مفاتيح علم التقديس المستنبطة من قوله تعالى{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}
[المفتاح الأول]: خمس مسائل مستفادة من هذه الآية: قال الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3}، وقال نبيه صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([1]) وعند تدبر الآية والحديث نخرج بعلم جما وفوائد جليلة ومسائل علمية عظيمة.
(المسألة الأولى):
لا قديم أزلي إلا الله: والعالم كله مُحدَثٌ مخلوق أحدثه الله تعالى من العدم إلى الوجود، قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ}، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء) دليل على أنّه كان الله ولم يكن شيء معه ولا غيره فهو وحده الأول ذي لا بداية لوجوده، لا قديم أزلي سواه، وكل ما سواه من العالم محدث مخلوق، ومن اعتقد أن شيئًا من العالم بنوعه أو بأفراده لا بداية لوجوده فقد خالف الآية والحديث واجماع أهل الأصول، وقال بقول الفلاسفة والدهرية الذين قالوا بقدم العالم، أو انه قديم النوع حادث الآحاد، {هُوَ الْأَوَّلُ} جملة أسمية، المبتدأ (هو)، والخبر (الأول) كلاهما معرفة للدلالة على أنه وحده الأول الأزلي الذي ليس لا يشاركه في هذه الصفة غيره، ويؤيد ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ) ([2]) فلا شيء معه ولا شيء غيره ولا شيء قبله، لا بداية لوجوده، لا يشاركه في القدم الأزلي شيء من خلقه، فلا قديم أزلي إلا الله، وشرط الإلهية القدم وإلا كان الخالق محدثا مخلوقا، وشرط القدم الكمال المطلق، لأنّ الأزلية تنزيه عن النقص كما سيأتي بيانه، فالإله لابد وأن يكون قديما أزليا اول بلا ابتداء.
ومن الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([3]) وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم، وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته جل جلاله، و (القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزمان، فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما وهو قاهر لهما فلا تأثير لهما عليه لأن الإله الرب له القدم الأزلي فلا يتغير، ولا تتغير صفاته.
(المسألة الثانية):
القدم الأزلي: تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى، فإنّه يستحيل قيام الحوادث بالله تعالى لأن مجرد قيام الحادث بالذات الإلهية يلزم عنه حدوث الذات الإلهية، وهذا باطل، فما يستلزمه لا يكون إلا باطلاً، فمطلق الحدوث مانع من القيام بالذات الإلهية، والحدوث والقدم إشارة إلى رتبتين من مراتب الوجود، الأولى الفقر الذاتي، وهو صفة لازمة لها بالذات، والثانية غنية بالذات عن كل ما هو غيرها فيتحصل أن قيام الحادث بالقديم معناه قيام الفقر في الغنى، أي كون الغني فقيراً، وهو محالٌ، والحادث لا يتصور إلا كونه دالاً على النقص لأنّ الحدوث تقص يضاد القدم ويتقدس الله عن النقص، ويستحيل أن نفرض وجود حادث لا يكون دالاً على الحدوث، ومجرد الحدوث نقص والقديم يتنزه عن الحدوث والنقص.
وقد أثبت القرآن بما لا يدع مجالا للشك في هذه الحقيقة التي أجمع عليها علماء الأصول في هذه الامة، أنّ أخص صفات (القديم الذاتي): أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، (الأول) الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث، (شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الشمس والقمر والكواكب لتغير حالها لا تصلح للإلهية لأن الله دائم لا يزول، والزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث، (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة.
(جناب الذات الإلهي) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأنّه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، إنّ ملة إبراهيم الخليل عليه السلام تقديس الله عن التغير والحدوث وعن قبول الحوادث، فمن جوز التغير والحدوث وقبول الحوادث على ذات الله تعالى فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].
إنّ كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
والخلاصة: أنّ (القديم الذاتي) لا يقبل الحدوث ولا تحل بذاته الحوادث، و (شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، وقد اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وأخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث – وهذا محال – لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، وقدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات: له قدم العلم، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، يقيسون الله على خلقه سبحانك هذا بهتان عظيم.
(المسألة الثالثة):
مقولة (قديم النوع حادث الآحاد): لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، وقد دخلت عليهم الشبهة من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام.
ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم سوي أنّ الله تعالى علم الحوادث وسمعها وأبصرها وأرادها قبل حدوثها فلم يتغير بعد حدوثها عند الله شيء، ولم يزدد بكونها وحدوثها شيئا.
فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
(المسألة الرابعة):
التقديس عن الزمان فلا يجري على الله زمان: عند تدبر الآية والحديث نعلم يقيناً أن الله تعالى منزه عن أن يجري عليه زمان: لأنه خالق الزمان فكان بالضرورة قبل الزمان، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا (أي له بداية) فهو أبدي (أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة، ولو كان الزمان يجري عليه لما صح أن يوصف بأنه الآخر حتى يفني جنته وأهل جنته وناره وأهل ناره وملائكته وجميع خلقه وهذا لم يحدث فكيف يكون (الآخر) صفة حقيقية له، وهو كذلك لن يحدث أبدا لأنه سبحانه أخبر بخلود أهل الجنة والنار، فدل ذلك على أن المراد من قوله {الأول والآخر} هو التقديس أصلا عن الزمان فلا يجري عليه زمان، والماضي والحاضر والمستقبل عنده سواء لأن الزمان لا يجري عليه سبحانه، ولهذا قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، وقال تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، وقال جل شأنه {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}، ولهذا فإن علمه قديم أزلي لأنه لا يجري عليه زمان، المعلومات كلها السابق منها واللاحق منكشفة على صفة علمه، وسمعه قديم لأنه لا يجري عليه زمان منكشفه على صفة سمعه جميع المسموعات ولا تختلط عليه الأصوات، فيسمع ما كان وما يكون وما هو كائن من كلام أهل الجنة والنار مما لا انقضاء له من الأصوات لأن سمعه محيط بكل خلقه لا يجري عليه زمان، وبصره قديم أزلي يرى ويبصر جميع المبصرات الماضي والحاضر والآت، يبصر أول الخلق كما يبصر أهل الجنة وأهل النار، كل منكشف على بصره لأنه محيط لا يجري عليه زمان، وكلامه قديم أزلي لا يحتاج إلى ترتيب أو تقديم أو تأخير لأنه لا تعلق له بزمان دون زمان، مقدس عن الزمان، ولهذا جاء التعبير القرآني: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا} بلفظ الماضي مع أنه مستقبل، وقال تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} بلفظ المستقبل مع أنه ماضي للدلالة على تقديس الله عن الزمان.
والقاعدة العامة عند اهل الأصول: أنّ كل ما تعلق بالقديم الأزلي فهو قديم، لا يخضع لقوانين الزمان والمكان المحدثة المخلوقة، وكل ما تعلق بالمخلوق المحدث فهو مخلوق يخضع لقوانين الزمان والمكان، وقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}، إشارة إلى نفي الزمان في حق الله تعالى وعدم حاجة الله للوقت لكي يفعل ما يشاء، والحاصل أنّ الزمان من خلق الله جعله قاهرا لخلقه فيجري عليهم ولا يخرجون عنه قدر أنمله فهم مقهورون بالماضي والحاضر والمستقبل لا يملكون له تصرفا ولا تغييرا والزمان قاهر لهم، أما الله فهو القاهر فوق الزمان وهو المحيط بالزمان كما أنه بكل شيء محيط، وهو الذي يتصرف فيه كيف يشاء، وأنى للزمان أن يجري على خالقه ومصرفه سبحانه، والقاعدة الذهبية أنّ كل ما تعلق بالخالق لا يجري عليه زمان وكل ما تعلق بالمخلوق فإنه يجري عليه الزمان، فالله خلق السموات والأرض في ستة أيام أي في حق خلقه أما هو سبحانه فقد قال {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، والله تعالى يحاسب خلقه يوم القيامة وهم بالمليارات في آن واحد، لأنه سبحانه خارج عن اطار الزمن فلا يجري عليه زمان، أما خلقه فيجري عليهم الزمان لأنهم مقهورون بالزمان يمضي عليهم بماضيه وحاضره ومستقبله.
(المسألة الخامسة):
التقديس عن المكان: إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فوجوده قبل المكان، إذ هو خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، وإذا لم يكن قبل [الله] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء، وهو بكل شيء محيط، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته، وعلى ذلك: فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه، له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، ومن آثار تقديس الله عن المكان أن نقول أن كل الأماكن إليه سواء، وسع المكان باسمه الواسع فلا شيء من خلقه بعيد عنه بل هو القريب إلى كل شيء أقرب من ذات الشيء إلى نفس الشيء، {فإني قريب}، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ}، وهو المحيط بكل شيء {والله بكل شيء محيط}، {وكان الله بكل شيء محيطا}،
[المفتاح الثاني]: التقديس عن المكان لجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس يُظهر خطأ الجهمية الحلولية الذين قالوا: إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان، ويظهر خطأ الحشوية الجهوية الذين قالوا: إن الله في مكان دون مكان ومكانه العرش، بل الصحيح أن نقول: إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان، والعرش إنما هو مظهر هيمنته وقدرته، وليس هو مكان لذاته، لأنه مقدس عن المكان فلا يحل في مكان دون مكان، وكذلك فلأنه سبحانه منزه عن المكان فلا يُقال إن الله داخل الكون بذاته لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود ولا يُقال إنه خارجه لأنه قريب من كل خلقه محيط بهم، ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأن الاتصال والانفصال من صفات الأجسام، وهو سبحانه ليس كمثله شيء لا يُقاس قربه بالمسافة، بل كل خلقه منه قريب تحيرت العقول في ذاته والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر، وهذا حد البشر نبذ التمثيل والتكييف والتشبيه وتنزيه الله عن المكان، ولا تلتفت إلى القاصر عن علم العقيدة والتقديس حين يقول إذا قلنا أنه لا يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه فهذا هو التناقض.
نقول: هو التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال ” لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل ” لعدم التماثل بين العلم والحجر، ولله المثل الأعلى، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق فالله تعالى موجود بذاته وصفاته وأفعاله ولكن ليس كوجوده وجود وليس كمثل ذاته ذات، فلا تناقض أن يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق.
[المفتاح الثالث]: الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون.
وقد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره، ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده، فكل موجود عدا الله تعالى جسم من الأجسام، ومن خصائص الأجسام انها تقبل الحركة والسكون، فالجسم إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره، أما المنزه عن الجسمية وخصائصها من قبول المكان وجريان الزمان، فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو المقدس عنه أصلا، والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة هي كل الاجسام التي تقبل المكان، والقسم الثالث لا محالة منزه عن السكون والحركة لأنهما من لوازم المكان وهو مقدس عنه.
لقد أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم هو الذي يستغني عن المكان، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان، تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد وعن الكون في المحدود، كما أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما أيضاً: عندما تخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون ولو تواضعوا للعلم ودرسوا (علم توحيد الذات) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا أدنى مرتبة من العوام