخامس]: تطور المذهب الشيعي بعد مقتل الإمام الحسين رضي الله عنه من المعقول إلى اللامعقول: في الصدر الأول في زمان الإمام علي رضي الله عنه كان الشيعة الأوائل يقدمون علياً على عثمان فقط، وكان هذا مقبولا بعض الشيء، لأنّ بعض الصحابة كان يقدم عليا على عثمان، ولكن جمهور الصحابة كان يُقدم عثمان على علي رضي الله عنهم اجمعين، والشيعة آنذاك ما كانوا يجرؤون على تقديم الإمام علي رضي الله عنه على أبي بكر وعمر، لأنّ المتواتر عن علي رضي الله عنه الترضي عنهما والحرص على الاقتداء بهما، وقد كان التشيع آنذاك يعني المناصرة والمتابعة ولا يعني أبدا المخالفة أو المنابذة، أو تضليل الصحابة او تكفيرهم، لكن لم يظل التشيع على حاله المعقول، بل بدا الانحراف تدريجيا، إلى ان وصلنا إلى أقوام ينتسبون إلى التشيع وهم يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان والصحابة أجمعين إلا قليلا، حتى أصبح التشيع قناعاً يتستر به كل من أراد الكيد للإسلام والمسلمين من الأعداء الموتورين، وهؤلاء لا يصح تسميتهم بالشيعة لأنّهم روافض رفضوا الصحابة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وخسروا محبة الإمام علي رضي الله عنه فإنه لا يرضى بما وصل إليه هؤلاء الضالون، يقينا لا يمكن أن نساوي بين مصطلح التشيع أيام السلف وبين مصطلح التشيع اليوم، لأنّ الشيعة في زماننا لا يستحقون وصف التشيع، بل هم الروافض.
ولهذا قال الإمام الذهبي في معرض الحديث عمن رمي ببدعة التشيع من المحدثين أيام السلف الأوائل: (إن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى: كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدَّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيِّنة، ثم بدعة كبرى: كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحطّ على أبي بكر وعمر –رضي الله عنهما- والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، وأيضاً فما أسْتَحضِر -الآن في هذا الضرب- رجلاً صادقاً، ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم، والتَّقِّية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟ حاشا وكلا، فالشيعي الغالي في زمان السلف وعُرْفِهم هو: من تكلم في عثمان والزبير، وطلحة، ومعاوية، وطائفة ممن حارب علياً –رضي الله عنه- وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا وعُرْفِنَا هو: الذي يكفِّر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين، فهذا ضال مفتر) أهـ ([63]) .
ويقول الإمام الحافظ ابن حجر: (والتشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السبُّ أو التصريح بالبغض، فغالٍ في الرفض، وإن اعتقد الرجعة في الدنيا، فأشد في الغلو) أهـ ([64]) .
إنّ التشيع كفرقة ضالة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت طوراً زمنياً، ومرت بمراحل عديدة لكن أصول التشيع الضالة ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي، وأن علياً وصِي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنّ الصحابة سلبوه حقه الذي أعطاه الله تعالى له، وهذا هو أساس التشيع كما يراه شيوخ الشيعة وهو الذي شهدت به كتب الشيعة أنفسهم بأنّ ابن سبأ وجماعته هم أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرحامه وخلفاؤه وأقرب الناس إليه رضي الله عنهم، والطعن في الصحابة الآخرين، وهذه عقيدة الشيعة في الصحابة كما هي مسجلة في كتبهم المعتمدة، فالبداية سبئية، لا ريب و (عبد الله بن سبأ) هذا اليهودي الزنديق الذي ادعى الإسلام وأسس عقائد الشيعة الروافض، هو أصل التشيع، وهو المؤسس الأول للرفض الذي عليه الشيعة الإمامية اليوم، وهو الذي زعم بألوهية الإمام علي، وامتد التاريخ لتعطي الشيعة الإمامية الأئمة صفات الإلهية، فيقول الخميني: (إن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) ، ويقول أيضاً: [وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل) وإذا كان من بين العقائد التي جاء بها ابن سبأ القول بالوصية والرجعة، وجدنا الشيعة يدينون بها، ففي الأصول: (فكان علي عليه السلام، وكان حقه الوصية التي جعلت له، والاسم الأكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة) ([65]) .
ويقول الشيعة عن الرجعة: “واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وإن كان بينهم في معنى الرجعة خلاف) ([66]) . وإذا كان عبد الله بن سبأ أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم وجدنا كتب الشيعة تمتلئ بسب الصحابة والبراءة من أعمالهم حتى قال شيخهم المفيد: (واتفقت الإمامية والزيدية والخوارج على أن الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام أجمعين كفار ضُلاَّلٌ ملعونون بحربهم أمير المؤمنين (ع) وأنهم بذلك في النار مخلدون) ([67]) . وإذا كان القول بالبداء من عقائد السبئية، فإنّ الشيعة أخذوا بهذا القول عنه، حتى عقد الكليني في كتاب التوحيد “باب البداء” وساق فيه من الأخبار: “ما تنبأ نبي قط حتى يقر لله خمس خصال: بالبدأ والمشيئة والسجود والعبودية والطاعة) ….. ونقل أيضاً: “لو يعلم الناس ما في القول بالبدأ من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه) ([68]) .
وللتاريخ فإنّ الكليني والمفيد وأعلام الإمامية الذين أسسوا للفرقة الإمامية وألفوا فيه الكتب والمجلدات فإنهم جميعا من أعلام السبئية، ومن أتباع الزنديق عبد الله بن سبأ اليهودي المتأسلم، الذي فعل في الإسلام ما فعل أخوه بولس اليهودي في النصرانية، والملاحظ: أنّ المذهب الشيعي غير ثابت، ومن طبيعته أنه يتطور من وقت لآخر، ويتغير من جيل لجيل، حتى أن ما يعتبر غلواً عند الشيعة الماضين فإنه قد يصبح اليوم من ضرورات المذهب، والملفت للنظر هو كثرة هذه الفرق الشيعية، وتعددها بدرجة كبيرة إذ أنّه بعد وفاة كل إمام من الأئمة عند الشيعة تظهر فرق جديدة، وكل فرقة تنفرد ببعض العقائد والآراء عن الطوائف الأخرى، وتدعي أنها هي الطائفة المحقة، ولكن من الملاحظ أنّ الفرقة الإثنى عشرية قد استوعبت جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى، وقد انحصرت الفرق الشيعية المعاصرة بثلاث فرق، الزيدية والإسماعيلية والإمامية الإثني عشرية، و(الزيدية): أقرب فرق الشيعة إلى مذهب أهل السنّة والجماعة، و(الإسماعيلية): أبعد القوم عن دين الإسلام واكثرهم باطنية خرجوا عن الملة الإسلامية بمكفر من المكفرات، ولذلك عدهم كثير ممن تكلم في فرق المسلمين انهم ليسوا مسلمين، ولا يُعدون من الفرق الإسلامية الضالة أصلا، و(الإمامية) هي أكبر هذه الطوائف الشيعية اليوم عددا، اختلف علماء المسلمين في تقييمهم اشد الاختلاف وذلك لعقيدة غامضة عندهم سموها التقية فيخفون بها ما يبطنون ويظهرون بها خلاف ما يعتقدون فالله أعلم بحالهم ومآلهم لنا الظاهر أنّهم مسلمون ما لم يأت أحدهم بكفر بواح لنا فيه عند الله برهان.
[المفتاح السادس]: الفرقة الأولى من فرق التشيع:[الزيدية]: (الزيدية): هم من أقرب الفرق الشيعية إلى أهل السنّة والجماعة، حيث تتصف بالاعتدال والقصد والابتعاد عن التطرف والغلو الذي هو سمة الشيعة الإمامية، ولولا الاعتزال الذي اعتقدوه لكانوا أقرب الناس قاطبة إلى أهل السنّة والجماعة، وتنسب الزيدية إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب (80 – 122 هـ) كان تقيّا شجاعا، وقد اتصل برأس المعتزلة واصل بن عطاء، وتدارس معه العلوم، فتأثر به وبأفكاره التي نقل بعضا منها إلى الفكر الزيدي، وبالمقابل تتلمذ أبو حنيفة على الإمام زيد وأخذ منه بعض العلم والفقه.
[الأفـــكار والمعتقــدات]: (1) الزيدية يُجيزون الإِمامة في كل أولاد فاطمة، سواء أكانوا من نسل الإِمام الحسن أم من نسل الإِمام الحسين، (2) الإِمامة لديهم ليست بالنص، إذ لا يشترط فيها أن ينص الإِمام السابق على الإِمام اللاحق، بمعنى أنها ليست وراثية بل تقوم على البيعة، فمن كان من أولاد فاطمة وفيه شروط الإِمامة كان أهلاً لها، (3) لا يجوز عندهم أن يكون الإِمام مستوراً إذ لابد من اختياره من قبل أهل الحل والعقد، ولا يتم اختياره إلا إذا أعلن عن نفسه مبيناً أحقيته بالإِمامة، (4) يجوز لديهم وجود أكثر من إمام واحد في وقت واحد في قطرين مختلفين، (5) تقول الزيدية بالإِمام المفضول مع وجود الأفضل إذ لا يُشترط أن يكون الإِمام أفضل الناس جميعاً بل من الممكن أن يكون هناك للمسلمين إمام على جانب من الفضل مع وجود من هو أفضل منه على أن يرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا التي يدلي برأيه فيها، (6) معظم الزيدية يقرون خلافة أبي بكر وعمر، ولا يلعنونهما كما تفعل فرق الشيعة، بل يترضون عنهما، ويقرون بصحة خلافة عثمان مع مؤاخذته على بعض الأمور، (7) يميلون إلى الاعتزال فيما يتعلق بالذات والصفات، والجبر والاختيار، ومرتكب الكبيرة يعتبرونه في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة ولكنه غير مخلد في النار إذ يعذب فيها حتى يطهر من ذنبه ثم ينتقل إلى الجنة، (8) وهم يرفضون التصوف رفضاً قاطعاً، (9) ويخالفون الشيعة الإمامية في زواج المتعة ويستنكرونه، (10) هم متفقون مع السنّة بشكل كبير في العبادات والفرائض سوى اختلافات قليلة في الفروع من مثالها: يقولون “حي على خير العمل” في الأذان، وصلاة الجنازة لديهم خمس تكبيرات، ويرسلون أيديهم في الصلاة، وصلاة العيد تصح فرادى وجماعة، ويحكمون ببطلان الصلاة خلف الفاجر، ويرون أنّ تقليد أهل البيت أولى من غيرهم، ويقولون بوجوب الخروج على الإِمام الظالم الجائر ولا تجب طاعته، ولا يقولون بعصمة الأئمة عن الخطأ، ولا يغالون في رفع أئمتهم على غرار ما تفعله الإمامية والإسماعيلية.[تأثر الزيدية بالمعتزلة]: انعكست اعتزالية واصل بن عطاء على الزيدية وظهر هذا جلياً في اقرارهم بالأصول الخمسة لدى المعتزلة، وأصول المذهب الاعتزالي خمسة يظنون أنها من أصول الدين، وهي في حقيقتها من أصول ضلالة:
[الأصل الأول يسمونه التوحيد] وهو في حقيقته إفراط في باب التنزيه على حساب الإثبات وخوض في صفات الله تعالى بما لا ينبغي]: وقد وصلوا من خلال هذا الأصل إلى إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنّة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثبوتاً.
[الأصل الثاني عندهم يسمون العدل وهو في حقيقته نفي القدر والتكذيب به]: وهذا الأصل يبحثون فيه أفعال الله تعالى: وقد راموا في هذا المبحث نفي الجور والظلم عن الله عز وجل فصار لازم قولهم وصف الله عز وجل بالعجز وعدم كمال القدرة والمشيئة.
و[الأصل الثالث: يسمونه الوعد والوعيد]: وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء، ونفي لعفو الله عز وجل لعباده العاصمين لأصحاب الكبائر من أمة النبي صلى الله عليه وسلم.
و[الأصل الرابع عندهم ويسمونه المنـزلة بين المنـزلتين]: وهو في حقيقته نفي مطلق الإيمان عن أصحاب الكبائر وجعلهم في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة، ومن ثم مضاهاة الخوارج في الحكم عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين.
و[الأصل الخامس يسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر]: وهو في حقيقته تهيئة الأجواء للخروج على الحاكم المسلم العاصي أو الفاسق وإثارة الفوضى والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين، وذلك لأنهم يرون الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين، [تأثر الزيدية بقيام الثورة الإمامية بإيران]: جدير بالقول أن الزيدية ظلت لسنوات طويلة زيدية صرفة يحارب أئمتها التشيع والرفض، إلا أن قيام الثورة الإيرانية سنة 1979 شكل خطرا على الاعتدال الزيدي، خاصة وأن إيران مدّت يدها لهؤلاء في خطتها لتصدير الثورة الرافضية ونشر الرفض في العالم ومنه اليمن، وصارت الكثير من الهيئات والمؤسسات الزيدية تنحى منحى إمامياً اثنى عشرياً، لاسيما الجارودية أتباع الحوثي، وصاروا يقلدون الروافض الإمامية بإحياء مناسباتهم ومجالسهم مثل إحياء ذكرى استشهاد الحسين، وإقامة المجالس الحسينية، وإحياء وفاة بعض الأئمة مثل جعفر الصادق ومحمد الباقر وعلي زين العابدين، واتخاذ بعضهم جبلاً في مدينة صعدة أسموه (معاوية) يخرجون إليه في يوم عاشوراء ويطلقون عليه نيران أسلحتهم، والاحتفال بيوم الغدير، مما يثير الشك في تحولهم تماما إلى المذهب الرافضي الذي كانوا بالأمس يرفضونه ويلعنون متبعيه.
[المفتاح السابع]: الفرقة الثانية من فرق التشيع: [الإسماعيلية]: (الإسماعيلية): فرقة باطنية، انتسبت إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر، وحقيقتها تخالف العقائد الإسلامية الصحيحة، وقد مالت إلى الغلوِّ الشديد لدرجة أن الشيعة الزيدية والاثني عشرية يكفِّرون أعضاءَهَا، ومن فرق الإسماعيلية: الإسماعيلية القرامطية، والإسماعيلية الفاطمية، والإسماعيلية الحشاشون، والإسماعيلية البهرة، والإسماعيلية النصيريون، والاسماعيلية الدروز.
[الأفكار والمعتقدات التي تكاد تجمع الإسماعيلية]: (1) ضرورة وجود إمام معصوم منصوص عليه من نسل محمد بن إسماعيل، (2) العصمة لديهم ليست في عدم ارتكاب المعاصي والأخطاء بل إنهم يؤولون المعاصي والأخطاء بما يناسب معتقداتهم، (3) من مات ولم يعرف إمام زمانه ولم يكن في عنقه بيعة له مات ميتة جاهلية، (4) يضفون على الإمام صفات ترفعه إلى ما يشبه الإله، ويخصونه بعلم الباطن ويدفعون له خُمس ما يكسبون، (5) يؤمنون بالتقية والسرية ويطبقونها في الفترات التي تشتد عليهم فيها الأحداث، (6) الإمام هو محور الدعوة الإسماعيلية، ومحور العقيدة يدور حول شخصيته، (7) الأرض لا تخلو من إمام ظاهر مكشوف أو باطن مستور فإن كان الإمام ظاهراً جاز أن يكون حجته مستوراً، وإن كان الإمام مستوراً فلا بد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين، (8) يقولون بالتناسخ، والإمام عندهم وارث الأنبياء جميعاً ووارث كل من سبقه من الأئمة، (9) ينكرون صفات الله أو يكادون لأن الله ـ في نظرهم ـ فوق متناول العقل، فهو لا موجود ولا غير موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا يقولون بالإثبات المطلق ولا بالنفي المطلق فهو إله المتقابلين وخالق المتخاصمين والحاكم بين المتضادين، ليس بالقديم وليس بالمحدث فالقديم أمره وكلمته والحديث خلقه وفطرته، و(الإسماعيلية) في بدايتها كانت إحدى الفرق الشيعية ولكنها غلت في أئمتها أشد من غلو الرافضة، وتأثرت بمؤثرات كثيرة حتى وصل الأمر إلى أن بلغت حد الغلو المخرج من ملة الإسلام حتى اعتبرتها معظم الفرق الإسلامية كافرة وخارجة من الإسلام، لما أسبغوه على إمامهم من صفات تصل به إلى ما يشبه مقام الألوهية، ولقولهم بالتناسخ واستحلال ما حرّم الله.
ومن أبرز الفرق الإسماعيلية الباطنية: [(1) الإسماعيلية القرامطة]: والقرامطة من غلاة الإسماعيلية، ومن شخصياتهم: عبد الله بن ميمون القداح: (260ه)، وحمدان قرمط بن الأشعث (278ه)، وأحمد بن القاسم: الذي بطش بقوافل التجار والحجاج، والحسن بن بهرام (أبو سعيد الجنابي): ظهر في البحرين ويعتبر مؤسس دولة القرامطة، وابنه سليمان بن الحسن بن بهرام (أبو طاهر): حكم ثلاثين سنة، وفي عهده هاجم الكعبة المشرفة سنة 319ه، ونهب هو وأصحابه الحجاج وقتلوهم في المسجد الحرام، وقلع باب البيت، وقبة زمزم والحجر الأسود، وأخذ كسوة الكعبة ففرقها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة وأقام الخطبة في مكة لعبيد الله المهدي بدلاً من الخليفة العباسي المقتدر ثم عاد إلى الأحساء سارقا الحجر الأسود، وبقي عنده لأكثر من عشرين سنة.
[(2) الإسماعيلية الفاطمية (العبيدية)]: قامت الدولة العبيدية الفاطمية على أساس الدعوة الشيعية في ظروف غامضة، والإسماعيلية الفاطمية مرت بعدة أدوار: (أ) دور الستر: من موت إسماعيل سنة 143 هـ إلى ظهور عبيد الله المهدي، وقد اختلف في أسماء أئمة هذه الفترة بسبب السرية، (ب) بداية الظهور: يبدأ الظهور بالحسن بن حوشب الذي أسس دولة الإسماعيلية في اليمن سنة 266هـ وامتد نشاطه إلى شمال أفريقيا واكتسب شيوخ كتامة، (ت) دور الظهور: يبدأ بظهور الإمام عبيد الله الملقب بالمهدي الذي كان مقيما في سلمية بسوريا ثم هرب إلى شمال أفريقيا، وأقام هناك الدولة الباطنية (العبيدية) التي تسمت بالدولة الفاطمية، واستمرت تحكم مصر والحجاز واليمن حتى زوال دولتهم على يد المجاهد صلاح الدين الأيوبي. [(3) الإسماعيلية الحشاشون]: ومن أبرز شخصياتهم: الحسن بن الصباح: وهو فارسي الأصل وكان يدين بالولاء للإمام المستنصر قام بالدعوة في بلاد فارس للإمام المستور ثم استولى على قلعة الموت وأسس الدولة الإسماعيلية النـزارية، وهم الذين عرفوا بالحشاشين لإفراطهم في تدخين الحشيش، وكان شعار الحشاشين (لا حقيقة في الوجود وكل أمر مباح) ووسيلتهم الاغتيال المنظم والامتناع بسلسلة من القلاع الحصينة، وهم يعتقدون أن الله لم يخلق العالم خلقاً مباشراً بل كان ذلك عن طريق العقل الكلي الذي هو محل لجميع الصفات الإلهية، ويسمونه الحجاب، وقد حل العقل الكلي في إنسان هو النبي وفي الأئمة المستورين الذين يخلفونه فمحمد هو الناطق وعلي هو الأساس الذي يفسر. [(4) الإسماعيلية الدروز]: فرقة إسماعيلية باطنية ادعت ألوهية الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي، يعتبرون أنفسهم منذ ألف سنة مضت في دور الستر وهم شديدو التكتم على عقائدهم، وهذه الطائفة قامت على مبادئ الإسماعيلية وزادت عليها بعض العقائد التي ميزتها كالقول بألوهية الحاكم بأمر الله ورجعته في آخر الزمان، ومن معتقداتهم (1) يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله ولما مات قالوا بغيبته وأنه سيرجع، (2) ينكرون الأنبياء والرسل جميعاً ويلقبونهم بالأبالسة، (3) يعتقدون بأن المسيح هو داعيتهم حمزة، (4) يبغضون جميع أهل الديانات الأخرى والمسلمين منهم بخاصة ويستبيحون دماءهم وأموالهم وغشهم عند المقدرة، (5) يعتقدون بأن ديانتهم نسخت كل ما قبلها وينكرون جميع أحكام وعبادات الإسلام وأصوله كلها، (6) حج بعض كبار مفكريهم المعاصرين إلى الهند متظاهرين بأن عقيدتهم نابعة من حكمة الهند، (7) ولا يكون الإنسان درزياً إلا إذا كتب أو تلى الميثاق الخاص، (8) يقولون بتناسخ الأرواح وأن الثواب والعقاب يكون بانتقال الروح من جسد صاحبها إلى جسدٍ أسعد أو أشقى، (9) ينكرون الجنة والنار والثواب والعقاب الأخرويَّيْن، (10) ينكرون القرآن الكريم ويقولون إنه من وضع سلمان الفارسي ولهم مصحف خاص بهم يسمى المنفرد بذاته، (11) يعتقدون أن القيامة هي رجوع الحاكم الذي سيقودهم إلى هدم الكعبة وسحق المسلمين والنصارى في جميع أنحاء الأرض وأنهم سيحكمون العالم إلى الأبد ويفرضون الجزية والذل على المسلمين، (12) يحرمون التزاوج مع غيرهم والصدقة عليهم ومساعدتهم كما يمنعون التعدد وإرجاع المطلقة، (13) لا يعترفون بحرمة الأخت والأخ من الرضاعة، (14) لا يقبل الدروز أحداً في دينهم ولا يسمحون لأحد بالخروج منه، (15) الدروز تؤمن بالتناسخ بمعنى أن الإنسان إذا مات فإن روحه تتقمص إنساناً آخر يولد بعد موت الأول، فإذا مات الثاني تقمصت روحه إنساناً ثالثاً وهكذا في مراحل متتابعة للفرد الواحد، ويعيش الدروز اليوم في لبنان وسوريا وفلسطين.[(5) الإسماعيلية البهرة]: وهم إسماعيلية الهند واليمن، تركوا السياسة وعملوا بالتجارة فوصلوا إلى الهند واختلط بهم الهندوس الذين أسلموا وعرفوا بالبهرة، والبهرة لفظ هندي قديم بمعنى التاجر، ومن عقائد البهرة: أنّهم لا يقيمون الصلاة في مساجد المسلمين، وظاهرهم في العقيدة يشبه عقائد سائر الفرق الإسلامية المعتدلة، أما باطنهم شيء آخر فهم يصلون ولكن صلاتهم للإمام الإسماعيلي المستور من نسل الطيب بن الآمر، وهم يذهبون إلى مكة للحج كبقية المسلمين لكنهم يقولون: إن الكعبة هي رمز على الإمام.
[(6) الإسماعيلية (النصيرية)]: فرقة من غلاة الشيعة الباطنية، وقد أرجع أصحاب معاجم الرجال وكتب الملل والنحل المتقدمين سبب تسمية هذه الفرقة إلى محمد بن نصير ويمكن تلخيص أبرز عقائد النصيرية من خلال الجمع بين كل الكتب والمصادر التي تحدثت عنهم بالتالي: (1) حركة باطنية، لها طقوسها وديانتها وعقائدها الخاصة، والتي لا يحق للغير الاطلاع عليها ويتم تداولها بشكلٍ سريٍّ فيما بينهم، (2) هي إحدى فرق غلاة الشيعة، تعود إلى محمد بن نصير الذي كان على عهد الإمامين الهادي والعسكري، (3) جعلوا علياً إلهاً وقالوا بأن الظهور الروحاني بالجسد الفاني كظهور جبرائيل في صورة بعض الأشخاص، (4) يبيحون المحرمات وأباحوا نكاح المحارم ونكاح الرجال، ويستبيحون الزنا بنساء بعضهم لأن المرآة لا يكمل إيمانها إلا بإباحة فرجها لأخيها المؤمن، (5) يؤمنون بتناسخ الأرواح، وأن الإنسان عندما يموت تنتقل روحه إلى جسد جديد إما إنسان آخر في حال عمل الصالح، أو حيوان جراء سلوكه الطالح، وهذا يعد يوم الحساب عندهم، (6) يزعم هؤلاء أن الولاية أعلى من النبوة، لأن الإمام المعصوم – في زعمهم- مصدر الإرادة الإلهية دون وحي أو واسطة لأنه تحت تأثير الإرادة الإلهية المباشرة، وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء النصيريين لا تجوز مناكحتهم، ولا تباح ذبائحهم، ولا يُصلى على من مات منهم ولا يدفن في مقابر المسلمين، (تنبيه): الإسماعيلية الغلاة ليسوا من أهل القبلة أصلا فلا نرى ضلالهم في الإيمان وحسب، بل هم ربما على ملة غير الإسلام نسأل الله السلامة.
[المفتاح الثامن]: [الشيعة الإمامية الاثنا عشرية]: يقال لهم: (الإماميّة) لقولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على استخلاف علي بن أبي طالب من بعده، ويقال لهم: (الجعفرية) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه ابن محمد الباقر، وهو منهم برآء، لأنّهم يكذبون عليه، فقد اخرج ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) بإسناد صحيح إلى المحدّث الحافظ الكبير أبي حفص ابن شاهين (٣٨٥هـ) أنّه قال: (رجلان صالحان بُليا بأصحاب سوء: جعفر بن محمد، وأحمد بن حنبل)، وهو يقصد كثرة الكذب على جعفر الصادق وعلى أحمد بن حنبل، من غلاة المتعصبين لهما، ويقال لهم (الاثنا عشرية) لانهم يقولون بالنص على اثني عشر إماما معصوما، يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على إمامة علي بن أبي طالب، واستخلفه بعده بعينه واسمه، وأن عليّاً نصّ على إمامة ابنه الحسن بن علي، وهكذا إلى أن سمّوا اثني عشر إماماً من أولاد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخرهم محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب، وينتظرون خروجه، وهو المهدي المنتظر عندهم، ويقال لهم (الرافضة) لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهما للنبي صلى الله عليه وسلم بمثابة الوزيران، وقيل سموا بالرافضة لأنهم رفضوا إمامة زيد بن علي فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، رفضه هؤلاء فقال لهم: رفضتموني، فسُمّوا رافضة لرفضهم إياه.
ومن عقائد الإمامية الاثني عشرية: (1) التشكيك في حفظ القرآن الكريم، (2) تكفير الصحابة إلا قليلاً منهم، (3) التشكيك في نزاهة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، (4) تكفير المسلمين إلا من كان على مثل عقيدتهم، (5) عصمة الأئمة الاثني عشر، وتفضيلهم على الأنبياء، والغلوّ فيهم، (6) جمهورهم يجوِّزون على الله البداء، وهو أن يظهر له الشيء بعد أن خفي عليه، وكل تلك الطوام يرى كثير من أهل العلم أنها مكفرات تُخرج من الدين بالكلية، تسأل الله السلامة، لكن لنا الظاهر والله أعلم بالسرائر.
[المفتاح التاسع]: الإمامية، أقل شرا من الإسماعيلية الغلاة، ولكنهم أشر من الزيدية المعتزلة في باب الإيمان، وهم يرون كفر كل من لم يكن إماميا، ولهم أصول أخرى للضلال، منها المغالاة في الإمامة وجعلها أصل من أصول الاعتقاد وجعلها الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم، و ومنها المغالاة في الإمام علي وأولاده من بعده رضي الله عنهم جميعاً، ومنها بُغض الصحابة والانتقاص من قدرهم وتكفيرهم وسبهم ولعنهم والبراءة منهم، ومنها بغضهم لأمهات المؤمنين زوجات النبي الصديقات الطاهرات العفيفات المطهرات، لاسيما الطاهرة العفيفة الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما والطاهرة العفيفة الصوامة القوامة حفصة بنت الفاروق رضي الله عنهما، و ومنها: التشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم وذلك لأنّ الصحابة هم من جمعوه، وهم يكفرون الصحابة لاسيما أبا بكر وعمر وعثمان، وهم من قد جمعوا القرآن، ومنها: إهمال السنة النبوية الكريمة: وقد دعاهم إلى ذلك أسباب أهمها أنهم يكفرون أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – ولذلك فهم يشككون، بل وينكرون كل حديث حمله أولئك الأصحاب عن النبي – صلى الله عليه وسلم – إلينا، وانظر إلى اجترائهم على أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث يقول عالمهم محمد حسين آل كاشف الغطاء (إن الشيعة لا يعتبرون من السنّة إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت … أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس لهم عند الإمامية مقدار بعوضة) ([69]) . ومنها الغلو في الاعتقادات والجناية على التوحيد، ومن ذلك الغلو في الأئمة الاثني عشر (عندهم)، وأكتفي هاهنا بالإشارة إلى اثنين من أوثق علمائهم على مر عصورهم، الأول: هو الكليني صاحب كتاب الكافي، والكليني يغالي في شأن الأئمة حتى أنه بوب أبواباً في كتابه تنم عن ذلك، ومن هذه الأبواب: باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل، باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم شيء، باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب يعرفونها على اختلاف ألسنتها، باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة وأنهم يعلمون علمه كله، باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء، باب أنه ليس شيء من الحق في أيدي الناس إلا ما خرج من عند الأئمة وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، والثاني: هو الخميني قائد ثورتهم المعاصرة فانظر إلى ما يقوله في كتابه ” الحكومة الإسلامية ” (فإن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينيه تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) ويقول في بيان كمال الأئمة:(والأئمة لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة) ([70]) . ويقول في كون الأئمة أفضل من الأنبياء وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل) ([71]) . ويقول: (وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة كانوا قبل هذا العالم أنواراً فجعلهم الله بعرشه محدقين وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما يعلمه إلا الله وقد ورد عنهم أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء عليها السلام) ([72]) . ثم يكمل بقوله: (إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها واتباعها) ([73]) . ومنها الوقوع في مسالك الكفر: وذلك بفتحهم التفسير الباطني للقرآن الكريم على مصراعيه، والتفسير الباطني هو قرين الزندقة حيث لا ضابط يحكم تفسير النصوص فكل ٌ يفسر وفق هواه، وللرافضة السبق الأعظم في هذا المجال، فالقرآن الكريم كله نزل فيهم وفي أعدائهم من أهل السنة، وليس الهدف من آيات القرآن – عندهم – هو إقرار التوحيد لله والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم وإنما الهدف هو تقرير المذهب الرافضي، فأركان الدين عندهم في التفسير الباطني تفسر بالأئمة، وآيات التوحيد تفسر بالإيمان بالأئمة، وآيات الشرك تؤول بالشرك في ولاية الأئمة، وآيات الحلال والحرام تفسر بالأئمة وأعدائهم، وهكذا فالقرآن كله في نظرهم ليس له هدف ولا عرض سوى تقرير الإيمان بالأئمة الاثني عشر والبراءة من كل من لم يؤمن بعقيدتهم، وقد غالت الإمامية في اعتقاد باطن القرآن الذي يخالف ظاهره حتى لم يتركوا آية إلا وخرجوا بها عن حدود الشرع واللغة، وقد جاءت روايات في كتبهم تعظم هذا الاعتقاد، ومثال ذلك ما رواه الكليني في الكافي: ” عـن محمد بن منصور قـال سألت عبداً صالحاً ” يقصـدون به موسى الكاظـم “عن قول الله عز وجل ” قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ” فقال إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى: في الكتاب هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق ” ([74]) .
ومنها الوقوع في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق، وذلك لأسباب عديدة أهمها: استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الكرام البررة واستحلالهم السب والشتيمة على عامة المسلمين إلا من كان على نفس ضلالهم، والسبب الثاني: استحلالهم أعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة، والسبب الثالث: استحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان، والسبب الرابع: استحلالهم الزنا والفاحشة في صورة المتعة نسأل الله العفو والعافية.
[المفتاح العاشر]: الشيعة الرافضية الصفوية: وهم من الإمامية ولكنهم أشد تعنتا وأشد ضلالا من عامة الإمامية، وتُـنسب الصفوية إلى (الدولة الصفوية) التي حكمت إيران في الفترة من: (907 إلى 1148هـ)، (1501-1724م)، والتي أسسها الشاه إسماعيل الصفوي، واتخذ مدينة تبريز الإيرانية عاصمة لدولته، وكانت إيران قبل وصوله للحكم سنية على المذهب الشافعي، ولكنه أول ما حكم أعلن أن مذهب دولته الإمامية الإثنى عشرية، وأنه سيعممه في جميع بلاد إيران بالحديد والنار، ثم أمر الخطباء في المساجد بسب الخلفاء الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم، وقد عانى أهل السنة في إيران من ظلمه معاناة هائلة وأجبروا على اعتناق المذهب الرافضي بعد أن قتل منهم مليون إنسان سني في بضع سنوات بشهادة مؤرخ شيعي، وظل يجتاح بلاد المسلمين حتى انتزع بغداد بعد سبع سنوات من قيام دولته، ثم أمر بهدم مدينة بغداد وقتل أهل السنة، وتوجه إلى مقابر أهل السنة ونبش قبور الموتى وأحرق عظامهم، بدأ يعذب أهل السنة سوء العذاب ثم يقتلهم، وقد أرخ الشيعة في ذلك الزمان لهذه الحادثة إذ قال ابن شدقم الرافضي يحكي سيرته: (فتح بغداد وفعل بأهلها النواصب ذوي العناد ما لم يسمع بمثله قط في سائر الدهور بأشد أنواع العذاب حتى نبش موتاهم من القبور)، ووصلت أخبار المذابح العظيمة لأهل السنة إلى الدولة العثمانية، فاجتمع السلطان العثماني سليم الأول في عام عشرين وتسع مئة برجال دولته وعلمائها، وقرروا أن الدولة الصفوية تمثل خطراً على العالم الإسلامي، وأن على السلطان جهادها، وإيقاف ظلمها وتنكيلها بالمسلمين، فحاول السلطان مفاوضة الصفوي إسماعيل فلما لم يستجب له، سار إليه بجيش يقوده السلطان بنفسه قوامه مئة ألف، وجيش الصفوي مئة ألف أيضا، فالتقى الجيشان في صحراء جالديران، فهزمه السلطان هزيمة نكراء وقتل أكثر جنده، فقضى على حكمه في العراق بعد أن حكمها بالحديد والنار ست سنوات، فما كان من الصفوي الخبيث وقد أحس بالضعف إلا أن كاتب قائد البرتغال الصليبيين يطلب نجدته، ولكن الله تعالى خذلهم؛ إذ استطاع العثمانيون القضاء على دولتهم نهائيا بعد قرنين ونصف من الظلم والعسف، لقد استطاع الصفويون إقامة دولة شيعية على أشلاء الملايين من أبناء أهل السنة والجماعة، الذين كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان إيران، وقد قاد عمليات التصفية هذه الشاه إسماعيل وخلفاؤه، فنقلت نسبتهم من (65%) إلى (10%)، وتعتبر الحقبة الخمينية امتداد للغلو الرافضي الصفوي: إذ عندما قام الخميني بالثورة في إيران على الشاه، إذا به يتبنى كل العقائد الشاذة للتشيع عبر التاريخ، ويحاول بث روح السيطرة على العالم الإسلامي ومحاولة تشييعه، واضطهاد أهل السنّة في إيران، ومن أهم أشكال الاضطهاد الديني منذ الثورة الخمينية تحديداً، في النقاط التالية: (1) تنفيذ الإعدامات ممنهجة تخص رموز أهل السنة بإيران (2) جرح عقائد أهل السنة والنيل من الصحابة عموماً، (3) عدم السماح لأهل السنة ببناء المساجد والمدارس في المناطق ذات الأكثرية السنية، (4) تسخير جميع وسائل الإعلام لنشر العقيدة الشيعية في الأوساط السنية، (5) تنشئة الأطفال وأبناء أهل السنة على أفكار وعقائد الشيعة، (6) حرمان أهل السنة من شؤونهم الثقافية والاجتماعية والأخلاقية، (7) فرض مناهج تعليمية شيعية وأساتذة شيعة، والفقه الشيعي على السنة، وهذه الطائفة (الرافضة الصفوية الخمينية): زادت في غلوها، ونقلت مذهب الشيعة الإمامية إلى مرحلة خطيرة من العداء للمسلمين وحربهم.
[المفتاح الحادي عشر]: من أصول الضلال عند الإمامية الصفوية تكفير كل من لم يكن اثني عشريا: أن من لا يعترف بأئمتهم الاثني عشر فليس بمسلم، وفي ذلك يقول محمد بن علي بن بابويه القمى: ” واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام – والأئمة من بعدهم – عليهم السلام – أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وانكر نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم –أهـ ([75]) .
ويقول يوسف البحراني: ” وليت شعرى أي فرق بين من كفر بالله سبحانه وتعالى ورسوله وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام مع ثبوت كون الإمامه من أصول الدين ” أهـ ([76]) .
والغلو في كلامه واضح لا يحتاج إلى تعليق، ثم من الذي جعل الإمامة من أصول الدين فهل أتت آية واحدة من كتاب الله عز وجل تثبت أن الإمام أصل من أصول الدين، ويقول محمد محسن المعروف بالفيض الكاشاني: ” ومن جحد إمامه أحدهم – أي الأئمة الاثنى عشر – فهو بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام”أهـ ([77]) . ويقول الملا محمد باقر المجلسي– وهم يلقبونه بالحجة: ” اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام وفصل عليهم غيرهم يدل على أنهم مخلدون في النار ” ([78]) . يقول عبد الله المامقاني: ” غاية ما يستفاد من الأخبار جريان حكم الكافر والمشرك في الآخرة على كل من لم يكن اثنى عشرى ” أهـ ([79]) .
ويقول السيد عبد الله شبر الذي يلقبونه بالسيد الأعظم علامة العلماء وتاج الفقهاء رئيس الملة والدين في كتابه ” حق اليقين في معرفة أصول الدين “: ” وأما سائر المخالفين – يقصد للإمامية الاثنى عشرية – ممن لم ينصب ولم يعاند ولم يتعصب فالذي عليه جمله من الإمامية كالسيد المرتضي أنهم كفار في الدنيا والآخرة والذي عليه الأكثر الأشهر أنهم كفار مخلدون في الآخرة” ([80]) .
ومن خلال هذه النصوص نعلم اتفاق الإمامية على كفر جميع المسلمين عدا المنتسبين إلى مذهبهم.
[المفتاح الثاني عشر]: من الطامات المكفرة في هذا المذهب الضال:
(الطامة الاولى): فيهم من يتهم الصديقة بنت الصديق بالفاحشة: ففي تفسير القمي أصل تفاسيرهم المعتمدة هذه الرواية:(قال علي بن إبراهيم في قوله (وضرب الله مثلاً) ثم ضرب الله فيهما (يعني عائشة وحفصة زوجتي رسول الله، مثلاً فقال (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) قال: والله ما عني بقوله فخانتاهما إلا الفاحشة، وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان:لا يحل له أن تخرجين – كذا – من غير محرم فزوجت نفسها من فلان)([81]) .
وكما ترى أن النص ليس فيه تصريح بالأسماء على عادة القوم من التدليس، ولكن في وجود الدولة الرافضية قلت التقيه فصرح عالمهم المجلسي بالأسماء فقال: (وليقيمن الحد أي القائم عليه السلام عند الرجعة وفلانة هي عائشة، وفلان هو طلحة بن عبد الله) ([82]) .
وحتى أن عالمهم المجلسي عقد باباً مستقلاً في بحار الأنوار لأحوال أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة – رضي الله عنهما – ذكر فيه سبع عشرة رواية من الإفك المبين تؤذي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في أهل بيته وأقرب الناس إليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قال ابن كثير في تفسير الآية: ” أجمع أهل العلم قاطبة قاطبة على أن مَنْ سَبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن ” أهـ ([83]) .
و(الطامة الثانية): فيهم من يعتبر عامة الصحابة رضي الله عنهم -إلا قليلا- كفاراً مرتدين وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وهم لا يكتفون بذلك بل يجعلون دينهم ودينهم سب الصحابة ولعنهم وشتمهم والدعاء عليهم روى الكشي عن أبي جعفر أنه قال: ” كان الناس أهل ردة بعد النبي إلا ثلاثة، فقلت ومن الثلاثة فقال المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي ” ([84]) .
و(الطامة الثالثة): فيهم من يشكك في صيانة القرآن الكريم: والمتتبع لكتب الرافضة ومؤلفاتهم وكتاباتهم يجد أن هناك خطا عاماً لا يمكن أن يكون تقيه بحال إلا وهو خط التحريف والزيادة والنقصان، وروايات هذا الخط تزيد على الألف رواية في كافة كتبهم كلها تصب في معين واحد هو تحريف القرآن ووجود قرآن آخر غيره يقوم به المهدي آخر الزمان، وهناك خط خاص – محدود – جعله القوم ذراً للغبار وللتقية حتى يدلسوا به على المسلمين، وهذا الخط المحدود يحوي مقولات قليلة محدودة في بعض الكتب وحتى تلك الكتب تحوي في المقابل مئات النصوص التي تؤكد تخريف القرآن، وهذا ليس تجنياً على الرافضة، ولكن هذا ما وردت به كتبهم وما أقرت به مراجعهم وما تواترت عليه أقوال أئمتهم، لقد بلغت أحاديث الروافض – المفتراة – التي تثبت وقوع التحريف في القرآن أكثر من ألفي حديث وقد ذكر ذلك عالمهم نعمة الله الجزائري [نقلها عنه النوري الطبرسي في كتابه ” فصل الخطاب في إثبات تحريف رب الأرباب]، ([85]) . وادعى تواتر هذه الأخبار من طريق الشيعة كبار علمائهم كالمفيد الذي يلقبونه بركن الإسلام حيث يقول: ” إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان ” ([86]) . وقد ألف الرافضة في هذا الخط – خط التحريف – مجلدات مستقلة وكتباً مفردة تخص إثبات تحريف القرآن أبرزها كتاب: (كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب)، الذي ألفه ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي جمع فيه مئات النصوص عن علماء الشيعة ومجتهديهم، بأن القرآن قد زيد فيه ونقص منه، وقد طبع هذا الكتاب في إيران سنة 1298 هـ وعند طبعه قامت حوله ضجة لأنهم كانوا يريدون أن يبقى التشكيك في صحة القرآن محصوراً بين خاصتهم، وأن لا يجمع هذا كله في كتاب واحد تطبع منه ألوف من النسخ ويطلع عليه خصومهم فيكون حجة عليهم ماثلة أمام أنظار الجميع، ولما أبدى هؤلاء تلك الملاحظات صمم على موقف ومؤلفه وأيده بمؤلف آخر سماه: ” رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب “، وقد كتب هذا الدفاع قبل موته بنحو سنتين، وقد كافئوه على هذا الإلحاد أن دفنوه في النجف الأشرف والأقدس عندهم.
مفاتيح أدلة الإمامية على مذهبهم الباطل
من متشابهات القرآن والرد عليها
[تنبيه]: أتعس الناس وافقرهم إلى الأدلة من كتاب الله تعالى هم الشيعة الإمامية الاثني عشرية ولذلك مال أكثرهم إلى تبني فكرة تحريف القرآن حتى بلغت أحاديث الروافض – المفتراة – التي تثبت وقوع التحريف في القرآن أكثر من ألفي حديث ويؤكد هذا الخط العام كذلك: أقدم مفسري الشيعة إبراهيم القمي حيث يقول في مقدمة تفسيره (فالقرآن منه ناسخ ومنسوخ، ومنه محكم ومتشابه .. ومنه على خلاف ما أنزل الله) ([87]) .
وعلق على هذا التفسير الموسوي بعد أن ذكر أقوال العلماء في التحريف بقوله: (ولكن الظاهر من كلمات غيرهم من العلماء والمحدثين المتقدمين منهم والمتأخرين القول بالنقيصة ” أي النقص في القرآن عما أنزل ” كالكليني، والبرقي والعياشي والنعماني، وفرات بن إبراهيم، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي، والمجلسي، والسيد الجزائري، والحر العاملي، والعلامة الفتوني والسيد البحراني، وقد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات والروايات التي لا يمكن الإغماض عليها) ([88]) .
ويروي الكليني في كتابه الكافي: عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ” إن القرآن الذي جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد – صلى الله عليه وسلم – وآله سبعة عشر ألف آية ” ([89]) . والمعروف أن آيات القرآن الكريم ستة آلاف آية ونيفا فلا شك أن هناك حذف منها . والذي حذف هو ثلثا القرآن تقريباً، ويروي الكليني في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام أنـه قال: (وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، وما يدريهم ما مصحف فاطمة قال قلت وما مصحف فاطمة قال مصحف فيه مثل قرآنكم ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف) ([90]) .
ونفهم من ذلك أنه حتى الثلث الموجود حالياً في القرآن وهو الستة آلاف آية كله محرف إذ ليس فيه من مصحف فاطمة ” وهو الأصل عندهم ” حرف واحد . ” كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً ويروي الكليني في الكافي: (عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له قول الله عز وجل هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق . قال إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق ولكن رسول الله هو الناطق بالكتاب، قال الله جل ذكره ” هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ” – بصيغة المجهول -، قال قلت جعلت فداك إنا لا نقرأها هكذا فقال هكذا والله نزل به جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله ولكن فيما حرف من كتاب الله) ([91]) . ويروي محسن الكاشي صاحب تفسير الصافي: عن أبي جعفر عليه السلام قال (لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص، ما خفي علي ذي حجا ولو قد قام قائمنا صدقه القرآن) ([92]) .
[المفتاح الأول]: يزعم (الإمامية) أن هناك نص على إمامة الإمام علي وأبنائه من بعده وأن هذا النص هو أساس المذهب وعليه بنوا ارتداد الصحابة الذين أنكروا هذا النص وعلى أساس هذا النص حكموا بردة وكفر كل من لم يكن اثني عشريا ونحن من حقنا ان نتساءل: أين هذا النص من القرآن الكريم لأنه مرجع كل المسلمين وقد تكفل الله بحفظه قائلا: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، فأين النص الصريح من القرآن الذي يدل على الأئمة الاثني عشر، إنّ القرآن الكريم اشتمل على عشرات المواضع التي تنص صراحة على أركان الإسلام من التوحيد والإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر وعشرات المواضع التي تنص على إقامة الصلاة وايتاء الزكاة والصيام والحج وعشرات المواضع في ذكر الأخلاق الفاضلة التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم كالصبر والشكر والإيمان والتقوى والتوبة والاستغفار والعفو والصفح والحياء وغيرها من أخلاق الإسلام كما اشتمل القرآن الكريم في عشرات المواضع على آيات التشريع وبيان الحلال والحرام وذكر الحدود وآيات أخرى عديدة عن الأسرة والزواج والطلاق واعتزال النساء في المحيض واشتمل على ذكر القصص كقصة يوسف وذي القرنين وأصحاب الكهف وأصحاب الجنة واسهب في بيان أحوال بني إسرائيل حتى ذكر القرآن قصة بقرة بني إسرائيل فهل يذكر القرآن ذلك كله باسهاب ويأتي إلى مسألة الإمامة التي يكفر تاركها فلا يشير إليها ولو في آية واحدة نصا صريحا لا يقبل الاحتمال، لقد ذكرت الملائكة في أكثر من خمسين موضعا في القرآن، والأئمة أهم من الملائكة في معتقد (الإمامية) ومع ذلك لم يذكر في حقهم نصا صريحا واحدا، إن الأولى – لو كان الأمر صحيحا – أن يورد القرآن الكريم عشرات الآيات كذلك في ذكر الأئمة بدلا من أن يذكر في مئات المواضع منه مدحا للصحابة أولئك الذين ارتدوا ونافقوا وكفروا لكتمانهم الوصية، أيهما أولى ان يركز القرآن على قضية الصحابة والثناء عليهم أم قضية الإمامة واعتقادها وهي أصل أصول الدين كما يزعمون، فأين في القرآن ذكر أسمائهم وأين في القرآن ذكر وجوب الإيمان بهم كما في القرآن وجوب الإيمان بالملائكة، وأين في القرآن عقوبة من لا يؤمن بهم على وجه التحديد والترتيب، إنهم يزعمون أن من لم يؤمن بالأئمة الاثني عشر كما يؤمنون هم فهو كافر فأين ذلك في القرآن أم ان القرآن محرف كما يزعم المرتدون منهم، إنهم أعياهم البحث في القرآن لإثبات دعوى معتقدهم في الإمامة فاستدلوا بعمومات مبهمة لا ترقى لمستوى الدليل وما كان الله ليختبرنا بمثل تلك المتشابهات على عقيدة منكرها كافر وإن صلى أو صام وهنا أذكر أهم أدلتهم والتي لا يساعد النص القرآني على ما يزعمون فهمه منه ثم أذكر الأدلة القرآنية الدامغة على عدم وجود النص على أحد بعينه بل القرآن حسم الأمر في الإمامة ان جعلها شورى بين المؤمنين، وابدأ بذكر استدلالاتهم المبهمة التي لا تساعد ألفاظ القرآن على ما يستنبطونها منها فهم يزعمون أن الإمامة أصل من أصول الدين، والأصل لا يحتاج تقريره إلى اجتهاد واستنباط، بل الأصل لابد وأن يكون كالشمس ظهورا لا ينكره إلا من كان به عمى في بصره وبصيرته أما العموميات فلا تصلح في اثبات الأصول، فإن الأصول تحتاج إلى نصوص صريحة صحيحة ملزمة للخصم، قاطعة للجدال، لا وجه للاجتهاد والاستنباط فيها، وهيهات هيهات.
[المفتاح الثاني]: استدلالهم على الإمامة بقوله تعالى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] قالت (الإمامية): ذكر المفسرون أن هذه الآيات نزلت في علي عليه السلام حيث كان يصلي فجاءه سائل يسأله وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه فأنزل الله تعالى في حقه هذه الآيات، و (إنما) هنا للحصر، فدل على أن الولاية قاصرة لعلي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، (قلت) لا يصلح الاستدلال بهذه الآية على مقصود (الإمامية) فإنهم يقولون بالنص في الإمام علي وأولاده من بعده، والآية ليس فيها مجرد ذكر للإمام علي رضي الله عنه ولا على أولاده من بعده بل هي عامة لكل من يستوفي شروطها من المؤمنين، والولاء في الآية بمعنى الموالاة والمحبة والمودة والمناصرة وليس بمعنى التنصيص على الخليفة والإمام، ثم إن تنزيل هذه الآيات على الإمام علي بعينه ونفي من عداه من الصحابة فيه نظر، إذ القصة وإن كانت وردت في كتب أهل السنة إلا أن في سندها مقالا، وغير ذلك فإن العمل الكثير في الصلاة يبطل الصلاة، والصلاة بمفردها فيها شغل عن التصدق، ولا يجوز للمصلي أن ينشغل بغير الصلاة من أعمال البر والطاعة وهو في صلاته، والإمام علي من أئمة الخاشعين في صلاتهم، وقيامه بخلع خاتمه وإعطائه للمتصدق أمر مستبعد، وعلى فرض حدوث ذلك: فأين النص الجلي في الآيات على إمامة علي رضي الله عنه؟ إنهم يقولون: إن الإمامة أصل أصول الدين، وأصول الدين ينبغي أن يكون الاستدلال بها بنصوص قطعية صحيحة الثبوت صريحة الدلالة وإلا لم تكن أصولا، وهاهنا فأن تفسير الآية له أوجه عديدة، فمن الناس من يحمل معنى الولاء على المحبة والمودة والمؤازرة، وهذا هو الغالب، و(الإمامية) يحملونها على معنى الإمامة والإمارة، ثم تنزيل الإمام علي على المتصدقين في صلاتهم أمر فيه مقال، وملاحظة أخرى: وهي أن خصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ، فالآيات تنطبق على كل من يفعل ذلك من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والتصدق، والكل يستطيع فعل ذلك، إن الحق واضح، وهذا الدليل الذي استدلوا به – وهو أقوى أدلتهم من القرآن – لا يصلح حتى كدليل ضمني، فضلا عن أن يكون نصا صريحا جليا في إمامة علي رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة.
إنّ حديث علي رضي الله عنه وتصدقه بخاتمه وهو في الصلاة حديث فيه مقال، وهكذا حكم عليه المحققون من أئمة الجرح والتعديل، فلا حجة لمن أورده تساهلا أو بدون تحقيق، ومن الخطأ أن تستدل على أصل من أصول دينك تقدمه على الصلاة والصيام والحج والزكاة بحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، إن الفيصل في الاستدلال هو نص الآية، والآية لا تنص على علي رضي الله عنه، بل ليس فيها ذكر لاسمه أو أدنى إشارة لتخصيصة بالولاية، والآية الكريمة غايتها أن الولاء واجب لله ولرسوله وللمؤمنين الصادقين المقيمين للصلاة والمؤتين للزكاة والخاشعين لله وحده، لأن الركوع يأتي في اللغة بمعنى الخشوع والخضوع.
وقد جاء في القرآن كذلك بنفس المعنى حيث أمر الله تعالى مريم بالركوع في قوله تعالى (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين )، ومعناه: واخشعي مع الخاشعين، وحيث وصف الله تعالى عبده داود عليه السلام بقوله: (وخر راكعا وأناب )، ومعلوم أن نبي الله داود عليه السلام خر ساجدا ولكن جاء الركوع هنا بمعنى الخشوع والخضوع لله، وهكذا تنسجم معاني الآيات الكريمات ويكون المعنى (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )، بمعنى وحالة كونهم خاشعين خاضعين لله، وإلا ففي ركوع الصلاة شغل عن الأعمال الخارجة عن الصلاة، مهما كان فضل تلك الأعمال.
[المفتاح الثالث]: استدلالهم على الإمامة بقوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، وحديث الترمذي: (لمَّا نزلت هذِهِ الآيةُ على النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا في بيتِ أمِّ سلمةَ فدعا فاطمةَ وحَسنًا وحُسينًا فجلَّلَهم بِكساءٍ وعليٌّ خلفَ ظَهرِهِ فجلَّلَهُ بِكساءٍ ثمَّ قالَ اللَّهمَّ هؤلاءِ أهل بيتي فأذْهِب عنْهمُ الرِّجسَ وطَهِّرْهم تطْهيرًا قالت أمُّ سلمةَ وأنا معَهُم يا نبيَّ اللَّهِ قالَ أنتِ على مَكانِكِ وأنتِ على خيرٍ ) ([93]) .
تقول (الإمامية): قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}، ودل حديث الكساء على أن المقصود بأهل البيت هم ” علي وفاطمة والحسن والحسين ” فالآية تدل على أن الله تعالى قد أذهب الرجس عن أهل بيت النبوة عليهم السلام، والحديث يدل على أن أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين، وما دام الله أذهب عنهم الرجس، فهم لا شك معصومون، وإذا كانوا معصومين فهم أولى بالخلافة من غيرهم، لكونهم معصومين وغيرهم غير معصوم، (قلت) يبدو أن النصوص التي زعمت (الإمامية) أنها أدلة على النص على علي وأولاده من بعده لا تسعفهم، فأين آية التطهير وحديث الكساء من الاستدلال على النص على إمامة علي عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بحيث أن من خالفه استحق الردة والتكفير، إن الآية الكريمة ثبت بما لا يدع مجالا لشاك أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات المطهرات، وهي خاصة بهن عليهن الرضوان، ولننظر إلى هذه الآيات ولنتدبرها جيدا، حيث تبدأ بقوله تعالى في سورة الأحزاب: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما * يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا * ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعم لصالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما * يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا}.
فلننظر ولنتدبر فإن قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ليس آية مستقلة وإنما هو جزء من آية تتحدث عن أمهات المؤمنين وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات المطهرات، ثم الآيات بعدها تكمل الحديث عنهن، وهذا أدل دليل على كون الآية نزلت أصلا في زوجات النبي الطاهرات العفيفات، والحمد لله أنها ليست آية مستقلة حتى يتقول عليها المتقولون، ولكنها جزء من آية، وما قبلها وما بعدها تناول زوجات النبي الطاهرات المطهرات العفيفات، لا سيما الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها، والصوامة القوامة العابدة القانتة حفصة بنت الفاروق رضي الله عنهما، وأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وبقية نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا أهل العلم وأهل القرآن وأهل الفقه وأهل التحقيق من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لكونه نص القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فهذا بالنسبة لآية التطهير، أما حديث الكساء فقصاراه أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل عليا وفاطمة والسحن والحسين ضمن أهل البيت وجعلهم من آل بيته الذين يريد الله أن يذهب عنهم الرجس وأن يطهرهم تطهيرا، وليس معناه أن عليا وفاطمة والحسن والحسين هم أهل البيت فقط، ودليل ذلك أن قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) كما سبق أن بيناه نزل في وسط آيات تتحدث إلى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فقط، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أدخل عليا وفاطمة والحسن والحسين ليعلم الناس انهم من آل البيت، ولذلك عندما أرادت أم سلمة رضي الله عنها أن تدخل ضمن أصحاب الكساء قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتِ على مَكانِكِ وأنتِ على خيرٍ )، بمعنى خير سابق شرفكن به الله تعالى، وهو يحتمل أن يكون معناه: أنت على مكانك من كونك من أهل بيتي، ولا حاجة لك في الدخول تحت الكساء؛ كأنه منعها عن ذلك لمكان علي رضي الله عنه.
وعموما فإن المقصود بآل البيت عموما؛ هم أزواجه وعلي وفاطمة وأولادهما، أما قول البعض: إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن لا يدخلن في إطار أهل البيت، فإنه قول مردود على صاحبه لمنطوق الآيات السابقة، والقرآن حجة على كل أحد، وقد ورد كذلك في القرآن الكريم ما يدل على دخول الزوجة مع زوجها في معنى أهل بيته، ألا ترى إلى قول الله تعالى: {رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت} في حق إبراهيم، ومعلوم أنه آن ذاك لم يكن له سوى زوجته ولم يكن له ولد حتى يقال: إنها نزلت في أبنائه، وقال الله تعالى في حق موسى عليه السلام: (وسار بأهله )، ومعلوم أنه كان يسير بزوجته، فالزوجة هي خاصة أهل الرجل، ويكفينا كما ذكرت من قبل أن قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}، أنها جاءت في وسط آية وليست آية مستقلة، والآيات قبلها وهي نفسها وما بعدها كلهن يتحدثن عن أمهات المؤمنين نساء النبي صلى الله عليه وسلم، (ثم) وعلى فرض أن أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين فقط، مع أن الصحيح خلافة، فليس في الآية ولا في الحديث ما يدل على النص على علي بالخلافة، ولقال من قال: الإمامة موزعة على الأربعة علي وفاطمة والحسن والحسين، وهذا لم يقل به ساذج فضلا عن عالم، وليس في الآية ولا في الحديث دليل على عصمة هؤلاء، إذ قصارى معناه التطهير من الرجس، ولكن لا يمنع من السهو والخطأ والزلل والاجتهاد المخالف للصواب، فالعصمة شيء والتطهير من الرجس شيء آخر وينبغي أن لا نخلط بين الأمرين.
وأود أن أقول: إننا جميعا ” أهل السنة ” نحب الإمام علي ونترضى عليه ونجله ونعتبره رابع الخلفاء الراشدين الهداة المهديين الذين ينبغي أن نعض على سننهم وهديهم بالنواجذ، فنحن لا نذكره إلا بكل إجلال ومحبة وموالاة وتقدير، لقد ضلت في هذا الطريق طائفتان: الطائفة الأولى: النواصب، وهم الذين أبغضوا عليا وكفروه واستحلوا دمه وأبغضوا آل بيته الكرام الأطهار، وأهل السنة من هؤلاء براء، فهم يوالون الإمام عليا، يترضون عنه، ونظرة عابرة إلى أي من كتب أهل السنة في العقيدة نجد هذا الأمر واضحا جليا، والطائفة الثانية: وهم (الإمامية) الذين حملهم الغلو في حب الإمام علي إلى أن رفعوه عن منزلته التي رضيها الله تعالى له إلى منزلة لا يحب هو نفسه أن يوصف بها، وقد حملهم هذا الغلو على أن يبغضوا صحابة النبي الكرام البررة الذين اصطفاهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وجعلهم خير أمة في خير أمة أخرجت للناس، (أقول): فهذان من القرآن هما فقط ما استطاع (الإمامية) أن يستدلوا به على النص للإمام علي وأبنائه من بعده ولا دليل فيهما لما زعم (الإمامية)، والآن جاء الدور لنسف أكذوبة النص من أساسها:
الأدلة على استحالة صحة مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية
[المفتاح الأول]: (القسم الأول من الأدلة): عدم وجود النص على الإمام علي أساسا، وهذا يبطل النصوص على بقية الأئمة الاثني عشرية، ومن باب الأولى يعرض المذهب الإثني عشري بكامله للبطلان:
الدليل العقلي الأول: هل يعقل وجود النص وقد اجتمع الأنصار والمهاجرون في السقيفة الأنصار اجتمعوا لاختيار أمير من بينهم والمهاجرون يقولون تحن الامراء وانتم الوزراء ويقول أحد الأنصار منا امير ومنكم أمير فهل يعقل أن هؤلاء وهم أساس الإسلام آنذاك وقد سمعوا من النبي النص على إمامة علي رضي الله عنه أن يكتموا هذه الوصية ولا يتكلم بها أحد، عن هذا لمن اكبر الأدلة على عدم وجود النص أساسا، الداني والقاصي بعلم اختلاف الصحابة فيمن أحق بالخلافة، وأن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، ورشحوا سعد بن عبادة الأنصاري ليكون الخليفة، ثم عادوا عن دعواهم عندما استدل عليهم أبو بكر بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الأئمة من قريش)، واستقر الامر آنذاك على مبايعة الصديق، ثم كانت البيعة العامة في المسجد، فلماذا لم ينقل عن احدهم وكانوا عشرات الآلاف الجهر بالنص على علي رضي الله عنه ولم ينقل أن هذا الأمر أثير من أساسه ألا يدل ذلك على جهلهم بوجود النص على الإمام علي وان القرآن الكريم لم يشر إلى هذا الامر وان النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغهم بهذا النص ولا لاستدلوا به.
الدليل العقلي الثاني: هل يعقل أن الصحابة وقد امتلأ القرآن الكريم بمدحهم إجمالا والترضي عليهم والثناء عليهم على وجه العموم مما يشير إلى أفضلية اكثرهم هل يعقل أن هؤلاء تمالئوا جميعا على انكار حق الإمام علي رضي الله عنه حتى صار الاجماع او قريب منه من المهاجرين والانصار السابقين واللاحقين على خلافة الراشدين قبله أم أن موضوع النص محدث مختلف في القرن الثاني من أناس لا خلاق لهم يختلقون على الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يقله وعلى الدين ما ليس فيه.
الدليل العقلي الثالث: ثم هل يعقل أن الإمام علي نفسه يسكت على هذا الحق الإلهي الذي آل إليه ولا يتكلم به على الملأ من المهاجرين والانصار وهو فارس الإسلام وأسد الله ورسوله، لا بعد السقيفة مباشرة ولا في زمان أبي بكر ولا في زمان عمر ولا في زمان عثمان، ثم هل يعقل أن الإمام علي رضي الله عنه عندما آلت إليه الخلافة وكان في عزة ومنعة فلماذا لم يجهر بهذا الحق ولماذا لم يشر إليه لا من قريب ولا بعيد ولماذا لم يشتهر عنه هذا الأمر بحيث لا يقوى على انكاره أحد من الناس وقد كانت الامة خلفه إلا قليلا، ولماذا لم يعين ابنه الحسن وليا للعهد، ويأخذ البيعة له من بعده، ولماذا لما حضرته الشهادة أبى أن يفرض على أتباعه ابنه الحسن بل ترك الامر شورى بينهم ولو كان هناك نص على الحسن لما وسعه أن يترك الامر هكذا وقد كان هو الخليفة وحوله الخلص من اتباعه ويسمعون امره ويحرصون على طاعته، وإنما اختار المسلمون بعده الحسن طواعية إماماً لهم، ثم لماذا يمتدح الراشدين قبله كما جاء عنه في نهج البلاغة: (إن الله سبحانه بعث محمدًا فأنقذ به من الضلالة، ونعش به من الهلكة، وجمع به بعد الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدَّى ما عليه، فاستخلف الناس أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمر، فأحسنا السيرة وعَدَلا في الأمة، وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمر دوننا ونحن آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأحق بالأمر، فغفرنا ذلك لهما) في موطن آخر قال: (ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرَين منهم صالِحَين أحييا السيرة ولم يعْدُوَا السنة، فتولى أبو بكر تلك الأمور وسدد وقارب واقتصد، وتولى عمر الأمر فكان مرضيّ السيرة ميمون النقيبة)
فلماذا كان رضي الله عنه يؤكد شرعية بيعتهم بهذا الاستخلاف القائم على الشورى والبيعة، ويرى أن ذلك كان لله رضًا، وبها كان يستمد شرعية خلافته ويؤكدها عندما اضطربت عليه الأمور، إذ في أحد كتبه إلى معاوية يقول: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد؛ فإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضًا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، ويصليه جهنم وساءت مصيرًا).
فلو كان هناك نص فلماذا لم يستدل له عليه به ولماذا يدلس – وحاشاه – بذكر بيعة الراشدين قبله وهو عنده النص الصريح الذي لا ينكره إلا كافر فلماذا يكتم النص ويستدل ببيعة أبي بكر وعمر وعثمان وعنده النص الصريح لماذا؟ والثابت كذلك أن الإمام علي كان يحب الشيخين أبا بكر وعمر ويثني عليهما ويترضى عنهما، وليس أدل على ذلك من كونه سمى ثلاثة من أولاده باسم أبي بكر وعمر وعثمان، وليس أدل على ذلك من كونه كان قاضي المدينة على عهد عمر رضي الله عنهما، وزوجه ابنته وفلذة كبده أم كلثوم بنت الزهراء رضي الله عنهما، والثابت كذلك أن الإمام علي رضي الله عنه كان يحب ويجل الإمام عثمان رضي الله عنه، وقد ذكرت أنه سمى أحد أبناءه عثمان بحبه للخليفة عثمان، والثابت كذلك أن الإمام علي عندما حوصر الإمام عثمان أرسل ابنيه سبطا رسول الله وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين لحماية الإمام عثمان رضي الله عن الجميع، والثابت كذلك أن الإمام علي كان يحب الهاجرين والأنصار ويثني عليهم حتى جاء في نهج البلاغة وهو من أوثق كتبكم أن الإمام علي كان يقول: إنما الشورى للمهاجرين والأنصار فمن اختاروه لهم إماما فهو الإمام وهو لله رضى، وجاء في نهج البلاغة أيضا أنه كان يعيب على أصحابه هو لكونهم ليسوا على حال صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة والتقوى والصدق والإخلاص، فكيف يستقيم مع هذا كله انه ينقم عليهم لانهم سلبوه حقه الإلهي المنصوص عليه بالإمامة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
الدليل العقلي الرابع: ثم هل يعقل أن الإمام الحسن وقد آلت إليه الأمور وجيشه أكبر من جيش معاوية بكثير فهل يعقل تنازله عن الحق الإلهي لكافر في ظن الشيعة فتؤول الأمور إلى كافر يحكم المسلمين ثم هو يتنازل عن الحق الإلهي بطيب خاطر وهل يملك هو حق التنازل عن الإمامة المنصوص عليها اللهم أن لا يكون هناك نص والأمر قصاراه الشورى بين المسلمين
الدليل العقلي الخامس: ثم هل يعقل أن الإمام الحسين يعيش طيلة عمره في زمان معاوية بعد موت أخيه الحسن ولا يجهر بهذا الحق الإلهي بل وعند خروجه على يزيد لا يستدل بهذا النص وإنما يستدل بأن يزيد لا يصلح للخلافة ومثله – وهو المحق – لا يبايع مثل يزيد ولو كان هناك نص لجهر به وطالب المسلمين كافة بنصرته.
الدليل العقلي السادس: هل يعقل أن الشيعة مع وجود النص يختلفون بعد موت كل إمام على من يخلفه فإن كان هناك نص قديم فلم لم يحسم الخلاف منذ البداية، إذا كان النص معروفا مشهورا فلماذا اختلفت الشيعة بعد وفاة الصادق رضي الله عنه في ابنيه إسماعيل وموسى، ولماذا افترقت الشيعة بعد وفاة موسى الكاظم ولماذا اقترقت الشيعة بعد وفاة ابنه الرضا ولماذا افتراق الشيعة بعد الهادي ولماذا افتراق الشيعة بعد وفاة العسكري ولماذا الاختلاف الشديد عندهم حول المهدي المنتظر.
الدليل العقلي السابع: هل يعقل أن الخوارج وقد كانوا في جيش الإمام علي وتركوه بدعوى التحكيم لغير الله هل يعقل خروجهم عليه وعنده نص يستدل به على إمامته ولم يذكره لهم ولا أرسل أحدا يستدل لهم بهذا النص من القرآن أو من الحديث فينتهي الخلاف في حينه، لماذا لم يخرج الإمام علي هذا النص في تلك الظروف الحرجة من حياة الامة والناس أحوج ما تكون إليه، أم أن النص محدث مختلق لا أساس له من الصحة والبرهان.
الدليل العقلي الثامن: هل يعقل أن القرآن الكريم دستور المسلمين الذي ذكر قصص بني إسرائيل بالتفاصيل حتى ذكر قصة بقرة بني إسرائيل لا يذكر النص على علي رضي الله عنه وأبنائه الأئمة صراحة أم انهم مقتنعون أن القرآن قد زيد فيه ونقص وهذا يخرجهم من ملة الإسلام إلى الردة والكفر
الدليل العقلي التاسع: هل يعقل أن الرسول صلى الله عليه وسلم يسكت عن تبليغ هذا الحق الإلهي للغمام علي رضي الله عنه ولا يأخذ له البيعة من الصحابة أجمعين لا سيما وقد جاءه النعي بقرب أجله بنزول سورة النصر فهل قصّر النبي في هذا الامر أم تواني عن إعطاء أخذ البيعة له من جميع الأصحاب ام أن حقيقة الامر انه لا نص وأنه صلى الله عليه وسلم ترك الامر شورى بينهم واجتهاد من ذوي الحل والعقد فيهم.
الدليل العقلي العاشر: أمر كهذا (النص على الأئمة) يترتب عليه تكفير كل من لم يقر به ويترتب عليه المفاصلة بين أهل الإسلام وأهل الكفر كما هو حال الإمامة عند الشيعة فهل يعقل أن يتجاهله القرآن ولا ينص عليه تكرارا ومرارا فإن الصلاة قد تكرر الأمر بها قريب من سبعين مرة والزكاة تكرر الأمر بها قريب من ثلاثين مرة والإمامة عند الشيعة الأثني عشرية أهم من الصلاة والزكاة ومنكرها كافر فلماذا لم تأت صريحة جلية لا يحتاج المستدل بها إلى اجتهاد واستنباط ولا مرة واحدة وكان الأولى أن يتكرر ذكرها عشرات المرات بدلا من هذا الغموض الذي يحتاج إلى إمالة أعناق الأدلة كي تثبت ولا تثبت لوجود المعارض، وهذا ما دعا (أحمد الكاتب) وهو إمامي اثني عشري أن يقول في البيان الذي قدمه إلى علماء الطائفة الاثني عشرية: (وأن القول بوجود النص الجلي على الإمام علي بالخلافة من رسول الله (ص) نشأ في القرن الثاني الهجري، ولم يكن له وجود سابقا، وأن الجدل حوله عقيم لا يقدم ولا يؤخر، ولا يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. وأما فضل الإمام علي فهو أمر لا ينكر، وأنه أصبح إماما وأميراً للمؤمنين عندما بايعه المسلمون طواعية بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وأن الإمام علي ترك الأمر شورى بعده، كما فعل رسول الله (ص)، ولم يعين ابنه الحسن وليا للعهد، وإنما اختاره المسلمون طواعية إماماً لهم. وهكذا فعل أهل الكوفة مع الإمام الحسين، الذي لم يعين أحدا من بعده ولم يفرضه على الشيعة. وأن بقية الأئمة من أبناء الحسين لم يوصوا ولم يعينوا أحدا من أبنائهم أو يفرضوه على المسلمين) أهـ، ويمكنني أن أزيد على قول الكاتب: بأن الذي حدث: أنه لم يكن هناك نص أبدا وإلا لظهر في تلك الآونه حيث شدة الاحتياج له، ولكن الذي حدث أنّ هناك من اخترع مسألة (النص)، كما يقول الكاتب: نشأ في القرن الثاني الهجري، ولم يكن له وجود سابقا، ثم زاد الانحراف عندما رتبوا على وجود النص أن من سبقه إنما كان مغتصبًا للخلافة، ثم أفضى بهم هذا القول إلى الاعتقاد بردة الصحابة رضوان الله عليهم وكفر من تولاهم، ومن ثم القول بتحريف القرآن، وآل بهم الأمر إلى تكفير كافة المسلمين إلا من كان على معتقدهم الغريب، واخترع الدجالون احاديث تؤيد هذا المذهب وتدعمه ونسبوها إلى أئمة آل البيت وهم منها براء، ونسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (التاركون ولاية علي خارجون عن الإسلام) ([94]) . وإلى الصادق قولـه: (الجاحد لولاية علي كعابد وثن) ([95]) .
لقد جعلوا (الإمامة) أهم من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وقد امتلأ القرآن بها فأين هي في القرآن، ولماذا لم تشتهر من سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الزمان الأول، وأين تلك النصوص الدامغات زمان خلافة الإمام علي ولماذا لم تذكر ولم تشتهر ولم يفض بها الخلاف حتى بين الشيعة أنفسهم حتى افترقوا إلى قريب من ثلاثمائة فرقة كل فرقة تكفر أختها، (التساؤل الضروري) إذا كان الأئمة اثنا عشر إمامًا لا ينقصون ولا يزيدون، وهم معينون من قبل الله ويعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلماذا لم تشتهر هذه الروايات في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولا في زمان علي رضي الله عنه أيام خلافته ولماذا لم يستدل بها الحسن والحسين رضي الله عنهما ولماذا لم يخبروا بها احد في أزمانهم ولماذا تركوا الحق الإلهي يضيع تساؤلات عديدة لا جواب لها، اللهم إلا أن تكون مكذوبة في أزمان متأخرة وفي غفلة من التاريخ، ولولا انها مكذوبة لما اختلف الشيعة أنفسهم بعد موت كل إمام من الذي يخلفه، قريب من ثلاثمائة فرقة حتى زمان النوبختي علامتهم، ويصدق فبهم قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
[المفتاح الثاني]: (القسم الثاني من الأدلة): القرآن يترضى عن الصحابة في المجمل، و(الإمامية) يلعنون الصحابة في المجمل، فإما أن يكون القرآن على صواب و(الإمامية) على الخطأ وإما العكس، والعكس مستحيل، وهذا التعارض يعرض المذهب الإثني عشري بكامله للبطلان: فالقرآن يترضى عن الصحابة في المجمل، ومن تلك الأدلة:
(1) الدليل الأول: قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أهل الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]، والمفهوم من الآية أن أمة الإسلام هي خير الأمم التي أخرجت للناس، لأنها تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتؤمن بالله تعالى وتهدي الناس إلى طريق الإيمان، وإن أولى الناس بهذا الوصف هم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم هم الذين حملوا رسالة الدين إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم وجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم، من أجل نشر الدين وهداية الناس إلى طريق الإيمان بالله، ومع ذلك نجد ان (الإمامية) يقولون إن الصحابة ارتدوا إلا خمسة: المقداد، وحذيفة، وسلمان، وأبو ذر، وعمار – ثبتوا مع علي رضي الله عنه، واحسنهم حالا يقولون: ارتدوا كلهم إلا أثني عشر صحابيا فقط، هم علي وبعض آله، وسلمان، وأبو ذر، وعمار، والمقداد، وحذيفة، وأبو الهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وعبادة بن الصامت، وأبو أيوب الأنصاري، وخزيمة بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، فهل يعقل أن مائة ألف كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لا يبقى منهم على الإسلام إلا هؤلاء أو أزيد قليلا، هل يعقل أن هذه هي خير أمة أخرجت للناس، لو كان حالها كما يقول (الإمامية) لكانت شر أمة أخرجت للناس لكونها ارتدت واشترت الكفر بالإيمان.
(2) الدليل الثاني: قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، إن هذه الآية لمن أقوى الدلائل على عدل الصحابة وسلامة إيمانهم حيث وصفهم الله تعالى بقوله: (والذين معه) أي أصحابه الملازمين له (أشداء على الكفار)، وفيه إشارة إلى إيمانهم وقوة يقينهم في الله، (رحماء بينهم) تزكية من الله لهم، (تراهم ركعا سجدا) عبادة متواصلة لله، (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) مخلصين لله لا يرجون الثواب إلا منه جل شأنه .
فهذه هي صفات الصحابة عليهم الرضوان في القرآن الكريم، ومن قبل في التوراة والانجيل فدل ذلك على ان الوصف راسخ فيهم لا يتبدل ولا يتغير لأنه وصفهم في الكتب السماوية الثلاث التوراة والانجيل والقرآن وصف قديم لا يتبدل ولا يتغير في المجموع العامة والنسبة العظمى منهم، تقول (الإمامية): قوله تعالى: (وعملوا الصالحات منهم)، (منهم) دليل على أن هناك من الصحابة من لا يتصف بالإيمان والعمل الصالح، وهذا لا يبلغهم مرادهم لأنهم يقولون أكثرهم مرتدون كافرون منافقون وسياق الآيات يدل على ان الأكثرية منهم صالحون صادقون متقون وكلنا يعلم أن الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثرهم صحابة مخلصون مطيعون صادقون مجاهدون مؤمنون صالحون، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم كذلك منافقون معلومو النفاق وهم عبدالله بن أبي بن سلول وجماعته، فوضحت الآية أن المستحقين للثناء من الله تعالى هم صحابته المؤمنون الصالحون السابقون المسابقون إلى طاعة الله وطاعته صلى الله عليه وسلم، وهناك وجه أولى وأدق لأنه لا خلاف على عبد الله بن أبي بن سلول وجماعته، وهذا الوجه أن كلمة (منهم) هنا ليست تبعيضية وإنما هي لبيان الجنس، كما جاء ذلك في كتب التفسير. فقد قال أئمة التفسير ما خلاصته: (ليست (من) في قوله تعالى: (منهم) مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم، ولكنها عامة مجنسة، مثل قولة تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) لا يقصد للتبعيض، ولكنه يذهب إلى الجنس، أي: فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان . وكذا (منهم) أي هذا الجنس، يعني جنس الصحابة، والمنافقون جماعة عبد الله ابن ابي ابن سلول لا يعدون من الصحابة أصلا، فالصحابة كلهم عدول أهل تزكية وتقوى بشهادة القرآن والتوراة والانجيل، ([96]) .
وعلى ذلك فالآية تبطل مذهب (الإمامية) وتذهب به من أساسه.
(3) الدليل الثالث: قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]، فمن هم هؤلاء السابقون إن لم يكن منهم أبوبكر وعمر وعثمان والزبير وطلحة وسعد وسعيد وأبو عبيدة المبشرون بالجنة؟! ومن هم السابقون إن لم يكن منهم أهل بدر المشهود لهم بالإيمان؟! إن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان حازوا رضوان الله، وأعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار لهم فيها الخلود الدائم، كيف يعقل مع هذه الآية أن تصدق قول من قال إن الصحابة ارتدوا إلا ثلاثة أو أربعة أو خمسة، مع أن الآية تشهد لمجملهم بالإيمان،
(4) الدليل الرابع: قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8 إلى 10]، إن هذه الآيات الثلاثة من سورة الحشر تمثل منهاج الرد المتكامل على روافض الحق وشيعة الباطل، ففي الآية الأولى ثناء على المهاجرين ووصف لهم بالصدق والإخلاص ونصرة الله ورسوله، وفي الآية الثانية ثناء على الأنصار ووصف لهم بالإيثار والفلاح، وعلى ذلك فكلتا الآيتين ثناء على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، والآية الثالثة رد على أولئك (الإمامية) حيث وصف الله تعالى المؤمنين على مر العصور بعد الصحابة بأنهم يستغفرون لأنفسهم وللمؤمنين الذين سبقوهم بالإيمان، وبأنهم يدعون الله عز وجل ألا يجعل في قلوبهم أي غل للمؤمنين، و(الإمامية) يسبون الصحابة ويلعنونهم ويكفرونهم، وهم بذلك خرجوا من الأقسام الثلاثة للمؤمنين: الصحابة (المهاجرين الصادقين، والأنصار المفلحين، والتالين المستغفرين الذين ليس في قلوبهم غل لهمن سبقوهم بالإيمان)، وهذا الثناء على الأصحاب يبطل زعم الشيعة في وجود النص للإمام علي وأبنائه من بعده وأن الصحابة سلبوه حقه طمعا في الدنيا وردة عن دين الله، إن التعارض في موضوع الصحابة بين مذهب القرآن في الثناء عليهم ومذهب (الإمامية) في تكفيرهم بحجة انكارهم ولاية علي رضي الله عنه، لهو من أدل الدلائل على بطلان مذهب (الإمامية) في موضوع النص على علي رضوان الله عليه ومن ثم بطلان مذهب (الإمامية) برمته.
(5) الدليل الخامس: قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10]، إن هذه الآية دليل ثناء من الله تعالى على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا قبل الفتح والذين أسلموا بعد الفتح، وأن الله تعالى وعد كليهما الحسنى، فكيف يعد الله عز وجل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم السابقين واللاحقين بالحسنى، ثم تأتي رافضة الحق فتجعل دينها السب واللعن والتكفير لهؤلاء الذين وعدهم الله تعالى بالحسنى.
(6) والدليل السادس: قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، إن هذا القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ليتلوه على صحابته، وهو يخبر أولئك الأصحاب أنهم شهداء على الناس، فكيف بالله عليك يكون هؤلاء الشهداء كفارا ملحدين؟! إن هذا من أمحل المحال.
(7) والدليل االتاسع: قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 121 – 126]، وصف الله الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان، والطائفتان هم المهاجرون والأنصار والله تعالى يقول عنهم {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} أي أنهما في ولاية الله عز وجل، {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} أي أن الله هو الناصر والمُعين لهاتين الفئتين والمُتولي لأمورهما، {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي يجب على المؤمنين أن يعتمدوا اعتماداً كلياً على الله وحده في كل أمورهم، فالآيات تثبيت لقلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم في مواجهة الصعاب وتذكرهم بأن الله معهم، وانه هو المتولي لهم وانهم تحت رعايته وحمايته، والخلاصة كل الاصحاب من المهاجرين والانصار داخلون في ولاية الله، {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
فكيف يستقيم بعد الثناء القرآني المطلق على الصحابة أن تتهم الإمامية جميع الصحابة بالردة إلا قليلا، فقد روى الكشي عن أبي جعفر أنه قال: ” كان الناس أهل ردة بعد النبي إلا ثلاثة، فقلت ومن الثلاثة فقال المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي” ([97]) .
ويروي الكشي عن موسى بن جعفر أنه قال:” إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين حواري محمد بن عبد الله – رسول الله الذين لم ينقضوا عليه، فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذر ” ([98]) .
وهكذا ما تركوا صحابياً إلا وجرحوه فزعموا أن عبد الله بن عمر ومحمد بن سلمه ماتا منكوثين ” ([99]) . ويروي الكشي عن هشام عن أبي عبد الله: ” كان صهيب عبد سوء يبكي على عمر ” ([100]) .
وأن قول الله تعالى: ” إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها ” نزلت في طلحة والزبير ([101]) .
وأن قول الله تعالى ” إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدودا كفراً لن تقبل توبتهم ” نزلت في فلان وفلان وفلان) ([102]) .
[المفتاح الثالث]: هناك (الأدلة العقلية) فيما يتعلق بالصحابة والقرآن: القرآن يترضى عن الصحابة في المجمل، و(الإمامية) يلعنون الصحابة في المجمل، فإما أن يكون القرآن على صواب و(الإمامية) على الخطأ وإما العكس، والعكس مستحيل، وهذا التعارض يعرض المذهب الإثني عشري بكامله للبطلان
الدليل العقلي الأول: النبي صلى الله عليه وسلم ربى جيلا من الصحابة فإما أنه يحسن التربية فرباهم على الإسلام والإيمان والإحسان وإما ان يكون قد فشل في ذلك فكانوا أنجاسا منافقين مرتدين وحاشاه من ذلك وهو المعلم الأكبر والاطهر، وقد وضح القرآن الكريم أن مهمة النبي هي التزكية فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، ثم وضح القرآن انه قد زكاهم فعلا فقال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، فهذه تزكيتهم بأوصاف قديمة لازمة لهم في القرآن والتوراة والانجيل فيستحيل أنهم بدلوا وغيروا بعد وفاة نبيهم وإلا لم جاء وصفهم بها في التوراة والانجيل من قبل لأن الذي أنزل التوراة والانجيل والقرآن يعلم الغيب ويعلم ما كان وما سيكون فيستحيل أن يمدحهم بما ليس فيهم ولا أن يمدحهم وهو يعلم أنهم سيبدلون ويكفرون ويرتدون، والحال اذن إما بطلان مذهب القرآن في الصحابة وهذا محال وإما بطلان مذهب (الإمامية) فيهم، وهو اليقين عند اولي الألباب.
الدليل العقلي الثاني: النبي صلى الله عليه وسلم يصاهر أبي بكر ويتزوج ابنته أم المؤمنين عائشة رضي لله عنها، ويصاهر عمر ويتزوج ابنته أم المؤمنين حفصة رضي لله عنها، ويزوج ابنتيه (رقية و أم كلثوم) واحدة تلو الأخرى إلى عثمان، فيستحيل في حكم العقل أنه يعلم بحالهم من النفاق والكفر ثم يصاهرهم ويقربهم وهو المخاطب من قبل الله تعالى بقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التحريم: 9]، وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الأحزاب: 1]، وقوله سبحانه: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الاسراء: 74، 75]، فهل يستقيم أن يداهنهم وأن يجاملهم وان يصاهرهم وهو يعلم بنفاقهم وكفرهم وردتهم، ثم هو صلى الله عليه وسلم يزوج ابنته (رقية) لعثمان فهل يعقل بعد موتها أن يكرر الامر ثانية معه فيزوجه ابنته (ام كلثوم) وهو القائل (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)، لولا نبل عثمان وصدق عثمان وإيمان عثمان وتقواه وحسن خلقه لما زوجه النبي صلى الله عليه وسلم المرة تلو الأخرى.
الدليل العقلي الثالث: الصحابة هم الذين حملوا رسالة الدين إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم وجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم، من أجل نشر الدين وهداية الناس إلى طريق الإيمان بالله، وضحوا بالغالي والثمين من أجل نشر الدين، ولولا الصحابة لما كنا نحن اليوم مسلمين، أكثرهم مات شهيدا في معركة او قتال لنشر الدين فهل يعقل انهم عرضوا أنفسهم للموت من اجل الدنيا، وهل جزاء من أدخلنا في الإسلام أن نخرجه منه إلى الكفر لا يستقيم ذلك.
الدليل العقلي الرابع: علي رضي الله عنه كان يحب الشيخين أبا بكر وعمر ويثني عليهما ويترضى عنهما، وفي نهج البلاغة من الثناء عليهما الكثير، وليس أدل على ذلك من كونه سمى ثلاثة من أولاده باسم أبي بكر وعمر وعثمان، وليس أدل على ذلك من كونه كان قاضي المدينة على عهد عمر، وزوجه ابنته وفلذة كبده أم كلثوم بنت الزهراء فاطمة رضي الله عنها، والثابت كذلك أن الإمام علي عندما حوصر عثمان أرسل ابنيه سبطا رسول الله وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين لحماية عثمان رضي الله عن الجميع، والثابت كذلك أن الإمام علي كان يحب الهاجرين والأنصار ويثني عليهم حتى جاء في نهج البلاغة أنه كان يقول: إنما الشورى للمهاجرين والأنصار فمن اختاروه لهم إماما فهو الإمام وهو لله رضى، وجاء في نهج البلاغة أيضا أنه كان يعيب على أصحابه وهو بالكوفة في زمان خلافته لكونهم ليسوا على حال صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة والتقوى والصدق والإخلاص، فكيف يستقيم مع هذا كله انه ينقم عليهم لانهم سلبوه حقه الإلهي المنصوص عليه بالإمامة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
[المفتاح الرابع]: (القسم الثالث من الأدلة): القرآن الكريم في واد و(الإمامية) في واد آخر تماما، ولذلك مال اكثرهم إلى التشكيك في حفظ القرآن لأنه يعارض مذهبهم، والحاصل أنّ من شك في القرآن خرج من ملة الإسلام إلى الكفر: القرآن لا ريب فيه، قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، وقال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:23]، فالقرآن لا ريب فيه كل حرف منه من عند الله، مخال أن يأتيه الباطل، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:41-42]، ويستحيل على مخلوق أن يفتري على القرآن، قال تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس:37]، ولا تبديل لكلمات الله، قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام:115].، وقال تعالى: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الكهف:27]، وهو محفوظ بحفظ الله له إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، كله من عند الله، قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء:82]، فمن زعم تحريف القرآن بالزيادة أو النقصان فهو خارج عن دين الإسلام إلى الكفر.
الإمامية وتحريف القرآن: لا يستقيم المذهب الإمامي إلا مع اعتقاد التحريف، لأن الذي جمع القرآن هم أبو بكر وعمر وعثمان وقد امتلأ القرآن بالثناء على الصحابة و(الإمامية) يكفرون الصحابة إلا قليلا، والكافر غير مؤتمن على جمع القرآن، فكيف يستقر للرافضة مذهبهم بتكفير الصحابة وعدم تحريف القرآن؟ إذ المستساغ هو إما تبني القول بالتحريف والتكفير، فيكون الصحابة كفارا غير مؤتمنين على القرآن فحرفوه وأظهروه كأنه يمدحهم، وإما القول بحفظ القرآن والثناء على الصحابة الذين أثنى عليهم القرآن، فينهار المذهب، ولهذا آثر رواد المذهب القول بالتحريف، وقد بلغت روايات التحريف ألفي رواية مما يشير إلى تواتر الأخبار الدالة عندهم على التحريف وإليها مال أكثر متكلمي (الإمامية)، إن التحريف والرفض صنوان متلازمان، لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر ولا يفترقان إلا بالبراءة من مذهب الرفض كله، ولهذا صار القول بالتحريف من ضروريات مذهب الرفض، قال النوري الطبرسي: (الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتَها جماعةٌ كالمفيد، والمحقق الداماد، والعلامة المجلسي، وغيرهم) ([103]) .
أسباب القول بالتحريف عند الشيعة الإمامية: أسباب عديدة منها أن المذهب الرافضي يقوم على نظرية الوصي ولا ذكر في القرآن لهذه النظرية مطلقا، ويقوم على تضخيم مبدأ الولاية للأوصياء الاثني عشر وأن ذلك من أصول الدين، ولا يوجد في القرآن ذكر للأئمة ولا أسمائهم ولا حتى مجرد الإشارة إلى وجوب اعتقاد أحقيتهم للخلافة، ولا ذكر القرآن النص على علي وأولاده من بعده ولا ذكر أعداءه ومغتصبي حقه ووجوب البراءة منهم وهذا يضرب معتقد (الإمامية) في مقتل، لأن هذه الإمامة هي قطب الرحى الذي يدور عليها مذهبهم، أضف إلى ذلك أن القرآن لا تكاد سورة منه تخلو من الثناء على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والترضي عنهم و(الإمامية) يقوم مذهبهم على تكفيرهم والبراءة منهم لاسيما وأن الذي جمع القرآن هم أئمة الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وهم في نظر (الإمامية) منافقون فكيف يجمع القرآن من لا يؤمن به، وكيف يمكن الوثوق بجمع هؤلاء المرتدين، لذا صار أمر التحريف أشد تلازما لهذه الطائفة المارقة وأشد ألتصاقاً بها، لا ينفك عنهم ولا ينفكون عنه دون البراءة من مذهب الرفض كلِّه، لذا صار أمر (الإمامية) إلى قولين أحلاهما مر إما الجهر بالتحريف وفقا لأصولهم وهم هكذا مرقوا من الدين بغير رجعة، وإما الإقرار بصيانة القرآن من التحريف والمعاناة المستمرة في لي أعناق الآيات للحفاظ على بناء الرفض الأيل للسقوط لا محالة.
أبرز علماء الشيعة المصرحون بأن القرآن محرف وناقص:
(1) علي بن إبراهيم القمي: قال في مقدمة تفسيره عن القرآن وأما ما هو على خلاف ما أنزل الله فهو قوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) فقال أبو عبد الله عليه السلام لقاريء هذه الآية: (خير أمة) يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين بن علي عليهم السلام؟ فقيل له: وكيف نزلت يا ابن رسول الله؟ فقال: إنما نزلت: (كنتم خير أئمة أخرجت للناس) ألا ترى مدح الله لهم في آخر الآية (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) ومثله آية قرئت على أبي عبد اللــــه عليـه السلام: (الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما) فقال أبو عبد الله عليه السلام: لقد سألوا الله عظيما أن يجعلهم للمتقين إماما، فقيل له: يا ابن رسول الله كيف نزلت؟ فقال: إنما نزلت: (الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعل لنا من المتقين إماما) ([104]) .
وقال أيضا في تفسيره (وأما ما هو محرف فهو قوله: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك في علي أنزله بعلمه والملائكة يشهدون) وقوله: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي فإن لم تفعل فما بلغت رسالته) وقوله: (إن الذين كفروا وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم) وقوله: (وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم أي منقلب ينقلبون) وقوله: (ولو ترى الذين ظلموا آل محمد حقهم في غمرات الموت) انتهى ([105]) .
(2) نعمة الله الجزائري واعترافه بالتحريف: قال الجزائري في كتابه الأنوار النعمانية: (إن تسليم تواترها {القراءات السبع} عن الوحي الإلهي وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاما ومادة وإعرابا، مع أن أصحابنا رضوان الله عليهم قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها، نعم قد خالف فيها المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي وحكموا بأن ما بين دفتي المصحف هو القرآن المنزل لا غير ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل)، (والظاهر أن هذا القول) إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها) ([106]) .
(3) الفيض الكاشاني (المتوفي 1091 هـ): وممن صرح بالتحريف من علمائهم: مفسرهم الكبير الفيض الكاشاني صاحب تفسير ” الصافي “، قال في مقدمة تفسيره معللا تسمية كتابه بهذا الأسم (وبالحري أن يسمى هذا التفسير بالصافي لصفائه عن كدورات آراء العامة والممل والمحير)، وقد مهد لكتابه هذا باثنتي عشرة مقدمة، خصص المقدمة السادسة لإثبات تحريف القرآن، وعنون لهذه المقدمة بقوله (المقدمة السادسة في نبذ مما جاء في جمع القرآن، وتحريفه وزيادته ونقصه، وتأويل ذلك، وبعد أن ذكر الروايات التي استدل بها على تحريف القرآن، والتي نقلها من أوثق المصادر المعتمدة عندهم، خرج بالنتيجة التالية فقال: (والمستفاد من هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل منه ماهو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي عليه السلام، في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك، وأنه ليس أيضا على الترتبيب المرضي عند الله، وعند رسول صلى الله عليه وآله وسلم) ([107]) .
ثم ذكر بعد هذا أن القول بالتحريف اعتقاد كبار مشايخ الإمامية قال: (وأما اعتقاد مشايخنا رضي الله عنهم في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن، لأنه كان روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي، ولم يتعرض لقدح فيها، مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه كان يثق بما رواه فيه، وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي ـ رضي الله عنه ـ فإن تفسيره مملوء منه، وله غلو فيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي رضي الله عنه فإنه أيضا نسج على منوالهما في كتاب الإحتجاج) ([108]) .
(4) أبو منصور أحمد بن منصور الطبرسي (المتوفي سنة 620هـ): روى الطبرسي في الاحتجاج عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع علي عليه السلام القرآن، وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: ياعلي اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه عليه السلام وانصرف، ثم أحضروا زيد بن ثابت ـ وكان قارئا للقرآن ـ فقال له عمر: إن عليا جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن، ونسقط منه ما كان فضيحة وهتكا للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، فلما استخلف عمر سأل عليا أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم) ([109]) .
(5) الشيخ محمد بن محمد النعمان الملقب بالمفيد، أما المفيد ـ الذي يعد من مؤسسي المذهب ـ فقد نقل إجماعهم على التحريف ومخالفتهم لسائر الفرق الإسلامية في هذه العقيدة، قال في (أوائل المقالات): (واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الاموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف، واتفقوا على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى، وإن كان ذلك من جهة السمع دون القياس، واتفقوا أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن، وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأجمعت المعتزلة، والخوارج، والزيديه والمرجئة، وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية في جميع ماعددناه) ([110]) .
وقال أيضا: ان الاخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم باختلاف القرآن وما أحدثه الظالمين فيه من الحذف والنقصان) ([111]) .
[المفتاح الخامس]: (القسم الخامس من الأدلة): تفرق الشيعة عقب موت كل إمام تفرقا كبيرا يبطل وجود النص على مذهب الإمامية: فالاختلاف الرهيب عقب موت كل امام أليس هذا من أدل الدلائل على عدم وجود النص الموهوم:
[1] افتراق الشيعة بعد وفاة الباقر: يقول النوبختي: فلما توفي أبو جعفر افترقت أصحابه فرقتين، فرقة منها قالت بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وزعموا أنه القائم، وأنه الإمام المهدي، … وأما الفرقة الأخرى من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي فنزلت إلى القول بإمامة أبي عبدالله جعفر بن محمد، فلم تزل ثابتة على إمامته أيام حياته غير نفر يسير منهم، فإنهم لما أشار جعفر بن محمد إلى إمامة ابنه إسماعيل، ثم مات إسماعيل في حياة أبيه، رجعوا عن إمامة جعفر، وقالوا: كَذبنا ولم يكن إماماً؛ لأن الإمام لا يكذب ولا يقول ما لا يكون، وحكموا على جعفر أنه قال: إن الله عز وجل بدا له في إمامة إسماعيل، فأنكروا البداء والمشيئة من الله. [2] افتراق الشيعة بعد وفاة الصادق: لما توفي افترقت شيعته بعده عدة فرق: ففرقة قالت: إن جعفر بن محمد حي لا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وإنه المهدي، وزعموا أنه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرضني وغسلني وكفنني فلا تصدقوه، فإني صاحبكم صاحب السيف. وهذه الفرقة تسمى الناووسية. وفرقة زعمت أن الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه؛ لأنه خاف فغيَّبه عنهم، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض ويقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم؛ لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده، وهذه الفرقة هي الإسماعيلية. وفرقة زعمت أن الإمام بعد الصادق محمد بن إسماعيل، وقالوا: إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه، فلما توفي قبل أبيه جعل الصادق الأمر لمحمد بن إسماعيل، وكان الحق له، ولا يجوز غير ذلك؛ لأنها لا تنتقل من أخٍ إلى أخ بعد الحسن والحسين، ولا تكون إلا في الأعقاب، وهذه الفرقة تسمى المباركية. وفرقة قالت: إن الإمام بعد الصادق محمد بن جعفر، وهي السمطية. وفرقة قالت: إن الإمامة بعد جعفر في ابنه عبد الله بن جعفر الأفطح، وذلك أنه كان عند مضي الصادق أكبر ولده سناً، وجلس مجلس أبيه، وادعى الإمامة ووصية أبيه، وهذه الفرقة تسمى الفطحية. وقد مال إلى هذه الفرقة جُلَّ مشايخ الشيعة وفقهائها، ولم يشكوا في كون الإمامة في عبدالله بن جعفر وفي ولده من بعده، فمات عبدالله ولم يخلف ذكراً، فرجع عامة الفطحية عن القول بإمامته، وفرقة قالت بإمامة موسى بن جعفر بعد أبيه، وأنكروا إمامة عبدالله وخطئُوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه وادعائه الإمامة. وغيرها من الفرق، وقد انبثقت من هذه الفرق فرق أخرى يطول ذكره) أهـ ([112]) . [3] افتراق الشيعة بعد وفاة الكاظم: افترقت الشيعة عد وفاته إلى عدة فرق: فرقة منهم قالوا أن الإمام بعده هو علي الرضا. وهذه الفرقة سميت بالقطعية؛ لأنها قطعت على وفاته وعلى إمامة الرضا. وفرقة قالت: إن الكاظم لم يمت وإنه حي ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها، ويملأها كلها عدلاً كما ملئت جوراً، وإنه القائم المهدي، وزعموا أنه خرج من الحبس ولم يره أحد نهاراً ولم يعلموا به، وأن السلطان وأصحابه ادعوا موته وموهوا على الناس وكذبوا، وأنه غاب عن الناس واختفى، ورووا في ذلك روايات عن أبيه الصادق أنه قال: هو القائم المهدي، فإن هدهد رأسه عليكم من جبل فلا تصدقوا، فإنه القائم. وقال بعضهم: إنه القائم، وقد مات، ولا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع، وزعموا أنه قد رجع بعد موته، إلا أنه مختفٍ في موضع من المواضع حيٌ يأمر وينهى، وأن أصحابه يلقونه ويرونه، واعتلوا في ذلك بروايات عن أبيه أنه قال: سمي القائم قائماً؛ لأنه يقوم بعدما يموت. وقال بعضهم: إنه قد مات، وإنه القائم، وإن فيه شبهاً من نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام، وإنه لم يرجع ولكنه يرجع في وقت قيامه فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وإن الله قال: إن فيه شبهاً من عيسى بن مريم، وإنه يقتل على يدي ولد العباس، فقد قتل، وأنكر بعضهم قتله، وقالوا: مات ورفعه الله إليه، وإنه يرده عند قيامه، فسموا هؤلاء جميعاً الواقفة؛ لوقوفهم على موسى بن جعفر أنه القائم، ولم يَأتَمُّوا بعده بإمام، ولم يتجاوزوه إلى غيره، وقد قال بعضهم ممن ذكر أنه حي: إن الرضا ومن قام بعده ليسوا بأئمة ولكنهم خلفاء، واحداً بعد واحد إلى أوان خروجه. وفرقة قالت: لا ندري أهو حي أم ميت، لأنا قد روينا أخباراً كثيرة تدل على أنه القائم المهديَ، فلا يجوز تكذيبها، وقد ورد علينا من خبر وفاة أبيه وجده والماضين من آبائه في معنى صحة الخبر، فهذا أيضاً مما لا يجوز رده وإنكاره لوضوحه وشهرته وتواتره من حيث لا يكذب مثله ولا يجوز التواطؤ عليه، والموت حق، والله عز وجل يفعل ما يشاء، فوقفنا عند ذلك على إطلاق موته وعلى الإقرار بحياته، وقالوا: ونحن مقيمون على إمامته لا نتجاوزها حتى يصح لنا أمره وأمر هذا الذي نصب نفسه مكانه وادعى الإمامة -يعنون علي بن موسى الرضا- فإن صحت لنا إمامته كإمامة أبيه من قبله بالدلالات والعلامات الموجبة للإمامة بالإقرار منه على نفسه بإمامته وموت أبيه لا بأخبار أصحابه سلمنا له ذلك وصدقناه. وفرقة قالت: إن موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس، وإنه حي غائب، وإنه المهدي، وإنه في وقت غيبته استخلف على الأمر محمد بن بشير وجعله وصيه وأعطاه خاتمه وعلمه جميع ما تحتاج إليه رعيته، ولما توفي أوصى إلى ابنه سميع بن محمد بن بشير، ومن أوصى إليه سميع فهو الإمام المفترض الطاعة، وهكذا.. إلى وقت خروج الكاظم وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى الكاظم، وأن الكاظم أوصى إليه وإلى الرضا وأجازوها في أخوين، وجعله أبوه الوصي بعد علي بن موسى وكذا إبراهيم بن الكاظم الذي خرج باليمن ودعا الناس إلى بيعة محمد بن إبراهيم طباطبا، ثم دعا الناس إلى بيعة نفسه، وإبراهيم هذا من الذين أنكروا موت أبيه، حيث يروي القوم عن بكر بن صالح قال: قلت لإبراهيم بن أبي الحسن موسى بن جعفر: ما قولك في أبيك؟ قال: هو حي، قلت: فما قولك في أخيك أبي الحسن؟ قال: ثقة صدوق، قلت: فإنه يقول: إن أباك قد مضى؟ قال: هو أعلم وما يقول، فأعدت عليه فأعاد علي، قلت: فأوصى أبوك؟ قال: نعم، قلت: إلى من أوصى؟ قال: إلى خمسة منا وجعل علياً علينا، ([113]) .فأين النص على الأئمة الأثني عشر.
[4] افتراق الشيعة بعد وفاة الرضا: فرقة منهم كانت قد قطعت عليه وعلى موت أبيه، ولما توفي الرضا رجعوا إلى الوقف بعد موسى بن جعفر، وهذه الفرقة تسمى المؤلفة. وثانية تسمى: المحدثة، كانوا من أهل الإرجاء من أصحاب الحديث، فدخلوا في القول بإمامة موسى بن جعفر، وبعده بإمامة علي بن موسى، وصاروا شيعة رغبة في الدنيا وتصنعاً، فلما توفي علي بن موسى الرضا رجعوا إلى ما كانوا عليه. وفرقة كانت من الزيدية الأقوياء منهم والبصراء، فدخلوا في إمامة الرضا عندما أظهر المأمون فضله وعقد بيعته تصنعاً للدنيا واستكانوا الناس بذلك دهراً، فلما توفي الرضا رجعوا إلى قومهم من الزيدية. وفرقة ائتمت بأحمد بن موسى.. وهكذا ([114]) . [5] افتراق الشيعة بعد وفاة الجواد: نزل أصحابه الذين ثبتوا على إمامته إلى القول بإمامة ابنه ووصيه علي بن محمد، فلم يزالوا على ذلك سوى نفر يسير منهم عدلوا عنه إلى القول بإمامة أخيه موسى بن محمد، ثم لم يلبثوا على ذلك إلا قليلاً حتى رجعوا إلى إمامة علي بن محمد ورفضوا إمامة موسى بن محمد، فلم يزالوا كذلك حتى توفي علي بن محمد ([115]) . [6] افتراق الشيعة بعد الهادي: افترقت الشيعة بعد وفاة الهادي رحمه الله، فقالت فرقة من أصحابه بإمامة ابنه محمد، وقد كان توفي في حياة أبيه بسر من رأى، وزعموا أنه حي لم يمت، واعتلوا في ذلك بأن أباه أشار إليه وأعلمهم أنه الإمام من بعده -كما مرَّ بك- والإمام لا يجوز عليه الكذب ولا يجوز البداء فيه، فهو وإن كانت ظهرت وفاته لم يمت في الحقيقة، ولكن أباه خاف عليه فغيبه وهو القائم المهدي، وقالوا فيه بمثل مقالة إسماعيل بن جعفر، وقال سائر أصحاب علي بن محمد بإمامة الحسن بن علي وأثبتوا له الإمامة بوصية أبيه، وكان يكنى بأبي محمد، سوى نفر يسير قليل فإنهم مالوا إلى أخيه جعفر بن علي، وقالوا: أوصى إليه أبوه بعد مضي محمد وأوجب إمامته وأظهر أمره، وأنكروا إمامة محمد أخيه، وقالوا: إنما فعل ذلك أبوه اتقاء عليه ودفاعاً عنه، وكان الإمام في الحقيقة جعفر بن علي ([116]) . [7] افتراق الشيعة بعد وفاة العسكري: بعد وفاة العسكري المتوفى سنة (260) للهجرة، افترق أصحابه إلى فرق كثيرة جاوزت العشر، منها: فرقة قالت: إن الحسن بن علي حي لم يمت وإنما غاب، وهو القائم، ولا يجوز أن يموت، ولا ولد له ظاهراً؛ لأن الأرض لا تخلو من إمام. وفرقة قالت: إن العسكري مات وعاش بعد موته وهو القائم المهدي؛ لأنا روينا أن معنى القائم هو أن يقوم من بعد الموت ويقوم ولا ولد له ولو كان له ولد لصح موته ولا رجوع، لأن الإمامة كانت تثبت لخلفه، ولا أوصى إلى أحدٍ فلا شك أنه القائم، والحسن بن علي قد مات لا شك في موته ولا ولد له ولا خلف ولا أوصى إذ لا وصية له ولا وصي، وأنه قد عاش بعد الموت. وفرقة قالت: إن الحسن بن علي توفي، والإمام بعده أخوه جعفر، وإليه أوصى الحسن، ومنه قبل الإمامة وعنه صارت إليه. وفرقة قالت: إن الإمام بعد الحسن جعفر، وإن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخيه محمد ولا من قبل الحسن ولم يكن إماماً ولا الحسن أيضاً؛ لأن محمداً توفي في حياة أبيه، وتوفي الحسن ولا عقب له، وإنه كان مدعياً مبطلاً، والدليل على ذلك: أن الإمام لا يموت حتى يوصي ويكون له خلف، والحسن قد توفي ولا وصي له ولا ولد، فادعاؤه الإمامة باطل، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهراً معروفاً مشاراً إليه، ولا يجوز أيضاً أن تكون الإمامة في الحسن وجعفر؛ لقول أبي عبدالله وغيره من آبائه: إن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين، فدلنا ذلك على أن الإمامة لجعفر، وأنها صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخويه. وفرقة قالت: إن الإمامة في محمد بن علي المتوفى في حياة أبيه، وزعمت أن الحسن وجعفر ادعيا ما لم يكن لهما، وأن أباهما لم يشر إليهما بشيء من الوصية والإمامة، ولا روي عنه في ذلك شيء أصلاً، ولا نص عليهما بشيء يوجب إمامتهما ولا هما في موضع ذلك، وخاصة جعفر؛ فإن فيه خصالاً مذمومة وهو بها مشهور، ولا يجوز أن يكون مثلها في إمام عدل، وأما الحسن فقد توفي ولا عقب له، فعلمنا أن محمداً كان الإمام، وقد صحت الإشارة من أبيه إليه، والحسن قد توفي ولا عقب له، ولا يجوز أن يموت إمام بلا خلف. وفرقة قالت: إنه ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر، وإن الذين ادعوا له ولداً في حياته كاذبون في حياته مبطلون في دعواهم؛ لأن ذلك لو كان لم يخف كما لم يخف غيره ولكنه مضى ولم يعرف له ولد، ولا يجوز أن يكابر في مثل ذلك ويدفع العيان والمعقول والمتعارف، وقد كان الحبل فيما مضى قائماً ظاهراً ثابتاً عند السلطان وعند سائر الناس، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك حتى بطل بعد ذلك عند السلطان وخفي أمره، فقد ولد له ابنٌ بعد وفاته بثمانية أشهر، وقد كان أمر أن يسمى محمداً وأوصى بذلك وهو مستور لا يُرى، واعتلوا في تجويز ذلك وتصحيحه بخبرٍ يُروى عن أبي الحسن الرضا أنه قال: ستبلون بالجنين في بطن أمه والرضيع. وفرقة قالت: إنه لا ولد للحسن أصلاً، لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه فلم نجده، ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن وقد توفي ولا ولد له إن له ولداً خفياً لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف، ولجاز مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال: خلف ابناً نبياً رسولاً، وكذلك عبدالله بن جعفر بن محمد أنه خلف ابناً، وأن أبا الحسن الرضا خلَّف ثلاثة بنين غير أبي جعفر، أحدهم: الإمام؛ لأن مجيء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيء الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخلف ذكراً من صلبه ولا خلف عبدالله بن جعفر ابناً ولا كان للرضا أربعة بنين، فالولد قد بطل لا محالة. وفرقة قالت:إن الحسن بن علي قد صحت وفاة أبيه وجده وسائر آبائه، فكما صحت وفاته بالخبر الذي لا يكذب مثله، فكذلك صح أنه لا إمام بعد الحسن، وذلك جائز في العقول والتعارف كما جاز أن تنقطع الإمامة، وقد روي عن الصادقين أن الأرض لا تخلو من حجة إلا أن يغضب الله على أهل الأرض بمعاصيهم، فيرفع عنهم الحجة إلى وقت، والله عز وجل يفعل ما يشاء، وليس في قولنا هذا بطلان الإمامة، وهذا جائز أيضاً من وجه آخر، كما جاز ألا يكون قبل النبي صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين عيسى عليه السلام نبي ولا وصي. ولما روينا من الأخبار أنه كانت بين الأنبياء فترات، ورووا ثلاثمائة سنة، وروي مائتا سنة ليس فيها نبي ووصي، وقد قال الصادق: إن الفترة هي الزمان الذي لا يكون فيه رسول ولا إمام، والأرض اليوم بلا حجة إلا أن يشاء الله فيبعث القائم من آل محمد صلى الله عليه وسلم، وفرقة قالت: إن أبا جعفر محمد بن علي الميت في حياة أبيه كان الإمام بوصية من أبيه إليه وإشارته ودلالته ونصه على اسمه وَعَيْنِه، وفرقة قالت: لما سئلوا: هل الإمام جعفر أم غيره؟ لا ندري ما نقول في ذلك أهو من ولد الحسن أم من إخوته، فقد اشتبه علينا الأمر، إنا نقول: إن الحسن بن علي كان إماماً وقد توفي، وإن الأرض لا تخلو من حجة ونتوقف، ولا نقدم على شيء حتى يصح لنا الأمر ويتبين، وفرقة قالت: إن الحسن بن علي توفي وإنه كان الإمام بعد أبيه، وإن جعفر بن علي الإمام بعده كما كان موسى بن جعفر إماماً بعد عبد الله بن جعفر؛ للخبر الذي روي أن الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى، وإن الخبر الذي روي عن الصادق أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين صحيح لا يجوز غيره، وإنما ذلك إذا كان للماضي خلف من صلبه فإنها لا تخرج منه إلى أخيه بل تثبت في خلفه، وإذا توفي ولا خلف له رجعت إلى أخيه ضرورة؛ لأن هذا معنى الحديث عندهم، وكذلك قالوا في الحديث الذي روي أن الإمام لا يغسله إلا إمام وأن هذا عندهم صحيح لا يجوز غيره، وأقروا أن جعفر بن محمد غسله موسى، وادعوا أن عبدالله أمره بذلك؛ لأنه كان الإمام من بعده وإن جاز أن من يغسله موسى؛ لأنه إمام صامت في حضرة عبدالله. وهؤلاء الفطحية الخلص الذين يجيزون الإمامة في أخوين إذا لم يكن الأكبر منهما خلف ولداً، والإمام عندهم جعفر بن علي على هذا التأويل، وفرقة قالت: إن الإمام بعد الحسن ابنه محمد وهو المنتظر غير أنه مات وسيحيى ويقوم بالسيف فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وفرقة قالت: ليس القول كما قال هؤلاء كلهم؛ بل لله عز وجل في الأرض حجة، وإن للحسن بن علي ابناً سماه محمداً ودلَّ عليه وليس الأمر كما زعم من ادعى أنه توفي ولا خلف له، ومحمد هذا هو القائم، وإن له غيبتين: الصغرى منهما يوم توفي أبوه العسكري، والكبرى بدأت من وفاة أبي الحسين علي بن محمد السمري آخر السفراء الأربعة، ولا يعلم انتهاءها إلا الله عز وجل ([117]) . وهذه الفرقة الأخيرة هي الإمامية الاثنا عشرية، ولنا ان نتساءل: أليس الاختلاف الرهيب عقب موت كل امام يدل على عدم وجود النص الموهوم وإلا لما اختلفت الشيعة وكلهم يزعم الانتماء لعلي رضي الله عنه إلى قريب من ثلاثمائة مذهب كما ذكر ذلك النوبختي في كتابه فرق الشيعة.(تنبيه) هذا الملف مأخوذ بكامله من كتاب فرق الشيعة للنوبختي وهو شيعي فلن يكذب على الشيعة.
المبحث السادس مفاتيح الفهم الصحيح لمتشابهات المجسمة والممثلة والحشوية من القرآن
وقد اشتمل على تلك الموضوعات:
(1) ما هو المقصود ببدعة الحشو والتجسيم.
(2) من هم زعماء بدعة الحشو والتجسيم.
(3) سورة الإخلاص تقديس عن الجسمية ولوازم الجسمية.
(4) الآيات المتشابهات التي استدل بها الحشوية والمجسمة على مذهبهم الباطل.
(5) مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي استدل بها الحشوية والمجسمة.
(6) مفاتيح فهم الاحاديث المتشابهات التي استدل بها الحشوية والمجسمة.
(1) ما هو المقصود ببدعة الحشو والتجسيم
[المفتاح الأول]: (المجسمة) لقب يُطلَق على كل من يقول بأن الله جسم لا كالأجسام ويثبتون له لوازم الجسم من الحد والمقدار والصور والأشكال والأجزاء والأعضاء، ولتقيد بالمكان والزمان، والتغير والحدوث والحركة والسكون وغير ذلك من لوازم الأجسام، و(الحشوية) لقب أطلق على طائفة من المبتدعة الذين يقبلون نفس المعاني المنطوية على التجسيم، ويتبنونها وينشرونها، وإن كانوا يتحفظون في لفظ التجسيم، فلا يرضون به، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكنهم في الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينسبون بدعتهم إلى السلف الصالح، والسلف الصالح منهم براء، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، يصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فكأنهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنها، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهم أبعد المسلمين عن باب التنزيه والتقديس، وهم أسوء الفرق اعتقادا في ذات الله تعالى.
[المفتاح الثاني]: بدعة التجسيم: التجسيم هو الاعتقاد بأنّ الله تعالى جسم، وتنطبق عليه لوازم الجسم من قبول الأبعاد الثلاثة: الطول والعرض والحجم، ومن قبول الجهات الست، ومن قبول الكون في المكان وجريان الزمان ومن قبول الحد والمقدار، ومن قبول التركيب وقبول التكثر والانقسام، ومن قبول الأجزاء والابعاض ومن قبول الصور والاشكال والألوان ومن التأثر بالحوادث، ومن قبول الحركة والسكون والحلول والاتحاد والاتصال والانفصال، أما بدعة الحشو فتتثل في رفض لفظ (الجسم) وقبول لوازم الجسمية التي سبق ذكرها آنفا.
[المفتاح الثالث]: ما هي الجسمية وما هي لوازمها التي من قال بها صار مجسما او مشبها او ممثلا أو حشويا جاهلا: (الجسمية) نسبة إلى الجسم، و(الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره قال تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها والجسم يمينه غير يساره وأعلاه غير أسفله، و(الجسمية): دليل على النقص والعجز والقهر والخضوع والحدوث، فلا يصح أبدا نسبتها إلى الخالق الواحد القهار أما النقص فلأن كل جسم لابد وان يحكمه حد ينتهي إليه ومقدار مقدر عليه، فالجسم مقهور بالحد والنهاية، والنهاية نقص عن الكمال، وكل محدود مخلوق لانّ له إلها خالق حده بهذا الحد وخصه به وقدره على هذا المقدار الذي هو عليه، ومقهور عليه، فلا يقدر على غيره، و(الجسمية): دليل على العجز والقهر، لأنّ الجسم مقهور بالكون في مكان يحيط به المكان من كل جهة وإذا انتقل منه انتقل إلى مكان اخر أكبر منه وأوسع منه ويحيط به أيضا فليس يخرج الجسم عن قهر المكان واحاطة المكان، و(الأجسام): لا انفكاك لها عن قوانين المكان، يمينها يمين المكان ويسارها يسار المكان فهي مقهورة بالمكان، ولا يخرج عن احاطة المكان وقهر المكان إلا خالق المكان الذي هو بكل شيء محيط ، و(الأجسام) لا انفكاك لها عن جريان الزمان عليها وهي مقهورة بقوانين الزمان فلا تستطيع الاجسام العودة إلى الماضي ولا اختراق المستقبل فهي مقهورة بكونها في حاضرها الذي لا ينفك فيه عن جريان قوانين الزمان، و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة قبول الأجزاء والابعاض، فالجسم مركب من أجزاء، والمركب من أجزاء محتاج في وجوده إلى أجزائه وأبعاضه، والاحتياج نقص، فالنقص صفة الاجسام ولازم لها، ، و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة التقيد بالحركة والسكون، لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، فالحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان ثابت، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، قال شيخ المفسرين الإمامُ ابن جرير الطبري: (اجتمع الموحِّدُون من أهل القبلة وغيرهم على فساد وَصْفِ الله تعالى بالحركة والسكون) [التبصير في الدين، ص201]، و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة الحدوث وقبول الحادثات، فإن الجسم محدث لا محالة لكونه مركب من أجزاء وأبعاض، والمركبات محدثات تحتاج في وجودها إلى من أحدثها وركبها، وهي تقبل الزيادة والنقصان وبالتالي فهي تقبل في ذاتها الحوادث والمتغيرات، وصفات الله الأحدية والصمدية لمن فهمها تمنع من ذلك كله.
[المفتاح الرابع]: قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، هذه الآية، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بأنه السميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بأنه سميع بصير فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فثبت أن المراد بنفي المماثلة التامة من كل وجه إنما هو نفي المماثلة عن جناب الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يماثل الله تعالى في الذاتية، فتضمنت الآية نفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، وأن ذات الله تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقات، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها فهو منتف عن ذات الله تعالى، واخص هاهنا ما يتعلق بجناب الذات وليس الصفات، وإذا كانت كل المخلوقات متماثلة في الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، كل المخلوقات متماثلة في صفة الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
[المفتاح الخامس]: الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل:60] قال المفسرون أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية، وقوله تعالى {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [سورة البقرة: 22]، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل، ومن أعظم الدلائل على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: قوله تعالى {القدوس السلام} والقدوس عز وجل هو المنزه عن كل ما ينافي كماله سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله والقدوس هو المنزه عن النقائص والعيوب والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه القدوس سبحانه ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {هو الأول والأخر والظاهر والباطن}، (هو الأول والأخر) مع شرحه صلى الله عليه وسلم للآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) فهذا يقتضى أن يكون جناب الذات الإلهي منزها عن الجسمية لأن الجسم حادث مؤلف من أجزاء تسبق وجوده فلا يكون الجسم أولا بلا ابتداء أبدا، إذ لا بدل له من بداية، و (الظاهر والباطن) معنى الباطن الذي لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [سورة ق: 16] ولو كان تعالى جسما لما صح القول بأنه تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد إلا على سبيل الاتحاد والحلول بين الأجسام أو التنزيه عن الجسمية ولوازمها من التحيز والاتحاد والحلول، وقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب} ولو كان تعالى جسما لكان قربه حلولا واتحادا بمخلوقاته من سائر الأجسام حاشاه سبحانه من هذا الكفر ولا يبقى لنا سوى تنزيهه سبحانه عن الجسمية وهو الصحيح الذي لا مناص من اعتقاده، ومن أدلة التقديس عن الجسمية: أنّ الجسم هو ما يشتمل على الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق، وعند إضافة البعد الزماني إلى الأبعاد الثلاثة المكانية، يكون الجسم مقهورا بالمكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، وهو ملازم للتركيب لا مفر له عن التركيب، والمركّب محتاج إلى أجزائه، والمحتاج ممكن الوجود لا واجبه، والممكن لا يكون إلها خالقا مدبّرا تنتهي إليه سلسلة الموجودات، وبالتالي يتقدس الله عن الجسمية، ومن أدلة التقديس عن الجسمية كذلك: أنّ كل جسم محتاج إلى الحيّز والمحل، والمحتاج إلى غيره ممكن لا واجب، والممكن لا يكون إلها، لأنّ الإله واجب الوجود لذاته، فوجب تقديس الله تعالى عن الجسمية.
[المفتاح السادس]: من لوازم تقديس الله تعالى عن الجسمية تقديسه سبحانه عن الصور والاشكال لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: (جناب الذات الإلهي) مقدس عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، و(الصور) لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى , وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه , والله تعالى هو (المصور) خالق الصور {ليس كمثله شيء}، و(ذات الله تعالى) لا تسري عليها قوانين والمادة والأجسام، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، و (الصورة) تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، وسيأتي في فصل: حل الإشكالات المتعلقة بالصورة، تحقيق القول في حديث: (خلق الله آدم على صورته) والرد على شبه المجسمة المتعلقة به، وتحقيق القول في حديث: (فيأتيهم الله في صورته) والرد على شبه المجسمة المتعلقة به.
[المفتاح السابع]: من لوازم تقديس الله تعالى عن الجسمية تقديسه سبحانه عن الجوارح والأجزاء والأعضاء لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: فالله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1)، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال، ومن الأدلة النقلية المجملة على تنزيه الله تعالى عن الجوارح والأعضاء والأجزاء: (1) قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: (الله أحد) مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، (الله الصمد) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا (إليه) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، (ولم يكن له كفوا أحد) نفي للمثلية كقوله تعالى (ليس كمثله شيء) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، (2) وقوله تعالى: {والله الغنى وأنتم الفقراء} دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لما كان غنياً لأن كل جسم مر كب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، (3) وقوله تعالى: {لا إله إلا هو الحي القيوم} والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف، ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً، (4) وقوله تعالى {ليس كمثله شيء} ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح.
[المفتاح الثامن]: من لوازم تقديس الله تعالى عن الجسمية تقديسه سبحانه عن الأعراض والكيفيات الحسية، والمقصود بها: كل ما يقبل: الكم، أو الكيف، أو الشكل او الوصف أو الكون في الأماكن أو الخضوع للأزمان، أو التغير بالانفعال، ويدخل في ذلك: الأحجام والأشكال والاوزان والألوان والأصوات والطعوم والروائح وقبول الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والألم واللذة، وقبول الهيئات كالجلوس والاستقرار، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع، والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته، والندم والتردد على معنى التغير في ذاته، والله تعالى أزلي قديم الذات والصفات منزه عن التغير والحدوث ومنزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية، إنّ الصور والاشكال والاوصاف والأحجام والمقادير والأوزان والألوان والاصوات والملموسات كالخشونة والنعومة والطعوم والروائح والحرارة والبرودة واللذة والالم، بل وعامة المشاعر والاحاسيس وكل ما يفيد التغير والحدوث كالحركة والسكون والجلوس والقيام والذهاب والمجيء فكلها من خواص الاجسام والله تعالى منزّه عن الجسمانية ولوازمها واعراضها وكيفياتها، فالأعراض والكيفيات المحسوسة حادثة، والله تعالى أزلي قديم مقدس عن التغير والحدوث وقبول الحوادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للكيفيات الحسية لأنها آنذاك من المحدثات، والاعراض والكيفيات المحسوسة تستلزم الانفعال، والانفعال تغير وحدوث وضعف، والله تعالى صمد لا يقبل التغير والحدوث، وهو منزّه من الانفعال، إنّ الاعراض كلها والكيفيات المحسوسة إنما هي من خصائص الأجسام والله تعالى منزّه عن الجسمانية ولوازمها المحدثة.
(تنبيه): كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا ننفي ما جاء عن الله في الكتاب والسنّة ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول، وإنّ الأساس في هذا التقديس هو حجة إمام المتكلمين إبراهيم عليه السلام على قومه، ومن جوز الحركة والنقلة والحركة والتغير والحدوث فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130]،
***
(2) من هم الحشوية ومن هم زعماء بدعة الحشو والتجسيم
[المفتاح الاول]: تعريف الحشوية: الحشوية بتسكين الشين وفتحها: لقب أطلق قديما على طائفة من المبتدعة من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث الموضوعة والضعيفة المسرفة في التجسيم من غير نقد، ثم أخذوا بظاهر لفظها، ثم تحزبوا عليها، وامتحنوا الناس على أساسها، والفرق بينهم وبين المجسمة، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى، أمّا الحشوية، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم بقولهم ” بلا كيف “، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكنهم ي الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف (زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء)، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والله الهادي إلى سواء السبيل.
[المفتاح الثاني]: لماذا سماهم أهل العلم بالحشوية: (أ) لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة، في أبواب العقيدة وما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم والتشبيه والتمثيل ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف، (ب) لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية، وبكل ما يخالف صريح العقل، وهم أبعد الناس عن العقل، فالشيعة على بدعهم، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف، من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، (ت) لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات: لأنّهم أهل التناقض، فهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان، والملك والملكوت، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ويقولون ” لا يعقل ” وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات، (ث) لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء، أبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة.
[المفتاح الثالث]: أخطر مشاكل الحشوية عدم احترام التخصص العلمي لعلوم الإسلام: على مر عصور الإسلام ظهرت المدارس المتخصصة في كل فن وعلم من علوم الدين وانتسب إليها الآلاف من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، فظهر المتخصصون في علم القرآن والقراءات والتفسير وكافة علوم القرآن التي بلغ بها السيوطي ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه: الاتقان في علوم القرآن، وظهر المتخصصون في علم الحديث، علم المتن وعلم السند وعلم مصطلح الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل، وعلم شرح الحديث وبيان معناه، وغيرها من علوم الحديث وقد بلغ بها ابن الصلاح خمسة وستين نوعا من علوم الحديث في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن الصلاح، وظهر المتخصصون في الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام،ثم ظهرت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وانتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وبعد ظهور الأئمة الثلاث صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه، و مع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، ثم عندما اتسعت الفتوحات وبدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين.
[المفتاح الرابع]: تاريخ تسلسل ظهور الحشوية: إذا أردت أن تعرف تاريخ تسلسل ظهور الحشوية فلابد من مطالعة فتاوى الشيخ ابن تيمية لأنّهم سلفه الحقيقيون الذين استند إليهم في رسم صورة العقيدة التي تبناها في ذات الله تعالى، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث في جناب ذاته، وأنه يتجدد له العلم والسمع والبصر والكلام، وأنه يتأثر بالزمان وعليه يكون الزمان فاعلا في ذاته بحيث بتجدد له علم وسمع وبصر وانه يتحرك ويسكن قياسا على الأجسام كلما تجددت الوقائع والحوادث والمخلوقات وأنه يتكلم ويسكت قياسا على الآدميين وانه ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، وان لوازم النزول ممكنه كالحركة والسكون، وان له الوجه واليدين والعينين والقدم والساق صفات عين (ذات) بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف جناب الذات بالحد والنهاية، فوجدت أنّ سلفه في عقيدة الحشو والتجسيم بضع عشرة رجال أحدهم يجوز على الله أن يستوى على جناح بعوضة وابن تيمية لا يرى بأسا بهذا الهراء وعند التحقيق فإني أرى أن نسبة الولد إلى الله أهون من هذا الحمق والجسور على الله، فالبعوضة من أحقر الحشرات أيجوز عند أولي الألباب أن الإله جل جلاله يمكن أن يقعد على جناحها ثم تطير به فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
وبعض هؤلاء يصحح رواية الشاب الأمرد ويعتقدونها، وقصة الشاب الأمرد تتمثل فيما أورده الخلال في المنتخب من العلل وأبو يعلى الفراء في ابطال التأويلات ونقله عنه ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: (أن محمدًا رأى ربه في صورة شاب أمرد من دونه ستر من لؤلؤ)، وفي رواية أخرى (رأيت ربي جعدًا أمرد عليه حلة خضراء) ويزعم الخلال وأبو يعلى أنه حديث صحيح يجب اعتقاد معناه، واستفاض القاضي أبو يعلى في شرح الحديث وانه رؤية حقيقية وليست مناما وأن الله تعالى قد خص نبيه صلى الله عليه وسلم من دون الأنبياء ونقل ابن تيمية كلامه في ذلك كله دون أن يعقب عليه بإنكار أو رفض، بل صحح الحديث الذي استدل به أبو يعلى على طوامه، ([118]) .
هذا مع أنّ الحديث تالف لا تجوز روايته، وقد ضعَّفه ابن الجوزي في (العِلل المتناهية واستنكره الذهبي كما في (سير أعلام النبلاء: وقال السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى: “موضوع مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم”، والحدبث يمكن حمله على أنه رؤيا منامية ففي احدى رواياته: (رَأَيْتُ رَبِّي فِي المنام في صورة شاب مُوَقّرٍ فِي خَضِرٍ، عليه نَعْلانِ من ذهب، وَعَلَى وجهه فراش مِنْ ذهب)، وحتى هذه الرؤيا المنامية ضعفها واستنكرها جمعٌ من أهل العلم، منهم: الإمام أحمد في (المنتخب من العِلل لابن قدامة، ويحيى بن معين في (تاريخ بغداد للخطيب والنسائي في (العِلل المتناهية لابن الجوزي وابن حبان والسبكي في (طبقات الشافعية الكبري وابن حجر في (تهذيب التهذيب السيوطي في (اللآلئ المصنوعة وقال الذهبي في “ميزان الاعتدال” ” وهذه الرؤية رؤيا منام إن صحت” أهـ، ([119]) .
والمنام لا يبنى عليه أي اعتقاد، ويأبى القاضي إلا الإيمان به واعتقاد تفاصيله حتى صفة الجراد الذي من ذهب على حد قوله، ويزعم أن من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة – على حد قوله – !! فهو: (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد)، فهذا هو مبلغهم من علم التقديس فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
الشاهد: فإنّ هؤلاء الذين استقى منهم ابن تيمية معتقده في جناب الذات،: (الأول) هو مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) وهو الذي ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يدعم مذهبه في التجسيم والتشبيه.
(الثاني) هشام بن سالم (ت 183 هـ)، واتباعه السالمية الذين اثنى ابن تيمية على عقيدتهم، وهو الذي كان يعتقد في معبوده أنه على صورة إنسان: أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء.
(الثالث) محمد بن كرام السجزي المجسم (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه جسمٌ له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وأتباعه هم الكرامية المجسمة.
(الرابع) وهو ذي أضر به أيما ضرر وهو أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي: (ت 282 هــ) وهو الذي زعم أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وأن الله حي ودليل حياته الحركة والانتقال وأن الفرق بين الحي والميت هو الحركة.
(الخامس) ابن أبي عاصم (ت 287 هــ) وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه (السنة) من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، يقصد بعض الرحمن، وكأن سورة الإخلاص لم تبلغه وفيها الأحد تقديس عن الأبعاض والأجزاء، ومنها أن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش.
(السادس) كتاب السنّة لعبد الله بن الإمام أحمد (ت 290 هــ) هذا إن صحت نسبة كتاب السنّة إليه وهذا فيه شك كبير، لأنّ فيه أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، وأبوه الإمام أحمد كان يجل الإمام أبي حنيفة أيما إجلال، بل في بعضها تكفيره، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع.
(السابع) الخلال (ت 311 هــ): كان يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق كافر، وهو صاحب عقيدة جلوس الرحمن على العرش، وعقيدة الشاب الأمرد، (الثامن) ابن خزيمة (ت 311 هــ) صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، باب الوجه باب العين باب اليد باب الساق، ومما فيه من السب لله ونسبة المحال إلى الله، أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو.
(التاسع) البربهاري، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه معه على العرش، وأن من أنكر القعود فهو جهمي كافر.
(العاشر) ابن بطة (ت 387 هــ) الوضاع لكذاب المتهم بوضع الأحاديث وسرقة الكتب وكتابه الإبانة يعد موسوعة في عقيدة الحشو وهو من أوائل من تولى إثم نبذ الأشاعرة بالتجهم وكتابه مبني على التكفير للمخالفين له، أثبت لله صفات الضحك والتعجب وأنه على العرش بذاته وأنه خلق آدم على صورته، وأكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات وتكفير المعارضين له.
(الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر) ثلاثي الإفك الذين أدخلوا الحشو على مذهب الإمام أحمد وهو منه بريء، جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، فأما (ابن حامد الورّاق) فهو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي الورّاق المتوفى (سنة 403 هجرية) له مصنفات وفيها طامات وقد أوردها الإمام ابن الجوزي ورد عليها في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، واما (القاضي أبو يعلى) فهو محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي (المتوفى سنة 458 هجرية)، وقد ألف كتابا سماه إبطال التأويلات وهو كتاب بدعي، وهذا غير مؤلفاته الأخرى له والتي فيها التجسيم والبدع، واما الثالث فهو (ابن الزاغوني) وهو أبو الحسن على بن الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527 هجرية، وهؤلاء أثبتوا لله صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وهؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة وإلى يومنا هذا إذ جروهم إلى بدعة الحشو جرا ودفعوهم إلى التجسيم دفعا وقد تأثر بهم كثير ممن جاء بعدهم كالحافظ عبد الغني المقدسي والشيخ ابن قدامة صاحب المغني وابن تيمية وتلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي والذهبي وغيرهم، وسيأتي ذكر بعض طوامهم وسبهم لله بنسبة المحال إلى جناب ذاته.
(الرابع عشر) الهروي (ت 481 هـ): له كتاب الأربعين في دلائل التوحيد: وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، أضف إلى وقيعته في السادة الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان يحكي تكفيرهم، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث، فهؤلاء جميعا هم سلف ابن تيمية (ت 728 هــ) الذين يريد منا ان نتخذهم سلف لنا، نسأل الله السلامة من البدعة والضلال ونسبة المحال إلى الرحمن.
[المفتاح الخامس]: مقاتل بن سليمان ودوره في نشر بدعة الحشو: لقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، لا يأبه بها أحد حتى ظهر مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) حيث ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه، أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أحمد بن سيار أنه قال: (مقاتل متروك الحديث كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه) ([120]) .
وأخرج بسنده عن الإمام أحمد أنه قال: مقاتل بن سليمان كانت له كتب ينظر فيها ([121]) .
وقال ابن حبان: (كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث) ([122]) .
فهو الذي تبنى التشبيه والتجسيم، ونقل أقاصيص الأحبار والرهبان، وكان هو و جهم بن صفوان في مسألة التنزيه والتشبيه على طرفي نقيض، فالأول غلا في التنزيه حتى عطّل، ومقاتل غلا في الاثبات حتى شبّه، قال أبو حنيفة: (أفرط جهم في نفي التشبيه، حتّى قال إنّه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل في الاثبات حتّى جعله مثل خلقه)، قال عنه وكيع: (كان كذّاباً) أهـ، وقد مُلئت كتب التفاسير بأقوال مقاتل وآرائه، وأصبح التجسيم والتشبيه بعد هذا المفسر الضال المبتدع مدرسة سيئة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده من جهلاء المفسرين والمحدثين، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية، قال الإمام الأشعري: (حكي عن أصحاب مقاتل أن الله جسم وأن له جثةً وأنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت وهو مع ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره) ([123]) .
وحكى عنه الشهرستاني أنه قال قد ورد في الخبر أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فلا بد من تصديقه (الملل والنحل) ومن مرويات مقاتل في التجسيم ما أخرجه الذهبي بسنده عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين حبيب الله؟ فيتخطى صفوف الملائكة حتى يصير إلى العرش حتى يجلسه معه على العرش حتى يمس ركبته) ([124]).
وبعد مقاتل ظهر الهشامان: هشام بن الحكم (ت 179ه)، و هشام بن سالم (ت 183 هـ)، وكلاهما مجسم، واتباع الأول هم الهشامية، يحكي الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين أن الهشامية – أصحاب هشام بن الحكم – يذهبون إلى أن الله جسم وله نهاية وحد، وأنه طويل وعريض وعميق، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، وقرروا أنه نور ساطع، وأنه في مكان دون مكان، وهو نفسه لون، وذهبوا إلى أن الله قد كان لا في مكان، ثم حدث المكان بأن تحرك فحدث المكان بحركته، وكان فيه) أهــ،([125]).
وقال الشهرستاني في الملل والنحل: (حكى ابن الرواندي عن هشام أنه قال: إن بين معبوده وبين الأجسام تشابهاً ما بوجه من الوجوه ولولا ذلك لما دلت عليه، وحكى الكعبي عنه أنه قال: هو جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار ولكن لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء، ونقل عنه أنه قال: هو: سبعة أشبار بشبر نفسه وأنه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة وأنه يتحرك وحركته فعله وليست من مكان إلى مكان، وقال: هو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وحكى عنه أبو عيسى الوراق أنه قال: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء عن العرش ولا يفضل من العرش شيء عنه) انتهى من الملل والنحل، واتباع الثاني هم السالمية، قال الشهرستاني في كتابه الملل والنحل” (وقال هشام بن سالم إنه تعالى على صورة إنسان: أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء: هي نور أسود لكنه ليس بلحم ولا دم،) انتهى، ([126]).
ومذهب السالمية أتباع هشام بن سالم الجواليقي، أنهم يقولون: إن كلام الله معانٍ وألفاظ وحروف وأصوات قائمة بذات الرب لم تزل ولا تزال، كلام الرب حروف وأصوات، لكن حروف وكلمات الرب لا يسبق بعضها بعضاً، بل هي مقترنة، فمثلاً: بسم الله الرحمن الرحيم: لا يقولون: إن السين بعد الباء والميم بعد السين، بل يقولون: الحروف مقترنة دفعة واحدة يتكلم الرب سبحانه بها دفعة واحدة، فالباء مع السين مع الميم، لكن بالنسبة لسمع الإنسان يسمعها متعاقبة مرتبة، لكن الرب تكلم بها دفعة واحدة، ولهذا تسمى هذه الطائفة بالاقترانية، لأنهم يقولون الحروف مقترنة ليست متعاقبة.
[المفتاح السادس]: ظهور الكرامية وبدعة التجسيم: الكرامية هم أتباع محمد بن كرام السجزي المجسم (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه – سبحانه -جسمٌ له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وأتباعه هم الكرامية المجسمة، وقد تمكنوا بتدثرهم بلباس الزهد أن يسربوا بدعهم إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية، يقول ابن السبكي: (وكان من خبر ابن كرام هذا وهو شيخ سجستاني مجسم أنه سمع يسيراً من الحديث ونشأ بسجستان ثم دخل خراسان وعاد إلى نيسابور وباح بالتجسيم، وكان من إظهار التنسك والتأله والتعبد والتقشف على جانب عظيم فافترق الناس فيه على قولين، منهم المعتقد ومنهم المنتقد، وأثنى عليه فيما بلغني ابن خزيمة واجتمع به غير مرة) أهــ([127]).
وقال تفي الدين الحصني: (، وسمع الحديث الكثير وأظهر التقشف، واتخذ قطعة فرو يجلس عليها ويحفظ ويحدث ويتخشع حتى أخذ بقلوب العوام والضعفاء من الطلبة لوعظه وزهده، حتى حصر من تبعه من الناس فإذا هم سبعون ألفاً،) ([128]).
ولم تمت الكرامية بموت مؤسسها بل تهذبت مقالته في التجسيم وزُيفت حتى كثر أتباعها، ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الذين قاموا بمذهبه إسحاق بن محمشاد الذي صنف في فضائل ابن كرام، يقول ابن حجر (إسحاق بن محمشاد روى عن أبي الفضل التميمي حديثاً هو وضعه بقلة حياء منه: “يجيء في آخر الزمان رجل يقال له ابن كرام تحيا السنّة به”، فانظر إلى المادح والممدوح وسند حديثة مجاهيل)، ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الشاعر أبو الفتح علي بن محمد البستي (ت 402هـ) الذي اتصل بالملك ناصر الدولة سبكتكين وعمل في خدمته فقربه منه حتى تأثر ملك آل سبكتكين بالكرامية فنصروا المذهب وقسوا على مخالفيه، ومن أتباع ابن كرام أبو عبد الله محمد بن الهيصم الذي اجتهد في إرمام مقالة ابن كرام حتى ردها من المحال الفاحش إلى نوع يُفهم بين العقلاء، فمن ذلك أنه عدل بإثبات الجسم إلى معنى زعم أنه المراد وهو القائم بالذات، وهذا هو الرأي الذي مال إليه ابن تيمية، ومنه أيضاً أنه زعم أن الفوقية بمعنى العلو مع إثبات البينونة غير المتناهية بينه وبين خلقه([129]). وقال الشهرستاني: (قد تخطى بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية فقال أعني بها القيام بالنفس، وذلك تلبيس على العقلاء … وإلا فمذهب أستاذهم مع كونه محلاً للحوادث، مستوياً على العرش استقراراً مختصة بجهة فوق مكاناً واستعلاءً فليس ينجيه من هذه المخازي تزويراتُ ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القيام بالنفس، وإنما هو إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح، وكيف يستوي الظل والعود أعوج وكيف استوى المذهب وصاحب المقال أهوج) ([130]). وقال النيسابوري في كتابه الغُنية في أصول الدين: (والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافًا للكرامية والحشوية والمشبهة الذين قالوا إن لله جهة فوق، وأطلق بعضهم القول بأنه جالس على العرش مستقر عليه، تعالى الله عن قولهم، والدليل على أنه مستغن عن المحل أنه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديمًا لأنه قديم، أو يكون حادثًا كما أن المحل حادث، وكلاهما كفر، والدليل عليه أنه لو كان على العرش على ما زعموا، لكان لا يخلو إما أن يكون مِثْل العرش أو أصغر منه أو أكبر، وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد والنهاية وهو كفر، والدليل عليه أنه لو كان في جهة وقدرنا شخصًا أعطاه الله تعالى قوة عظيمة واشتغل بقطع المسافة والصعود إلى فوق لا يخلو إما أن يصل إليه وقتًا ما أو لا يصل إليه، فإن قالوا لا يصل إليه فهو قول بنفي الصانع لأن كل موجودين بينهما مسافة معلومة، وأحدهما لا يزال يقطع تلك المسافة ولا يصل إليه يدل على أنه ليس بموجود، فإن قالوا يجوز أن يصل إليه ويحاذيه فيجوز أن يماسه أيضًا، ويلزم من ذلك كفران: أحدهما: قدم العالم، لأنا نستدل على حدوث العالم بالافتراق والاجتماع، والثاني: اثبات الولد والزوجة) أهـ([131]).
[المفتاح السابع]: أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي ودوره في نشر بدعة الحشو: أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي: (ت 282 هــ) وهو، وهو غير الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي التميمي السمرقندي صاحب كتاب “سنن الدارمي” (المتوفى سنة 255 هــ) رحمه الله، فالحذر من الخلط بين الاثنين، وأبو سعيد الدارمي السجزي الجأهل بعلم التقديس والتنزيه، له كتابان: (الأول): كتاب الرد على الجهمية، و(الثاني) كتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد، أما كتاب الرد على الجهمية، فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، أما كتابه الآخر: نقض عثمان بن سعيد على المريسي: زاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، ومن مخازيه أنه يقول أن الله تعالى مستقر على العرس ولو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به وأن العرش يقل – أي يحمل – الرحمن، والله حي ودليل على حياته الحركة والانتقال فهناك فرق بين الحي والميت هي الحركة، قال في كتابه ” الرد على بشر المريسي” ص 20 ما نصه: “الحي القيوم.. يتحرك إذا شاء، وينزل ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط إذا شاء، ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن امارة ما بين الحي والميت التحرك، كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة” اهـ،([132]). فهذا هو مبلغ السجزي من علم التقديس، يقيس الله تعالى بخلقة وبهذا الكون، وكأن ما يجري على هذا الكون من أمور يجري على الله والعياذ بالله تعالى، حتى قال الإمام الحافظ محمد زاهد بن حسن الكوثري رحمه الله وهو يرد على كلام الدارمي المجسم: (فإذا معبود هذا الخاسر يقوم ويمشي ويتحرك، ولعل هذا الاعتقاد ورثه هذا السجزي من جيرانه عباد البقر، ومن اعتقد ذلك في إله العالمين يكون كافرًا باتفاق، فياويح من يقتدي بمثله في الصلاة أو يناكحه، فماذا تكون حال من يترضى هذا الكتاب أو يوصي به أشد الوصية أو يطبعه للدعوة إلى ما فية؟ وهذا توحيدكم الذي إليه تدعون الناس) اهـ، ويقول السجزي هذا في كتابة ما نصه: ” ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض، فكيف تنكر أيها النفاج أن عرشه يقلّه،”اهـ، ([133]).
قال الإمام الكوثري: ” هذا كلامه في الله سبحانه كأن جواز استقرار معبوده على ظهر بعوضة أمر مفروغ منه مقبول، فيستدل بذلك على جواز استقراره تعالى على العرش الذي هو أوسع من ظهر البعوضة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ولا أدري أحدًا من البشر نطق بمثل هذا الهذر قبل هذا السجزي والحراني المؤتم به وأشياعهما” اهـ، وللأسف ابن تيمية ينقل كلام الدارمي السجزي في كتابه ” تلبيس الجهمية” مؤيدا له،([134]).
فهل هذه هي عقيدة السلف الصالح أهل القرون المفضلة الأولى؟!!
[المفتاح الثامن]: كتاب السنّة لابن أبي عاصم ودوره في نشر بدعة الحشو: أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم (ت 287 هــ): له كتاب (السنة) وكان الأولى أن يسميه كتاب (الحشو) وكان ابن ابي عاصم ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك من مفردات الحشو والتجسيم والبعد كل البعد عن التقديس والتنزيه ومعاني الأحدية والصمدية ونفي المثلية.
[المفتاح التاسع]: كتاب السنّة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد(ت 290 هــ) ودوره في نشر بدعة الحشو: قلت: المنسوب لأنّ الغالب بل اليقين عندي أنّه لا تصح نسبته إليه، لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه، ولكونه اشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، بل في بعضها تكفيره، وأنه أُخِذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من الكفر أكثر من مرة، وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير، وفيه نقلٌ عن الإمام مالك أنه ذكره بسوء، وقال: كاد الدين ومن كاد الدين فليس من الدين وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها الأبدان، وقد كان أبوه الإمام أحمد يُجل الإمام أبي حنيفة وتتلمذ على تلامذته كمحمد بن الحسن الشيباني، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك من الحشو الذي يؤول بصاحبه إلى التجسيم، ومما اشتمل عليه في حق الإمام أحمد أنه نقل عنه تصحيح الأخبار التي تثبت جلوسَه عز وجل على العرش وحصولَ الأطيط من هذا الجلوس، وأنه واضع رجليه على الكرسي وأن الكرسي موضع قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع، ويعلم المحققون أنّ هذه الأخبار مكذوبة على الإمام أحمد وابنه عبد الله، بل الكتاب كله مكذوب عليه، فإن كان هو واضعه فالله حسيبه، والحق أحق أن يُتبع، والكتاب عند المتخصصين في العقيدة لا يمثل سوى طائفة الحشوية وحسب.
[المفتاح العاشر]: كتاب الخلال ودوره في نشر بدعة الحشو: أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي المشهور بالخلال (ت 311 هــ): صاحب عقيدة جلوس الرحمن – عز وجل – على العرش، وكان يعتمد على الموضوعات والواهيات والإسرائيليات في العقائد فجاء بالغرائب صنّف كتابًا سماه كتاب ” السنة” وما أحراه أن يسميه بكتاب البدعة الذي يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق فهذا معنى الاستواء عنده أو المقام المحمود!! العياذ بالله، !! وقد أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام، وفيه أيضاً الكذب على الإمام أحمد وأنه تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو، والكتاب تقرير لعقائد أهل الحشو لا أهل السنّة، والخلال يقول من رد حديث (يقعده على العرش) فهو جهمي ومن رد حديث يقعده على العرش فقد كفر، اعتقاد الجسمية والتكفبر لمن يخالف تلك الوثنية، مع أن الذهبي يقول عن حديث القعود هذا حديث واه والالباني يقول حديث منكر، يكفر المسلمين بحديث منكر واه يخالف الأحدية والصمدية ويجسم الخالق ويحدده فإما ان نعتقد الكفر الموجود في حديث القعود فنكفر عن علم، وإما أن يكفرنا الخصم إن نحن أنكرناه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[المفتاح الحادي عشر]: كتاب التوحيد لابن خزيمة ودوره في نشر بدعة الحشو: الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت 311 هــ): تأثر – على علمه بالحديث وجلالة قدره فيه – بابن كرام المجسم، صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، ولكنه تاب عنه وندم فقد أخرج البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه قال: (ما لأبي بكر والكلام؟ إنما الأولى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نتعلمه.. ثم قال البيهقي: والقصة فيه طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال والله أعلم ” ([135]).
واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه لا يحسن الكلام فقد نقل البيهقي عنه أنه قال: (ما تنكرون على فقيه راوي حديث لا يحسن الكلام ” أهـ([136]).
وكتاب التوحيد هذا أخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو.
[المفتاح الثاني عشر]: البربهاري ودوره في نشر بدعة الحشو: الحسن بن علي بن خلف البربهاري، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه معه على العرش وأنّ هذا هو المقام المحمود، مستدلا بحديث منكر لا يصلح لإثبات حكم في الاستنجاء، وكان يختبر الناس بهذه العقيدة فيكفر من نفى هذا الخبر ويتهمه بالتجهم والزندقة وله فتنة كبيرة عظمت في بغداد في زمانه بسبب هذه العقيدة الوثنية المتلقاه من عقيدة النصارى في أنّ الأب يجلس ابنه عيسى إلى جانبه على كرسيه تعالى الله عن أباطيلهم علوا كبيرا، يقول ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ: (ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكسبون من دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشى الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو، فأخبرهم، وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداد، فركب بدر الخرشني، وهو صاحب الشرطة، عاشر جمادى الآخرة ونادى في جانبي بغداد، في أصحاب أبي محمد البربهاري الحنابلة، ألا يجتمع منهم اثنان ولا يتناظروا في مذهبهم، ولا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشاءين، فلم يفد فيهم، وزاد شرهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد، وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيهم، حتى يكاد يموت، فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم، ويوبخهم باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه تارة أنكم تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، ثم طعنكم على خيار الأئمة، ونسبتكم شيعة آل محمد – صلى الله عليه وسلم – (إلى الكفر والضلال، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة، وتشنيعكم على زوارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف ولا نسب، ولا سبب برسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتأمرون بزيارته، وتدعون له معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، فلعن الله شيطانا زين لكم هذه المنكرات، وما أغواه، وأمير المؤمنين يقسم بالله قسما جهدا إليه يلزمه الوفاء به لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم ضربا وتشريدا، وقتلا وتبديدا، وليستعملن السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالكم) انتهى([137]).
[المفتاح الثالث عشر]: الحشوية ينسبون كتاب الصفات للإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الدَّارَقُطْنِيّ (ت 385 هــ): وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه، وإنما يصلح أن يكون من صنيع من رواه عنه، فلا تصح نسبته إلى الدارقطني كما نبه عليه الكوثري في تبديد الظلام المخيم، ([138]). لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) قال الذهبي في ترجمته في [ميزان الإعتدال : (أقر بوضع حديث وتاب وأناب)، ([139]). ولا يخفى أن هذه التوبة لا تعني قبول روايته لأمرين (الأول): أن من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت طريقته، حكاه السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين ([140]). (الثاني): أنه حتى على مذهب من يقبل توبته لا يلزم قبولُ روايته لأنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده، نقل ابن حجر في ترجمته أنه كان كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال ([141]). ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري قال الذهبي في ترجمته: (شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي، وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال – فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل) ([142]). وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن.
[المفتاح الرابع عشر]: ابن بطة ودوره في نشر بدعة الحشو: عبيد الله بن محمد أبو عبد الله العُكبري، المعروف بـ ابن بطة العُكْبَرِيّ: (ت 387 هــ): وهو أحد المتهمين بالوضع وحكِّ الكتبِ وهو الذي ألف كتابه الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، ونال رضا نعسان معطي شهادة الماجستير على تحقيقه وقال: (كتاب الإبانة لابن بطة يعد أكبر موسوعة في العقيدة السلفية، هذا الكتاب يمثل مذهب الإمام أحمد بن حنبل،) وحاشا لمذهب إمام أهل الأثر أن يمثله متهم بالوضع والتصرف في الكتب، أما ابن بطة فقد عُرف صنيعه في ترقيع الأسانيد والتصرف في بعض الكتب بالحك والزيادة والكذب في دعوى السماع عن قوم لم يسمع منهم، كما أشار إليه الخطيب البغدادي في ترجمته وحكم بوضعه أحد الأحاديث [وذلك لأن الدارقطني حكم بانقطاع رواية حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجي فقال هذا محال، وكان ابن بطة قد خرج تلك الأحاديث في تصانيفه فتتبعها وضرب على أكثرها وبقي بقيتها على حاله،حدثني أحمد بن الحسن بن خيرون قال رأيت كتاب ابن بطة بمعجم البغوي في نسخة كانت لغيره وقد حكك اسم صاحبها وكتب اسمه عليها، قلت وكذلك ادعى سماع كتب أبي محمد بن قتيبة ورواها عن شيخ سماه أبا مريم وزعم أنه دينوري حدثه عن بن قتيبة وابن أبي مريم هذا لم برو عنه أحد من أهل العلم ولا ذكره سوى بن بطة والله أعلم، حدثني عبد الواحد بن علي الأسدي قال قال لي محمد بن أبي الفوارس روى ابن بطة عن البغوي عن مصعب بن عبد الله عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام قال طلب العلم فريضة على كل مسلم قلت وهذا الحديث باطل من حديث مالك ومن حديث مصعب عنه ومن حديث البغوي عن مصعب وهو موضوع بهذا الإسناد والحمل فيه علىابن بطة والله أعلم) ([143]).
وقال الإمام الكوثري في تكملة السيف الصقيل: (وابن بطة صاحب “الإبانة” فضح نفسه بأن يزيد في رواية حديث موسى عليه السلام (من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة؟) ليجعل كلام الله من قبيل كلام الخلق فجمع بين الاختلاق وسوء المعتقد، وابن بطة هذا من أئمة الناظم، ولست في صدد استقصاء أهل الكذب والزيغ من أئمته، نسأل الله المعافاة) أهـ، وكتابه الإبانة كله مبني على الحشو والغلو في التكفير، ومن ذلك: بيان كفر طائفة من الجهمية زعموا أن القرآن ليس في صدور الرجال باب بيان كفرهم وضلالهم وخروجهم عن الملة وإباحة قتلهم، باب الإيمان بأن الله عز وجل يضحك، باب الإيمان بالتعجب وقالت الجهمية: إن الله لا يعجب، باب الإيمان بأن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه، باب الإيمان بأن الله عز وجل خلق آدم على صورته، باب التصديق والإيمان بما روي أن الله يضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، باب الإيمان بما روي أن الله عز وجل يقبض الأرض بيده، ويطوي السماوات بيمينه، باب الإيمان بأن لله عز وجل يدين، وكلتا يديه يمينان –باب الإيمان بأن الله عز وجل خلق آدم بيده، وجنة عدن بيده، وهكذا أكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات تعالى وتقدس.
[المفتاح الخامس عشر]: مُحمد بن إسحاق بن منده العبدي الأصبهاني (ت 395 هـــ): له كتاب التوحيد وله أيضا كتاب الرد على الجهمية، وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه، وعزاه إلى البخاري ومسلم، مع أنه ليس في أحدهما، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من أخبار أهل الحشو لا أهل التخصص
والعلم بالعقيدة.
[المفتاح السادس عشر]: حشوية الحنابلة في القرن الخامس ودورهم في نشر بدعة الحشو: حشوية الحنابلة، وهم ثلاثة جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، فأما (ابن حامد الورّاق) فهو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي الورّاق المتوفى (سنة 403 هجرية) له مصنفات وفيها طامات وقد أوردها الإمام ابن الجوزي ورد عليها في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، واما (القاضي أبو يعلى) فهو محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي (المتوفى سنة 458 هجرية)، وهذا القاضي هو غير الإمام أبو يعلى الموصلي صاحب المسند المشهور، فاين الثرى من الثريا، قال الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه ” العواصم من القواصم” “أخبرني من أثق به من مشيختي أن القاضي أبا يعلى الحنبلي كان إذا ذُكِرَ الله سبحانه يقول فيما ورد من هذه الظواهر في صفاته تعالى: ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة ” اهـ،([144]). فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الإمام ابن الأثير في كتابه ” الكامل في التاريخ“: (وفيها أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله سبحانه وتعالى المشعرة بأنه يعتقد التجسيم، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد بجامع المنصور، وتكلم في ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا” اهـ، وفي نفس الكتاب يقول ابن الأثير ما نصه عند ذكر السنّة التي توفى فيها ذلك المجسم: ” لقد خري أبو يعلى على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء ” اهـ،([145]).
وسبب ذلك لأنه ألف كتابا سماه إبطال التأويلات وهو كتاب بدعي، وهذا غير مؤلفاته الأخرى له والتي فيها التجسيم والبدع، واما الثالث فهو (ابن الزاغوني) وهو أبو الحسن على بن عبيد الله بن نصر الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527 هجرية، وهذا من مشايخ الإمام ابن الجوزي، والإمام ابن الجوزي رد عليه كذلك وأبطل عقيدته وأنها ليست عقيدة الإمام ابن حنبل رحمه الله في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه”، قال الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي التيمي القرشي في مقدمة كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه: ((ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي، وابن الزاغوني ” فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم علي صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا وجهة هي السبحات ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم ويتنفس، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات وهي تسمية مبتدعة لادليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم بلتفتوا إلى النصوص الصارمة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا لا نحملها علي توجيه اللغة مثل يد علي نعمة وقدرة ومجيء وإتيان علي معني بر ولطف، وساق علي شدة، بل قالوا نحملها علي ظواهرها، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يجعل علي حقيقته إذا أمكن، وهم يتجرحون من التشبيه ويأنفون من اضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، وكلا منهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: ” كيف أقول ما لم يقل ” فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه، ثم قلت في الأحاديث، تحمل علي ظاهرها، وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم ومن قال: استوي بذاته فقد أجراه مجري الحسيات، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنه به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم أحد، إنما حملكم إياها علي الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل الى يوم القيامة .
[فصل] قلت: وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه: (أحدها): أنهم سموا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات، وليس كل مضاف صفة، فإنه قال سبحانه وتعالى: {ونفخت فيه من روحي} وليس لله صفة تسمي روحا، فقد ابتدع من سمي المضاف صفة، (الثاني): أنهم قالوا: إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، ثم قالوا: نحملها علي ظواهرها، فواعجبا ما لا يعلمه إلا الله أي ظاهر له،؟ فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال، (الثالث): أنهم أثبتوا لله تعالى صفات، وصفات الحق لا تثبت إلا بما يثبت به الذات من الأدلة القطعية، وقال ابن حامد من رد ما يتعلق به بالأخبار الثابتة فهل يكفر؟ علي وجهين، وقال: غالب أصحابنا علي تكفير من خالف الأخبار في الساق والقدم والأصابع والكف ونظائر ذلك وأن كانت أخبار آحاد لأنها عندنا توجب العلم، قلت: هذا قول ما لا يفهم الفقه ولا العقل، (الرابع): أنهم لم يفرقوا في الأحاديث بين خبر مشهور في قوله ((ينزل إلى السماء الدنيا)) وبين حديث لا يصح كقوله ” رأيت ربي في أحسن صورة ” بل أثبتوا هذا صفة وهذا صفة، (الخامس): أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين حديث موقوف علي صحابي أو تابعي فأثبتوا بهذا ما أثبتوا هذا، (السادس): أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع ولم يتأولوها في آخر كقوله ((ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)) قالوا هذا ضرب مثل الأنعام، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال:” إذا كان يوم القيامة جاء الله يمشي ” فقالوا نحمله علي ظاهره فواعجبا من تأول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز، (السابع): أنهم حملوا الأحاديث علي مقتضى الحس فقالوا: ينزل بذاته وينتقل ويتحرك، ثم قالوا: لاكما يعقل، فغالطوا من يسمع فكابروا الحس والعقل فحملوا الأحاديث علي الحسيات، فرأيت الرد عليهم لازما لئلا ينسب الإمام إلى ذلك، وإذا سكتُ نُسبت إلى اعتقاد ذلك، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس، لأن العمل علي الدليل، وخصوصا في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد) انتهى من الباز الأشهب،[قلت]: هؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة وإلى يومنا هذا إذ جروهم إلى بدعة الحشو جرا ودفعوهم إلى التجسيم دفعا وقد تأثر بهم كثير ممن جاء بعدهم كالحافظ عبد الغني المقدسي والشيخ ابن قدامة صاحب المغني وابن تيمية وتلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي والذهبي وغيرهم، وهؤلاء وإن كانوا أعلاما في بعض أبواب العلم إلا أنهم مساكين في أبواب علم أصول الدين عامه كباب الأسماء والأحكام (مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك و السنّة والبدعة) وأشد جهلاً في علوم التنزيه مسلوبي العقل والعرفان عند الحديث على صفات الله يتهافتون على الحشو والتجسيم كما يتهافت الفراش على النار وكم تفطن إلى ذلك بن الجوزي الحنبلي حيث قال فيهم ” فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس، وهم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، وكلا منهم صريح في التشبيه.. ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم.. وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل الى يوم القيامة ” فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين، وأما كتابه ابطال التأويلات ففيه طامات: أهونها أنه أثبت (قعود النبي صلى الله عليه وسلم على العرش مع الله) !! وأن هذا هو المقام المحمود الذي وعده به ربه، وأن من لم يؤمن بذلك فهو من الفرق الهالكة، وذكر في ذلك روايات، و كل تلك الروايات موضوعة، ثم قال أبو يعلى الفراء معتمدا على الروايات الموضوعة: ((فلزمنا الإنكار على من رد هذه الفضيلة التي قالتها العلماء وتلقوها بالقبول، فمن ردها فهو من الفرق الهالكة)) اهـ،([146]).
بل ونقل أبو يعلى عن بعضهم تكفير منكر ذلك !!، ، وأثبت (الاستلقاء والاتكاء والقعود، ورفع إحدى الرجلين على الأخرى) !! وذكر في ذلك رواية موضوعة: ((إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: إنها لا تصلح لبشر)) ([147]).
وذكر عن كعب الأحبار أنه قال لمن سأله أين ربنا: ((هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى)) اهـ !!، وقد أثبت أبو يعلى بهذا وذاك وغيره من الباطل صفات لله تعالى وتقدس عن إفكه فقال: ((اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء: منها جواز إطلاق الاستلقاء عليه، لا على وجه الاستراحة بل على صفة لا نعقل معناها، وأن له رجلين كما له يدان، وأنه يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقلها)) اهـ([148]). ثم لم يهدأ حتى وصف الله تعالى بأنه في صورة (شاب، أمرد، أجعد، في حلة حمراء، عليه تاج، ونعلان من ذهب، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب) !! وكتب في ذلك صفحات كثيرة من الكتاب ليثبت هذه الأوصاف لله ـ تعالى وتقدس عن إفكه ـ وكلها روايات موضوعة، ونقل أن من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة !! فهو: (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد)، ثم قال أبو يعلى في 1/146: (وليس في قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفور إثبات تشبيه، لأننا نثبت ذلك تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتا ونفسا، ولأنه ليس في إثبات الفَرَاش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش،)) اهـ([149]).
، فهذه بعض مخازي أبي يعلى الفراء، كما أثبت (التدلي) !! بقوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) على أن المتدلي هو الله !! فقال ((فعلم أن المتدلي هو الذي يوحي وهو الله تعالى)) اهـ ([150]). يقول هذا مع أن أئمة اللغة قد أجمعوا على أن الضمائر تعود على ما يناسبها ولو بعدت، ولم يتورع أبو يعلى من إطلاق الشمال على الله، ([151]).
ولم يتورع عن اتبات صفات بكلام اليهود، فذكر في عن كعب الأحبار أنه قال: ((إن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إني واط على بعضك، فانتسفت إليه الجبال فتضعضعت الصخرة فشكر الله لها ذلك فوضع عليها قدمه)) اهـ، ([152]). والمحقق يقول: ((الخبر من الإسرائيليات)) اهـ، لكن أبا يعلى لا يتورع عن إثبات صفات بمثل هذا، ولأن أبو يعلى حشوي جلد، فإنه مغرم بنسبة كل شيء إلى الذات ! لا يتردد أبدا في ذلك فتراه يذكر في رواية (إن الله يدني العبد يوم القيامة) فيقول: ((المراد من دنوه الدنو من الذات)) ! ([153]). ويذكر: ((نزول ذاته)) !! تعالى وتقدس، يستدل لذلك بخبر موضوع: ((إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينـزل نزل بذاته)) ! ([154]). ويذكر: ((هبوط الذات)) !!، و ((الدنو والقرب من الذات)) !! ([155]). و((فأما التجلي فهو راجع إلى الذات)) !!، ثم أثبت الذراعين والصدر) !! ([156]). برواية مكذوبة باطلة، نصها: ((خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر)) !! ([157]). ثم قال: ((الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في إثبات الذراعين والصدر، والثاني في خلق الملائكة من نوره)) اهـ !! فأثبت الذراعين والصدر والنور صفات، وأثبت (الفخذ والأمام والخلف لله) سبحانه وتعالى عن حشو المجسمة) !!!! برواية باطلة: ((إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له: كن أمامي، فيقول: رب ذنبي، فيقول الله: كن خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له خذ بقدمي)) اهـ، ([158]).
ثم يذكر الرواية الباطلة التالية: ((إن الله عز وجل ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه يقول: ادن منا أزلفت لدينا)) اهـ، ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين … ولا نثبت أيضا أماما وخلفا على وجه الحد والجهة، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة …)) اهـ !!!، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، جعل الفخذ صفة لله تعالى وتقدس، والفخذ من العورة في شريعة الإسلام، حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم أثبت (الإبهام والخنصر والسبابة والتي تليها) !! بروايات لا يثبت بها شيء حتى في الوضوء، فأثبت الإبهام صفة لله مستدلا برواية منكرة باطلة: ((أوحى الله إلى داود: ارفع رأسك فقد غفرت لك، ومحوت خطيئتك بإبهام يميني)) اهـ !!، ([159]). ثم قال أبو يعلى متحذلقا: ((وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام،)) اهـ، وقال في خبر تالف باطل. ((الخبر على ظاهره في إثبات الأصابع والسبابة والتي تليها)) اهـ، ([160]) ويقول في ((، الخنصر وهو على ظاهره، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته)) اهـ([161]).
ثم أثبت (اللهوات والأضراس) !! صفاتا لله، ففي يذكر أبو يعلى خبرا باطلا نصه: ((يضحك الله، حتى بدت لهواته وأضراسه)) اهـ([162]). ثم يقول: ((لا نثبت أضراسا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناها)) اهـ،([163]).
ولم يكتف بذلك حتى أثبت (الملل) !! صفة لله،برواية: ((إن الله لا يمل حتى تملوا)) فأثبت الملل له تعالى صفة، ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع إطلاق وصفه تعالى بالملل لا على معنى السآمة والاستثقال،)) اهـ !! ([164]). وأثبت (الفم) !! بأثر باطل ((كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن عز وجل يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك)) اهـ([165]).
ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه)) اهـ !! وأنه: ((صفة قد ورد الخبر بها)) اهـ !!، وأثبت (الجنب) !! صفة لله فقال ((وأما قوله تعالى: (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) فحكى شيخنا أبو عبدالله رحمه الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله سبحانه)) اهـ ([166]).
،ثم أثبت (الهجو والاستهزاء والسخرية) !! من جملة الصفات وقال: ((واعلم أنه غير ممتنع على أصولنا إطلاق الهجو عليه سبحانه، وكذلك الاستهزاء والسخرية)) اهـ !! ([167]).
وعند إثبات الساق أورد روايات موضوعة مآلها كلها إلى التجسيم والعياذ بالله، وقد تقدم بيان تأويل الحبر ر ضي الله عنهما للساق بالشدة، ولكن انظروا لروايات الفراء، أورد أبو يعلى في كتابه من طريق مقاتل بن سليمان قال: ((قال عبدالله بن مسعود في قوله عز وجل: (يوم يكشف عن ساق) يعني ساقه اليمين، فيضيء من نور ساقه الأرض، فذلك قوله: (وأشرقت الأرض بنور ربها)، يعني نور ساقه اليمين)) اهـ !! ([168]).
والرواية حتى أهل الحشو المعاصر لا يقبلونها فقد قال محقق الكتاب وهو حشوي مثله: ((إسناده ضعيف جدا، ومقاتل بن سليمان متهم ورمي بالتجسيم)) اهـ، ثم لم يتورع حتى أسند رواية إلى الجن بأن الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض كان مستقرا على الحوت ([169]).فقد أورد، قال ابن الأثير في أحداث سنة (459هـ) حيث كانت وفاة أبي يعلى: ((وفي شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي، ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة، وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك،)) اهـ،([170]).
[المفتاح السابع عشر]: الهروي ودوره في نشر بدعة الحشو: هو عبد الله بن محمد الهروي (ت 481 هـ): له كتاب الأربعين في دلائل التوحيد: وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، أضف إلى وقيعته في علماء الأمة الذين رزقهم الله تعالى القبول والتشنيع عليهم وتكفيرهم لاسيما السادة الأشاعرة المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث، وكان يحكي تكفيرهم وشحن كتبه في ذلك، وكان يقول: (وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي) ([171]).
[المفتاح الثامن عشر]: الامام ابن تيمية (ت 728 هــ) ودوره في التأسيس لبدعة الحشو: كل من سبق كانوا جميعا سلف ابن تيمية في تبني عقيدة الحشو: لقد أضر مقاتل بن سليمان وهشام بن سالم وابن كرام والسجزي الدارمي والخلال وابن خزيمة وابن بطة والبربهاري والهروي وابن حامد الوراق والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، لقد أضر هؤلاء بعقيدة ابن تيمية أيما ضرر، وهؤلاء هم سلف ابن تيمية، ويقينا فإنّ اطلاع ابن تيمية على مؤلفات هؤلاء واحسان ظنه فيها وهو لم يكن دارسا لعلم التقديس ولا ملما بقواعده، فتسربت إليه بدع الحشو، ومذهبه هو الحشو ذاته، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد.
إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف لم يجدد مذهب السلف، بل جدد بناء المدرسة الحشوية بجميع مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد، لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وأهل الحديث. وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات مثل مباحث منزلة العقل الصحيح في الإسلام ودوره في فهم أدلة التنزيه، والتفريق الأصولي بين القديم والحادث وهل يمكن للقديم ان يقبل الحوادث، والتفريق بين المحكم والمتشابه، والتفريق بين الحقيقة والمجاز، وحجية المتواتر والآحاد في باب العقيدة، والسر في التفريق بينهما، وقواعد التقديس والتوحيد والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها لما تشبع به عقله من الحشو الذي تسرب إليه من مراجع الحشوية، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، ولحمل الآيات والأحاديث على المراد الحقيقي منها والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه النزول ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب الاثرية وهو مذهب السلف الصحيح والذي ليس لهم مذهب سواه، وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنّة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّ ابن تيمية لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، وللأسف، عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق.
[المفتاح التاسع عشر]: الامام محمد ابن عبد الوهاب والتجديد لبدعة الحشو: لقد انطفأت الفتنة بعد موت ابن تيمية، إلى أن جاء زمان محمد ابن عبد الوهاب (ت 1206 هــ) فتبنى نشر كتب وأفكار ابن تيمية بقوة السيف والسنان، واستحل في سبيل ذلك الدماء والأموال، أضف إلى ذلك أنه كانت له اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، فزادت الطين بلة، وقد تقدم بيان ذلك كله في الكتاب الثالث من هذه السلسلة: مفاتيح علم التوحيد والشرك، والله المستعان.
(3) سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ومن اهم معانيها تقديس عن الجسمية ولوازم الجسمية
[المفتاح الأول]: سورة الإخلاص سورة محكمة تعدل ثلث القرآن لذلك يجب التوسع في فهم معانيها: سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ({قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن) [مسلم: حديث: 811]، إذن (سورة الإخلاص): يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن، ومعنى ذلك أنها تحمل من علوم الدين لا سيما علم التوحيد، الكثير والكثير، وما دامت مُحكمة فوجب التوسع في فهم معانيها وتدبر ما ترمي إليه من معاني التوحيد، والتقديس لأن النهي القرآني إنما كان قاصرا على تتبع المتشابه، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران:7]، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) [البخاري: ح (4547)، مسلم: ح (2665)]، فسورة الإخلاص من المحكمات لا حرج من التوسع في فهمها وتفسيرها لأنها عند فهم معانيها إنما تتحدث عن تقديس الذات ونفي الادراك ونفي المثلية عن جناب الذات أما المتشابه الذي نُهينا عن تتبعه فإنما هو كل ما يتعلق بتكييف الذات وأهل الزيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، التي ترسم في أذهانهم المريضة شكل الذات والله منزه عن الأشكال كلها لأنها علامات الخلق، تدل على ان لها خالق خصصها بأشكالها وصورها.
[المفتاح الثاني]: سورة الإخلاص تتحدث عن ذات الله: فقد ورد في سبب نزولها: أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذات الله، وصفة الرحمن علمنا انّها تتخصص في قسم توحيد الذات، فقد أخرج البخاري ومسلم: من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه) ([172]) . وسبب نزول السورة كما جاء عند الترمذي ، وأحمد والحاكم والبيهقي في “الشعب” ، من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: (أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأنزل الله: {قل هو الله أحد * الله الصمد}) ([173]) . وأخرج البيهقي في “الأسماء والصفات” عن ابن عباس، (أن اليهود، جاءت النبي صلى الله عليه وسلم، منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، فقالوا: يا محمد، صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله عز وجل هذه السورة) ([174]) .
فقولهم انسب لنا ربك وصف لنا ربك إن كان القصد منه الحديث عن الصفات لكان الجواب بأن الله حي قيوم سميع بصير عليم على كل شيء قدير، ولكن لما كانت الإجابة بقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} علمنا انهم يسألون عن جناب الذات تعالى وتقدس، فجاء التقديس والتنزيه بذكر الاحدية والصمدية ونفي الابوة والبنوة ونفي المثلية.
[المفتاح الثالث]: سورة الإخلاص تشتمل على أربعة أصول عظيمة تقوم عليها عقيدة أهل الإسلام:
(الأصل الأول): (الله أحد) وصف الله تعالى بالأحدية، و(الأحدية) نفي الكثرة في ذات الله، فالله (واحد): لا شريك له، (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، (الأحدية) تعني، أنه أحد في جناب ذاته، فلا ينقسم ولا يتبعض، فلا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، (الاحد) يكون بنفي الكثرة في الذات وينفي تبعض الذات، تقدست ذاته عن التأليف والتركيب، ليس له في ذاته شبيه ولا مثيل، {قل هو الله أحد}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات (الاحدية المطلقة) علم واسع لا حد له وبحر محيط من التعظيم والتقديس والتنزيه لا ساحل له سيأتي بيان بعضه إن شاء الله.
و(الأصل الثاني): (الله الصمد) وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة، ومعناها الغنى المطلق والكمال المطلق، له كمال الحياة والقيومية، وله تمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، (صمد) يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج، ومن معاني الصمدية الثبات وعدم قبول التغير والحدوث، والله له القدم الازلي فلا يقبل التغير ولا الحدوث، و (الصمدية المطلقة) علم واسع لا حد له وبحر محيط من التعظيم والتقديس والتنزيه لا ساحل له سيأتي بيان بعضه إن شاء الله.
و(الأصل الثالث) {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث فلا يكون منه شيء سبحانه ولا يكون هو من شيء، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ولا يصح أن يكون له ابن أو أب لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وصف لله تعالى بالقدم الذاتي الأزلي {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث. و(الأصل الرابع): {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}:تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق لأن له الكمال المطلق والغنى المطلق، ولها العجز والحاجة والفقر إليه، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس كمثله شيء، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن.
[المفتاح الرابع]: أخص معاني الاحدية: نفي الكثرة والانقسام في ذات الله، فالله (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، و (الأحدية) تعني انتفاء الكثرة من جناب ذاته، فأحدية الذات معناها نفي الانقسام ونفي التجزؤ ونفي التركيب ونفي التبعيض، وهذا كله حق لا مرية فيه فإن الذي يقبل الانفسام لا تكون له الاحدية المطلقة من كل جهة، والذي يقبل التجزؤ والتبعض في ذاته لا تكون له الاحدية المطلقة ولا يصح ان يكون إلها لأن شرط الإلهية الغنى المطلق ومن كان مركبا من اجزاء وابعاض فإنه يكون محتاجا لها في وجود ذاته والله تعالى له الغنى المطلق مقدس عن الاحتياج وبالتالي مقدس عن التركيب، ومن كان محتاجا فلا يكون إلها أبدا، ومن كانت ذاته تقبل الانقسام او التركيب او التبعيض فلا يكون أحدا أبدا ولا يكون له الغنى الكامل، فوجب صحة هذه المعاني لاسم الله (الاحد).
[المفتاح الخامس]: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة، و(الأحدية المطلقة) توحيد في نفس جناب الذات وهي تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وبالتالي تعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى (أحد) له الأحدية المطلقة في جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها التي لا انفكاك للجسمية عنها من الصور والأشكال والأطوال والاوزان والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى أحد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء ، {اللَّهُ أَحَدٌ} معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، هذا هو الأصل الأول الأحدية المطلقة لله.
[المفتاح السادس]: معنى اسم الله الصمد: جاء في معاجم اللغة وتفاسير القرآن: (الصمد): اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه: هو السيد الذي قد كَمُلَ في سُؤْدُدِه، وقيل الصمد: هو الدائم بعد فناء الخلق، وقيل هو الباقي الذي لا يزول، وقيل: هو الكامل الأوصاف من كل الوجوه، وقيل أنّ الصمد بمعنى مفعول أي مقصود، أي السيِّدُ المقصودُ، والمصمود في الحوائج، تصمد إليه المخلوقات في حاجاتها، أي تقصده في الحاجات والرغائب، وتستغيث به عند المصائب، فتسأله وترجوه، وقيل (الصمد) هو المنزه عن الحاجة، وقيل (الصمد) هو المنزه عن التغير والتأثر كما يُقال جبل صمد أي لا يتغير يصمد أمام عوامل التغيير، وكل تلك المعاني صحيحة والله تعالى هو الصمد الذي له الكمال المطلق والغنى المطلق، وله تمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، ويحتاج إليه كل عباده، وهو الذي ليس كمثله شيء، وهو السيد الذي كمل في ذاته وصفاته وأفعاله، وأخص معاني الصمدية هي الكمال المطلق من كل جهة، والكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث.
[المفتاح السابع]: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة والكمال المطلق والغنى المطلق وسلب أي معنى من معاني النقص والحاجة والافتقار والتركيب عن جناب الذات: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: من أسماء الله الحسنى الدالة على الكمال المطلق: اسم الله (الصمد) أي السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، والْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، والْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته، ووصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، (الصمدية المطلقة): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال (الصمدية المطلقة): معناها كمال الحياة والقيومية، وتمام الغنى والحمد، له الحياة والقيومية على الدوام، وله الغنى التام والحمد على الدوام، منزه عن الحاجة، (صمد) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج.
[المفتاح الثامن]: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: وصف الله تعالى بالقدم الأزلي (أول بلا ابتداء) وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، (معاني القدم الأزلي لله): القدم الأزلي هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء) ([175]) .وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء قبله) ([176]) ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم.
ومن الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([177]) . وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم، وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته وأسماءه وصفاته، و (القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما، [أخص صفات (القديم الذاتي)]: أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، ، (القدم الذاتي) يمنع من الحد والبداية والنهاية، لان ما له حد فهو محدث لقبوله الحد، وما له بداية فهو محدث لقبوله البداية، وما له نهاية فهو محدث لقبوله النهاية، (القدم الذاتي) يمنع من الصور والأشكال لان ما له صورة فهو محدث لقبوله التركيب لان الصور لا تنشأ إلا من التركيب، قال تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك}، (القدم الذاتي) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، (شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}،، ثم قال في حق الشمس: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا تصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به، ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث، (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة، إنّ من يُجيز التغير والحدوث وقبول الحوادث على ذات الله تعالى فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130. ]
إنّ كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين الخالق الأزلي القديم وبين المخلوق الحادث، سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
ومن جهلهم أيضا بما يستحقه جناب الذات من الكمال المطلق: أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله، على كلام البشر فيقولون _ هداهم الله _ إن صفة الكلام لله صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء، وهكذا حدوا صفة الكلام التي لا حد لها، ولازم قولهم أن القرآن محدث وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة لا تتعلق بإرادة الله، بمعنى أنه لا يجوز القول: أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال، فكذلك الكلام صفة قديمة قائمة بذات الله، هم جعلوا الكلام مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء، ويرزق من يشاء متى شاء، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم محدثا مخلوقا، وعلى مذهبهم الباطل لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ).
و(الخلاصة): أنّ (القديم الذاتي) لا يقبل الحدوث ولا تحل بذاته الحوادث، و (شرط القديم) أن يكون منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب.
(تنبيه) مقولة (قديم النوع حادث الآحاد) لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف أهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث؟، وهل آحاد الشيء تخالف جنسه؟، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم يجهلون، وقد دخلت عليهم الشبهة من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام، ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم سوي أنّ الله تعالى علم الحوادث وسمعها وأبصرها وأرادها قبل حدوثها فلم يتغير بعد حدوثها عند الله شيء، ولم يزدد بكونها وحدوثها شيئا فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه.
[المفتاح التاسع]: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: أنه تعالى خالق كل موجود، أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، {لَمْ يَلِدْ}: لا يصح أن يكون له ابن، {وَلَمْ يُولَدْ}: ولا يصح أن يكون له أب، لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق، والنصارى من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى، فزعموا له الولد سبحانه، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد، لأن الولد جزء من أبيه، فالوالد لا يخلق ولده، وإنما هو جزء منه، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل، لأنه لا يُعرف بالحس، فلا يكون منه الولد، ولو كان منه الولد – سبحانه – لكان الولد قديماً، مثل أبيه، وكيف يكون قديماً وهو حادث، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى – آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم – بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 81، 82]، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس، قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88 إلى 95].
[المفتاح العاشر]: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال تقدس أن يكون له مثيل او شبيه، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود موجود بلا كيف وبلا مكان ولا يجرى عليه زمان وهو الموجود في الأزل قبل المكان والزمان وهو القاهر للمكان والزمان وهو الخالق لقوانين المكان والزمان يستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، أحد صمد يستحيل عليه الجسمية ولوازمها من الحد والمقدار ومن الصور والأشكال والأجزاء والأعضاء، أحد صمد يستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات بل هو القريب من كل خلقه ليس شيء منها عنه ببعيد أحد صمد لم يلد ولم يولد يستحيل عليه التغير والحدوث لأنها صفات المخلوق المحدث، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم عن جناب ذاته فهو باطل ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ولا إله إلا هو.
[المفتاح الحادي عشر]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية: (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره قال تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها والجسم يمينه غير يساره وأعلاه غير أسفله والجسمية تعارض الأحدية المطلقة التي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأن ذلك كله من صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام كما أنّ الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ويستحيل وصف جناب الذات بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص التي تنزه الله عنها.
[المفتاح الثاني عشر]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الصور والأشكال: لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة والصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى لأنه احد صمد وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط التي تدل على الخلق والحدوث.
[المفتاح الثالث عشر]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجوارح والأعضاء: وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله.
[المفتاح الرابع عشر]: سورة الإخلاص تتحدث عن توحيد جناب الذات الإلهي تبارك وتعالى، الذات الإلهي له الاحدية المطلقة والاحدية المطلقة تنفي التكثر في الذات وتنفي قبول الانقسام وتنفي قبول الأجزاء والابعاض، لذلك نفت (الاحدية المطلقة) عن جناب الذات الإدراك فيستحيل إدراك الذات التي تتصف بالأحدية، و (الأحدية) لمن يفهمها تؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103].
[المفتاح الخامس عشر]: أجهل الناس بمعاني سورة الإخلاص المحكمة بعد النصارى هم المجسمة ومن دار في فلك التجسيم كالمشبهة والحشوية، وكل هؤلاء أهل تمثيل، والله تعالى ليس كمثله شيء،: و(المجسمة) مصطلح إسلامي يُطلَق على كل من يقول بأن الله جسم لا كالأجسام ويثبتون له لوازم الجسم من من الحد والمقدار ومن الصور والأشكال والأجزاء والأعضاء، ومن التقيد بالمكان والزمان، والتغير والحدوث وغير ذلك من لوازم الأجسام، و(المشبهة): مصطلح إسلامي يطلق على كل من يشبه الله بالمخلوقات ويزعم بأنّ الله تعالى في صورة الإنسان، والحشوية مصطلح إسلامي يُطلَق على من ينكر لفظ الحسمية ولكنه يقول بلوازم التجسيم ويقر بها.
ومن أبرز المجسمة الضالة على مر عصور الإسلام (الكرامية) الذين قالوا بأن الله تعالى جسمٌ قائمٌ بذاته، مباينٌ للعالم، مستقرٌّ على العرش من جهة الفوق، وأنه محلٌّ للحوادث! وهذه العقيدة الباطلة ليست امتدادًا لأي مذهب إسلامي معتمد ولكنه للأسف تلفيق بين معتقدات الوثنية واليهودية المحرفة والتشبيه النصراني مغلّفة ببعض ظواهر النصوص التي أساؤوا فهمها وأخطأوا في تأويلها، فأخذوا من التوراة المحرفة فكرة التشبيه والتجسيم، حيث امتلأت أسفارهم بنسبة صفات البشر إلى الله تعالى: من الاستراحة، والندم، والمشي في الجنة، والضحك، بل وتجسيده في صورة إنسان، والنصرانية المحرفة: أطلقت لفظ “الجوهر” على الله تعالى، وزعمت أنه تجسّد في صورة عيسى عليه السلام، وتأثر ابن كرام بذلك، فقال إن الله تعالى “أحدي الذات، أحدي الجوهر جسم لا كالأجسام، وأثبتوا له الصورة والشكل والكيف، واثبتوا له المكان والجهة والمماسّة والاستقرار المكاني وزعموا ان له حجما وثقلا يملأ العرش ويثقل عليه، واثبتوا له الحد والتناهي، وبعضهم أثبت له نهاية من ست جهات، وبعضهم من جهة واحدة، وبعضهم أنكر النهاية، على معنى الجسمية وهو الامتداد طولا وعرضا في الجهات، وقالوا بأنّ كل متميّز عن العالم فلابد أن يكون في جهة من جهات العالم، وكل ما كان في جهة فلا يعقل إلا ان يكون جسما فهو جسم لا كالأجسام، وزعموا بأنّ رؤية الله تقتضي الجهة، وقالوا: الرؤية لا تكون إلا في جهة، وكل ما كان في جهة فهو جسم، وشُبَه هذه الفرقة الضالة كلها شُبَه ساقطة، يُبطلها العقل والنقل، وهي مبنية على القياس الفاسد لله تعالى على المخلوق، واستندوا إلى آيات وأحاديث متشابهات لها أكثر من معنى فاتبعوها مصداقا لقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، فحملوها على ظاهرها بغير علم، وسيأتي -إن شاء الله- بيان (مفاتيح علم التقديس في حل إشكالات النصوص المتعلقة بعلم التقديس) حل جميع الإشكالات المتعلقة بالمتشابهات حلا حاسما لا يدع مجالا لمتشكك إلا ويظهر الحق المحكم الذي لا اختلاف فيه، وصدق الله حيث يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، والحمد لله الذي هدانا لمذهب التنزيه، مذهب أهل السنّة والجماعة، لا مذهب المجسّمة وأهل الحشو والضلالة، وقد قال البيهقي في كتابه: “الأسماء والصفات”: (من قال إن الله جسم فقد كفر، لمخالفته لقوله تعالى: ليس كمثله شيء) ([178]) .
[المفتاح السادس عشر]: المجسمة والمشبهة والحشوية أهل جهل بالله تعالى وهم في نهاية المطاف: (ممثلة)، أهل تمثيل لله بخلقه، والله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وهذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وهذه الآية الكريمة {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى يقول: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هو السميع البصير، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية بما لا يدع مجالا للشك بأن المقصود من قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، وهذه الآية أقوى سوط على ظهور المجسمة والمشبه والحشوية -وكلهم أهل تمثيل لله تعالى بخلقه- لأنها تقضي على كل أوهام التجسيم والتشبيه والحشو والتمثيل، وهؤلاء جميعهم يتمسكون بالمتشابهات التي يوحي في أذهانهم الممثلة المريضة برسم الذات وشكل الذات، وهيئة الذات وصورة الذات، وهيهات هيهات، اذ ليس كمثله شيء حتى نبني عليه أو نفترض عليه، فهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، وإلا زعموا اننا نعبد عدما، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}.
والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع للمتشابهات التي يظنون أنها ترسم شكل الذات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب القدم باب الأصابع باب الأنامل باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته أما الصفات فقد من على بعض خلقه بصفات وصف بها نفسه كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ولكن شتان بين الصفات القديمة المطلقة والصفات المخلوقة المحدودة المحدثة، تقدس الله الأحد الصمد الذي له الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة والتي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان، ومن التقيد بالحدود والمقادير ومن التقيد بالصور والأشكال، تقدس عن كل ماهيات الوجود، فلا هو مادة محدودة لها صفات الأجسام، ولا هو طاقة لا إرادة لها ولا مشيئة، ولا هو من جنس الأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، تعالى سبحانه عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.
***
(4) الآيات المتشابهات التي استدل بها الحشوية والمجسمة على مذهبهم الباطل
[المفتاح الأول]: كل الفرق الضالة لا توجد عندها نصوص شرعية على بدعها الضالة: وإنما تستدل لضلالاتها بآيات من القرآن تحسبها آيات محكمة، وهي عند التحقيق متشبهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، فليس من أصل بدعي يقوم على آية محكمة، ولكن على متشابهات يجب ردها إلى محكماتها. سبق تفصيل ذلك في المبحث الثاني: القرآن هو الحكم الفصل في الحكم بين الفرق (المفتاح السابع عشر).
[المفتاح الثاني]: مجموع الآيات المتشابهات التي استدلوا بها على مذهبهم الباطل في التجسيم تؤول إلى سبعة اقسام:
(القسم الاول) المتشابهات التي استدلوا بها لإثبات الجهة، وَهِي على خَمْسَة أَلْفَاظ الْعَرْش وَالسَّمَاء وَفَوق وَعند وَإِلَى، أما الاسْتوَاء على الْعَرْش فَفِي سَبْعَة مَوَاضِع فِي سورة الاعراف {إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش} وفي أول سورة سورة يُونُس {إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش}، وفي سورة الرَّعْد {الله الَّذِي رفع السَّمَاوَات بِغَيْر عمد ترونها ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش} وفي سورة طه {الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى}، وفي سورة السَّجْدَة {الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش}، وفي سورة الْحَدِيد {هُوَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش}، وفي سورة الْفرْقَان {الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}، وأما السَّمَاء فَفِي خَمْسَة مَوَاضِع فِي سورة النَّمْل {قل لَا يعلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله}، قالوا: وَلَو لم يكن هُوَ فِي السَّمَاء لما صَحَّ الِاسْتِثْنَاء، وفي سورة السَّجْدَة {يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ} وفي سورة غافر {وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا}، قالوا: وَلَو قَالَهَا من نَفسه لَا من مُوسَى لنفى إِلَهًا آخر كَمَا قَالَ {مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي وفي سورة الْملك {أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض} وفيهَا {أم أمنتم من فِي السَّمَاء أَن يُرْسل عَلَيْكُم حاصبا}، واما فَوق فَفِي خَمْسَة مَوَاضِع فِي سورة الْأَنْعَام {وَهُوَ القاهر فَوق عباده وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير} وفي سورة النَّحْل {يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم}، وفي سورة الْفَتْح {يَد الله فَوق أَيْديهم}، وفي سورة الشورى: {تكَاد السَّمَاوَات يتفطرن من فوقهن}، قالوا: من عَظمَة الله فوقهن، واما عِنْد فَفِي عشرَة مَوَاضِع فِي سورة الْأَعْرَاف {إِن الَّذين عِنْد رَبك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته ويسبحونه وَله يَسْجُدُونَ}، وفي سورة الْحَج {وَإِن يَوْمًا عِنْد رَبك كألف سنة مِمَّا تَعدونَ}، وفي سورة الْأَنْبِيَاء {لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إِن كُنَّا فاعلين}، قالوا: أَي لَو أردنَا ان نتَّخذ زَوْجَة لجعلناها عندنَا لَا عنْدكُمْ، وفيهَا {وَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون} وفي سورة السَّجْدَة {فَإِن استكبروا فَالَّذِينَ عِنْد رَبك يسبحون لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وهم لَا يسأمون} وفي سورة الزخرف {وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا}، وفي سورة القمر: {إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونهر فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر} وفي سورة ق {وَعِنْدنَا كتاب حفيظ} وفي سورة التَّحْرِيم {رب ابْن لي عنْدك بَيْتا فِي الْجنَّة وفي سورة ن {إِن لِلْمُتقين عِنْد رَبهم جنَّات النَّعيم}، واما (إلى) فَفِي عشرَة مَوَاضِع فِي سورة آل عمرَان {إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ} وفي سورة النِّسَاء {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا بل رَفعه الله إِلَيْهِ} وفي سورة الْقَصَص {وَقَالَ فِرْعَوْن يَا أَيهَا الْمَلأ مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي فَأوقد لي يَا هامان على الطين فَاجْعَلْ لي صرحا لعَلي أطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه من الْكَاذِبين} وفي سورة السَّجْدَة {ثمَّ يعرج إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره ألف سنة مِمَّا تَعدونَ}، وفي سورة فاطر: {إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ} وفي سورة المعارج {لَيْسَ لَهُ دَافع من الله ذِي المعارج تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ}، وفي سورة النَّجْم {وَأَن إِلَى رَبك الْمُنْتَهى}، وفي سورة النازعات {إِلَى رَبك مُنْتَهَاهَا}، وفي سورة الغاشية {إِن إِلَيْنَا إيابهم} وفي سورة غافر {فإلينا يرجعُونَ} وقالوا: قصة الْمِعْرَاج من أقوى احتجاج {ثمَّ دنا فَتَدَلَّى فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى} فَذَلِك كُله أدلة على ثُبُوت الْمَكَان والجهة.
(القسم الثاني) المتشابهات التي استدلوا بها لإثبات الْوَجْه على الحقيقة: وَذَلِكَ فِي عشر آيَات فِي سورة الْقَصَص {كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه}، وفي سورة الرّوم {ذَلِك خير للَّذين يُرِيدُونَ وَجه الله}، وفيهَا {وَمَا آتيتم من زَكَاة تُرِيدُونَ وَجه الله}، وفي سورة الرَّحْمَن {وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام} وفي سورة الْبَقَرَة {فأينما توَلّوا فثم وَجه الله}، وفي سورة الانعام {يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه}، وفي سورة الْكَهْف {يُرِيدُونَ وَجهه}، وفي سورة سُورَة الرَّعْد {وَالَّذين صَبَرُوا ابْتِغَاء وَجه رَبهم}، وفي سورة الانسان {إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله}، وفي سورة اللَّيْل {وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى}.
(القسم الثالث) المتشابهات التي استدلوا بها لإثبات العين على الحقيقة: وَذَلِكَ فِي خمس آيَات فِي سورة هود {واصنع الْفلك بأعيننا ووحينا}، وفي سورة المؤمنون: {فأوحينا إِلَيْهِ أَن اصْنَع الْفلك بأعيننا ووحينا}، وفي سورة طه {وألقيت عَلَيْك محبَّة مني ولتصنع على عَيْني}، وفي سورة الطّور {واصبر لحكم رَبك فَإنَّك بأعيننا}، وفي سورة القمر: {تجْرِي بأعيننا}.
(القسم الرابع) المتشابهات التي استدلوا بها لإثبات اليد على الحقيقة: وَذَلِكَ فِي عشر آيَات بِلَفْظ الوحدان فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع والتثنية فِي موضِعين وَالْجمع فِي موضِعين وَالْيَمِين فِي موضِعين، فَفِي سورة الْمَائِدَة {بل يَدَاهُ مبسوطتان}، وفي سورة (ص) {يَا إِبْلِيس مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي}، وفي سورة الاعراف {ألهم أرجل يَمْشُونَ بهَا أم لَهُم أيد يبطشون بهَا أم لَهُم أعين يبصرون بهَا أم لَهُم آذان يسمعُونَ بهَا}، قالوا: عيرهم بِعَدَمِ هَذِه الصِّفَات وفي سورة يس {أَو لم يرَوا أَنا خلقنَا لَهُم مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاما}، وفي سورة الزمر {وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ} وفي سورة الحاقة {وَلَو تَقول علينا بعض الْأَقَاوِيل لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ}، وفي سورة الْفَتْح {يَد الله فَوق أَيْديهم} وفي سورة الْحَدِيد {وَأَن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء}، وفي سورة الْملك {تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك} وفي سورة آل عمرَان {بِيَدِك الْخَيْر إِنَّك على كل شَيْء قدير}.
(القسم الخامس) المتشابهات التي استدلوا بها لإثبات سائر الحركة والسكون: فِي سورة الْمَائِدَة {تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك}، وفي سورة طه {واصطنعتك لنَفْسي}، وفي سورة الْبَقَرَة {هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة}، وفي سورة الْأَنْعَام {هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن تأتيهم الْمَلَائِكَة أَو يَأْتِي رَبك أَو يَأْتِي بعض آيَات رَبك} وفي سورة الْفجْر {وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا}، وفي سورة الزمر {وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا}، وفي سورة النُّور {الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض}.
(القسم السادس) المتشابهات التي استدلوا بها لإثبات كَلَام الله عز وَجل صَوت وحرف، وَذَلِكَ فِي عشرَة آيَات فِي الاعراف {وناداهما ربهما ألم أنهكما عَن تلكما الشَّجَرَة}، وفي سورة مَرْيَم {وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن} وفي سورة النَّمْل {فَلَمَّا جاءها نُودي أَن بورك من فِي النَّار وَمن حولهَا وَسُبْحَان الله رب الْعَالمين يَا مُوسَى إِنَّه أَنا الله الْعَزِيز الْحَكِيم}، وفي سورة الْقَصَص {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي من شاطئ الْوَادي الْأَيْمن فِي الْبقْعَة الْمُبَارَكَة من الشَّجَرَة أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين}، وفي سورة طه {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي يَا مُوسَى إِنِّي أَنا رَبك فاخلع نعليك إِنَّك بالواد الْمُقَدّس طوى} وفي سورة الشُّعَرَاء {وَإِذ نَادَى رَبك مُوسَى أَن ائْتِ الْقَوْم الظَّالِمين}، وفي سورة الْقَصَص {وَمَا كنت بِجَانِب الطّور إِذْ نادينا}، وفي سورة النازعات {هَل أَتَاك حَدِيث مُوسَى إِذْ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس طوى}، وزعموا انّ النداء فِي اللُّغَة لَيْسَ الا الصَّوْت، ونسوا قول الله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا}.
(القسم السابع) المتشابهات التي استدلوا بها لإثبات أَن الله عز وَجل تتجدد له صفات العلم والسمع والرؤية، وذلك في آيات عديدة من القرآن الكريم، منها في سورة الانفال {الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا} وَفِي سورة طه {لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى} وَفِي سُورَة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ ونبلو أخباركم} وَفِي سورة الاعراف {لنَنْظُر كَيفَ تَعْمَلُونَ}، وَفِي سورة آل عمرَان {وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس وليعلم الله الَّذين آمنُوا ويتخذ مِنْكُم شُهَدَاء} وفيهَا {أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين} وفيهَا {فبإذن الله وليعلم الْمُؤمنِينَ وليعلم الَّذين نافقوا} وَفِي سورة الْبَقَرَة {وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إِلَّا لنعلم من يتبع الرَّسُول} وَفِي سورة الْمَائِدَة {ليعلم الله من يخافه بِالْغَيْبِ}
***
(5) مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي استدل بها المجسمة
(أ) رد المتشابهات التي استدلوا بها لإثبات المكان والجهة.
(ب) مفاتيح فهم الآيات التي ورد فيها الاستواء.
(ت) مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي ورد فيها السماء والفوقية والعلو .
(ث) مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي ورد فيها التغير والحدوث.
(ج) مفاتيح فهم الآيات المتشابهات الموهمة للحركة والتي ورد فيها الاتيان والمجيئ.
(ح) مفاتيح فهم الآيات المتشابهات الموهمة لحدوث الكلام.
(أ) رد المتشابهات التي استدلوا بها لإثبات الزمان والمكان والجهة
[المفتاح الأول]: عند تدبر قول الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) [سبق تخريجه]، نعلم يقيناً أن الله تعالى منزه عن أن يجري عليه زمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا (أي له بداية) فهو أبدي (أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة، ولو كان الزمان يجري عليه لما صح أن يوصف بأنه الآخر حتى يفني جنته وأهل جنته وناره وأهل ناره وملائكته وجميع خلقه وهذا لن يحدث لأنه سبحانه أخبر بخلود أهل الجنة والنار، فدل ذلك على أن المراد من قوله {الأول والآخر} هو التقديس أصلا عن الزمان فلا يجري عليه زمان، والماضي والحاضر والمستقبل عنده سواء لأن الزمان لا يجري عليه سبحانه، ولهذا قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، وقال تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، وقال جل شأنه {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}.
ولهذا فإن علمه قديم أزلي لأنه لا يجري عليه زمان المعلومات كلها السابق منها واللاحق منكشفة على صفة علمه من غير سابق خفاء لأنه لا يجري الزمان على علمه، ولو جرى الزمان على علمه لتجدد العلم بتجدد المعلومات وكان قبل تجددها ناقصا بقدر تلك الزيادة وهذا ضد الكمال فتعالى الله عما يصفون، وسمعه سبحانه قديم وليس معنى قديم قدم الزمان لأنه لا يجري عليه زمان بل معناه الازل بلا قبل، منكشفه على صفة سمعه جميع المسموعات ولا تختلط عليه الأصوات، فيسمع ما كان وما يكون وما هو كائن من كلام أهل الجنة والنار مما لا انقضاء له (في آن واحد) لأن سمعه محيط بكل خلقه لا يجري عليه زمان، فلا يتجدد له سمع بتجدد المسموعات، وجملة (في آن واحد) لا تسعف لأنها قد توحي بسرعة الزمان ولكنه في الحقيقة مقدس عنه وعن جريانه عليه، فهو يجري على عباده فقط، واللغة قاصرة عن بيان الكمالات المستحقة لله، وهو المقدس عن الزمان أصلا، وبصره قديم أزلي يرى ويبصر جميع المبصرات الماضي والحاضر والآت، ، وكلامه قديم أزلي لا يحتاج إلى ترتيب أو تقديم أو تأخير لأنه لا تعلق له بزمان دون زمان، مقدس عن الزمان، ولهذا جاء التعبير القرآني: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا} بلفظ الماضي مع أنه مستقبل، وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} بلفظ المستقبل مع أنه ماضي للدلالة على تقديس الله عن الزمان، وكذلك فإنّ أفعال الله تعالى كذلك خارجة عن أطار الزمان، فليس معنى أن الله خلق الجن قبل الأنس أن لذلك متعلق بجناب الله، بل الحق أن هذا الزمان يتعلق بالجن والإنس لأنهما يجري عليهما الزمان، أما أفعال الله فلا لأنه لا يجري عليها زمان، لأنه ليس كمثله شيء، في جناب ذاته وصفاته وأفعاله.
[المفتاح الثاني]: قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}، إشارة إلى نفي الزمان في حق الله تعالى وعدم حاجة الله للوقت لكي يفعل ما يشاء، والحاصل أنّ الزمان من خلق الله جعله قاهرا لخلقه فيجري عليهم ولا يخرجون عنه قدر أنمله فهم مقهورون بالماضي والحاضر والمستقبل لا يملكون له تصرفا ولا تغييرا والزمان قاهر لهم، أما الله فهو القاهر فوق الزمان وهو المحيط بالزمان كما أنه بكل شيء محيط، والله تعالى يحاسب خلقه يوم القيامة وهم بالمليارات في آن واحد، لأنه سبحانه خارج عن اطار الزمن فلا يجري عليه زمان، أما خلقه فيجري عليهم الزمان لأنهم مقهورون بالزمان يمضي عليهم بماضيه وحاضره ومستقبله، وكذلك فإن لله كمال الوجود المنزه من المكان، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فوجوده قبل المكان، إذ هو خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، وإذا لم يكن قبل [الله] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء، وهو بكل شيء محيط، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته، ومن آثار تقديس الله عن المكان أن نقول أن كل الأماكن إليه سواء وسع المكان باسمه الواسع فلا شيء من خلقه بعيد عنه بل هو القريب إلى كل شيء أقرب من ذات الشيء إلى نفس الشيء، {فإني قريب}، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ}، وهو المحيط بكل شيء {والله بكل شيء محيط}، {وكان الله بكل شيء محيطا}.
[المفتاح الثالث]: التقديس عن المكان لجناب الذات الإلهي يظهر خطأ الحلولية والجهمية الذين قالوا: إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان، ويظهر خطأ الحشوية الجهوية الذين قالوا: إن الله في مكان دون مكان ومكانه العرش، بل الصحيح أن نقول: إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان، والعرش إنما هو مظهر هيمنته وقدرته، وليس هو مكان لذاته، لأنه مقدس عن المكان فلا يحل في مكان دون مكان، وكذلك فلأنه سبحانه منزه عن المكان فلا يُقال إن الله داخل الكون بذاته لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود ولا يُقال إنه خارجه لأنه قريب من كل خلقه محيط بهم، ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأن الاتصال والانفصال من صفات الأجسام، ولا تلتفت إلى القاصر عن علم العقيدة والتقديس حين يقول إذا قلنا أنه لا يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه فهذا هو التناقض، نقول: هو التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال ” لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل ” لعدم التماثل بين العلم والحجر، ولله المثل الأعلى فلا تناقض يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق.
[المفتاح الرابع]: كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث، كان قبل خلقه عدما ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما، أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى: {الله خالق كل شيء}، وقال تعالى: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه}، ومن جملة خلقه المكان والزمان، فهل يحل الخالق في المخلوق أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان.
[المفتاح الخامس]: قوله تعالى {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ} مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن الزمان والمكان، تنزه الخالق على المخلوق وتنزه القاهر على المقهور (وهو القاهر فوق عباده).
[المفتاح السادس]: من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون: أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة (بضم الميم وفتح الراء مع تشديدها) والله تعالى خالق مقدِر (بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود، و(الجهة) تستحيل في حق الله تعالى، كأن يكون له جهة يمين أو يسار أو فوق او تحت، لأن هذا يلزم عليه إثبات الأجزاء له تعالى وهذا محال لأنه يعارض الأحدية والصمدية والغنى المطلق، كما أنّ الجهة ليستْ إلا أمراً إضافياً بين جسمين، أي لا يمكن أن تتصور حقيقتها إلا بنسبة جسم إلى آخر، ومن أثبت الجهة فهو في واقع الحال مجسم وإن كان ينفي الجسمية بلسانه، وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول ” تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن المكان: أنّ الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء وليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تتحيز في مكان.
[المفتاح السابع]: إنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء، وإنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان.
[المفتاح الثامن]: من الأدلة على تقديس الله تعالى عن المكان: قوله تعالى (الله الصمد) فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس في مكان، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن المكان، أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق، وقوله تعالى (والله الغنى وأنتم الفقراء) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق، وقوله تعالى (لا إله إلا هو الحى القيوم) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق، وقوله تعالى (هل تعلم له سمياً) قال ابن عباس رضى الله عنه (هل تعلم له مثلاً)، ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره والقاعدة أنّ كل ما تعلق بالخالق لا يجري عليه زمان وكل ما تعلق بالمخلوق فإنه يجري عليه الزمان، (الزمان): هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان.
[المفتاح التاسع]: الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام (كان الله ولم يكن معه غيره) [سبق تخريجه]
لقد أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود. وأخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما أيضاً: عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا – بفهم سقيم بعيد عن التقديس – هل هو (سبحانه) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون، وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق، وأعظم به من منهاج، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا (علم توحيد الذات) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا أدنى مرتبة من العوام، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين، وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى (والله بكل شيء محيط) وقوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطا) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى (فإني قريب) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)
***
(ب) مفاتيح فهم الآيات التي ورد فيها الاستواء
[المفتاح الأول]: عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة والكون في المكان، (الاستواء): استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، كما أن (القرب): في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن (المعية): في قوله تعالى {وهو معكم أيننما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، فالله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا مكان ولا زمان، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، ويجب العلم بانّ الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، ويجب العلم بانّ القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، ويجب العلم بانّ الإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات. لقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات – اهم وأصعب أقسام العقيدة – أنّ شرط التكلم في (الإلهيات) المسائل المتعلقة بجناب الذات الإلهي: معرفة الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، وتصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد جناب الذات إنّ (جناب الذات الإلهي) تعالى وتقدس: غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، أما العلم بالله وتقديسه وتنزيه والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله وكماله المطلق، فهذا أشرف العلوم، وأحمد العلوم، وأحسن العلوم، لأنه العلم المتعلق بالله، إذ هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومن معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات، وهذه المعرفة من اعظم العلم، أما (المعرفة المستحيلة): هي الإحاطة علما بالحق سبحانه، والإنسان مهما أوتي من علم، علمه محدود لأنه محدود، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود، لقد ذكر الاستواء في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية، أما جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، فعند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يفعل أهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعم به أهل الحشو من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه.
[المفتاح الثاني]: آيات القرب والمعنى المراد منها: جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، وقوله تعالى: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود: 61]،، وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50]،، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85] وما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفا ولا نهبط واديا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير فدنا منا فقال: (يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) ([179]) . وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
آيات الإحاطة والمعنى المراد منها: قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}.
[المفتاح الثالث]: آيات الاستواء والمعنى المراد منها: الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، لقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته.
(مفتاح فهم الآية الأولى التي ذكر فيها الاستواء): والمعنى المراد به: قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف 54-55]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية.
(مفتاح فهم الآية الثانية التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والاتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير.
(مفتاح فهم الآية الثالثة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد 2]، المفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى: {يدبر الأمر}، وقوله تعالى بلقاء ربكم فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير لا استواء مكان والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة ويكون المراد من ذكر الاستواء هو بيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت.
(مفتاح فهم الآية الرابعة التي ذكر فيها الاستواء): قوله تعالى: {تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه 4،5، 6]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الخلق في قوله ممن خلق الأرض والسموات، وقوله تعالى (له ما في السموات وما في الأرض) للدلالة على استواء الملك والتدبير أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، أما ما يزعمونه من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى عما يقولون علوا كبيراً، ومثال ذلك تسمية الكعبة ببيت الله والمساجد بيوت الله والعقلاء فهموا من هذه التسمية أن له بيتاً يجب على عباده حجة وبيوتاً هي المساجد يجب أن يعمروها وفهموا منها أنه سبحانه نصب لهم مواضعاً يقصدونها لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه، وإنه لم يجعل ذلك البيت مسكناً لنفسه، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ولا مدافع، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش، أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد، فكان قوله: (ثم استوى على العرش) أي بعد أن خلقها استوى على عرش الملك والجلال، فإن قيل: فإذا حمل قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) على أن المراد: استوى على الملك بالقهر والتدبير وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً استواء ملك وربوبية وتدبير قبل خلق السموات والأرض. قلنا: إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها، وما كان مكوناً ولا موجداً لها بأعيانها بالفعل، لأن إحياء زيد، وإماتة عمرو، وإطعام هذا و إرواء ذلك لا يحصل إلا عند هذه الأحوال، فإذا فسرنا العرش بالملك والملك بهذه الأحوال، صح أن يقال: إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره وقهره لها بعد خلق السموات والأرض، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع، ثم لا ننسى قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) [الحاقة: 17] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان المعبود كما يتوهم المخطئون، فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله. والحاصل أن الاستواء المقصود هو استواء على الملك بالقهر والتدبير.
(مفتاح فهم الآية الخامسة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان 59]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما فهو الخالق بالكون بما فيه وهو ربه ومدبره فسأل بذلك خبيرا، وثم تدل على التراخي والتأخر عن الفعل وتعلق الاستواء هاهنا واضح بالربوبية وما تستحقه من عبودية الخلائق فالله عز وجل خلق الخلق وأوجدهم من العدم ثم استوى استواء الرب لعباده ويدلنا على ذلك قوله تعالى في الآيات التالية وعباد الرحمن الذين يمشون هونا.
(مفتاح فهم الآية السادسة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة 4 إلى 7]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع).
(مفتاح فهم الآية السابعة التي ذكر فيها الاستواء): قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]، والمفتاح: الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون، أولا: فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي ثانيا: قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء، ثالثا: قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شيء، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء.
والحاصل أن القول الفصل في الاستواء أنه على منهاج أهل السنة والجماعة، لا يخرج عن ثلاثة أقوال جميعها عند أهل السنة صحيحة، هي:
(أولا): أنه من باب الاستعارة (وهي أعلى مراتب البلاغة عند العرب) كالملك إذا كان ذا هيبة ومكانة عظيمة في بلده يعبرون عن علو قدره بأنه على كرسي الملك استوى وإلا فالاستواء بمعنى الجلوس ليس فيه أي إشارة إلى الكمال لأن الجلوس يتقنه كل أحد، وعلى ذلك فالمقصود من الاستواء الدلالة على الاستعلاء والقهر وعلو الربوبية والتدبير بقرينة (يدبر الأمر)، والتي تعقب ذكر الاستواء عادة والله تعالى أعلم، وفي بيان تلك الاستعارة جاء في فتح الباري: ” قال الحافظ صلاح الدين العلائي: ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية وهي ان يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفا فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيء آخر فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في اثبات المشترك قال وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسيم ” أ هـ ([180]) .
و(الثاني): أنه (استواء) على مراد الله تعالى ومراد رسوله، ليس كمثل استوائه استواء، كما أنه ليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات.
و(الثالث): معاملة صفات القرب والإحاطة والاستواء معاملة واحدة، فإذا أثبتنا الاستواء أثبتنا القرب، وأثبتنا الإحاطة، وآنذاك، يمتنع التكييف لأنه جمع بين الأضداد.
(فائدة): [رأي المشبهة والجهمية في آية سورة الحديد والرد عليهم]: استدلت المشبهة من الآيات في سورة الحديد: على أنّ الاستواء استواء جلوس على العرش، واختلفوا هل بمماسة أو من غير مماسة، وهل بحد ونهاية أم من غير حد ونهاية، وهل إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أم لا، وكل هذه المصائب العقائدية أتت عليهم من تكييف الاستواء، وأنه يشبه جلوس الملك على كرسيه، وتناسوا أنه ليس كمثله شيء، واستدلت الجهمية من هذه الآيات: على أن الله تعالى موجود بذاته في كل مكان، فأنتصب العلماء أهل الأصول للرد على هذه بدعة وأوضحوا أن كلمة بذاته زيادة شنيعة زادتها زادتها الجهمية في دين الله، وأن الله تعالى قريب لا يغيب عنه مكان ولا يبعد عنه مخلوق ولكنه منزه عن الحلول بذاته في أي مكان، ثم ظهرت الحشوية وقالوا أن الله موجود في مكان دون مكان ومكانه العرش وقال بعضهم أن العرش مكانه وأنه أكبر من ذات الرحمن بمقدار أربعة أصابع استدلوا له بحديث لا يصح ولا يجوز أن نأخذ من مثله حكما في الوضوء والطهارة فضلاً عن حكم يتعلق بذات الرحمن فانتصب الأصوليون من هذه الأمة لهذه البدعة وفندوا أخطاءها وأظهروا عوارها وبينوا أن الأماكن كلها محدودة والله لا حد له وأن الله كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان تنزه عن الحاجة إلى العرش وما دونه من المخلوقات حي قيوم قائم بنفسه قائم على حاجات خلقه ليس كمثله شيء له كمال الغنى سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو سبحانه كما أثنى على نفسه.
و(نحن): نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء كون الذات العلية مستوية مكاناً على العرش قد ورد في الصحيح أن رسول الله قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له رواه البخاري ومسلم وغيرهما فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما يقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يماري فيه إلا جاهل مأفون، و(نقول) لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء إلى السماء أنه الانتقال من الأرض إلى السماء وذلك في قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم} [البقرة 29] أن تصورهم الاستواء بهذه الصورة محض باطل وجهل عظيم ووقاحة في الاعتقاد ومشابهة لليهود في التجسيم والنصارى في الإتحاد والحلول لأنه يدل على حدوث العلو بعد السفل تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا والمعنى الصحيح الذي عليه الأئمة المفسرون أنه سبحانه قصد إلى خلق السماء وليس صعد من الأرض إلى السماء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
[المفتاح الرابع]: استواء الله على العرش استواء صفات لا استواء ذات، لأن جناب الذات غيب لا يُدرك: الله تعالى غيب الغيوب لا يدرك، موجود بلا كيف، لا يجوز تكييف الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي، لا يغيب عنه شيء، وهو أقرب إلى كل شيء من نفسه وذاته، استواؤه استواء صفات، وقربه قرب صفات، وإحاطته إحاطة صفات،وأهل التكييف متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطا) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى (فإني قريب) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته (سبحانه) إنّ المنهج العلمي في معاملة النصوص يستوجب التساوي في فهم الآيات، فلم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، كما أنّ الإحاطة احاطة صفات العلم والسمع والبصر، وجناب الذات لا يدرك ليس كمثله شيء.
(ت) مفاتيح فهم الآيات التي ورد فيها ذكر الوجه واليد والعين والساق
[المفتاح الاول]: أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا: قال تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} [محمد: 38] ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال، جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد رحمه الله التي رواها أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي (ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن لله عز وجل وجها لا كالصور المصورة والأعيان المخططة بل وجهة وصفه ..ومن غير معناه فقد ألحد عنه وليس معنى وجه معنى جسد عنده ولا صورة ولا تخطيط ومن قال ذلك فقد ابتدع) ([181]) .
وجاء فيه أيضا: ” لا يجوز أن يسمى جسما وأنكر (أي الإمام أحمد) على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الأسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل ” أهـ ([182]) .
وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات: ” باب في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات… إلى أن قال: وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية إنه جسم قال: وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال إنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال إنه مركب من لحم ودم، تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) [النساء: 171] “ ([183]) .
[المفتاح الثاني]: [مجاز الوجه في القرآن] المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها: قوله تعالى {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم، ومنه قوله تعالى (وكان عند الله وجيها) أي ذا منزلة عند الله، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين، وكذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا}[المائدة: 108]، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه، وكذلك قوله تعالى {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[البقرة: 112].
فهل المقصود إسلام الوجه، أم الذات كله، لا شك أن المقصود الذات، لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله.
(قلت): وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة.
[المفتاح الثالث]: [مجاز اليد في القرآن]: والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}، فهل للقرية يدين ؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها، وقوله تعالى (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}، هل للرحمة يدين ؟، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل، وقوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
(قلت): توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد (بما كسبتم وكسبت أنفسكم)، وقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر، فهذا لا يقوله عاقل، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى، وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق، وهكذا هاهنا، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، ومعنى الآيات: أن اليهود لعنهم الله عز وجل قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى {بل يداه مبسوطتان} ؟ قلت: ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا، وقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبعض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزئ يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات.
وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد)، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، فإن قالوا: القدرة لا تثن، وقد قال {بيدي} قلنا بلي قال العربي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد} وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة} وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه، فإن أصروا وجادلوا قلنا: قال الله تعالي في محكم التنزيل {إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى {ثم قال له كن فيكون}، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته.
وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية {لما خلقت بيدي} أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه، على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها، وهذا الوجه مقبول ضمناً، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه.
[المفتاح الرابع]: [وأما مجاز العين في القرآن]: فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
[المفتاح الخامس]: وأما [مجاز الساق في القرآن]: (الساق): في مجاز اللغة يحمل على الشدة و الكرب: تقول العرب: قامت الحرب على قدم وساق إذا اشتد كربها وحمي وطيسها، والآية التي ذكرت فيها الساق قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، والحديث الذي ذُكر فيه الساق مضافا إلى الحق تعالى: أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري الحديث نفسه، وفيه: (فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه، فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا) ([184]) .
والملاحظ أنّ الآية: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} بصيغة المبني للمجهول، وحديث البخاري: (فيكشف عن ساقه) بصيغة المعلوم، وقد نص الحافظ ابن حجر في الفتح نقلا عن الحافظ الاسماعيلي وأقره: (وأما لفظة ” ساقه ” بإثبات الهاء فهي لفظة غير محفوظة) ثم قال الحافظ ابن حجر: (وهو من رواية سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم فأخرجها الإسماعيلي كذلك ثم قال في قوله ” عن ساقه ” نكرة . ثم أخرجه من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ: (يكشف عن ساق)، قال الإسماعيلي: هذه أصح لموافقتها لفظ القرآن في الجملة، لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك ليس كمثله شيء) أهـ ([185]) .
وقد تأول الصحابة والتابعين لكلمة (الساق): أخرج شيخ المفسرين الطبري في تفسيره بسنده: ” (1) عن ابن عباس: يوم يكشف عن ساق قال هو يوم حرب وشدة،(2) عن ابن عباس يوم يكشف عن ساق قال عن أمر عظيم كقول الشاعر وقامت الحرب بنا على ساق،(3) وكان ابن عباس يقول يكشف عن أمر عظيم ألا تسمع العرب تقول وقامت الحرب بنا على ساق، (4) عن ابن عباس قوله يوم يكشف عن ساق يقول حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه،(5) عن ابن عباس قوله يوم يكشف عن ساق هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة،(6) عن مجاهد قوله يوم يكشف عن ساق قال شدة الأمر وجده،(7) عن مجاهد قوله يوم يكشف عن ساق قال شدة الأمر، (8) عن سعيد بن جبير قال عن شدة الأمر،(9) عن قتادة في قوله يوم يكشف عن ساق قال عن أمر فظيع جليل،(10) عن عكرمة في قوله يوم يكشف عن ساق قال هو يوم كرب وشدة “ ([186]) . (قلت): وليس الطبري وحسب ولكن كل المفسرين المحسوبين على أهل السنّة والجماعة، عدا أهل الحشو والتجسيم وهم أقل قليل، وانظر – خشية الإطالة – البرهان للزركشي في علوم القرآن والإتقان في علوم القرآن للسيوطي وتفسير الثعالبي وتفسير الواحدي وتفسير أبي السعود وتفسير النسفي وروح المعاني للألوسي وقال فيه: (ذهب بعضهم إلى أن المراد بالساق ساقه سبحانه وتعالى وإن الآية من المتشابه واستدل على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا وأنكر ذلك سعيد بن جبير أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أنه سئل عن الآية فغضب غضبا شديدا وقال إن أقواما يزعمون أن الله سبحانه يكشف عن ساقه وإنما يكشف عن الأمر الشديد وعليه يحمل ما في الحديث على الأمر الشديد أيضا ” أهـ، ([187]) .
[المفتاح السادس]: أثبت بعض علماء أهل السنة والجماعة بالآيات صفات لله تعالى (وجه وعين ويد وساق)، ولكنها صفات غير معلومة وليست اجزاء من الذات: الوجه واليد والعين في اللغة اجزاء من ذات وليست صفات، ولكنها إن تعلقت بالله فهي صفات، نفوض معناها الحقيقي إلى الله تعالى، لأنها خرجت عن معانها في اللغة الذي هو (الجزئية والبعضية) لان الله تعالى ليس كمثله شيء، له الأحدية المطلقة، التي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، إذن: الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات،.
[المفتاح السابع]: [المدرسة السلفية المعاصرة والتجسيم]: للأسف تبنت المدرسة السلفية المعاصرة منهجا مخالفا لمنهج السلف في باب الصفات الخبرية كالوجه واليد والعين، حيث اوهموا الناس بان الوجه واليد والعين صفات محكمة لله تعالى مثلها مثل صفات العلم والقدرة والسمع والبصر، ثم أوهموا الناس أن من فرق بينهما فهو معطل، وأنه من شر الفرق، ثم كانت الطامة عندما زعموا أنها صفات أعيان، ولا معنى للأعيان في اللغة إلا الأجزاء، فكأنها دعوة إلى التجسيم، نسأل الله تعالى ان يهدينا للحق والصواب، وكل ذلك اتباعا للشيخ ابن تيمية في هذا الباب، وعند التحقيق نجد انّه تورط في مغالطات آلت به إلى ترجيح مذهب التجسيم على مذهب التقديس.
[مغالطات الشيخ ابن تيمية في مسألة نسبة الوجه واليد والعين إلى الله]: الشيخ ابن تيمية رحمه الله كان دائما يلهج لسانه وقلمه بذكر الصفات الخبرية (الوجه واليد والعين)، ولكنه – لكونه غير متخصص في الإلهيات ومعرفة ما يستحيل نسبته إلى الله العظيم – ارتكب في ذلك أربع مغالطات، (المغالطة الأولى): زعم انها صفات وهي في اللغة ليست صفات، لان هناك فرق بين الصفات وبين اجزاء الذات التي ترسم شكل الذات، الصفات كالعلم والقدرة والسمع والبصر، هذه صفات لا خلاف في ذلك، ولكن الوجه واليد والعين (في اللغة) أجزاء من ذات وأبعاض من الذات ترسم شكل الذات، وليست صفات، فكان هذا من التدليس الذي لا يصح، لأن من أظهر صفات الأحدية المطلقة منع الأجزاء والابعاض، ومن أظهر صفات الصمدية المطلقة منع التركيب من الأجزاء والابعاض، (المغالطة الثانية): أنه جعلها صفات محكمة وهي لم تستوف أبدا صفة الإحكام، بل هي متشابهة لأسباب عديدة، من تلك الاسباب: (أ) أن معانيها في اللغة هي الأجزاء والابعاض، وليس الصفات (ب) هذه الألفاظ لا تعود إلى أسماء حسنى، فالقدير يعود إلى صفة القدرة، ولكن الوجه والبد والساق لا ترجع إلى اسم من الأسماء الحسنى، (ث) لم يأت نص في القرآن يشير إلى كونها محكمة، فالمحكم نعلمه من مثل قوله تعالى {فاعلموا ان الله سميع عليم}، و من مثل قوله تعالى {إن الله على كل شيء قدير}، بالتأكيد على صفة القدرة، وكل ما جاء في آيات الوجه واليد والعين أخبار لا تحمل معنى التأكيد، كما أن استعمالها له مجاز معلوم في لغة العرب وهي دائما مصحوبة بقرائن تحتم حملها على المعنى المجازي وسيأتي بيان ذلك، (ت) استعمالها في اللغة على أنها أبعاض من ذات، والأحدية المطلقة تمنع من قبولا الأجزاء والابعاض، والاحدية محكمة لانها تعدل ثلث القرآن، فما عارض الاحدية متشابه لا مناص من ذلك.
(المغالطة الثالثة): أنه جعلها صفات اعيان ولا معنى للاعيان سوى الابعاض وهذا تجسيم، قال في كتابه درء تعارض العقل والنقل صفات عينية،: (كلام الصحابة في إثبات الصفات العينية الخبرية التي تسميها نفاة الصفات تجسيما أكثر من أن يمكن سطره هنا) [درء العقل والنقل]، ومعنى كلامه: أنّ الصفات الخبرية (اليد، العين، الوجه, الأصابع، الساق، الحقو هي عبارة عن صفات عينية أي ليست معنوية وإنما أعيان، ولا معنى للأعيان إلا أن تكون أجزاء من جناب الذات، وليس لها معنى غير ذلك، لأن اليد غير العين والعين غير الساق والساق غير الحقو وكل من هذه أعيان، فوجود أكثر من عين يدل على التركيب لا محالة، والتركيب تجسيم لا محالة.
(المغالطة الرابعة): أنه اتهم من تأولها بالتعطيل وهذا ظلم لأهل العلم المتخصصين في العقيدة، وتعدي على شرع الله، لان تأويلها صادر عن الحبر البحر ابن عباس بسند صحيح، وعن جمع من علماء التابعين وتابعي التابعين واكابر العلماء، والتأويل لا مناص منه عند تعارض الادلة بحمل المتشابه على امهاته من المحكم، أربع مغالطات لابد من التفطن إليها وحل مشكلاتها.
[المفتاح الثامن]: حل إشكال مغالطات ابن تيمية في باب الصفات الخبرية:
[حل إشكالية المغالطة الاولى] تسميتها صفات هو من باب المجاز، لأنها في اللغة اجزاء من ذوات، فليس الوجه واليد والعين سوى أجزاء ترسم شكل الذات، والله تعالى له الاحدية المطلقة التي تمنع من الكثرة وقبول الانقسام، فتسميتها (صفات) هو من باب المجاز، وقد سماها بعض السلف صفات، احترازا من الظن بانها أبعاض من الذات، ولكن عاد ابن تيمية فسمها صفات اعيان، فعادت لا معنى لها سوى الأبعاض.
[حل إشكالية المغالطة الثانية] من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الجوارح والاجزاء والابعاض وعن الصور والأشكال، قوله تعالى: {قل هو الله أحد}، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان له صورة أو جارحة، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال،، الأحدية تمنع من تصور الكثرة في جناب الذات أبدا ولا حتى تصورها أو الفكر فيها لأنه سبحانه ليس كمثله شيء هناك فرق في المعني بين اسم الله الأحد واسمه الواحد، الله واحد لا شريك له، والله احد لا جزء له، و(الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، (الأحدية المطلقة): تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة في جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى أحد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء.
[حل إشكالية المغالطة الثالثة] وكل ما ورد في الشرع مما يوحي الجارحة أو الصورة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، ومثال ذلك (الوجه) فنحمله على جناب الذات أو رضا الرب، إذ العرب يقولون نريد وجهك ويقصدون ذاتك أو يقصدون رضاك، وقوله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله}، اسلام القلب هو الاهم، وعلى ذلك يحمل (الوجه) في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 ‘ 27]، فلا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، والمعنى كل شيء هالك إلا جناب الحق أو ما أريد به رضا الحق، وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم ضال.
[حل إشكالية المغالطة الرابعة] والمغالطة الرابعة في الباب: أنه اتهم من أول تلك المتشابهات بالتعطيل وهذا ظلم لأهل العلم المتخصصين في العقيدة، وتعدي على شرع الله، لان تأويلها صادر عن الحبر البحر ابن عباس بسند صحيح، وعن جمع من علماء التابعين وتابعي التابعين واكابر العلماء، والتأويل لا مناص منه عند تعارض الادلة بحمل المتشابه على امهاته من المحكم، إذ لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه، وهو من الفقه في الدين ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويعلمه التأويل.
ومن الأدلة الشرعية على جواز التأويل بضوابطه الصحيحة: هناك أدلة شرعية تدل على جواز التأويل وانه من باب الرسوخ في العلم:
[الدليل الأول]: أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، دلت الآية على أنّ المحكم هو أصل الكتاب وهم بمثابة الأم للمتشابه، وينبغي رد المتشابه إلى أصله وأمّه، والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة فقال (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ([188]) .
[الدليل الثاني]: أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام، وهو أحد منهجي السلف في معاملة المتشابهات، وهو ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: كتأويله للساق في قول الله تعالى {يوم يُكشف عن ساق} بالكرب شديـد [الطبري]، وتأويله للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله [تفسير الطبري]، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([189]) . وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([190]) . و تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي ([191]) .
فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
[الدليل الثالث]: أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر لذا فلا مناص من التأويل، هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الأزلية الكاملة، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) } [النساء: 126]، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) } [فصلت: 54] وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر باطل، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال وحشو وتجسيم، كما سبق ان ذكرناه.
وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للأجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، إنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر: ولذلك يضطر منكروا التأويل أنفسهم إلى التأويل، يؤولون عند التعارض، ولكن لا يسمونه تأويلا بل يسمونه تفسيرا، مع ذمهم للتأويل في كل حال لفظا، وهذا تلاعب لأن الحاصل هو التأويل، ومن ذلك اضطرار ابن تيمية لتأويل المعية في قوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} بالعلم، بقوله: (مطلع عليكم، عالم بكم)، وقال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار (لا تحزن إن الله معنا) فقد تأوله بالنصر والتأييد، زاعما أن هذا هو التفسير، والنتيجة واحدة وهي التأويل، (تأويل المعية)، فيكون ابن تيمية هنا قد اختار في الحقيقة مسلك التأويل، ومن الأمثلة على تأويل ابن تيمية قوله في الآية الكريمة: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، قال: (هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله) انتهى.، وهذا تأويل لأن ظاهر اللفظ يدل على إسناد القرب إلى الله عز وجل وتفسيره بقرب الملائكة صرف للفظ عن ظاهره، فلماذا يمنعون أهل السنة مما يقومون هم به؟ ولم لا يقال في هذا الصرف إنه تعطيل لم وصف الله تعالى به نفسه كما يتهمون أهل السنة إن أولوا نصا مشابها؟ وما الفرق بين هذا وبين تأويل أهل السنة لقوله تعالى: {جاء ربك} أي جاء أمره؟، ومن تأويل ابن تيمية أيضا ما ذكره عند قول الله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء}، قال: واليهود أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل! فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل وأخبر أن يديه مبسوطتان.
[الدليل الرابع]: يلجأ علماء الأصول إلى التأويل: لضرورة الرد على أهل البدع من المجسمة والحشوية الجاهلين بقواعد التقديس، أو عند انتشار التشبيه والتمثيل بين العامة الذين لا يفهمون البلاغة والمجاز في القرآن والسنّة، بل يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات.
[الدليل الخامس]: التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية: ليس تأويل بالهوى، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح عندهم تتمثل في: (أ) أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية، (ب) وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، مثال ذلك الأحدية في مقابل ذكر الوجه واليد والعين، (ت) وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه وإلاَّ كان التأويل فاسدًا، (ث) وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، وإلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر، (ج) أن يستحيل حمل اللفظ على ظاهره، وإلا أدى إلى وقوع الخلل والخطأ، (ح) أهلية الناظر للتأويل، وذلك بأن يكون متخصصاً صاحب دراية بالأصول والقواعد الأصولية والفقهية، وله ملكة فقهية تؤهله للنظر، و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم، و الله عز و جل يقول: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]، فتلك ضوابط التأويل عندهم، فأين هذا التأويل من تأويل أهل البدع الذين تجري الأهواء في نفوسهم كمجرى الدم في العروق، لقد أراد ابن تيمية أن ينصر مذهب السلف ولكنه لم يدرس الإلهيات على متخصص، ووثق بنفسه، وهجم على هذا العلم بغير مدرس فآل به الحال إلى اعتناق مذاهب الحشوية، وهؤلاء (الحشوية) أهل جهل مركب في باب العقيدة ينسبون إلى الله تعالى الحد والمكان والصور والاشكال والتغير والحدوث، ومذهب هؤلاء الحشوية المبتدعة: تحديد الوجود الإلهي المطلق وتكييفه، مع انهم يقولون بلا كيف، ولكنهم يكيفون الوجود، ويحدونه بجهة واحدة من جهات الكون المخلوق، وقالوا بسبب هذا التكييف الذي وقر في قلوبهم: أنّ الله تعالى موجود (بذاته) على عرشه، فكيفوا جناب الذات وحدوه بالمكان وحدوه بالعرش المحدود، وهؤلاء يعتقدون أنه تعالى متناه لاسيما من جهة التحت، حيث يقابل العرش بظنهم، وأشنع بدعهم قولهم بان جناب الذات الإلهي يقبل الحوادث، وذهلوا عن دليل الخليل إبراهيم عليه السلام {لا أحب الآفلين}، أي ان علة عدم الصلاحية للإلهية هي التغير وقبول الحوادث، وديدنهم الحديث حول ما يتوهمون انه شكل للرحمن، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، يكثرون الحديث عن الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية.
ولا يبقى لنا بعد تلك العقائد الزائغة شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتقديس، و (المصيبة) أنهم يتدثرون بلباس أهل السنة وهم منها عراء، وينتسبون إلى السلف والسلف الكرام منهم براء، وهم -للأسف- قطاع طرق على الكتاب والسنة وعلى علوم الدين في صورة المدافعين عن الدين، يرومون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي القائمة على علوم الدين، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس، ويتصدرون للحديث عن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، ويتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم دائما بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتتبع لهذه للمتشابهات: باب الصورة باب الوجه باب اليد باب اليمين باب الأصابع، باب الأنامل، باب العين، باب الساق، باب الضروس واللهوات، باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، قال العلماء: قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، لقد تسربت إلى (السلفية المعاصرة) مفردات الحشو القديمة، حتى لا تكاد ترى سلفيا معاصرا إلا وهو متأثر ببدعة الحشو والتجسيم، نسأل الله السلامة.
***
(ث) مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي ورد فيها السماء والفوقية والعلو والعروج والصعود والتنزيل
[المفتاح الاول]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الأول: التصريح بالفوقية مقروناً بأداة (من) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، وفي الآية مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل، قال القرطبي: (ومعنى يخافون ربهم من فوقهم أي من عقاب ربهم وعذابه لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء وقيل المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم ففي الكلام حذف) أهـ ([192]) .
وقال بن جهبل وهو يرد على مثبت الجهة: (وأردفه بقوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم وتلك أيضا لا دلالة له فيها عن سماء ولا عرش ولا أنه في شيء من ذلك حقيقة، ثم الفوقية ترد لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا لا يقول به من لا يجسم وبتقدير أن يكون هو المراد وأنه تعالى ليس لجسم فلم لا يجوز أن يكون من فوقهم صلة ل يخافون ويكون تقدير الكلام يخافون من فوقهم ربهم أي أن الخوف من جهة العلو وأن العذاب يأتي من تلك الجهة، وثانيهما: بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير وكما يقال جلس فلان فوق فلان والعلم فوق العمل والصباغة فوق الدباغة وقد وقع ذلك في قوله تعالى {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} ولم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر ومن ذلك قوله تعالى {وإنا فوقهم قاهرون} وما ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم) أهـ ([193]) .
[المفتاح الثاني]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثاني: ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة، قال تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير، قال القرطبي: (وهو القاهر فوق عباده القهر الغلبة والقاهر الغالب وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل قال الشاعر تمنى حصين أن يسود جذاعه فأمسى حصين قد أذل وأقهرا وقهر غلب ومعنى {فوق عباده} فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان كما تقول السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد) أهـ وقال أبو السعود: (وهو القاهر فوق عباده أي هو المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة إلى غير ذلك) أهـ وقال الشوكاني: (قوله وهو القاهر فوق عباده المراد فوقية القدرة والرتبة كما يقال السلطان فوق الرعية) أهـ وقال الألوسي: (وهو القاهر فوق عباده قيل هو استعارة تمثيلية وتصوير لقهره سبحانه وتعالى وعلوه عز شأنه بالغلبة والقدرة وجوز أن تكون الاستعارة بالظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس وقيل إنه كناية عن القهر والعلو بالغلبة والقدرة إن فوق زائدة وصحح زيادتها وإن كانت اسما كونها بمعنى على وهو كما ترى والداعي إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضي القول بالجهة والله تعالى منزه عنها لأنها محدثة بإحداث العالم واخرجه من العدم إلى الوجود ويلزم أيضا من كونه سبحانه وتعالى في جهة مفاسد لا تخفي) أهـ ([194]) .
[المفتاح الثالث]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثالث: التصريح بالعروج إلى الله تعالى، كما في قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، قوله تعالى:{مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 3، 4]، فعند حمل متشابه المعاني على محكمها نجد أنّ معنى قوله تعالى: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} أي من الله تعالى ذي الفواضل والنعم والدرجات التي يمنحها للطائعين من عباده، وقد يكون معناه من الله تعالى ذي العظمة والعلاء، قال الطبري: (وقوله {ذي المعارج} يعني ذا العلو والدرجات والفواضل والنعم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله ذي المعارج يقول العلو والفواضل حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة من الله ذي المعارج ذي الفواضل والنعم) أهـ وقال القرطبي: ({من الله ذي المعارج}، أي ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم قاله ابن عباس وقتادة فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق وقيل ذي العظمة والعلاء وقال مجاهد هي معارج السماء وقيل هي معارج الملائكة لأن الملائكة تعرج إلى السماء فوصف نفسه بذلك وقيل المعارج الغرف أي إنه ذو الغرف أي جعل لأوليائه في الجنة غرفا) أهـ [أما قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}، فعروج الملائكة هو صعودها من سما إلى سماء إلى محل قربته لا مكان وجوده تعالى أن يحويه مكان، وقد تقدم أنّ وجوده أزلي قبل خلق المكان، وأنّ المكان مخلوق محدود مهما اتسع، وأنّ الله تعالى لا يحويه مكان لأنّه خالقه وخالق العرش فمن دونه، قال الواحدي: (تعرج الملائكة والروح يعني جبريل عليه السلام إليه إلى محل قربته وكرامته وهو السماء) أهـ ([195]) .
[المفتاح الرابع]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الرابع: التصريح بالصعود إليه: كما في قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10]، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم، قال الطبري: (قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} قال الحسن وقتادة لا يقبل الله قولا إلا بعمل من قال وأحسن العمل قبل الله منه) أهـ وقال البيضاوي: (وصعودهما إليه مجاز عن قبوله اياهما) أهـ وقال النسفي: (ومعنى قوله إليه إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود أو إلى حيث لا ينفذ فيه الا حكمه) أهـ وقال ابن الجوزي: (فالمعنى والعمل الصالح يرفعه الله إليه أي يقبله) أهـ ، ([196]) .
[المفتاح الخامس]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كما في قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، والمعنى في الآيتين: أي إلى مكان كرامته في السماء، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله، ولأنها منزهة عن معاصي العباد، كما أنّ الله تعالى منزه عن المكان كل الأماكن إليه سواء، ليس مكان منها بعيد عن الله، وهو من جميع عباده قريب وفي تفسير الثعالبي: (وقوله تعالى بل رفعه الله إليه يعني إلى سمائه وكرامته وعيسى عليه السلام في السماء على ما تضمنه حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج) ([197]) .
وقال ابن جهبل وهو يرد على المستدل بالآية على اثبات المكان لله: (وأتبعها بقوله تعالى: {إني متوفيك ورافعك إلي}، وما أدري من أين استنبط من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية هل ذلك بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام أو هو شيء أخذه بطريق الكشف والنفث في الروع ولعله اعتقد أن الرفع إنما يكون في العلو في الجهة فإن كان كما خطر له فذاك أيضا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية وإن لم يقل بهما فلا حقيقة فيما استدل به وإن قال بهما فلا حاجة إلى المغالطة ولعله لم يسمع الرفع في المرتبة والتقريب في المكانة من استعمال العرب والعرف ولا فلان رفع الله شأنه) ([198]) .
[المفتاح السادس]: مفتاح حل اشكالية المتشابه السادس: التصريح بالعلو، كما في قوله تعالى:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سـبأ: 23]، وقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]، وقوله تعالى: {سَـبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، ونقول المراد بالعلو هاهنا هو علو الرتبة والمقام، كما في قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام: {قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى}، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي، وأنّه أعلى مسافة منه، وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع، وقد أخرج البخاري قصة أحد وفيها: (ونادَى أبو سفيان فقال (اعْلُ هُبَل) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم (الله أعلَى وأَجَلُّ)، فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة، وإلا فما التمدح المرجو من ارتفاع المسافة، وهل إذا كان حراس الملك يحرسونه وهم في شرفة عالية، هل هم الأعلون أم أنّ الملك وإن كان في السفل أعلى منهم، لأنّه الملك الآمر الناهي، هذا على سبيل تفهيم الأمر وأنّه لا علاقة لعلو المكان في بيان الربوبية والإلهي والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة، والمسلم حين يقول وهو ساجد . {سبحان رَبِّيَ الأعلَى}، معناه: سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً، سبحانه وتعالى، وليس المعنى أن الله تبارك وتعالى عالٍ بالمكان والحَيّز والجهة، وعلى هذا الحمل للمتشابه على المحكم أطبق المتخصصون في العقيدة والعلماء الراسخون في العلم، قال القرطبي في تفسيره: (ووصفه تعالى بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ [تفسير القرطبي: سورة الملك].
[المفتاح السابع]: مفتاح حل اشكالية المتشابه السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ…} [آل عمران: 7]، وقوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 2] وهذا من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول صلى الله عليه وسلم، ودليل وجوده في اللوح المحفوظ قوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21، 22]، ودليل نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة، قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ} [الدخان: 3]، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، وقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، ولما أخرجه النسائي والحاكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم)، فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء.
[المفتاح الثامن]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206]، وقوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[الأنبياء: 19]، المراد من العندية في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ}، وقوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ}، هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان، قال القرطبي: (لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده عن الزجاج وقال غيره لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله وقيل لأنهم رسل الله كما يقال عند الخليفة جيش كثير وقيل هذا على جهة التشريف لهم وأنهم بالمكان المكرم فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة) أهـ وقال أبو السعود: {إن الذين عند ربك} وهم الملائكة عليهم السلام ومعنى كونهم عنده سبحانه وتعالى قربهم من رحمته وفضله لتوفرهم على طاعته تعالى لا يستكبرون عن عبادته بل يؤدونها حسبما أمروا به ويسبحونه أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه وله يسجدون أي يخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به شيئا) أهـ وقال الشوكاني: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته المراد بهم الملائكة قال القرطبي بالإجماع قال الزجاج وقال: {عند ربك}، والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده) ([199]) .
(تنبيه): القصد من قوله: (والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده): أنّه قريب ليس كمثله في قربه شيء، وإلا فاللفظ المناسب هو أنّ الله تعالى منزه عن المكان لأنّ الأماكن كلها محدودة والله تعالى منزه عن الحدود، وقال النسفي: (أن الذين عند ربك مكانة ومنزلة لا مكانا ونزلا يعنى الملائكة لا يستكبرون عن عبادته) أهـ ([200]) . وقال ابن الجوزي، وهو يرد على حشوية الحنابلة في كتابه الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب: (الحديث الخامس والأربعون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضي الله الخلق كتب في كتابه – فهو عنده فوق العرش – إن رحمتي غلبت غضبي، وفي لفظ سبقت)، ([201]) . قال القاضي – يقصد به أبو يعلى -: ظاهر قوله عنده القرب من الذات، واعلم أن القرب من الحق لا يكون بمساحة وإنما ذلك من صفة الأجسام، وقد قال سبحانه وتعالي ” مسومة عند ربك “) أهـ ([202]) .
وقال القاضي ابن جماعة – وهو يرد على مثبت المكان بالعندية بكلام رصين محكم يكتب بماء الذهب -: (الآية الخامسة قوله تعالى: {إن الذين عند ربك}، {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}.. {ابن لي عندك بيتا في الجنة}،.. {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته}، ورد ذلك في الحديث كثيرا كقوله: (أنا عند ظن عبدي بي)، (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي)، كل ذلك ليس المراد به عندية الجهة بل عندية الشرف والكرامة والإعانة والجبر واللطف، لا عندية الحيز والمكان فإن كون الرب تعالى عند الإنسان باعتبار الجهة والمكان محال بالإجماع) أهـ ([203]) .
[المفتاح التاسع]: مفتاح حل اشكالية المتشابه التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى علو الذات والصفات، لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء، تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ، ولما تقدم من اجماع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان، وقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم وقد قيل هو جبريل عليه السلام لأنّه الموكل بالخسف، أو يكون المعنى أأمنتم من في السماء: أي من في السماء أمره أو قضاؤه أو من في السماء (أي العلو) مكانته وقدرته وسلطانه، أما فهم الجهلاء بأن الله تعالى في السماء على سبيل المظروفية والكون في المكان مما لا يكون إلا للأجسام، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى، وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها من صفات العجز والنقص، وإليك طائفة من أقوال الراسخين في علم العقيدة والمتخصصين فيها في فهم الآية ورد متشابهها إلى محكمه، قال القاضي عياض: (لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}: أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم) أهـ ([204]) .
وقال القرطبي – في درة من تنزيهاته -: (تقديره: أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض، وقيل هو إشارة إلى الملائكة وقيل إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب، قلت: ويحتمل أن يكون المعنى أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون فإذا هي تمور) أهـ ([205]) .
وقال العلامة ابن الجوزي – وهو يرد على حشوية الحنابلة: (ومن الآيات قوله تعالي: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} قلت: وقد ثبت قطعيا أنها ليست علي ظاهرها، لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف، وإذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا، بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق) أهـ ([206]) .
وجاء في إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: (وكذلك لا يصح أن يقال لمن هو فوق سطح يسع لدار عظيمة في وسطها من أسفل بيت صغير إنه في ذلك البيت مع أن نسبة العرش إلى السماء أضعاف أضعاف ذلك السطح بالنسبة إلى ذلك البيت، وأيضا فإن بعض الخصوم يقول إنه على العرش وقد قام الدليل القاطع عند العقلاء أن نسبة السماء إلى العرش وعظمته قليل جدا فكيف تسع مع لطفها بالنسبة إلى العرش من هو ملء العرش مع عظمته فإنه يلزم إما اتساع السماء أو تضاؤل الذات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، الثالث اعلم أن السموات كرية لقيام الدليل الحسي والنقلي على ذلك فإن كان في وجهها عندكم فقد جعلتموه كفلك منها وإن كان في جهة البعض فترجيح من غير مرجح، فإن قيل المراد بالسماء الجنس لا المسمى الجميع قلنا يلزم التناقض لأن العرش خارج السموات وقلتم إنه على العرش وأيضا يلزم التجزيء أو كونه متحيز داخلا في حيزين كما سيأتي في قوله تعالى: {وهو الله في السموات}، والكل محال تعالى الله عن ذلك، إذا ثبت ذلك تعين أن المراد إما ملائكة في السماء مسلطون على من شاء الله من الكفار لأن اللفظة تحتمله أو أن المخاطبين كانوا يعتقدون اعتقاد المجسمة فقيل لهم بحسب ما كانوا يعتقدونه في زعمهم أو أن المراد التعظيم وعلو الرتبة والقدرة أي من في السماء ملكوته وسلطانه وملائكته فيكون المراد بالسماء العلو والرفعة، فإن قيل في هاهنا بمعنى على كقوله تعالى: {في جذوع النخل}، قلنا هذا مردود لوجهين: أحدهما: أن ذلك خلاف الأصل وموضوع اللغة التي نزل بها القرآن وممنوع عند المحققين من نحاة البصرة بل هو على بابه لتمكنهم على الجذوع تمكن المظروف من ظرفه لآنهم لم يكونوا مستعلين عليها بل كانوا معها، الثاني لو أريد معنى على كان لفظه أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله: {من في السماء}) أهـ ([207]) .
[المفتاح العاشر]: مفتاح حل اشكالية المتشابه العاشر: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، أقول وبالله التوفيق: جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) } [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85] وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وجاءت الإحاطة في آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ}[فصلت: 54]، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}، فكانت هذه الآية بمثابة المفتاح لمعنى الإحاطة، (الجميع) متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، والقاعدة العامة أن الذات غيب الغيوب لا يُدرك، فالقرب قرب صفات والإحاطة إحاطة صفات، والاستواء استواء صفات، لأن جناب الذات مقدس عن المكان لا يحتاج في وجوده إلى مكان، وكل الأماكن عنده سواء وهو قريب من كل خلقه ولا شيء منها عنه ببعيد، نحن اجسام نحتاج في وجودنا إلى المكان، يميننا يمين المكان وشمالنا شمال المكان، وهكذا تقهرنا الجهات الست، لا مخرج لنا من الكون في المكان، أما خالق المكان فلا يقهره شيء وهو القاهر فوق عباده، ولا يحتاج في وجوده إلى شيء.
[المفتاح الحادي عشر]: فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان وذلك لأنّ: (أولا) الكون في المكان محال على الله، المكان محدث احدثه الله عندما خلق الكون، والذات الإلهي قديم، والقديم يقوم إلا بنفسه، لأنّه الحي القيوم لا يحتاج في وجوه إلى مكان، والمكان أكبر من المتكون فيه، والله اكبر من كل شيء، فلا يصح أن يحويه مكان، (ثانيا): الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة، و (الاحدية المطلقة): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى في مكان، (ثالثا): قوله تعالى (قل هو الله أحد) يعدل ثلث القرآن، ومعناه تقديس عن المكان، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام.
[المفتاح الثاني عشر]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثاني عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، لحديث الترمذي: (إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين) ([208]) . وذلك لأن السماء قبلة الدعاء كما أنّ الكعبة قبلة الصلاة، فترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، قال القرطبي: (الأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند والمراد بها توقيره وتنزيهه على السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان) أهـ ([209]) .
وقال الحافظ الزبيدي: (فإن قيل: إذا كان الحقُّ سبحانه ليس في جهةٍ، فما معنى رفع الأيدي بالدعاء نحو السماء؟. فالجواب: من وجهين ذكرهما الطُّرْطُوشي: أحدهما: أنه محلُّ التعبُّد، كاستقبالِ الكعبةِ في الصلاة، وإلصاق الجبهةِ بالأرضِ في السجود، مع تنـزُّهه سبحانه عن محلِّ البيت ومحلِّ السجود، فكأنَّ السماءَ قبلةُ الدعاء، وثانيهما: أنها لما كانَتْ مهبِط الرزقِ والوحيِ وموضعَ الرحمةِ والبركةِ، على معنى أن المطرَ يَنـزِلُ منها إلى الأرضِ فيخرج نباتًا، وهي مَسكنُ الملإ الأعلى، فإذا قَضَى اللهُ أمرًا ألقاه إليهم، فيُلقونه إلى أهل الأرض، وكذلك الأعمال تُرفَع، وفيها غيرُ واحد من الأنبياء، وفيها الجنةُ -وهي فوق السماء السابعة – التي هي غايةُ الأماني، فلما كانت مَعْدِنًا لهذه الأمور العِظام ومَعرِفةَ القضاءِ والقَدَر، تَصرَّفَت الهِممُ إليها، وتوفَّرَت الدواعي عليها) أهـ ([210]) .
***
(ج) مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي ورد فيها التغير والحدوث
[تمهيد]: (الحدوث): هو الوجود بعد ان لم يكن موجودا، وهذا صفة المخلوق لأنّه ممكن الوجود كان عدما فأوجده الله من العدم، والله تعالى هو الأول بلا ابتداء واجب الوجود وذاتي الوجود لا يقبل العدم ولا الفناء، و(الحوادث): هي ما يطرأ على الذات من التغيّرات المختلفة، من قبيل: الحركة والسكون، والقيام والقعود، والنوم واليقظة، واللذّة والألم، والنشاط والضعف، والظهور، والأفول، ونحوها من الأعراض التي تنقل الذّات من حالة إلى أخرى، ودليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث: أنّ الحوادث تستلزم التغيّر والانفعال والتأثّر، لأنّ الذات التي تطرآ عليها الحوادث تتغيّر وتنفعل وتنتقل من حالة إلى أخرى، وهذه من صفات الأشياء المادية والجسمانية، والله تعالى ليس كمثله شيء، منزّه عن الأمور المادية والجسمانية، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، فسبحان من لا يقبل الأفول، وسبحان من لا يدخل عليه التغير والزوال، ولا ينتقل من حال إلى حال، ومن هيئة إلى هيئة، له الكمال المطلق فلا يقبل التغير والحدوث ولا يقبل الزيادة ولا النقصان لأنّه الإله الحق الذي له التقديس والكمال، وليست صفة القدم الأزلي إلا لله وحده هو المستحق سبحانه للإلهية فلا معبود بحق سواه.
[المفتاح الاول]: الجمع بين الآية والحديث من قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقول نبيه صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) [سبق تخريجه]، يجعلنا نعلم يقيناً: أنه لا قديم أزلي إلا الله: والعالم كله مُحدَثٌ مخلوق أحدثه الله تعالى من العدم إلى الوجود، قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ}، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء) دليل على أنّه كان الله ولم يكن شيء معه ولا غيره فهو وحده الأول ذي لا بداية لوجوده، لا قديم أزلي سواه، وكل ما سواه من العالم محدث مخلوق، ومن اعتقد أن شيئًا من العالم بنوعه أو بأفراده لا بداية لوجوده فقد خالف الآية والحديث واجماع أهل الأصول، وقال بقول الفلاسفة والدهرية الذين قالوا بقدم العالم، أو بقول الكرامية: انه قديم النوع حادث الآحاد، {هُوَ الْأَوَّلُ} جملة أسمية، المبتدأ (هو)، والخبر (الأول) كلاهما معرفة للدلالة على أنه وحده (الأول) الأزلي الذي لا يشاركه في هذه الصفة غيره، ويؤيد ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ) [سبق تخريجه]، فلا شيء معه ولا شيء غيره ولا شيء قبله، لا بداية لوجوده، لا يشاركه في القدم الأزلي شيء من خلقه، فلا قديم أزلي إلا الله، وشرط الإلهية القدم وإلا كان الخالق محدثا مخلوقا، وشرط القدم الكمال المطلق، لأنّ الأزلية تنزيه عن النقص كما سيأتي بيانه، فالإله لابد وأن يكون قديما أزليا اول بلا ابتداء، ومن الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) [سبق تخريجه]، وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم، وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته جل جلاله، و (القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدم الزمان، فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما وهو قاهر لهما فلا تأثير لهما عليه لأن الإله له القدم الأزلي فلا يتغير، ولا تتغير صفاته.
[المفتاح الثاني]: تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 76 إلى 79]، تماشى الخليل عليه السلام مع قومه ليقيم لهم الحجة بأنّ الكواكب والقمر والشمس لا تصلح للإلهية لأنها حادثة متغيرة علتها الافول، فعلة الكوكب الافول {رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}، وعلة القمر الافول {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}، وعلة الشمس الافول: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين.
[المفتاح الثالث]: سورة الإخلاص تقديس لله عن التغير والحدوث: سورة الإخلاص يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على عدة أصول: وصف الله تعالى بالأحدية (الله أحد)، والصمدية (الله الصمد)، وتنزيهه سبحانه عن حلول الحوادث (لم يلد)، وعن الحدوث (ولم يولد)، وعن مماثلة الخلائق (ولم يكن له كفوا أحد)، فقوله تعالى (الله أحد) يدل على الأحدية واستحالة تقدير الانقسام في ذاته تقدس وتنزه، ويدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى، والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، وقوله تعالى: {الله الصمد} الصمدية كذلك تدل نفي الحدوث لأنّ الصمد من الصمود وهو ضد التغير والحدوث، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} أنه تعالى أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، لأنّه القديم الأزلي المنزه عن أن تحل به الحوادث، ومن فقه الآية {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد – ومن غيرها من الآيات كما سيأتي – تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للمخلوقات الحوادث، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ}:، كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى: {وَلَمْ يُولَدْ}، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ولا مثيل، ولو كان قابلا للتغير والحدوث، أو كان محلاً للحوادث – سبحانه – لكان مثلاً لسائر المخلوقات المحدثة المخلوقة.
[المفتاح الرابع]: كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم، كما أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيقولون إن صفة الكلام لله صفة فعلية وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء قياسا على البشر، ولازم قولهم أن القرآن ليس قديما وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم، وأنه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة.
[المفتاح الخامس]: من جملة أخطاء ابن تيمية: قوله على صفات الله كالعلم والسمع والبصر والكلام أنها قديمة النوع حادثة الآحاد، وهي بدعة غريبة يحتار لها اللبيب لأنها من المحالات والمستحيلات لأنه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل بالأصول، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم أنّ الحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، إنّ هذه المقولة (قديم النوع حادث الآحاد) لا أساس لها من الصحة او البرهان كما سبق أن ذكرناه.
[المفتاح السادس]: كل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و كل ما يقوله أهل الجهل والبدعة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، إنّ القول بقبول جناب الذات الإلهي (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول، بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، وقد أجمع علماء الأصول المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وقد نقل الإجماع في ذلك، الإمام النووي، والغزالي، والرازي، ومن السادة الحنابلة الإمام ابن الجوزي والامام عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي الأثري، قال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر) أهـ ([211]) .
وقال الإمام النووي: (اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال قائلون تتأول على ما يليق بها، وهذا أشهر المذهبين للمتكلمين، وقال آخرون: لا تتأول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى وانتفاء صفات الحوادث عنه، فيقال مثلاً: نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به، مع أنا نعتقد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن الحلول وسمات الحدوث، وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم) اهـ ([212]) .
وكل متون العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية تنص على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث.
[المفتاح السابع]: المدرسة السلفية المعاصرة للأسف تسير على كلام الإمام ابن تيمية وكانه معصوم، وهذا أضر بهم ضررا بالغا، وهم يتبعونه في أخطائه كما يتبعونه في صوابه، أخطا عندما قال في المنهاج: ” فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض) أهــ ([213]) .
وقال في المنهاج: (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب، قلنا لكم: نعم وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل) أهــ ([214]) .
ومن العجب أن يقول هذا ذاهلا عن حجة سيدنا إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام من احتجاجه بقيام دلائل الحوادث بالقمر والكوكب والشمس وهو التحول من حال إلى حال، وان ذلك دليل على عدم ألوهيتها، لقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية المجسمة شبرًا بشبر، و (الكرامية) خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، وأهم أسباب تبني ابن تيمية لهذه البدعة: زعمه أن العلم بالشيء يتجدد عند الله، فمثلا يزعم ان علم الله بعمل العبد يتجدد عندما يقوم العبد بهذا العمل، وان السمع والبصر يتجددان كذلك وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وكلها شبه زائفة والرد عليها يسير، والرد على تلك الشبة يسير على أهل التخصص، فأما شبهة العلم والسمع والبصر: فإن الله تعالى له سبحانه الكمال المطلق، (الكمال المطلق) لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، وكما أنّ جناب ذات الله تعالى له الكمال المطلق، فكذلك الصفات تابعة للذات، لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ولا تقبل الحدوث والتغير، له كمال العلم، بلا غاية ولا نهاية، علم الله تعالى محيط بكل ذلك، ولا يقبل الزيادة او النقصان، إذ لو قبل الزيادة لم يكن قبل الزيادة كاملاً بل كان به بعض الجهل بمقدار تلك الزيادة، ولو قبل النقصان لم يكن لينسب إلى عالم الغيب والشهادة الذي بكل شيء عليم، وله كمال السمع منكشف على سمعه كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات ويميزها عن بعضها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد بلا زمان لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل فلا يغيب عن سمعه مسموع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، الكل منكشف على سمعه له كمال السمع المطلق فلا تزيد له صفة ولا تنقص بتجدد الأزمان لأنه خالق الزمان فمحال أن يكون خلقه فاعلا في ذاته او في صفاته، وله كمال البصر لا يغيب عن بصره شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان بلا زمان يجري على بصره، وهو بكل شيء شهيد، لا يتجدد له سبحانه لا علم ولا سمع ولا بصر، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك، ولو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وأما شبهة الإرادة، فإن الإرادة عند الإنسان حادثة، لان الإنسان كله حادث مخلوق، ولذلك فإن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة الكاملة الكمال المطلق على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم، وأما شبهة الكلام، فالمشكلة أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيتصورون أن صفة الكلام صفة فعلية وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه لم يتكلم به في الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة لا تتعلق بإرادة الله، بمعنى أنه لا يجوز القول: أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق بالإرادة، لأن هذا القول يحد كلام الله الذي له الكمال المطلق، وللخروج من هذا المأزق ابتدعوا بدعة جديدة وهي في حقيقة الامر من المحالات ومن قبيل التلاعب بالألفاظ، فقالوا قديم النوع حادث الآحاد، ولنا ان نتساءل إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل المركب، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون.
[المفتاح الثامن]: الحنابلة الذين ينتسب إليهم الإمام ابن تيمية براء من هذه التهمة الشنيعة المخالفة لقواعد الأصول جملة وتفصيلا، ولهذا لنا أن تعجب من جرأة ابن تيمية وتجاسره القول بأن صفات الله تعالى قديمة النوع حادثة الآحاد، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله في (فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها وسائر الصفات الخبرية من الوجه واليدين والقدم والعينين ونحوها وسائر صفات الأفعال من الاستواء والنزول والاتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) انتهى، ([215]) .
وحتى الحشوية القدامى أمثال أبو حامد والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني فلم يرضوا بهذا الهراء، لأنه إما قديم لا يقبل الحدث وإما محدث، أما بدعة قديم النوع حادث الآحاد، فهذه لم يقبلها حتى أهل الحشو القدامى الموغلون في الحشو أصحاب عقيدة الشاب الأمرد، قال أبو الحسن ابن الزاغوني في كتابه (لو كان كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون مخلوقا في محل أو لا في محل فإن كان في محل فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري أو ذاتا غير ذاته مخلوقة ومحال أن يكون خلقه تعالى في ذاته لأن ذلك يوجب كون ذاته تعالى محلا للحوادث وهذا محال اتفقت الأمة قاطبة على إحالته) انتهى، ([216]) .
ونقل عنهم ابن تيمية في التسعينية (وقد ظن من ذكر من هؤلاء كأبي يعلى وأبي الحسن وابن الزاغوني أن الأمة قاطبة اتفقت على أنه لا تقوم به الحوادث وجعلوا ذلك الأصل الذي اعتمدوه وهذا مبلغهم من العلم) انتهى ([217]) .
يقول هذا مبلغهم من العلم وأقول ما ذهبوا إليه أصح مما ذهب إليه ابن تيمية من نسبة المحال إلى الله وجر الامة إلى بدعة ضالة لا تصح عند صغار طلبة العلم في مدارس الأصول والتخصص، فإنا لله وإنا إليه راجعون،
[المفتاح التاسع]: قد يتساءل البعض: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلا من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع أو بصر جديدين ، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
***
(ح) مفاتيح فهم الآيات المتشابهات الموهمة للحركةوالتي ورد فيها الاتيان والمجيئ
[المفتاح الاول]: قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، وقال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]، فظن أهل الحشو والتجسيم أنّ المجيء يكون بالذات وأنّ الإتيان يكون بالذات وهذا تجسيم محض، فإنّ الذي يتحرك ويذهب ويجيء ويتنقل بين الأماكن ليس بإله له الكمال المطلق في جناب ذاته، مقدس عن التغير والحدوث (الأفول)، وتلك حجة الخليل عليه السلام، {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ولذلك فإننا نجد المفسرين إذا كان لهم نصيب من العلم فإنهم يحملون المتشابه على المحكم، فقوله تعالى {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، مفتاحه قوله تعالى: {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} [هود: 76]، وقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]، مفتاحه قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل:33]، قال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى: {وجاء ربك}: أي أمره وقضاؤه قاله الحسن، وهو من باب حذف المضاف، وقيل: أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة وهو كقوله تعالى: {إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}، أي بظلل، وقيل: جعل مجيء الآيات مجيئا له، تفخيما لشأن تلك الآيات، ومنه قوله تعالى في الحديث: (يا بن آدم، مرضت فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني، واستطعمتك فلم تطعمني) ([218]) .
وقيل: وجاء ربك أي زالت الشبه ذلك اليوم، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه، قال أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستولت، والله – جل ثناؤه – لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنى له التحول والانتقال، ولا مكان له ولا أوان،ولا يجري عليه وقت ولا زمان لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز) ([219]) .
[المفتاح الثاني]: الله تعالى لا يوصف لا بالحركة ولا بالسكون، وذلك لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، وقد كان دليل الخليل عليه السلام مع قومه ليقيم لهم الحجة بأنّ الكواكب والقمر والشمس لا تصلح للإلهية لأنها حادثة متغيرة علتها الافول، فعلة الكوكب الافول والافول هو الحركة من مكان إلى مكان، وهو التغير والزوال، وهو قبول الحركة والسكون، هذه بعض معاني الافول، والله تعالى هو خالق الأجسام في المكان ثم قدر لها الحركة والسكون فكان الزمان، والله تعالى لا تجري عليه صفات خلقه من الحركة والسكون والكون في المكان وجريان الزمان، وكيف يجرى عليه ما هو أجراه، أو يعود إليه ما هو ابتدأه، إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزّأ كنهه، ولأمتنع من الأزل معناه، وكيف ذلك وهو الاحد المقدس عن البعض والجزء وهو القديم المنزه عن التغير والحدوث، فيمتنع ان يوصف الاحد الصمد القديم الازلي بالزمان ولا المكان، ولا الحركة ولا الزوال ولا الانتقال ولا السكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى الله عمّا يقول الجاهلون علوا كبيرا، كما انّ كلّ متحرّك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به، فمن ظنّ بالله قبول الحركة والسكون كما تقبل به الاجسام المحدودة المحدثة المخلوقة كان من الجاهلين، وكان أبعد الناس عن حجة الخليل إبراهيم {لا احب الآفلين}، أي لا تصلح الكواكب المسخرة المتحركة شرقا وغربا أن تكون لها الإلهية فتعالى الله عما يقولون، والحركة تستلزم خلو الذات المتحرّكة من المكان التي كانت فيه واستقرارها في مكان غير المكان السابق، وهذا باطل بالنسبة إلى الله، لأنّه تعالى منزّه عن المكان، والحركة تستلزم جريان الزمان وقت الحركة والانتقال من مكان إلى مكان، والله تعالى أزلي هو الذي خلق الزمان واجراه، فكيف يجري عليه ما اجراه، وكيف يكون مقهورا لما تحت قهره وعبوديته، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[المفتاح الثالث]: من قواعد تنزيه الله تعالى عن النقص ومماثلة الخلائق: قاعدة أنّ الله تعالى منزه عن الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق، لأنها محدثات لا تكون إلا عند الذي يقبل الحوادث، أما القديم الأزلي الأبدي فلا يقبل جناب ذاته الحوادث ولا يقبل الكيفيات الحسية التي من أمثلتها الجلوس والاستقرار، ولأنها لا تحدث إلا بالجوارح، وتنزيه الله تعالى عن النزول الحسي والصعود الحسي على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، فالله تعالى منزه عن تلك الكيفيات الحسية، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث، لأنّ الكيفيات المحسوسة: من لوازم الأجسام والله تعالى منزّه عن الجسمانية، وأنها حادثة، لكن الباري غير حادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للحوادث، وهي تستلزم التغير والانفعال، والله منزّه من التغير في ذاته.
[المفتاح الرابع]: من أقول أهل العلم في تقديس الله عن الحركة والسكون والتغير والحدوث: قال الإمام أبو حنيفة في (الفقه الأكبر): (وليس قرب الله تعالى ولا بُعده من طريق المسافة وقصرها ولكن على معنى الكرامة والهوان، والمطيعُ قريب منه بلا كيف، والعاصي بعيد عنه بلا كيف، والقرب والبُعد والإقبال يقع على المناجي، وكذلك جواره تعالى في الجنة والوقوف بين يديه بلا كيف) ([220]) .
وقال شيخ المفسرين الإمامُ ابن جرير الطبري: (اجتمع الموحِّدُون من أهل القبلة وغيرهم على فساد وَصْفِ الله تعالى بالحركة والسكون) ([221]) . وقال الإمام مكي القيرواني رحمه الله: (لا يجوز على الله الحركةُ ولا الانتقال ولا التغير من حال إلى حال) ([222]) . وقال القاضي عياض رحمه الله: (لا تجوز على الله الحركةُ والانتقال) ([223]) . وقال الإمام البيهقي في كتابه الأسماء والصفات: (نقلًا عن الحافظ المحدث الفقيه أبي سليمان الخطاب: (والله تعالى لا يوصف بالحركة لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}) أهـــ ([224]) .
[المفتاح الخامس]: كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة المجيء والاتيان والذهاب والاستواء والنزول والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا ننفي ما جاء عن الله في الكتاب والسنّة ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول، لا نتقول على الله بغير علم، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن، (فائدة): الأساس في هذا التقديس هو حجة إمام المتكلمين إبراهيم عليه السلام على قومه، ومن جوز الحركة والنقلة والحركة والسكون والانتقال ومن جوز التغير والحدوث وغير ذلك من لوازم الجسمية فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].
(خ) مفاتيح فهم الآيات والاحاديث المتشابهات الموهمة لحدوث الكلام وانه بحرف وصوت
[تمهيد]: إنّ أصعب المسائل العقدية مسألة الكلام: حتى أنّ البعض زعم أن هذا العلم (علم العقيدة) إنما سمي بعلم الكلام بسبب هذه المعضلة، والفتنة الكبرى التي كانت بين المعتزلة وأهل السنّة (فتنة خلق القرآن) في زمان الإمام أحمد رحمه الله، و كانت بسبب الاختلاف في كلام الله وهل هو قديم أم مخلوق، وهل هو صفة معنوية قائمة بالذات أم صفة فعلية يترتب عليها أثر في حق المخلوق، والكلام إذا نسب لله فلابد وأن يكون قديما كقدم الذات، وكيف يكون قديما وهو عبارة عن أصوات وحروف والأصوات محدثة والحروف متعاقبة يجري عليها الزمان، وما جرى عليه الزمان فهو محدث، وكلام الله تعالى صفة من صفاته فلابد وان يكون قديما أزليا منزها عن الحدوث، والآيات القرآنية نصت على صفة الكلام لله، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، والآية جاءت على سبيل التأكيد بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، فدل ذلك على انّ لله تعالى صفة الكلام على الحقيقة، وصفات الله تعالى تابعة لجناب ذاته فلابد وان تأخذ حكم الذات، فلها القدم الأزلي والكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا وتقدست صفات الله عن النقصان، ولو قبل النقصان انتفى عنه الكمال المطلق، فتنتفي الإلهية التي من خصائصها الكمال المطلق، هذا حكم كلام الله القائم بذاته، وقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، فدل ذلك على أنّ القرآن الكريم كلام الله، يأخذ حكم الصفات الإلهية من القدم والكمال.
[المفتاح الاول]: أقوال الفرق في مسألة الكلام: منذ نزل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم والمذهب المعروف عند علماء السلف الصالح ان كلام الله صفة لله وصفات الله تابعة لجناب ذاته، ولذلك قالوا: إن القرآن الكريم كلام الله وكلام الله صفة لله وصفات الله تابعة لجناب ذاته، لا يشكون في ذلك ولا يخطر ببالهم سوى ذلك، حتى جاءت المعتزلة ووجدت أن المسموع من القرآن هو الأصوات والحروف، وهذه مخلوقة لا جدال في ذلك، لان الحروف متعاقبة يجري عليها الزمان ففي قولنا بسم الله الرحمن الرحيم لابد وان تكون الباء قبل السين والسين قبل الميم، والأصوات أعراض محدثة يطرأ عليها الابتداء والاستمرار والسكوت وهذه صفات المحدث المخلوق، ووجدوا أن صفات الله قديمة أزلية تابعة لذاته ووجدوا أنّ القديم الأزلي لا يصح معه تعاقب الحروف والأصوات، ولا يطرأ عليه سكوت ولا يصح أن مستمرا متواصلا لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمان، فزعموا أنّ كلام الله ليس صفة لذاته وإنما هو مخلوق يخلقه الله في محل كالشجرة أو لا في محل فيُسمع هذا الكلام لمن شاء من خلقه، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]، وقوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5]، والحدوث ضد القدم، وليس للحدوث عندهم معنى سوى المخلوق، ولم يكونوا على قدر من العلم والتوفيق يسمح لهم بجمع الآيات والأحاديث المتعلقة بصفة الكلام وتنزيل كل دليل منزلته المنوطة به، ولم يكن الله قد فتح عليهم بمعرفة الكلام النفسي الأزلي القديم وما هي صفاته، وسار على قول المعتزلة فيما بعد بعض الشيعة الزيدية والإمامية وبعض الخوارج، والقرآن عندهم مخلوق محدث، وكرد فعل لقول المعتزلة، وقف الإمام أحمد رحمه الله وقفته المعروفة في محنة القرآن ولم يزد على قوله (القرآن كلام الله غير مخلوق) ورفض قول المعتزلة وصبر على البلاء والمحنة في زمان المأمون وفي عهد خلفه المعتصم بالله والواثق بالله وكانوا على مذهب المعتزلة، وانتهت بوصول المتوكل على الله إلى الحكم، فرفع المحنة وأزال الفتنة.
ولكن حشوية الحنابلة الذين لا باع لهم في معرفة أصول الدين ولا رسوخ في العلم يمكنهم من التفريق بين المحدث والقديم، وهم لا يعلمون مقصود أهل التخصص العقدي بقولهم (قديم أزلي) في حق الله تعالى، لأنهم ما عهدوا القدم إلا قدم الزمان وحسب، هؤلاء الحشوية وكرد فعل لخلل المعتزلة ردوا عليهم بخلل جديد فقالوا الحروف قديمة والأصوات أزلية قديمة وغالى المغالون منهم فقالوا الورق الذي كتب عليه القرآن قديم، وهؤلاء ظهروا في زمان الإمام البخاري فرد عليهم بأن القرآن كلام الله قديم ولكن أصواتنا بالقرآن مخلوقة والمسموع كلام الله القديم وأصواتنا وقراءتنا للقرآن من أعمالنا وهي مخلوقة.
وتعرض الإمام البخاري للمحنة كما تعرض لها الإمام أحمد ولكن هذه المرة لم تكن من المعتزلة وإنما من حشوية الحنابلة الذين لا علم لهم بالأصول والفرق بين المحدث المخلوق والقديم الازلي، وفضلاء الحنابلة آنذاك على مذهب الإمام أحمد لا يزيدون على قوله (القرآن كلام الله غير مخلوق) ولم يتعرضوا لمسألة الكلام الأزلي القديم، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع انه الفتح الأكبر في المسألة كما سيأتي، وهو مما لا ينبغي لأحد من العقلاء أن يخالف في ثبوته لله تعالى لتواتر الأدلة عليه وهو الحل لكل معضلات المسألة كما سيأتي، الحاصل ظل الهرج والمرج بين المعتزلة والحشوية هذا يقول لا يعقل إلا مخلوقا لأنه أصوات وحروف متعاقبة خاضعة للزمان لا يُعقل إلا أن تكون مخلوقة، وهذا يقول الأصوات أزلية والحروف قديمة، إلى أن شاء الله بالفتح على يد الإمامين المحققين البارعين المهديين الموفقين صاحبي المذهبين الذين صارا فيما بعد جناحي أهل السنّة والجماعة في أصول الدين، الامام المجدد إمام أهل السنّة والجماعة الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، والأمام ناصر الدين أبو منصور الماتريدي إمام الهدى وإمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين فقاما على تأسيس المذهب العقائدي الواسع للجماعة الناجية كما قام أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد على تأسيس المذهب الفقهي الواسع لأهل السنّة والجماعة، وكم جعل الله على أيديهما حلاً لمشكلات عويصة ضل فيها الآخرون كمشكلة الرؤية والكسب والقضاء والقدر والكفر والإيمان والصحابة والآل، فجمعا ادلة الكتاب والسنّة في مسالة الكلام ونزلا كل دليل على مرتبته الخاصة به فكانت النتيجة المذهب الأمثل: الذي يجعل كلامَ اللهِ يُطلقُ على مرتبتين: (الأولى):الكلامِ النفسيِّ القديمِ القائمِ بذاتهِ تعالى، و(الثانية) الكلامِ اللفظيِّ الذي نقرؤه (القرآن الكريم)، وبهذا صاغا المذهب الأقرب إلى الحق، ووجدا الحل الأمثل لإشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم، والمتمثل في بيان أنّ الكلام النفسي هو الكلام القديم القائم بذات الله وأنه يستحيل (القدم) مع الحرف والصوت، ويستحيل مع القدم ابتداء الكلام أو السكوت، وانه يستحيل مع القدم التغير والحدوث، ثم تفصيل الكلام في الكلام اللفظي (القرآن الكريم) بما يناسب كل مرتبة من مراتب الكلام المتعددة، وبهذا يكونوا قد جمعوا بين الأدلة وانزلوا كل دليل على مرتبته الخاصة به، وصاغوا المذهب المختار في صفة الكلام وردوا على المخالفين بأدلة القرأن والحديث وجاءوا بدرر من التنزيه والتقديس المتعلقة بكلام الله القديم، وسياتي بيان ذلك بالتفصيل.
ولكن لما كانت البدع تجري بأصحابها جري الدماء في العروق فقد ظلت المعتزلة على بدعتها وظلت الحشوية على بدعتها وجاء ابن تيمية سامحه الله بمذهب بدعي جديد خليط بين قول الكرامية والسالمية والحشوية وأهل الاعتزل، وهو قوله (قديم النوع حادث الآحاد) وهو من المستحيلات لأنه إذا كان قديما فلن يقبل الحدث وإذا كان حادثا فلن يكون قديما أزليا، ولأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، الحاصل: أنّ هذا القول الشاذ المستحيل تصوره أماته في مهده أهل الأصول والتخصص وقضوا عليه لتناقضه، حتى جاءت فتنة أهل نجد متمثلة في ظهور الوهابية فأحيوا ما اماته العلماء من أخطاء ابن تيمية وقالوا كما قال بأنّ القرآن قديم النوع محدث الآحاد، وسيأتي بيان شبهتهم والرد عليها إن شاء الله عز وجل.
[المفتاح الثاني]: الله تعالى من صفاته الأزلية الكلام: الكلام صفة لله تعالى على الحقيقة، وكما أنّ له العلم صفة ذات، فإنّ له الكلام صفة ذات: قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، والآية جاءت على سبيل التأكيد بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، فدل ذلك على انّ لله تعالى صفة الكلام على الحقيقة، وصفات الله تعالى تابعة لجناب ذاته فلابد وان تأخذ حكم الذات، فلها القدم الأزلي الذي هو من خصائص جناب الذات، ومما يؤكد صفة الكلام لله، قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}[الأعراف: 143]، وقوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148]، قال القرطبي في تفسير الآية: (ألم يروا أنه لا يكلمهم بين أن المعبود يجب أن يتصف بالكلام) ([225]) .
وكلام الله تعالى القديم صفة لجناب ذاته، لها الإطلاق، فلا حد ولا عد ولا بداية ولا نهاية لصفاته: قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، فلو كان كل شجرة في الأرض أقلاما والبحر مدادا لنفد الماء وتكسرت الأقلام قبل أن تنفد كلمات الله، مما يدل على انّ كلام الله لا بداية ولا نهاية، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27]، فالآية تفيد أن كلماته غير متناهية، فلو أن البحار التي خلق الله كانت مدادا تكتب به، والشجر الذي خلق الله أقلاما تخط به، لنفد مداد البحور، ونفدت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله، فلا يقاس كلام الله تعالى بالكلام المخلوق المحدود المعدود، كلام الله تعالى صفة لذاته فلا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية.
[المفتاح الثالث]: القرآن هو كلام الله على الحقيقة: قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، فالقرآن الكريم كلام الله تعالى على الحقيقة غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك كلام الله، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم على الحقيقة، وقد توعد الله تعالى من نسب القرآن الكريم إلى غير الله بسقر، قال تعالى: {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر: 26 إلى 28]، تحذير عظيم من نسبة القرآن إلى غير الله، ولذلك قال الطحاوي: (من سمعها – أي آيات القرآن – فزعم أنها كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وأوعده بسقر حيث قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} فلما أوعده الله تعالى بسقر على قوله: {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَر}ِ علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر) أهـ ([226]) .
[المفتاح الرابع]: معنى قوله تعالى {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}: نسب الله تعالى قراءة القرآن في موضعين من كتابه الكريم في أحدهما إلى جبريل عليه السلام، فقال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}[التكوير: 15 إلى 21]، والموضع الثاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الحافة: 38، 43]، فدل ذلك على انّ المسموع بالصوت والحرف هو قراءة جبريل عليه السلام، وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي قراءة القراء من امته صلى الله عليه وسلم، ودل ذلك على انّ الكلام كلام الله والمسموع هو كلام الله ولكن القراءة قراءة الرسول جبريل عليه السلام، والمسموع هو كلام الله ولكن القراءة قراءة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهاهنا لفتة مهمة وهي ان اللفظ في الآية {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، فلم يقل إنه لقول ملك كريم ولا قال إنه لقول نبي كريم، بل بلفظ رسول، لأن الرسول لا يأتي بقول من عنده، وإنما القول الذي جاء به هو ما أرسل به من عند الله، إلى الناس كافة، والأمين لا يخون ولا يبدل، فكان القرآن الذي جاء به مصونا من أن يتسلط عليه أحد، وقد بين القرآن مهمة الرسول، فقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور:54، العنكبوت:18]، فكان قوله:{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } بمنزلة قوله: لتبليغ رسول كريم، أو مسموع من رسول كريم؛ وليس معناه: أنه أنشأه، أو أحدثه، وقد توعد الله تبارك وتعالى من قال: إن القرآن كلام البشر بأن يصليه سقر، فقال سبحانه عن الوليد بن المغيرة: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر:٢٢ – ٢٦]، فنسأل الله السلامة والعافية.
[المفتاح الخامس]: معنى قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ}: نسب الله تعالى الحدوث إلى كلامه في آيتين من كتاب الله، (الأولى): قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]، و(الثانية): قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5]، والحدوث ضد القدم، وقد اتفقت كلمة المفسرين والأصوليين على ان المقصود بالمحدث أي إلينا، إذ كل ما تعلق بالقديم قديم وما تعلق بالمحدث محدث، قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: ما يحدث الله من تنـزيل شيء من هذا القرآن للناس، ويذكرهم به ويعظهم إلا استمعوه، وهم يلعبون) أهـ ([227]) . وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وقوله: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث فالمراد أن تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه) أهـ ([228]) .
وجاء في الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: ({مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} يعني: ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن يُذكِّرهم ويعظهم به {إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} يستهزئون به) أهـ ([229]) . فالحدوث متعلق بما نزل إلينا وليس ما نزل من عند الله، فالمرادُ به مُحْدَثُ الإتيانِ لهم لا الوجودِ، لأنّه قديمٌ في العين أزلي الوجود، حادث في الإتيان، والقاعدة أنّ كل ما تعلق بالله قديم أزلي وكل ما تعلق بالمخلوق حادث مخلوق مثله.
[المفتاح السادس]: الأدلة على صفة الكلام النفسي لله تعالى: أثبت القرآن الكريم (الكلام النفسي) بما لا يدع مجالا للشك، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول النفسي: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد ولم يكن بصوت، ولكن سمعهم الله السميع العليم، وقال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، فالقول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}بصوت يُسمع:، وقال تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، قول النفس: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه {وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ}، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، وقال تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، وقال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، والكلام النفسي يقبل معاني القدم فلا يكون بحرف ولا صوت وقد كان فتحا في العلم أن يفرق أهل الأصول ما بين نوعين من الكلام، الكلام النفسي القائم بالنفس، والكلام اللفظي الذي يكون بحرف وصوت، وقد أثبت الأصوليون من أهل السنّة والجماعة (الأشاعرة والماتريدية) لله تعالى القسم الأول (الكلام النفسي) على وجه الحقيقة، وقالوا: إنه معنى قديم قائم بذاته ليس بحرف ولا صوت، قال الباقلاني: (ومما يدل على أن حقيقة الكلام هو المعنى القائم بالنفس من الكتاب والسنة وكلام العرب ما نذكر… وقوله تعالى مخبرا عن الكفار: {ويقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول}، … وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: («أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، ([230]) .ويدل على ذلك أيضا قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (زورت في نفسي كلاما فأتى أبو بكر فزاد عليه) فأثبت الكلام في النفس من غير نطق لسان، وعمر رضي الله عنه كان من أجل أهل اللسان والفصاحة…. والعربي الفصيح يقول: كان في نفسي كلام، وكان في نفسي قول، وكان في نفسي حديث إلى غير ذلك، وأنشد الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما:: جعل اللسان على الفؤاد دليلا ([231]) .
وهذا الكلام النفسي -للأسف- نفته المعتزلة وهذا خطؤهم، لأن الآيات تذكره، وأثبتوا لله الكلام اللفظي فقط، ولما كان الكلام اللفظي بحرف وصوت فمحال ان يكون قديما، قالوا أن الله يخلق الكلام في غير ذي محل، وأما الحنابلة فقد أثبتوا الكلام اللفظي وجعلوه قديما يحرفه وصوته وهذا محال، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع انه الفتح الأكبر في المسألة، وهو مما لا ينبغي لأحد من العقلاء أن يخالف في ثبوته لله تعالى.
[المفتاح السابع]: قواعد التقديس المتعلقة بكلام الله تعالى: كلام الله صفة لذاته وصفات الذات تابعة للذات وذات الله تعالى أحدية لا تقبل الابعاض والاجزاء وصمدية لا تقبل التركيب ولها القدم الازلي مقدسة عن التغير والحدوث بلا بداية ولا غاية ولا حد ولا نهاية لها الغنى الكامل والكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان ولا تحتاج في وجودها إلى المكان ولا يجري عليها زمان، وصفات الله تابعة لجناب ذاته فلا بداية تبتدئ منها ولا نهاية تنتهي إليها أزلية قديمة لا تقبل التغير أو الحدوث ولا تقبل التجدد ولا يجري عليها زمان، فإذا كانت صفة الكلام صفة ذاتية لله فلا بد وأن تكون قديمة، (صفة الكلام): إذا كانت قديمة فيستحيل القدم مع الحرف والصوت، ويستحيل القدم مع ابتداء الكلام ومن ثم السكوت، ويستحيل القدم مع التغير والحدوث، ولهذا فمن فهم معاني القدم الأزلي يستحيل ان ينسب إلى كلام الله تعالى هذه الأشياء.
وقد وردت آثار تدل على ان كلام الله بحرف وصوت، ولكنّ الحرف محمول على تلاوتنا نحن للقرآن ولم يصح حديث واحد في نسبة الصوت لله، فلا يمكن اثبات المحال إلى كلام الله القديم الازلي، ولما علمت المعتزلة ذلك زعمت أنه مخلوق، الشاهد كلام الله القديم منزه عن الحرف والصوت، لأنّ الحروف يسبق بعضها بعضاً، فمثلاً: بسم الله الرحمن الرحيم: لابد أن تكون السين بعد الباء والميم بعد السين، فالحروف متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا محدث وليس بقديم، فمحال نسبة القدم إلى الحروف ومن نسبها من الحنابلة فقد دخل عليه ذلك من باب الجهل بمعنى القدم الأزلي الاصطلاحي عند علماء الأصول وقصارى علمه إنما في القديم بمعنى قدم الزمان أما القدم الازلي فمعناه منع الابتداء والافتتاح (أول بلا ابتداء) والله تعالى لو تكلم بهذه الحروف إما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والتوالي، والأول باطل لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على هذا التعاقب والتوالي، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى، والثاني باطل لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة، ومحال أن تقوم بذات الله صفة محدثة.
فصفة الكلام لله صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه، منزهة عن كل معاني الحدوث، ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن، وكلام الله القديم ليس كمثله كلام فهو قائم بذات الله ليس بحرف ولا صوت ولا يتجدد ولا يطرأ عليه سكوت ولا يتصف بتقديم ولا تأخير ولا ابتداء ولا انتهاء ولا كل ولا بعض ويتعلق بكل ما يتعلق به العلم، فكلاهما عام التعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، ولا تتناهى متعلقات كلامه وهو واحد، لكن تعلق العلم على سبيل الكشف، أما تعلق الكلام فعلى سبيل الدلالة، فالعلم كشف الشيء على حقيقته بغير سبق خفاء، والكلام دلالة على مراد الله بغير سبق سكوت، فصفة الكلام ليست هي صفة العلم، ولا هي صفة الإرادة، بل هي صفة ذاتية تدل على أوامر الله، وكلام الله القائم بذاته لا يكون إلا قديما، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما}، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم، أزال الله المانعَ عن سمع موسى، فسَمعَ كلامَ الله القديم من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود، قال الغزالي: (ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون، وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره، فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات، فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات، وإن عقل كون السماوات السبع وكون الجنة والنار مكتوبة في ورقة صغيرة ومحفوظة في مقدار ذرة من القلب، وأن كل ذلك مرئي في مقدار عدسة من الحدقة، من غير أن تحل ذات السماوات والأرض والجنة والنار في الحدقة والقلب والورقة، فليعقل كون الكلام مقروءاً بالألسنة محفوظاً في القلوب مكتوباً في المصاحف، من غير حلول ذات الكلام فيها، إذ لو حَلّت بكتاب اللّه ذاتُ الكلام في الورق، لحلت ذات اللّه تعالى بكتابة اسمه في الورق، وحلت ذات النار بكتابة اسمها في الورق ولاحترق) أهـ، ([232]) .
وقال الرازي عند تفسير قوله تعالى {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا}: (وكما لا يبعد أن ترى ذات الله مع أنه ليس بجسم ولا في حيز فأي بُعد في أن يسمع كلام الله مع أنه لا يكون حرفا ولا صوتا) أهـ ([233]) .
وصفة الكلام مطلقة لا حد لها، قـال تعالى:{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 1.9]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27]، لقد أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة، (فقالوا): صفة الكلام من صفات الفعل، وأنه قديم النوع حادث الآحاد، بمعنى أنه ينشئ الكلام متى شاء ويسكت عن الكلام متى شاء، وجعلوا الزمان فاعلا في الكلام، وهم لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالزمان ينشئ الكلام متى شاء ويسكت عنه متى شاء، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية، بل محدثة، وهي ليست مطلقة بل محدودة، والقرآن الكريم – على لازم قولهم – محدث لأنه كان بعد أن لم يكن، ويحدون الصفة في حال السكوت على ظنهم، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، يقولون (قديم النوع حادث الآحاد) ولنا ان نتعجب إذ كيف يكون اللفظ الإلهي حادثا شخصًا ويكون في نفس الوقت قديما نوعًا، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثا حتمًا، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديمًا بالنوع، وهذا محال أشد ما يكون بعده عن تدقيق المتخصصين، وهو متناقض، لأنّ الذي يقبل حدوث آحاده لا يكون قديما أبدا وكيف يكون قديما وهو يقبل المحدثات، ولكن إذا لم يكن لديك تخصص فقل ما شئت، و(العجب) من أهل الحشو يغارون على ابن تيمية أن نتكلم في اخطائه ولا يغارون على الله العظيم أن ننسب إليه الحدوث، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
[المفتاح الثامن]: الجمع بين الأدلة وتنزيل كل دليل على مرتبته الخاصة به: لكل كلام مرتبته فكلام القديم قديم وكلام المخلوق مخلوق ولكن كلام الله أنى تصرف فهو كلام الله بلفظه ومعناه غير مخلوق فالقرآن كلام الله على الحقيقة وأصواتنا بالقرآن مخلوقة، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، والذي ينبغي بيانه: أنّ هناك قسمان من الكلام، (القسم الأول): هو (الكلام النفسي) وهذا اثبته السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية وهما المدرستان المتخصصتان في العقائد الإسلامية بحق، وقد أيدوا قولهم بأدلة القرآن، وهذا الكلام الأزلي القديم القائم بذات الله هو الذي نفته المعتزلة وهذا خطؤهم، لأن الآيات تذكره، وأثبتوا لله الكلام اللفظي فقط، ولما كان الكلام اللفظي بحرف وصوت فمحال ان يكون قديما، قالوا أن الله يخلق الكلام في غير ذي محل، وأما الحنابلة فقد أثبتوا الكلام اللفظي وجعلوه قديما بحرفه وصوته وهذا محال، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع انه الفتح الأكبر في المسألة، وهو مما لا ينبغي لأحد من العقلاء أن يخالف في ثبوته لله تعالى، والقسم الثاني من الكلام وهو (الكلام اللفظي): وهو الذي سمعه النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل عليه السلام وسمعه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وسمعه التابعون من الصحابة رضي الله عنهم وهو الذي نسمعه بصوت الحصري والمنشاوي وعبد الباسط وغيرهم من مشاهير القراء، فالقائم بذات الله لا خلاف بين الأصوليين أنه كلام الله على الحقيقة لفظا ومعنى، والذي نسمعه من القراء هو أيضا كلام الله على الحقيقة لفظا ومعنى ولكن بصوت المنشاوي وعبد الباسط فالمتلو كلام الله والذي نسمعه كلام الله ولكن صوت المنشاوي محدث وحرف القرآن الذي نسمعه من المنشاوي محدث، وبذلك نحل الإشكال، فالقرآن أنى تصرف فهو كلام الله والقديم منه ما كان صفة لله قائما بالله، وما كان من المخلوق قائما بالمخلوق من الصوت والحرف فهو محدث، وهذا هو التحقيق وما عداه إذا صدر عن أهل الأصول فهو يتناول أحد الأقسام، فمن تكلم عن الكلام النفسي فإنه يقول أنه كلام الله القائم بذاته بلا حرف ولا صوت ولا ابتداء ولا انتهاء ولا حد ولا غاية، ومن تكلم عن القرآن الذي نسمعه من المنشاوي وعبد الباسط فإنه يقول أنّه كلام الله بحرف المنشاوي وصوته، وهذا لا شك انه محدث مع أن الذي نسمعه هو كلام الله القديم لفظا ومعنى، وهذا القرآن غير قائم بالله تعالى لأنه تعالى لا يكون محلا للحوادث، بل هو قائم بغيره تعالى، وهو لا يتحقق إلا بحروف وكلمات وألفاظ مترتبة متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا محدث وليس بقديم، أوجده الله تعالى في اللوح المحفوظ، وتلاه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كلام الله حقيقة ومعنى يؤديه الناس بحروفهم وأصواتهم حين تلاوتهم له، فكلام المعتزلة محمول على اللفظي، ولكنهم ذهلوا عن الأصل وهو الكلام النفسي القائم بالله فنفوه وهذا أكبر أخطائهم في مسألة الكلام.
وكلام حشوية الحنابلة الأوائل خليط دون تحقيق فأخذوا القدم من الكلام القائم بالله واخذوا الحرف والصوت من الكلام اللفظي المسموع من الخلق، وذهبوا إلى أن كلام الله تعالى مؤلف من أصوات وحروف مترتبة، وأنها قائمة بذاته تعالى قديمة قدم الذات، ولا يخفى ما في كلامهم من التناقض، فإن قيام الصفة بذات الله تعالى يقتضي قدمها لأن الله تعالى لا يكون محلا للحوادث، وكون الكلام مؤلفا من الأصوات والحروف المترتبة يقتضي حدوثها لبداهة تعاقبها وتجددها المستلزم للحدوث، ومذهبهم حشو يجمع بين المحالات، وأما ما قاله ابن تيمية بأنه قديم النوع حادث الآحاد، فهذا من أمحل المحال إذ الآحاد في مجموعها هي النوع فكيف يكون النوع قديما والآحاد حادثة لا يستقيم هذا عند من يفهم الفرق بين القديم والحادث وهؤلاء أبعد الناس عن معرفة معنى القديم وأنه لا يقبل الحادث، فجاءوا بالمحال واعتقدوه وسار خلفهم كل جاهل يعتقد انها قاعدة سحرية حلت كل المشكلات (قديم النوع حادث الآحاد)، وهيهات هيهات، ثم لا محال أن يكون الكلام القائم بذات الله تعالى مسموع لمن شاء الله ان يتجلى عليه بكلامه فيسمعه الكلام الأزلي القديم الذي بغير حرف ولا صوت، سمعه جبريل عليه السلام، وسمعه الكليم موسى عليه الصلاة السلام، ويسمعه المؤمنون يوم القيامة، بغير ان يحل في ذواتهم لأنه صفة الله وصفات الله لا تحل بالمخلوق.
ومن أجاز رؤية الله على سبيل خرق العادة مقدسة عن الصورة والشكل واللون والجهة والزمان والمكان يسهل عليه تصور سماع كلام الله تعالى على سبيل خرق العادة بغير صوت ولا حرف، ومعتقد كل مسلم أنّ المسموع والمكتوب والمحفوظ هو القرآن الكريم كلام الله على الحقيقة، وكلام الله تعالى القائم بذاته لا ينفصل عنه، ولا يحل في غيره من المحدثات، وهذه مراتب للوجود، فهناك وجود في الأعيان، وهناك وجود في الأذهان، وهناك وجود في الأسماع، وهناك وجود في الكتابة، فالكتابة تدل على العبارة، والعبارة تدل على ما في الأذهان، وما في الأذهان، صور لما في الأعيان، والأسماع متعلقة بالعبارة، وليس ما في الأعيان بحال في شيء من الأذهان واللسان والقرطاس والآذان، والدليل عليه اننا إذا كتبنا كلمة (النار) على الورقة فإنها لن تحترق لأن كلمة (النار) التي كتبناها على الورقة ليست هي عين النار، وبالتالي فإنّ الأعيان لا تحل فيما سوى الاعيان، واللفظ الدال على تلك الاعيان هو المكتوب والمقروء والمسموع، والكلام كلام الله على الحقيقة، ويبقى أمر يحتاج إلى إيضاح: وهو أنّ المسموع لسيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ما هو؟ ذهب السادة الأشاعرة إلى انه (الكلام النفسي القديم الذي هو ليس بحرف ولا صوت)، يُسمِعه الله تعالى من يشاء من عباده على سبيل خرق العادة، فإن العادة أن: لا تسمع إلا الأصوات. وذلك على أصلهم: (أن كل موجود يصح أن يسمع كما أن كل موجود يصح أن يرى)، وذهب السادة الماتريدية إلى أن المسموع لهؤلاء هو صوت مخلوق لله تعالى دال على المعنى القائم بنفسه، قال أبو المعين النسفي في التبصرة: (وذكر أبو منصور في كتاب التأويلات أن موسى عليه السلام سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى)، وكان اختصاصه أن الله تعالى أفهمه كلامه بإسماعه صوتا تولى تخليقه من غير أن يكون ذلك الصوت مكتسباً لأحد من الخلق إكراماً منه إياه) أه ([234]) .
والذي أراه: أنّ كلام السادة الأشاعرة هو التحقيق في المسألة وان كلام السادة الماتريدية قريب محتمل وهما المدرستان المتخصصتان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة وان كلام المعتزلة خطأ وأنّ كلام الحشوية بقدم الحروف والأصوات محال وان كلام التيمية والوهابية بقدم النوع وحدوث الآحاد من أمحل المحال، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، وحتى الحنابلة الذين ينتمي إليهم ابن تيمية براء من هذه التهمة الشنيعة المخالفة لقواعد الأصول جملة وتفصيلا، قال السفاريني الحنبلي في اللوامع (فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها … ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) انتهى، ([235]) .
[المفتاح التاسع]: المذهب المختار في صفة الكلام: هو مذهب السادة الأشاعرة لأنّي أراه التحقيق الذي يجمع بين كافة النصوص ويضع كل نص في المرتبة التي تخصه، وهم أعرف الناس بمعاني القدم الازلي وأنه لا يصلح معه اثبات الحرف والصوت والابتداء والانتهاء (أي ابتداء الكلام والسكوت) ولا يصلح معه الاستمرار والتواصل لأنه هكذا يجري عليه الزمان، وهم أعرف الناس بأنّ قدم الحروف القدم الازلي محال وكذلك قدم الأصوات محال، وأنّ من أمحل المحال ما يقوله أهل الجهل بالمقدمات والإلهيات بقدم النوع وحدوث الآحاد، وكلامهم رسوخ في العلم، وهم يقولون: إنّ (صفة الكلام): صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه، دليلها: قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وأنّ (صفة الكلام) صفة أزلية قديمة منزهة عن كل معاني الحدوث، كلام الله أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن، وأنّ (كلامه تعالى) صفة واحدة، لا تعدد فيها، لكن لها أقسام اعتبارية، فمن حيث تعلقه بطلب فعل الصلاة (أمر)، ومن حيث تعلقه بطلب ترك الزنا (نهى)، ومن حيث تعلقه بأن فرعون فعل كذا (خبر)، ومن حيث تعلقه بأن الطائع له الجنة (وعد)، ومن حيث تعلقه بأن العاصي يدخل النار (وعيد)، إلى غير ذلك من الأقسام، وأنّ (الكلام) يطلق على الكلام النفسي القديم بمعنى: أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وصفاته كلها قديمة، والكلام القديم الأزلي هو معنى وراء الأصوات والحروف، وهو المعنى القائم بذات الله تعالى، وهو غير العبارات واللغات إذ قد تختلف العبارات واللغات مما يدل على حدوثها، وأنّ (صفة الكلام) غير صفة العلم، عام التعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، مثل العلم.
ولكن العلم كشف الشيء على حقيقته بغير سبق خفاء، والكلام دلالة على مراد الله بغير سبق سكوت، وأنّه (أزلي) غير تابع للمشيئة مثله مثل العلم لا يتبع المشيئة و(الكلام) صفة قائمة بالنفس قديمة لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى، و (كلامه سبحانه) واحد وانقسامه إلى الأمر والنهي والاستفهام والخبر والنداء بحسب التعلق، وأنّ (كلام الله تعالى القديم) لا يجري عليه زمان فليس هو تعاقب الحروف ولا الكلمات، فإن الله تعالى منزه عن جريان الزمان عن جناب ذاته وصفاته وأفعاله، وإنما يجري الزمان على خلقه ومتعلقات كلامه، وأنّ (كلام الله تعالى) لا حد ولا عد ولا أول ولا آخر لقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27]، وأنّ (كلام الله تعالى) مسموع سمعه الكليم موسى عليه السلام من الله تعالى من غير صوت ولا حرف على سبيل خرق العادة، فقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما}، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم، أي أزال الله المانعَ عن سمع موسى عليه السلام، فسَمعَ كلامَ الله القديم من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود، ومذهبهم في الكلام والقرآن أعدل المذاهب لجمعه بين الأدلة والتوفيق بينها بما لا يخالف قواعد التقديس المستمدة من أدلة الكتاب والسنة كالتقديس عن الحد والبداية والنهاية والغاية والتقديس عن الحدوث وقبول الحوادث والتقديس عن الأعراض المحدثة التي يجري عليها زمان كتعاقب الحروف والاصوات، فلا انتقاص كما قالت المعتزلة أنّ الكلام مخلوق، فحدوه وعدوه، ولا محال كقول الحنابلة بقدم الحروف والأصوات وازليتها ولا تناقض وتعارض ومخالفة لقواعد التقديس كقول التيمية والوهابية بقدم النوع وحدوث الآحاد، قال الغزالي: (ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون، وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره، فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات، فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات) ([236]) . وأنّ (القرآن الكريم): الموجود بين أيدينا هو كلام الله على الحقيقة، وانه قديم أزلي، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم على الحقيقة.
[المفتاح العاشر]: الرد على المعتزلة في مسألة خلق القرآن: قالت المعتزلة: القرآن مخلوق يخلقه الله متى شاء ويكلم بهذا الكلام المخلوق من شاء، وقالوا: إذا قلنا: إن القُرْآن كلام الله، فلا يمنع ذلك أن يكون مخلوقاً، لأننا نقول: بيت الله والبيت مخلوق، وناقة الله والناقة مخلوقة، إذاً كلام الله مخلوق، وهذا خطأ، لأننا نقول علم الله وقدرة الله فهل العلم مخلوق وهل القدرة مخلوقة معاذ الله، ولكن بيت الله إضافة تشريف لأن كل البيوت لله، وناقة الله تشريف لناقة صالح لأنها كانت آية وإلا فكل النوق لله، فالأعيان إذا أضيفت لله فهي على سبيل التشريف والمعان إذا أضيفت لله فهي صفات مثل قدرة الله وعلم الله وكلام الله وعزة الله، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف:54]، فقد فرَّق الله تعالى بين الخلق والأمر، أما الخلق ففعله، وأما الأمر فقوله، والأصل في المتعاطفين التغاير إلا إذا قامت القرينة على عدم إرادة ذلك، وهنا قد قامت القرائن على توكيد الفرق بينهما، ومنها: أن الخلق إنما يكون بالأمر، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[يس: 82]، فقوله تعالى: {كن} هو أمره، فلو كان مخلوقا لاحتاج خلقه إلى أمر، والأمر إلى أمر، إلى ما لا نهاية، وهذا باطل، وقد اكد القرآن الكريم أنّ لله صفة الكلام على الحقيقة وليس فعلا لله كالخلق والرزق، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، والآية جاءت على سبيل التأكيد بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، فدل ذلك على انّ لله تعالى صفة الكلام على الحقيقة، والوصفُ بالتكلُّم مِنْ أوصافِ الكمال، وضده من أوصاف النقص، فالكلام صفة كمال لله عز وجل.
[المفتاح الحادي عشر]: الرد على الحنابلة في مسألة قدم الحرف والصوت: القاعدة عند المتخصصين في علم الأصول وقواعد التقديس: أنّ الحروف متعاقبة، يعقب بعضها بعضًا، وكذلك الأصوات، فلو كان كلام الله بحرف وصوت لكان حادثًا، والله منزه عن الحوادث، فلزم أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت، ولكن للحنابلة رأي آخر وهو أنه يمكن أن تكون الحروف والأصوات أزلية، يقول السجزي الحنبلي: (فإن قالوا: دخول التعاقب إنما يتعين فيما يتكلم بأداة، والأداة تعجز عن أداء شيء إلا بعد الفراغ من غيره. وأما المتكلم بلا جارحة فلا يتعين في تكلمه التعاقب) أه ([237]) . وقال الشيخ أبا بطين الحنبلي:(وقلتم: الحروف يلزمها التعاقب، ويتقدم بعضها بعضًا، فيلزم أن تكون مخلوقة قلنا: إنما يلزم التعاقب في حق من يتكلم من المخارج، والله سبحانه غير موصوف بذلك)([238]).
وإنما التزموا هذا المحال ظنا منهم أنّ أدلة الكتاب والسنّة قد جاءت بالحرف والصوت، فخالفوا القطعي الذي أجمع عليه أهل التخصص بالظني الذي لا يؤيد ما ذهبوا إليه، فأما (الحرف)، فيكفي أهل السنة دليلا على أن الله تعالى لا يتكلم بالحرف ما أنزله الله في القرءان وهو قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [سورة التكوير: 19]، يعني أن القرآن الذي هو اللفظ المنزل هو كلام الله ولكنه مقروء جبريل ليس مقروء الله، وأما (الصوت) فلم يأت فيه حديث صحيح، وهؤلاء يستدلون على الصوت بأحاديث لا يصح الاحتجاج بها في العقيدة عموما فضلا عن اثبات صفات لله وهي في عرف الأصوليين المتخصصين من المحال، وهم لا يعلمون محاذير هذا القول الباطل من نسبة الحوادث والاعراض إلى الله، الشاهد: أحاديث الصوت لا يصح الاحتجاج بها في العقيدة، قال البيهقي في الأسماء والصفات: ” فليس في أحاديث الصوت ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات ” أهـ ([239]) .
ومثل ذلك قاله أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (وبيان مفاتيح هذه الأحاديث كما يلي: فقد روى البخاري في الأدب المفرد بصيغة التمريض، قال: ويُذكر، وفيه: (فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ، أنا الملك أنا الديّان)، وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض من أجل راويه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في ضبطه وحفظه، وأخرجه البخاري في صحيحه عند ذكر الصوت معلقا، ولا يكفي في مسائل الاعتقاد المعلق، وذكره البخاري في كتاب العلم بصيغة الجزم من غير ذكر الصوت) أه ([240]) .
وعليه فقد قد رجح ابن حجر صنيع البخاري لأنه عندما اشتمل على نسبة الحدث والعرض إلى الله تعالى وهو الصوت جعله معلقا لأنه لا تثبت الصفات إلا بأدلة لا اختلاف فيها، قال البيهقي: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، وعندما لم يذكر الصوت وصل الحديث، ثم اختلف الرواة (فينادي بصوت بكسر الياء، أم فينادى بصوت بفتح الياء)، وكلاهما يحمل على المَلَك، (فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ، أنا الملك أنا الديّان)، ([241]) . واعتراض البعض ممن أكلت البدعة قلوبهم وعقولهم بأن لفظ (أنا الديان) دليل على انّ الله بذاته هو المتكلم لا دليل فيه لأنّ الحكم في نهاية الامر يرجع إلى الله، والملَكَ إذا كان يقول هذا عن الله تعالى فالحكم يرجع إلى الله رب العالمين، والدليل عليه أن الواحد منا إذا تلا قول الله تعالى: {إنًّنِي أَنَا الله} [سورة طه: 14]، فليس يرجع إلى القارئ وإنما القارئ ذاكر لكلام الله تعالى ودالُّ عليه بأصواته وهذا بَيّنٌ لمن لم تأكل البدعة قلبه وعقله، وأخرج البخاري في الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيّك وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار)، ([242]) . هذا اللفظ رواه رواة البخاري على وجهين، بعضهم رواه بكسر الدال وبعضهم رواه بفتح الدال، ولا محذور، لإن قرينة قوله: (إن الله يأمرك)، تدل ظاهرًا على أن المنادي الملَكَ يأمره الله بأن ينادي، وأخرج الدارقطني الحديث نفسه بلفظ: (يبعث الله يوم القيامة مناديًا بصوت). وهذا بمثابة المحكم الذي يجب أن نرد إليه المتشابه، وبالتالي تُحل المشكلة، ونكون من الراسخين في العلم الذين يردون المتشابهات إلى امهاتها من المحكم، في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ] [آل عمرن:7]، وأخرج أبو داود في السنن: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل حتى إذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم قال فيقولون يا جبريل ماذا قال ربك فيقول الحق فيقولون الحق الحق) ([243]) .والحديث واضح بانّ الصوت للسماء: (سمع أهل السماء للسماء) وهو عند البخاري حديثا معلقا وموقوفا على عبد الله ابن مسعود، والحاصل: ليس في أحاديث الصوت ما يصح الاحتجاج به، قاله البيهقي في الأسماء والصفات ونقله عنه أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري وقال: (قال البيهقي: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي غير حديثه، فإن كان ثابتا فإنه يرجع إلى غيره في حديث ابن مسعود وفي حديث أبي هريرة أن الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتًا، فيحتمل أن يكون الصوت للسماء أو للملك الآتي بالوحي أو لأجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصًّا في المسألة) ([244]) . وقال الكوثري في مقالاته: (ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث) ([245]) . وإني لأتعجب أننسب المحال إلى الله بأسانيد فيها نظر ولها مفاتيح ومخارج، والعجب من استدلالات ابن تيمية حيث يقول: (النداء لا يكون إلا بالصوت، وذلك عند قوله تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وينسج تلميذه ابن القيم على منواله فيقول: (وقد ذكر سبحانه النداء في تسعة مواضع في القرآن أخبر فيها عن ندائه بنفسه، ولا حاجة إلى أن يقيد النداء بالصوت، فإنه بمعناه وحقيقته باتفاق أهل اللغة، فإذا انتفى الصوت انتفى النداء قطعا) أه ([246]) .
وعند التحقيق فإنّه ليس شرط النداء ان يكون بصوت، قصاراه أنه في غالب الاستعمال يكون بالصوت، وقد قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا}، نداء خفيا، فيكون تعارض بين زعمه أنه بصوت وبين قوله نداء خفيا أي لا يسمع له صوت، وكثير من أهل اللغة قالوا: النداء طلب الإقبالِ، وله مخرج يحسم مادة المتشابهات، ويرد المتشابه إلى أمهاته من المحكم: ان يُحمل النداء المضاف إلى الله تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن الله تعالى وأمره، ومثل ذلك سائغ في الكلام غير مستنكر، كما قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَونُ فِي قَوْمِهِ} [سورة الزخرف: 51]، وإنما المراد نادى المنادي عن أمره، وأصدر نداءه عن إذنه، واللغة العربية تسمح بذلك، فلم التنطع ونسبة المحال إلى الله وعندنا المفتاح للتقديس والتنزيه، وصدق الله تعالى حيث يقول: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}.
[المفتاح الثاني عشر]: الرد على مذهب ابن تيمية في مسألة قديم النوع حادث الآحاد: من جملة أخطاء ابن تيمية في العقيدة: -لأنه غير متخصص فيها-: قياسه كلام الله تعالى على كلام البشر، وجعله من الحوادث التي تحدث في ذات الله تعالى، فذكر من تلك الحوادث تجدد المعلومات والمسموعات والمبصرات وتعاقب الكلمات، قال في منهاج السنّة: ” قولُنا بقيام الحوادث بالرَّبِّ إنما هو قولٌ له دليلُه من الشَّرْعِ والعقل “ ([247]) .
وقال في موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول: (والقولُ الحقُّ الصَّحِيحُ أنَّ الله لم يزلْ مُتَكَلِّمًا بحروفٍ متعاقبةٍ لا مجتمعة) ([248]) . وقال في مجموع الفتاوى: (الله يتكلَّم إذا شاء ويسكتُ إذا شاء)([249]) .
وهذا كله جهل وضلال منشؤه من قياس كلام الله تعالى الذي ليس كمثله شيء بكلام المخلوق الذي يتكلم ثم يسكت، ونسي أنّ كلام الله تعالى من صفاته القديمة، وأنّ صفات الله تعالى الذاتية لا تعلق للمشيئة والإرادة بها، وما قاله ابن تيمية تكييف لكلام الله على كلام البشر، لأنَّ الذي يَتَكَلَّمُ ثمَّ يسكتُ يستحيلُ في العقلِ أنْ يكونَ إلها، أليسَ السُّكُوتُ بعدَ الكلامِ علامةُ التغيُّر؟ وكَيْفَ يكونُ مَنْ يطرأ عليه تَغَـيُّـرٌ إلها، وقد قال الخليل إبراهيم عليه السلام: {لا احب الآفلين} أي لا يصلح المتغير من حال إلى حال ان يكون إلها، إنّ الله تعالى له الكمال المطلق، وكمال كلام الله تعالى كمال مطلق ككمال جناب ذاته وصفاته، منزه عن أي نقص، كمال يستحيل عليه الزيادة ولا النقصان، لأنه الكمال المطلق، ومن صعب عليه تصور هذا التقديس فليعتزل التخصص في العقيدة ويدعها لأهلها المتخصصين فيها، لقد أخطأ ابن تيمية واتباعه خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات، لان الإلهيات مبنية على نفي المماثلة، والحس مبني على القياس على المماثلة و كما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث، فكذلك فإن علم التقديس والتنزيه – على صعوبة هضمه وفهمه – يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس، لغلبة الحس عليهم، يصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجوده لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه، ولا يتصورون ذاتا لا يحتاج إلى مكان، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان، و (العامة) لا يتصورون كلاماً إلا يسبقه سكوت ويعقبه سكوت، كما هو حال الإنسان يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء، ولا يتصورون كلاما إلا بحرف وصوت، كما هو جنس كلام البشر بحروف تقبل التقديم والتأخير، وأصوات قد تكون عذبة، وقد تكون مستقبحة، تعالى الله تعالى عن تلك الأضداد والأعراض، وهم لا يتصورون كلاما إلا بصوت قد يكون خافتا أو جهورا، هكذا لأنّه لم ير غير ذلك، ولا يتصورون غير ذلك، وعقلهم الباطن يقيس كل ما غاب عنه بما يُشاهده، فيحكم باستحالة أن يكون الكلام بغير صوت، اتباع الإمام ابن تيمية يتشدقون بانه لا أساس للكلام النفسي الذي قال به أهل التخصص، مع أنه لا مخرج لقدم صفة الكلام إلا بتبني مسألة: (الكلام النفسي) الذي جاء ذكره في القرآن الكريم، إذ لو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، ولكن سمعهم الله السميع العليم، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر، ولو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، لعلموا: أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر بصوت يُسمع: {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا، وهذا القرآن ينطق بذلك، ولو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، لعلموا أنّ من القول قول السر: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقط، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، ومثله تماماً قوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، ولو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص؟ حتى قال بعض الحشوية الأجلاف: (نحن نستدل في الحرف والصوت بقوله تعالى {كهيعص} [مريم:1]، وخصومنا يستدلون بقول الأخطل النصراني (إن الكلام لفي الفؤاد) أهــ، وهذا جهل لان الأدلة من القرآن على الكلام النفسي أبين من الشمس في رابعة النهار، هكذا يقولون وهذا مبلغهم من الجهل المركب فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
ومن جملة أخطاء ابن تيمية نسبته إلى أئمة الحديث وإلى أهل السُّنة والجماعة مذهب الكرامية في مسألة الكلام، ينقل عن أهل السنّة أنهم يقولون: أن الله متكلم بصوت يحدث في ذات الله شيئا بعد شيء، وانه يتكلم بمشيئته وقدرته، وان كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد، وانه بحرف وصوت، وفي هذا جملة من الأخطاء الجسيمة: (أولها): أنّ هذا المذهب ليس مذهب أهل السنّة وليس مذهب أهل الحديث وإنما هو مذهب الكرامية المجسمة، فمذهب الكرامية: (أن الله تعالى تقوم به كلمات تحدث في ذاته وقتا بعد وقت) وابن تيمية ينسب هذا المذهب الرديء الذي أخذه من الكرامية إلى أئمة أهل الحديث، وأئمة أهل الحديث على خلاف ما يدعيه وما يقول، فإن معتقدهم أن ذات الله تعالى لا تحدث فيه صفة تتجدد من وقت إلى وقت، تتجدد في مرور الأوقات، و(الثاني): قوله: (قديم النوع حادث الآحاد) وهي بدعة يحتار لها اللبيب لأنها من المحالات والمستحيلات وهي من قبيل التلاعب بالألفاظ، قال السفاريني الحنبلي: (فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها … ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) انتهى ([250]) .
وحتى الحشوية القدامى أمثال أبو حامد والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني فلم يرضوا بهذا الهراء، لأنه إما قديم لا يقبل الحدث وإما محدث، أما بدعة قديم النوع حادث الآحاد، فهذه لم يقبلها حتى أهل الحشو القدامى الموغلون في الحشو، قال أبو الحسن ابن الزاغوني في كتابه الإيضاح في أصول الدين: (لو كان كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون مخلوقا في محل أو لا في محل فإن كان في محل فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري أو ذاتا غير ذاته مخلوقة ومحال أن يكون خلقه تعالى في ذاته لأن ذلك يوجب كون ذاته تعالى محلا للحوادث وهذا محال اتفقت الأمة قاطبة على إحالته) انتهى ([251]) .
فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك بانّ الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد إضافة إلى كونه من المحال، فإنه قد جعل الزمان حاكما على الله لأنه بمرور الزمان تتجدد صفاته من العلم والسمع والبصر والكلام، فيكون حاله قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، لا المعلوم والمسموع والمبصَر، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، و(الثالث) قوله أنه بحرف وصوت، أما (الحرف)، فيكفي أهل السنة دليلا ما أنزله الله في القرآن، وهو قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [سورة التكوير: 19]، يعني أن القرآن الذي هو اللفظ المنزل كلام الله ولكن مقروء جبريل عليه السلام وليس مقروء الله، وأما (الصوت) فلم يأت فيه حديث صحيح، وقد تقدم، وقال البيهقي في الأسماء والصفات ” فليس في أحاديث الصوت ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات ” أهـ
ومثل ذلك قاله أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري وقال الكوثري في مقالاته: (ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث) ([252]) .
وإني لأتعجب أننسب المحال إلى الله بأسانيد فيها نظر ولها مفاتيح ومخارج، إنّ عدم تمرس ابن تيمية بعلم أصول الدين، وعدم فهمه للمحالات وعدم دراسته لمقدمات الإلهيات وجهله المطبق بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله، جعله هذا الجهل المركب ينسب إلى الله تعالى المحال: قال في كتابه رسالة في صفة الكلام: (وحينئذٍ فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وإن قيل إنه ينادي ويتكلم بصوت ولا يلزم من ذلك قدم صوت معين، وإذا كان قد تكلم بالتوراة والقرآن والإنجيل بمشيئته وقدرته لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين، وإن كان نوع الباء والسين قديمًا لم يستلزم أن يكون الباء المعينة والسين المعينة قديمة لما علم من الفرق بين النوع والعين) انتهى ([253]) .
وهذا الكلام به كمية كبيرة من المغالطات ونسبة المحال إلى الله، يقول: (فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته) كيف يكون قديما وهو يتعلق بالمشيئة والقدرة فكل ما تعلق بهما لا محالة حادث مخلوق، وكيف يكون قديما وهو يقول: (لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين) فالباء قبل السين تعاقب، والتعاقب حدوث يخضع للزمان، فكيف يكون قديما وهو متعاقب، ثم أضحك الثكلى بقوله (قديم النوع حادث الآحاد) إذ كيف يكون اللفظ الإلهي حادثا شخصًا ويكون في نفس الوقت قديما نوعًا، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثا حتمًا، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديمًا بالنوع، وكلامه محال أشد ما يكون بعده عن تدقيق المتخصصين، وهو متناقض، لأنّ الذي يقبل حدوث آحاده لا يكون قديما أبدا وكيف يكون قديما وهو يقبل المحدثات، ولكن إذا لم يكن لديك تخصص فقل ما شئت.
و(العجب) من أهل الحشو يغارون على ابن تيمية أن نتكلم في اخطائه ولا يغارون على الله العظيم أن ننسب إليه الحدوث، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، إنّ مشكلة هؤلاء انهم يقيسون كلام الله على كلام البشر فيقولون أنّ صفة الكلام من صفات الفعل، وينسبون إلى الله الكلام والسكوت، وهذا حد لصفة الكلام لو كانوا يعلمون، كلام الله ليس كمثله كلام فهو أزلي أبدي قديم ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى قديم لا يجري عليه زمان، لأنه في النهاية كلام الله صفة الله، وصفة الله تابعة لذاته، غيب الغيوب لا يُدرك، ليس كمثله شيء وليس كمثل كلامه كلام، لقد أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة، فكما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث، وأما شبهة أهل الحشو المتعلقة بالكلام، فالمشكلة أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر المحدث المحدود الناقص، فيتصورون أن صفة الكلام -كما هي في الإنسان – صفة فعلية تتعلق بالإرادة واستنبطوا وبئس ما استنبطوه: أن الله يتكلم بما شاء متى شاء، ويسكت متى شاء فجعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء، ويرزق من يشاء متى شاء، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم محدثا مخلوقا، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}.
[المفتاح الثالث عشر]: خلاصة القول في مسألة الكلام: الله تعالى متكلم له صفة الكلام، وصفاته قديمة ازلية تابعة لذاته، ولما كان الكلام على قسمين كلام لفظي بحرف وصوت وكلام نفسي بغير حرف ولا صوت، فالأول لا شك انه محدث لتعاقب الحروف والأصوات، والثاني يصلح ان يكون قديما بغير صوت ولا حرف، ومذاهب الناس في الصفة ثلاثة الأول: المعتزلة اختاروا اللفظي وجعلوه مخلوقا، وان الله تعالى إذا أراد ان يتكلم خلق الكلام في محل أو لا في محل، فالكلام ليس صفة له بل هو من مخلوقاته، واختار المجسمة اللفظي وانه قديم بحرفة وصوته، واختار التيمية والوهابية والحشوية انّه قديم النوع حادث الآحاد، وهذا من أعجب الأقوال لأنه يجمع التناقضات، واختارت الأشعرية والماتريدية الكلام النفسي، واعتمدوه أصلا للمسألة، وجعلوا الكلام اللفظي دالا عليه، وهذا القول هو القول الراجح وهو الأقرب إلى الصواب، وهذا يعني أن المخالف لا يكفر لإنكاره الكلام النفسي، والمنكرون لهذا الكلام النفسي – الذي هو الفتح والمفتاح للمسألة – طوائف المجسمة والمعتزلة، وكلاهما يقول بالحرف والصوت، فالمجسمة قالوا: إن كلام الله تعالى ما هو إلا حروف وأصوات، وأن هذه الحروف والأصوات قائمة بذات الله تعالى، ومعلوم أن الحرف والصوت كل منهما حادث، فهذا هو القول منهم بقيام الحادث بذات الله تعالى، وقال زعيمهم وشيخهم إن جنس الكلام قديم وأفراده حادثة وهي الحروف والأصوات، وهؤلاء يعتقدون بقيام الحوادث بذات الله تعالى الله عن ذلك، وهم لا يرون بأسا في أن تكون صفات الله تعالى متألفة من عدد لا نهاية له من الحوادث، ويجوزون التسلسل في الأزل، وكلها محالات عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، ويزعمون أنّ كلام الله تعالى تابع لإرادته فهو يتكلم إذا شاء، وبذلك يكون الله تعالى عندهم مريداً لحدوث صفة من صفاته، وهذا لا يقول به إلا أهل الحشو والتجسيم، ورفضوا نظرية الكلام النفسي مع أنّ الأدلة له في القرآن الكريم كثيرة، واما (المعتزلة) فقد نفوا أن يكون الله تعالى له صفة تسمى صفة الكلام، وأثبتوا الكلام له تعالى فعلاً من أفعاله، وقالوا: إنه يخلق أصواتاً وحروفاً دالة على ما يريد، ورفضوا أيضا نظرية الكلام النفسي مع أنّها المخرج الأمثل لمعضلات قدم صفات الله، ومنها صفة الكلام، وأَعْدَلُ الناسِ مذهبا في الكلام هُمْ أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، وهم أكثر المذاهب توفيقا للنصوص، وقولهم هو الراجح في النظر، فلما ثبت عندهم أن الله تعالى متكلم بنص القرآن، لزمهم أن يقولوا بأن الله تعالى موصوف بصفة الكلام، ولما نظروا في معاني الكلام لم يجدوا إلا صنفين: الأول: الكلام القائم بالنفس المنـزه عن مشابهة الكلام الحادث والثاني هو الكلام الحادث المتألف من الحوادث، وهي الأصوات والحروف، وهو الكلام اللفظي، فأثبتوا (الأول) النفسي صفة قديمة قائمة بذات الله، وجعلوا (الثاني) اللفظي دلالة على الأول، والمسموع كلام الله على الحقيقة، و(الكلام النفسي) حل لكل مشكلات التقديس المتعلقة بكلام الله القديم، فهو مطلق لا أول ولا آخر ولا حد ولا غاية ولا نهاية، يدل على كل ما يدل عليه العلم من مدلولات، أي إنه دال على سائر الواجبات والمستحيلات والممكنات، وهو واحد لا يتعدد وليس من جنس الحروف والأصوات، وهو قديم كسائر الصفات ولا يقاس على صفات البشر فلا يلزم منه التشبيه، والحاصل من كل هذا أن الواجب إنما هو إثبات أن الله تعالى متكلم وأن كلامه ليس ككلام البشر، وانّ القول بقيام الصوت والحرف بالله تعالى خطأ، وأن التحقيق أنه تعالى موصوف بالكلام النفسي الأزلي القديم، وانّ القرآن الكريم أنى تصرف فهو كلام الله على الحقيقة، يبلغه جبريل عن الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويبلغه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله إلى أمته وإلى الناس جميعا، والقرآن الكريم كلام الله تعالى على الحقيقة غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك قديم لا يوصف بالحدوث والخلق، صفة قائمة بذات الله تعالى، ليس كمثل كلامه كلام، والقرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو كلام الله، وأما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله، ورحم الله حجة الإسلام الغزالي فما أجمله وما أرسخه في علم التقديس حين قال: (الركن الثاني العلم بصفات اللّه تعالى ومداره على عشرة أصول، … (الأصل السادس): أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام، وهو وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف، بل لا يُشْبِهُ كلامُهُ كلامَ غيرِه، كما لا يُشْبِهُ وجودُهُ وجودَ غيره، والكلام بالحقيقة كلام النفس، وإنما الأصوات قطعت حروفاً للدلالات، كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات، وكيف التبس هذا على طائفة من الأغبياء، ولم يلتبس على جهلة الشعراء حيث قال قائلهم: (إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا)، ومن لم يعقله عقله ولا نَهاه نُهاه عن أن يقول: لساني حادث، ولكن ما يحدث فيه بقدرتي الحادثة قديم، فاقطع عن عقله طمعك وكف عن خطابه لسانك، ومن لم يفهم أن القديم عبارة عما ليس قبله شيء، وأن الباء قبل السين في قولك بسم اللّه فلا يكون السين المتأخر عن الباء قديماً، فنزه عن الالتفات إليه قلبك فللّه سبحانه سر في إبعاد بعض العباد {ومن يضلل اللّه فما له من هاد}، ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون، وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره، فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات، فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات، وإن عقل كون السماوات السبع وكون الجنة والنار مكتوبة في ورقة صغيرة ومحفوظة في مقدار ذرة من القلب، وأن كل ذلك مرئي في مقدار عدسة من الحدقة، من غير أن تحل ذات السماوات والأرض والجنة والنار في الحدقة والقلب والورقة، فليعقل كون الكلام مقروءاً بالألسنة محفوظاً في القلوب مكتوباً في المصاحف، من غير حلول ذات الكلام فيها، إذ لو حَلّت بكتاب اللّه ذاتُ الكلام في الورق، لحلت ذات اللّه تعالى بكتابة اسمه في الورق، وحلت ذات النار بكتابة اسمها في الورق ولاحترق) أه ([254]) .
[المفتاح الرابع عشر]: حل إشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم: الحاصل أنه ليس في إثبات الصوت لله تعالى حديث يصلح للاستدلال به من جهة السند والمتن، لأن أمر الصفات يُحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره، و الحاصل أنه ليس في إثبات الحرف لكلام الله تعالى دليل، بل قراءة القرآن بالحرف والصوت هي قراءة المخلوقين لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، يعني أن القرآن الذي هو اللفظ المنزل مقروء جبريل ليس مقروء الله، والحروف مسبوق بعضها ببعض، والمسبوق لا يصلح ان يكون قديما، فإن القديم لا ابتداء لوجوده، ولا انتهاء لوجوده، والحروف والاصوات لها ابتداء ولها انتهاء، وصفات البارئ جلّ جلاله قديمة لا ابتداء لوجودها، ومن تكلم بالحروف يترتب كلامه ومن ترتب كلامه كان حادثا، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل التغير ولا الحدوث وبالتالي لا تقبل الزيادة ولا النقصان، والكمال المطلق يمنع التغير والحدوث، وأهل الحشو يعتقدون قيام الحوادث بجناب ذات الله، ومن العجب أنهم أعرضوا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام {لا أحب الآفلين} أي لا يصلح المتغير ان يكون إلها، هؤلاء خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، فمن جوز ابتداء الكلام والسكوت ومن جوز قبول الحادثات فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}، وهؤلاء يقولون بأن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أو خلق مخلوق أوجد في ذاته، كافًا ونونًا (كن) وإرادة حادثة، وعن ذلك تصدر المخلوقات، وهم يقولون: أنّ الحوادث التي تحدث في جناب ذاته هي أقواله وإراداته وتجدد معلوماته وتجدد إدراكه للمسموعات والمبصرات، ويزعمون ان علم الله يتجدد عندما يقوم عباده بما قدر عليهم من أعمال، وان السمع والبصر يتجددان كذلك برؤيته لعباده وسمعه لكلامهم، وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وذهلوا أن شرط الإلهية القدم الأزلي، وأخص صفات القدم الأزلي امتناع قبول الحوادث، لا سبيل للحدوث إليه، فليس في جناب ذاته شيء حادث ولا في صفاته شيء حادث، مشكلة أهل الحشو أنهم لا يفهمون معنى (القـدم الأزلي) الأولية بلا ابتداء، (القديم الذاتي) لا يقبل الحدوث، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، والله تعالى هو الحي الباقي الذي لا يزول، ولا يقبل الفناء.
و(الخلاصة): أنّ الله عز وجل متكلم بكلام قديم أزلي أبدي غير مخلوق ولا محدث ولا مخترع، وصفة الكلام صفة كمال وضدها يستحيل على الله كالخرس والسكوت لأنه حد لصفة الكلام، صفة الكلام لها الكمال المطلق، بل لم يزل في قدمه موصوفا بمحامد الصفات ولا يزال في أبده كذلك منزها عن تغير الحالات، لأن ما كان محل الحوادث لا يخلو عنها وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، صفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة، ولا مخرج للكلام الأزلي المنزه الحدوث والبدايات والنهايات سوى ما قاله أهل التخصص (الكلام النفسي) القائم بجناب الذات والتابع لقدمه الازلي وكماله المطلق، وقد دل القرآن على وجوده بغير حرف ولا صوت، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، وقد ذكرت فيما سبق آيات عديدة تدل على ان القول النفسي لا يلزم منه الصوت، فلا يبقى شك في (الكلام النفسي)، ولا مخرج للتقديس إلا بالقول (بالكلام النفسي) وقد اثبته القرآن، وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى كما في قوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما}، وقد كان الله تعالى متكلما ولم يكن كلم موسى عليه السلام وقد كان الله تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق، فلما كلم الله موسى كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل، كان هذا ما تيسر في حل إشكالات صفة الكلام وبيان أنّ كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان.
***
(6) مفاتيح فهم الأحاديث المتشابهات التي استدل بها المجسمة على مذهبهم الباطل
(1) مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث (خلق الله آدم على صورته).
(2) مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون) .
(3) مفاتيح حل إشكالية نسبة المكان إلى الله في حديث: (أين الله).
(4) مفاتيح حل إشكالية الحركة والنزول في حديث: (ينزل ربنا كل ليلة) .
(أولا) مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث (خلق الله آدم على صورته)
[روايات الحديث]: (الرواية الأولى): رواية صحيحة، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن) ([255]) .
و(الرواية الثانية): رواية صحيحة، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) ([256]) .
و(الرواية الثالثة): رواية ضعيفة لا يصح الاستدلال بها بأي حال: أخرج عبدالله بن أحمد في السنة وابن أبي عاصم في السنة ، من طريق جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر بلفظ: (لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)، ([257]) .
قلت: هذا الحديث لا يصح ولذلك ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: وأعله بأربعة علل، منها ثلاث علل ذكرها ابن خزيمة في كتابه التوحيد ([258]) . – وهو ممن تأول الحديث – الأولى: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسله الثوري ولم يقل عن ابن عمر، والثانية: أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء، والرابعة ذكرها الألباني، وهي: جرير بن عبدالحميد فإنه وإن كان ثقة، فقد ذكر الذهبي في ترجمته من الميزان أنّه قد نُسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، ومما يؤيد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم – وكذا اللالكائي – بلفظ (على صورته) ولم يذكر (على صورة الرحمن) ولفظ (على صورته) هو الصحيح المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة ([259]) .
قلت: ومنه يتبين أنّ الحديث بلفظ (على صورة الرحمن) لا يصح البتة، وأنّه مما رواه بعض الرواة بالمعنى لا باللفظ الصحيح، ولا يبقى لنا إلا الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه بلفظه الصحيح: (على صورته) ومنه يتبين أنّ ما فعله حمود التويجري من المجازفة والخطأ من تصحيح الحديث في كتابه الذي سماه: (عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن)، وقد حاول أن يجيب عن علل الحديث، وفي جميع أجوبته نظر، ثم ما الطائل وراء ذلك؟، أهو ارغام المسلمين على اعتقاد التجسيم ثم ارداف تلك العقيدة بقول: ليس كمثله شيء، وقد زعم أن الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قد صححا حديث ابن عمر رضي الله عنه الذي جاء فيه: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن) قائلاً: فلا ينبغي أن يلتفت إلى تضعيف ابن خزيمة له فصلاً عن تضعيف الألباني له تقليداً لابن خزيمة، وذلك لأن أحمد وإسحاق أعلم بالأسانيد والعلل ممن أقدم على تضعيف الحديث بغير مستند صحيح) ([260]) .
فإن تصحيح الإمام أحمد ليس لهذا الحديث، وإنما لحديث (على صورته) الذي أخرجه البخاري ومسلم، ثم هب أنّ اسحاق أو غيره توهم صحته، فماذا نفعل بتلك العلل التي يستحيل معها تصحيح الحديث، وهذا الحديث برواياته الثلاث هو أقوى ما استدل به المجسمة على التجسيم، ولهذا سأتوسع في بيان مخارجه الصحيحة وبيان معانيه، فإن سلم من شبهات المجسمة فما بعده أيسر، ولما كان للحديث روايات ثلاث فلكل رواية مخرج صحيح ومعنى محكم لابد وأن يرد إليه المتشابه.
[المفتاح الاول]: قوله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم.
[المفتاح الثاني]: قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) معناه عدم إهانة الوجه، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام، وهذا قول ابن حجر وقول ابن خزيمة.
[المفتاح الثالث]: لفظ (لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن) مع ضعفه البين، فإن له – إن ثبت وهو محال لشدة ضعفه – مخرجاً صحيحا يُحمل عليه، وهو إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف، لأنّ الله تعالى خلقه في أحسن صوره مخلوقة ونفخ فيه من الروح المخلوقة، فليست الصورة صورة الرحمن، ولا الروح روح الرب الديان، فآدم على صورة الرحمن، يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف وهذا المخرج هو قول ابن خزيمة.
[المفتاح الرابع]: وهو حمل المتشابه على المحكم، لأنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف والفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنة في ذلك رد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، وتنزه الخالق سبحانه عن مشابهة المخلوق.
(ثانيا) مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون)
[روايات الحديث]: (الرواية الأولى): أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أنَّ النَّاسَ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ هلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ: هلْ تُمَارُونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ليسَ دُونَهُ سَحَابٌ قالوا: لا يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: فَهلْ تُمَارُونَ في الشَّمْسِ ليسَ دُونَهَا سَحَابٌ قالوا: لَا، قالَ: فإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذلكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ، فيَقولُ: مَن كانَ يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَن يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، ومِنْهُمْ مَن يَتَّبِعُ القَمَرَ، ومِنْهُمْ مَن يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وتَبْقَى هذِه الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ هذا مَكَانُنَا حتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنَا، فَيَدْعُوهُمْ فيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فأكُونُ أوَّلَ مَن يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بأُمَّتِهِ، ولَا يَتَكَلَّمُ يَومَئذٍ أحَدٌ إلَّا الرُّسُلُ، وكَلَامُ الرُّسُلِ يَومَئذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ)، ([261]) .
وهذا حديث البخاري بدون ذكر لفظة الصورة، (الرواية الثانية): أخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (قَالَ أُنَاسٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَل نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ فَقَالَ هَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَل تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَليَتَّبِعْهُ فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ وَتَبْقَى هَذِهِ الأمة فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا أَتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ) ([262]) .
(تنبيه) تلاحظ أن الرواية الأولى بغير ذكر الصورة والثانية فيها ذكر الصورة، ولذلك قال البيهقي في كتابه الأسماء والصفات: (هذا حديث قد رواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان دون ذكر الصورة، ثم أخرجه من حديث معمر عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، وفيه ذكر الصورة وأخرجه أيضا من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، ورواه مسلم بن الحجاج عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن أبي اليمان نحو حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد وفيه ذكر الصورة) اهـ ([263]) .
وقال المحدِّث محمد زاهد الكوثري في تعليقه على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي: (اضطربت الروايات في ذكر الصورة والإتيان كما يظهر من استعراض طرق هذا الحديث ومتونه في الصحيحين وجامع الترمذي…. ابن خزيمة وسنن الدارمي وغيرها ولم يسبق أن عرفوه على صورة فعلم أنه قد فعلت الرواية بالمعنى في الحديث ما فعلت، على أن المنافقين محجوبون عن ربهم يوم القيامة، فيكون هذا الحديث مخالفًا لنص القرءان إلا عند من يؤوله تأويلاً بعيدًا، فالقول الفصل هنا هو الإعراض عن ألفاظ انفرد بها هذا الراوي أو ذاك الراوي باختلافهم فيها والأخذ بالقدر المشترك من المعنى الذي اتفقوا عليه فلعلك لا تجد في ذلك ما يوقعك في ريبة أو شبهة…. ويقول ابن العربي في عارضة الأحوذي: «إن الناس في هذه الحال لا يرونه سبحانه في قول العلماء، وإنما محل الرؤية الجنة…. بإجماع العلماء) اه ([264]) . ونقل الذهبي في كتابه “سير أعلام النبلاء” إنكار الإمام مالك للفظ الصورة: ” قال ابن القاسم: سألت مالكًا عمَّن حدَّث بالحديث، الذين قالوا: (إن الله خلق آدم على صورته)، والحديث الذي جاء: (إن الله يكشف عن ساقه)، وأنه (يُدخل يده في جهنم حتى يُخرج من أراد) . فأنكر مالك ذلك إنكارًا شديدًا، ونهى أن يُحدِّثَ بها أحد” اهـ ([265]) .
وإليك مفاتيح الفهم الصحيح للحديث
[المفتاح الاول]: الحديث: (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) الحديث إلى قوله: (فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث، فهم لا يعرفون صورة مسبقة، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال: فيكشف عن ساق أي تنجلي الشدة، ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له.
[المفتاح الثاني]: أقوال أهل العلم في فهم الحديث: جاء في مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة): ” وفي رواية أبي هريرة فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) أي يتجلى علينا بوجه نعرفه (فإذا جاء ربنا) أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة وأمثالها) أهـ [مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة)]، وقال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل: (حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعبدون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا الحديث إلى قوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث: اعلم أن الأدلة العقلية و النقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى كما تقدم فوجب صرفها على ظاهرها إلى ما يليق بجلاله تبارك وتعالى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة) أهـ ([266]) .
وقال الحافظ ابن الجوزي في كتابه كشف المشكل من حديث الصحيحين: (وفي المتفق عليه من حديث أبي هريرة (فيأتيهم في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك، فيأتيهم في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم فيقولون أنت ربنا) وهذا شيء قد تخبط فيه جماعة، فالمتقدمون من السلف قرأوه وعبروا ولم ينطقوا بشيء مع علمهم واعتقادهم أن الصورة التي هي تخاطيط لا تجوز على الله عز وجل ولا التغير، وهذان أصلان لا بد من اعتقادهما، التخاطيط لا تكون إلا في الأجسام، والتغير لا يصلح أن يطرأ على الإله، فإن الخليل عليه السلام عاب النجم بالأفول فقال {لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} [سورة الأنعام]، لأنه علم أن ما يطرقه التغير لا يصلح أن يكون معبودًا فإذا وقع اعتقاد هذين الأصلين ثم سكت الساكت عن تفسير هذه الكلمات فقد سلك مذهب القدماء.. إلى أن قال: وأما الصورة فتتأول على وجهين أحدهما أنها بمعنى الصفة كقول القائل صورة هذا الأمر كذا والثاني أن المذكورات من المعبودات في أول الحديث صور فخرج الكلام على نوع المطابقة.. إلى أن قال: وكان ابن عقيل يقول الصورة على الحقيقة تقع على التخاطيط والأشكال وذلك من صفات الأجسام والذي صرفنا عن كونه جسمًا من الأدلة النطقية قوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى]، ومن أدلة العقول أنه لو كان جسمًا لكانت صورته عرضًا ولو كان جسمًا حاملاً للأعراض لجاز عليه ما يجوز على الأجسام واحتاج إلى ما احتاجت إليه من الصانع، ولو جاز قدمه مع كونه جسمًا لما امتنع قدم أحدنا فليس لله سبحانه عندها ولا القوم الذي أنكروا في القيامة صورة من صور الذوات ينكرونها،…، ثم قال: ولو حمل – ونعوذ بالله – على ما قالت المجسمة من صورة ترجع إلى ذاته لكان ذلك تجويزًا لتغيير صفاته وخروجه من صورة فإن كانت حقيقة فهو استحالة، وإن كانت تخيلاً فليس ذاك هو، وإنما يريهم غيره، فما أشنع مقالة من يصدر قوله عن الجهالة ويتعلق بالظواهر كما تعلقت النصارى في المسيح وقالوا هو روحه حقيقة) اهـ ([267]) .
وقال الإمام أبو سليمان الخطابيّ: (إن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة لأن الصورة تقتضي الكيفية والكيفية عن الله وعن صفاته منفية) [نقله عنه الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات]، وقال الإمام النووي: (وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: (فيأتيهم اللّه في صورته الّتي يعرفون) فالمراد بالصّورة هنا الصّفة، ومعناه: فيتجلّى اللّه سبحانه وتعالى لهم على الصّفة الّتي يعلمونها ويعرفونه بها، وإنّما عرفوه بصفته وإن لم تكن تقدّمت لهم رؤية له سبحانه وتعالى لأنّهم يرونه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، وقد علموا أنّه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته) أهـ ([268]) .
***
(ثالثا) مفاتيح حل إشكالية نسبة المكان إلى الله في حديث: (أين الله)
[تمهيد]: حديث الجارية مشهور وله روايات عديدة مضطربة، فيها من الاختلاف الكثير، فقد جاءت روايات الحديث بألفاظ مختلفة، (الأولى) بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) و(الثانية): بلفظ (من ربك)، و(الثالثة): بلفظ (أين الله)، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) بقولها (نعم) و عندما كان الحديث بلفظ (أين الله) بقولها (في السماء) وروايات أخرى تدل على أنها خرساء أعجمية تشير بيدها فقط فعندما كان الحديث بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) أشارت بالسبابة بمعنى التوحيد وأنه لا إله إلا الله ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله و عندما كان الحديث بلفظ (أين الله) أشارت إلى السماء بمعنى الإيمان بالله وحده ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله حقا، والحديث على رغم صحة السند في أكثر طرقه وحسنها في بعضه الآخر إلا أن ألفاظه مختلفة اختلافا كبيرا لعل ذلك بسبب تصرف الرواة في بعض ألفاظه وهم يروونه بالمعني أو بما فهموه من الواقعة، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم: الامام الحافظ البيهقي: قال في كتابه الأسماء والصفات ” وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الاوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية؟ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث ([269]) .وهذا هو الاضطراب عند علماء الحديث: وهو أن يُروى الحديث بعدّة ألفاظ بِحيث لا يمكن الجمع بينها، وعند علماء مصطلح الحديث يقولون: الاضطراب علةٌ للضَّعف، والعجب ممن ترك الألفاظ المحكمة التي تسأل عن الشهادتين أو عن الله تعالى لإثبات الإيمان ثم ذهب إلى لفظة متشابهة قد تكون رويت بالمعنى ليبتغي بها الفتنة في دين الله من أجل اثبات المكان المخلوق المحدود لله الكبير المتعال المنزه عن الحد والمقدار والمنزه عن المكان والزمان وقد حذرنا الله من أولئك في كتابه الكريم بقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) [آل عمران: 8] وحذرنا منهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) [سبق تخريجه]، وخلاصة الأمر: أن الحديث جاء صحيحا بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين، وجاء بلفظ (من ربك) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان، وجاء بلفظ (أين الله) وقد تكفل علماء أهل السنة شرح تلك الرواية أيضا بما يوافق قواعد التنزيه العامة وأصول الشريعة الغراء، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم.
[روايات الحديث]: للحديث عدة روايات اجتهدت في جمعها من كتب الحديث، وجمع أقوال علماء الحديث حولها وفق قواعد علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل، ورأيت أنها تؤول إلى روايات متعددة لواقعة واحدة اختلف الرواة في ألفاظها، (الرواية الأولى): بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله)، أخرج الإمام مالك عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت نعم، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها) ([270]) .
و(الرواية الثانية): بلفظ (من ربك)، أخرج أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: (يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها فجاءت، فقال: (من ربك؟ قالت الله، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) ([271]) .
و(الرواية الثالثة): بلفظ (أين الله)، وهي رواية صحيحة أيضا أخرجها مالك في موطئه وأبو داود في سننه والنسائي في سننه وأخرجها الإمام مسلم بسنده في صحيحه عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: (بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان قال فلا تأتهم قال ومنا رجال يتطيرون قال ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم قال فلا يصدنكم قال قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك، قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة) ([272]) .
و(روايات أخرى للحديث): منها رواية تدل على أنها كانت خرساء وفيها: (فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً)، وهذه الرواية أوردها الذهبي في كتابه (العلو) وذكر سندها الحافظ المزي في (تحفة الأشراف): من طريق سعيد بن زيد عن توية العنبري عن عطاء بن يسار قال: حدثني صاحب الجارية نفسه قال كانت لي جارية ترعى .. الحديث، وفيه: (فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء؟ قالت الله. قال فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مسلمة) ([273]) . وإسناد هذه الرواية يرقى إلى مرتبة الحديث الحسن، لأنّ سعيد بن زيد ثقة من رجال مسلم وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وسليمان بن حرب وقال عنه البخاري والدرامي: صدوق حافظ، وإن كان يحيى بن سعيد وآخرون قد ضعفوه لذا، فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، وهناك رواية أخرجها البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الظهار باب إعتاق الخرساء إذا أشارت بالإيمان، وصلت من طريق عوف بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة: (أن رجلا أتى النبي بجارية سوداء فقال: يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها: أين الله ? فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها: فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء تعنى أنت رسول الله. فقال رسول الله أعتقها فإنها مؤمنة)، ([274]) .
فإذا كان الغالب أنها نفس القصة السابقة والتي فيها فمد النبي يده إليها مستفهما فتكون المحادثة بالإشارة من الطرفين والله تعالى أعلم، ورواية أخرى أخرجها عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يحيى بن أبي كثير وفيها: (فأشارت إلى السماء) ([275]) .
[المفتاح الاول]: (مفتاح حل الإشكال في الروايات): الروايات السابقة تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها وهو أمر معروف لكل من عمل في مجال الحديث بحثا ودراسة، ولعل هذا السبب ما حدا بالنحويين – سوى ابن مالك – ترك الاحتجاج بالحديث في الإعراب وغيره لتصرف الرواة في ألفاظ الحديث، ومن الملاحظ على تلك الروايات ما يلي: (أ) رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) ورواية (من ربك) في بعض الروايات سندهما واحد من حماد بن سلمة إلى الشريد بن سويد رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ب) رواية (من ربك) ورواية (أين الله) في بعض الروايات سندهما واحد من هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ت) رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) ورواية (أين الله) في بعض الروايات سندهما واحد من عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ث) رواية (أين الله؟ قالت في السماء) ورواية (أين الله؟ فأشارت إلى السماء) في بعض الروايات سندهما واحد من رواية يحيى بن كثير القصة واحدة واللفظ مختلف، (ج) رواية (أين الله) عند مسلم تختلف عن رواية (أين الله) عند مالك، فعند مسلم: (يقول وعلي رقبة أفأعتقها وكان الجواب اعتقها فإنها مؤمنة) وعند مالك: (يقول فعظم ذلك على فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها وكان الجواب أعتقها بدون ذكر فإنها مؤمنة) والرواية الأولى تفيد أن عليه نذرا سابقا والرواية الثانية تفيد أنه إنما أعتقها تبرئة لذمته من ضربها، (ح) بعض روايات الحديث تنص على أن الجارية كانت متكلمة فصيحة وبعضها تنص على أنها كانت خرساء لا تفصح وفيها أن والجواب كان بالإشارة وهاهنا تكون الألفاظ تصرفا من الرواة ويؤيد ذلك ما ورد في بعض طرق الحديث (فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء)، (خ) على اعتبار أن الجارية خرساء عجماء لا تفصح يستقيم السؤال بالإشارة أو بلفظ (أين الله) لمعرفة معبودها – وهاهنا يحل إشكال ألفاظ الحديث – لأن المشركين كانوا يعبدون آلهة في الأرض ويدل على ذلك حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) ([276]) . يقول الإمام الغزالي: (وأما حكمه صلى الله عليه وسلم على بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء فقد انكشف به أيضاً- يعني السر في رفع الأيدي إلى السماء- إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهيم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو وقد كان يُظن بها أنها من عبدة الأوثان ومَن يعتقد اللهَ في بيت الأصنام، فاستُنطقت عن معتقدها فعرَّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقد هؤلاء) ([277]) .
(د) وقد يكون اللفظ (أين الله) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل (لأن الخلاف فيه بين خطأ وصواب) دون الاعتقاد لأن الخلاف فيه بين حق وباطل وبين هدى وضلال وبين سنة وبدعة)، ولذا أخرجه مسلم في باب تحريم الكلام في الصلاة دون كتاب الإيمان حيث اشتمل على تشميت العاطس في الصلاة ومنعِ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الافعال ما يتعلق بتشميت العاطس من هذا الحديث مقتصراً عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء بدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث، (ذ) لفظ (أين الله) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ومصداق ذلك ما أخرجه الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) ([278]) . وما أخرجه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) ([279]) .
(ر) لفظ (أين الله والجواب بأنه في السماء) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ويؤيده ويدل عليه حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين: كم تعبد اليوم إلاهاً؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) ([280]) .
(ز) لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين ومصداق ذلك أن النبي صلى الله عليه وأله وسلم بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء وإنما ذكر شهادة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ويؤيدها كذلك حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) وقد نص غير واحد من العلمـاء على أنه حديـث متـواتر، (س) لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق لإجماع المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم، (ش) ثبت بحسب قواعد مصطلح الحديث وتصريحات بعض أهل الحديث اضطراب متن حديث الجارية الذي في مسلم وغيره بلفظ: (أين الله) وأن الرواية الصحيحة التي ينبغي التعويل عليها هي رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت: نعم، قال: أتشـهدين أني رسول الله قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت: نعم، قال: أعتقها.) ويؤيده الإجماع على أنه لا يحكم لمن قال (الله في السماء) بالدخول في الإسلام والإجماع المقابل على أن الدخول في الإسلام يكون بالشهادتين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، (ص) وأما من قال بصحة حديث الجارية بلفظ (أين الله) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية بلفظ (أين الله) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: (أحدهما): الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و(الثاني): تأويله بما يليق به وهذا هو ما ذكره الإمام النووي عند شرحه للحديث في صحيح مسلم فقال ما نصه: ” قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها (مذهبان): (أحدهما): الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات. و(الثاني): تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها: هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين. أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان اهـ ([281]) .
(ض) الحديث بلفظ (أين الله) فيه التشابه من وجهين: (أحدهما): قولـه صلى الله عليه وسلم لها: (أين الله) فإن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عنه ب (أين) على سبيل المكان الحسي وجوابه كما تقدم أنها كانت خرساء عجماء لا سبيل إلى معرفة إيمانها إلا بإشارتها أن معبودها ليس من الأوثان الموجودة في الأرض وإنما هو رب السماء والأرض، أو أن السؤال محمول على المكانة العالية لا المكان الحسي الذي لا مدح فيه، والوجه الثاني: قولها في السماء وهذا معناه علو المكانة وعظمة الصفات وأنه تعالى منـزه عن صفات الحوادث، ليس كمثله شيء ولله در الحافظ ابن حجر العسقلاني حيث يقول في الفتح: ” فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر، فلا يتوجه على حكمه لِمَ ولا كيف كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث. ” أهــ، ([282]) .
(ط) تقدم مما سبق أن تمسك البعض برواية (أين الله) لإثبات المكان الحسي وإثبات الجهة الحسية لله هو أوهى من بيوت العنكبوت وأن تمسكهم بهذه الرواية تمسك باطل لا وجه له، لأن الحديث الأولى حمله على رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) الموافقة للأصول وأنه إذا حكم بصحة رواية (أين الله) فالمقصود به السؤال عن المكانة والرفعة والمنزلة لا عن المكان والجهة الحسيين، والحديث آنذاك ليس على ظاهره المؤدي إلى التمثيل والتحيز والحد والله تعالى منزه عن ذلك كله {ليس كمثله شيء}.
[المفتاح الثاني]: إنّ صح الحديث بهذا اللفظ (أين الله) فلا اشكال أبدا أبدا في معناه، وهو حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك قالت في السماء أي في اعلى المراتب، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم، وبالتالي فإنّ ّ كل من قال بصحة حديث الجارية بلفظ (أين الله)، وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه يحمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية بلفظ (أين الله) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: (أحدهما): الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و(الثاني): تأويله بما يليق به من المكانة والمنزلة لأن الله تعالى منزه عن المكان، قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ما نصه: ” قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها: هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان) اهـ ([283]) .
وعلى ذلك فإنّه إنّ صح الحديث بهذا اللفظ (أين الله) فلا اشكال أبدا أبدا في معناه، وهو حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك قالت في السماء أي في اعلى المراتب، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، هذا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
***
(رابعا) مفاتيح حل إشكالية الحركة والنزول في حديث: (ينزل ربنا كل ليلة)
[رواية الحديث]: أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) ([284]) .
[المفتاح الأول]: [تعدد معاني النزول في اللغة]: للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها: منها قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر]، ولم نر جملا نازلا من السماء، وإنما المعنى خلق لكم من الانعام ثمانية أزواج، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [سورة الحديد]، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء، والمعنى: وجعلنا الحديد فيه بأس شديد، وفي اللغة تقول العرب نزل البائع في سلعته إذا خفّض سعرها، وقال الشافعي وهو أمام في اللغة يُحتج بلغته، دخلت مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت، والمعنى نزل عن بلاغته المعهودة حتى يساعدهم في فهم كلامه.
[المفتاح الثاني]: اللوازم الفاسدة للنزول الحقيقي: ومن تلك اللوازم: (أ) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول، (ب) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال، (ت) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الأرض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، والنتيجة الحتمية هي النزول والصعود على مدار اليوم، وعلى زعمهم وعقيدتهم فمتى يكون الاستواء على العرش على مفهوم هؤلاء، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك، (ث) كما يقول الرازي: في تفسيره مفاتيح الغيب: أنه إن كان المقصود من النـزول من العرش إلى السماء الدنيا أن يُسْمَعَ نداؤه فهذا المقصود ما حصل، وإن كان المقصود مجرد النداء سواء سمعناه أو لم نسمعه فهذا مما لا حاجة فيه إلى النـزول من العرش إلى السماء الدنيا بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش ومثاله أن يريد مَنْ في الشرق إسماع مَنْ في الغرب ومناداته فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه وهو يعلم أنه لا يسمعه البتـة فههنا تكون تلك الخطوات عملا باطلا وعبثا فاسدا فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى ([285]) .
(ج) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين، وإذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النـزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنـزيهه عن الحركة والانتقال، (ح) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند أهل الأصول المتخصصين في العقيدة، وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم، وحقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
[المفتاح الثالث]: أقوال شرّاح الحديث والعلماء في بيان معنى حديث النزول: (1) قال ابن حجر – في درة من كلامه – في شرح الحديث: (قوله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) استدل به من أثبت الجهة وقال: هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك، وقد اختلف في معنى النزول على أقوال: فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم، ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث إما جهلا وإما عنادا، ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف … وقال ابن العربي: حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث، وعن السلف إمرارها، وعن قوم تأويلها وبه أقول … والحاصل أنه تأوله بوجهين: إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره، وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه .. وقال البيضاوي: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه، فالمراد نور رحمته، أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة) أهـ ([286]) .
(2) وقال النووي – في درة من تنزيهاته – في شرح الحديث: (قوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له) هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان ومختصرهما أن أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين: أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى، وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد، ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق، وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق . والثاني: مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي: أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين أحدهما: تأويل مالك بن أنس وغيره معناه: تنزل رحمته وأمره وملائكته كما يقال: فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره . والثاني: أنه على الاستعارة، ومعناه: الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف، والله أعلم) أهـ ([287]) . وقال رحمه الله في المجموع: (وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران: (أحدهما) تأويله على ما يليق بصفات الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين و (الثاني): الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله سبحانه عن صفات المحدث لقوله تعالى {ليس كمثله شيء} وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين، وحاصله أن يقال لا نعلم المراد بهذا ولكن نؤمن به مع اعتقادنا أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى والله أعلم) أهـ ([288]) .
(3) وقال الإمام البيهقي في كتابه القيم (الاسماء والصفات): (وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال، فحاد عن هذه الطريقة _ طريقة السلف _ حين روى حديث النزول: أقبل على نفسه فقال: إن قال قائل: كيف نزل ربنا إلى السماء؟ قيل له: ينزل كيف يشاء، فإن قال: هل يتحرك إذا نزل؟ فقال: إن شاء يتحرك، وإن لم يشأ لم يتحرك، وهذا خطأ فاحش عظيم، والله تعالى لا يوصف بالحركة، لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون، وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين، والله تبارك وتعالى متعال عنهما (ليس كمثله شيء)، فلو جرى هذا الشيخ على طريقة السلف الصالح ولم يدخل فيما لا يعنيه لم يكن يخرج به القول إلى مثل هذا الخطأ الفاحش .قال: وإنما ذكرت هذا لكي يتوقى الكلام فيما كان من هذا النوع فإنه لا يثمر خيرا ولا يفيد رشدا .ونسأل الله العصمة من الضلال، والقول بما لا يجوز من الفاسد والمحال) أهـ ([289]) .
(4) وقال الإمام العيني في شرح حديث النزول من صحيح البخاري: (لا شك أن النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله منزه عن ذلك، فما ورد من ذلك فهو من المتشابهات، فالعلماء فيه على قسمين: الأول: المفوضة: يؤمنون بها ويفوضون تأويلها إلى الله، عز وجل، مع الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان. والثاني: المؤولة: يؤولون بها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى: ينزل الله: ينزل أمره أو ملائكته وبأنه استعارة، ومعناه: التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك) أهـ ([290]) .
(5) وقال الزرقاني في شرح حديث النزول في الموطأ: (هذا وقد حمل المشبهة الحديث وأحاديث التشبيه كلها على ظاهرها تعالى الله عن قولهم، وأما المعتزلة والخوارج فأنكروا صحتها جملة وهو مكابرة والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا الأحاديث جهلا أو عنادا) أهـ ([291]) .
(6) وقال العلامة ابن الجوزي، وهو من خير الحنابلة وأعلمهم بعد الإمام أحمد: وهو يرد على حشوية الحنابلة ويصحح عقائدهم وذلك في الباز الأشهب: (الحديث التاسع عشر: روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول: من يدعوني فأستجيب له) ([292]) .
(قلت): وقد روى حديث النزول عشرون صحابيا، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير، فيبقى الناس رجلين (أحدهما): المتأول له بمعنى: أنه يقرب رحمته، وقد ذكر أشياء بالنزول فقال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}، وإن كان معدنه بالأرض وقال {وأنزلنا لكم من الأنعام ثمانية أزواج}، ومن لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل ..؟ و(الثاني): الساكت عن الكلام في ذلك. (روي أبو عيسي الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك انهم قالوا: أمروا هذه الأحاديث بلا كيف (قلت) – القائل العلامة ابن الجوزي -: وواجب علي الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلي مكان يقتقر إلي ثلاثة أجسام: جسم عالي، وهو مكان الساكن، وجسم سافل، وجسم ينتقل من علو إلي أسفل، وهذا لا يجوز علي الله تعالي قطعا، فإن قال العامي: فما الذي أراد بالنزول؟ قيل: أراد به معني يليق بجلاله لا يلزمك التفتيش عنه، فإن قال: كيف حدث بما لا أفهمه؟ قلنا: قد علمت أن النازل إليك قريب منك، فاقنع بالقرب ولا تظنه كقرب الأجسام، قال ابن حامد: هو علي العرش بذاته، مماس له، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل، (قلت): – القائل العلامة ابن الجوزي – وهذا رجل لا يعرف ما يجوز علي الله تعالي، وقال القاضي: النزول صفة ذاتية، ولا نقول نزوله انتقال، (قلت) – القائل العلامة ابن الجوزي – وهذا مغالطة، ومنهم من قال: يتحرك إذا نزل، ولا يدري أن الحركة لا تجوز علي الخالق، وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه. ولو كان النزول صفة لذاته، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة) أهـ ([293]) .
(7) وقال القاضي ابن جماعة في كتابه القيم إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل – وهو يرد على اشكالات الحشوية: (الحديث الرابع: عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر الحديث ورواه أبو سعيد إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب يتوب) اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه: (الأول): النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة أجسام منتقل ومنتقل عنه ومنتقل إليه وذلك على الله تعالى محال، (الثاني): لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله وتنقلات كثيرة لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلا ونهارا من قوم إلى قوم وعودة إلى العرش في كل لحظة على قولهم ونزوله فيها إلى سماء الدنيا ولا يقول ذلك ذو لب وتحصيل، (الثالث): أن القائل بأنه فوق العرش وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع سماء الدنيا كل ساعة حتى تسعة أو تضاؤل الذات المقدسة عن ذلك حتى تسعة ونحن نقطع بانتفاء الأمرين، (الرابع) إن كان المراد بالنزول استماع الخلق إليه فذلك لم يحصل باتفاق وإن كان المراد به النداء من غير إسماع فلا فائدة فيه ويتعالى الله عن ذلك، إذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النزول مع قطعهم بأن مالا يليق بجلاله تعالى غير مراد و تنزيهه عن الحركة والانتقال، قال الأوزاعي وقد سئل عن ذلك فقال يفعل الله ما يشاء) أهـ ([294]) .
(8) وقال العلامة عبد الباقي بن عبد القادر – في درة من كلامه – في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: (فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره كآية الاستواء، وحديث النزول وغير ذلك من آيات الصفات إلا بصادر عن النبي أو بعض الصحابة وهذا مذهب السلف قاطبة) أهـ ([295]) .
[المفتاح الرابع]: [المفتاح الأمثل في حل إشكالية حديث النزول]: أخرج النسائي حديث النزول بلفظ: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)، ([296]) . وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله لأنك تقول قطع الأمير يد اللص ولا يكون الأمير بنفسه قد أمـسك السكين وجز المكان إنما المعنى أن يد اللص قطعت بأمر الأمير فتقول قطع الأمير يد اللص وبنى الأمير بيتا وقد لا يكون حمل حجرا واحدا فيه إنما معناه بُـني بأمره، كذلك ينـزل ربنا أي ينـزل الملك بأمر ربنا، ومعلوم أن الإمام في الصلاة إذا قرأ القرآن وقال: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، فإنّه لا يأمر المأمومين بعباده، ولا أحد يعرف العربية يفهم ذلك، وإنما هو كلام الله تعالى على لسان الإمام، وهكذا الملك ينقل قول الله تعالى: (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ)، قال الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في كتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية ما نصه: (قال أهل التأويل إن العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه قالوا والمعنى هنا إن الله تعالى يأمر ملكا بالنـزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره، وقال بعضهم إن قوله: (ينـزل) راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته المقدس فإن النـزول كما يكون في الأجساد يكون في المعاني أو راجـع إلى المَلَك الذي ينـزل بأمره ونهيه تعالى، فإن حمل النـزول في الأحاديث على الجسم فتلك صفة المـلَك المبعوث بذلك، وإن حمل على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل سمى ذلـك نـزولا من مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة والحاصل أن تأويله على وجهين إما بأن المراد ينـزل أمره أو المَلَك بأمره وإما أنه استـعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من التنبيه والتذكير الباعِثَين لهم على الطاعة، وقد حكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبط رواية البخاري بضم أوله على حذف المفعول أي يُنـزل ملكا قالوا ويقويه ما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يُمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)، قال القرطبي: صححه عبد الحق، قالوا: وهذا يرفع الإشكال ويُـزيل كل احتمال والسنة يُفسر بعضها بعضا وكذا الآيات، قالوا: ولا سبيل إلى حمله على صفات الذات المقدس فإن الـحديـث فيه التصريح بتجدد النـزول واختصاصه ببعض الأوقات والساعات وصفات الرب جل شأنه يجب اتصافها بالقدم وتنـزيهها عن التجدد والحدوث، قالوا: وكل ما لم يكن فكان أو لم يثبت فثبت من أوصافه تعالى فهو من قبيل صفة الأفعال، قالوا: فالنـزول والاستواء من صفات الأفعال ” أهـ، ([297]) . وهو كلام يكتب بماء الذهب لمن تدبره.
[المفتاح الخامس]: [الخلاصة في حديث النزول]:
حديث النزول صحيح لا شك في ذلك، ولكن: مقولة (ينزل ربنا نزولا حقيقيا) مقولة خاطئة لا يقولها إلا جاهل بمعناها أو رجل يعتقد بقلبه التجسيم: وذلك لأنّ النزول في لغة العرب بمعناه الحقيقي يتضمن معنى: الانتقال من علوٍ إلى سفلٍ، فمن انتقل من أسفل إلى أعلى، لا يقال في حقه نزل، بل صعد، ويتضمن فراغ الحيز الأعلى واشتغال الحيز الأسفل، فمن كان باقيا في مكانه لا يقال في حقه نزل، ويتضمن: الحركة من أعلى إلى أسفل، والانتقال من مكان عالٍ إلى مكان سافل، ويتضمن: الحركة من أسفل إلى اعلى للرجوع إلى العرش، هذه معاني النزول الحقيقي، وهذا هو المعروف في لغة العرب، فكل من قال: إنَّ معنى نزول الله إلى السماء الدنيا نزولا حقيقيا، وانّه على الحقيقة وليس المجاز، فقد أثبت المعاني السابقة التي تضمنها لفظ النزول، وقد أجمع علماء الأصول على امتناع الحركة في حق الله لأنها من معاني الافول الذي استدل الخليل إبراهيم عليه السلام بأنّ الآفل المتحرك لا يصح ان يكون إلها يعبد، فالنزول لا محالة له حل من ثلاثة حلول، (1) إما بالأخذ بحديث النسائي وانّ النازل ملك، كما جاء في الرواية الصحيحة: (حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر منادياً ينادي يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يُعْطى)، (2) أو نقول (النزول) على مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، (3) أو نقول انّه (النزول) على سبيل المجاز، وهو تنزل الرحمة والتعطف والتلطف بالداعين في هذا الوقت لفضيلته، فهذه مفاتيح الفهم الصحيح للنزول، وإذا كان النزول، من متشابهات الأخبار، فإنّ الله قد امرنا ان نحمل المتشابه ونرده إلى محكماته، ومعنى النزول اذا حملنا متشابه الحديث على محكمه من حديث النسائي: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)، وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله يتحدث بما أمره الله، وإما ان يكون النزول على سبيل مجاز اللغة، وهو تنزل الرحمة والتعطف والتلطف بالداعين في هذا الوقت لفضيلته وكون الناس غافلين عنه بالنوم، فيكون المعنى زيادة الاحسان وأوفق لقبول الإجابة من غيره من الأوقات، لا سيما إذا عرفنا أنّ سياق الحديث لم يكن من اجل اثبات النزول وإنما لبيان فضل الثلث الأخير من الليل في العبادة والطاعة والدعاء، والمعنى المراد:، التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من التنبيه والتذكير الباعِثَين لهم على الطاعة، اما حمل الحديث على معنى النزول الحقيقي من علو إلى سفل فهذا لم يقل به إلا أهل التجسيم أو من دار في فلك التجسيم من أهل الحشو الذين هم من أبعد الناس عن التقديس والتنزيه، نسال الله السلامة، وقد ذكرت في اول المبحث اللوازم الفاسدة من اعتقاد النزول الحقيقي، ومن تلك اللوازم: (أ) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول، (ب) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال، (ت) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الأرض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، (ث) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين، (ج) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند أهل الأصول وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم، وينسبون إلى الله المحال، وحقاً فإن الجاهل عدو نفسه، نسأل الله السلامة.
***
المبحث السابع الجماعة الام أهل السنّة والجماعة هم سواد الامة الأعظم وهم الامة الوسط بين أهل القبلة
[المفتاح الأول]: الفرقة الناجية من فرق المسلمين هي سواد أهل الإسلام الأعظم أهل السنة والجماعة: إذ جميع الفرق الإسلامية ترى نفسها الفرقة الناجية، ولكن لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب سبعة عريضة:
[السبب الأول]: هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، قال صلى الله عليه وسلم: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) [سبق تخريجه].
(قلت) ويؤيد حديثنا هذا قول الله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) فقد دلت الآية على أن الناجين يوم القيامة هم المتمسكون بما عليه النبي – صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام أئمة المؤمنين الهداه المهديين، وأن الخاسرين آنذاك هم المشاقون لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والمخالفون لهدى الصحابة، رضي الله عنهم، وأسعد الطوائف بهذا الحديث، هم (أهل السنة والجماعة) سواد الامة الأعظم، فهم الوحيدون من بين سائر الفرق الإسلامية الذين يترضون على سائر الصحابة، ولا ينظرون إلى ما كان بينهم من الفتن والاختلافات، وينطبق عليه قول الله تعالى في سورة الحشر: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8-10].
إن هذه الآيات الثلاثة من سورة الحشر تمثل منهاج الرد المتكامل على روافض الحق وشيعة الباطل، ففي الآية الأولى ثناء على المهاجرين من الصحابة ووصف لهم بالصدق والإخلاص ونصرة الله ورسوله، وفي الآية الثانية ثناء على الأنصار وهم من الصحابة ووصف لهم بالإيثار والفلاح، وعلى ذلك فكلتا الآيتين ثناء على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهل الصحابة إلا المهاجرون والانصار، والآية الثالثة: تمتدح أولئك الذين ليس في قلوبهم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا المحبة والود، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، ولا يوجد في الفرق من يترضى على جميع الاصحاب إلا (اهل السنّة والجماعة)، فهم وسط في هذا الباب بين (الخوارج)، و(النواصب)، و(المعتزلة)، و(الرافضة)، فـــ (الخوارج) يكفرون الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون كل من والاه، و (النواصب) يبغضون الإمام علي رضي الله عنه ويفسقونه ومن كان معه، و(الشيعة الروافض) يلعنون غالب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويكفرونهم إلا نفرا يسيرا، ويحكمون بردة أكثرهم وهم لا يكتفون بذلك بل يجعلون دينهم ودينهم سب الصحابة ولعنهم وشتمهم والدعاء عليهم وقد امتلأت كتبهم على آخرهم بمئات النصوص، الدالة على هذا المعتقد الضال، و(المعتزلة القدرية) يقولون بفسق الصحابة الذين شاركوا في الجمل وصفين دونما تحديد، ويدخل فيهم الإمام علي رضي الله عنه، وجميع الصحابة الذين كانوا معه، والزبير وطلحة ومعاوية وعمرو والصحابة الذين كانوا معهم، أما (أهل السنة والجماعة) فإنّهم يقرون بعدالة الصحابة اجمعين، ويوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم ويترضون عنهم جميعهم، ويعتقدون أنّ رتبة الصحابة لا يعدلها رتبة، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنّ فضيلة الصحبة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وانهم مع ذلك ليست لهم العصمة، بخطؤون ولكنهم خير البشر بعد الأنبياء.
وقال صلى الله عليه وسلم: (وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) [أخرجه أبو داود وصححه الألباني]، لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال.
[السبب الثاني]: أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ” إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم “، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنة والجماعة)، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية النجاة سوى راية أهل السنة والجماعة.
[السبب الثالث]: أهل السنّة والجماعة هم الخط العام لجماعة المسلمين التي انشقت منها بقية الفرق، فلم يقبض النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا والصحابة رضي الله عنهم على مثل بيضاء ناصعة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلما فبض النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، واجتمع الأنصار في السقيفة ولحق بهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة من المهاجرين، وأسفر هذا الاجتماع على انتخاب أبي بكر خليفة للمسلمين، وتمت البيعة العامة بعدها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، باتفاق الصحابة، وصار انتخابه هو الخط العام للجماعة فكل من خالف خرج عن الخط العام، وكان زمانه زمان الخير والبركة قضى على المرتدين وأرسل الجيوش لفتح فارس والروم وكانت انتصارات عظيمة للمسلمين في كل الجهات، ثم اجمع المسلمون على قبول ترشيح أبي بكر لعمر كخليفة للمسلمين من بعده واستقر الامر عليه كخليفة وكان عبقريا رسخ أكبر امبراطورية إسلامية قضت على فارس والروم ونشرت الإسلام عزيزا في أرجاء الأرض كلها، فكل من اعترض على عمر فقد خرج عن إطار الجماعة، ثم اغتاله المجوسي في صلاة الفجر ورشح ستة يختار المسلمون من بينهم الخليفة واستقر أمر المهاجرين والانصار على عثمان وتمت له البيعة وأجمع عليه المسلمون فكل من خرج على عثمان خرج عن الخط العام للجماعة الناجية، أكمل عثمان رضى الله عنه فتح البلدان في أقاصي الشرق والغرب وحكم إمبراطورية مترامية الأطراف لم يتيسر لأي أمة قبل أمة الإسلام أن تحكم مثلها عبر التاريخ، وفي آخر عهده كانت هناك جهة تعمل في الخفاء للانتقام والثأر من أهل الإسلام يقودها اليهودي ابن السوداء ابن سبأ حيث جمع أوباش الناس من مختلف الأنصار وكانت له معرفة بتزوير الأختام والرسائل فكان يكاتب الأوباش ويرسل الرسائل المزورة على عثمان في الأمصار ويرسل الرسائل المزورة على كبار الصحابة بوجوب قتل عثمان وتخليص الامة الإسلامية منه، ولم يتفطن الصحابة لذلك المخطط حتى حاصر الاوباش الخليفة عثمان في موسم الحج وانتهزوا فرصة خلو المدينة من اكثر الصحابة ومن حاميتها لان أغلب الصحابة إما كانوا على ثغور الجهاد وإما في مكة المكرمة لأداء مناسك الحج وتجمع الأوباش حول بيت عثمان واقتحموا عليه بيته وقتلوه، وظلوا أربعة أيام هم الممسكون بزمام الأمور في المدينة حتى كان احدهم هو من يأمّ بالناس في الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى لا ينفرط عقد الخلافة سارع الصحابة لمبايعة الإمام علي رضي الله عنه خليفة للمسلمين وكان اول من بايعه الصحابي الجليل المبشر بالجنة طلحة بن عبيد الله واسرع الصحابة لمبايعة علي رضي الله عنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمت له البيعة وكل من كان معه هم خط الجماعة الناجية ومن خالفهم كان على الباطل، وكل الصحابة بمن فيهم أم المؤمنين عائشة والزبير وطلحة ومعاوية رضي الله عنهم وأتباعهم لم ينازعوا عليا رضي الله عنه في الخلافة وإنما كان الخلاف على سرعة الاقتصاص من قتلة عثمان وكان القتلة في جيش الإمام علي رضي الله عنه وكان يطلب المهلة لإدارة أمور الحكم فهي اهم ويأتي بعد ذلك وقت القصاص من قتلة عثمان، الشاهد حدثت خلافات بين الصحابة، كان الحق في جميعها مع وأقرب إلى الإمام علي رضي الله عنه وكان مع الصحابة الذين خالفوه وجه اجتهاد مقبول ولكنهم كانوا أبعد الطائفتين عن الحق، وكانت يستحيل ان تؤول هذه الخلافات إلى حروب لولا كيد السبئية اتباع عبد الله بن سبأ وسعيهم لانشاب القتال كلما كاد الصحابة ان يتفقوا، وهذا قدر الله، وظل علي رضي الله عنه يجاهد من اجل توحيد كلمة المسلمين والحفاظ على الخلافة الواحدة حتى مرقت أولى الفرق الضالة وهي (الخوارج): خرجوا عن خط الجماعة وكفروا الإمام علي بزعم أنه قبل بالتحكيم وانه لا حكم إلا لله، وقد قال لهم تقولون كلمة حق أريد بها باطل لأنه لابد من وجود قاض يبين حكم الله فاستحلوا دمه ودم أصحابه فقاتلهم في النهروان وقضى على أكثرهم ولكن تمكن أحدهم من ضربه بخنجر مسموم وهو ينادي في الناس لصلاة الفجر، فطالبه المسلمون ان يستخلف فأبى فاختار الناس ابنه الحسن بن علي رضي الله عنه سيد شباب أهل الجنة فكان له رأي آخر يجمع به المسلمين على راية واحدة فتنازل عن الخلافة لمعاوية على ان تتوحد الامة وتسقط الدماء المطلوبة وتحققت به بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري في صحيحه أبي بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر – والحسن بن علي إلى جنبه -، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) [البخاري: 2704]، فهذا الحسن رضي الله عنه وأرضاه ترك الخلافة لا عن جبن ولا عن قلة ولا عن ذلة بل لمراعاة أمر الدين ومصلحة المسلمين وحقن دمائهم ولرغبته فيما عند الله، فكان سيدا أصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فئة علي وفئة معاوية، لما رآه من حقن دماء المسلمين، ومن تدبر نص الرسول صلى الله عليه وسلم علم أن الفئتين من المسلمين، وانه يجوز للخليفة أن يخلع نفسه إذا كان في ذلك مصلحة للامة.
الشاهد اجتمعت الامة في هذا العام عام (41 هجري) وسمي عام الجماعة، فمن خرج على خط الجماعة كان من أهل الضلال، وبعد الصلح صارت الجماعة هي الخط العام الراضي بخلافة معاوية بعدما تنازل له الإمام الحسن رضي الله عنه، وهكذا في مقابل الخوارج ظهر الروافض من شيعة الإمام علي، ومن تدبر الأمر بإنصاف وجد ان أهل السنة والجماعة هم شيعة الإمام علي عن فقه وعلم وحكمة، والروافض هم كل من قدم الإمام علي على أبي بكر وعمر تقديم تنقيص لهما أو اتهام لهما بأنهما استبدا بالأمر وظلما علي واخذا حقه وكيف ذلك وقد أجمع صحابة النبي رضي الله عنهم على البيعة لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن خالف في ذلك فقد أزرى بكل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم العدول بشهادة القرآن والحديث وإجماع أهل السنة والجماعة.
فالروافض يبغضون الصحابة على زعم انهم ظلموا آل البيت حقوقهم وظهر في المقابل تيار آخر يبغض آل البيت وهم النواصب، لقد كان الخط العام للجماعة الأم الترضي عن الصحب كافة والآل كافة فالصحب هم حملة القرآن والدين والسنة إلينا وهم الذين حكم القرآن والحديث بعدالتهم، والآل هم الاطهار المطهرون ذرية النبي صلى الله عليه وسلم وأهل وصيته وهم الثقل الثاني للأمة على مر العصور بعد القرآن، فالجماعة الام تترضى عن الجميع، ولكن (الخوارج) يكفرون كل المسلمين إلا انفسهم و(النواصب) يبغضون آل البيت خاصة و(الروافض) يبغضون الصحابة خاصة، ولم يطل الزمان حتى ظهرت (القدرية) تنفي قدر الله وفي مقابلها (الجهمية الجبرية) تدعي أن الأمر جبر والإنسان كالريشة في مهب الريح واحتجوا على الله بالمعاصي، وكلاهما خط جانبي عن الخط الأساس جماعة المسلمين الام (أهل السنة والجماعة)، فالجماعة تجعل الخلق لله الخالق والكسب للإنسان المخلوق فيما أقدره الله عليه، وعلى نقيض الخوارج ظهر (المرجئة) كرد فعل لتكفيرهم وغلوهم فأخرجوا الأعمال عن الإيمان وجعلوا إيمان العصاة كإيمان جبريل وميكائيل وفتحوا بابا عريضا أيضا نحو التفسخ والانحلال والاستهانة بالمعاصي والذنوب.
وظهرت فرقتان متناقضتان كلاهما خبيث الطوية، وهما (المعتزلة) و (المجسمة)، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، فتحكموا في نصوص الشرع بأهوائهم، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، واستدلوا بالضعيف والموضوع، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف جماعة المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
وأكرم الله تعالى الجماعة الأم (الخط العام للمسلمين) بثلاثة مدارس عقدية بها اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وقامت بالتأصيل لعقائد الكتاب والسنة واجتهدت في تطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وأكرم الله تعالى الجماعة الأم بعلماء تلك المدارس الأجلاء، الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، وأول تلك المدارس، وهي المدرسة (الأثرية)، وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة الثانية هي المدرسة (الأشعرية)، وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة الثالثة هي المدرسة (الماتريدية)، وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وبمرور الأزمان توالى ظهور بقية الفرق الضالة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستبلغ اثنتين وسبعين فرقة، وظل الخط العام للجماعة (أهل السنة والجماعة) على الحق مجتمعون وبالسنة متمسكون فكانوا على مر العصور الجماعة الناجية فلله الحمد والمنة أن جعلنا في زمرة أهل السنّة والجماعة بعيدين كل البعد عن أهل الأهواء والبدع والضلالات، وأهل البغي والغلو والخروج والعدوان.
[السبب الرابع]: أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين، ولا تقوى فرقة من فرق المسلمين أن تنسب إلى نفسها حفظ القرآن وتدوينه وتدوين علومه والتي وأوصلها الحافظ السيوطي في كتابه “الإتقان في علوم القرآن” إلى ثمانين علما متعلقا بالقرآن، وتفسيره ونشره سوى أهل السنّة والجماعة الذين يرون عدالة الصحابة أجمعين ويأخذون عنهم القرآن والسنّة، كان اول من جمعه في مصحف واحد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وجمعه على تشكيل واحد الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه، والصحابة رضي الله عنهم هم من جمع القرآن وهم من كتبوه، وهم من نسخوه، وهم من نشروه، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب كلها إلى قراء أهل السنة والجماعة، الذين تتلمذوا على يد الصحابة، ولهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم، منها سبع قراءات مشهورة , وكل هذه القراءات ونطقها ووردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناقلها الصحابة ثم التابعون ثم تابعوا التابعون، وقد انتشرت الروايات في أنحاء الأرض، وأكثرها انتشاراً رواية حفص عن عاصم حيث تنتشر في معظم الدول الإسلامية لاسيما في المشرق، ورواية قالون في ليبيا تونس، ورواية ورش في الجزائر والمغرب وموريتانيا ومعظم الدول الإفريقية، ورواية الدوري عن أبي عمرو في السودان والصومال، ولا يمكن لأي فرقة أن تزعم أنّ لها في القرآن ما لأهل السنّة من جهود في حمل راية القرآن مصدر الدين الأول والأساس لأنهم أهل القرآن وخاصته.
[السبب الخامس]: أهل السنة والجماعة هم أهل الحديث وخاصته، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين البخاري ومسلم وكتب السنن للترمذي والنسائي وابي داود وابن ماجة والمسانيد كمسند الإمام أحمد بن حنبل وكتب الجرح والتعديل، التي تمنع من أن يتقول متقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، ولا يوجد حديث مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا عند مدرسة أهل السنّة والجماعة ولا يعرف أحد علوم الحديث والتي أوصلها ابن الصلاح في مقدمته إلى خمسة وستين علما، إلا عند أهل السنّة والجماعة، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة ومعرفة السنّة.
[السبب السادس]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين، هم أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع، (الخوارج) يكفرون الإمام عليا رضي الله عنه ويكفرون أصحابه، و(النواصب): يفسقون الإمام عليا رضي الله عنه وأصحابه و (الروافض) يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويكفرونهم إلا نفرا يسيرا، و (المعتزلة) يقولون بفسق بعض الصحابة دونما تحديد، إما طائفة الإمام علي رضي الله عنه، وإما طائفة الزبير وطلحة رضي الله عنهما، وإما طائفة معاوية رضي الله عنه، فهذه الفرق لا يسلم لها الإجماع أبدا، أما (أهل السنة والجماعة)، فهم يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا، ويؤمنون ويقرون بما أثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم , ويقولون أنّ منزلة الصحابة لا يعدلها شيء، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال، وأنّ فضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهم يتذكرون دائما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) ([298]) . وقول ابن عمر رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) ([299]) .
[السبب السابع]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي، لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي، وبهذا التخصص العلمي الرصين: صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم.
[السبب الثامن]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض، ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون راية النجاة سوى راية أهل السنّة والجماعة، أهل التوسط والاعتدال، والله تعالى يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، فالمسلمون أمة وسط بين الناس جميعا وأهل السنّة والجماعة وسط بين أهل الإسلام جميعا، ولهذه الأسباب كانت الجماعة الناجية (أهل السنّة والجماعة) أسعد المسلمين حظا بهذه الاحاديث ولا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة.
[السبب التاسع]: أهل السنّة والجماعة هم أهل الرسوخ في العلم يعملون بالمحكم من القرآن، وهم ابعد الفرق عن متشابه القرآن، يردون المتشابه إلى المحكم، عملا بقوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، لقد وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، والفرق الضالة كلها تتبع المتشابه، المعتزلة القدرية تتبع الآيات الدلة على أن الإنسان صانع مشيئته، وقالوا بالقدر، والجهمية الجبرية تتبع الآيات المتشابهات التي تدل على انّ كل شيء بيد الله وحده، وقالوا بالجبر، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وقالوا بالكسب، وهو الصيغة القرآنية الوسط بين هؤلاء وهؤلاء، قال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، وقال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286].
وهكذا في كل أبواب العلم والعقيدة أخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، ففي باب الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، كلٌ يستدل لمذهبه بمتشابهات القرآن، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وجاؤوا بأحسن مذاهب التقديس والتنزيه والاثبات، فلا هم معطلون تعطيل المعتزلة والجهمية ولا هم مفرطون في التجسيم والتمثيل تشبيه المجسمة والحشوية، وقعدوا قواعد التقديس التي ملئت الدنيا علما ونورا وتقديسا لله وتسبيحا بحمد الله، وقد اشتمل بحمد الله تعالى كتابي الاول من سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، (مفاتيح علم التقديس) كل تلك القواعد على احسن ما يكون الفقه في الدين ورد المتشابه إلى محكماته، في باب التقديس والتنزيه، ففي باب الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وجاؤوا بأحسن مذاهب الإيمان فلا هم متشددون تشدد الخوارج والمعتزلة ولا هم مفرطون تفريط الجهمية والمرجئة، وقعدوا القواعد التي ملئت الدنيا علما وفقها في الدين، وقد اشتمل بحد الله تعالى كتابي الثاني من سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، كل تلك القواعد على احسن ما يكون الفقه للدين ورد المتشابه إلى محكماته، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]،.
[المفتاح الثاني]: تمايز السواد الأعظم أهل السنّة والجماعة عن الفرق الضالة: إنّ بداية ظهور وترسيخ هذا القب (أهل السنة والجماعة)، كان مقترنا مع تصالح سيد شباب أهل الجنّة الحسن بن علي رضي الله عنهما مع معاوية رضي الله عنه، وتنازله بالخلافة له، حتى يصلح بين المسلمين ويجمع كلمتهم، ومن ساعتها بدأ تمايز (أهل السنة والجماعة) الذي تمسكوا بالسنة في مقابل الروافض الذين تمسكوا بالبدعة والضلالة، والخوارج الذين تمسكوا بالبغي والعصيان والخروج والفرقة، ومع اجتماع أهل الحق الخالص (أهل السنة والجماعة) ظل الخوارج والروافض تتجارى بهم الأهواء والبدع والضلالات، وهم على قلتهم كما تمادى بهم زمان اختلفوا وانقسموا فيما بينهم إلى فرق داخل الفرق وأهواء داخل الأهواء كلها يخالف بعضه بعضا ويرميها بالكفر والمروق من الدين، وهذا شأن أهل البدعة والضلالة والباطل وصدق الله تعالى حيث يقول: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، فشأن الحق أهله مجتمعون عليه، وشأنه الباطل أهله منقسمون عليه متنازعون فيه والله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الانعام: 159]، فالخوارج انقسموا إلى قريب من عشرين فرقه كلها يكفر بعضها بعضا وسائر المسلمين، والشيعة انقسموا فيما بينهم إلى قريب من ثلاثمائة فرقة لكل مقال يخالف بعضها بعضا ويرميها بالكفر والضلال، ولم ينته الأمر إلى ظهور الخوارج والروافض، فقد امتد الزمان ببعض الصحابة حتى ظهرت (القدرية)، وانقسموا بعد ذلك إلى فرق ضالة تكفر بعضها بعضا، وعلى النقيض منهم ظهر الجهمية الجبرية وفتحوا بابا عريضا نحو الانحلال والزندقة والاحتجاج على الله تعالى بالمعاصي، وعلى النقيض من الخوارج ظهر المرجئة كرد فعل لتكفيرهم وغلوهم فأخرجوا الأعمال عن الإيمان وجعلوه إيمان العصاة كإيمان الملائكة وفتحوا بابا عريضا أيضا نحو التفسخ والانحلال والاستهانة بالمعاصي والذنوب، وظهرت فرقتان متناقضتان كلاهما خبيث الطوية، وهما (المعتزلة) و(المجسمة)، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، فتحكموا في نصوص الشرع بأهوائهم، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، واستدلوا بالضعيف والموضوع، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الله تعالى وحق أنبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي المدرسة (الأثرية)، وعليها الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة (الأشعرية)، وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة (الماتريدية)، وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال.
[المفتاح الثالث]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين الفرق الضالة: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض.
(أولاً): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر: بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، فالخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة جميعهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، فأما الخوارج والمعتزلة فأدخلوا فيه عمل الجوارح، ولهذا فالخوارج يعتبرون مرتكب الكبيرة كافراً، والمعتزلة يسلبون منه مسمى الإيمان، فيجعلونه لا مؤمناً ولا كافراً، والجهمية والمرجئة يعتبرونه مؤمناً كامل الإيمان، أما أهل السنّة والجماعة فهم يجعلون الإيمان منه ما نهو أصل ضده الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومنه ما هو واجب، وضده الكفر دون كفر والفسوق والعصيان، ومرتكب الكبيرة عندهم مسلم لا يزال في مرتبة الإسلام، وهو عندهم مؤمن فاسق عاص، مؤمن بأصل إيمانه فاسق بكبيرته، فلا يسلبون عنه أصل الإيمان الناقل من الكفر الأكبر إلى الإسلام كما تفعل الخوارج والمعتزلة، ولا يصفونه بالإيمان الكامل كما تفعل الجهمية والمرجئة.
(ثانيا): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام القضاء والقدر: بين الجهمية والجبرية من جهة الغلو وبين القدرية والمعتزلة من جهة التفريط فيه، فالجهمية والجبرية أفرطوا في القضاء والقدر، فنفوا فعل العبد أصلا، وجعلوا الإنسان مجبورا ليس له أي اختيار، وقالوا الإنسان مجبور على عمله كالريشة في مهب الريح، والقدرية والمعتزلة فرطوا في القضاء والقدر، وقالوا إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله وليس لله تأثير على هداية العبد أو على إضلاله، أما أهل السنة والجماعة: فتوسطوا وجعلوا له اختيارا، ولكن اختياره مربوط بمشيئة الله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وقالوا: إن العباد فاعلون والله خالقهم وخالق أفعالهم، كما ذكر القرآن: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، وعندهم أنّ الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، ولكن ليس معنى ذلك، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وعندهم أنّ من طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، والله تعالى يقول: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23].
(ثالثاً): وسطية أهل السنًة والجماعة في باب التوفيق بين المعقول والمنقول: بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد، أو حتى في تدبر وفهم النصوص المتعارضات، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة، ويتجنبون تفريط المجسمة المشبهة، فمذهبهم في ذلك أوسط المذاهب، يعرفون ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى في اطار صريح المعقول، وليس المقصود به عقل الجاهل ولا عقل القاصر، وإنما عقل العالم المتخصص الفاهم الفقيه، ثم يوفقون بينه وبين صحيح الشرع، في توسط وفقه واعتدال حبى الله تعالى به أهل السنّة والجماعة دوناً عن أهل البدع والأهواء من أهل الإفراط والتفريط.
(رابعاً): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه بين (النواصب) و(الخوارج) من جهة التفريط، وبين (الرافضة) من جهة الغلو والافراط، فالنواصب قالوا: بفسق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والخوارج قالوا: بكفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والرافضة قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أما أهل السنة والجماعة: قالوا بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة راشد وإمام عادل، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء، وقالوا أنّه يهلك فيه فريقان أحدهما يقصر عن فضله حتى يكفره، والثاني يغالى فيه حتى يرفعه فوق منزلته ويكفّر من أجله أبا بكر وعمر وعثمان وعامة الصحابة رضي الله عنهم.
(خامساً): وسطية أهل السنّة والجماعة في باب الصحابة بين (الرافضة) الذين يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل يكفرونهم إلا نفراً يسيراً، وفي المقابل (الخوارج) يكفرون علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون من والاه، أما أهل السنة والجماعة، فهم يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا ولا يكفرون أحد منهم، وإنما يؤمنون ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم.
(سادساً) وسطية أهل السنّة والجماعة في باب آل البيت: بين الرافضة والنواصب، فالرافضة يصلون ببعض آل البيت إلى درجه العصمة، وببعض آل البيت إلى الفاحشة والنفاق والفجور، والنواصب يبغضون آل البيت ويكرهونهم، أما أهل السنّة والجماعة فهم يحبون آل البيت جميعا، ويوالونهم جميعا، وكذلك لا يرضون لما نالهم من الأذى، ويحبونهم المحبة الشرعية التي جعلها الله تبارك وتعالى لسائر المؤمنين وزيادة لقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم.
[المفتاح الرابع]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التخصص العلمي في كل علوم الدين: إذ تطرق القرآن الكريم إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى، اتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص، فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه، احتاج الناس إلى ضبط القرآن وعدم اللحن فيه، فنشأ علم النحو، وعلم أحكام التلاوة وعلم القراءات، ثم احتاج الناس إلى معرفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم تدوين الحديث، انتشر الحديث وخاف العلماء من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم الجرح والتعديل وبقية علوم الحديث، واحتاج الناس إلى معرفة معاني آيات القرآن فنشأ علم التفسير، واحتاج الناس إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام فنشأ تدوين علم الفقه،، ثم احتاج الناس إلى معرفة أدلة الفقه الأساسية فنشأ تدوين علم أصول الفقه، ظهرت الآراء الضالة في العقيدة واحتاج الناس إلى معرفة أصول الدين وعقائده فنشأ تدوين علم التوحيد (علم العقيدة وأصول الدين)، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم الزهد والتزكية وهو ما عُرف باسم (التصوف)، وهذا على وجه الإجمال، أمّا بعض التفصيل:
(احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه): فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين: مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء، وتفرعت وتعددت مجالاتها، وظهرت داخلها علوم القراءات، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل، وصار أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، لا يشاركهم في جمع القرآن وضبطه غيرهم من فرق الإسلام، وجميع فرق المسلمين عالة عليهم في القرآن وعلومه، وصار لهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم، منها سبع قراءات مشهورة، وكل هذه القراءات ونطقها ووردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناقلها الصحابة ثم التابعون ثم تابعوا التابعون، وقد انتشرت الروايات في أنحاء الأرض، وأكثرها انتشاراً رواية حفص عن عاصم حيث تنتشر في معظم الدول الإسلامية.
(ثم احتاج الناس إلى الحديث)، فظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وكان من أعلامها المتخصصين في علم الحديث: البخاري، ومُسْلِم، أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والأعلام المتخصصين في الجرح والتعديل وعلم الرجال مثل شُعْبة بن الحجَّاج، ويحيى بن سعيد القَطَّان، وعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وعلي بن المَديني، والإمام أحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وابن أبي حاتم، فهؤلاء وأمثالهم ومن جاء بعدهم من تلامذتهم هم المرجع في علم الحديث وعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال وعلم مصطلح الحديث.
(ثم احتاج الناس إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام) فظهرت مدرسة الفقه، وانتسب إليها طلاب العلم، وعرفوا باسم الفقهاء، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين (مذاهب) ولم تسمى (فرق)، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين التي يؤدي الخلاف فيها إلى التفرق المذموم وظهور البدع والفرق الضالة في مقابل الفرقة الناجية ؛ وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع: وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا، والاختلاف فيها اختلاف تنوع وليس تضاد، ولا يدخل في الاختلاف المذموم، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، وهل يستطيع طالب علم – اليوم – أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة، لقد كان لكثير من علماء السلف الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة، ولكن آراء الصحابي أو العالم لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه، كما أنها لم تُخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة، مع العلم بأنّها (المذاهب الفقهية) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة.
(ثم استفحل أمر الفرق الضالة) والتي كان أهم أسباب ظهورها هو الجهل بالدين، أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق، (فالخوارج) جمعوا آيات في توحيد الحاكمية، ولم يجمعوا إليها علمها الفقهي الذي يكون بمثابة الضابط لها، ولم يحترموا المتخصصين فيها كالإمام على رضي الله عنه، وحبر الأمة وفقيهها عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما، وماذا كانت النتيجة كفّروهما وكفروا سادة الامة من الصحابة والتابعين خبر قرون الإسلام، واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم، وكانوا كلاب أهل النار كما ورد بذلك الخبر، مع أنّ جباههم تقرحت بسبب قيام الليل وطول السجود، (والشيعة) نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على فضل الإمام علي رضي الله عنه، وفضل آل البيت، ولم يجمعوا إليها الآيات والأحاديث الدالة على فضل الصحابة ومناقبهم، ثم لم يحترموا تخصص أكثر الصحابة في السياسة الشرعية للأمة واختيارهم لخيرهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم – أبو بكر الصديق رضي الله عنه – ليكون خليفة للمسلمين، فانتقصوا من المهاجرين والأنصار الذين قام على أكتافهم بناء دعوة الإسلام، ثم تعدوا ذلك إلى تكفير أكثرهم، وبدأ الانحراف العقدي يزداد ميلا، (والقدرية) نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على مسؤولية الإنسان على أعماله، دون النظر إلى غيرها من الأدلة على أنّه لا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاء الله، فأنكروا القدر، ولم يطلبوا العلم الوافي ولم يحترموا المتخصصين فيه أمثال عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، وكما قيل عنهم أرادوا أن ينزهوا الله تعالى عن الظلم، فوصفوه بالعجز، تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيرا، وماذا كانت النتيجة إنها الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، (والمعتزلة) نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، وماذا كانت النتيجة إنها الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، (والمشبهة)، (والمجسمة) على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وماذا كانت النتيجة إنها الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
(ولما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة، لبيان عقائد الفرقة الناجية، والرد على الفرق الضالة، فظهرت مدارس العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة)، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) ، (والمدرسة الأشعرية) (والمدرسة الماتريدية وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه.
(ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) كمدارس متخصصة في العقيدة، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة) كمدارس متخصصة في الفقه، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”) [أخرجه مسلم]، وأهل ه هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق، والتصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان.
[المفتاح الخامس]: ضرورة احترام المدارس العلمية المتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل الحق والعدل، أهل الرسوخ في العلم، أهل السنة والجماعة الناجية، إنّ احترام التخصص العلمي والرد في علوم الشريعة إلى أهلها المتخصصين، ضرورة علمية، وطلب العلم بالدين لا يتأتى أبداً إلا باحترام التخصص العلمي، واتباع أحسن ما أنتجه المتخصصون في علومهم، وقد أمرنا الله تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه، ومظانه عند أهل التخصص فيه، فمن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها، وهكذا، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه.
***
([3]) مسند أحمد 33/305 ح 20117، سنن الترمذي 5/267 ح 3077.
([6]) صحيح البخاري 6/96 ح 4738. واللفظ له ، صحيح مسلم 4/2043 ح 2652.
([7]) صحيح البخاري 3/80 ح 2217.
([8]) مسند أحمد 21/181 ح 13556.
([9]) صحيح مسلم 2/1048 ح 1428.
([10]) سنن ابي داود 2/627 ح 1516 واللفظ له ،سنن الترمذي 5/494 ح 3434.
([11]) صحيح البخاري 8/157 ح 6772، صحيح مسلم 1/77 ح 57.
([16]) صحيح البخاري 8/98 ح 6467.
([17]) صحيح مسلم 3/1333 ح 1709، ا تفسير القرطبي 5 / 334.
([19]) تفسير أبي السعود 2/217.
([29]) العقيدة الطحاوية ص 249.
([30]) صحيح البخاري 8/98 ح 6464، صحيح مسلم 4/2171 ح 2818.
([31]) ميزان الاعتدال 1 / 426.
([32]) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين 1/220.
([33]) الملل والنحل 1/86 – 88.
([34]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([35]) صحيح البخاري 4/105 ح 3191.
([41]) تفسير ابن كثير: 4/ 351.
([42]) صحيح البخاري 6/93 ح 4730.
([43]) منهاج السنة لابن تيمية 1/459.
([44]) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة للالكائي 5 / 1072 ط دار طيبة
([47]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([48]) سنن ابي داود 5/9 ح 3833.
([49]) صحيح البخاري 9/146 ح 7510.
([50]) الإيمان لأبي عبيد ص 24 ح 4، وقال الألباني صحيح على شرط مسلم
([51]) الإيمان لأبي عبيد ص 30. وقال الألباني حديث صحيح
([52]) مسند أحمد 38/20 ح 22937.
([53]) مسند أحمد 37/377 ح 22704.سنن ابن ماجة 2/408 ح 1400.
([54]) صحيح البخاري 9/12 ح6915.
([57]) تاريخ اليعقوبي 2 /241، 242
([63]) ميزان الاعتدال الذهبي 1/5.
([64]) هدْي الساري مقدمة فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني، ص 459 .
([65]) الأصول من الكافي للكليني: 1/294.
([66]) الشيخ المفيد: أوائل المقالات ص51.
([68]) الأصول من الكافي: 1/148.
([69]) أصل الشيعة وأصولها ص 79.
([71]) الحكومة الإسلامية ص 52.
([72]) الحكومة الإسلامية ص 52، 53.
([73]) الحكومة الإسلامية ص 113.
([75]) رسالة الاعتقادات لابن بابويه القمي ص 103 ط، مركز نشر الكتاب إيران.
([76]) الحدائق الناضرة ج18 / 153 ط، دار الأضواء.
([77]) منهاج الحياة للكاشاني ص 48 ط، دار الإسلامية بيروت.
([78]) بحار الأنوار ج 23 / 390.
([79]) تنقيح المقال ج1/208 ط، النجف 1952 م.
([80]) حق اليقين في معرفة أصول الدين ج 2 ص 188 ط بيروت.
([81]) تفسير القمي 2/377 – بحار الأنوار 22/420.
([85]) فصل الخطاب في إثبات تحريف رب الأرباب ص 227.
([86]) انظر أوائل المقالات ص 98 المطبعة الحيدرية، النجف.
([87]) تفسير القمي مقدمة الكتاب ص5 ج1 ط. النجف.
([88]) مقدمة تفسير القمي للسيد طيب الموسوي ص 23، ص 24.
([89]) الكافي في الأصول كتاب فضل القرآن 2/134 ط طهران.
([90]) الكافي، كتاب الحجة 1 / 239، 241 ط. طهران.
([91]) الكافي كتاب الروضة 8 / 50 ط. طهران.
([92]) تفسير الصافي للمحسن الكاشي المقدمة السادسة ص 10 ط. طهران.
([93]) سنن الترمذي 5/351 ح 3205.
([94]) المحاسن، 89، البحار، 27/238 39/302.
([95]) البصائر، 105، البحار، 24/123 27/181.
([96]) تفسير الطبري 21/334 تفسير القرطبي 16/295 – 296، تفسير ابن كثير 7/360.
([101]) تفسير القمي ج 1 ص 230.
([102]) الكافي كتاب الحجة ج1 ص 420 ط إيران، وانظر الصافي شرح الكافي في بيان المقصود من فلان وفلان وفلان، قال: أنهم أبو بكر وعمر وعثمان.
([103]) فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ص227.
([104]) تفسير القمي 1/36 ط دار السرور – بيروت.
([106]) الأنوار النعمانية: نعمة الله الجزائري 2/357، 358:
([107]) تفسير الصافي 1/49 منشورات الاعلمي ـ بيروت، ومنشورات الصدر – طهران.
([109]) الاحتجاج للطبرسي 1/155 طـ: منشورات الأعلمي – بيروت .
([110]) اوائل المقالات ص 48 ـ 49 دار الكتاب الإسلامي ـ بيروت.
([112]) فرق الشيعة: ص 66-79، الفصول المختارة: ص 247-253، البحار: ص 47/258.
([113]) فرق الشيعة:ص 79-87، الفصول المختارة: 254، البحار:ص 48/279، عيون أخبار الرضا: 1/46، البحار: 48/282 ،49/22، إثبات الهداة: 3/239.
([114]) فرق الشيعة: ص86، الفصول المختارة: ص256.
([117]) [فرق الشيعة: ص 96 وما بعدها، الفصول المختارة: ص 261 وما بعدها، البحار: 37/20.
([118]) بيان تلبيس الجهمية: 7/ 290-356، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف – 1426هـ.
([119]) العِلل المتناهية لابن الجوزي 1/36، سير أعلام النبلاء 10/113، طبقات الشافعية الكبري للسبكي 2/312، المنتخب من العلل لابن قدامة ص 284، تاريخ بغداد للخطيب 13/311، العلل لمتناهية 1/130، الثقات لابن حيان 2/245، طبقات الشافغية الكبري2/312، تهذيب التهذيب لابن حجر 10/86 ، اللآلئ المصنوعة للسيوطي 1/30، ميزان الاعتدال للذهبي1/594
([122]) المجروحون لابن حبان 2: 15.
([123]) ميزان الاعتدال 4: 174 وهو خبر موضوع كما نبه عليه الذهبي.
([125]) مقالات الاسلامين ص 31.
([127]) طبقات الشافعية لابن السبكي 2: 35.
([129]) الملل والنحل للشهرستاني111.
([131]) الغنية في أصول الدين، ص: 73-75.
([132]) الرد على بشر المريسي للسجزي ” ص 20 .
([134]) تلبيس الجهمية لابن تيمية ” ص568.
([135]) الأسماء والصفات للبيهقي، ص 342.
([137]) الكامل لابن الأثير 7/41.
([138]) تبديد الظلام المخيم للكوثري 206.
([139]) ميزان الإعتدال 1: 259.
([140]) تدريب الراوي للسيوطي ج 1: 329.
([144]) العواصم من القواصم” ص 209.
([145]) الكامل في التاريخ” 8/16.، 8/104.
([146]) ابطال التأويلات لأبويعلي 2/485.
([147]) المرجع السابق 1/73و 1/187.
([148]) المرجع السابق1/188و 1/90.
([149]) المرجع السابق 1/133و 1/144.
([151]) المرجع السابق 1/178 و 2/328.
([170]) الكامل لابن الأثير8/209.
([171]) بيان تلبيس الجهمية 2: 400، وانظر هذه الحكاية في سير أعلام النبلاء 16/ 478.
([172]) صحيح البخاري 9/115 ح 7375، صحيح مسلم 1/557 ح 813.
([173]) مسند أحمد 35 /144 ح 21220، سنن الترمذي 5/451 ح 3364، المستدرك للحاكم 2/589 ح 3987، شعب الإيمان للبيهقي 1/114 ح 102. حسنه الحافظ السيوطي في “الدر المنثور” (8/669).
([174]) الأسماء والصفات للبيهقي 2/38 ح 602، [حسنه الحافظ في “الفتح (13/ 356)]
([175]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([176]) صحيح البخاري 9/124 ح 7418.
([177]) سنن أبى داود 1/349 ح 466.
([178]) الأسماء والصفات والبيهقي 2/317.
([179]) صحيح البخاري 8/125 ح 6610، صحيح مسلم 4/2076 ح 2704.
([181]) العقيدة للإمام أحمد ج 1: ص 101.
([183]) أقاويل الثقات ص: 134\135.
([184]) صحيح البخاري 9/129 ح 7439.
([187]) تفسير الألوسي 15/39، تفسير ابي السعود 9/18، التفسير البسيط للواحدي 22/111، الاتقان في علوم القران للسيوطي 2/49، البرهان في علوم القران للزركشي 2/84. تفسير النسفي 3/524.
([188]) مسند أحمد 4/225 ح 2397، المستدرك للحاكم 3/615 ح 6280.
([192]) تفسير القرطبي ج: 10 ص: 113.
([193]) طبقات الشافعية الكبرى: 9 / 45.
([194]) تفسير القرطبي 6 / 399، تفسير أبي السعود 2/127،فتح القدير 2 / 124، روح المعاني 4/108.
([195]) تفسير الطبري 32/250، تفسير القرطبي: 18 / 281. تفسير الواحدي 22/207.
([196]) تفسير الطبري 19/340، تفسير البيضاوي 4/255، تفسير النسفي 3/79، زاد المسير 3/508.
([198]) طبقات الشافعية الكبرى 9/ 46.
([199]) تفسير القرطبي: 7 / 356، تفسير أبي السعود 3 / 310، فتح القدير ج: 2/320.
([201]) صحيح البخاري 4/106 ح 3194.
([202]) الباز الأشهب ص130-131.
([203]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ص 112.
([205]) تفسير القرطبي ج: 18 ص: 215.
([206]) الباز الأشهب المنتفض على ص59.
([207]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: 1 / 115، 116.
([208]) سنن الترمذي 5/556 ح 3556.
([209]) تفسير القرطبي 18 / 216.
([210]) إتحاف السادة المتقين5/ 34 – 35
([211]) العين والأثر في عقائد أهل الأثرص 34.
([213]) منهاج السنة لابن تيمية 2/263.
([215]) اللوامع للاسفراييني 1/258.
([216]) الإيضاح في أصول الدين: أبو الحسن الزغواني ص 377.
([217]) التسعينية لابن تيمية 2/492.
([218]) صحيح مسلم 4/1990ح 2569.
([221]) التبصير في الدين للطبري، ص201
([222]) الهداية الي بلوغ النهاية ص850.
([223]) مشارق الأنوار، 2 /268.
([224]) الأسماء والصفات 2/378.
([226]) العقيدة الطحاوية ص 168.
([229]) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ص 710.
([230]) صحيح البخاري 9/121 ح 7405.
([237]) رسالة السجزي إلى أهل زبيد: ص: 256.
([238]) رسائل وفتاوى أبا بطين ص 101
([242]) صحيح البخاري 4/138 ح 3348.
([243]) سنن ابي داود 7/117 ح 4738.
([246]) مختصر الصواعق لابن القيم 487
([247]) منهاج السُّـنَّةِ النبويَّة: 2/380.
([248]) موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول: 2: /151.
([251]) ، الإيضاح في أصول الدين ص377
([252]) الأسماء والصفات 2/29. فتح الباري: 13\458]، [المقالات: 33]،
([253]) رسالة في صفة الكلام ص 519
([254]) قواعد العقائد ص: 182_186.
([255]) صحيح البخاري 8/50 ح 6227، صحيح مسلم 4/2183 ح 2841.
([256]) صحيح مسلم 4/2017 ح 2612.
([257]) السنة لعبدالله بن الامام أحمد1/ 268ح 498. السنة لابن أبي عاصم 1/228 ح 517.
([258]) التوحيد لابن خزيمة 1/85.
([259]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (اللالكائي) 3/470، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 3/316.
([260]) عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن صـ 37.
([261]) صحيح البخاري 1/160 ح 806.
([262]) صحيح البخاري 8/117 ح 6573.
([265]) سير أعلام النبلاء 8/104.
([266]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 159.
([267]) كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/132.
([269]) ” الأسماء والصفات للبيهقي 2/325 و انظر السنن الكبرى للبيهقي 7: 388) والامام الحافظ البزار: قال ” وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة ” أهــ [كشف الاستار 1: 14] والحافظ ابن حجر العسقلاني: قال ” وفي اللفظ مخالفة كثيرة ” اه [التلخيص الحبير 3: 223479 ط دار الكتب العلمية.
([270]) أخرجه الإمام مالك في الموطأ 2: 777 ح 9، مسند أحمد25/19، مصنف عبدالرازق 9/174:175، والمنتقى لابن الجارودص 344.العلو للعلي الغفار للذهبي ص 15 تفسير ابن كثير2/374.التمهيدلابن عبدالبر6/223.
([271]) صحيح ابن حبان 3/353، مسند أحمد 13/287، سنن ابي داوود5/176 ح3282،التوحيد لابن خزيمة 1/283، المعجم الكبير للطبراني 12/26 ح ١٢٣٦٩.
([272]) صحيح مسلم 2/70 ح537، سنن ابي داود5/176 ح3282.
([273]) العلو للعلي الغفار ص 120،تحفة الأشراف 8/426 ح11378.
([274]) مسند أحمد 13/285 ح 7906.
([275]) مصنف عبد الرزاق 9/176 ح 16816.
([276]) سنن الترمذي5: 519ح 3483.
([277]) الاقتصاد في الاعتقاد صـ 36.
([278]) صحيح البخاري 1/14 ح 25.
([279]) صحيح البخاري 2/104 ح 1395.
([280]) سنن الترمذي5: 519(3483)
([281]) النووي في شرحه على صحيح مسلم 5/22.
([283]) النووي في شرحه على صحيح مسلم5/22.
([284]) صحيح البخاري 2/53ح 1145.
([287]) شرح النووي على صحيح مسلم6/37.
([289]) الأسماء والصفات: 2/378.
([291]) شرح الزرقاني ج: 2 / 49، 50.
([292]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145، صحيح مسلم 1/521.
([294]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل 1 / 163.
([295]) العين والأثرفي عقائد أهل الأثر ص: 34، 36.
([296]) السنن الكبرى للنسائي 9/180 ح 10243.
([297]) لوامع الأنوار البهية 1/249.