الفصل الرابع مفاتيح مسائل فقهية خلافية قالت بها المذاهب الفقهية الأربعة فلا يجوز تبديع فاعلها بأي حال
(تنبيه): تناولت هذه المسائل في كتاب مفاتيح التوحيد والشرك بتوسع لذا اقتصر هاهنا على رؤوس الأدلة.
المبحث الأول: مفاتيح تحقيق القول في التوسل.
المبحث الثاني: مفاتيح تحقيق القول في الاستغاثة والاستعانة.
المبحث الثالث: مفاتيح تحقيق القول في التبرك.
المبحث الرابع: مفاتيح تحقيق القول في بناء المساجد على المقابر.
المبحث الخامس: مفاتيح تحقيق القول في شد الرحال إلى زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
تنبيه
ليس المقصد من تحقيق تلك المسائل هو الانتصار لرأي فقهي على حساب آخر، وإنما المقصد الأساسي من ذلك ثلاثة أمور:
(الأول): هو بيان أنّ هذه المسائل تتبع الفقه ولا تتبع التوحيد، وتتبع الصواب والخطأ ولا تتبع السنّة والبدعة لأنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – مهما بلغ الجهل منهم مبلغه، فلم يعبدوا إلا الله ولم يصرفوا العبادة إلا إلى الله، كيف وشعارهم هو (لا إله إلا الله).
(الثاني): تهذيب مسائل التوحيد والشرك ومسائل السنّة والبدعة، فلا يشوبها شائبة الغلو والجفاء، واتهام المسلمين بالشرك الأكبر وهم منه برآء، واتهام المسلمين بالبدعة في مسائل فقهية خلافية لكل فقيه فيها ادلته، فعلاج الخلل لا يكون بالخلل، وعلاج الخطأ لا يكون بالخطأ، وعلاج التفريط لا يكون بالإفراط، ودين الله تعالى عدل بين ظلمين، ووسط بين طرفين، والله الهادي إلى صراطه المستقيم.
(الثالث): أنّ جمهور الفقهاء في هذه المسائل يخالفون الوهابيين فيما ذهبوا إليه فكيف يصل بهم الامر إلى جعلها مسائل عقدية يتخذونها ذريعة لتكفير المسلمين واتهامه بالشرك واستحلال دماءهم واموالهم بسبب تلك المسائل الفقهيةالمسائل الفقهية.
المبحث الأول مفاتيح تحقيق القول في التوسل
[المفتاح الأول]: معنى التوسل: التوسل في اللغة: هو التقرب، يقال: توسلت إلى الله بالعمل: أي تقربت إليه، وتوسل إلى فلان بكذا: تقرب إليه بحرمة آصرة تعطفه عليه، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} ووسل إلى الله تعالى توسيلا: عمل عملا تقرب به إليه كتوسل، والواسل: الراغب إلى الله تعالى، ولا يخرج التوسل في الاصطلاح عن معناه في اللغة، فيطلق على ما يتقرب به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المنهيات، وعليه حمل المفسرون قوله تعالى: {وابتغوا إليه الوسيلة}، وأجمع الفقهاء على جواز التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة التي يعملها الإنسان متقربا بها إلى الله تعالى، وقد اختلف العلماء في مشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته كقول القائل: اللهم إني أسألك بنبيك أو بجاه نبيك أو بحق نبيك، على أقوال: وجمهور الفقهاء على جواز هذا النوع من التوسل سواء في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد وفاته، وعلى جواز التوسل بالصالحين من امته صلى الله عليه وسلم.
[المفتاح الثاني]: تحرير المعنى المقصود من التوسل: التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، والمتوسِّلُ المسلم الموحد لا يعبد إلا الله، ولا يرجو سوى الله، ولا يدع إلا الله وحده، فالله وحده – في عقيدة كل مسلم – هو المالك القادر المهيمن، وهو وحده المعطي والمانع، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة – رجاء قبول مبتغاه عند الله، وليس التوسل – أبداً – اتخاذ واسطة بين العبد وربه، كما كان يفعل المشركون بقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام.
[المفتاح الثالث]: أدلة التوسل وتقييمها شرعاً: (تنبيه): انظر لتفصيل هذا المبحث كتاب رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل والزيارة للشيخ الفاضل محمود سعيد ممدوح فأكثره مستفاد منه جزاه الله خيرا.
[الدليل الأول]: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل،
[الدليل الثاني]: قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57]، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض كذلك لبيان الوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل.
[الدليل الثالث]: قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، تصرّح الآية الكريمة بأن التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستشفاع به إلى الله عز وجل والاستغفار منه لمغفرة المعاصي، مؤثر وموجب للتوبة والرحمة الإلهية، والآية الكريمة مطلقة لم تحدد الاستغفار بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حياته فقط، أو أنها صالحة إلى يوم القيامة، قال المانعون للتوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الآية تتعلق بحياته دون موته لأنه لا إدراك له بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فكيف يتوسل إلى الله تعالى لمغفرة ذنوبهم، وقال المجيزون للتوسل – وهم جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة) [الموسوعة الفقهية: مادة وسل]: إن هذه الآية صالحة إلى يوم القيامة سواء في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد وفاته، لاسيما وقد جاءت الأدلة التي تدل على إدراك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبره لحال أمته – سياتي بيان أدلتهم -، وبالتالي فلا فرق بين حياته وموته، ومن فرق بين حياته وموته صلى الله عليه وآله وسلم فعليه أن يأتي بدليل مقيد للإطلاق الذي عليه الآية الكريمة، ([1]) .[الدليل الرابع]: أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه: ((حدثنا عمرو بن علىّ، قال: حدثنا أبو قتيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب: (وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال عصمة للأرامل)، ([2]) .
وقال عمر بن حمزة: حدثنا سالم عن أبيه “ربما ذكرت قول الشاعر، وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب: (وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال عصمة للأرامل) وهو قول أبي طالب)) ([3]) .
وفي فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه جواز التوسل إلى الله تعالى بوجه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قضاء الحاجات ومنها نزول المطر، ولكن قد ترد عليه شبهة أن المقصود هو التوسل بذات الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في حياته ووجوده وقيامه بالدعاء، والامر محتمل، ولكن إذا ثبت ان مشاركة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأمته لم تنقطع عنها بوفاته، فلا فرق إذن عند التوسل به في حياته أو بعد انتقاله للرفيق الاعلى حديث الاستسقاء بالعباس.
[الدليل الخامس]: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه: ((أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا))، قال فيسقون)) ([4]) . قال ابن حجر في الفتح: ” ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة) أهـ ([5]) .
والحديث صريح في التوسل بالصالحين، لا سيما إذا كانوا من أهل البيت النبوي عليهم السلام، ولكن قد يرد عليه اعتراض أن الصحابة كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، فلما انتقل إلى الرفيق الاعلى كان توسلهم بالعباس رضي الله تعالى عنه، بمعنى أنه يدعو لهم الله تعالى وهم يؤمنون على دعائه، ولكن قد يرد على الاعتراض اعتراض أنه ليس في الحديث ما يدل على تحريم التوسل بذات العباس على المعنى الصحيح للتوسل، ولا في الحديث ما يدل على تحريم التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم بعد انتقاله للرفيق الأعلى سبحانه.
[الدليل السادس]: حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا شعبة بن أبي جعفر، عن عمارة بن خزيمة ابن ثابت عن عثمان بن حنيف: ((أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي (ص) فقال: ادع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقضى لِي اللهم فشفعه في)) ([6]) . وقد جاءت زيادة موقوفة عن المرفوع، قال الطبراني في المعجم الصغير: حدثنا طاهر بن عيسى بن قيرس المقري المصري التميمي، حدثنا أصبغ بن الفرج، حدثنا عبد الله بن وهب عن شعيب بن سعيد المكي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أمامة ابن سهل ابن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف: ((أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقى عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف اءت الميضاة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك (ربي) جل وعز فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليّ حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قاله عثمان ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلى حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذلك ذهاب بصره، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أفتبصر؟)، فقال: يا رسول الله إنه لي قائد وقد شق علي، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم ايت الميضأة فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات، قال عثمان ابن حنيف: ((فو الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط)) ([7]) .
وقد اختلف في صحة هذه الرواية الموقوفة لعدة أسباب تقبل الأخذ والرد والاجتهاد، منها أن شيخ الطبراني (طاهر بن عيسى)، مجهول في زعم البعض، ولكن يرده أن الطبراني صحح الحديث، وتصحيحه يعني توثيق رجال إسناده ومنهم شيخه طاهر بن عيسى المصري وهو أعلم به من غيره، ومنها أن شبيب بن سعيد الحبطي تفرد بالقصة، وهو ضعيف الحفظ عند البعض، ولكن قد وثقه علي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي، والدار قطني، والطبراني، وابن حبان والحاكم، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم والنسائي: لا بأس به.
[الدليل السابع]: قال الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة، ثنا روح بن صلاح، ثنا سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجلس عند رأسها فقال: ((رحمك الله يا أمي كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعيني وتعرين وتكسيني وتمنعين نفسك طيباً وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة))، ثم أمر أن تغسل ثلاثاً، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده ثم خلع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاضطجع فيه ثم قال: ((الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين))، وكبر عليها أربعاً وأدخلوها اللحد هو والعباس، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما، ([8]) .
[الدليل الثامن]: أخرج الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا يوسف بن موسى، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شرٍ استغفرت لكم))، ([9]) .
[الدليل التاسع قوله صلي الله عليه وآله وسلم ((من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمع وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك))، ([10]) . حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم التستري، ثنا الفضل بن الموفق أبو الجهم، ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك)([11])
[الدليل العاشر]: قال الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل، ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري، ثنا إسماعيل ابن مسلمة، أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه، قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى إسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك))، ([12]) .
وبعد فتلك أهم الأدلة الواردة في باب التوسل، ومنها يتبين أمران: (الأول): أن هناك أدلة تدل على جواز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبجاهه عند الله تعالى، وحق الأنبياء والصالحين وجاههم عند الله تعالى، ولكن هذه الادلة على كثرتها لا ترقى لان تكون أدلة قطعية الثبوت والدلالة على جواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين وجاههم وحقهم على الله تعالى، بحيث يبدع المخالف فيها، ولكنها أدلة قوية محتملة عليها جمهور أهل العلم، ولا يمكن إهمالها بحال من الأحوال إلا بنوع من الجفاء والتعصب البغيض، وفي نفس الوقت لا يمكنها إلزام الخصم بقبول هذا النوع من التوسل إلا بنوع من التعنت، و (الثاني): أن الخلاف في باب التوسل مسألة خلافية من باب الفقه وليس من باب العقيدة، وهو خلاف يدخل فيه الاجتهاد بين صواب وخطأ، وليس – أبداً – خلاف عقدي بين توحيد وشرك، أو بين إيمان وكفر، أو بين هدى وضلال.
[المفتاح الرابع]: هل هناك فرق بين التوسل بذوات الصالحين وبين التوسل بالعمل الصالح: عند التحقيق نجد انّ المتوسلين لا يتوسلون بالأجساد لأنها جميعها خلقت من طين، وإنما يتوسلون بصلاح الصالحين واعمال الصالحين التي جعلتهم صالحين مقربين من الله، قال الشوكاني في رسالته الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد: (التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله، فإذا قال القائل: (اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني) فهو باعتبار ما قام به من العلم، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة) أهـ [رسالة الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد للشوكاني]
[ المفتاح الخامس]:هل هناك فرق في التوسل بالصالحين بين الحي والميت:
(أ) هناك خلاف – اليوم – بين السلفية والصوفية حول جواز التوسل بالصالح الميت، وهذا الخلاف منشؤه التفريق بين الحي والميت، فالطائفة السلفية تزعم أنه بموت الإنسان ينقطع عن الدنيا، ولا علاقة له بها، ولا ينتفع منها إلا من ثلاث: عمل صالح ينتفع به، وولد صالح يدعو له، وصدقة جارية، وبعد ذلك فلا علاقة له باهل الدنيا ولا بأحوالهم وبالتالي فلا يجوز اتخاذهم وسيلة إلى الله تعالى لأنه ليس لديهم علم بمن طلب منهم التوسل واتخذهم وسيلة إلى الله تعالى، وليست لديهم قدرة على التوسل، بينما تزعم الطائفة الصوفية أن الأنبياء والاولياء الصالحين أحياء في قبورهم حياة برزخية كاملة، حياتهم أكثر كمالاً من الحياة الدنيا، وأنهم يسمعون من يطلب منهم الإعانة، وأنهم يتوسلون إلى الله تعالى لمن يطلب منهم التوسل، وأنهم أقدر من الأحياء على نجدة من طلبهم، وعلى ذلك فليس في باب التوسل فرق بين الحي والميت، في اتخاذهم وسيلة إلى الله تعالى ما داموا أنبياءً أو أولياءَ صالحين، ولذا فلابد أن نبحث أولاً في تحقيق أدلة الطرفين، ومن ثم الرد إلى الكتاب والسنة للوصول إلى الصواب في المسالة،.
(ب) تستدل الطائفة التي تُجيز التوسل بالصالح الميت على مذهبها بعدة أدلة تتمثل في: [الدليل الاول]: قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 إلى 171]، و قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154]، ووجه الاستدلال في الآيتين أنه إذا كان الشهيد حياً وهو أقل منزلة من النبي والولي والصديق، فمن باب الاولى ان يكون النبي والولي الصديق أحياءً لأنهم أعلى منزلة من الشهيد.
[الدليل الثاني]: أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ((وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال: أنهم الآن يسمعون ما أقول))، وفي رواية في صحيح البخاري: ((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فأنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، ([13]) .
[الدليل الثالث]: أخرج الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام)) ([14])
[الدليل الرابع]: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام)) ([15]) .
[الدليل الخامس]: أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول إذا ذهب إلى المقابر: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسال الله لنا ولكم العافية)) ([16]) .
يقول ابن القيم في كتابه الروح: (فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، وهذا السلام والخطاب والنداء الموجود يسمع، ويخاطب، ويعقل، ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد، وإذا صلى قريبا منهم شاهدوه، وعلموا صلاته، وغبطوه على ذلك) أهـ،([17]) .
[الدليل السادس]: قال الحافظ السيوطي (روى الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار و التمهيد من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله: ((ما من أحد يمر على قبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلِّم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام)) ([18]) .
[الدليل السابع]: قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض على أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت لكم)) ([19]) .
[الدليل الثامن]: أخرج النسائي وأبو دواد وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في إثبات عذاب القبر: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر خروج الروح وقال في روح المؤمن ((فيؤتى به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه فيسألون ما فعل فلان؟ وما فعل فلان؟ فيقولون دعوه فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟!! قالوا ذُهب به إلى أمه الهاوية)) ([20]) .
[المفتاح السادس]: التوسل في مذاهب الفقهاء الأربعة والعلماء: ذهب جمهور الفقهاء سلفا وخلفا ومنهم السادة المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة إلى جواز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وألحق به صلى الله عليه وآله وسلم الصالحين من المسلمين، المالكية والشافعية ومتأخري الحنفية، بمعنى أن جمهور الفقهاء على جواز التوسل بالأنبياء والصالحين سواء في حياتهم أو بعد مماتهم، وإليك التفصيل من داخل المذاهب الفقهية الأربعة وبعض المستقلين كالشوكاني وغيرهم.
(تنبيه): أكثر مراجع هذا المبحث مستفاد من كتاب: (التوسل بالصالحين بين المجيزين والمانعين) تأليف د عبد الفتاح قديش اليافعي حفظه الله.
(أ) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الأحناف: المذهب الحنفي هو احد أعمدة الفقه الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وقد استقرت فتوى المذهب الحنفي على جواز التوسل إلى الله تعالى بذات الرسول، وحملوا قول المتقدمين على الكراهة في باب الإقسام على الله تعالى، وليس في باب التوسل، وممن أجاز ذلك النوع من التوسل – على سبيل المثال لا الحصر – الائمة العلماء: الكلاباذي البخاري الحنفي (ت: 380 هـ)، والقدوري الحنفي، و ابن العديم الحنفي (ت: 660 هـ)، ومجد الدين الموصلي الحنفي (ت: 683 هـ) صاحب الاختيار فيما يقال عند زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والزيلعي (ت: 743هـ)، وابن أبي الوفاء القرشي الحنفي(ت: 775 وابن نجيم الحنفي (ت 710 هـ)، والسيد الشريف الجرجاني الحنفي (ت: 816 هـ) وابن حجة الحموي الحنفي (ت: 837 هـ)، والإمام العيني (ت: 855 هـ) والإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي (ت: 861هـ)، وأبو العباس أحمد الزبيدي الحنفي(ت: 893 ه)، والصالحي الشامي الحنفي (ت: 942 هـ)، وطاش كبري زاده الحنفي (ت: 968 هـ) والشيخ علي القاري المكي الحنفي (ت: 1014ه) وحاجي خليفة الحنفي (ت: 1067 هـ) والشرنبلالي الحنفي (ت: 1069 هـ) وعبد الرحمن أفندي داماد المدعو بشيخي زاده (ت: 1078هـ)، وعلاء الدين الحصكفي (ت: 1088هـ)، وخاتمة اللغويين الحافظ مرتضى الزبيدي الحنفي (ت: 1089هـ)، وعبد القادر البغدادي الحنفي (ت: 1093هـ)، والعلامة محمد الخادمي ت (1176ه) وإسماعيل حقي (ت: 1137هـ) والمرادي الحنفي (ت: 1206 هـ) والشيخ أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي المصري شيخ الحنفية بالديار المصرية (ت 1231 هـ)، والجبرتي الحنفي (ت: 1237 هـ)، وخاتمة المحققين الشيخ ابن عابدين الحنفي (ت: 1252 هـ)، والمحدث محمد عابد السندي الحنفي (ت 1257 هـ)، وشهاب الدين الألوسي (ت: 1270هـ)، وأحمد عارف الحسيني الحنفي (ت: 1275هـ) والعلامة الفقيه عبد الغني الغنيمي الحنفي(ت: 1298هـ)، والعدوي الحمزاوي (ت: 1303 هـ)، والشيخ محمد علاء الدين ابن الشيخ ابن عابدين (ت: 1306 هـ)، والشيخ عبد الرزاق البيطار (ت: 1335هـ)، وخليل أحمد سهارنبوري (ت: 1349 هـ) ومحمد بخيت المطيعي الحنفي، ومحمد زاهد الكوثري، والحافظ أبي الحسنات محمد عبد الحي بن الحافظ محمد عبد الحليم اللكنوى الانصاري الايوبي الحنفي (ت: 1304 ه).
ومن أقوال علماء المذهب الحنفي في جواز التوسل: قال الإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي في كتاب الحج، باب زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ويسأل الله حاجته متوسلا إلى الله بحضرة نبيه ثم قال يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشفاعة فيقول يا رسول الله أسألك الشفاعة يا رسول الله أتوسل بك إلى الله،) ([21]) .
وذكر الشرنبلالي الحنفي (ت: 1069 هـ) في مراقي الفلاح في آداب الزيارة: (يقف عند رأسه الشريف ويقول: اللهم انك قلت وقولك الحق: {ولو انهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللّه توابا رحيما}، وقد جئناك سامعين قولك، طائعين أمرك، مستشفعين بنبيك، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا انك رؤوف رحيم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد للّه رب العالمين، ويدعو بما يحضره من الدعاء) أهـ ([22])
وقال الشيخ أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي شيخ الحنفية بالديار المصرية (ت 1231 هـ): (قوله فيتوسل إليه بصاحبيه ذكر بعض العارفين أن الأدب في التوسل أن يتوسل بالصاحبين إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ثم به إلى حضرة الحق جل جلاله وتعاظمت أسماؤه فإن مراعاة لواسطة عليها مدار قضاء الحاجات) أهـ ([23]) .
وقال العلامة شهاب الدين الألوسي (ت: 1270هـ): (وبعد هذا كله أنا لا أرى بأساً في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حياً وميتاً، ويراد من الجاه معنى يرجع إلي صفة من صفاته تعالى، مثل أن يراد به المحبة العامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته، فيكون معنى قول القائل أتوسل إليك بجاه نبيك صلى الله عليه وآله وسلم أن تقضي لي حاجتي يعني إلهي اجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي) ([24])
وقال العدوي الحمزاوي (ت: 1303 هـ) (ومن أحسن ما يقول بعد تجديد التوبة في ذلك الموقف الشريف، وتلاوة {ولو انهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول} الآية: نحن وفدك يا رسول اللّه وزوارك، جئناك لقضاء حقك وللتبرك بزيارتك والاستشفاع بك مما اثقل ظهورنا واظلم قلوبنا) أهـ، ([25]) .
وفي كتاب الفتاوى الهندية (ج1: 266) وقد قام بتأليفه جماعة من علماء الهند برئاسة الشيخ نظام الدين البلخي بأمر من سلطان الهند أبي المظفر محيى الدين محمد أورنك زيب في كتاب المناسك: (باب: خاتمة في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بعد أن ذكر كيفية وآداب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ذكر الأدعية التي يقولها الزائر فقال: “ثم يقف (أي الزائر) عند رأسه صلى الله عليه وآله وسلم كالأوّل ويقول: اللهم إنك قلت وقولك الحق: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ،، } الآية، وقد جئناك سامعين قولك طائعين أمرك، مستشفعين بنبيك إليك”) أهـ ([26]) . وقال خليل أحمد سهارنبوري (المتوفي 1349 هـ) في كتابه المهند على المفند وهو من كبار علماء أحناف ديوبند بالهند، في جواب هذا السؤال: هل للرجل أن يتوسل في دعوته بالنبي والصالحين والصديقين والشهداء والأولياء؟ (عندنا وعند مشايخنا يجوز التوسل بهم في حياتهم وبعد وفاتهم بأن يقول: ” اللّهم إني أتوسل إليك بفلان أن تجيب دعوتي وتقضي حاجتي “، كما صرح به الشاه محمد إسحاق الدهلوي والمهاجر المكي ورشيد أحمد الكنكومي) أهـ ([27]) .
[وأيد ووافق على هذا الكتاب حوالي 75 نفراً من علماء الأحناف الكبار في باكستان]، وقال الإمام محمد زاهد الكوثري في كتاب ” مقالات الكوثري ” (وعلى التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتا جرت الأمة طبقة فطبقة) أهـ ([28]) .(ب) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند المالكية: يكاد المذهب يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى، لاسيما وفي المذهب نصوص واضحة جلية لإمام المذهب بذلك، وممن نص على ذلك من علماء المذهب، الإمام مالك رحمه الله، والائمة ابن خويز منداد، والقاضي عياض (ت: 544 هـ)، وعبد الحق الإشبيلي (ت: 582 هـ)، وأبو عبد الله محمد بن موسى المراكشي المالكي (ت: 683)، صاحب كتاب “مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام عليه السلام في اليقظة والمنام”، وابن جبير المالكي (ت: 614 هـ): وأبو عبد الله القضاعي المالكي المعروف بابن الأبار (ت: 658 هـ)، والإمام القرطبي (ت: 671 هـ)، والقرافي المالكي (ت: 682 هـ)، وابن عطاء الله السكندري المالكي (ت: 709 هـ)، وابن أبى جمرة المالكي (ت: 699 ه) والإمام الفكهاني (ت: 734)، ومحمد بن محمد العبدري المالكي الشهير بابن الحاج (ت: 737 هـ)، وابن جزي الكلبي المالكي (ت: 757 ه)، والبلوي المالكي (ت: 767ه)، وابن خلدون (ت: 808 هـ)، وابن الخطيب المالكي (أو ابن قنفد) (ت: 810 هـ)، وأبو الطيب المكي الفاسي المالكي (ت: 832 هـ)، ومحمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل أبو عبد لاله المغربي الأندلسي ثم القاهري المالكي والمعروف بالراعي (ت: 853هـ)، ومحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشمس بن الشمس المسوفي الأصل المدني المالكي (ت: 885هـ)، والشيخ أحمد زروق المالكي (ت: 899 هـ)، وأبو الحسن المالكي (ت: 939 هـ)، والقسطلاني (ت 923 هـ)، وابن عاشر المالكي (ت: 1040 هـ)، وإبراهيم اللقاني المالكي (صاحب جوهرة التوحيد) (ت: 1041 هـ)، والمقري التلمساني المالكي (ت: 1041 هـ)، وميارة المالكي (ت: 1072 هـ)، والإمام الزرقاني اليوسي المالكي (ت: 1102هـ)، وأحمد بن غنيم بن سالم النفراوي (المتوفى: 1126هـ)، والعدوي المالكي (ت: 1189هـ)، والإمام الصاوي المالكي، والشيخ عليش (ت: 1299هـ)، وأبو العباس الناصري السلاوي المالكي (ت: 1315هـ)، وخلق غيرهم من علماء المالكية كثير.
ومن أقوال علماء المذهب المالكي في جواز التوسل: أخرج أبو الحسن على بن فهر في كتابه فضائل مالك بسنده: (أن مالكا رضي الله عنه لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي – ثاني خلفاء بن العباس- يا أبا عبد الله: أأستقبل رسول الله صلى الله عليه سلم أم استقبل القبلة وأدعو؟ فقال الإمام مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك أدم عليه السلام إلى الله عز وجل يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفع فيك) أهـ وقد أخرج هذه القصة القاضي عياض في الشفا بسنده الذي قال فيه الخفاجي (ولله دره حيث أوردها بسند صحيح وذكر أنه تلقاها عن عدة من ثقات مشايخه) أهـ، ([29]) .
وذكرها القسطلاني في المواهب: والزرقاني شارح المواهب في شرحه وقال في معرض رده على من أنكرها (وهذا تهور عجيب فإن الحكاية رواها أبو الحسن على بن فهر في كتابه فضائل مالك بإسناد حسن، وأخرجها القاضي عياض في الشفاء من طريقه عن عده من ثقات مشائخه، فمن أين أنها كذب؟ وليس في لسنادها وضاع ولا كذاب)، وكذا نقلها السمهودي في وفاء الوفا عن القاضي عياض، وقال ابن حجر في الجوهر المنظم قد روي هذا بسند صحيح، وجاء ذكرها في اكثر كتب المذهب كالمدخل ، والقوانين الفقهية ([30]) .
وقال العلامة ابن الحاج المالكي(توفى737 هـ) – في آداب زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (ويحضر قلبه وخاطره إليهم، وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره، لأنهم لا يبلون ولا يتغيرون، ثم يثني على الله تعالى بما هو أهله، ثم يصلي عليهم ويترضى عن أصحابهم، ثم يترحم على التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم ويجزم بالإجابة ببركتهم ويقوي حسن ظنه في ذلك فإنهم باب الله المفتوح، وجرت سنته سبحانه وتعالى في قضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم، ومن عجز عن الوصول إليهم فليرسل بالسلام عليهم، وذكر ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه إلى غير ذلك، فإنهم السادة الكرام، والكرام لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم، ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم هذا الكلام في زيارة الأنبياء، والمرسلين عليهم الصلاة والسلام عموما)، وقال ابن جزي الكلبي المالكي في القوانين الفقهية: (ينبغي لمن حج أن يقصد المدينة فيدخل مسجد النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فيصلي فيه ويسلم على النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وعلى ضجيعيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويتشفع به إلى الله ويصلي بين القبر والمنبر ويودع النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – إذا خرج من المدينة، ([31]) .
وقال ابن خلدون (ت: 808 هـ) في تاريخه (6: 43): (نسأله سبحانه و تعالى من فيض فضله العميم، و نتوسل إليه بجاه نبيه الكريم، أن يرزقنا إيمانا دائما، و قلبا خاشعا، وعلما نافعا..،أهـ([32]) .
وقال القسطلاني (ت 923 هـ) في المواهب اللدنية: (وينبغي للزائر له صلي الله عليه وسلم ان يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل به صلي الله عليه وسلم، فجدير بمن استشفع به ان يشفعه اللّه فيه،، إلى أن قال: وان الاستغاثة هي طلب الغوث فالمستغيث يطلب من المستغاث به اغاثته ان يحصل له الغوث، فلا فرق بين ان يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التوجه أو التجوه لانهما من الجاه والوجاهة، ومعناهما علو القدر والمنزلة وقد يتوسل بصاحب الجاه الى من هو اعلى منه، قال: ثم ان كلا من الاستغاثة، والتوسل والتشفع، والتوجه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم واقع في كل حال: النصرة قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة،) ([33]) .
وقال الإمام الزرقاني في شرح المواهب: (ونحو هذا في منسك العلا مة خليل، وزاد: وليتوسل به صلى الله عليه وآله وسلم، ويسال اللّه تعالى بجاهه في التوسل به، اذ هو محط جبال الاوزار واثقال الذنوب، لان بركة شفاعته وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب، ومن اعتقد خلاف ذلك فهو المحروم الذي طمس اللّه بصيرته واضل سريرته، الم يسمع قوله تعالى: {ولو انهم اذ ظلموا انفسهم جاؤوك فاستغفروا اللّه} الاية) ([34]) .
وقال الإمام الصاوي المالكي في حاشية الصاوي على الشرح الصغير (والأفضل في الزيارة القرب من القبر الشريف، بحيث يكون النبي يسمع قوله على حسب العادة، ويلزم في تلك الحضرة الأدب الظاهري والباطني ليظفر بالمنى،، وحين يدخل المسجد الشريف يأتي الروضة فيصلي بها ركعتين تحية المسجد، ثم يأتي قبالة القبر الشريف ويقول: ” السلام عليك يا سيدي يا رسول الله،، ثم يتوسل به في جميع مطلوباته) أهـ، ([35]) .
(ت) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الشافعية: يكاد المذهب الشافعي يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى، لاسيما وفي المذهب نصوص واضحة جلية لإمام المذهب بذلك، وممن نص على ذلك من علماء المذهب: الإمام الشافعي، والإمام البيهقي الشافعي (384 هـ)، والقاضي أبو الطيب الشافعي (450هـ)، والحافظ ابن عساكر الشافعي (ت: 571 هـ)، والعماد الأصبهاني (ت: 597هـ)، والإمام الرافعى القزويني الشافعي (623هـ)، والحافظ ابن الصلاح الشافعي (ت: 643 هـ)، والإمام النووي (ت: 676 هـ)، وابن خلكان الشافعي (ت: 681 هـ)، والمحب الطبري الشافعي (ت: 694 هـ)، وعماد الدين بن العطار(ت: 724 هـ)، وتقي الدين بن دقيق العيد الشافعي (ت: 702هـ)، وابن الزملكاني الشافعي (ت: 727 هـ)، وتقي الدين أبو الفتح السبكي (ت: 744 هـ)، والإمام السبكي (ت: 756 هـ)، والصفدي (ت: 764هـ)، والحافظ الحسيني الدمشقي الشافعي (ت: 765 هـ)، والعفيف اليافعي الشافعي (ت: 768 هـ)، وابن الرفعة الشافعى، وابن الزملكانى الشافعى، والعلامة الفيومي الشافعي (ت: 770 هـ)، وسعد الدين التفتازاني الشافعي (ت: 791 هـ)، وتقي الدين الحصني الشافعي (ت: 829هـ)، والحافظ ابن الجزري الشافعي (ت: 833 هـ)، والقلقشندي الشافعي (ت: 821 هـ)، والإمام السمهودي (ت: 911 هـ)، والأبشيهي الشافعي (ت: 850 هـ)، وشمس الدين الرملي (ت: 894 هـ)، والحافظ السخاوي (ت: 902 هـ)، وشمس الدين محمد بن أبي بكر الأنصاري الشافعي (ت: 903)، والإمام السيوطي (ت: 911 هـ)، وأبو الحسن البلبيسي المكي الشافعي (ت: بعد 916هـ)، والإمام زكريا الأنصاري (ت: 919 هـ)، والشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي (ت: 973 هـ)، والخطيب الشربيني (ت: 977 هـ)، والإمام الرملي (ت: 1004هـ)، ومحمد بن محمد شمس الدين القدسي الشافعي الدمشقي المعروف بالسيد الصادي (ت: 1008 هـ)، وعبد الرؤوف المناوي (ت: 1030 هـ)، وأبو المواهب بن محمد بن علي البكري الصديقي المصري الشافعي (ت: 1037هـ)، وابن علان المكي الشافعي (ت: في حدود 1057 هـ)، والغزي الشافعي (ت: 1098 هـ)، والمحدث إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي الشافعي (ت: 1162 هـ)، والبجيرمي (ت: 1221 هـ)، والهوريني الشافعي (ت: 1291هـ)، والشرواني (ت: 1301هـ)، والجاوي الشافعي (ت: 1315 هـ)، تاريخ دمشق لابن عساكر و طبقات الشافعية الكبرى للسبكي في و البداية و النهاية لابن كثير ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي: أن الإمام الشافعي توسل وتبرك بقميص الإمام أحمد ابن حنبل، وروى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في التاريخ والعلامة ابن حجر في كتابه الخيرات الحسان، والخوارزمي في مناقب أبي حنيفة والكردري في مناقبه وطاش كبرى زادة في مفتاح السعادة.
ومن أقوال علماء المذهب الشافعي في جواز التوسل: قال الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، باب زيارة المدينة وآدابها: (يقول الزائر، اللهم قصدنا نبيك مستشفعين به إليك في ذنوبنا وقال في آخره ونسألك بمنزلته عندك وحقه إليك)، ([36]) .
وقال الإمام النووي في المجموع كتاب صفة الحج، باب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (ثم يرجع إلى موقفه الأول قُبالة وجه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه)، ([37]) .
وقال الإمام السبكي في كتابه شفاء السقام: (اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى وجواز ذلك وحُسْنُه من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الأزمان حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار) اهــ ([38]) .
وقال الإمام تقي الدين الحصني في كتابه دفع شبه من شبه وتمرد : (والمراد أن الاستغاثة بالنبي واللواذ بقبره مع الاستغاثة به كثير على اختلاف الحاجات، وقد عقد الأئمة لذلك باباً، وقالوا: إن استغاثة من لاذ بقبره وشكى إليه فقره وضره توجب كشف ذلك الضر بإذن الله تعالى) أهـ، ([39]) .
وفي فتاوى الإمام شمس الدين الرملي (فتاوى الرملي بهامش الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي ما نصه: ” سئل عما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان، يا رسول الله، ونحو ذلك من الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين فهل ذلك جائز أم لا؟ وهل للرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والمشايخ إغاثة بعد موتهم؟ وماذا يرجح ذلك؟ فأجاب: بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم، لأن معجزة الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم، أما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم، وأما الأولياء فهي كرامة لهم فإن أهل الحق على أنه يقع من الأولياء بقصد وبغير قصد أمور خارقة للعادة يجريها الله تعالى بسببهم) أهـ، ([40]) .
وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء (وأسأل الله تعالى أن يقبضنا إلى رحمته قبل وقوع فتنة المائة التاسعة!! بجاه محمد صلى الله عليه و سلم و صحبه أجمعين، آمين)، وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي في خاتمة كتابه “تحفة الزوار إلى قبر المختار” داعياً: (ختم الله لنا ولمن رأى في هذا الكتاب بالسعادة والخير ورفعنا وإياهم في الجنة إلى المقام الأسنى (بجاه سيد الأولين والآخرين) أهـ، ([41]) .
وقال الإمام الرملي في كتابه نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج داعيا للإمام النووي: (تغمده الله برحمته، ونفعنا والمسلمين ببركته بجاه محمد وآله وعترته)، ويقول: (ومن خطه نقلت المعروض على المسامع الكريمة حرسها الله تعالى من كل سوء بجاه محمد صلى الله عليه وآله وسلم)، ويقول في منتصفه: (وأسأله الإعانة على الإتمام بجاه محمد سيد الأنام ومصباح الظلام)، وفي آخره: (والله أسأل، وبرسوله أتوسل، أن ينفع به كما نفع بأصله)، ([42]) .
وجاء في إعانة الطالبين في ذاكرة القصد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم:) بل يقصد أنه مفتقر له عليه الصلاة والسلام وأنه يتوسل به إلى ربه في نيل مطلوبه لأنه الواسطة العظمى في إيصال النعم إلينا) ([43]) .
(ث) حكم التوسل بالنبي والصالحين عند الحنابلة: يكاد المذهب الحنبلي يُجمع على جواز التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهه وقدره وحرمته عند الله تعالى، وممن نص على ذلك من علماء المذهب: الإمام احمد بن حنبل، والشيخ عبد القادر الجيلاني (ت ٥٦١ هـ)، والإمام بن قدامة المقدسي الحنبلي، والإمام ابن عقيل الحنبلي (ت 503)، وابن الجوزي (ت 597 هـ)، وأبو عبد الله محمد بن الحسين السامري الحنبلي (ت: 616 هـ)، والشيخ العلامة أبو زكريا الصرصري البغدادي الحنبلي (ت: 656 هـ)، والإمَامُ المرْدَاوي (ت 885هـ)، وابن مفلح الحنبلى، والبهوتى الحنبلي ت (1051هـ)، وابن كنان الحنبلي (ت: 1153هـ)،.
ومن أقوال علماء المذهب الحنبلي في جواز التوسل: قال الإمام احمد بن حنبل في منسكه الذي رواه عنه المروزي ما نصه: (وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) تُقْضَ من الله عز وجل)، هكذا ذكره ابن تيمية في الرد على الأخنائي ([44]) ..
وفي كتاب العلل ومعرفة الرجال ما نصه: (سألته عن الرجل يمس منبر النبي (صلّى الله عليه و سلّم) و يتبرك بمسّه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد التقرب إلى الله جل وعز فقال: لا بأس بذلك) أهـ ([45]) .
وقال الشيخ أبو الفرج بن قدامة إمام الحنابلة صاحب الشرح الكبير وهو الشيخ شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة الحنبلي: (مسألة): فإذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وقبر صاحبيه رضي الله عنهما، ثم ذكر الشيخ ابن قدامة صيغة تقال عند السلام على النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وفيها أن يقول: (اللهم إنك قلت وقولك الحق: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم اجعله أول الشافعين ثم قال: ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ولا تقبيله، قال أحمد رحمه الله: ما أعرف هذا، قال الأثرم: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم -، يقومون من ناحية فيسلمون، قال أبو عبد الله: وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل، قال: أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه إبراهيم ابن عبد الله بن عبد القارئ إنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – من المنبر ثم يضعها على وجهه، ([46]) .
وقال الإمام بن قدامة المقدسي الحنبلي في وصيته : (وإذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى تريد طلبها منه فتوضأ، فأحسن وضوءك، واركع ركعتين، وأثن على الله عز وجل، وصلَ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قل: لا إِلَهَ إِلاَّ الله الحَلِيمُ الكَريمُ، سُبحَانَ رَبِّ العَرشِ العَظيمِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينِ، أَسأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحمَتِكَ وَعَزَائمَ مَغفِرَتِكَ وَالغَنيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لا تَدَعْ لي ذَنباً إِلاَّ غَفَرْتَهْ وَلا هَمَّاً إِلاَّ فَرَّجْتَهْ، وَلا حَاجةً هِيَ لَكَ رِضاً إِلاَّ قَضَيتَهَا يَا أَرحَمَ الرَّاحمين، وإن قلت: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، وروي عن السلف أنهم كانوا يستنجحون حوائجهم بركعتين يصليهما ثم يقول: اللهم بك أستفتح وبك أستنجح، وإليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم أتوجه، اللهم ذلل لي صعوبة أمري، وسهل من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف) أهـ، ([47]) .
وقال ابن عقيل الحنبلي (ت 503): في زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربى) ، ([48]) .
وفال ابن الجوزي (ت: 597 هـ) في المدهش (لم يزل ذكر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم منشورا وهو في طي العدم توسل به آدم وأخذ له ميثاق الأنبياء على تصديقه)، ([49]) .
وقال أبو عبد الله محمد بن الحسين السامري الحنبلي (ت: 616 هـ) في المستوعب ” باب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ” وذكر آداب الزيارة، وقال: (ثم يأتي حائط القبر فيقف ناحيته ويجعل القبر تلقاء وجهه، والقبلة خلف ظهره، والمنبر عن يساره، وذكر كيفية السلام والدعاء ومنه: (اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك مستغفرا، فأسألك أن توجب لي المغفرة كم أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك (صلى الله عليه وآله وسلم)، ([50]) .
وقال الإمَامُ المرْدَاوي (ت 885هـ) في “الإنْصاف” (يَجُوز التوسُّل بالرجل الصالح، على الصحيح من المَذْهَب، وقيل يُسْتَحب قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ: يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فِي دُعَائِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ)، ([51]) .
وقال البهوتى الحنبلي ت (1051هـ) في كتاب كشاف القناع: (وقال السامري وصاحب التلخيص: لا بأس بالتوسل للاستقاء بالشيوخ والعلماء المتقين، وقال في المذهب: يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح وقيل للمروذي: إنه يتوسل بالنبي في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره، ثم قال: قال إبراهيم الحربي: الدعاء عند قبر معروف الكرخي الترياق المجرب، وذكر أبو عبد الله الأردبيلي: سمعت أبا بكر بن أبي الخصيب يقول: ذُكر صفوان بن سليم عند أحمد بن حنبل فقال: هذا رجل يستسقى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره) أهـ ([52]) .
، قال عبد الله ابن أحمد ابن حنبل في ” المسائل “: ” سمعت أبي يقول: حججت خمس حجج منها ثنتين [راكبا] و ثلاثة ماشيا، أو ثنتين ماشيا و ثلاثة راكبا، فضللت الطريق في حجة و كنت ماشيا، فجعلت أقول: (يا عباد الله دلونا على الطريق!) فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق، أو كما قال أبي) أهـ، ([53]) .
وذكر القصة البيهقي في ” الشعب ” وابن عساكر من طريق عبد الله، وذكرها ابن مفلح في الاداب الشرعية، وقال الإمَامُ السَّامُري في “المُسْتوعِب” : (ولا بَأسَ بالتوسُّل إلى اللهِ تعالى في الإستسقاء بالشيوخ والزهَّاد وأهلِ العلم والفضل والدين من المسلمين،) ([54]) .
وقال الإمَامُ تقيُّ الدين الأدَمي في “المُنوّر”: (ويُبَاحُ التوسُّلُ بالصُلَحَاء) أهـ، و ([55]) .
قال الإمامُ ابنُ مُفْلح في “الفروع” (ويَجُوزُ التوسُّلُ بصالحٍ، وقيْلَ يُسْتحبُّ) أهـ، وقال الإمام الحجاوي في “الإقناع” مع شرحِهِ للإمام البُهوتي (ولابأس بالتوسل بالصالحين) أهـ، وقال الإمامُ ابنُ النجّار في “منتهى الإرادات” مع شَرْحِهِ للإمَام الُبهوتي : (وأُبيْحَ التوسُّلُ بالصَالحيْن)، ([56]) .
وقال الإمُامُ مرْعيُّ الكرْمي في “غاية المُنْتَهى” مع شرْحه للإمَام الرحيْبَاني (وكذا أبيْحَ توسلٌ بصالحيْن) أهـ، ([57]) .
وقال الإمام منصور بن يونس البيهوتي الحنبلي المتوفى سنه 1051هـ في كتاب كشاف القناع الجزء الثاني: (وقال السامري وصاحب التلخيص: لا بأس بالتوسل للاستقاء بالشيوخ والعلماء المتقين، وقال في المذهب: يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح وقيل للمروذي: إنه يتوسل بالنبي في دعائه وجزم به في المستوعب وغيره، ثم قال: قال إبراهيم الحربي: الدعاء عند قبر معروف الكرخي الترياق المجرب) أهـ، ([58]) .
وقال الإمام ابن الجوزي الحنبلي في كتاب مناقب الإمام أحمد (عن عبد الله بن موسى أنه قال: خرجت أنا وأبي في ليلة مظلمة نزور « أحمد » فاشتدت الظلمة، فقال أبي: يا بني تعال حتى نتوسل إلى الله تعالى بهذا العبد الصالح حتى يضاء لنا الطريق، فمنذ ثلاثين سنة ما توسلت به إلا قضيت حاجتي، فدعا أبي وأمنت على دعائه، فأضاءت السماء كأنها ليلة مقمرة حتى وصلنا إليه) اهــ، ([59]) .
وبعد فتلك اقوال الفقهاء من مختلف المذاهب والتي تدل على جواز هذا النوع من التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهه عند الله تعالى.
(ج) قول الشوكاني في التوسل: للشوكاني كلام قوي جدا في نصرة التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهه عند الله تعالى، وألحق به جواز التوسل بالصالحين عموماً، كما اعتبر ذلك التوسل بمثابة التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، وهو اعتقاد فضلهم والإيمان بمنازلهم عند الله تعالى، كما أنه رد على الغالين في هذا الباب ممن ألحق التوسل بباب التوحيد والشرك وليس باب الفقه والاجتهاد، ومن ذلك: قوله رحمه الله في تحفة الذاكرين – عند شرح حديث الضرير: (وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى وأنه المعطي المانع، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن) ([60]) .
وقوله فيها في شرح قول صاحب العمدة: (ويتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين) ما لفظه: (ومن التوسل بالأنبياء، ما أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن أعمى أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر الحديث ثم قال: وأما التوسل بالصالحين فمنه ما ثبت في الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال عمر رضي الله عنه اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا الخ) أهـ، ([61]) .
وقوله في رسالته (الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد (: (وأما التوسل إلى الله سبحانه بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه فقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام إنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إن صح الحديث فيه اهـ، ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في سننه والترمذي وصححه وابن ماجه وغيرهم أن أعمى أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني أصبت في بصري فادع الله لي، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((توضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، يا محمد إني أستشفع بك في رد بصري اللهم شفع النبي فيّ)) وقال: ((فإن كان لك حاجة فمثل ذلك)) فرد الله بصره.
وللناس في معنى هذا قولان: (أحدهما): أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال: كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا وهو في صحيح البخاري وغيره فقد ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته في الاستسقاء، ثم توسل بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في مثل هذا شافعاً وداعياً لهم، و(القول الثاني): أن التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه، ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعاً سكوتياً لعدم إنكار أحد منهم على عمر رضي الله عنه في التوسل بالعباس رضي الله عنه، وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين: (الأول): ما عرفناك به من إجماع الصحابة رضي الله عنهم، و(الثاني): أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله، فإذا قال القائل: (اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني) فهو باعتبار ما قام به من العلم، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة، فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركا كما يزعمه المتشددون في هذا الباب كابن عبد السلام ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة لهم ولا سكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم، وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ونحو قوله تعالى {فلا تدعوا مع الله أحداً} ونحو قوله تعالى {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النـزاع بما هو أجنبي عنه، فإن قولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} مصرح بأنهم عبدوهم لذلك، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك، وكذلك قوله {ولا تدعوا مع الله أحداً} فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده، كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم وكذلك قوله {والذين يدعون من دونه} الآية فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه.
وإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النـزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه كاستدلالهم بقوله تعالى {وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله} فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله {ليس لك من الأمر شيء} {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً} فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره، وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل قوله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} يا فلان بن فلان لا أملك لك من الله شيئاً، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئا ً، فإن هذا ليس فيه إلا التصريح بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يستطيع نفع من أراد الله ضره ولا ضر من أراد الله تعالى نفعه، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله، وهذا معلوم لكل مسلم وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين)) أه ([62]) .
وعلى ذلك فإنّ قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 64]، هذه الآية حكمها باق إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، ثم إنّ كل مسلم موحد يعلم أن جميع الأنبياء والأولياء لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف، لا في حياتهم ولا مماتهم، على سبيل الاستقلال، وأن الأمر كله لله، وإنما التوسل بهم وطلب الدعاء منهم هو لأنهم محل نظر ورعاية وولاية الله تعالى، فيستوي بذلك الأمر في حياتهم الدنيوية والبرزخية، وإذا كان أصل التوسل مشروع لا خلاف فيه، فما المشكلة في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته أو بعد مماته، هل يظن احد من المسلمين أنّ نبوته انتهت بمماته معاذ الله، وهل يظن أحد أن له القدرة استقلالا من دون الله، المسلمون في مأمن من الامرين، فلماذا يصرفون معنى التوسل إلى معنى الشرك فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
***
المبحث الثاني مفاتيح تحقيق القول في الاستغاثة والاستعانة
[المفتاح الأول]: (الاستعانة) طلب المعونة، قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، أي لا نطلب العون إلا منك يا ألله، وكل مسلم وكل موحد يعتقد أنّ النفع والضر بيد الله، لا يملك النفع والضر أحد سواه، و(الاستغاثة): طلب الغوث والنصر، قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} الآية، إذ تطلبون منه النفع لأنه مالك النفع والضر وحده فهو النافع الضار على الحقيقة ابتداء واستقلالا وهو مجيب الدعوات وقاضي الحاجات ومستجيب الدعوات، ولكن الله تعالى جعل لنا أسبابا نطلبها ولكن في اطار التوكل على الله مسبب الأسباب، ولذلك جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة”: 153]، وفال تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [ القصص:15]، وفال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ{ [الأنفال:72]، وفال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } [ النساء:64]، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [ المائدة:2]، وفي صحيح مسلم في حديث أويس القرني: (فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، فقال له عمر: فاستغفر لي، فاستغفر له) [ رواه مسلم]، وثبت بالتواتر أن الصحابة كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء في الأمور الدنيوية والأخروية.
[ المفتاح الثاني]: فهم معاني العبودية ضروري لفهم مسألة الاستغاثة: العبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية واستحقاق العبودية، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق، أو المعبودات الباطلة من دون الله، إن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء:24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، إذ قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} لم يكن سجود عبادة لآدم وإنما سجود تكريم لم أكرمه الله تعالى بالعلم، فشتان ما بين السجود للتكريم، والسجود بنية العبادة، كذلك: الفرق بين سجود نبي الله يعقوب وبنيه لله وسجودهم ليوسف عليه السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف في قوله تعالى: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}، وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة فشتان ما بين السجود للتكريم، والسجود بنية العبادة، ومن سجد بنية العبادة، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده إلها وربا ومعبودا، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة.
[ المفتاح الثالث]: الفقه في مفهوم (الاستعانة) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل فيجميع مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية أو بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده، والقصد على وجه الاستقلال، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو، وكما علمنا القرآن الكريم توحيد الاستعانة بالله تعالى، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [البقرة: 153]، وضابط الاستعانة، أنّ من اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله، وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله، وصرفها لمن نعتقد فيه الربوبية والالوهية (لأنهما متلازمان) أو بعض صفاتهما فهو كفر وشرك بالله، وإن خلت من النية والاعتقاد، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب.
[المفتاح الرابع]: الاستغاثة جائزة بالرسول صلى الله عليه وسلم: روى البخاري في صحيحه: » أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: »إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسي، ثم بمحمد، فيشفع ليقضى بين الخلق …، « وروى البخاري في صحيحه من كتاب الاستسقاء عن أنس بن مالك: » أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائما فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فأدع الله يغيثنا -أي يمطرنا- قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم أسقنا، اللهم اسقنا، قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال: فطلعت من وراءه سحابة مثل الترس ثم انتشرت، ثم أمطرت… « ([63]) . وروى الترمذي عن عثمان بن حنيف: (أن ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أدع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء »اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في « ([64]) وروى الطبراني في معجمه » أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له وكان عثمان رضي الله عنه لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقى الرجل عثمان بن حنيف فشكى ذلك إليه فقال عثمان بن حنيف: أئت الميضأة فتوضأ ثم أئت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل »اللهم أني أسألك … إلخ الدعاء … وأذكر حاجتك فانطلق الرجل فصنع ما قاله له ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان رضي الله عنه فأجلسه معه على الطنفسة وقضى حاجته« ([65]) .
ورويابن أبي شيبة والبيهقي بسند صحيح ورواه – في دلائل النبوة البيهقي بسنده إلى الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار وكان خازن عمر قال: »أصاب الناس قحط في زمن عمر رضي الله عنه فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقال: ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبره أنهم مسقون وقل له عليك الكيس، قال فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر رضي الله عنه وقال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه، ([66]) .
فهذا الرجل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته وطلب منه الاستسقاء لأمته فلو كان الطلب منه بعد انتقاله محرما لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يلمه عمر ولا أحد من الصحابة على فعله بل صدق رؤيته واستسقى بالمسلمين [صحح هذا الحديث إلى مالك الدار الحافظ ابن حجر في فتح الباري وأقر ابن تيمية بثبوته في اقتضاء الصراط المستقيم([67]) . ومما قاله حسان بن ثابت في وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (يَا رُكنَ مُعتَمِدٍ وَعِصْمَةَ لائِذٍ * ومَلاذَ مُنتجعٍ وَجَارَ مُجَاوِرِ).
[المفتاح الخامس]: خلل الوهابيين في فهم معاني الاستغاثة: لما رأى الوهابيون أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة ظن أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، وهذا مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة، الذين فقهوا أن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الإلهية أو الربوبية أو استحقاق العبادة، فإن المشركين لما اعتقدوا لآلهتهم تلك الخصائص زاولوا تلك الأعمال لهم بنية عبادتهم، (تنبيه): لا معنى لبناء الجواز والمنع في الاستغاثة على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأنه لا يعتقد أنّ العبد يخلق أفعال نفسه إلا المعتزلة ومن قلَّدهم، والمسلمون حين يدعون أحداً أو يستنجدون به أو يستعينون به حياً كان أو ميتاً، حاضراً أو غائباً يعتقدون أنه لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله، ولا معنى كذلك لبناء الجواز والمنع على الحياة والموت لأن المعنى الذي أجيزت به الاستغاثة مثلاً بالأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء وغيره وذلك موجود على أتم وجوهه في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم إذ صحت الأحاديث بحياتهم ولوازمها من السمع والبصر والكلام والسلام والتزاور والقدرة على دعائهم للأحياء لا سيما لقرابتهم وزوارهم، وفي كتاب “الروح” لابن القيم فصول تُفيد ” أنه قد تواتر بأنّ لأهل القبور قدرة على التصّرف والترائي للأحياء “.
ومن الأدلة على صحة كلامه: (1) أن الله تعالى أخبر عن الشهداء بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [سورة البقرة: 154]{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون} [سورة آل عمران: 169]، وإن الأنبياء، والصديقين وكثيرًا من صالحي المسلمين الذين ليسوا بشهداءَ كأكابر الصحابة، أفضل من الشهداء بلا شك ولا مرية، فإذا ثبتت الحياة للشهداء فثبوتها لمن هو أفضل منهم أولى.
(2) ما رواه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال: أنهم الآن يسمعون ما أقول، وفي رواية في الصحيح (البخاري): أن النبي صلى الله عليه واله وسلم جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: ((يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فأنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، ([68]) .
(3) وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام) ([69]) .
(4) حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام ([70]) .
(5) حديث (أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يقول إذا ذهب إلى المقابر: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسال الله لناولكم العافية.)، ([71]) .
وهذا السلام والخطاب والنداء دليل على أنّ اهل المقابر يسمعون ويعلمون.
(فائدة): إذا تبين فساد هذه الضوابط التي قال بها أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجواز والمنع، تبين أنّ الضابط الصحيح للتفرقة بين الجواز والمنع هو (الاعتقاد)، فإذا كان العمل أو القول لمن لا يعتقده رباً فليس من العبادة في شيء، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته واستقلاله بالنفع والضر وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يعتبر عبادة إن صرف لله، وشركاً إن صُرف لغيره لا فرق في ذلك بين حاضر وغائب ولا ميت وحي وكل المسلمين على عقيدة لا إله إلا الله، وعلى ذلك فإنه لا يدخل في الشرك أبداَ كل ما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة وغيرهما، لأنها تفتقد إلى اعتقاد الربوبية والإلهية لمن تصرف إليه هذه الأعمال، وعدُّ ذلك من الشرك المخرج عن الملة إنما يجر إليه الجهل بمعنى الشرك والعبادة، و (الخلاصة): أنّ غلط الوهابيين في مفهوم العبادة كان هو السبب في تكفيرهم لعوام المسلمين بالدعاء والاستغاثة.
المبحث الثالث مفاتيح تحقيق القول في التبرك
[المفتاح الأول]: التبرك: لغة: طلب البركة، والبركة هي: النماء والزيادة، والتبريك: الدعاء للإنسان بالبركة، وبارك الله الشيء وبارك فيه وعليه: وضع فيه البركة، وتبركت به تيمنت به، قال الراغب الأصفهاني: البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، قال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}، وقال تعالى: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} تنبيها على ما يفيض به من الخيرات الإلهية، و (التبرك) على المعنى الاصطلاحي هو: طلب ثبوت الخير الإلهي في الشيء [الموسوعة الفقهية – تبرك].
[المفتاح الثاني]:أدلة التبرك: [ الدليل الأول]: قوله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام لإخوته: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً}، ثم قال تعالى {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}، فكان هذا دليلا على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين والاستشفاء بهما.
[الدليل الثاني]: قال تعالى: {) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ ص: 29]، فالقرآن كتاب مبارك فيه الهدى وفيه الفلاح وفيه النجاح وفيه الهداية وفيه النجاة فهو كتاب مبارك وذكر مبارك، كما في قوله تعالى: { وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [
[الدليل الثالث]: قال تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً}، وجعلني مباركا أي للناس، أينما ذهبت حلت البركة، بالنماء والزيادة والهداية والخير،.
[الدليل الرابع]: قال تعالى: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}، فليلة القدر ليلة مباركة تعم المسلمين بالخير والعفو والعافية.
[الدليل الخامس]: قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً}، {مُبَارَكاً} كثير الخير والبركة والنماء، فالبيت الحرام كان أمنا للناس وسلاما ووسيلة إلى الله.
[الدليل السادس]: قال تعالى: {أَنـزلْنِي مُنـزلاً مُبَارَكاً} أي إنـزالا كله خير وعافية لا أرى فيه ما أكره، {مُبَارَكاً} يعني بالسلامة والنجاة، والخير العميم.
[الدليل السابع]: أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ((.. فأقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال: اسقنا يا سهل، فخرجت لهم بهذا القدح فأسقيتهم فيه، فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه، قال: ثم استوهبه عمر بن عبدالعزيز بعد ذلك فوهبه له)) ([72]) .
يقول الإمام النووي: «هذا فيه التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما مسه أو لبسه أو كان منه فيه سبب، وهذا نحو ما أجمعوا عليه وأطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة في مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الروضة الكريمة ودخول الغار الذي دخله صلى الله عليه وآله وسلم وغير ذلك، من هذا إعطاؤه صلى الله عليه وآله وسلم أبا طلحة شعره ليقسمه بين الناس، وإعطاؤه صلى الله عليه وآله وسلم حقوه لتكفن فيه بنته رضي الله عنها، وجعله الجريدتين على القبرين، وجمعت بنت ملحان عرقه صلى الله عليه وآله وسلم، وتمسحوا بوضوئه صلى الله عليه وآله وسلم، ودلكوا وجوههم بنخامته صلى الله عليه وآله وسلم، وأشباه هذه كثيرة مشهورة في الصحيح، وكل ذلك واضح لا شك فيه» ([73]) .
[الدليل الثامن]: أخرج الترمذي عن كبشة الأنصارية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها وعندها قربة معلقة، فشرب منها وهو قائم، فقطعت فم القربة تبتغي بركة موضع في (أي فم) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ([74]) . قال الإمام النووي في رياض الصالحين: (وإنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتتبرك به: وتصونه عن الابتذال) انتهى ([75]) .
[الدليل التاسع]: أخرج مسلم عن أنس بن مالك قال: (دخل علينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال عندنا فعرق، وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا أم سليم! ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب) ([76]) .
[الدليل العاشر]: أخرج البخاري في صحيحه قصة صلح الحديبية وفيه مجيء عروة بن مسعود رسول قريش: ((… قال: ثم إن عروة جعل يرمق صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعينه فوالله ما يتنخم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم انقادوا لأمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له) ([77]) . فقد كانوا رضي الله عنهم وهم أعلم الناس بالدين، كانوا يتبركون بآثاره، حتى أنهم: إذا توضأ كادوا يقتتلون على بقية وَضوئه تبركا بما مسته يداه الشريفتان.
[الدليل الحادي عشر]: روى الحاكم في المستدرك: حدثنا عبدالحميد بن جعفر عن أبيه أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك، فقال: اطلبوها، فلم يجدوها فوجدوها وإذا هي قلنسوة خلقة، فقال خالد: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلق رأسه وابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر) ([78]) . فكان خالد رضي الله عنه يتبرك بشعرة النبي صلى الله عليه وسلم.
[الدليل الثاني عشر]: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإصبعه هكذا ووضع سبابته بالأرض ثم رفعها: باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى بها سقيمنا بإذن ربنا) ([79]) . فالتبرك بالتربة وقد خالطها ريق النبي صلى الله عليه وسلم، مع رقية النبي صلى الله عليه وسلم شفاء بإذن الله تعالى من كل داء.
[المفتاح الثالث]: أمثلة على التبرك: جاء في الموسوعة الفقهية:
(1) التبرك بالبسملة والحمدلة: ذهب بعض أهل العلم إلى سنية ابتداء كل أمر ذي بال يهتم به شرعا – بحيث لا يكون محرما لذاته، ولا مكروها لذاته، ولا من سفاسف الأمور ومحقراتها – بالبسملة والحمدلة، كل في موضعه على سبيل التبرك، وجرى العلماء في افتتاح كلماتهم وخطبهم ومؤلفاتهم وكل أعمالهم المهمة بالبسملة عملا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر أو أقطع أو أجذم} ([80]) . وفي رواية أخرى: {كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر أو أقطع أو أجذم} ومن هذا الباب الإتيان بالبسملة عند الأكل، والشرب، والجماع، والاغتسال، والوضوء، والتلاوة، والتيمم، والركوب والنزول، وما إلى ذلك.
(2) التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اتفق العلماء على مشروعية التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأورد علماء السيرة والشمائل والحديث أخبارا كثيرة تمثل تبرك الصحابة الكرام رضي الله عنهم بأنواع متعددة من آثاره صلى الله عليه وآله وسلم نجملها فيما يأتي: (أ) في وضوئه صلى الله عليه وآله وسلم: ((كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه))، ([81]) . لفرط حرصهم على التبرك بما مسه صلى الله عليه وآله وسلم ببدنه الشريف، وكان من لم يصب من وضوئه يأخذ من بلل يد صاحبه.
(ب) في ريقه ونخامته صلى الله عليه وآله وسلم ((كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يبصق بصاقا ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها، وأخذوها من الهواء، ووقعت في كف رجل منهم، فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ومسحوا بها جلودهم وأعضاءهم تبركا بها))، ([82]) . ((وكان يتفل في أفواه الأطفال، ويمج ريقه في الأيادي، وكان يمضغ الطعام فيمجه في فم الشخص))، ((وكان الصحابة يأتون بأطفالهم ليحنكهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجاء البركة)) ([83]) .
(ت) في دمه صلى الله عليه وآله وسلم: ثبت أن بعض الصحابة شربوا دمه صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التبرك، فعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: ((أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد فشربه، فلما رجع، قال: يا عبد الله ما صنعت؟ قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه مخفي عن الناس، قال: لعلك شربته؟ قلت: نعم، قال: ويل للناس منك،، وويل لك من الناس،،))، ([84]) . فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم، وفي رواية ((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: من خالط دمه دمي لم تمسه النار))، ([85]) .
(ث) في شعره صلى الله عليه وآله وسلم: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوزع شعره بين الصحابة عندما يحلق رأسه الشريف) وكان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على أن يحصلوا شيئا من شعره صلى الله عليه وآله وسلم ويحافظون على ما يصل إلى أيديهم منه للتبرك به، فعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحرثم قال: للحلاق: خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس([86]) . وفي رواية: ((لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن، فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر فقال: احلق، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: اقسمه بين الناس))، ([87]) . وفي رواية:(فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك) وروي أن خالد بن الوليد رضي الله عنه: فقد قلنسوة له يوم اليرموك، فطلبها حتى وجدها، وقال: اعتمر رسول الله فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر، وعن أنس رضي الله عنه قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل، ([88]) .
(هـ) في سؤره وطعامه صلى الله عليه وآله وسلم: ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتنافسون في سؤره صلى الله عليه وآله وسلم ليحوز كل واحد منهم البركة التي حلت في الطعام أو الشراب من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه: ((أن رسول الله أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: – وهو ابن عباس رضي الله عنهما -: والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا، فتله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يده)) ([89]) . ((وعن عميرة بنت مسعود رضي الله عنها: أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي وأخواتها يبايعنه، وهن خمس، فوجدته يأكل قديده، فمضغ لهن قديدة، ثم ناولني القديدة، فمضغتها كل واحدة قطعة قطعة، فلقين الله وما وجد لأفواههن خلوف))، ([90]) . وفي حديث خنس بن عقيل: ((سقاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شربة من سويق شرب أولها وشربت آخرها، فما برحت أجد شبعها إذا جعت، وريها إذا عطشت، وبردها إذا ظمئت))، ([91]) .
(و) في أظافره صلى الله عليه وآله وسلم: ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم قلم أظافره، وقسمها بين الناس للتبرك بها، فقد ذكر الإمام أحمد رحمه الله، من حديث محمد بن زيد أن أباه حدثه: ((أنه شهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنحر ورجلا من قريش، وهو يقسم أضاحي، فلم يصبه منها شيء ولا صاحبه، فحلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه في ثوبه، فأعطاه فقسم منه على رجال، وقلم أظافره فأعطاه صاحبه))، ([92]) . وفي رواية ((ثم قلم أظافره وقسمها بين الناس))
(ز) في لباسه صلى الله عليه وآله وسلم وأوانيه: ثبت كذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحرصون على اقتناء ملابسه وأوانيه للتبرك بها والاستشفاء، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: ((أنها أخرجت جبة طيالسة وقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها))، يبتدرون ذلك وفي رواية: ((فنحن نغسلها نستشفي بها))،
(ح) في ما لمسه صلى الله عليه وآله وسلم ومصلاه: كان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون فيما تلمس يده الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ذلك(بركة يده فيما لمسه وغرسه لسلمان رضي الله عنه حين كاتبه مواليه على ثلثمائة ودية وهو صغار النخل يغرسها لهم كلها، تعلق وتطعم،وعلى أربعين أوقية من ذهب، فقام صلى الله عليه وآله وسلم وغرسها له بيده،إلا واحدة غرسها غيره، فأخذت كلها إلا تلك الواحدة، فقلعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وردها فأخذت([93]) . وفي رواية: ((فأطعم النخل من عامه إلا الواحدة، فقلعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغرسها فأطعمت من عامها، وأعطاه مثل بيضة الدجاجة من ذهب، بعد أن أدارها على لسانه، فوزن منها لمواليه أربعين أوقية، وبقي عنده مثل ما أعطاهم))، ([94]) .
((ووضع يده الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم على رأس حنظلة بن حذيم وبرك عليه، فكان حنظلة يؤتى بالرجل قد ورم وجهه، والشاة قد ورم ضرعها، فيوضع على موضع كف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيذهب الورم)) ([95]) .
وكان يؤتى إليه صلى الله عليه وآله وسلم بالمرضى وأصحاب العاهات والمجانين فيمسح عليهم بيده الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم فيزول ما بهم من مرض وجنون وعاهة، وكذلك كانوا يحرصون على أن يصلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكان من بيوتهم، ليتخذوه مصلى لهم بعد ذلك، وتحصل لهم بركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعن عتبان بن مالك رضي الله عنه – وهو ممن شهد بدرا – قال: ((كنت أصلي لقومي بني سالم، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار، فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت له: إني أنكرت بصري، وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه، فوددت أنك تأتي فتصلي في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سأفعل إن شاء الله فغدا علي رسول الله وأبو بكر رضي الله عنه بعدما اشتد النهار، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكبر وصففنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم، وسلمنا حين سلم)) ([96]) .
(3) التبرك بماء زمزم: ذهب العلماء إلى سنية شرب ماء زمزم لمطلوبه في الدنيا والآخرة، لأنها مباركة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ماء زمزم لما شرب له))، ([97]) .
(4) التبرك ببعض الأزمنة والأماكن في النكاح: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب مباشرة عقد النكاح في المسجد، وفي يوم الجمعة للتبرك بهما، فقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف)) أهـ. ([98])
[ المفتاح الرابع]: بعض نصوص الحفاظ والعلماء والمحدثين في مشروعية التبرك بالصالحين:
(1) الإمام ابن عبد البر، حافظ المغرب في زمانه، قال – بعدما روى بسنده أثرا عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كنت بين الأخشبين من منى ، ونفخ بيده نحو المشرق فإن هناك واديا يقال له السرر ، به شجرة سر تحتها سبعون نبيا)، قال الحافظ: (وفي هذا الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم) ([99]) . وقال عن قبر سيدنا أبي أيوب الأنصاري الموجود عند سور القسطنطينية: (وقبر أبي أيوب قرب سورها معلوم إلى اليوم مُعظَّم يستسقون به فيسقون) ([100]) .
(2) القاضي عياض المالكي، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، قال: (فيه التبرك بالفضلاء، ومشاهد الأنبياء وأهل الخير ومواطنهم، ومواضع صلاتهم) ([101]) .
(3) الحافظ الكبير ابن حِبان البُستي (ت354) عَنْوَن في صحيحه بقوله (ذكر ما يستحب للمرء التبرك بالصالحين وأشباههم) وقال في كتابه «الثقات»: (وَما حلّت بِي شدَّة فِي وَقت مقَامي بطوس، فزرت قبر عَلي بن موسَى الرِّضا صلوَات الله على جده وَعَلِيه، ودعوت الله إِزالَتها عَني، إلا استجيب لي وزالت عَنى تِلك الشدَّةُ، وَهَذَا شَيء جربته مرَارًا فَوَجَدته كَذَلِك، أماتنا الله على محبَّة المصطفى وَأهل بَيته صلى الله وسلم عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِين) ([102]) .
(4) الإمام شيخ الإسلام، محيي الدين النووي قال في شرحه لصحيح مسلم: (وفيه التبرك بالصالحين وآثارهم، والصلاة في المواضع التي صلَّوا بها، وطلب التبريك منهم) ([103]) .
وقال أيضا: (وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم) ([104]) .
(5) الإمام شمس الدين الذهبي، قال في ترجمة السيدة نفيسة بنت الحسن رحمها الله: (كانت من الصالحات العوابد، والدعاء مستجاب عند قبرها، بل وعند قبور الأنبياء والصالحين) ([105]) .
وقال: (وعن إبراهيم الحربي، قال: قبر معروف أي الكَرْخي التِّرياق المجرَّب، يريد إجابة دعاء المضطر عنده؛ لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء) ([106]) .
(6) الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، قاضي القضاة، وشيخ الإسلام، وأمير المؤمنين في الحديث، نص على جواز التبرك بالصالحين في مواضع كثيرة من كتابه فتح الباري – الذي هو أعظم شروح كتب السنة على الإطلاق – منها: قوله: (حديث عتبان مالك… فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين) ([107]) . وقوله: (وفيه الحرص على مجاورة الصالحين في القبور، طمعا في إصابة الرحمة إذا نزلت عليهم، وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير) ([108]) . وقوله: (وفيه التبرك بطعام الأولياء والصلحاء) ([109]) .
(7) الإمام المحدث، شهاب الدين القسطلاني، صاحب الشرح الفريد لصحيح البخاري المسمى: إرشاد الساري قال: (أما مَن اتخذ مسجدًا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه، لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه، فلا يدخل في الوعيد المذكور) ([110]) .
(8) قال الحافظ أبوبكر الخطيب في تاريخ بغداد. (9) وابن أبي يعلى الحنبلي في طبقات الحنابلة (10) وابن مفلح الحنبلي في المقصد الأرشد (11) وابن الجوزي في المنتظم (12) والعليمي الحنبلي في المنهج الأحمد في ترجمة علي بن محمد بن بشار الزاهد العارف الولي الصالح شيخ الحنابلة المتوفى سنة 313هـ: دفن بالعقبة وقبره إلى الآن ظاهر معروف يتبرك الناس بزيارته انتهى ([111]) .
(13) وقال ابن أبي يعلى في الطبقات (2: 255) أبو بكر أحمد بن علي بن أحمد العلثي أحد المشهورين بالصلاح والزهد، صحب الوالد السعيد سنين يسمع درسه والحديث منه، فعادت بركته عليه فصار عالما زاهدا عابدا فظهر له في الناس القبول والمحبة وإجابة الدعاء، انتهى، وقال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة: أبو الحسن علي بن محمد بن عبدالرحمن البغدادي، أحد الفقهاء العقلاء والمناظرين والأذكياء، مات بآمد سنة سبع أو ثمان وستين وأربع مائة، وقبره هناك يقصد ويتبرك به انتهى ([112]) .
(14) وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي في المقصد الأرشد (15) والعلامة العليمي الحنبلي في المنهج الأحمد في ترجمة علي بن محمد المذكور: وقبره هناك مقصود بالزيارة، انتهى
(16) وفي الفروع للعلامة ابن مفلح: ” نقل ابن القاسم وشندي أن أحمد سئل عن الرجل يأتي المشاهد ويذهب إليها ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى وعلى نحو ما كان يفعل ابن عمر يتبع مواضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأثره فليس بذلك بأس) ([113]) .
المبحث الرابع مفاتيح تحقيق القول في اتخاذ القبور مساجد
[المفتاح الأول]: الأحاديث الواردة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، والفهم الصحيح لمعاني تلك الاحاديث: لقد وردت أحاديث صحيحة تنهى عن اتخاذ القبور مساجد: منها:
(الحديث الاول): أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ([114]) . قالت: فلولا ذاك أُبرِز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً.
و(الحديث الثاني): أخرج البخاري ومسلم عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، وهو يقول: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائِهم مساجِد يحذر ما صنعوا)) ([115]) .
و(الحديث الثالث): أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((قاتلَ اللهُ اليهودَ اتخذوا قُبُورَ أنبيائِهِمْ مَسَاجِد)) ([116]) .
و(الحديث الرابع): أخرج مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي، أنه قال: ((سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، قبلَ أن يموتَ بخمسٍ، وهو يقولُ: إني أبرأُ إلى اللهِ أن يكونَ لي منكم خليلٌ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاُ، كما اتخذ إبراهيمَ خليلاً، ولو كنتُ متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلاً، ألا وإن من كان قبلَكم كانوا يتخذون قبورَ أنبيائِهم وصالحيهم مساجدَ، ألا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ، إني أنهاكم عن ذلك)) ([117]) .
(علة النهي): في الاحاديث الأربعة هي: (اتخذوا قُبُورَ أنبيائِهِمْ مَسَاجِد)، فما هو المعنى المقصود من اتخاذ القبور مساجد: له ثلاث احتمالات (الأول): الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها، و(الثاني): السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء، و(الثالث): بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها، وهنا يأتي دور الفقيه لتحديد المعنى المقصود من النهي في الأحاديث.
فلا شك بأن المعنى الأول والمعنى الثاني داخل في النهي، فلا يجوز اتخاذها مساجد بمعنى السجود عليها أو استقبالها والسجود إليها، فكلا الامرين داخل في النهي، ومستحق للعن، لكن (المعنى الثالث): بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها هل هو مقصود ام لا، وهل يتناوله النهي أم لا، ها هنا بيت القصيد، بمعنى أنه إذا كان المسلم بجوار قبر ولكنه لا يسجد عليه ولا يتخذه قبلة للصلاة والسجود، بل هو عند الصلاة يتجه للقبلة كما يفعل كل المسلمين، فهل هذا مستحق للعن، لو كان كذلك لما سلم المسلمون من أول الرسالة وإلى اليوم من هذا الوعيد، ولكن لله الحمد، فالملعون هو من سجد إلى القبر أو سجد على القبر.
أما المعنى الثالث: بناء المساجد عليها وقصد المسلم الصلاة فيها إلى قبلة المسلمين المعروفة وسجد على الأرض وإلى الكعبة فلا يدخل فيه النهي النبوي الشريف، ولو نظرنا إلى كتاب الله وسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وإلى عمل المسلمين على مر العصور وجدنا أن النهي لا يدخل فيه المعنى الثالث أبدا أبدا، فمما جاء في كتاب الله تعالى مما يُخالف المعنى الثالث، قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21]، قال الفقهاء فقد ذكر الله تعالى عنهم بناء المسجد على قبورهم، ولم يعقب القرآن الكريم على فعلهم ولو كان شركا كما يظن البعض لما سكت عنه القرآن، ولو كان كبيرة لنوه إلى ذلك القرآن الكريم لأنّه بالأساس كتاب تشريع وهدى وبيان ولم يأت لغرض الإخبار فقط عن حالهم، وهذا أمر يتنزه القرآن عنه أن يسرد واقعة فيها شرك أو كبيرة من الكبائر ثم لا يُشير إليها ولا يعقب عليها، ثم لم يعقب عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان فيه شرك لحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تكلم فيه الصحابة رضي الله عنهم، وجمهور المفسرين على ان الذين غلبوا على امرهم هم المؤمنون.
وكذلك صلاة النبي صلى الله عليه و سلم في مسجد الخيف مع أن فيه قبر سبعين نبيا كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم [ وهذا صححه ابن حجر العسقلاني وذكره البزار في مسنده وعده من فضائل مسجد الخيف]، وأيضا ما ذكر في بعض الآثار الصحيحة أن قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى المصلى فيه، والشاهد أن النبي لم ينبش هذه القبور ويخرجها من المسجد بل ولم يضع حولها سورا ويمنع الصلاة عندها، ولو نظرنا إلى قبر النبي صلى الله عليه و سلم في مسجده الشريف ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه صلى الله عليه و سلم في مسجده، وقد اخبر هو صلى الله عليه وآله وسلم أنّ قبره سيكون داخل المسجد، ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة))([118]) . وروي النسائي وأحمد والبزار (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)، ([119]) . وأيا كان لفظ الحديث فإنّ الصديق أبا بكر لما اختلفوا في مكان دفنه صلى الله عليه وآله وسلم استدل لهم بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – شيئا ما نسيته، قال: ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه، ادفنوه في موضع فراشه)) ([120]) .
فقبره صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد النبوي الشريف، بل في أفضل بقاع المسجد الروضة الشريفة، ولم يقل أحد من الصحابة إن دفنه في المسجد النبوي حرام ولا يجوز، وعند توسعة المسجد النبوي وإدخال القبر في المسجد، كان الكثير من الصحابة على قيد الحياة، فضلا عن جل التابعين، ولم يعترض منهم أحد على ذلك ولا ذكر أنه حرام أو أنه يتعارض مع حديث: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، ولا قال احد منهم انه يفتح بابا إلى الشرك.
وكذلك ما ورد في السيرة أنّ أول من بُنى عليه مسجد في الإسلام كان بناء أبي جندل رضي الله عنه مسجدا على قبر أبي بصير رضي الله عنه في عهد النبي صلى الله عليه و سلم كما جاء في « الاستيعاب » لابن عبد البر، وذكر ذلك ابن الأثير في (أسد الغابة) والسهيلي في الروض الأنف، كما أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، فالخبر ثابت وأقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى مر عصور الإسلام كان المسلمون إذا مات العالم أو الصالح دفنوه في المسجد، ولهذا فإنّ أقصى ما وصل إليه الفقهاء في المسألة (بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها): هو كراهة بناء المساجد على المقابر، عدا المذهب المالكي فإنّه لا يرى الكراهة ولكن يرى الجواز بلا كراهة، ورواية عن الإمام أحمد بحرمة ذلك، وهذه المسألة إذا بُني المسجد على القبر، ولكن إن دُفن الرجل الصالح في المسجد فلم يقل أحد من الفقهاء المعتبرين ببطلان الصلاة في تلك المساجد، والأمر كما ترى خلاف فقهي في مسائل لا تبلغ حد التحريم، فمن الخلل الجسيم ادراجها ضمن مباحث التوحيد، ومن أوردها فإنه أوردها بسبب الفهم الخطأ للحديث المرسل الذي اخرجه الإمام مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ))، ([121]) . وقد ورد الحديث مسندا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، هكذا من دون كلمة (يعبد)، قال الحافظ ابن رجب في ” فتح الباري ” عن حديث أبي هريرة: ” بإسناد فيه نظر “، فالمقصود إن صح الحديث: اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى إليه، ويسجد نحوه ويعبد من دون الله، ([122]) .
قال ابن عيد البر في الاستذكار: (وليس فيه حكم أكثر من التحذير أن يُصلَّى إلى قبره، وأن يتخذ مسجدا، وفي ذلك أمر بأن لا يعبد إلا الله وحده، وإذا صنع من ذلك في قبره، فسائر آثاره أحرى بذلك، وقد كره مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان، وذلك والله أعلم مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك) أهـ ([123]) .
وقد نقل هذا الكلام الحافظ ابن رجب رحمه الله، وأكده، ثم قال: (وقد اتفق أئمة الإسلام على هذا المعنى: قال الشافعي رحمه الله: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره مسجدا، خشية الفتنة عليه وعلى من بعده، وقال صاحب ” التنبيه ” من أصحابه: أما الصلاة عند رأس قبر رسول الله متوجها إليه فحرام، قال القرطبي: بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا الداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين، فتتصور إليه الصلاة بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره، ولهذا المعنى قالت عائشة: (ولولا ذلك لأبرز قبره) أهـ ([124]) .
إذن المعنى المنهي عنه في الاحاديث كلها هو استقبالها بالصلاة والدعاء والسجود إليها، أما بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها فعمل المسلمين على مر عصور الإسلام لا يمنع من ذلك البته، بل وأقوال الفقهاء على مر عصور الدين لا يرى هذا المعنى داخلا في النهي النبوي أبدا.
و(الخلاصة): المعنى المنهي عنه في الاحاديث كلها هو استقبالها بالصلاة والدعاء والسجود إليها، أما بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها فعمل المسلمين على مر عصور الإسلام لا يمنع من ذلك البته، بل وأقوال الفقهاء على مر عصور الدين لا يرى هذا المعنى داخلا في النهي النبوي أبدا.
(تنبيه) أخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: ((أن أمَّ حبيبةَ وأمَّ سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأينها بالحبشةِ، فيها تصاويرُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: ” إن أولئك، إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ، فمات بنوْا على قبرِه مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصورَ، أولئك شرارُ الخلقِ عند اللهِ يومَ القيامةِ)) ([125]) .
فعلة النهي في الحديث أمران: الأول اتخاذها قبلة للصلاة والدعاء، والثاني: التصاوير التي نهى الشرع الحنيف عنها في البيوت فكيف بأماكن العبادة، فالذم في الحديث منصب على اتخاذ قبور انبيائهم قبلة للسجود والدعاء، وكذلك التصاوير، فليس الذم منصرفا إلى بناء المسجد، ولكن على اتخاذ قبور انبيائهم قبلة للسجود والدعاء، وعمل التصاوير حولها في أماكن العبادة.
[المفتاح الثاني]: حكم الصلاة في مسجد به قبر: إذا أردنا الفقه في المسألة فلابد وان نتطفل على مائدة المذاهب الأربعة فهم السادة المتخصصون في الفقه، وقد قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) } [سورة النحل: الآية: 43]، و [سورة الأنبياء: الآية: 7]، فأهل الذكر في السألة هم أهل التخصص وهم هاهنا الفقهاء، فإلى المدارس الفقهية الأربعة الاحناف والمالكية والشافعية والحنابلة في المسألة، تلك المدارس التي وضع الله تعالى القبول لها بين المسلمين في الفقه على مر عصور الإسلام، وقد قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40]، ولا يوجد من الفقهاء من قال انه شرك ولا ذريعة إلى الشرك كما تفعل الوهابية، بل يدور الامر على الاباحة وهو قول المالكية، أو الكراهة والصلاة صحيحة، وهو مذهب الجمهور الشافعية والاحناف ورواية عند الحنابلة، أو انّ ذلك حرام وهو الرواية الأخرى عند الحنابلة وعليها المذهب، وفي صحة الصلاة عندهم روايتان والأصح عدم الصحة، والفتوى عند الحنابلة إنما هو إذا كانت الصلاة في مقبرة مخصصة للمقابر، أما القبر والقبران فلا يمنعون من الصلاة عندها، فأين هذا الفقه ممن قال بأنه شرك وذريعة إلى الشرك، الأمر مختلف تماما، وأنقل هنا مبحث حكم الصلاة في المقبرة وفي مسجد فيه قبر دراسة فقهية مقارنة على المذاهب الفقهية الأربعة للشيخ عبد الفتاح قديش اليافعي حفظه الله تعالى، حيث يقول: (فهذا بحث موجز في حكم الصلاة في مسجد فيه قبر وقد جعلته في مبحثين: (المبحث الأول): حالات الصلاة في مسجد فيه قبر وحكم كل حالة، و (المبحث الثاني): في أدلة أهل العلم في المسألة.
[1] حالات الصلاة في مسجد فيه قبر وحكم كل حالة]: الصلاة بالنسبة للقبور لها ثلاثة أحوال: 1- أن تكون على القبور، 2- أن تكون إلى القبور، 3- أن تكون عند القبور، ولكل من ذلك حالتان: الحالة الأولى: أن توجد في موضع الصلاة نجاسة من صديد الموتى فلا خلاف بين أهل العلم في حرمة الصلاة في ذلك الموضع والصلاة عندئذ باطلة، والحالة الثانية: ألا توجد في الموضع نجاسة وقد اختلف أهل العلم في هذه الحالة على ثلاثة أقوال: (القول الأول): أن ذلك مكروه والصلاة صحيحة وهو مذهب الجمهور وعليه الشافعية وهو رواية عند الحنابلة وعليه الحنفية في حالة الصلاة إلى القبور، وكذا في حالة الصلاة على القبور مالم يكن قبر نبي، (القول الثاني): أن ذلك جائز وهو مذهب المالكية، وهو أيضا مذهب الحنفية في حالة الصلاة عند القبور، و(القول الثالث): أن ذلك حرام وهو الرواية الأخرى عند الحنابلة وعليها المذهب، وفي صحة الصلاة عندهم روايتان والأصح عدم الصحة، ثم الكلام السابق عند الحنابلة إنما هو إذا كانت الصلاة في مقبرة أما القبر والقبران فلا يمنعون من الصلاة عندها وخالف في ذلك بعضهم كما سيأتي إن شاء الله، والآن إليك بعض أقوال أهل العلم من المذاهب الأربعة في المسألة ضمن الفروع التالية:
[الفرع الأول: من أقوال الحنفية]: – في بدائع الصنائع (وأما المقبرة فقيل: إنما نهى عن ذلك لما فيه من التشبيه باليهود كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلا تتخذوا قبري بعدي مسجد، وروي أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا يصلي بالليل إلى قبر فناداه: القبر القبر، فظن الرجل أنه يقول القمر القمر فجعل ينظر إلى السماء فما زال به حتى تنبه، فعلى هذا تجوز الصلاة وتكره، وقيل: معنى النهي أن المقابر لا تخلو عن النجاسات لأن الجهال يستترون بما شرف من القبور فيبولون ويتغوطون خلفه، فعلى هذا لا تجوز الصلاة لو كان في موضع يفعلون ذلك لانعدام طهارة المكان) اهـ، ([126]) .
وفي البحر الرائق:(ويكره أن يكون محراب المسجد نحو المقبرة أو الميضأة أو الحمام) اهـ ([127]) وفي حاشية ابن عابدين : (قوله: (ومقبرة) مثلث الباء، واختلف في علته: فقيل: لأن فيها عظام الموتى وصديدهم وهو نجس وفيه نظر، وقيل: لأن أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد، وقيل: لأنه تشبه باليهود وعليه مشى في الخانية، ولا بأس بالصلاة فيها [يعني المقبرة] إذا كان فيها موضع أعد للصلاة وليس فيه قبر ولا نجاسة كما في الخانية ولا قبلته إلى قبر حلية) اهـ، ([128]) .
وفي حاشية الطحطاوي: (قوله: وفي المقبرة بتثليث الباء لأنه تشبه باليهود والنصارى قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وسواء كانت فوقه أو خلفه، أو تحت ما هو واقف عليه، ويستثنى مقابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا تكره الصلاة فيها مطلقا منبوشة أو لا، بعد أن لا يكون القبر في جهة القبلة، لأنهم أحياء في قبورهم ألا ترى أن مرقد إسماعيل عليه السلام في الحجر تحت الميزاب وأن بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى للصلاة بخلاف مقابر غيرهم أفاده في شرح المشكاة، وفي زاد الفقير: وتكره الصلاة في المقبرة إلا أن يكون فيها موضع أعد للصلاة لا نجاسة فيه، ولا قذر فيه اهـ، قال الحلبي: لأن الكراهة معللة بالتشبه وهو منتف حينئذ، وفي القهستاني عن جنائز المضمرات: لا تكره الصلاة إلى جهة القبر إلا إذا كان بين يديه بحيث لو صلى صلاة الخاشعين وقع بصره عليه) اهـ، ([129]) .
[الفرع الثاني من أقوال المالكية]: – حكم الصلاة في مسجد فيه قبر – في المدونة الفقهية : (قلت لابن القاسم: هل كان مالك يوسع أن يصلي الرجل وبين يديه قبر يكون سترة له؟ قال: كان مالك لا يرى بأسا بالصلاة في المقابر وهو إذا صلى في المقبرة كانت القبور أمامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره، قال: وقال مالك: لا بأس بالصلاة في المقابر، قال: وبلغني أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يصلون في المقبرة) اهـ، ([130]) .
وفي الذخيرة للقرافي: (وثالثها المقبرة: قال في الكتاب: لا بأس بالصلاة إلى القبر وفي المقبرة وبلغني أن أصحاب رسول الله كانوا يفعلون ذلك، قال صاحب الطراز: ومنع ابن حنبل من الصلاة إلى القبر وفي المقبرة، والمقبرة تنقسم إلى مقبرة الكفار والمسلمين وعلى التقديرين فإما أن يتيقن نبشها أو عدمه أو يشك في ذلك فهذه ستة أقسام منع أحمد والشافعي جميع ذلك، واختلف قول أحمد في صحة الصلاة فمرة حمل النهي على التعبد لا على النجاسة فحكم بالصحة، وفرق ابن حبيب بين قبور المسلمين والمشركين فمنع من قبور المشركين لأنه حفرة من حفر النار وقال: يعيد في العامرة أبدا في العمد والجهل لبقاء نبشها النجس ولا يعيد في الداثرة لذهاب نبشها وبين قبور المسلمين فلم يمنع كانت داثرة أو عامرة، قال صاحب الطراز: ويحمل قوله في الكتاب على أن المقبرة لم تنبش أما المنبوشة التي يخرج منها صديد الأموات وما في أمعائهم فلم يتكلم عليه مالك، حجتنا: أن مسجده عليه السلام كان مقبرة للمشركين فنبشها عليه السلام وجعل مسجده موضعها ولأنه عليه السلام صلى على قبور الشهداء، وهذه المسألة مبنية على تعارض الأصل والغالب فرجح مالك الأصل وغيره الغالب، حجة المخالف: ما في الترمذي نهى عليه السلام أن يصلى في سبعة مواضع في المزيلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق ومعاطن الإبل وفي الحمام وفوق ظهر بيت الله عز وجل وقال عليه السلام لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) اهـ، ([131]) .
وفي مواهب الجليل (ومن صلى وبين يديه جدار مرحاض أو قبر فلا بأس به إذا كان موضعه طاهرا، قال ابن ناجي: ظاهره وإن ظهر على الجدار نجاسة وهو كذلك لأن المعتبر محل قيام المصلي وقعوده وسجوده وموضع كفيه لا أمامه أو يمينه أو شماله انتهى) اهـ، ([132]) .
وفي حاشية الدسوقي : (قوله: وجازت بمربض بقر أو غنم ولو على القبر) أي هذا إذا صلى بين القبور بل ولو صلى فوق القبر فإن قلتَ: سيأتي أن القبر حبس لا يمشى عليه ولا ينبش والصلاة تستلزم المشي، قلتُ: يحمل كلامه على ما إذا كان القبر غير مسنم والطريق دونه فإنه يجوز المشي عليه حينئذ، (قوله: منبوشة أو لا) فيه أن المقبرة إذا نبشت صار التراب الذي نزل عليه الدم والقيح من الموتى ظاهرا على وجه الأرض فيكون قد صلى على تراب نجس فكيف يحكم بجواز الصلاة؟ وحاصل الجواب: أنه سيأتي في كلام المصنف تقييد الجواز بالأمن من النجاسة بأن يعتقد أو يظن طهارة المحل الذي يصلي عليه والمقبرة إذا نبشت يمكن أن يعتقد أو يظن طهارة ما صلى عليه وأنه من غير المنبوش أو أن الدم والصديد النازل من الموتى لم يعم التراب، أو يقال إن جواز الصلاة في المقبرة المنبوشة مبني على ما قاله مالك من ترجيح الأصل وهو الطهارة على الغالب وهو النجاسة عند تعارضهما فتأمل، (قوله: خلافا لمن قال بعدم الجواز في مقبرتهم) الذي في المواق ترجيح هذا القول فانظره اهـ.. (قوله: إن أمنت من النجس) أي بأن تحقق أو ظن طهارة الموضع الذي صلى فيه منها.. (قوله: كموضع منها) أي كأن يصلي في موضع من هذه الأمور الأربعة المقبرة والزبلة والمحجة والمجزرة منقطع عن النجاسة أي بعيد عنها) اهـ، ([133]) .
[الفرع الثالث من أقوال الشافعية]: – حكم الصلاة في مسجد فيه قبر – في الأم : روى حديث (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) ثم (قال الشافعي): وبهذا نقول ومعقول أنه كما جاء في الحديث ولو لم يبينه لأنه ليس لأحد أن يصلي على أرض نجسة لأن المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم وذلك ميتة وإن الحمام ما كان مدخولا يجري عليه البول والدم والأنجاس (قال الشافعي) والمقبرة الموضع الذي يقبر فيها العامة وذلك كما وصفت مختلطة التراب بالموتى وأما صحراء لم يقبر فيها قط قبر فيها قوم مات لهم ميت ثم لم يحرك القبر فلو صلى رجل إلي جنب ذلك القبر أو فوقه كرهته له ولم آمره يعيد لأن العلم يحيط بأن التراب طاهر لم يختلط فيه شيء وكذلك لو قبر فيه ميتان أو موتى)([134]) .
وقال الإمام البيهقي: (عن أنس قال: قمت يوما أصلى وبين يدي قبر لا أشعر به فنادانى عمر القبر القبر فظننت أنه يعني القمر فقال لي بعض من يليني إنما يعني القبر فتنحيت عنه وروينا عن أبي ظبيان عن بن عباس أنه كره أن يصلى إلى حش أو حمام أو قبر وكل ذلك على وجه الكراهية إذا لم يعلم في الموضع الذي تصيبه ببدنه وثيابه نجاسة لما روينا في هذا الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعلت لي الأرض طيبه طهورا ومسجدا) ([135]) .
وقال النووي في المجموع : (حكم المسألة: إن تحقق أن المقبرة منبوشة لم تصح صلاته فيها بلا خلاف إذا لم يبسط تحته شيء، وإن تحقق عدم نبشها صحت بلا خلاف وهي مكروهة كراهة تنزيه، وإن شك في نبشها فقولان: أصحهما تصح الصلاة مع الكراهة، والثاني لا تصح، هكذا ذكر الجمهور الخلاف في المسألة الأخيرة قولين كما ذكره المصنف هنا، ممن ذكرهما قولين الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي والشيخ أبو علي البندنيجي وصاحب الشامل وخلائق من العراقيين، ومعظم الخراسانيين ونقلهما جماعة وجهين منهم المصنف في التنبيه وصاحب الحاوي قال في الحاوي: القول بالصحة هو قول ابن أبي هريرة وبالبطلان قول أبي إسحاق والصواب طريقة من قال: قولان، قال صاحب الشامل: قال في الأم: لا تصح، وقال في الإملاء: تصح واتفق الأصحاب على أن الأصح الصحة وبه قطع الجرجاني في التحرير، قال أصحابنا: ويكره أن يصلي إلى القبر هكذا قالوا يكره، ولو قيل: يحرم لحديث أبي مرثد وغيره مما سبق لم يبعد، قال صاحب التتمة: وأما الصلاة عند رأس قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوجها إليه فحرام، ([136]) .
وقال النووي في المجموع (فرع): في مذاهب العلماء في الصلاة في المقبرة: قد ذكرنا مذهبنا فيها، وأنها ثلاثة أقسام، قال ابن المنذر روينا عن علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة ولم يكرها أبو هريرة وواثلة بن الأسقع والحسن البصري وعن مالك روايتان أشهرهما لا يكره ما لم يعلم نجاستها، وقال أحمد: الصلاة فيها حرام، وفي صحتها روايتان وإن تحقق طهارتها، ونقل صاحب الحاوي عن داود أنه قال: تصح الصلاة وإن تحقق نبشها) اهـ، ([137]) .
وفي المجموع أيضا : (اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهورا بالصلاح أو غيره، لعموم الأحاديث، قال الشافعي والأصحاب: وتكره الصلاة إلى القبور، سواء كان الميت صالحا أو غيره قال الحافظ أبو موسى: قال الإمام أبو الحسن الزعفراني رحمه الله: ولا يصلى إلى قبره، ولا عنده تبركا به وإعظاما له للأحاديث والله أعلم) اهـ([138]) .
وفي فتح المعين للمليباري في شروط صحة النذر: (وخرج بالقربة المعصية كصوم أيام التشريق وصلاة لا سبب لها في وقت مكروه فلا ينعقدان، وكالمعصية المكروه كالصلاة عند القبر والنذر لأحد أبويه أو أولاده فقط) اه ([139]) .
وقال الحافظ في الفتح (قوله: (وما يكره من الصلاة في القبور) يتناول ما إذا وقعت الصلاة على القبر أو إلى القبر أو بين القبرين وفي ذلك حديث رواه مسلم من طريق أبي مرثد الغنوي مرفوعا: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها أو عليها) قلت: وليس هو على شرط البخاري فأشار إليه في الترجمة وأورد معه اثر عمر الدال على أن النهي عن ذلك لا يقتضي فساد الصلاة) اهـ، ([140]) .
وقال الحافظ أيضا: (استنبط من قوله في الحديث ولا تتخذوها قبورا أن القبور ليست بمحل للعبادة فتكون الصلاة فيها مكروهة … قال بن التين: تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا يصلون كأنه قال لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور، قال: فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك) اهـ، ([141]) .
[الفرع الرابع من أقوال الحنابلة]: – حكم الصلاة في مسجد فيه قبر – في المغني لابن قدامة : (اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الصلاة في هذه المواضع، فروي أن الصلاة لا تصح فيها بحال، وممن روي عنه أنه كره الصلاة في المقبرة علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر، وعن أحمد رواية أخرى أن الصلاة في هذه صحيحة ما لم تكن نجسة، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي; لقوله عليه السلام (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) وفي لفظ (فحيثما أدركتك الصلاة فصل، فإنه مسجد)، وفي لفظ (أينما أدركتك الصلاة فصل، فإنه مسجد) متفق عليها ولأنه موضع طاهر فصحت الصلاة فيه كالصحراء، وقال بعض أصحابنا: إن كان المصلي عالما بالنهي في هذه المواضع، لم تصح صلاته فيها ; لأنه عاص بصلاته فيها، والمعصية لا تكون قربة ولا طاعة، وإن لم يكن عالما فهل تصح صلاته؟ على روايتين: إحداهما: لا تصح لأنه صلى فيما لا تصح الصلاة فيه مع العلم، فلا تصح مع الجهل، كالصلاة في محل نجس، والثانية: تصح لأنه معذور) اهـ، ([142]) .
وفي المغني لابن قدامة : (فصل: قال القاضي: المنع من هذه المواضع تعبد لا لعلة معقولة، فعلى هذا يتناول النهي كل ما وقع عليه الاسم فلا فرق في المقبرة بين القديمة والحديثة، وما تقلبت أتربتها أو لم تتقلب ; لتناول الاسم لها، فإن كان في الموضع قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها لأنها لا يتناولها اسم المقبرة، وإن نقلت القبور منها، جازت الصلاة فيها; لأن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت فيه قبور المشركين، فنبشت متفق عليه، ويحتمل أن المنع في هذه المواضع معلل بأنها مظان للنجاسات، فإن المقبرة تنبش ويظهر التراب الذي فيه صديد الموتى ودماؤهم ولحومهم، ومعاطن الإبل يبال فيها.. فنهي عن الصلاة فيها لذلك وتعلق الحكم بها وإن كانت طاهرة لأن المظنة يتعلق الحكم بها وإن خفيت الحكمة فيها، ومتى أمكن تعليل الحكم تعين تعليله، وكان أولى من قهر التعبد ومرارة التحكم) اهـ، ([143]) .
وفي المغني لابن قدامة (فصل: ويكره أن يصلي إلى هذه المواضع فإن فعل صحت صلاته نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة إلى المقبرة والحمام والحش؟ قال: لا ينبغي أن يكون في القبلة قبر، ولا حش ولا حمام، فإن كان يجزئه، وقال أبو بكر: يتوجه في الإعادة قولان ; أحدهما: يعيد ; لموضع النهي، وبه أقول والثاني: يصح ; لأنه لم يصل في شيء من المواضع المنهي عنها، وقال أبو عبد الله بن حامد: إن صلى إلى المقبرة والحش فحكمه حكم المصلي فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل ; لما روى أبو مرثد الغنوي، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها)) [متفق عليه]، وقال الأثرم: ذكر أحمد حديث أبي مرثد، ثم قال: إسناده جيد، وقال أنس: رآني عمر، وأنا أصلي إلى قبر، فجعل يشير إلي: القبر، القبر، قال القاضي: وفي هذا تنبيه على نظائره من المواضع التي نهي عن الصلاة فيها، والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة ; لأن قوله عليه الصلاة والسلام ((جعلت الأرض مسجدا)) يتناول الموضع الذي يصلي فيه من هي في قبلته، وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح لأن النهي إن كان تعبدا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه، وإن كان لمعنى مختص بها، وهو اتخاذ القبور مسجدا، والتشبه بمن يعظمها ويصلي إليها، فلا يتعداها الحكم ; لعدم وجود المعنى في غيرها.. فعلى هذا لا تصح الصلاة إلى القبور للنهي عنها، ويصح إلى غيرها لبقائها في عموم الإباحة وامتناع قياسها على ما ورد النهي فيه، والله أعلم) اهـ، ([144]) .
وفي الفروع لابن مفلح : (ويحرم إسراجها واتخاذ المسجد عليها، وبنيها ذكره بعضهم، وقال شيخنا: يتعين إزالتها لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين قال: ولا تصح الصلاة فيها على ظاهر المذهب للنهي واللعن وليس فيها خلاف لكون المدفون فيها واحدا وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد هل حدها ثلاثة أقبر أو ينهي عن الصلاة عند القبر الفذ على وجهين) اهـ([145]) .
وفي الإنصاف للمرداوي (الثانية: إن بنى المسجد بمقبرة: فالصلاة فيه كالصلاة في المقبرة وإن حدثت القبور بعده حوله أو في قبلته، فالصلاة فيه كالصلاة في المقبرة على ما يأتي قريبا، هذا هو الصحيح من المذهب قال في الفروع: ويتوجه تصح يعنى مطلقا، وهو ظاهر كلام جماعة، قلت: وهو الصواب، وقال الآمدي: لا فرق بين المسجد القديم والحديث، وقال في الهدى: لو وضع القبر والمسجد معا لم يجز، ولم يصح الوقف ولا صلاة، وقال ابن عقيل في الفصول: إن بنى فيها مسجد بعد أن انقلبت أرضها بالدفن: لم تجز الصلاة فيه، لأنه بنى في أرض الظاهر نجاستها، كالبقعة النجسة وإن بنى في ساحة طاهرة، وجعلت الساحة مقبرة جازت لأنه في جوار مقبرة) اهـ، ([146]) .
وفي الإنصاف للمرداوي : (قوله: (وتصح الصلاة إليها) هذا المذهب مطلقا مع الكراهة، نص عليه في رواية أبي طالب وغيره، وعليه الجمهور، وجزم به في الوجيز، والإفادات، وقدمه في الهداية، والمستوعب، والخلاصة، والتلخيص، والفروع، وابن تميم، والحاويين، والفائق، وإدراك الغاية، وغيرهم، وقيل: لا تصح إليها مطلقا، وقيل: لا تصح الصلاة إلى المقبرة فقط، واختاره المصنف، والمجد وصاحب النظم، والفائق، وقال في الفروع: وهو أظهر، وعنه لا تصح إلى المقبرة والحش، اختاره ابن حامد، والشيخ تقي الدين، وجزم به في المنور، وقيل: لا تصح إلى المقبرة، والحش، والحمام، وعنه لا يصلى إلى قبر أو حش أو حمام أو طريق، قاله ابن تميم، قال أبو بكر: فإن فعل ففي الإعادة قولان، قال القاضي: ويقاس على ذلك سائر موضع النهى إذا صلى إليها إلا الكعبة.
(تنبيه): محل الخلاف إذا لم يكن حائل فإن كان بين المصلى وبين ذلك حائل، ولو كمؤخرة الرحل صحت الصلاة على الصحيح من المذهب، وقدمه في الفروع وغيره، وجزم به في الفائق وغيره، قال في الفروع: وظاهره أنه ليس كسترة صلاة، حتى يكفي الخط، بل كسترة المتخلى، قال: ويتوجه أن مرادهم لا يضر بعدٌ كثير عرفا، كما لا أثر له في مار أمام المصلى، وعنه لا يكفي حائط المسجد، نص عليه، وجزم به المجد، وابن تميم، والناظم، وغيرهم، وقدمه في الرعايتين، والحاويين، وغيرهم، لكراهة السلف الصلاة في مسجد قبلته حش وتأول ابن عقيل النص على سراية النجاسة تحت مقام المصلى، واستحسنه صاحب التلخيص، وعن أحمد نحوه، قال ابن عقيل: يبين صحة تأويلي لو كان الحائل كآخرة الرحل: لم تبطل الصلاة بمرور الكلب، ولو كانت النجاسة في القبلة كهي تحت القدم لبطلت، لأن نجاسة الكلب آكد من نجاسة الخلاء، لغسلها بالتراب قال في الفروع: فيلزمه أن يقول بالخط هنا، ولا وجه له وعدمه يدل على الفرق، (فائدة): لو غيرت مواضع النهى بما يزيل اسمها كجعل الحمام دارا ونبش المقبرة ونحو ذلك: صحت الصلاة فيها، على الصحيح من المذهب، وحكى قولا: لا تصح الصلاة، قلت: وهو بعيد جدا) اهـ، ([147]) .
وفي الفتاوي الكبرى لابن تيمية : (ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك، وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة، لأنه لا يتناول اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولاً لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه، أي المسجد الذي قبلته إلى القبر، حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر) اهـ ([148]) .
، وفي شرح العمدة لابن تيمية: (وعن ابن عمر و ابن عباس كراهة الصلاة في المقبرة وهذا أولى أن يكون صحيحا مما ذكره الخطابي عن ابن عمر أنه رخص في الصلاة في المقابر فلعل ذلك إن صح أراد به صلاة الجنازة وعن علي رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا قال من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد رواه عبد الرزاق.. وعن عبد الله بن عمرو قال: تكره الصلاة إلى حش وفي حمام وفي مقبرة، وقال إبراهيم: كانوا لا يصلون التطوع فإذا كانوا في جنازة فان حضرت صلاة مكتوبة تنحوا عن القبور فصلوا رواهما سعيد.. وهذه مقالات انتشرت ولم يعرف لها مخالف إلا ما روى عن يزيد ابن أبي مالك قال كان واثلة بن الأسقع يصلي بنا صلاة الفريضة في المقبرة غير أنه لا يستتر بقبر رواه سعيد وهذا محمول على أنه تنحى عنها بعض التنحي ولذلك قال: لا يستتر بقبر أو لم يبلغه نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة فيها فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن الصلاة إليها تنحى عنها لأنه هو راوي هذا الحديث ولم يبلغه النهي عن الصلاة فيها عمل بما بلغه دون ما يبلغه، وأما الأحاديث المشهورة في جعل الأرض مسجدا فهي عامة وهذه الأحاديث خاصة وهي تفسر تلك الأحاديث وتبين أن هذه الأمكنة لم تقصد بذلك القول العام)اهـ([149]) .
وفي شرح العمدة أيضا : (وأما الصلاة إلى هذه المواضع فقد نص احمد في مواضع على كراهة الصلاة إلى المقبرة والحش والحمام قال في رواية الاثرم: إذا كان المسجد بين القبور لا تصلى فيه الفريضة وإن كان بينها وبين المسجد حاجز فرخص أن يصلى فيه على الجنائز ولا يصلى فيه على غير الجنائز وذكر حديث أبي مرثد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تصلوا إلى القبور وقال إسناده جيد، وقال في رواية الميموني وقد سئل عن الصلاة إلى المقابر والحش فكرهه، وقال في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة في المقبرة والحمام والحش وكرهه وقال: لا يعجبني أن يكون في القبلة قبر ولا حش ولا حمام وإن كان يجزيه ولكن لا ينبغي، قال أبو بكر في الشافي: يتوجه من الإعادة قولان: أحدهما لا يعيد بل يكره وهذا هو المنصوص في رواية أبي طالب وهو اختيار القاضي، والثاني: يعيد لموضع النهي قال أبو بكر: وبه أقول، قال ابن عقيل: نص احمد على حش في قبلة مسجد لا تصح الصلاة فيه وكذلك قال ابن حامد: لا تصح الصلاة في المقبرة والحش ولم يذكر الحمام، وقال كثير من أصحابنا منهم الآمدي: لا تجوز الصلاة إلى القبر وصرح جماعة منهم بان التحريم والابطال مختص بالقبر، وذهبت طائفة من أصحابنا إلى جواز الصلاة إلى هذه المواضع مطلقا من غير كراهة وهو قول ضعيف جدا لا يليق بالمذهب، ومنهم من لم يكره ذلك إلا في القبر خاصة،، فأما المقبرة إذا كانت قدام حائط المسجد فقال الآمدي و غيره: لا تجوز الصلاة إلى المسجد الذي قبلته إلى المقبرة حتى يكون بين حائطه وبين المقبرة حائل آخر وذكر بعضهم أن هذا منصوص احمد لقوله المتقدم في رواية الاثرم، وقال القاضي: إذا لم يكن يعني المصلي في ارض المقبرة بل كانت المقبرة أمامه فقال شيخنا: إن كان بينه وبينها حاجز جازت الصلاة لأنه ليس يصلي فيها ولا إليها وإن لم يكن بينه وبينها حاجز لم تجز الصلاة كما لو كان في أرضها فان كان بينه وبين هذه الأشياء عدة اذرع لم تكره الصلاة على ما نص عليه في رواية المروذي)اهـ ([150]) .
[2] أدلة الجمهور: – على أن حكم الصلاة في مسجد فيه قبر أنها مكروهة والصلاة صحيحة– أدلة الجمهور هي:
1- حديث جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا: وهو الصحيحين عن جابر رضي الله عنه وله شواهد كثيرة قالوا: فهو عام وقد جاء على سبيل الامتنان فلا يصح تخصيصه، وقالوا إن النهي عن الصلاة في المقبرة الوارد في بعض الأحاديث – إن صحت – فهو للكراهة لا التحريم بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على كثير من الأموات على قبورهم وكذا صلى عند قبر أمه ركعتين حيث قال: (أخبرنا الحسين بن محمد بن أبي معشر قال حدثنا عبد الرحمن بن عمرو البجلي قال حدثنا زهير بن معاوية عن زبيد الإيامي عن محارب بن دثار عن بن بريدة عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب فصلى بنا ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام إليه عمر ففداه بالأب والأم وقال: مالك يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إني استأذنت في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي فدمعت عيني رحمة لها من النار) اه ([151]) . هـ، وقال ابن حبان : (أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع قال حدثنا أحمد بن عيسى المصري قال حدثنا بن وهب قال حدثنا بن جريج عن أيوب بن هانئ عن مسروق بن الأجدع عن بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوما فخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فجلس إليه فناجاه طويلا ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باكيا فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أقبل علينا فتلقاه عمر رضوان الله عليه وقال: ما الذي أبكاك يا رسول الله؟ فقد أبكيتنا وأفزعتنا فأخذ بيد عمر ثم أقبل علينا فقال: أفزعكم بكائي؟ قلنا: نعم فقال: إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني سألت ربي الاستغفار لها فلم يأذن لي فنزل علي (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) فأخذني ما يأخذ الولد للوالد من الرقة فذلك الذي أبكاني ألا وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة) اهـ، ([152]) .
كما حكى صلى الله عليه وآله وسلم صلاة بعض الناس عند القبور مستحسنا ففي منتخب عبد بن حميد ( حدثني بن أبي شيبة ثنا وكيع عن الربيع بن سعد عن بن سابط عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحدثوا عن بني إسرائيل فإنه كانت فيهم الأعاجيب، ثم أنشأ يحدث قال: خرجت طائفة منهم فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين فدعونا الله عز وجل يخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت، قال ففعلوا فبينا هم كذلك إذ طلع رجل رأسه من قبر بن عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم إلي فوالله لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى كان الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت)([153]) .
2– أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون عند القبور: كما ورد عن فاطمة رضي الله عنها ففي المستدرك: (عن جعفر بن محمد عن أبيه أن أباه علي بن الحسين حدثه عن أبيه: أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة بن عبد المطلب في الأيام فتصلي وتبكي عنده) اهـ، ([154]) .قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، لكن قال الذهبي في التلخيص: سليمان بن داود مدني تكلم فيه.
وفي موارد الظمآن (أخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت أسامة بن زيد يصلي عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرج مروان بن الحكم فقال تصلي إلى قبره فقال إني أحبه، فقال له قولا قبيحا، ثم أدبر فانصرف أسامة بن زيد فقال له: يا مروان إنك آذيتني وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله يبغض الفاحش المتفحش وإنك فاحش متفحش) اهـ ([155]) وقال المحقق اسناده صحيح، ورواه المقدسي في الأحاديث المختارة (أخبرنا عبد الله بن محمد اللفتواني بأصبهان أن الحسن بن عبد الملك الأديب أخبرهم قراءة عليه أنا عبد الرحمن بن أحمد المقرئ أنا جعفر بن عبد الله أنا محمد بن هارون نا محمد بن بشار وابن المثنى قالا نا وهب بن جرير نا أبي قال سمعت مع محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله قال رأيت أسامة بن زيد مضطجعا على باب حجرة عائشة رافعا عقيرته يتغنى ورأيته يصلي عند قبر النبي..) اهـ ([156]) . وقال المحقق: اسناده حسن، وفي تاريخ الطبري : (قال أبو مخنف: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، قال: لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحة واحدة: يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا، فاغفر لنا ما مضى منا، وتب علينا أنت التواب الرحيم، وارحم حسينا وأصحابه الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، قال: فأقاموا عنده يوما وليلة يصلون عليه ويبكون ويتضرعون، فما أنفك الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه وعلى أصحابه، حتى صلوا الغداة من الغد عند قبره، وزادهم حنقا، ثم ركبوا، فأمر سليمان الناس بالمسير، فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتي قبر الحسين فيقوم عليه، فيترحم عليه، ويستغفر له قال: فو الله لرأيهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر) اهـ، ([157]) .
وفي صحيح البخاري :(باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وما يكره من الصلاة في القبور ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال القبر القبر ولم يأمره بالإعادة) اهـ، ([158]) .
قال الحافظ في الفتح: : (وقوله ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادي أنس على الصلاة ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف) اهـ، ([159]) .
وقال في الفتح أيضا : (وإيراده له هنا يحتمل أن يكون أراد أن الكراهة في الأبواب المتقدمة ليست للتحريم لعموم قوله: جعلت لي الأرض مسجدا أي كل جزء منها يصلح أن يكون مكانا للسجود أو يصلح أن يبني فيه مكان للصلاة، ويحتمل أن يكون أراد أن الكراهة فيها للتحريم وعموم حديث جابر مخصوص بها والأول أولى لأن الحديث سيق في مقام الامتنان فلا ينبغي تخصيصه، ولا يرد عليه أن الصلاة في الأرض المتنجسة لا تصح لأن التنجس وصف طارئ والاعتبار بما قبل ذلك)اهـ([160]) .
والصحابة رضوان الله عليهم هم أدرى بمراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الشيخ عليش في فتح العلي المالك (نقل صاحب المدخل عن ابن بطال: أن العلماء قالوا: الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة كيف تلقوها من صاحب الشريعة صلى الله عليه و سلم فإنهم أعرف بالمقال وأقعد بالحال) اهـ، ([161]) .
3- أن السلف كان يحصل ذلك منهم بلا نكير: ففي الروح لابن القيم :(قال يزيد بن هارون: أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، أن ابن ساس خرج في جنازة في يوم وعليه ثياب خفاف، فانتهى إلى قبر، قال فصليت ركعتين ثم اتكأت عليه، فوالله إن قلبي ليقظان إذ سمعت صوتا من القبر: إليك عني لا تؤذني فإنكم قوم تعملون ولا تعلمون ونحن قوم نعلم ولا نعمل، ولأن يكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من كذا وكذا، فهذا قد علم باتكاء الرجل على القبر وبصلاته، وقال ابن أبي الدنيا: حدثني الحسين بن علي العجلي، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ثابت بن سليم، حدثنا أبو قلابة قال: أقبلت من الشام إلى البصرة، فنزلت منزلا، فتطهرت، وصليت ركعتين بليل، ثم وضعت رأسي على قبر، فنمت، ثم انتبهت فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول: قد آذيتني منذ الليلة، ثم قال: إنكم تعملون ولا تعلمون، ونحن نعلم ولا نقدر على العمل، ثم قال: الركعتان اللتان ركعتهما خير من الدنيا وما فيها، ثم قال: جزى الله أهل الدنيا خيرا، أقرئهم منا السلام، فإنه يدخل علينا من دعائهم نور أمثال الجبال) اهـ، ([162]) .
وفي شعب البيهقي: (أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو أنا أبو عبد الله الصفار نا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني الحسين بن علي العجلي نا عبد الله بن نمير نا مالك بن مغول عن ابن منصور عن زيد بن وهب قال:: خرجت إلى الجبانة فجلست فيها فإذا رجل قد جاء إلى قبر فسواه ثم تحول إلى مجلس فقلت له ما هذا القبر؟ قال: أخ لي مات، فقلت: أخ لك؟ فقال: أخ لي في الله رأيته فيما يرى النائم فقلت فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال: قد قلتها لأن أقدر على أن أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم قال: ألم تر حيث كانوا يدفنوني فإن فلانا قام فصلى ركعتين لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إلي من الدنيا وما فيها) اه ، وفي شعب البيهقي أيضا (أخبرنا أبو سعيد بن عمرو أنا أبو عبد الله الصفار نا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني أبو بكر التيمي نا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني حميد الطويل عن مطرف بن عبد الله الجرشي قال: شهدت جنازة ثم اعتزلت من ناحية قريبا من قبر فركعت ركعتين خففتهما لم أرض إنفاقهما قال: فنعست فرأيت صاحب القبر يكلمني فقال: ركعت ركعتين لم ترض إنفاقهما، فقلت: قد كان ذلك، قال: تعلمون ولا تعلمون ولا تستطيع أن تعمل لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها، فقلت: من هاهنا؟ فقال: كلهم مسلم وكلهم قد أصاب خيرا، فقلت: من هاهنا أفضل؟ فأشار إلى القبر فقلت في نفسي: اللهم ربنا أخرجه إلي فأكلمه قال: فخرج من قبره فتى شاب، فقلت: أنت أفضل من هاهنا؟ قال: قد قالوا ذلك، قلت: فبأي شيء نلت ذلك فوالله ما أرى لك تلك السن فأقول نلت ذلك بطول الحج والعمرة والجهاد في سبيل الله عز وجل والعمل قال: ابتليت بالمصائب فرزقت الصبر عليها فبذلك فضلتهم) اهـ([163]) .
[3] [أدلة المالكية]: – على انّ حكم الصلاة في مسجد به قبر صحيحة والامر جائز لا حرمة فيه ولا كراهة – وأما أدلة المالكية فهي:
1 – حديث (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا): وضعفوا الأحاديث التي تمنع من ذلك أو قالوا هي منسوخة قال ابن عبد البر في التمهيد : عن حديث جعلت لي الأرض: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اولئك قوم اذا مات الرجل الصالح عندهم بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله، قال أبو عمر: هذا يحرم على المسلمين ان يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد وقد احتج من لم ير الصلاة في المقبرة ولم يجزها بهذا الحديث وبقوله: ان شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا في بيوتكم ولا تجعلها قبورا وهذا الاثار قد عارضها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا، وتلك فضيلة خص بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يجوز عند أهل العلم في فضائله النسخ ولا الخصوص ولا الاستثناء وذلك في غير فضائله، إذا كان أمرا أو نهيا، أو في معنى الأمر والنهي، وبهذا يستبين أن الناسخ منها هو قوله صلى الله عليه و سلم جعلت لي الأرض مسجدا طهورا) اهـ، ([164]) .
وقال في التمهيد : عن حديث إلا المقبرة والحمام: (فلو صح لكان معناه أن يكون متقدما لقوله: جعلت لي الأرض كلها مسجدا طهورا ويكون هذا القول متأخرا عنه، فيكون زيادة فيما فضله الله به صلى الله عليه وآله وسلم) اهـ، ([165]) .
ومما يقوي القول بالنسخ أن حديث جعلت لي الأرض.. كان في غزوة تبوك ففي فتح الباري (قوله: (أعطيت خمسا،،) بين في رواية عمرو بن شعيب أن ذلك كان في غزوة تبوك وهي آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) اهـ، ([166]) .
2– أن موضع مسجد النبي صلى الله عليه وآله سلم كان مقبرة للمشركين فنبشها وبنى المسجد عليها.
[3] [أدلة الحنابلة]: – على أنّ حكم الصلاة في مسجد فيه قبر أن ذلك حرام وهو الرواية الأخرى عند الحنابلة وعليها المذهب، وفي صحة الصلاة عندهم روايتان والأصح عدم الصحة – أدلة الحنابلة هي:
1 – حديث إلا المقبرة والحمام: ففي سنن الترمذي (عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)، ([167]) .
لكن هذا الحديث فيه كلام قال أبو عيسى الترمذي بعد روايته: (وفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وجابر وبن عباس وحذيفة وأنس وأبي أمامة وأبي ذر قالوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين منهم من ذكره عن أبي سعيد ومنهم من لم يذكره وهذا حديث فيه اضطراب) اهـ، ([168]) .
وفي مسند الدارمي (عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، قيل لأبي محمد [الدارمي]: تجزئ الصلاة في المقبرة؟ قال: إذا لم تكن على القبر فنعم وقال: الحديث كلهم أرسلوه) اهـ، ([169]) . وقد ذكر الحافظ في التلخيص :طائفة ممن تكلموا في الحديث وهم: الدارقطني في العلل فقال: المرسل المحفوظ، وقال الشافعي: وجدته عندي عن بن عيينة موصولا ومرسلا، ورجح البيهقي المرسل أيضا، وقال النووي في الخلاصة: هو ضعيف، وأفحش بن دحية فقال في كتاب التنوير له: هذا لا يصح من طريق من الطرق، وقال ابن عبد البر في التمهيد : وفي إسناد هذا الخبر من الضعف ما يمنع الاحتجاج به، ([170]) .
2– حديث نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يصلي في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله) ([171]) . قال الترمذي بعد إخراجه: حديث ابن عمر ليس بذلك القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وقال الزيلعي في نصب الراية : اتفق الناس على ضعفه، وقال ابن عبد البر في التمهيد : (الحديث منكر، لا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله) اهـ، ([172]) .
3– حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (نهاني حبّي صلى الله عليه و سلم أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة) ([173]) .
قال ابن عبد البر: هذا إسناد ضعيف مجمع على ضعفه، وهو مع هذا منقطع غير متصل بعلي رضي الله عنه، وقال العيني: قال ابن القطان: هو حديث واه وقال البيهقي في المعرفة: إسناده غير قوي، وقال الخطابي رحمه الله: في إسناد هذا الحديث مقال.. وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو قوله صلى الله عليه و سلم: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) اهـ ([174]) .
4– أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد فمنها: عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: في مرضه الذي مات فيه لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا قالت ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مساجد) ([175]) .
5- حديث ولا تصلوا إليها: فعن أبي مرثد الغنوي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) ([176]) .
6- حديث لا تجعلوا بويتكم قبورا: فعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) ([177]) .
هذا هو آخر المطاف والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين] أهــ
[انتهى من مبحث: حكم الصلاة في المقبرة وفي مسجد فيه قبر دراسة فقهية مقارنة على المذاهب الفقهية الأربعة للشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي].[خاتمة المبحث]: ليس المقصد من المبحث الترجيح بين من رأى جواز الصلاة دونما كراهة في المساجد التي بها قبور بعض الصالحين كالمالكية، أو الكراهة كالشافعية والأحناف ورواية عن الحنابلة أو التحريم كرواية أخرى عند الحنابلة، وإنما المقصد هو اثبات أنّ هذا المبحث يتعلق بعلم الفقه والاختلاف في الفروع لا علم العقيدة والتوحيد، وقد ذكرت في مقدمة المبحث أن المعنى المقصود من اتخاذ القبور مساجد له ثلاث احتمالات (الأول): الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها، و (الثاني): السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء، و (الثالث): بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها، وأنّه ها هنا يأتي دور الفقيه لتحديد المعنى المقصود من النهي في الأحاديث، والفقهاء على أنّ (علة النهي): في الاحاديث الواردة في الباب هي: (اتخذوا قُبُورَ أنبيائِهِمْ مَسَاجِد)، وانه لا شك بأن المعنى الأول والمعنى الثاني داخل في النهي، فلا يجوز اتخاذها مساجد بمعنى السجود عليها أو استقبالها والسجود إليها، فكلا الامرين داخل في النهي، أما (المعنى الثالث): بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها فليس هو المقصود من النهي، ولو نظرنا إلى كتاب الله وسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وإلى عمل المسلمين على مر العصور وجدنا أن النهي لا يدخل فيه المعنى الثالث أبدا، فمما جاء في كتاب الله تعالى مما يُخالف المعنى الثالث، قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21]، قال الفقهاء فقد ذكر الله تعالى عنهم بناء المسجد على قبورهم، ولم يعقب القرآن الكريم على فعلهم ولو كان شركا كما يظن البعض لما سكت عنه القرآن، ولو كان كبيرة لنوه إلى ذلك القرآن الكريم لأنّه بالأساس كتاب تشريع وهدى وبيان ولم يأت لغرض الإخبار فقط عن حالهم، وهذا أمر يتنزه القرآن عنه أن يسرد واقعة فيها شرك أو كبيرة من الكبائر ثم لا يُشير إليها ولا يعقب عليها، ولو نظرنا إلى قبر النبي صلى الله عليه و سلم في مسجده الشريف ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه صلى الله عليه و سلم في مسجده، وكذلك صلاة النبي صلى الله عليه و سلم في مسجد الخيف مع أن فيه قبر سبعين نبيا كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وأيضا ما ذكر في بعض الآثار أن قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر من المسجد الحرام وهو أفضل مسجد يتحرى المصلى فيه، وعلى مر عصور الإسلام كان المسلمون إذا مات العالم أو الصالح دفنوه في المسجد،.
ولهذا فإنّ أقصى ما وصل إليه الفقهاء في المسألة (بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها): هو كراهة بناء المساجد على المقابر، عدا المذهب المالكي فإنّه لا يرى الكراهة ولكن يرى الجواز بلا كراهة، ورواية عن الإمام أحمد بحرمة ذلك، وهذه المسألة إذا بُني المسجد على القبر، ولكن إن دُفن الصالح في المسجد فلم يقل أحد من الفقهاء المعتبرين ببطلان الصلاة في تلك المساجد، والأمر كما ترى خلاف فقهي في مسائل لا تبلغ حد التحريم، فمن الخلل الجسيم ادراجها ضمن مباحث التوحيد، ومما يهون الخلاف في المسألة أنّه على مر عصور الإسلام كان المسلمون إذا مات العالم أو الصالح دفنوه في المسجد، ولذلك فإنّ أقصى ما وصل إليه الفقهاء في المسألة هو كراهة بناء المساجد على المقابر، عدا المذهب المالكي فإنّه لا يرى الكراهة ولكن يرى الجواز بلا كراهة، وهناك رواية عن الإمام أحمد بحرمة ذلك، وهذه المسألة إذا بُني المسجد على القبر، ولكن إن دُفن الصالح في المسجد فلم يقل أحد من الفقهاء المعتبرين ببطلان الصلاة في تلك المساجد، والأمر كما ترى خلاف فقهي في مسائل لا تبلغ حد التحريم، فمن الخلل الجسيم ادراجها ضمن مباحث التوحيد.
***
المبحث الخامس مفاتيح تحقيق القول في الزيارة وشد الرحال
[المفتاح الأول]: بيان حرص المسلمين على زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بألف صلاة، ومع ذلك نجد سواد المسلمين الاعظم، وعلى مر عصور الإسلام، يتوجهون إلى المدينة المنورة وقد تركوا ثواب صلاة بمائة ألف صلاة في مكة المكرمة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله))، ([178]) .
وشدوا رحالهم إلى المدينة المنورة، والتي الصلاة بها بألف صلاة، وما ذاك إلا لزيارة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه أجرها على الله الكريم الوهاب، لأنها دليل على تعلق المسلم بحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جاء في الحديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)) ([179]) .
في بيان فضل البقعة الشريفة التي حوت ذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الخلق أجمعين، قال الإمام النووي رحمه الله في حديث مسلم ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ)) ([180]) . قال رحمه الله: (وهذا الحديث دليل لتفضيله صلى الله عليه وآله وسلم على الخلق كلهم، لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين – يعني المؤمنين منهم – أفضل من الملائكة، وهو صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الآدميين وغيرهم) أهـ ([181]) . وبذلك شرفت البقعة الطاهرة (القبر) الذي به جسده الطاهر، وقد نقل القاضي عياض رحمه الله تعالى إجماع الجمهور أن البقعة التي دفن فيها المصطفى أفضل بقاع الأرض، قال القاضي عياض (ولا خلاف أن موضع قبره أفضل البقاع)، ([182]) .
وقال الشيخ الخفَّاجي (قال القاضي عياض اليحصبي في كتابه الشفا: ولا خلاف أن موضع قبره صلى الله عليه وآله وسلم أفضل بقاع الأرض، بل أفضل من السموات والعرش والكعبة كما نقله السبكي رحمة الله)، اهـ ([183]) .
وقال الإمام النفراوي في الفواكه الدواني ((قال ابن عبد السلام: والتفضيل مبني على كثرة الثواب المترتب على العمل فيهما، والخلاف المذكور بين الأئمة في غير قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لقيام الإجماع على أفضليته على سائر بقاع الأرض والسموات وعلى الكعبة وعلى العرش كما نقله السبكي لضمه أجزاء المصطفى الذي هو أفضل الخلق على الإطلاق، ولعل معنى فضل القبر على غيره أنه أعظم حرمة من غيره، لا لما قاله ابن عبد السلام في تفضيل المساجد على بعضها فافهم)، أهـ، ([184]) .
وقال المناوي في شرحه المسمَّى فيض القدير (والخلاف فيما عدا الكعبة فهي أفضل من المدينة اتفاقا خلا البقعة التي ضمت أعضاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهي أفضل حتى من الكعبة كما حكى عياض الإجماع عليه) اهـ ([185]) .
وقال الإمام الحصفكي الحنفي في الدر المختار، وهذا الكتاب من أشهر كتب الحنفية يقول صاحبه (لا حرم للمدينة عندنا ومكة أفضل منها على الراجح إلا ما ضم أعضاءه عليه الصلاة والسلام فإنه أفضل مطلقا حتى من الكعبة والعرش والكرسي، وزيارة قبره مندوبة، بل قيل واجبة لمن له سعة) ([186]) . وقال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي في شرحه على مختصر الخليل (ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضمه صلى الله عليه وآله وسلم فإنه أفضل من الكعبة والسماء والعرش والكرسي واللوح والقلم والبيت المعمور) ([187]) .
وقال الإمام السخاوي في التحفة اللطيفة: (مع الإجماع على أفضلية البقعة التي ضمته صلى الله عليه وآله وسلم، حتى على الكعبة المفضلة على أصل المدينة، بل على العرش، فيما صرح به ابن عقيل من الحنابلة، ولا شك أن مواضع الأنبياء وأرواحهم أشرف مما سواها من الأرض والسماء، والقبر الشريف أفضلها، لما تتنزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، التي لا يعملها إلا مانحها، ولساكنه عند الله من المحبة والاصطفاء ما تقصر العقول عن إدراكه) اهـ ([188]) .
وقال ملا علي القاري الحنفي في المسلك المتقسط في المنسك المتوسط (قال الجمهور: فما ضمّ أعضاءه الشريفة فهو أفضل بقاع الأرض بالإجماع حتى من الكعبة ومن العرش) أهـ ([189]) .
وقال الإمام البهوتي: (الكعبة أفضل من مجرد الحجرة فأما والنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها فلا والله ولا العرش وحملته والجنة، لأن بالحجرة جسدا لو وزن به لرجح) ([190]) .
وقال الإمام ابن عابدين الحَنَفِي في رد المحتار علي الدر المختار: (الكعبة أفضل من المدينة ما عدا الضريح الأقدس وكذا الضريح أفضل من المسجد الحرام، وقد نقل القاضي عياض وغيره الإجماع على تفضيله حتى على الكعبة، وأن الخلاف فيما عداه، ونقل عن ابن عقيل الحنبلي أن تلك البقعة أفضل من العرش، وقد وافقه السادة البكريون على ذلك، وقد صرح التاج الفاكهي بتفضيل الأرض على السموات لحلوله صلى الله عليه وآله وسلم بها، وحكاه بعضهم على الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها ([191]) .
وقال النووي: الجمهور على تفضيل السماء على الأرض، فينبغي أن يستثنى منها مواضع ضم أعضاء الأنبياء للجمع بين أقوال العلماء) اهـ ([192]) .
[وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج (إلا التربة التي ضمت أعضاءه الكريمة صلى الله عليه وآله وسلم فهي أفضل إجماعا حتى من العرش) اهـ، ([193]) .وفي حاشية البجيرمي على الخطيب : قال الرملي في شرحه: التربة التي ضمت أعضاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من جميع ما مر حتى من العرش] أهـ، ([194]) .
فيستفاد من أقوال العلماء السابقة أن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الخلق كلهم، وبذلك شرفت البقعة الطاهرة التي بها جسده الطاهر و التربة التي ضمت أعضاءه.
[ المفتاح الثاني]: بيان أنه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم): حديث ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) ([195]) . حديث صحيح كثر اللغط حوله بسبب سوء الفهم في المقصود من النهي، وما هو المعنى الصحيح المراد منه، أما المعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضلها فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد، وهي المذكورة في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى، أما سوء الفهم في بيان المراد من الحديث هو ظن التيميون والوهابيون أن المراد من الحديث هو النهي عن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بحجة أنه شد للرحال لذلك، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم، لا شيء فيها، بل جميع اهل العلم على مر عصور الإسلام، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد، كما أن شد الرحال للتجارة جائز كما قال تعالى: {وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: 20]، وشد الرحال للسفر والاستمتاع جائز، وشد الرحال لزيارة الإخوان في الله تعالى جائز، فهل كل ذلك جائز، وشد الرحال لزيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم غير جائز، اللهم غفرانك.
[المفتاح الثالث]: بيان خطأ الإمام ابن تيمية في فتواه بحرمة شد الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وآله وسلم: لأنه لا علاقة لحديث شد الرحال الذي استدل به ابن تيمية على عدم جواز السفر لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وزيارة المقابر كلها مسنونة، فكيف بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أمّا حديث ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) فالمعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضل الصلاة فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد، وهي المذكورة في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها، على أنّه لم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات، والجمهور على ندبها، وقال بعض المالكية: إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله في هذه المسألة هو ابن تيمية، ومن العجيب أنّ لازم كلام ابن تيمية هو تحريم السفر لطلب العلم وصلة الرحم وزيارة الاخوان في الله والسفر للتجارة … إلخ، لأنّ حديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة حسب فهمه يدخل فيه كل ذلك، وهذا لم يقل به أحد من الأمة أبدا، ولهذا توالت ردود العلماء عليه،، قال الحافظ ابن حجر في “الفتح” (والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شدِّ الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال الحافظ: وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية) أهــ، ([196]) .
وقال الحافظ أبو زرعة العراقي في بعض أجوبته المسماة (الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية (وما أبشع مسألتي ابن تيمية في الطلاق والزيارة، وقد رد عليه فيهما معاً الشيخ تقي الدين السبكي وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد وأحسن ” اهـ، ([197]) .
وقال أيضاً في طرح التثريب (: وللشيخ تقي الدين ابن تيمية هنا كلام بشع عجيب يتضمن منع شد الرحل للزيارة، وأنه ليس من القرب، بل بضد ذلك، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في شفاء السِّقام فشفى صدور قوم مؤمنين اهـ، ([198]) .
[المفتاح الرابع]: الاستثناء المذكور في الحديث استثناء مفرغٌ، ولا بدَّ من تقدير المستثنى منه، وهو إما أن يُحمَل على عمومه فيكون التقدير: (لا تشدُ الرحالُ إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة)، وهذا باطل لأنه يستلزم تعطيل السفر مطلقاً إلا للمساجد الثلاثة، أو أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فيكون المعنى: (لا تشد الرحال -بخصوص المساجد- إلا إلى المساجد الثلاثة)، وذلك لأفضلية تلك المساجد الثلاث ومزيتها على غيرها، فالأجر فيها مضاعف عن سائر المساجد، ومن الخطأ أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كما في المثال الخاطئ (جاء القوم إلا حماراً)، لأن الحمار لم يدخل في القوم، أو (له عندي مائة درهم إلا ديناراً) فلا يصح المعنى، والخلاصة أنّه لابد من كون المستثنى أن يكون من جنس المستثنى منه.
[المفتاح الخامس]:الادلة على استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم:
[أولا] قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً}، هذه الآية عامة تشمل حالتيْ الحياة وبعد الانتقال إلى الرفيق الأعلى، ومن أراد تخصيصها بحال الحياة فقط، يلزمه الدليل، لأن الفعل في سياق الشرط يفيد العموم، وعلى ذلك فإنّ الآية عامة تشمل حالة الحياة وحالة الوفاة وتخصيصها بأحدهما يحتاج إلى دليل، ولا دليل، لأنّ القاعدة المقررة في الأصول أن الفعل إذا وقع في سياق الشرط كان عاماً، ولأنّ الفعل في معنى النكرة لتضمنه مصدراً منكراً، والنكرة الواقعة في سياق النفي أو الشرط تكون أعلى درجات للعموم، فالآية الشريفة عامة ويؤيد عمومها ما رواه البزار عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (حياتي خير لكم، تحدثون ونحدث لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ([199]) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. اه. وصححه السيوطي، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: ورجاله رجال الصحيح اهـ]، وقد ضعفه بعض اهل العلم، ولكن حتى الضعيف ما لم يكن شديد الضعف يؤخذ به في فضائل الاعمال، واما اعتراض بعضهم على أنّ (إذ) في الآية تفيد الفعل الماضي، فيقتصر على ما مضي فباطل لأنه لو كان كذلك لما صلح أن يأتي أحد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا في حياته بعد نزول الآية ولا بعد مماته، ولم يقل بذلك أحد ممن ينتسب إلى العلم، أضف إلى ذلك أنّ (إذ) كما تستعمل في الماضي فتستعمل في المستقبل أيضاً، ومنه قوله تعالى: {ولو ترى إذ وُقِفُوا عَلَى النَّار} [الأنعام الآية 27}، وقوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} [الأنعام الآية 30]، وقوله تعالى: {{ولو ترى إذ الظالمون في غمرات} [الأنعام الآية 93]، وقوله تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم} [السجدة الآية 12]،وزعم بعضهم أنّ استغفار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر متعذر لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث اهـ، فخطأ، لأنّه قد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) ([200]) . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مررت على موسى وهو قائم يصلي في قبره) ، وإذا كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فما بالنا بالأنبياء، وما بالنا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خير الأنبياء وسيد المرسلين، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد صلى إماماً بالأنبياء عليهم السلام في الإسراء، وكانوا قد ماتوا جميعاً، وراجعه موسى عليه السلام في الصلوات، ورأى جملة من الأنبياء في السموات، فمن كان هذا حاله فكيف يتعذر عليه الاستغفار؟ والصلاة دعاءٌ، واستغفارٌ، وتضرعٌ، وكذلك فإنّ استغفار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حاصل لجميع المؤمنين سواء من أدرك حياته أو من لم يدركها كما في قوله تعالى: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}، ولهذا فإنّ المجئ إلى مسجده صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ثم الاستغفار، مع يقيننا باستغفار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين، في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ولذلك فهم الفقهاء والمفسرون والمحدثون من الآية العموم واستحبوا لمن جاء إلى القبر الشريف أن يقرأ هذه الآية: {وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً}، ويستغفر الله تعالى، وهذه التفاسير بين أيدينا والمناسك التي صنفها علماء المذاهب كذلك وكلها تظهر صدق دعوى الاستدلال بالآية، قال ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني ( في صفة زيارة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ما نصُّه: (ثم تأتي القبر فتولِّ ظهرك وتستقبل وسطه وتقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه … إلى أن قال بعد الثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إنك قلت وقولك الحق: {وَلَوْ أَنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءوك فاستغفَرُوا الله واسْتَغْفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً}} وقد اتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربِّي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم اجعله أول الشافعين، وأنجح السائلين، وأكرم الآخرين والأولين، برحمتك يا أرحم الراحمين، ثم يدعو لوالديه ولإخوانه المسلمين أجمعين، ([201]) . انتهى باختصار.
[ثانيا] قوله صلى الله عليه وآله وسلم: وردت في ذلك احاديث عدة، منها ما أخرجه أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكرة الآخرة) ([202]) . وقبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى القبور بالزيارة، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) ([203]) .
قال القاضي عياض، في الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: ((زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم سنَّة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها) اهـ ([204]) .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ((واحتج أيضاً من قال بالمشروعية بأنه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحج في جميع الأزمان على تباين الديار، واختلاف المذاهب الوصول إلى المدينة المشرفة لقصد زيارته، ويعدون ذلك من أفضل الأعمال فكان إجماعاً))، اهـ، ([205]) .
وقال العلامة أبو الحسنات محمد عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي في ” إبراز الغي الواقع في شفاء العيّ “: ((وأما نفس زيارة القبر النبوي فلم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات، واختلفوا في ندبها ووجوبها، فقال كثير منهم بأنها مندوبة، وقال بعض المالكية والظاهرية: إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله هو ابن تيمية)) اهـ، ([206]) .
[ثالثاَ]: من أقوال العلماء في استحباب السفر لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (واعلم أن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهم القربات، وأنجح المساعي، فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحباباً متأكداً أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم، وينوي الزائر من الزيارة التقرب وشد الرحل إليه والصلاة فيه) اهـ ([207]) .
وقال أيضاً في الإيضاح في مناسك الحج: (إذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزيارة تربته صلى الله عليه وآله وسلم فإنها من أهم القربات وأنجح المساعي، وقد روى البزَّار والدار قطني بإسنادهما عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) اهـ ([208]) .
وقال الإمام ابنُ حجر الهيثمي في حاشية الإيضاح: (الحديث يشمل زيارته صلى الله عليه وآله وسلم حياً وميتاً، ويشمل الذكر والأنثى، الآتي من قرب ومن بعد، فيستدل به على فضيلة شد الرحال لذلك، وندب السفر للزيارة إذ للوسائل حكم المقاصد)، اهـ ([209]) .
وقال الكمال ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير: (المقصد الثالث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قال مشايخنا رحمهم الله تعالى: من أفضل المندوبات، وفي مناسك الفارس وشرح المختار: إنها قريبة من الوجوب لمن له سعة) اهـ ([210]) .
وفي ردالمختارعلى الدرالمختار:(“قوله مندوبة”: أي بإجماع المسلمين كما في اللباب، قوله:(بل قيل واجبة)) ذكره في شرح اللباب. وقال كما بينته في ” الدرة النبوية في الزيارة المصطفوية “ ([211]) .
وقال القاضي عياض في الشفا (فصل في حكم زيارة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وفضيلة من زاره وسلَّم عليه، وكيف يسلم ويدعو وزيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم سنَّة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلةً مرغب فيها، اهـ، ([212]) .
وقال أبو محمد بن قدامة المقدسي: (ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)) ([213]) . وفي رواية ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ([214]) . رواه باللفظ الأول سعيد سنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قُسَيْط عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من أحد يسلم علىَّ عند قبري إلا رد الله علىَّ روحي حتي أرد عليه السلام)، ([215]) … ويروى عن العتبي قال: كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً}، وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول: (يا خير من دُفنت بالقاع أعظمه.. فطاب من طيبهنَّ القاع والأكم.. نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه.. فيه العفاف وفيه الجود والكرم)، ثم انصرف الأعرابي فحملتني عيني فنمت فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم، فقال: يا عتبى ألحَقْ الأعرابيَّ فبشره أنَّ الله غفر له، اهـ ([216]) وقال أبو الفرج ابن قدامة الحنبلي في الشرح الكبير: ((مسألة)): ” إذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما”، تستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)، وفي رواية: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) رواه باللفظ الأول سعيد، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قُسيط عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من أحد يسلم على عند قبري إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام)، ([217]) . ثم ذكر قصة العتبي التي تقدمت (وقال الشيخ منصور البهوتي في كشَّاف القناع: ((فصل)): وإذا فرغ من الحج استحب له زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لحديث الدارقطني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)، وفي رواية: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) رواه باللفظ الأول سعيد، (تنبيه): قال بن نصر الله: لازم استحباب زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم استحباب شد الرحال إليها لأنَّ زيارته للحاج بعد حجة لا تمكن بدون شد الرحال، فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم)([218]) .
وفي متن المقنع: (إذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزيارة قبر صاحبيه رضي الله عنهما) أهـ ([219]) .
وقال أبو الحسن المرداوي في الإنصاف (قوله إذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه”، هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة ً متقدمهم ومتأخرهم)، اهـ، ([220]) .
وفي زاد المستقنع مختصر المقنع: (ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقبر صاحبيه رضي الله عنهما))، اهـ ([221]) .
[رابعاَ] المبحث الرابع: موقف الفقهاء من الزيارة: وقد اتفق جمهور العلماء والفقهاء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم على استحباب زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام وفي مقدمتهم الحنابلة، وسنبين هنا توجهات فقهاء الأمة في هذا الشأن من المذاهب الأربعة.
[أولا: موقف الحنابلة من الزيارة]: نقل المرداوي الحنبلي في الإنصاف اتفاق الحنابلة على الاستحباب فقال «قوله فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة متقدمهم ومتأخرهم »، ([222]) .
وقال ابن قدامة في المغني: « (فصل) ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي» وفي رواية: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» رواه باللفظ الأول سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام» ([223]) .
ثم ذكر قصة العتبي مستشهدا بها، وكتب الفقهاء الحنابلة كلها تنص على استحباب الزيارة لقبره الشريف صلى الله عليه وآله وسلم انظر: عمدة الفقه لابن قدامة أيضا وأخصر المختصرات لمحمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي والروض المربع لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتي شرح منتهى الإرادات وله أيضا، مطالب أولي النهى لمصطفى السيوطي الرحيباني ومنار السبيل لإبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان والفروع لمحمد بن مفلح المقدسي أبو عبد الله و المبدع لإبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح الحنبلي أبو إسحاق ودليل الطالب لمرعي بن يوسف الحنبلي، وزاد المستقنع لموسى بن أحمد بن سالم المقدسي الحنبلي أبو النجا و كشف المخدرات لعبد الرحمن بن عبد الله البعلي الحنبلي وغيرها.
وحتى من يرى كراهة زيارة المرأة للقبور من الحنابلة فإنه استثنى من ذلك زيارتها لقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه قال صاحب كتاب المبدع بعد أن ذكر الخلاف في زيارة المرأة للقبور (ويستثنى منه زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما)، وهذا متفق عليه عند الفقهاء الحنابلة فارجع إلى كتبهم التي بينا مواضع هذه المسألة فيها سلفا، وأما فهمهم لحديث (لا تشد الرحال) فهو يتبين في النقولات التالية: قال الشيخ الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني: «وأما قوله عليه السلام (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، فيحمل على نفي التفضيل لا على التحريم، وليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر، فلا يضر انتفاؤها » ([224]) . ومثله لأبي الفرج ابن قدامة في الشرح الكبير.
ففي المغني لابن قدامة: «(فصل) فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد متفق عليه والصحيح إباحته وجواز القصر فيه لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأتي قباء راكبا وماشيا وكان يزور القبور وقال زوروها فإنها تذكركم الآخرة وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فيحمل على نفي التفضيل لا على التحريم» وفي المغني: «ولا يتعين شيء من المساجد بنذره الاعتكاف فيه إلا المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسجد الأقصى لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي»([225]) . ([226]) .
[ثانيا موقف الشافعية من الزيارة]: قال الإمام النووي في المجموع: «واعلم أن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهم القربات وأنجح المساعي فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحبابا متأكدا أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم وينوي الزائر من الزيارة التقرب وشد الرحل إليه والصلاة فيه » ([227]) .
وفي مغني المحتاج: «(و) تسن (زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) لقوله صلى الله عليه وآله وسلم من زار قبري وجبت له شفاعتي رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ومفهومه أنها جائزة لغير زائره »[ ([228]) .
وفي أسنى المطالب في شرح روض الطالب: «ومن نذر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لزمه الوفاء به لأن زيارة قبره من القرب المطلوبة» ([229]) .
واتفاق فقهاء الشافعية على سنية زيارة القبر الشريف أمر مشهور معلوم لا يحتاج إلى طول شرح وتبيين، وكذلك فهمهم لحديث (لا تشد الرحال)، ففي الوسيط «إذا نذر إتيان مسجد سوى المسجد الحرام والمدينة وبيت المقدس لم يلزمه شيء قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد إيلياء) أي المسجد الأقصى وهذا لا يوجب تحريما وكراهية في شد الرحال إلى غيره على الصحيح بل بين أن القربة في هذا فقط» ([230])
[ثالثا: موقف المالكية من الزيارة]: قال الإمام في الخلاصة الفقهية للقروي: « تُندب زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهي من أعظم القربات» ([231]) . وفي الذخيرة للقرافي: «وزيارة النبي من السنة المتأكدة » ([232]) . واتفاق فقهاء المالكية على سنية زيارة القبر الشريف المؤكدة أمر مشهور معلوم لا يحتاج إلى طول شرح وتبيين، وكذلك فهمهم لحديث (لا تشد الرحال)، ففي منح الجليل: «وحديث لا تعمل المطي مخصوص بالصلاة قاله ابن عبد البر وكذا خبر لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد لا دليل فيه على منع الزيارة إذ المستثنى منه محذوف أي المسجد بدليل أن المستثنى مساجد والأصل فيه الاتصال » ([233]) .
[رابعا: موقف الأحناف من الزيارة]: قال الإمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد في شرح فتح القدير: «المقصد الثالث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال مشايخنا رحمهم الله تعالى من أفضل المندوبات وفي مناسك الفارسي وشرح المختار أنها قريبة من الوجوب لمن له سعة» ([234]) .
وفي نور الإيضاح لحسن الوفائي الشرنبلالي: «لما كانت زيارة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أفضل القرب وأحسن المستحبات بل تقرب من درجة ما لزم من الواجبات فإنه صلى الله عليه وآله وسلم حرض عليها وبالغ في الندب اليها فقال من وجد سعة ولم يزرني فقد جفاني»[ ([235]) .
وفي مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: «ومن أحسن المندوبات بل يقرب من درجة الواجبات زيارة قبر نبينا وسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وقد حرض عليه السلام على زيارته وبالغ في الندب إليها» ([236]) .
[واتفاق فقهاء الأحناف على سنية زيارة القبر الشريف أو وجوبها أمر مشهور معلوم لا يحتاج إلى طول شرح وتبيين، وكذلك فهمهم لحديث (لا تشد الرحال)، ففي حاشية ابن عابدين: «وفي الحديث المتفق عليه: «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» والمعنى كما أفاده في الإحياء أنه لا تشد الرحال لمسجد من المساجد إلا لهذه الثلاثة لما فيها من المضاعفة بخلاف بقية المساجد فإنها متساوية في ذلك فلا يرد أنه قد تشد الرحال لغير ذلك كصلة رحم وتعلم علم وزيارة المشاهد كقبر النبي وقبر الخليل عليه السلام وسائر الأئمة» ([237]) .[خاتمة]: ولازم استحباب زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم استحباب شد الرحال إليها، لأن زيارته للحاج بعد حجه لا تمكن بدون شد الرحل، فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم، وقد درج علماء الإسلام (وفي مقدمتهم الحنابلة) على هذا الفهم واتفقوا على جواز شد الرحال واستحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى أن جاء ابن تيمية في القرن الثامن وخالف عامة المسلمين، وقال لا تستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولنوكل مهمة الرد على ابن تيمية إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي قال في الفتح عند الكلام على حديث (لا تشد الرحال): «والحاصل أنهم الزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل الى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنكرنا صورة ذلك، وفي شرح ذلك من الطرفين طول، وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية!» .
والحاصل أن الحديث إن حمل على عمومه وفق مراد ابن تيمية، فهو لا يرِد على الزيارة مطلقاً، لأن المسافر للزيارة مسافر لساكن البقعة كالعالم والقريب وهذا جائز إجماعاً، وقد نقلنا إجماع المسلمين على مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مختلف الأزمنة، وأنه لم يخالف في ذلك غير ابن تيمية ومن تبعه، فهل من الحكمة أن نأخذ بقوله وفهمه للمسألة، وندع إجماع أئمة المسلمين في عصور ما قبل ابن تيمية؟ مع أن إجماعهم في عصر واحد حجة ملزمة!! فضلا عن أقوال أكثر أئمة المسلمين بعد عصر ابن تيمية، ومقتضى الحمل على الأحسن أن نقول: إن المسألة اجتهادية فلابن تيمية ومن تبعه في اجتهاده أن يعملوا بما يرونه من عدم استحباب الزيارة وحرمة شد الرحال، ولغيرهم أن يعمل بما هو خلاف ذلك، فليكن الأمر على الأقل محل خلاف فقهي يدع كل ذي رأي فيه لصاحب الرأي الآخر قوله ولكل مجتهد نصيب، والله الهادي إلى الصراط المستقيم، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين [رسالة: كلمة هادئة في الزيارة وشد الرحال للدكتور عمر كامل].
[المفتاح السادس]: تعليق أخير في تلك المسألة أختم به مبحثنا عن الزيارة النبوية الشريفة: وهو أنه لولا تسرع ابن تيمية وتعجله في فهم حديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) لما تكلفنا عناء هذا السجال الطويل، فإنّ أول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله في هذه المسألة هو ابن تيمية، وتلقف القول الشيخ النجدي واتباعه الوهابيون وهم كما نعلم مغرمون بكل شاذ غريب يضيع الجهود ويبعثر العلم ويشتت الامة، وهذا ديدنهم في كل المفردات التي يأكلون عليها ويشربون وكلها مفردات حشو وخلل وخطل وخبال وجهل مركب يأخذ الامة بعيدا عن أهدافها التي خلقت من اجلها، وكم من مسألة نشاذ تتبعوها لإلهاء الامة عن المحكمات إلى المتشابهات، وقد قال تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7 و 8]، فكم من متشابه تتبعوه، وكم من فتنة ادخلوها على الامة، وقد اعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بما يكون في نجد من فتنة هؤلاء، فأبى أن يدعو لها بالبركة، كما في حديث البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قَال: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)) ([238]) . وأخرج البخاريُ ومسلم عن عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ ((الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلاَ إِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)) ([239]) . وأخرج البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الفتنة من قبل المشرق) ([240]) . من طريق معمر عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قام على المنبر فقال: ((الفتنة ههنا، الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال قرن الشمس))، ([241]) . وأخرج البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الفتنة من قبل المشرق) ([242]) .، ومسلم في كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان.
ومن نظر إلى الخريطة وجد أنّ نجد تقع تماما في جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا يفند زعم بعض المغرضين والمنتفعين والكذابين: أنّ نجد المقصودة هي منطقة بالعراق، وآخرون أنّها منطقة بالشام، وكلامهم يفتقد إلى أدنى التحقيق والإنصاف، وذلك لأنّ نَجد الحِجاز كانت أرض الفَدّادين رِعاءِ الإبِل، والعراق كانت أرض زراعة وصناعة وتجارة وما كانت آنذاك أرضًا لرِعاء الإبل، كما أنّ “نجد” الحجاز هي بلاد ربيعة ومضر وليس نجد العِراق أو الشام ثم نحن لا نعلم نجدا معروفا إذا أطلق لفظ ” نجد ” سوى نجد الحجاز، والتي ظهر منها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأتباعه من علماء الدعوة النجدية، التي ينتسبون إليها، وليس القصد من ذلك التجريح في اهل نجد، ولكن المقصود الحذر ثم الحذر مما ينفرد به (الشيخ النجدي) ومن يتسمون بـ (علماء الدعوة النجدية) من علوم الدين لأنه آنذاك يكون يقينا من الباطل الذي نفخ فيه الشيطان بقرنه، لأن الأحاديث دلت على التحذير من هذه المنطقة ومما يخرج منها من الضلال الذي يُخالف ما عليه عامة أهل السنة والجماعة من علوم الدين، فالحذر الحذر من مفاهيم هؤلاء المغلوطة المعكوسة عن الإسلام وعن الإيمان والكفر، وعن التوحيد وعن الشرك، وعن السنّة والبدعة وعن كل ما تفردوا به عن علماء المسلمين، ومعنى الحديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) فهو بتقدير محذوف معناه: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضل الصلاة فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد، وهي المذكورة في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم، لا شيء فيها، بل جميع اهل العلم على مر عصور الإسلام، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد، على أنّه لم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
([1]) الموسوعة الفقهية – وزارة الأوقاف – دولة الكويت – مادة وسل 10/69: 70.
([2]) صحيح البخاري 2/27 ح 1008.
([4]) صحيح البخاري 2/27 ح 1010.
([6]) أخرجه الإمام في المسند 28/478، والترمذي 5/569 وابن ماجة 2/395 والنسائي في عمل اليوم والليلة ص 417، والبخاري في التاريخ الكبير 6: 210 والطبراني في الكبير 9/30 والبيهقي في دلائل النبو6/166 والحاكم1/313 كلهم من طريق عثمان بن عمر (شيخ أحمد فيه): أنا شعبة عن أبي جعفر المدني قال: سمعت عمرة بن خزيمة يحدث عن عثمان به، وقال الترمذي: “حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي “، وفي ابن ماجة ” قال أبو إسحاق: حديث صحيح ” ثم رواه أحمد: ثنا شعبة به وفيه الرواية الأخرى، وتابعه محمد بن جعفر ثنا شعبة به، رواه الحاكم 1/519 وقال: ” صحيح الإسناد ” ووافقه الذهبي، وقد أعله بعضهم بأن في اسناده أبا جعفر، قال الترمذي: ” لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر، وليس الخطمي ” فقالوا: هو إذا الرازي، وهو صدوق ولكنه سيء الحفظ، ولكن هذا مدفوع بأن الصواب أنه الخطمي نفسه، وهكذا نسبه أحمد في رواية له [4: 138]، وسماه في أخرى: ” أبا جعفر المدني ” وكذلك سماه الحاكم، والخطمي هذا لا الرازي هو المدني، وقد ورد هكذا في ” المعجم الصغير ” للطبراني، وفي طبعة بولاق من سنن الترمذي أيضاً، ويؤكد ذلك بشكل قاطع أن الخطمي هذا هو الذي يروي عن عمارة بن خزيمة ويروي عنه شعبة كما في إسناده هنا، وهو صدوق، وعلى هذا فالإسناد جيد لا شبهة فيه.
([7]) المعجم الصغير 1/306 ح 508، الدعاء للطبراني ص 320 ح 1050، دلائل النبوة للبيهقي (6: 167 – 168.
([8]) المعجم الكبير (24: 352 ح871. ورواه من هذا الوجه الطبراني في الأوسط 1/67.، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية 3/121 ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/57 : رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح وثقة ابن حبان، والحاكم، وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح، اهـ، وروح بن صلاح قد اختلف فيه فوثقه قوم وضعفه آخرون فمثله يحتاج لإعمال النظر لبيان حاله، فقال عنه الحاكم في سؤالات السجزي: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في الثقات (8: 244)، وروى عنه يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (3: 406) فهو ثقة عنده، قال الفسوي (التهذيب: 11: 378): كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات، اهـ، أما من ضعفه فالدارقطني في المؤتلف والمختلف للدارقطني (3: 1377) قال: روح بن صلاح ابن سيابه يروي عن ابن لهيعة وعن الثوري وغيرهما كان ضعيفاً في الحديث سكن مصر، اهـ،، ومثله لابن ماكولا في الإكمال (5: 15) وابن عدي في الكامل (3: 1005).
([9]) كشف الأستار: 1/397 ، قال الحافظ العراقي في (طرح التثريب) 3/297 إسناده جيد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/24. رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، اهـ، وصححه السيوطي في الخصائص الكبري 2/281 وفي تخريج الشفا، والحديث أيضاً فيه مقال من جهة عبد المجيد بن أبي رواد، فقد ضعفه البعض، قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (4: 148): (أخرجه البزار من حديث عبد الله بن مسعود، ورجاله رجال الصحيح إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد، وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين، والنسائي، فقد ضعفه كثيرون، ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس بنحوه بإسنادٍ ضعيف)
([10]) سنن ابن ماجة 1/497 ح 777، مسند أحمد 17/248 ح 11157. عمل اليوم والليله لابن السني ص 75، مصنف ابن ابي شيبة 6/25 ح 29202. الدعوات الكبير للبيهقي 1/125 ح 65.
([11]) مسند احمد 17/284 ح 11157. عمل اليوم والليله لابن السني ص 75، مصنف ابن ابي شيبة 6/25 ح 29202. الدعوات الكبير للبيهقي 1/125 ح 65. وقد حسن الحديث جمع من الحفاظ منهم الحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ الحافظ المنذري كما في الترغيب والترهيب (2/459 ، والحافظ العراقي في تخريج أحاديث الحياء ص 384 وقال الحافظ البوصيري في مصباح الزجاجة1/98 لكن رواه ابن خزيمة في صحيحه، من طريق فضيل بن مرزوق، فهو صحيح عنده، اهـ، ومع قبول هؤلاء الحفاظ للحديث إلا أن الحديث به ثلاث علل، تتمثل في الكلام في فضيل بن مرزوق، والكلام في عطية العوفي، والاختلاف بين وقف الحديث ورفعه، أما فضيل بن مرزوق فهو من رجال مسلم في صحيحه، ووثقه جماعة من الأئمة منهم: العجلي في ثقاته ص384 فقال: جائز الحديث، ثقة، ووثقه السفيانان: ابن عيينة، والثوري، وقال ابن عدي في الكامل 7/129 : ولفضيل أحاديث حسان، وأرجو أنه لا بأس به، ووثقه ابن شاهين بإدخاله في الثقات ص185، وكذا ابن حبان فذكره في الثقات 7: 316، والإمام مسلم أدخله في صحيحه، واحتج به، أما من تكلموا فيه، فقد قال الحاكم في (سؤلات مسعود السجزي) له: فضيل بن مرزوق ليس من شروط الصحيح فعيب على مسلم بإخرجه في الصحيح، وقال الذهبي في سير النبلاء 7: 342: إنما يروي له مسلم في المتابعات، وقال أبو حاتم الرازي (7: 75 الجرح): صدوق صالح الحديث يهم كثيراً يكتب حديثه، قال ابن أبي حاتم: يحتج به؟ قال: لا، اهـ،، أما عن العلة الثانية وهي الكلام في عطية بن سعد العوفي، بسبب تدليسه وتشيعه وروايته شيئاً أنكر عليه، وقد جرحه بعض علماء الجرح والتعديل كما جاء في العلل ومعرفة الرجال (1/548. والجرح والتعديل 6: 383 والكامل لابن عدي 5: 2007 عطية العوفي بسبب روايتهم تدليسه تدليس الشيوخ، قال ابن حبان في المجروحين 2: 176: سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث فلما مات أبو سعيد جعل يجالس الكلبي ويحضر قصصه، فإذا قال الكلبي: قال رسول الله كذا فيحفظه وكناه أبا سعيد ويروي عنه، فإذا قيل له من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري وإنما أراد الكلبي، اهـ، وعلى ذلك فعطية العوفي مختلف في مدى الاحتجاج به، فمن المحدثين من قبل حديثه ومنهم من لا يحتج به، قال ابن سعد في “الطبقات الكبرى” (6: 304): (وكان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة، ومن الناس من لا يحتج به) اهـ، والعلة الثالثة اختلاف المحدثين بين وقف الحديث ورفعه، فقد قال ابن أبي حاتم في “العلل” 5/365: سألت أبي عن حديث رواه عبد الله بن صالح بن مسلم، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إذا خرج الرجل من بيته فقال: اللهم بحق السائلين عليك وبحق ممشاي” وذكر الحديث، رواه أبو نعيم، عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد موقوفاً قال أبي: موقوف أشبه، اهـ، وأيده الذهبي في “الميزان”، فإن الحديث قد اختلف فيه عن فضيل بن مرزوق فروى مرفوعاً وموقوفاً
([12]) المستدرك علي الصحيحين 2/672 ح 4228. قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد، ولكن تعقبه الحافظ بقوله – في النكت على ابن الصلاح 1/318 -: (ومن عجيب ما وقع للحاكم أنه أخرج لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال _ بعد روايته: هذا صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه)، وأخرج الحديث كذلك البيهقي عن الحاكم في دلائل النبوة5/489 وقال: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه، وهو ضعيف، وقال الذهبي في مختصر تلخيص الذهبي للمستدرك2/1069: موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، رواه عبد الله بن مسلم الفهري ولا أدري من ذا عن إسماعيل بن مسلمة عنه، وقال في ترجمة عبد الله بن مسلم من الميزان 5/12 روى عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً فيه: يا آدم لولا محمد ما خلقتك.
([13]) صحيح البخاري 2/98 ح 1370.
([14]) مسند أحمد7/343 ح 4320. رواه الحاكم في المستدرك 2/456 وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الحافظ الذهبي، وفي فيض القدير (2: 479): رواه أحمد في المسند والنسائي وابن حبان والحاكم، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ العراقي: الحديث متفق عليه دون قوله سياحين.
([15]) السنن الكبري للنسائي 10/504 ح 10366.
([18]) الحاوي 2/205 والحديث صححه الحافظ أبو محمد بن عبد الحق الأشبيلي، (وهو إمام في العلل ومعرفة الحديث كما في تذكرة الحفاظ للذهبي) (و أشار إلى صحة الحديث صاحب “عون المعبود ” (3: 370) ]
([19]) سبق تخريجه قال الحافظ العراقي في (طرح التثريب) (3: 297): إسناده جيد، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) 9/24 رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، اهـ، وصححه السيوطي في الخصائص 2/491 وفي تخريج الشفا.
([20]) أخرجه النسائي في الكبرى 2/383 ح 1972 وابن حبان في صحيحه 6/149 ح والحاكم في مستدركه 1/504. والحديث قال عنه الحاكم: إسناده صحيح، وقال الحافظ العراقي إسناده جيد وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 4/198. إسناده صحيح، والحديث دليل على أن المؤمن حي حياة الأرواح وأنها تتزاور.
([21]) فتح القدير للكمال ابن الهمام 3/181.
([23]) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 551.
([24]) تفسير روح المعاني: ج 2 ص 297.298
([25]) كنز المطالب العدوي الحمزاوي (ص216).
([27]) المهند على المفند خليل أحمد سهارنبوري (المتوفي 1349 هـ) (ص 86-87).
([28]) مقالات الكوثري ” (صـ 410).
([29]) الشفا للقاضي عياض 2/ 92.
([30]) المواهب اللدنيه 3/594. شرح الزرقاني علي المواهب 12/194. وفاء الوفاء للسمهودي 4/197. المدخل لابن الحاج 1/260، القوانين الفقهية ص 96.
([31]) المدخل لابن الحاج 1/258 ، القوانين الفقهية ص 95،
([33]) المواهب اللدنية: 3/604.
([35]) حاشية الصاوي على الشرح الصغير1/284.
([36]) احياء علوم الدين 1/259.
([39]) دفع شبه من شبه وتمرد ص 89.
([44]) الرد علي الاخنائي ص 410.
([45]) العلل لأحمد بن حنبل (2: 492).
([46]) الشرح الكبير ج3 ص495) .
([47]) الإمام بن قدامة المقدسي الحنبلي في وصيته (ص 92).
([49]) المدهش لابن الجوزي ١: /١٤١.
([50]) المستوعب محمد بن الحسين السامري (3: 88)
([51]) الإنْصاف” للمرداوي 2: 456.
([53]) تهذيب الكمال للحافظ المزي 13: 186 . مسائل الامام أحمد ص 245.
([55]) المُنوّر تقيُّ الدين الأدَمي ص 190.
([56]) “الفروع لابن مفلح 3: 229،
([57]) شرح منتهي الاردات 2/534.
([59]) مناقب الامام أحمد ص 400.
([60]) تحفة الذاكرين للشوكاني ص 60.
([62]) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد للشوكاني
([65]) المعجم الكبير للطبراني 9/30، المعجم الصغير1/ 306.
([66]) مصنف ابن أبي شيبة 6: 356. دلائل النبوة للبيهقي 7/47.
([67]) فتح الباري 2/495 وما بعدها. اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 254.
([68]) صحيح البخاري 5/76 ح 3976. صحيح مسلم 4/ 2203 ح 2874.
([69]) رواه الحاكم في المستدرك 2/456 وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه
([72]) صحيح البخاري 7/113 ح 5637، صحيح مسلم 3/1591 ح 2007.
([73]) شرح النووي على صحيح مسلم 13: 178- 179.
([74]) سنن ابن ماجة 4/490ح 3423، سنن الترمذي 4/306 ح 1892.
([76]) صحيح مسلم 4/1815 ح 2331.
([77]) صحيح البخاري 3/193 ح 2731.
([78]) المستدرك للحاكم 3/338 ح 5299.
([79]) البخاري 7/133 ح 5746، صحيح مسلم 4/1724 ح 2194.
([80]) سنن ابن ماجة 3/90 ح 1895.
([81]) صحيح البخاري 3/163 ح 2731.
([83]) السنن الكبري للبيهقي 7/479 ح 7210.
([85]) التوضيح لشرح الجامع الصحيح21/185.
([87]) المرجع السابق 4/82 ح 1305.
([88]) المرجع السابق 7/79 ح 2325.
([89]) صحيح البخاري 2/865 ح 2319.
([90]) المعجم الكبير للطبراني 24/341.
([91]) جامع المسانيد والسنن لابن كثير 10/105.
([92]) مسند أحمد 26/395 ح 16474.
([95]) المعجم الكبير للطبراني 4/13 ح 3501.
([96]) صحيح البخاري 1/396 ح1130.
([97]) المستدرك علي الصحيحن 23/244 ح14996.
([98]) سنن الترمذي 3/390 ح 1089.
([102]) الثقات لابن حبان : 8: 457
([103]) النووي على شرح مسلم: 5: 161.
([104]) النووي على شرح مسلم: 14: 44.
([105]) سير أعلام النبلاء: 10: 107.
([106]) سير أعلام النبلاء: 9: 343.
([111]) الخطيب في تاريخ بغداد13: 534 وابن أبي يعلى الحنبلي في طبقات الحنابلة2: 63 وابن مفلح الحنبلي في المقصد الأرشد 2: 254 وابن الجوزي في المنتظم 13: 252 والعليمي الحنبلي في المنهج الأحمد2/213.
([112]) طبقات الحنابلة 2: 234.
([114]) صحيح البخاري 2/88 ح 1330. صحيح مسلم 1/376. ح 529.
([115]) صحيح البخاري 1/95 ح 435. صحيح مسلم 1/377 ح 531.
([116]) صحيح البخاري 1/95 ح 437، صحيح مسلم 1/377 ح 530.
([117]) صحيح مسلم 1/377 ح 532.
([118]) صحيح البخاري 2/61 ح 1195.صحيح مسلم 2/1010ح 1390.
([119]) مسند أحمد 18/ 154 ح 11610. السنن الكبرى للنسائي 4/263 ح 4276. مسند البزار 2/148.
([120]) سنن الترمذي 3/329 ح 1018.
([124]) فتح الباري لابن رجب 2: 442-443
([125]) صحيح مسلم 1/375 ح 528.
([127]) االبحر الرائق: 5: 217.
([128]) حاشية ابن عابدين 1: 380.
([131]) الذخيرة للقرافي 2: 95.
([142]) المغني لابن قدامة 2/51.
([144]) المغني لابن قدامة 2/54.
([145]) الفروع لابن مفلح 2: 214.
([146]) الإنصاف للمرداوي 1: 493.
([147]) الإنصاف للمرداوي 1: 493.
([148]) الفتاوي الكبرى لابن تيمية 5: 326.
([149]) شرح العمدة لابن تيمية 4: 438.
([150]) شرح العمدة أيضا 4: 479.
([151]) صحيح ابن حبان 6/502 ح 5704، المستدرك 1/532 ح 1391.
([152]) صحيح ابن حبان 7/185 ح 6279.
([153]) منتخب عبد بن حميد ص 349 ح1156. وذكره الديلمي في فردوسه 2: 193.
([154]) المستدرك 3/ 30 ح 4319.
([155]) موارد الظمآان 6/270 ح1974.
([156]) الأحاديث المختارة للمقدسي 4: 105.
([161]) فتح العلي المالك 1/52.
([163]) شعب الايمان للبيهقي 7/19 و 7/298. وهو في تاريخ ابن عساكر 58: 330.
([164]) التمهيد لابن عبدالبر 1/168.
([167]) سنن الترمذي 2: 131 ح317.
([169]) مسند الدارمي 1/449 ح 1412.
([170]) تلخيص الحبير 1/659 ، التمهيد لابن عبدالبر5/220.
([171]) سنن الترمذي 2/177 ح 346، سنن ابن ماجة 1/479 ح 745.
([172]) التمهيد لابن عبدالبر 5/226، نصب الراية 2/323.
([173]) سنن ابي داود 1/363 ح 490، السنن الكبرى للبيهقي 2/632 ح4364.
([174]) عون المعبود وحاشية ابن القيم 2/110.
([178]) مسندأحمد 31/12 ح 18716.
([179]) صحيح البخاري 1/12 ح 15.
([180]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2278.
([181]) شرح النووي على صحيح مسلم 17/35.
([182]) الشفا للقاضي عياض 2/213.
([184]) الفواكه الدواني 1/422.
([187]) منح الجليل شرح مختصر الخليل 3/133.
([188]) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة السخاوي 1/20.
([189]) المسلك المتقسط في المنسك المتوسط ص351 – ص352.
([191]) رد المحتار علي الدر المختار 2/226.
([192]) المجموع للنووي 2/ 688.
([194]) حاشية البجيرمي على الخطيب1/72.
([197]) الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية ص96–98.
([200]) حياة الأنبياء في قبورهم ص 69.للبيهقي مسند البزار 13/299 ح 6888.
([201]) المغني لابن قدامة 3/478.
([204]) الشفا يتعريف حقوق المصطفى 2/194.
([206]) إبراز الغي الواقع في شفاء العيّ “: أبو الحسنات محمد عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي
([208]) الايضاح في مناسك الحج للنووي ص 447.
([209]) حاشية الايضاح لابن حجر
([210]) شرح فتح القدير 3: 179 _ 180.
([211]) رد المحتار على الدر المختار 2/498.
([212]) الشفا للقاضي عياض 2/194.
([213]) سنن الدار قطني 3/333 ح 2693.
([214]) المصدر السابق 3/334 ح 2695.
([216]) المغني لابن قدامة 3/477.
([219]) المبدع شرح المقنع 2: 284.
([222]) الإنصاف للماوردي 4: 53.
([223]) المغني لابن قدامة 3/477.
([224]) المغني: 2/195.و 3/ 210، الشرح الكبير لأبي الفرج ابن قدامة 2: 93.
([230]) الوسيط للغزالي 7: 277.
([232]) الذخيرة للقرافي 3: 375.
([234]) شرح فتح القدير 3: 179 _ 180.