(الفصل الرابع) مباحث علمية متعلقة بفقه مسائل الإيمان والكفر
المفتاح الأول: أركان الإيمان الاعتقادية الستة.
المفتاح الثاني: مرتبة الإيمان هي ثاني مراتب الدين وهي مرتبة المقتصد.
المفتاح الثالث: شعب الإيمان بضع وسبعون شعبة اعلاها قول لا إله إلا الله.
المفتاح الرابع: نواقض الإيمان.
المفتاح الخامس: زيادة الإيمان ونقصانه.
المفتاح السادس: علاقة مسمى الإيمان بمسمى الإسلام.
المفتاح السابع: الاستثناء في الإيمان.
المفتاح الثامن: إيمان من مات من ذراري المسلمين والمشركين.
المفتاح التاسع: الإيمان بين النظر والتقليد.
***
[المفتاح الأول]: أركان الإيمان الاعتقادية ستة: الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره:
للإيمـان أركان ستـة، هي بمثابة الأصول التي تندرج تحتها كافة مسائـل الإيمـان، وهذه الأركان الستة لا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعاً على الوجه الذي دل عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن جحد شيئاً من هذه الأصول – بعدما أقيمت عليه الحجة والبلاغ خرج عن دائرة الإيمان وصار من الكافرين، وهذه الأركان الستة هي: الإيمان بالله و الإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر، والأدلة على هذه الأركان الستة كثيرة منها: قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]، وقوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ،) [البقرة: 177]، وقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر} [القمر: 49]، وقوله صلى الله عليه وسلم: وقد سئل عن الإيمان – وذلك في حديث جبريل المشهور – ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)) ([1]). ومباحث هذه الأركان الستة هي التي تشتمل على كافة ما يتعلق بأصول العقيدة.
[ المفتاح الثاني]: مرتبة الإيمان هي ثاني مراتب الدين وهي مرتبة المقتصد، فوق مرتبة الإسلام (مرتبة الظالم لنفسه)، وأدني من مرتبة الإحسان (السابق بالخيرات):
دين الإسلام ثلاث مراتب: مرتبة من الأدنى إلى الأعلى، وجميع أهلها من أهل الاصطفاء، والمرتبة الأعلى هي مرتبة الإحسان، وهي مرتبة السابقين بالخيرات بإذن الله، وهي مرتبة المقربين، والمرتبة الوسطى هي مرتبة الإيمان، وهي مرتبة المقتصد المؤدي ما عليه من الفرائض والواجبات والمنتهي عن المحرمات، والمرتبة الأدنى هي مرتبة الإسلام، وهي مرتبة الظالم لنفسه بالتقصير في أداء بعض الواجبات أو انتهاك بعض المحرمات، ولكنه محافظ على أصل التوحيد والإيمان والإسلام، وفي بيان تلك المراتب، قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ *} [فاطر: 32 – 35]، والآيات عند تدبرها نجد أنها جعلت عباد الله الذين اصطفاهم الله تعالى واختارهم لدين الإسلام ثلاث مراتب تبدأ من الأدنى إلى الأعلى، قال ابن كثير – في بيانها -: ” يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتـاب الذيـن اصطفينـا مـن عبادنـا وهـم هـذه الأمـة، ثم قسّمهم ثلاثة أنواع فقال تعالى{فمنهم ظالم لنفسه} وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، {ومنهم مقتصد} وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك المستحبات ويفعل بعض المكروهات، {ومنهم سابق للخيرات بإذن الله} هو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهـات وبعـض المباحـات ” ([2]).
وفي تفضيل مرتبة الإيمان على مرتبة الإسلام، قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *} [الحجرات: 14 – 16]، فعند تدبر هذه الآيات، نعلم أن مرتبة الإيمان أعلى وأجل من مرتبة الإسلام، لأن الآيات الكريمة نهت الأعراب عن ادعاء مرتبة الإيمان، لأنهم لم يبلغوها ولم يقوموا بحقوقها بعد، {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا}، ثم أمرتهم بالاقتصار على مرتبة الإسلام {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا}، لأن مرتبة الإيمان مرتبة عالية لم تبلغها أعمالهم بعد، {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ} فإن بلغوها فإن الله لا ينقصهم من أعمالهم شيئا، {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، ثم بينت الآيات متطلبات مرتبة الإيمان، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} فهذا دين الله تعالى فلا ينبغي لأحد ادعاء منزلة ومرتبة أعلى من مستواه الديني، {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
ومن فقه الآيتين نعلم أن هناك ثلاثة مراتب لدين الله عز وجل: المرتبة الأولى: مرتبة الظالم لنفسه يدخل النار بذنوبه ثم يدخله الله تعالى الجنة بعد ذلك، وهو مسلم حتماً لأن الجنة لا يدخلها كافر أبداً، والمرتبة الثانية: مرتبة المقتصد (أصحاب اليمين) الذين يدخلون الجنة ابتداءً، والمرتبة الثالثة: مرتبة السابقين بالخيرات (المقربين) الذين يدخلون الجنة ابتداءً ولكن في منزلة أعلى من منازل أصحاب اليمين، فإذا أضفنا إلى ذلك الفقه حديث جبريل الجامع اتضحت الصورة أكثر وظهرت حدود وأركان ومنزلة كل مرتبة من دين الله، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن الفاروق عمر رضي الله عنه قال: ((بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب لا يرى عليه أثر السفر و لا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه و وضع كفّيه على فخذيه، وقال: يا محمّد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله و أنّ محمّدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا، قال صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه !، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره و شرّه، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربّتها و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، ثم انطلق فلبثت مليا، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: إنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم،))([3]).
ونزول جبريل عليه السلام في هيئة رجل يراه الصحابة رضي الله عنهم ويجلس أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ويسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان بقصد تعليم المسلمين أمر دينهم ليس بالأمر الهين، بل هو أمر عظيم يدل على أهمية ومنزلة هذه الأسئلة من دين الله عز وجل فقد اشتمل على بيان أصول الدين وقواعده ومراتبه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، فجعل ما في هذا الحديث بمنزلة الدين كله، والمستفاد من الحديث: أن مسمى مراتب الدين الثلاثة هي: الإسلام والإيمان والإحسان، وأن هذه المراتب عظيمة جدًا تحيط بكافة جوانب الدين وعراه، ويعلم أيضا من ذلك الحديث العظيم أركان كل مرتبة من تلك المراتب، ويعلم كذلك من ذلك الحديث العظيم: أهمية معرفة المسلمين لتلك المراتب وحدودها وأهميتها فعلى تلك المراتب وأركانها وحدودها يبنى الفهم الصحيح والعلم الراسخ لدين الإسلام، ولولا أهمية العلم بتلك المراتب وأركانها وحدودها ومنزلتها من دين الله تعالى لما أرسل الله عز وجل جبريل عليه السلام ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصدقه، والصحابة رضي الله عنهم يسمعون باهتمام، وبعدما انصرف جبريل عليه السلام وضح النبي صلى الله عليه وسلم أهمية تلك الأسئلة التي جاء بها جبريل عليه السلام عن مراتب الدين (الإسلام والإيمان والإحسان) بقوله صلى الله عليه وسلم يا عمر أتدري من السائل فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم، فجعل صلى الله عليه وسلم تعليم الدين هو بمثابة معرفة تلك المراتب ومعرفة أركانها وحدودها وأهميتها من دين الله، وهذه المراتب الثلاث عظيمة جدا، وبين هذه المراتب ارتباط وثيق، فدائرة الإسلام أوسع هذه الدوائر، تليها دائرة الإيمان فالإحسان، وبالتالي فإن كل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، ومما سبق يتبيّن لنا سر العتاب الرباني على أولئك الأعراب الذين ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، وهو لم يتمكّن في قلوبهم بعد، يقول الله في كتابه: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 14]، فدل هذا على أن) الإيمان) كمرتبة هو أخصّ وأضيق دائرةً وأعلى قدرا من (الإسلام) كمرتبة أدنى.
وتلك المراتب الجليلة الثلاث مرتبة من الأدنى إلى الأعلى: فأدنى تلك المرتب هي مرتبة الإسلام الظاهر وهي مرتبة الظالم لنفسه وذلك لأن حدها هو إقامة أركان الدين الخمسة التي بني عليه الإسلام، ودين الإسلام بعد الأركان به فرائض وواجبات لابد وأن تؤدى وبه نواهي ومحرمات لابد وأن تجتنب، والواقف على تلك الأركان الخمسة فهو وإن كان من عبد الله المخلصين إلا أنه ظالم لنفسه لتقصيره في حق الواجبات ولوقوعه في المحرمات، والمفرط في حق الفرائض والواجبات والواقع في المحرمات متى أقام أركان الدين الخمسة فهو في المرتبة الأولى مرتبة الإسلام الظاهر، مرتبة الظالم لنفسه، وهو إلى مشيئة الله عز وجل إن شاء الله عذبه على تقصيره في حق الدين في الدنيا أو في الأخرة أو في كلاهما بما يظهره من ذنوبه وإن شاء غفر له، وفي كلا الحالتين فماله إلى الجنة إذ لا يخلد في النار أبدا لأنه وإن كان ظالما لنفسه إلا أنه من عباد الله المخلصين، ويليها (مرتبة الإيمان) وهي مرتبة المقتصد: وهو المقيم لأركانه مرتبة الإسلام الظاهر (أركان الإسلام الخمسة) والمؤدي للفرائض والواجبات والمنتهي عن المحرمات والواقف عند حدود شرع الله في الحلال والحرام لا يتعداها، والسائرون في تلك المرتبة هم من أصحاب اليمين، ثم (مرتبة الإحسان) وهي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله تعالى، وهو المقيم لأركان الإسلام الظاه، والمقيم لأركان مرتبة الإيمان المؤدي لما عليه من الفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات والواقف عند حدود الله في الحلال والحرام لا يتعداها، وهو إضافة إلى ذلك لا يزال يتقرب الى الله تعالى بالنوافل والمستحبات وينزه نفسه عن الوقوع في المكروهات والمتقن لأعماله جميعا يحسنها ويخلصها لله وحده رجاء فضله وثوابه ورضوانه. وجمع المراتب كلها قول الله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، فعباد الله عز وجل الذين اصطفاهم لدين الإسلام ثلاثة أصناف وكلهم داخل في الاصطفاء بإتباع الدين الحق الذي لا يقبل الله من عباده سواه.
والمسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين تلك المراتب الثلاث، (صاحب مرتبة الإسلام): وهو الواقف على أركان الإسلام ولكنه يفرط في أداء بقية الفرائض والواجبات ويقع في الكبائر والمحرمات فهذا هو الظالم لنفسه، ولكنه مسلم في دائرة الإسلام، وصاحب مرتبة الإيمان: وهو المؤدي لما عليه من الأركان والفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات والواقف عند حدود الله في الحلال والحرام لا يتعداها فهذا هو المقتصد، وصاحب مرتبة الإحسان: هو المؤدي لكل ما يقوم به المقتصد صاحب مرتبة الإيمان ولكنه يزيد على ذلك بالمسابقة بما ينال رضا الله عز وجل من الأعمال والأقوال والنوافل والمندوبات وبالتنزه عن المكروهات والسير في طريق إحسان العمل وإخلاصه التام لله رب العالمين، وهذا هو السابق بالخيرات بإذن الله، أما حدود مرتبة الإيمان فيتمثل في فعل المأمورات وترك المنهيات، إضافة إلى قائمة أركان الدين الخمسة التي تشملها مرتبة الإسلام، ومرتبة الإيمان هي مرتبة المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها.
ومعنى ذلك أن حدود تلك المرتبة تتمثل في: (1) استيفاء حقوق المرتبة الأدنى (مرتبة الإسلام الظاهر)، (2) القيام بالفرائض والواجبات، (3) الكف عن الكبائر والمحرمات، (4) الوقوف عند حدود الله تعالى في الأمر والنهي والحظر والإباحة، وهذه المرتبة: قول وعمل، وادعاء وبينة، ويقين في القلب يظهر أثره على الجوارح بالطاعة والامتثال وأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات.
وغالب أوامر ونواهي القرآن الكريم تدخل في إطار الأمر بتحقيق هذه المرتبة ولذلك كانت تبدأ بنداء المولى سبحانه {يا أيها الذين آمنوا)، وهذا الإيمان الواجب هو الذي مدح الله تعالى أصحابه ووعدهم به الجنة ابتداء وبشرهم بالفضل الكبير والمكانة الصادقة، وأكثر ما في القرآن من الآيات المسبوقة بقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا} هي في إطار الإيمان الواجب، فإمّا أن تأمر بواجب أو تنهى عن محـرّم أو تحـد حـداً من شـرع الله، نسأل الله عز وجل أن يعيننا على القيام بحق مرتبة الإيمان الواجب وأن يجعلنا من عباده المؤمنين، وأصحاب هذه المرتبة هم المقصودون بالثناء المطلق على إيمانهم كما في قوله تعالى: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيرا} [الأحزاب: 47] وقوله تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك الفوز العظيم} [التوبة: 72]،
[ المفتاح الثالث]: شعب الإيمان بضع وستون أو بضع سبعون شعبة: للإيمان شعب متفاوتة:
فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان))، ([4]). وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة والحياء شعبة من الإيمان)) ([5]). وأخرج مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلاّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان))، ([6]). والشعب هي خصال الإيمان وهي بمثابة أغصان الشجرة: وهو تشبيه من النبي صلى الله عليه وسلم للإيمان بالشجرة وخصال الإيمان بمثابة أغصان لتلك الشجرة ولمّا كانت الشجرة لا تثمر إلاّ في وجود أغصانها فكذلك الإيمان لا يأتي بثماره المرجوة منه إلاّ إذا توافرت شعب الإيمان وخصاله، وكلما زادت الشعب زاد الإيمان وارتقى وعلت درجته كما أن الشجرة كلما ازدادت أغصانها ازدادت ثمارها، والحياء هو صفة في النفس تحمل النفس على فعل الخيرات وترك القبيح الذي يُذم فاعله ويُعاب.
والمتتبـع لآيـات القـرآن الكـريم وأحاديـث النبي صلى الله عليه وسلم حـول بـاب الإيمـان يجـد تلك الشعب واضحة للعيان، فمـن الآيـات الجامعـات الدالة على شعب الإيمان الواجب وصفات المؤمنين أصحاب مرتبة الإيمان الواجب:
قال تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما}،وقال تعالى {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً} [الأحزاب: 36].
وقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} [آل عمران: 28].
وقال تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22]. وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئـك هـم الظالمـون} [التوبة: 23]،. وقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة} [التوبة: 71]، وقال الله تعالى {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} [التوبة: 71]. وقال تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقـون} [الحجرات: 15]، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على شعب الإيمان الواجبة وصفات المؤمنين: قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) ([7]).
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعيـن)) ([8]).
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكـره أن يقـذف في النار)) ([9]). [أخرجه البخاري]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلاّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)) ([10]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار)) ([11]). وقوله صلى الله عليه وسلم عندما مر على رجل في الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء: ((دعه فإن الحياء من الإيمان)) ([12]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكـرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكـرم ضيفـه)) ([13]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقـل خـيراً أو ليصمت)) ([14]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) ([15]).
[المفتاح الرابع]: نواقض الإيمان: نواقض الإيمان التي تنافيه بالكلية وتنقض أصله:
لا تخرج عن كونها إما شرك أكبر أو كفر أكبر أو نفاق اعتقادي أو نواقض تنقض الشهادتين أو احداهما ويكون معها الردة عن دين الله:
[1] الشرك الأكبر بالله: الشرك الأكبر معناه اعتقاد وجود الشريك مع الله تعالى، قال تعالى {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51]، واعتقاد أن غير الله تعالى هو الإله مثل قول النصارى في نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام، قال تعالى {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] واعتقاد أن ذات الله تعالى منقسمة إلى أقانيم مثل قول النصارى أن الله تعالى ثالث ثلاثة، قال تعالى {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73]، واعتقاد أن الله تعالى له أبناء أو بنات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، كقول النصارى بأن المسيح ابن الله وقول اليهود بان عزير ابن الله وقول مشركي العرب بأن الملائكة بنات الله، قال تعالى {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [سورة مريم: 88، 95]، وكاعتقاد مشركي العرب في الجن، كما في قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100].
ومن الشرك الاكبر اعتقاد أرباب من دون الله، ومن الشرك الأكبر اعتقاد استحقاق غير الله تعالى للعبادة، لأنه سبحانه هو المستحق للعبودية وحده لأنّه هو الرب الإله الحق، فلا تصرف العبادات إلا إليه، قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الْأَنْبياء: 25]، وقال تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقال تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]، وقال تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].
فمن صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود أو غيره من مفردات العبادة لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في ألوهية الله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الناقض لأصل التوحيد، وهو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه، ومن صرفها بغير اعتقاد الشراكة مع الله تعالى في أي من صفات الربوبية أو الألوهية، فقد أتي بالشرك العملي الناقض للتوحيد الواجب، ووجب عليه التوبة إلى الله وتصحيح التوحيد بإفراد الله تعالى بمفردات العبادة وصورها التي لا ينبغي أن تصرف إلا لله، ولابد من القول بأنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي.
والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، والشرك ظلم عظيم لكونه نقيض التوحيد الذي هو أساس الإسلام الأعظم ومبدؤه الأول (لا إله إلا الله)، ولذلك جاء في القرآن الكريم بيان أن هذا الذنب العظيم الذي لا يغفره الله تعالى لصاحبه إلا أن يتوب عنه، قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]،وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)).
[2]الكفر الأكبر: لما كان دين الإسلام هو الدين الذي لا يقبل الله تعالى من العباد جميعاً دينا سواه كان حتماً أن كل ما سواه هو من الكفر بالله تعالى، والأصل في ذلك: قوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، وقوله تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وعلى ذلك فكل من لم يدخل في دين الإسلام بالشهادتين ويعتقد بلوازمهما فهو من الكافرين يتساوى في ذلك الحكم المشرك والمجوسي والملحد وعابد الصنم والوثني واليهود والنصارى، فإن كانت شريعة الإسلام قد خصت أهل الكتاب (اليهود والنصارى) بعدد من الأحكام الشرعية الخاصة كحل الذبائح وحل الزواج من نسائهم، وسمتهم بأهل الكتاب إلا أنهم كفار بالله جل وعلا وذلك لعدم دخولهم في دين الإسلام والتصديق برسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وشريعة الإسلام في ذلك واضحة تماماً: يقول الله جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهل الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6]، وقوله عز وجل {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ،} [المائدة: 72]، وقوله جل وعلا {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73]، وقوله تبارك وتعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150 – 151]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ونصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) ([16]).
يقول النووي في شرح صحيح مسلم: ” وقوله صلى الله عليه وسلم لا يسمع بي أحد من هذه الأمة أي فيمن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهاً على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى والله أعلم “([17]).
وعلى ذلك: فكل من لم يدخل في دين الإسلام الذي جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم فهو من الكافرين، واعمالهم هباء، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 103 – 105].
والكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان ولذلك فمنشأ الكفر الأكبر هو كفر القلب أو انتفاء أصل الإيمان أو أحد عناصره التي قررها العلماء وهي الإقرار والتصديق والانقياد، ومن أهم أنواعه: كفر جهل وتكذيب: وفيها ينتقي تصديق القلب مع عدم العلم بالحق في حق الله تعالى أو رسله أو كتبه أو ملائكته أو اليوم الآخر أو القدر، وفي ذلك يقول الله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ،} [يونس: 39] وقوله تعالى {حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 84].
وكفر الجحود: وفيه يكون كتم الحق وجحده مع العلم بصدقه وفيه يقول الله جل وعلا: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14] وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] وقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146].
وكفر العناد والاستكبار: وهذا ككفر إبليس الرجيم لعنه الله وكفر غالب اليهود الذين شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه، فإبليس اللعين لم يكذب في أمر الله تعالى له بالسجود وإنما أبى عن الانقياد كفر واستكباراً قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، وغالب اليهود – غضب الله عليهم – يعلمون أن الرسول حق وأنه مرسل من عند الله ولكنهم منعهم العناد والكبر عن اتباعه قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة: 89 – 90].
وكفر النفاق حيث ينتفي تصديق القلب، مع انقياد الجوارح الظاهرة فهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]، وقال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون.
فهذه أهم أنواع الكفر ومنشؤها جميعاً كفر القلب أو انتفاء أصل الإيمان، ومن ختم الله عز وجل عليه بالكفر فما له من هاد، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 6 – 7]، والكافر بالله الكفر الأكبر خالد في النار أبداً إن مات على هذا الكفر.
[3] النفاق الاعتقادي: النفاق: هو إظهار الإسلام باللسان وعلى الجوارح مع اعتقاد الكفر بالقلب وهذا النفاق شر من الكفر لضرر أصحابه بالمسلمين وخدعهم ومكرهم بهم ولأنهم تجرى عليهم أحكام دين الإسلام فينتفعون بها في الدنيا فإنهم في الآخرة في أدنى وأسفل مرتبة في النار، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]،
[4] نواقض الشهادتين: إذا كانت الشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) هما الباب الأوحد إلى دين الإسلام ينطق بهما العبد فاهماً وقاصداً معناهما فيدخل إلى دين الإسلام ويكون له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ولا يرتد هذا العبد عن دين الإسلام إلا إذا أتى بما ينقض دعوى الشهادتين أو أحدهما عن قصد وإصرار، وفي هؤلاء قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} [محمد: 25]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217]، وفيهم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من بدل دينه فاقتلوه)) ([18]).
ونواقض الشهادتين تشمل: كل ما ينقض شهادة (لا إله إلا الله): وذلك يكون بالوقوع في شيء من الشرك الأكبر بالله كأن يعتقد أن مع الله آلهة أخرى تشاركه في بعض أفعاله أو صفاته، أو يكون باعتقاد صفات الربوبية المستحقة لله تعالى وحده لأحد من خلقه، أو إنكار ربوبية الله جل شأنه لخلقه أو إنكار بعضها أو الشرك فيها أو الطعن فيها والطعن يكون بالتكذيب أو الشك أو الاستهزاء، ويكون كذلك بإنكار ألوهيته تعالى لخلقه أو الشرك فيها أو الطعن فيها، ويكون بإنكار استحقاق الله عز وجل للعبادة وحده لا شريك له، أو باعتقاد استحقاق غير الله تعالى للعبادة أو شيء من مفرداتها، أو الطعن في العبادة بالشك أو التكذيب أو الاستهزاء، أو صرف شيء من العبادات إلى غير الله تعالى بقصد العبادة، ويكون كذلك بشيء من الكفر الأكبر بالله ومنه كفر القلب بشيء من شرع الله بما يضاد الإقرار أو التصديق أو الانقياد.
وكل ما ينقض شهادة (محمد رسول الله): وذلك بإنكار شيء من المعلوم من الدين بالضرورة من رسالة النبي – صلى الله عليه وسلم المتضمنة للقرآن والسنّة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم أو إنكار بعضها، أو الطعن في رسالته صلى الله عليه وسلم أو شيء منها من القرآن أو السنّة والطعن يكون بالتكذيب أو الشك أو الاستهزاء، أو الطعن فيه صلى الله عليه وسلم أو إعلان كراهية ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى، فتلك الأقسام تكاد تحوي نواقض الشهادتين المخرجة من دين الإسلام بالكلية وقد حدد الشرع عقوبة ذلك المروق من دين الله وتلك الفتنة بالقتل وذلك لأن الفتنة أشد من القتل والفتنة أكبر من القتل وذلك وفق أحكام الاستتابة التي قررها الفقهـاء ولا يقوم بها إلا أولياء الامور ومن ينوب عنهم من القضاة.
[المفتاح الخامس]: زيادة الإيمان ونقصانه:
(أ) الإيمان عند الفرق الضالة جميعها جملة واحدة لا تقبل التجزئة فإما أن يكون كاملاً وإما أن يزول بالكلية، إلا أهل الحق السائرون على هدى الكتاب والسنّة فهؤلاء عندهم الإيمان درجات أدناها أصل الإيمان وأعلاها الإيمان الكامل المستحب وهو بين ذلك درجات عديدة، وأهله فيه متفاوتون تفاوتاً عظيماً، ولهذا كان من شعار أهل السنّة والجماعة (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص).
(ب) وقد دل على زيادة الإيمان ونقصانه أدلة كثيرة من الكتاب والسنّة منها: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] [الأنفال: 2]، وقال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، وقال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 124 – 125]، وقال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا،} [المدثر: 31]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ،} [الفتح: 4]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17]، وقال تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى،} [الكهف: 13]، فهذه الآيات دلت صراحة ونصاً على زيادة الإيمان، وما قبل الزيادة قبل النقصان وهناك آيات عديدة دلت ضمناً على زيادة الإيمان ونقصانه، فالآيات دلت على تفاوت أهل الجنة في منازلهم فهناك أصحاب اليمين وهناك السابقون المقربون وهناك أصحاب الغرف الذين يتراءون لأصحاب الجنة كما يتراءى أهل الأرض الكواكب في الأفق، فما دام المؤمنون متفاوتون في منازلهم في الجنة دل ذلك يقيناً على تفاوت إيمانهم زيادة ونقصاناً.
(ت) ومن الأحاديث التي دلت على تفاضل الإيمان وزيادته ونقصانه: ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم يقول: (بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا عليّ وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض عليّ عمر وعليه قميص يجره قالوا فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين)([19]).
وما أخرجه مسلم عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ([20]). أضف إلى ذلك أحاديث عديدة تدل أيضاً على تفاوت منازل المؤمنين في الجنة تفاوتاً لا يعلمه إلا الله عز وجل لتعود درجاته كما قال تعالى {وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 21].
(ث) زيادة الإيمان ونقصانه شعار أهل السنّة والجماعة: قال النووي رحمه الله: ” فإذا تقرر ما ذكرناه من مذاهب السلف وأئمة الخلف فهي متظاهرة متطابقة على كون الإيمان يزيد وينقص وهذا مذهب السلف والمحدثين “([21]).
أهـ [ونقل إبن عبد البر إجماع أهل الفقه و الحديث على أن الإيمان يزيد وينقص، فقال: ” أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية، و الطاعات كلها عندهم إيمـان إلا ما ذكـر عن أبى حنيفة و أصحابه” أهــ([22]).
(تنبيه): الإمام أبو حنيفة لم يتكلم عن مسمى الإيمان، وإنما كان كلامه عن (أصل) الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان، وهذا إن نقص كان الكفر الأكبر، وإن زاد فالزيادة تدخل في الإيمان الواجب، وهو غير الإيمان الأصل.
(ج) الإيمان يزيد وينقص في جميع عناصره: قال النووي رحمه الله: ” الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه و قالوا متى قبل الزيادة كان شكاً و كفراً، وقال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق يزيد وينقص و الإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهى الأعمال و نقصانها.. وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهره حسناً فالأظهر ـ والله أعلم ـ أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر و تظاهر الأدلة و لهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبهة ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة، وإن اختلفت عليهم الأحوال، أما غيرهم من المؤلفة قلوبهم و من قاربهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبى بكر الصديق لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في صحيحه، قال ابن أبي مليكه: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمـان جبريـل و ميكائيل” أهــ ([23]).
فزيادة الإيمان ونقصانه تتناول أصل الإيمان، فإن نقص دخل المرء في الكفر الأكبر، وإن زاد دخل المرء في الإيمان الواجب، و زيادة الإيمان ونقصانه تتناول الإيمان الواجب، فإن نقص دخل المرء في أصل الإيمان، وإن زاد دخل المرء في الإيمان المستحب وهكذا.
[المفتاح السادس]: العلاقة بين مسمى الإيمان ومسمى الإسلام:
(أ) قواعد لغوية تفيد في فهم علاقة الإيمان بالإسلام:
(القاعدة الأولى): الأسماء التي بينها تلازم وتتداخل معانيها، إذا ذكرت مجتمعة فهم من كل واحد منها معناه الأصلي فقط دفعاً للتكرار، وإذا ذكر بعضها كان بمفرده مغنياً عن ذكر الباقي وصار عنواناً على مجموع المعاني الداخلة تحت بقية الأسماء، ومثال ذلك اسم الفقير والمسكين فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها، فاسم الفقير إذا أطلق دخل فيه المسكين، وإذا أطلق لفظ المسكين تناول الفقير، وإذا قرن بينهما فأحدهما غير الآخر، وبتطبيق هذه القاعدة على التلازم الحاصل بين مسمى الإيمان والإسلام نجد أنه إذا أفرد أحدهما بالذكر دون الآخر فغالباً ما يدل على المعاني المندرجة تحت الآخر، وإذا ذكرا معاً فلكل واحد من الاسمين معنى يخصه دون الآخر، ومثال الأول: كقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا) ومعلوم أنه يتناول كل مسلم كما تناول كل مؤمن، ومثال الثاني كقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ،} [الحجرات: 14] ومعلوم من صياغ الآية أن المقصود بالإيمان معنى أوسع ومرتبة أعلى من الإسلام وإلا لما نفت الآية عن قوم الإيمان ووصفتهم بالإسلام.
(القاعدة الثانية): الأسماء التي بينها تلازم وتتداخل معانيها، وقد تختلف في معانيها إلا أنها تؤول إلى الدلالة على شيء واحد، ومثال ذلك لفظ (الصراط المستقيم) الذي أمرنا الله بسؤاله هدايته، فإنه قد وصف بأنه الإسلام، وصف بأنه الإيمان، وصف بأنه اتباع القرآن، ووصف بأنه طاعة الله ورسوله، ووصف بأنه طريق العبودية، ومعلوم أنها تؤول في النهاية إلى الدلالة على شيء واحد، وبتطبيق هذه القاعدة على علاقة الإيمان بالإسلام، نجد أن: المعنى الأشهر للإيمان في اللغة وفي استعمالات العلماء هو (التصديق)، المعنى الأشهر للإسلام في اللغة وفي استعمالات العلماء هو (الإذعان والانقياد)، وعلى ذلك فلا انفكاك في المعاني بين أصل الإيمان وبين حد الإسلام، لأنه لا يصح إسلام بلا تصديق وإلا كان نفاقاً، ولا يصح إيمان بلا انقياد وإلا كان إباءً واستكباراً، والأصل الذي لا يصح به الإسلام على الحقيقة ولا الإيمان على الحقيقة هو تصديق القلب وانقياده، التصديق (قول القلب) و الانقياد (عمل القلب) ومنه نعلم مدى تلازم الإسلام والإيمان بل تلازم أصل الإيمان بأصل الإسلام حتى قال أكثر أهل العلم: أن كلاهما شيء واحد، وما ذلك إلا لتلازمهما الشديد حيث لا يصح إيمان القلب بلا إسلامه – انقياده لله – ولا يصح إسلام المرء بلا إيمان قلبه – تصديقه-، ويصير كل مسلم عنده أصل الإيمان وإلا كان منافقاً، وكل مؤمن عنده إسلام القلب وإلا كان إيمانه كإيمان إبليس الرجيم واليهود والمشركين الذين أيقنوا بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ومع ذلك كان كفرهم سببه انتفاء عمل القلب وخلوه من الانقياد فكان كفرهم كفر إباء واستكبار وعناد وعلو وليس كفر تكذيب.
(أصل الإيمان هو التصديق، وأصل الإسلام هو الانقياد)، ولا غنى للمسلم وللمؤمن عن التصديق والانقياد، فإذا ذكر أحدهما مفرداً دل على مقصود الثاني، فإن النداء الرباني (يا أيها الذين آمنوا) يقصد به المسلمين، وكذلك قوله تعالى {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ،} [الحج: 78]، ويدخل فيه كل مؤمن إذ لا يصح إسلام بلا إيمان ولا إيمان بلا إسلام.
(القاعدة الثالثة): الأسماء التي بينها تلازم وتتداخل معانيها، وإذا عطف أحدهما على الباقي دل ذلك على التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، ” قلت “ ومعنى هذه القاعدة أنه إذا عطف الإسلام على الإيمان دل على المغايرة بينهما فلا بد أن يدل الإسلام على معنى مغاير لمعنى الإيمان، وإن كان في نهاية الأمر يدلان على نفس المراد – كما ذكرنا في القاعدة السابقة –، ومن أمثلة المغايرة بين معاني الإيمان والإسلام إذا عطف أحدهما على الآخر أن يدل الإسلام على أعمال الظاهر والإيمان على أعمال الباطن، أو يدل الإسلام على انقياد الجوارح والإيمان على تصديق القلب، أو يدل الإيمان على مرتبة أعلى وأفضل من مرتبة الإسلام، وهذا التغاير في المعاني لا ينفي من تلازم كل منهما وضرورته للآخر.
(ب) الأصل اللغوي لمعنى الإيمان ولمعنى الإسلام: الأصل اللغوي لمعنى الإيمان هو التصديق، وإذا كان التصديق يستلزم العلم والمعرفة بما تصدق به، لذا كان أصل الإيمان هو المعرفة والعلم والتصديق، أما الأصل اللغوي لمعنى الإسلام فهو الاستسلام والإذعان والخضوع والانقياد وهذه المعاني أصلها في القلب وفرعها على الجوارح، قال ابن رجب: ” وإن قرن بين الاسمين (الإسلام والإيمان) كان بينهما فرق، والتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد وخضوعه وانقياده وذلك يكون بالعمل وهو الدين ” أهــ ([24]).
” قلت “: والتصديق والانقياد كلاهما لازم لصحة الإسلام الشرعي والإيمان الشرعي لأنه لو انتفى التصديق صار صاحبه كافراً إما كفر شك أو تكذيب أو نفاق، ولو انتفى الانقياد صار صاحبه كافراً كفر عناد وإباء واستكبار، وهذه هي أنواع الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام ومن الإيمان بالكلية،
(ت) تلازم أصل الإيمان مع أصل الإسلام فلا يصح أحدهما بدون الآخر: ذكرنا في المبحث الأول من هذا المؤلف أن أصل الإيمان يتركب من ثلاثة عناصر لا غنى عنها ولا عن أحدها إلا وهي الإقرار والتصديق والانقياد فإذا انتفى الانقياد وحده صار صاحبه كافراً كفر عناد وإباء ككفر إبليس الرجيم، وذكرنا هناك أنه لا غنى لتصديق القلب (وهو قول القلب) عن الانقياد (وهو عمل القلب) وإلا صار تصديقاً مجرداً كتصديق إبليس الرجيم فلا ينفع صاحبه بشيء، ومن هذا التلازم بين أصل الإيمان وأصل الإسلام وجدنا أهل العلم يقولون بأنه لا يصح إسلام المرء حتى يكون معه إيمان ولا يصح إيمان المرء حتى يكون معه إسلام بمعنى أنه لا يصح تصديق بلا انقياد ولا انقياد – أي بالظاهر – حتى يصاحبه تصديق القلب، فلا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه، ولا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه، وقد جاء هذا التلازم بين أصل الإيمان وأصل الإسلام في آيتين كان يحرص النبي – صلى الله عليه وسلم – بالصلاة بهما في ركعتي الفجر، وهما قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 136 – 137]، وقوله تعالى: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ* وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 84 – 85]، فقوله تعالى في الآية الأولى (قولوا آمنا بالله) أي قولوا صدقنا بالله وقوله تعالى: (ونحن له مسلمون) أي منقادون بالقلب والجوارح فدل ذلك على تلازم التصديق والانقياد، وأن من أتى بكليهما فقد اهتدى ومن تولى عنهما فإنما هو في شقاق عن دين الله عز وجل الذي يحوي الإسلام والإيمان، وقوله تعالى في الآية الثانية (قل آمنا بالله) أي للإخبار بحالة الرسول صلى الله عليه وسلم من التصديق بالله … وبقية جوانب الإيمان في الآية إلى قوله تعالى: (ونحن له مسلمون) أي متفاوتون، ومن أتي بذلك فقد أتى بدين الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، ومن يبتغ غير هذا الدين بما يحويه من التصديق والانقياد فلن يقبل الله منه عملاً وهو في الآخرة من الكافرين من الخاسرين، ” قلت ” ومن هذا التلازم بين أصل الإيمان وأصل الإسلام نجد أن كتاب الله عز وجل جعل ضدهما واحداً وهو الكفر، فقـال تعالى: (كيف يهدي الله قوماً كفرواً بعد إيمانهم)، وقـال تعالى: (أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون)، فلولا أن أصل الإيمان وأصل الإسلام كليهما مرتبط بالآخر بحيث لا يصح أحدهما بدون الآخر لما جعلهما القرآن الكريم كشيء واحد في الحكم والمعنى وجعل ضدهما الكفر الأكبر المخرج من الملة.
(ث) حالات إفراد ذكر الإيمان أو الإسلام: ذكرنا في القواعد اللغوية التي تفيد في فهم علاقة الإيمان بالإسلام أن الأسماء التي بينها تلازم وتداخل إذا ذكر بعضها كان بمفرده مغنياً عن ذكر بقية الأسماء وصار عنواناً على مجموع المعاني الداخلة تحت بقية الأسماء، ونجد هذا واضحاً في بعض الآيات التي أفردت ذكر الإسلام أو الإيمان: فكثير من الآيات تصدر بالنداء الرباني (يا أيها الذين آمنوا) والمقصود به جميع المسلمين الذين يشهدون بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقوله تعالى (يا أيها الذين آمنـوا) نظير (يا أيها المسلمون) فكلاهما يؤول في الدلالة على شيء واحد، وكذلك قوله تعالى (إن الدين عند الله الإسلام) وقوله تعالى (هو سماكم المسلمين من قبل) فالدين عند الله الإسلام ويدخل فيه ولا شك الإيمان، وتسمية أتباع النبي – صلى الله عليه وسلم المسلمون وهم كذلك المؤمنون، وقد جمعت الآية في كتاب الله تعالى مسمى الإسلام والإيمان وكلاهما بنفس المعنى وهي قوله تعالى {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35 – 36]،
(ج) حالات اقتران الإسلام بالإيمان: الحالة الأولى: يأتي فيها الإسلام بمعنى أعمال الظاهر وأهمها أركان الإسلام الخمسة (الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج)، ويأتي فيها الإيمان بمعنى اعتقاد الباطن وأهمه أركان الإيمان الستة (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر)، ومثال ذلك حديث جبريل المشهور وفيه: ((وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، قال فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال فأخبرني عن الإيمان؟ قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ونؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت)) سبق تخريجه.
الحالة الثانية: يكون فيها الإيمان مرتبة أعلى من الإسلام، ويصح أن يكون فيها المرء مسلماً وليس مؤمناً، والدليل على ذلك قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 14 – 15]، فدلت الآية على أن الإيمان مرتبة أعلى لا يصل إليها إلا من اتصف بأعمالها من الإيمان بالله ورسوله والذي لا يخالطه ريب قط، ومن الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله، أولئك هم الصادقون في ادعائهم الإيمان، أما قبل أن يتصفوا بتلك الصفات فهم مسلمون بإقرارهم حتى يدخل الإيمان الصادق في قلوبهم، والدليل عليه كذلك ما أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه: (أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أعْطَى رَهْطًا وسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَجُلًا هو أعْجَبُهُمْ إلَيَّ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ ما لكَ عن فُلَانٍ فَوَاللَّهِ إنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقالَ: أوْ مُسْلِمًا فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أعْلَمُ منه، فَعُدْتُ لِمَقالتِي، فَقُلتُ: ما لكَ عن فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقالَ: أوْ مُسْلِمًا. ثُمَّ غَلَبَنِي ما أعْلَمُ منه فَعُدْتُ لِمَقالتِي، وعَادَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ قالَ: يا سَعْدُ إنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وغَيْرُهُ أحَبُّ إلَيَّ منه، خَشْيَةَ أنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ في النَّارِ) ([25]).
فدل الحديث أيضاً على أن وصف الإيمان أجل من وصف الإسلام وأنّ بعض الناس يصح وصفهم بالإسلام دون الإيمان وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، وفهم كون الإيمان مرتبة أعلى من الإسلام يستلزم منا ذكر مراتب الدين الثلاثة فالأولى هي مرتبة الإسلام والثانية هي مرتبة الإيمان والثالثة هي مرتبة الإحسان، فأعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، وأدناها الإسلام، فكل محسن مؤمن وكل مؤمن مسلم وليس كل مؤمن محسناً ولا كل مسلم مؤمناً فالإحسان أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإسلام، فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام.
[المفتاح السابع]: الاستثناء في الإيمان:
أهل السنّة والجماعة لهم في الاستثناء ثلاثة أقوال: منهم من يوجبه باعتبار صحيح، فيجب على كل مسلم أن يقول: (انا مؤمن إن شاء الله)، ومنهم من يحرمه باعتبار صحيح، فيجب على كل مسلم أن يقول: (أنا مؤمن على صيغة الجزم)، ومنهم من يجوزه باعتبار صحيح وهو أصح الأقوال وعليه جمهور أهل السنة، والمسألة هاهنا إنما يتم حل إشكالها بمعرفة اعتبارات كل فريق، فإن أكثر الاختلاف إنما منشؤه اشتراك الأسماء والمعاني وعدم فهم كل فريق لقصد الآخر فإن فصل فيها الخطاب ضاق الخلاف وتلاشي التنازع وظهر الخطأ من الصواب. وبيان وجه كل قول من هذه الأقوال الثلاثة:
أن الإيمان – كما نقلناه – إما مطلق الإيمان وهو أصله وحده الأدنى وبابه الأول متمثلاً في الإقرار والتصديق والانقياد، وإما إيمان مطلق وهو يشمل الإيمان الواجب والإيمان المستحب ويدخل فيه كافة شرائع الإسلام وأعماله وامتثال كافة أوامره واجتناب كافة نواهيه.
فمن أوجب الاستثناء حمله على الإيمان المطلق لما فيه من تزكية للنفس بوصفها بالإيمان الواجب أو الكامل المنجي من دخول النار ابتداءً، وحمله على الموافاة وهو أن الأعمال بالخواتيم وقد يكون المرء على أعمال المؤمنين وهو مكتوب في علم الله تعالى من الكافرين – نسأل الله السلامة، وبالتالي فيجب الاستثناء لأنه لا يعلم الخواتيم إلا الله وحده.
ومن حرمه فإنما حمله على أصل الإيمان ومطلقه، باعتبار أنه ما كان مقراً بالإسلام مصدقاً لشرائعه منقاداً بقلبه ونواهيه فله اسم الإيمان وحكمه لا ينبغي الاستثناء في ذلك، ومن أجازه فبالنظر إلى المعنى المراد وهل المقصود به أصل الإيمان أصل الإيمان أم كماله ثم لهم أدلة أخرى عديدة لها وجاهة في جواز الاستثناء، وهؤلاء هم غالب السلف وجماهير علماء أهل السنة.
والفريق الذي يوجب الاستثناء في الإيمان: إنما مأخذه من كون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهو يتناول ولا شك فعل المأمورات كلها – من أعمال القلوب والجوارح – وترك المحرمات كلها – من أعمال القلوب والجوارح، وبالتالي فمن جزم لنفسه بالإيمان فكأنما جزم لنفسه دخول الجنة ابتداءً، وفي هذا من تزكية النفس ما فيه والله تعالى ينهانا عن ذلك بقوله تعالى (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى).
والفريق الذي يحرم الاستثناء في الإيمان: إنما يقصدون به مطلق الإيمان، ومأخذهم فيه أن الاستثناء لا يكون في تصديق القلب وانقياده كما لا يكون في الإقرار الجازم بالإسلام، ويقولون أن الناس على أحكام الظاهر مؤمنون وبهذا الإيمان يتناكحون ويتوارثون وبه تجرى عليهم أحكام ملة الإسلام، وهذا الإيمان الظاهر لا يصح الاستثناء فيه لأن الأصل فيه الإقرار الجازم بملة الإسلام، إظهار اليقين بها، وهذا الإقرار واليقين لا يصح أن يتوجه إليه الشك في أي حال من الأحوال.
والفريق الذي يرى جواز الاستثناء، ومعنى جواز الاستثناء أي جواز وصحة الاستثناء وجواز وصحة الإقرار الجازم دون استثناء فهو قول غالب أئمة وعلماء هل السنّة والجماعة، وهؤلاء الفقهاء نظروا إلى اعتبار الفريقين فقالوا بجواز الاستثناء بمعنى أنه كان الاستثناء يتعلق بأعمال الإيمان وقد يدخل فيه تزكية النفس فالأخذ به أولى، وإن كان يتعلق بأحكام الدنيا فتركه أولى والأمر بينهما واسع، وقد أشار إلى ذلك أبو عبيد بقوله: ” ولهذا كان بأخذ سفيان ومن وافقه الاستثناء فيه، وإنما كراهتهم عندنا أن يبقوا الشهادة بالإيمان مخافة ما أعلمتكم في البـاب الأول من التزكية عند الله، وأما على أحكام الدنيا فإنهم يسمون أهل القبلة جميعاً مؤمنين، لأن ولايتهم وذبائحهم وشهاداتهم ومناكحاتهم وجميع سننهم، إنما هي على الإيمان، ولهذا كان الأوزاعي يري الاستثناء وتركه جميعاً واسعين، حدثنا محمد بن كثير عن الاوزاعي قال (من قال أنا مؤمن فحسن، ومن قال أنا مؤمن إن شاء الله فحسن) ” أهـ ([26]).
” قلت ” ومع ذلك فهذا الفريق يرى استحباب الاستثناء دائماً وذلك لقوله تعالى {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27] وقد علم سبحانه أنهم داخلون، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله)) ([27]).وقد علم صلى الله عليه وسلم يقيناً أنه أخشاهم لله وأتقاهم له، ومع ذلك استثنى.
[المفتاح الثامن]: إيمان من مات من ذراري المسلمين والمشركين:
اختلفت ظواهر الأحاديث والآثار في شأن من مات من ذراري المسلمين والمشركين، فمنها ما دل على أنهم في علم الله وتحت مشيئته، ومنها ما دل على أنهم جميعاً من أهل الجنة، ومنها ما دل على أن ذراري المسلمين مع آبائهم في الجنة، وذراري الكافرين، ومنها ما دل على أنهم يمتحنون في العرضات يوم القيامة، ولهذا اختلفت أقوال العلماء فيهم حتى بلغ بها ابن حجر إلى عشرة أقوال ولكن مع استبعاد الأحاديث الضعيفة والجمع بين الأحاديث الصحيحة نجد أن الصواب فيها يمكن أن يؤول إلى ثلاثة أقوال هي:
(الأول): أن أولاد المسلمين في الجنة برحمة الله وأن أولاد المشركين إلى المشيئة والله أعلم بما كانوا عاملين وهذا القول منقول عن الشافعي وكثير من أصحاب مالك.
(الثاني): أن أولاد المسلمين وأولاد المشركين في الجنة برحمة الله وفضله وهذا القول نصره كثير من الأئمة منهم ابن حزم والنووي.
(الثالث): أن أولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة بفضل الله ورحمته للأولاد ووالديهم، وأن أولاد المشركين يمتحنون في العرضات يوم القيامة فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى ودخل النار، وهذا القول نصره بعض الأئمة كالبيهقي في كتابه الاعتقاد وابن القيم في كتابه طريق الهجرتين، ولما كانت المسألة غيبية لا يترتب عليها عمل وإنما هي من باب العلم المحض لذا آثرت عدم التوسع في عرض الاقوال لاسيما وأنّ الامر يتعلق بالدار الآخرة.
[ المفتاح التاسع]: الإيمان بين النظر والتقليد:
والمقصود به ما هو اول واجب على المكلف، هل هو الإقرار بشهادة التوحيد واعتقادها، أو هو النظر والتدبر والاستدلال بالأدلة الفطرية المؤدية إلى اليقين، في وجود الله عز وجل ووحدانيته، ويتناول هذا المبحث: مدى صحة إيمان العامي المقلد الذي قلد أهل الإسلام في قبول شهادة التوحيد والإقرار بها مع اعتقادها والعمل بموجبها، ولم يسبق له أن استدل بعقله على وجود الخالق ووحدانيته بما يورثه اليقين في شهادة التوحيد.
والخلاف في المسألة على قولين:
[القول الأول]: بصحة إيمان المقلد وذلك لأن نصوص الكتاب والسنّة تواترت على أن أول الواجبات على المكلف هو الإقرار والاعتقاد لشهادة التوحيد ولم يأت دليل في الشرع يدل على أن هذا الواجب لا يصح إلا إذا كان مسبوقاً بنظر واستدلال على وجود الخالق ووحدانيته، وعلى هذا القول عامة أهل الحديث وعامة الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وهو قول الأوزاعي والثوري وقول أهل الظاهر وقول جمهور متكلمي أهل السنّة والجماعة، وهو ترجيح كثير من الأئمة كالبيهقي والقرطبي وابن حجر.ومن أدلة هذا القول: (أول واجب على المكلف هو شهادة التوحيد):
الدليل الأول: قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123]، فنص الآية يدلنا على أن من اتبع الوحي المحفوظ (الكتاب والسنة) بتصديقهما والانقياد لنصوصهما واعتقاد كل ما جاء فيهما والعمل به في مأمن من الضلال والشقاء في الدنيا والآخرة، وعلى ذلك فمناط النجاة والشقاء هو اتباع الكتاب والسنّة بالتصديق والانقياد والعمل، والآية دليل على صحة الإيمان سواء استدل له أو لم يستدل، لأن مناط النجاة هو الاتباع لا يصح حتى يسبقه استدلال أو أن صحة الاتباع متوقفة على الاستدلال.
والدليل الثاني: قوله تعالى {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38]، وما قيل في الآية الأولى هو نفسه ما يقال هاهنا من أن مناط النجاة هو الاتباع وأصل الاتباع الإقرار والاعتقاد لشهادة التوحيد.
والدليل الثالث: قوله تعالى {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: 7 – 8]، أفمن حبب الله تعالى إلى قلبه الإيمان وزينه فيه وأثلج صدره باليقين في الإيمان، فهل هذا لا يصح إيمانه حتى يستدل له.
والدليل الرابع: قوله تعالى {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ،} [الزمر: 22]، أفمن شرح الله تعالى صدره للإسلام، فهل هذا لا يصح إيمانه حتى يستدل له.
والدليل الخامس: وهو دليل الفطرة وهو قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172 – 173]، وأخرج الإمام أحمد والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((إن الله أخذ الميثاق بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنشرها بين يديه ثم كلمهم فقال (ألست بربكم) قالوا (بلى شهدنا) إلى قوله (المبطلون)) ” ([28]).
، فالآية والحديث استدل بهما العلماء على دليل الفطرة وأن كل مولود يولد على الفطرة، والدليل السادس: قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: ((أدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يـوم وليلة)) ([29]).
الحديث أخرجه البخاري ومسلم، فنص الحديث يدل على أن أول واجب على المكلف هو شهادة لا إله إلا الله ولو كان هناك واجب قبله لأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إليه ولو كانت الشهادة لا تصح إلا باستدلال لأمره أن يبدأ معهم بالاستدلال، فلما كان الأمر الأول بدعوتهم إلى شهادة لا إله إلا الله دل على أنه إن كان شيء قبلها فهو سبيل إليها، ومتى وصلنا إلى الغاية (شهادة لا إله إلا الله) صحيحه فلا حاجة لنا أن نرجع إلى بعض سبلها، ومن الخطأ البين أن يبطل الشهادة لأجل أنه لم يسبقها استدلال، والدليل السابع: قوله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)) ([30]).
والحديث الشريف كسابقه دليل ظاهر على أن أول واجب هو الإقرار بالإسلام – ولا يصح الإقرار عند الله إلا باعتقاده – فصار أول واجب على العبد هو الإقرار بالإسلام واعتقاده.
[القول الثاني]: بضرورة الاستدلال بالأدلة الفطرية والعقلية على وجود الخالق ووحدانيته وأن هذا هو أول الواجبات على المكلف لأنه الطريق إلى اليقين في شهادة التوحيد، وإذا كان مجرد الشك في صحة هذه الشهادة يبطلها وإن الواجب الذي يسبقها هو استحضار اليقين فيها بأدلته اللازمة له وعلى هذا القول بعض متكلمي أهل السنة.
ومن أدلة هذا القول: (أول واجب على المكلف هو النظر المؤدي إلى العلم): استدلوا لذلك بالعديد من الآيات التي تدعو إلى النظر والاستدلال منها: قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 185]، وقوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101]، وقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، وقوله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]، وقوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: 17 – 21]، إلى غير ذلك من آيات عديدة، واستدلوا لما ذهبوا إليه أيضاً بقوله تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،} [محمد: 19]، وقالوا: بأن العلم يكون قبل القول والعمل وأن من لم يكن عالماً بالله قبل إقراره بلا إله إلا الله فهو جأهل والجأهل بالله كافر، وقالوا: إن أول الواجبات على المكلف هو النظر والتفكر والاستدلال على وجود الخالق ووحدانيته ثم الإقرار اليقيني بشهادة التوحيد، وقالوا: النظر ضروري لأنه طريق إلى اليقين التام في الإيمان، بل ومن تدبر في إيمان أكثر العوام وجده إيمان على غالب الظن القريب من اليقين وليس على سبيل اليقين الجازم بحيث أنه مع توارد الوساوس والشبهات يحتاج ولا شك إلى الاستدلال الفطري أو العقلي أو السمعي المؤدي إلى عودة اليقين في شهادة التوحيد واستقرارها.
والخلاف في المسألة بين القولين خلاف لفظي محض: إذ إنّ الفريقين متفقان على أن مناط النجاة هو الإقرار بشهادة التوحيد مع اعتقادهما، والفريقان متفقان على أن عدم اليقين في شهادة التوحيد غير معتبر وأنه لا تصح الشهادة إلا مع التصديق الجازم الذي لا شك فيه، ويبقى بعد ذلك هل يمكن أن يتوفر هذا اليقين في شهادة التوحيد بالتقليد المحض أم أنه يلزم لذلك بعض الاستدلال بأدلة الكون وآياته على وجود الخالق ووحدانيته، وهل يمكن أن يتوفر هذا اليقين على الدوام مع العلم بأن وساوس الشيطان وهوى النفس لا يتركان للعبد سلامة الاعتقاد بلا منازع، وبالتالي هل يصمد التقليد المجرد في مجابهة هذا الاعتقاد اللازم إلا بالحاجة إلى الاستدلال بالآيات الموجودة في الكون والنفس والشرع على وجود الإله ووحدانيته.
وقد وجدت بخصوص هذه المسألة درة لابن حجر العسقلاني نقل فيها عن الحافظ صلاح الدين العلائي قوله ” يمكن أن يفصل فيقال: من لا له أهلية لفهم شيء من الأدلة أصلاً وحصل له اليقين التام بالمطلوب إما بنشأته على ذلك أو لنور يقذفه الله في قلبه فإنه يكتفى منه بذلك، ومن فيه أهلية لفهم الأدلة لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه وتكفي الأدلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى نزول عنه وبهذا يحصل الجمع بين الطائفة المتوسطة، وأما من غلا فقال لا يكفي إيمان المقلد فلا يلتفت إليه لما يلزم منه من القول بعدم إيمان أكثر المسلمين، وكذا من غلا أيضاً فقال لا يجوز النظر في الأدلة لما يلزم منه من أن أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر ” أهــ ([31]). فلله در الحافظ صلاح الدين العلائي فالمسألة فيها تفصيل ولا ينبغي الغلو في المسألة
[والرأي الراجح]: لا يختلف الفريقان في أنّ جميع الآيات التي طالب بالنظر والتدبر كانت في معرض توجيه الكافرين الجاحدين إلى التدبر والتفكر والاستدلال المؤدي إلى اليقين في وجود الله ووحدانيته وعظيم قدرته وإلى الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، كما أنها لا تعني أن المسلم الذي أقر واعتقد وانقاد لدين الإسلام لا يصح إيمانه حتى يستدل بعظيم قدرة الله على وجود الله ووحدانيته، وكذلك لا يختلف اثنان من أهل العلم على أهمية التفكر والتدبر والنظر المؤدي إلى اليقين في الله وعظيم صفاته وجليل آياته، كما لا يختلف الفريقان على أنّ المؤمن المقلد يجب عليه النظر لتقوية إيمانه وحتى يبلغ به إلى مرتبة اليقين، ولكن الحكم على المقلد بأن إيمانه لا يصح حتى يشك في إيمانه ثم يستدل له بالنظر، فهذا لا تدل عليه الآيات بحال، وجميع المنتسبين إلى أهل السنّة والجماعة من الأصوليين في مدارس العقيدة الثلاث الأثرية والأشاعرة والماتريدية ممن قال بالنظر والاستدلال يقصدون به (غير المسلم) إذا بلغ ودخل في التكليف، أما المسلم الذي بلغ على يقين في شهادة التوحيد فإنّه لا يلزمه العودة إلى النظر والاستدلال، كما أنّ القول بكفر المسلم المقلد في لم يقل به أحد من أهل العلم المنتسبين إلى أهل السنّة والجماعة، بل يُنسب هذا القول إلى بعض المعتزلة.
وحاصل المسألة أنّ: الخلاف في المسألة بين القولين خلاف لفظي محض إذ الفريقين متفقان على أن مناط النجاة هو الإقرار بشهادة التوحيد مع اعتقادهما، والفريقان متفقان على أن عدم اليقين في شهادة التوحيد غير معتبر وأنه لا تصح الشهادة إلا مع التصديق الجازم الذي لا شك فيه.
***
([1]) صحيح مسلم 1/36 ح 8. شرح النووي على صحيح مسلم 1/157.
([2]) تفسـير ابـن كثيــر 3/609.
([6]) المصدر السابق 1/36 ح 35.
([11]) صحيح البخاري5/32 ح 3784.
([12]) صحيح البخاري 8/29 ح6118.
([14]) صحيح البخاري8/11 ح6018.
([16]) صحيح مسلم 1/134 ح 153. شرح النووي 2 / 186.
([17]) صحيح مسلم بشرح النووي 2 \ 188
([18]) صحيح البخاري 9/15 ح 6922.
([19]) صحيح البخاري 5/12 ح3691.
([21]) شرح النووي على صحيح مسلم 1/148.
([23]) شرح النووي على صحيح مسلم 1/ 148 ـ149.
([24]) جامع العلوم والحكم ص1/108.
([25]) صحيح البخاري 1/14 ح 27، صحيح مسلم 1/132 ح 150.
([26]) الإيمان ومعالمه وسننه لأبي عبيد ص 21.
([27]) صحيح مسلم 2/781 ح 1110، مسند أحمد 40/449 ح 24385.
([28]) مسند أحمد4/267 ح 2455، المستدرك علي الصحيحين 2/593 ح 4000. أورده الشوكاني في فتح القدير، تفسير سورة الأعراف وقال إسناده لا مطعن فيه.
([29]) سنن ابوداود 3/498 ح 2071 ، سنن النسائي 5/5 ح2435.
([31]) فتح الباري شرح صحيح البخاري 13/302 ط، دار إحياء التراث العربي.