الفصل الرابع مفاتيح العلم في قسم توحيد الربوبية والعبودية
المبحث الأول: مفاتيح فهم معاني الربوبية والمقصود من توحيد الربوبية.
المبحث الثاني: مفاتيح تمنع من الغلو في توحيد الربوبية.
المبحث الثالث: مفاتيح فهم العبودية والمقصود من توحيد العبودية.
المبحث الرابع: مفاتيح تمنع من الغلو في توحيد العبودية.
المبحث الخامس: مفاتيح فهم معاني الشرك واقسام الشرك.
المبحث السادس: مفاتيح أخطاء الوهابيين في باب الشرك.
المبحث السابع: مفاتيح أخطاء الوهابيين في تقسيم علم التوحيد.
المبحث الاول مفاتيح فهم الربوبية وما هو المقصود من توحيد الربوبية
[المفتاح الأول]: يتفرّع عن توحيد الأفعال توحيد الربوبية بجميع أقسامه: توحيد الربوبية معناه أنّه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين، ولا رازق في الكون كله إلا الله رب العالمين، ولا مالك لا متصرف ولا مدبر للكون كله إلا الله رب العالمين، ولا سيد ولا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين، ولا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، وهذه كلها متعلقة بأفعال الله تعالى، فالحاصل أن توحيد الربوبية بجميع أقسامه يتفرّع عن توحيد الأفعال.
[المفتاح الثاني]: (الرب) في اللغة العربية: هو المربي وهو المالك وهو المدبر المتصرف الذي بيده مقاليد كل شيء وهو السيد المطاع وهو الحاكم المهيمن، وعلى ذلك فالربوبية مصطلح شامل يحمل معاني أساسية لا يقوم بتلك المعاني مجتمعة إلا مسمى الربوبية وتتمثل في كل معاني الخلق والإيجاد وفي كل معاني التربية من التنشئة والرعاية والتعهد والاستصلاح ثم كل معاني التملك من الملك والتصرف والتدبير والتصريف ثم كل معاني العلو والسيادة والرئاسة والحكم والأمر ثم كل معاني الهيمنة والتدبير من الاعزاز والاذلال والهداية والإضلال والنفع والضر، ثم كل معاني السيادة والملك والحكم والتشريع والامر والنهي والتحليل والتحريم، والحظر والإباحة، فمن ذلك كله تنشأ المعاني التي تساعد في فهم الربوبية.
[المفتاح الثالث]: معنى الرب في القرآن الكريم: (الرب) في القرآن الكريم مصطلح واسع يدل على عدة معاني مجتمعة بعضها إلى بعض، ولا يصلح لفظ آخر أن يحل محل لفظ (الربوبية) في الإحاطة بكل معانيه، ولهذا تكرر لفظ (الرب) في القرآن الكريم (987) قريب من ألف مرة بصيغ مختلفة تدل على شمول الربوبية لجميع العالمين منها (رَبِّ الْعَالَمِينَ) و (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) و (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) و (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) و (رَبِّ الْعَرْشِ) و (رَبُّكُمْ) و (رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) و (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) و (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا) و (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) و (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ) و (سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) و (رَبُّ الشِّعْرَى) و (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) و (رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) و (رَبِّ الْفَلَقِ) و (رَبِّ النَّاسِ) ولهذا كان أكثرها تذكيرا بالربوبية في القرآن (رَبِّ الْعَالَمِينَ) لأنه يشمل العرش والسماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما وكان أكثر دعاء الأنبياء (رَبِّ).
وقد جاءت كلمة (الرب) في القرآن بجميع ما جاء من معانيها في اللغة العربية لغة القرآن الكريم، فمما جاء على معنى المربي الكفيل بقضاء الحاجات، والقائم بأمر التربية والتنشئة، قوله تعالى -حكاية عن يوسف عليه السلام- {قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي} [يوسف: 23]، ومما جاء على معنى الكفيل والرقيب، والمتكفل بالتعهد وإصلاح الحال، قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {فإنهم عدوٌ لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين} [الشعراء: 77-80]، وقوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله، ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون، ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} [النحل: 53-54]ن وقوله تعالى: {قل أغير الله أبغي رباً وهو ربُّ كل شيء}، [الأنعام: 164]، وقوله تعالى: {ربُّ المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً} [المزمل: 9].
ومما جاء على معنى السيد المطاع الذي بيده مقاليد كل شيء وإليه يُرجع الامر كله، قوله تعالى: {هو ربكم وإليه ترجعون} [هود: 34]، وقوله تعالى: {ثم إلى ربكم مرجعكم} [الزمر: 7]، وقوله تعالى: {وما من دابةً في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالكم، ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربّهم يُحشرون} [الأنعام: 38]، (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربّهم ينسلون) (يس: 51)، ومما جاء على معنى السيد الرئيس صاحب السلطة النافذ الحكم، والمالك لصلاحيات التصرف والمعترف له بالعلاء والسيادة، قوله تعالى: {اتّخذوا أحبارهم ورُهبانهم أرباباً من دون الله} [التوبة: 31]، أي يحلون لهم الحرام فيستحلونه، ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه، وقوله تعالى: {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله}، [آل عمران: 64]، تعني النهي عن طاعة المخلوقين في معصية الخالق، حيث أن اتخاذ الأرباب لا يقتصر على السجود والركوع، بل يشمل أيضاً الطاعة العمياء في التشريعات والقوانين المخالفة لشرع الله، فتصبح هذه الطاعة يمثابة اتخاذهم أربابا من دون الله، أي أنزلوهم منزلة (الرب) تبارك وتعالى في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله.
ومما جاء على معنى الملك والمالك والسيد، قوله تعالى: {فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوفٍ} [قريش: 3-4].
وعلى ذلك فإنّ الربوبية مصطلح شامل واسع يحمل معاني أساسية كثيرة: لا يملأ معناها لفظ آخر لا الخلق ولا التكوين ولا الأمر ولا التدبير ولا الملك ولا التصريف ولا الحكم ولا التشريع ولا القهر ولا الجبروت لأن (الرب) يعني ذلك كله فهو المربي وهو المالك وهو المدبر المتصرف الذي بيده مقاليد كل شيء وهو السيد المطاع وهو الحاكم المهيمن، والربوبية مصطلح شامل يحمل معاني أساسية لا يقوم بتلك المعاني مجتمعة إلا مسمى الربوبية وتتمثل في كل معاني الإيجاد والخلق(ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه) وتتمثل في كل معاني التربية من التنشئة والرعاية والتعهد والإمداد والرزق والاستصلاح والهداية (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) ثم كل معاني التملك من الملك والتصرف والتدبير والتصريف ثم كل معاني العلو والسيادة والرئاسة والهيمنة والحكم والأمر ثم كل معاني النصر والعز والنفع والضر فمن ذلك كله تنشأ معاني الربوبية، فتلك عي معاني الربوبية والتي لا يحيط بها مصطلح آخر سوى الربوبية.
[المفتاح الرابع]: توحيد الربوبية: مصطلح شامل يحمل اعتقاد معاني أساسية كثيرة: وفقاً لتعريف الربوبية، فإنّ (توحيد الربوبية) مصطلح شامل يحمل اعتقاد معاني أساسية لا يقوم بتلك المعاني مجتمعة إلا مسمى توحيد الربوبية، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا، وإلا كان الشرك في الربوبية جليا، وتتمثل تلك الاعتقادات فيما يلي: اعتقاد أنه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا رازق على الحقيقة في الكون كله إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا مالك لا متصرف بيده ملكوت كل شيء ولا مدبر للكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا سيد ولا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا شفيع في شيء من أمور الكون كله إلا من بعد إذن الواحد الأحد الله رب العالمين، واعتقاد أنه لا شريك للرب الواحد الأحد الله رب العالمين في شيء من تلك المعاني التي يشملها توحيد الربوبية، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا بحصر معاني الربوبية في اللّهِ وحده، ولا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا لله رب العالمين وحده لا شريك له.
[المفتاح الخامس]: توحيد الربوبية قسم عظيم من أقسام التوحيد: قد مر بنا أن الربوبية مصطلح شامل واسع يحمل معاني أساسية لا يقوم بتلك المعاني مجتمعة إلا مسمى الربوبية وتتمثل في كل معاني الخلق والإيجاد وفي كل معاني التربية من التنشئة والرعاية والتعهد والاستصلاح ثم كل معاني التملك من الملك والتصرف والتدبير والتصريف ثم كل معاني العلو والسيادة والرئاسة والحكم والأمر والنهي ثم كل معاني الهيمنة من العز والذل والنفع والضر فمن ذلك كله تنشأ معاني الربوبية، وأنه لا يوجد مصطلح يشمل كل تلك المعاني مجتمعة سوى كلمة (الرب).
وقد جاءت الآيات القرآنية متتالية تشير إلى حصر الربوبية في الله رب العالمين، منها قوله تعالى: {إنَّ رَبَّكمُ اللّهُ الّذي خلقَ السَّمواتِ وَالارضَ في ستَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استوى على العَرشِ يُدَبِّرُ الامرَ ما مِن شَفيعٍ إلاّ مِن بَعدِ إذنِهِ ذلِكم اللّهُ رَبُّكم فاعبدوهُ أَفلا تَذَكّرون} [يونس: 3]، وقوله تعالى: {قُل أَئنَّكُم لَتكفُرونَ بِالّذي خلقَ الارضَ في يَومينِ وَتَجعَلونَ لَه أَندادا ذلكَ رَبُّ العالمين} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الْأَنعام: 102]، وقوله تعالى: {قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الْأَنْبياء: 56]، وجاءت الآيات القرآنية تترا تدعو إلى توحيد الربوبية، منها قوله تعالى {لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 38]، وقوله تعالى {وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 42]، وقوله تعالى {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 39، 40]، وقوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، وقوله تعالى {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 79، 80]، وقوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}[التوبة: 31]، وقوله تعالى {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}[الأنعام: 164].
[المفتاح السادس]: الأقسام الرئيسية لتوحيد الربوبية: يشتمل توحيد الربوبية على ثلاثة أقسام رئيسية:
القسم الأول: التوحيد في الخلق والتكوين: والمقصود منه الاعتقاد بأنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته، هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة، ليس في الوجود خالق غيره، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء ويدل على هذا التوحيد: قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، قوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [غافر: 62، 63]، وهذا القسم من الربوبية لظهوره لم ينازع فيه إلا القليل من الملاحدة، قال تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنْكبوت: 61]، وقوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [لقمان: 25]، وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87].
والقسم الثاني: التوحيد في التصريف و التدبير: والمراد منه أنّ للكون مدبّراً و متصرفاً واحداً لا يشاركه في التدبير شيء فهو سبحانه المدبّر للعالم، ويدل على هذا التوحيد قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس: 3]، وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31]، وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]، وتوحيد التدبير والتصريف، لا يعارضه قوله تعالى – عن الملائكة -: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: 5]، لأنّ هؤلاء الملائكة مدبرات بأمر الله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولقد كان أكثر شرك العرب في الربوبية واقعاً في هذا الباب، فقد كانوا يظنون أنّ لآلهتهم نوع من الشراكة مع الله في تدبير أمورهم، وكانوا يعتقدون أنها تستطيع إعزازهم ودفع الضر عنهم، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [سورة مريم] فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز والاعزاز والإذلال من مفردات الربوبية، والمشركون اتخذوا من دون الله آلهة لتحقق لهم النصر، قال تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [سورة يس] والنصر من مفردات الربوبية إذ الرب هو الناصر والمعين، والمشركون على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، قال تعالى – حكاية عن قولهم واعتقادهم – {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [سورة هود] وهذا معتقد المشركين، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، وكانوا يعتقدون أنّ لها الشفاعة الواجبة لهم عند خالق السموات والارض، ولهذا خاطبهم الله تعالى بنفي شفاعتهم التي يظنونها لآلهتهم التي عبدوها من دون الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس: 3].
والقسم الثالث: التوحيد في الحاكمية والتشريع: والمراد منه اعتقاد أنّ للإنسان مرجع واحد في الحكم والتشريع، هو شرع الله تعالى وحده، وحكمه تعالى وحده، فالله تعالى هو الرب الحاكم المشرع وحده لا شريك له في حكمه وتشريعه، والدليل على ذلك قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57]، وقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]، وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، {الظالمون}، {الفاسقون}، وقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
وتوحيد الحكم والتشريع، لا يعارضه عمل الفقهاء والمجتهدين في تقنين الشريعة، لأنّ عملهم هو استخراج واستنباط الاَحكام الشرعية من الكتاب والسنّة وهو اجتهاد في معرفة شرع الله، لا إنشاء شرع جديد، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة: أنّ من استحل الحكم بغير ما أنزل الله فقد كفر وأشرك، والضابط الفقهي للمسألة وهو الاستحلال، فمن استحل فقد كفر الكفر الأكبر، ومن أقر وحكم بغير ما أنزل الله، فهو كافر في إطار الملة (كفر دون كفر).
***
المبحث الثاني مفاتيح تمنع من الخلل في فهم معاني توحيد الربوبية
[المفتاح الأول]: المشركون كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية: مر بنا أن مفردات الربوبية كثيرة تشمل الخلق والرزق والتدبير والتصريف والرعاية والهداية والحفظ والسيادة والقهر والحكم والأمر، وتوحيد الربوبية لا يطلق إلا على من اعتقدها خالصة لله ليس له فيها شريك ولا معين، وقد كان المشركون على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الإلوهية والربوبية في اعتقادهم، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله، كما لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الإلوهية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة.
[المفتاح الثاني]: المشركون في كل زمان وفي زمان الرسول كانوا على الشرك في الربوبية: علمنا مما سبق أنّه لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا بحصر معاني الربوبية في اللّهِ وحده، ولا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا لله رب العالمين وحده لا شريك له، والمشركون على مر عصور البشرية على كانوا على شرك الربوبية لأنهم ظنوا في آلهتهم التي عبدوها من دون الله النفع والضر والعز من دون الله واعتقدوا لها الشراكة مع الله في بعض أمر الكون واعتقدوا أنها تشفع لهم عند الله بما لها من شراكة جزئية في تدبير الكون، وبالتالي فهم قد صرفوا أكثر مفردات الربوبية لآلهتهم من دون الله، والأدلة على هذا الشرك في الربوبية كثيرة منها ما يأتي:
(أولا): القرآن الكريم يشير إلى الشرك الواقع في الربوبية عند الأمم السابقة في العديد من الآيات منها قوله تعالى {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [آل عمران: 64]، وقوله تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا} [آل عمران:80]، وقوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) [التوبة: 31، ]، وقوله تعالى: {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39].
(ثانيا): مشركو العرب اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا يعني ربوبيتها وهذا شرك في توحيد الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله، في مثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وقوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ} [هود: 101]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء: 43].
(ثالثا) الكفار يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36]، قال البغوي في تفسير الآية:{وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ} ” وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم معرة معاداة الأوثان، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ” أهـ ([1]) .
والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون.
(رابعا): اعتقاد المشركين بوجود الشريك الذي له تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير،
(خامسا): اعتقاد المشركين بوجود الند لله:، والند كما جاء في معاجم اللعة هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير ([2]) . والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله، والأدلة من القرآن الكريم على ذلك كثيرة منها: قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30]، وقوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9]، وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41].
(سادسا): المشركون كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الإلهية والربوبية: قال تعالى واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98] فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه، ونستفيد مما سبق أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً، وأنّ من ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن على صواب في ذلك، وأنّ أنواع الشرك في الربوبية كثيرة منها: من اعتقد أن غير الله شريك مع الله في شيء من الخلق والرزق، ومن اعتقد أن غير الله شريك مع الله في شيء من تدبير الكون والتصريف، ومن اعتقد أن غير الله شريك مع الله في شيء من النصر والتأييد والإعزاز والإذلال والنفع والضر والهداية والإضلال، ومن اعتقد أن غير الله شريك مع الله في شيء من الحكم والأمر والتشريع والتحليل والتحريم، ومن اعتقد أن أحدا يستطيع الشفاعة عند الله على سبيل الاستقلال أو الحق الجبري على الله، وأنّ المشركين كانوا على الشرك في أكثر مفردات الربوبية، وأنّ توحيد الربوبية مصطلح عظيم لا يكون عليه إلا الموحدون الذين تبرؤا من كل شرك في الربوبية وتمثلوا قول الله تعالى {أفغير الله ابتغي ربا وهو رب كل شيء}.
[المفتاح الثالث]: خطأ من ظن أن المشركين كانوا على توحيد الربوبية: من ذهب إلى أن المشركين وحدوا الله في الربوبية اعتمد على تلك الآيات التي رآها صريحة في إثبات بعض مفردات الربوبية لله، حيث تصرح الآيات بإقرار مشركي العرب بخالقيته ورازقيته وتدبيره لشئون الكون فمن ذلك قوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنْكبوت] وقوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [لقمان] وقوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أو أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر] وقوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف] وقوله تعالى {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس] وقوله تعالى {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون].
فمن ذهب إلى أن المشركين وحدوا الله في الربوبية اعتمد على تلك الآيات التي رآها تصرح بإقرار مشركي العرب بخالقيته ورازقيته وتدبيره لشئون الكون ولكن عند جمع الآيات التي تتحدث عن حال الكفار والمشركين نجد أن فقه الآيات في إطار المجموع يدلنا على التالي: * الآيات فيها إقرار بخالقية الله وتدبيره للكون ولكنه إقرار بخالقية الله وتدبيره لا بتوحيده في ذلك، لأنهم يعتقدون بوجود آلهة صغيرة تشارك الله في تدبير شئون الكون فالمشركون يقرون بأن الله هو الخالق والمدبر لكن لا على أنه الأوحد في ذلك بل هو الخالق والمدبر الأكبر باعتبار أن الله كبير الأرباب والآلهة في عقيدتهم، ولكن معه أرباب وآلهة آخرون لهم دخل في بعض شئون الخلق والتدبير، ولذلك كثيرا ما يعترض القرآن عليهم الحاجة لاختلاق أرباب متفرقين {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف]، *
القول بأن المشركين يقرون حقيقة بأن الله هو الخالق الأوحد وهو المدبر الأوحد فيكونون موحدين في الربوبية ولا يرون أن هناك آلهة أخرى بيدها تدبير بعض الأمور قول غير صحيح، إذ إنهم يعتقدون بوجود موجودات مع الله لها قدرة ذاتية على النصرة أو الضر والنفع على نحو مستقل عن الله بل وبلا إذن من الله لأنهم شركاء لله {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام]، * الآيات ليست إقرارا بالوحدانية وإنما هي مجرد إقرار بخالقية الله ورازقيته وتدبيره للأمور باعتبار أنه الأكبر وعلى نحو وجود أرباب أخرى بقدرات ذاتية تنصر وتعز وتضر وتنفع وتشفع وعلى ذلك فالمقصود بالإقرار المذكور في الآيات الإقرار بأنه الخالق والمدبر الأكبر لا الإقرار بالتوحيد ونفي الآلهة الأخرى التي آمنوا بها، ويدل على ذلك قوله تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}[سورة الزمر] (والذين اتخذوا من دونه أولياء) فالمشركون اتخذوا من دون الله أولياء والولي هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}[سورة مريم] فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}[سورة يس] فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}[سورة هود] وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله.
[المفتاح الرابع]: الرد الواضح على من زعم توحيد مشركي العرب في الربوبية: تصفية للمنهج وتصحيحا للفهم في باب التوحيد والشرك ومنعا للغلو في هذا الباب، نقول أخطأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب عند قوله في أول مجموعة التوحيد: ” وأما التوحيد فهو ثلاثة أنواع توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، أما توحيد الربوبية: فهو الذي أقر به الكفار على زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يدخلهم في الإسلام وقاتلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واستباح دماءهم وأموالهم وهو توحيده بفعله تعالى، والدليل قوله تعالى (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ([3]) .
وقال أيضا بعدها بصفحات: ” وبعد فهذه أربع قواعد من قواعد الدين يميز بهن المسلم دينه من دين المشركين: القاعدة الأولى: أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله (ص) كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية يشهدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور ولم يدخلهم ذلك في الإسلام والدليل قوله تعالى (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ)، ([4]) .
ولبيان الغلو في هذا القول نقول: (أولا): المشركون في زمان الرسول لم يكونوا أبدا على توحيد الربوبية إذ أن توحيد الربوبية لله يعني اعتقاد أن الله أن الله تعالى هو وحده الخالق الرازق الهادي الشافي المحيي المميت المتعهد بالتربية لجميع خلقه إذ هو رب العالمين، واعتقاد أن مقادير كل شيء بيد الله يرفع من يشاء ويخفض ويعز من يشاء ويذل ويهدي من يشاء ويضل ويوسع الرزق على من يشاء ويضيق ويحيي من يشاء ويميت، له في لك كله المشيئة المطلقة والإرادة النـافذة لا حق لأحد في مراجعته وأمـره كله عدل وفضـل (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)، واعتقاد حقه المطلق في التشريع والحكم والأمر ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)، هذا هو توحيد الربوبية عند الموحدين، ومن اعتقد بأن هناك من يملك الضر أو النفع أو التصريف أو التدبير في حياة الناس وغيرهم من المخلوقات من دون الله فقد أشرك في ربوبية الله عز وجل شركاً أكبر، ومن اعتقد أن لأحد من دون الله حق مطلق في التشريع المطلق بالتحليل والتحريم والحظر والإباحة والحكم والأمر والنهي دون الرجوع إلى حكم الله وشرعه فقد اتخذه رباً من دون الله، ومن اعتقد أنه يجوز التحاكم إلى شرع غير شرع الله فقد كفر بربوبية الله عز وجل لخلقه، هذا هو توحيد الربوبية عند المسلمين.
(ثانيا): مشركو العرب اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا يعني ربوبيتها وهذا شرك في توحيد الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله، في مثل قوله تعالى (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) [مريم 81]، وقوله عز وجل) وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ([يس: 74]، وقوله تعالى (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ) [هود: 101]، وقال تعالى (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ) [الأنبياء: 43].
(ثالثا): الكفار يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ) [هود: 54]، وقوله تعالى (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر: 36]، قال البغوي في تفسير الآية:(وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ) ” وذلك أنهم خوفوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معرة معاداة الأوثان، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ” أهـ ([5]) . والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون.
(رابعا): اعتقاد المشركين بوجود الشريك الذي له تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير.
(خامسا): اعتقاد المشركين بوجود الند لله، والند كما جاء في معاجم اللعة هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير. والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله، والأدلة من القرآن الكريم على ذلك كثيرة منها: قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) [ابراهيم (30) ]، وقوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [فصلت (9) ]، وقوله تعالى: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة (22) ]، وقوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الشورى: 9]، وقوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 41].
(سادسا): المشركون كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الإلهية، قال تعالى واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء|96ـ 98]، فهذه الآيات ـ التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه.
(سادبعا): المشركون كانوا يلهجون بدعاء آلهتم رجاء نصرتها لهم واعزاوها لهم _ إذ لا يعقل في تاريخ البشر أن يدعو أحد أحدا لا يرجوه لتحقيق منفعة أو رد ضر وإلا خرج من دائرة العقلاء _ ورد الله تعالى عليهم اعتقادهم الباطل بقوله تعالى(والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، أمواتٌ غير أحياءٍ وما يشعرون أيّان يبعثون، إلهكم إلهٌ واحدٌ) (النحل: 20-22) وبقوله عز وجل {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب) [هود: 101]، ويظهر جليا من هذه الآيات أن مشركي العرب كانوا يتخذون آلهة لهم من دون الله وكانوا يدعونهم عند الشدائد ويستغيثون بهم اعتقادا أن آلهتهم هذه تسمع دعاءهم وتقدر على نصرهم وأنهم شركاء لله في ملكه العظيم، قلت ومن هنا نعلم عدم دقة التعبير بأن المشركين كانوا على توحيد الربوبية.
***
المبحث الثالث مفاتيح فهم العبودية والمقصود من توحيد العبودية
(تنبيه) التعبير بتوحيد العبودية فيما يتعلق بتوحيد العبودية – بدلا مما اشتهر من كونه توحيد الألوهية – هو الفقه في الدين: لان من الفقه في الدين ملاحظة الفرق في الاصطلاح بين الألوهية وبين العبودية، وذلك لأنّ توحيد الألوهية يشمل جميع معاني التوحيد ويدخل فيه توحيد الأسماء والصفات والأفعال وتوحيد الربوبية وتوحيد العبودية، إذ ليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود المعبود الحق المستحق لإفراد العبودية له، والاعتراف بوجود الرب الخالق القادر المدبر المتصرف المهيمن، والاعتراف بوجود الإله الذي له الكمال في كل شيء والذي له الجلال في كل شيء والذي له التفرد في كل شيء والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، والمنزه عن المثيل والند والشريك، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح لجميع معاني الكمال في الذات والكمال في الصفات والكمال في الأفعال والكمال في الربوبية بشتى خصائصها والكمال في استحقاق العبودية والتأله، سوى كلمة (الإله)، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد (لا إله إلا الله) شيء سواها، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا (لا رب إلا الله)، ولا قولنا (لا معبود إلا الله)، ولا قولنا (لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله)، وما ذاك إلا لأنّ، قول المسلم (لا إله إلا الله) يشمل ذلك كله، ويزيد عليه، فتوحيد الألوهية يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس، وتوحيد الأسماء الحسنى، وتوحيد الصفات العلى، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو.
[المفتاح الأول]: مفهوم كلمة (العبادة والعبودية): العبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق، أو المعبودات الباطلة من دون الله،
[المفتاح الثاني]: الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء:24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة.
وعلى ذلك لابد من القول بأنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) [أخرجه مسلم]، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي.
والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، ويتضح ذلك مع بيان العلاقة بين العبادة وبين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية في القرآن الكريم، فإنّ الآيات الحاثة على عبادة اللّه و المحذرة عن عبادة غيره، تعلل لزوم عبادته سبحانه بالألوهية تارة وبالربوبية أُخرى، و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ العبادة من شؤون الاِله و الربّ، فلا يستحق العبادة إلا من كانت له صفات الربوبية والألوهية، ولما كان الكون كله بجميع موجوداته ليس له رب سوى الله ولا إله إلا هو كان هو المستحق وحده للعبادة، فمن الآيات الدالة على صرف العبادة لله وحده لأن له صفات الألوهية: قوله تعالى: {يا قَومِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ} [الاَعراف: 59]، وقد وردت هذه الآية على لسان الانبياء والرسل في مواضع كثيرة من القرآن الكريم في سور الاَعراف و هود والاَنبياء والمؤمنون وطه، ونحن نلاحظ قوله تعالى {ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ} بمنزلة التعليل للأمر بحصر العبادة في اللّه تعالى و معناه: اعبدوا اللّه و لا تعبدوا سواه، و ذلك لاَنّ العبادة من لا تصرف إلا للإله الحق، ولا إله غيره، ومن الآيات الدالة على صرف العبادة لله وحده لأن له صفات الربوبية: قوله تعالى: {وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسرائِيلَ اعْبُدُوا اللّه َرَبّي وَ ربَّكُمْ} [المائدة: 72]، وقوله تعالى: {إنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمّةً واحِدة وأَنَا ربُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الاَنبياء: 92]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ ربّي وَربُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقيم} [آل عمران: 51]، وقوله تعالى: {يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ وَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21]، وقوله تعالى: {ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ“} [الاَنعام: 102]، فقد علل سبحانه الأمر بعبادة اللّه تعالى في هذه الآيات بصفات الربوبية مما يدل بوضوح على أن ّالعبادة لا تصرف إلا لمن كان رباً له مفردات الخلق والرزق والتدبير والتصريف، وأمّا من كان مجرداً عن هذه المفردات فلا يصلح أن يكون معبوداً، ولا ينبغي أن تصرف إليه العبودية، والمتدبر للقرآن الكريم يجد أن الله سبحانه يذّكر الناس في العديد من الآيات بأنّه الرب الإله الخالق الرازق المحيي المميت، وإنّ الشفاعة له جميعاً، وعلى هذا الأساس فلا تصرف العبادة إلا إليه لأنه الرب المدبر، ولأنّه الإله الحق، أمّا المشركون – وقد تقدم بيان ذلك في فقه توحيد الربوبية – كانوا يعبدون الأصنام، ويزعمون أنّها تملك شيئاً من مفردات الربوبية أقلها الشفاعة اللازمة على الله تعالى – في ظنهم – بما لها من صفات الربوبية والشراكة في الألوهية – فكان القرآن يركز على تجريد تلك الأصنام من أي تدبير أو تصريف في الكون، وأنّ المدبر للكون كله هو الإله الحق، وحده لا شريك له.
[المفتاح الثالث]: خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة (اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود): نستفيد مما سبق بيانه أن من الفقه في فهم معنى العبادة: أن نعلم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، ولها (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال.
[المفتاح الرابع]: خلاصة الأمر في تعريف العبادة: التعريف الصحيح للعبادة ينبغي أن يشتمل على الضابط الذي يمنع من اتهام المسلم بالشرك الاكبر وهو لم يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر، ويكون التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل أو القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة أو البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
***
المبحث الرابع مفاتيح مهمة تمنع من الغلو في توحيد العبودية
[المفتاح الأول]: الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي.
[المفتاح الثاني]: الاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، ويتضح ذلك مع بيان العلاقة بين العبادة وبين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية في القرآن الكريم، فإنّ الآيات الحاثة على عبادة اللّه و المحذرة عن عبادة غيره، تعلل لزوم عبادته سبحانه بالألوهية تارة وبالربوبية أُخرى، و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ العبادة من شؤون الاِله و الربّ، فلا يستحق العبادة إلا من كانت له صفات الربوبية والألوهية، ولما كان الكون كله بجميع موجوداته ليس له رب سوى الله ولا إله إلا هو كان هو المستحق وحده للعبادة.
[المفتاح الثالث]: خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة (اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود): نستفيد مما سبق بيانه أن من الفقه في فهم معنى العبادة: أن نعلم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، ولها (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال.
[المفتاح الرابع]: في بيان خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة: يقول الشيخ سلامة القضاعي العزامي في كتابه فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الاَكوان: ” إنّ الغلط في تفسير العبادة، المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، التي أُستحِلت بها دماءُ لا تحصى، وانتهكت بها أعراض لا تعد، وتقاطعت فيها أرحام أمر اللّه بها أن توصل، عياذاً باللّه من المزالق والفتن، ولاسيما فتن الشبهات، فاعلم أنّهم فسروا العبادة بالإتيان بأقصى غاية الخضوع، و أرادوا بذلك المعنى اللغوي، أمّا معناها الشرعي فهو أخصّ من هذا كما يظهر للمحقّق الصبّار على البحث من استقراء مواردها في الشرع، فانّه الاِتيان بأقصى غاية الخضوع قلباً، باعتقاد ربوبية المخضوع له، فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعاً، في كثير ولا قليل مهما كان المأتي به و لو سجوداً، ومثل اعتقاد الربوبية اعتقاد خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع و الضرّ، و كنفوذ المشيئة لا محالة و لو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ الّذي هو أكبر من هذا المعبود، و إنّما كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، و هو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، أو خاصة من خواصها كما سيأتيك تفصيله لا يصحّ أن يكون السجود لغير اللّه فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد، عبادة شرعاً (كسجود الملائكة لآدم)، فانّه حينئذٍ يكون كفراً، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع، ولا يأمر اللّه عزّ وجلّ به {قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ} [الاَعراف: 28]، {وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْر} [الزمر: 7]، وذلك ظاهر إن شاء اللّه، وها أنت ذا تسمع اللّه تعالى قد قال للملائكة: {اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ ابلْيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34]، و قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الاَعراف: 12]، وقال: {ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلْقْتَ طِيناً} [الاِسراء: 61]، والقول بأنّ آدم كان قبلة قول لا يرضاه التحقيق ويرفضه التدقيق في فهم الآيات كما ينبغي أن تفهم، فإن تعسّر عليك فهم هذا وهو ليس بعسير إن شاء اللّه تعالى، فانظر إلى نفسك فانّه قد يقضي عليك أدبك مع أبيك و احترامك له أن لا تسمح لنفسك بالجلوس أو الاضطجاع بين يديه، فتقف أو تقعد ساعة أو فوقها، و لا يكون ذلك منك عبادة له، لماذا لأنه لم يقارن هذا الفعل منك اعتقاد شيء من خصائص الربوبية فيه، و تقف في الصلاة قدر الفاتحة و تجلس فيها قدر التشهد و هو قدر دقيقة أو دقيقتين فيكون ذلك منك عبادة لمن صلّيتَ له، وسرّ ذلك هو أنّ هذا الخضوع الممثّل في قيامك و قعودك يقارنه اعتقادك الربوبية لمن خضعتَ له عزّ وجل، وتدعو رئيسك في عمل من الاَعمال أو أميرك أن ينصرك على باغ عليك أو يغنيك من أزمة نزلت بك و أنت معتقد فيه انّه لا يستقل بجلب نفع أو دفع ضر، و لكن اللّه جعله سبباً في مجرى العادة يقضي على يديه من ذلك ما يشاء فضلاً منه سبحانه، فلا يكون ذلك منك عبادة لهذا المدعوّ، و أنت على ما وصفنا، فإن دعوتَه و أنت تعتقد فيه أنّه مستقل بالنفع، أو الضرّ، أو نافذ المشيئة مع اللّه لا محالة، كنت له بذلك الدعاء عابداً، و بهذه العبادة أشركته مع اللّه عزّ وجلّ، لأنك قد اعتقدت فيه خصيصة من خصائص الربوبية، فانّ الاستقلال بالجلب أو الدفع و نفوذ المشيئة لا محالة هو من خصائص الربوبية، والمشركون إنّما كفروا بسجودهم لأصنامهم و نحوه لاعتقادهم فيها الاستقلال بالنفع، أو الضرّ ونفوذ مشيئتهم لامحالة مع اللّه تعالى، و لو على سبيل الشفاعة عنده، فانّهم يعتبرونه الربّ الاَكبر و لمعبوداتهم ربوبية دون ربوبيته، و بمقتضى ما لهم من الربوبية وجب لهم نفوذ المشيئة معه لا محالة، ويدل لما قلنا آيات كثيرة كقوله تعالى: {أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُركُمْ مِنْ دُونِ الرَّحمنِ إِنِ الْكافِرونَ إِلاّ في غُرُورٍ} [الملك:20]، وقوله: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لا هُمْ مِنْها يَصْحَبُونَ} [الاَنبياء: 43]، والاستفهام في الآيتين إنكاري على سبيل التوبيخ لهم على ما اعتقدوه، وحكى اللّه عن قوم هود قولهم له – عليه السلام-: {إِنْ نَقُولُ إِلاّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ“} [هود: 54}، وقوله لهم: {فَكِيدُوني جَميعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنّي تَوَكَلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ،، } [هود: 55، 56]، و كقوله تعالى – موبخاً لهم يوم القيامة على ما اعتقدوه لها من الاستقلال بالنفع ووجوب نفوذ مشيئتها -: {أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أو يَنْتَصِرُونَ} وقولهم وهم في النار يختصمون يخاطبون من اعتقدوا فيهم الربوبية و خصائصها: {تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمينَ} [الشعراء: 97، 98] فانظر إلى هذه التسوية التي اعترفوا بها حيث يصدق الكذوب، ويندم المجرم حين لا ينفعه ندم، فانّ التسوية المذكورة إن كانت في إثبات شيء من صفات الربوبية فهو المطلوب، و من هذه الحيثية شركهم و كفرهم، لاَنّ صفاته تعالى تجب لها الوحدانية بمعنى عدم وجود نظير لها في سواه عزّ وجلّ، وإن كانت التسوية في استحقاقها للعبادة فهو يستلزم اعتقاد الاشتراك فيما به الاستحقاق، وهو صفات الاَلوهية أو بعضها، وإن كانت في العبادة نفسها فهي لا تكون من العاقل إلاّ لمن يعتقد استحقاقه لها كربّ العالمين، تعالى اللّه عمّا يشركون، وكيف يُنفى عنهم اعتقاد الربوبية بآلهتهم وقد اتّخذوها أنداداً و أحبوها كحبّ اللّه كما قال تعالى فيهم: {وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ} [البقرة: 165]، والاَنداد جمع (ند) وهو على ما قاله أهل التفسير واللغة: المثل المساوي، فهذا ينادي عليهم انّهم اعتقدوا فيها ضرباً من المساواة للحقّ تعالى عمّا يقولون، ” أهـ ([6]) .
[ المفتاح الخامس]: خطأ تصور البعض لفقه العبادة وضابطها: قال عبد الرحمن المكي الهاشمي في كتابه السلفية المعاصرة شبهات وردود – وهو يصف خطأ تصور البعض لفقه العبادة وضابطبها ” لما رأى القوم أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ تخيَّلوا أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، ويرى السواد الأعظم من علماء المسلمين خطأ هذا المفهوم، وأن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها كتأثير بقدرة كن أو استقلال بالنفع والضّر والإعطاء والمنع أو نفوذ شفاعة عليه تعالى بمقتضى شراكته له في الربوبيه ونحو ذلك، وقد بينت آيات كثيرة أنّ هذا كان هو اعتقادهم في آلهتهم فحكى الله تعالى قول المشركين لهود عليه السلام: {إن نقولُ ألاَّ اعتَراك بعضُ ءالِهتِنَا بسوءٍ}، وقال تعالى: {قلِ اُدْعواْ شُرَكَآءَكُم ثُمَّ كِيدون فلا تنظرونِ}، وقال تعالى: {أَمن هذا الذِي هُو جُند لَّكم ينصُرُكُم مِّن دون الرحمن إن الكافرون إلاَّ في غرورٍ}، وعجز الآية {إنِ الكافرونَ إلاَّ في غرورٍ} يكشف أنّ اعتقادهم كان أنّ آلهتهم تنصرهم ثم انكشف يوم القيامة أنهم كانوا مغرورين، وقال تعالى: {وقيلَ ادعُوا شُركاءَكم فَدَعَوْهُم فلم يستجيبواْ لَهُمْ}، وقال تعالى: {وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الذين زَعَمْتم أنهم فِيكُمْ شُرَكآءؤاْ}.
وغير ذلك آيات كثيرة لا يتسع لذكرها المجال مما يدل على إشراك المشركين معبوداتهم في بعض خصائصه تعالى، فلما اعتقدوا لآلهتهم تلك الخصائص زاولوا تلك الأعمال لهم بنية عبادتهم، ومما يومئ إلى أنّ دعاء المشركين لآلهتهم كان مصحوباً باعتقاد صفات الربوبية فيهم من ضر ونفع استقلالاً قوله تعالى: {قُلِ ادعُوا الذين زعمتم من دونهِ فِلاَ يَمْلِكُون كَشْفَ الضُّرِ عَنكُمْ ولا تَحْوِيلاً}.
ولو كان مجرد إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به _ من دون اقتران نية العبادة لمن يعتقده رباً – هو الشرك إن وقع لغيره تعالى لما جاء بعض تلك الأعمال مأموراً به لغيره تعالى لأن الله تعالى لا يأمر عباده بالشرك ولا يرضى به ولا يأمر بالفحشاء، فالسجود مثلاً ” وهو أقرب إلى التذلل من سواه ” لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما أمر الله به لآدم ولما حلّ في شريعة قط كالسجود ليوسف على وجه التحية والتكريم، فلما جاء السجود صالحاً لأن يكون سجود عبادة وشرك، وأن لا يكون سجود عبادة وشرك تبين أن إتيان أي عمل ليس عبادة لذاته ولا شركاً في نفسه إلا أن يجتمع مع إتيانه نية العبادة به لمن يعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها، والتعظيم مثلاً لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما فرَّق بين تعظيم وتعظيم، فمنه ما هو كفر ومنه ما هو حرام كسجود التحية في شريعتنا، ومنه ما هو مكروه كالتمثيل قياماً بين يدي السلطان، ومنه ما هو مأمور به كتعظيم النيي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيم شعائر الله وتعظيم البيت بالطواف به والوقوف للدعاء عند الحجر وباب الكعبة والملتزم، وتعظيم الحجر الأسود بتقبيله ومس الركن اليماني والصلاة خلف المقام، فما جاء التعظيم صالحاً لأن يكون تعظيم عبادة وشرك وأن لا يكون تعظيم عبادة وشرك تبين أنّ مجرد التعظيم لشيء ليس عبادة له شرعاً حتى يجتمع الإتيان به نية العبادة لمن تعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها، وحين يؤمر به لغير الله من غير أن تقترن به نية العبادة لغيره تعالى خرج عن كونه شركاً لأن فقدان نية العبادة فيه صرفته عن اعتباره عبادة لغير الله، ونية الامتثال صرفته إلى أنه عبادة للآمر وقربى إليه فالنية على هذا هي الحد الفاصل بين الحكم على العمل بأنه عبادة أو لا يدخل في مسماها.
ولما رأى القوم أن من العمل أنّ القول لغير الله ما لا يعتبر شركاً، وأن ليس كل داع لأحد أو مستنجد به أو مستعين به يعتبر شركاً، فتشوا عن ضوابط لما يصل إلى درجة الشرك وما لا يصل إليه، فأجازوا من ذلك مما كان لحي حاضر فيما يقدر عليه، ومنعوا من ذلك ما كان لغائب أو ميت، ولا معنى لبناء الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأنه لا يعتقد أنّ العبد يخلق أفعال نفسه إلا المعتزلة ومن قلَّدهم، أما أهل السنة فحين يدعون أحداً أو يستنجدون به أو يستعينون به حياً كان أو ميتاً، حاضراً أو غائباً يعتقدون أنه لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله، وطلب سليمان من اتباعه عرش بلقيس هو مما لا يدخل عادة تحت قدرة العبد ومع ذلك طلبه، ولا معنى كذلك لبناء الجواز والمنع على الحياة والموت لأن المعنى الذي أجيزت به الاستغاثة مثلاً بالاحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء وغيره وذلك موجود على أتم وجوهه في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم إذ صحت الأحاديث بحياتهم ولوازمها من السمع والبصر والكلام والسلام والتزاور والقدرة على دعائهم للأحياء لا سيما لقرابتهم وزوارهم، وفي كتاب “الروح” لابن القيم فصول فحواها “أنه قد تواتر بأنّ لأهل القبور قدرة على التصّرف والترائي للأحياء “ ([7]) .
وإذ تبين فساد ضوابطهم في الجواز والمنع تبين أنّ الضابط الصحيح للتفرقة بين الجواز والمنع هو أنه كان العمل أو القول لمن لا يعتقده رباً فليس من العبادة في شيء، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته واستقلاله بالنفع والضر وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يعتبر عبادة إن صرف الله وشركاً إن صُرف لغيره لا فرق في ذلك بين حاضر وغائب ولا ميت وحي ولا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة ولا يوم القيامة، وما خلا عن نية العبادة لا يقال أنه عبادة لغير الله إلا أن يكون الشارع قد جعل نفس العمل كفراً كالسجود للصنم يكفر فاعله ولو لم تعرف نيته لأنّ ذلك إمارة على اعتقاد ربوبيته ومظنة للشرك، وبهذا البيان تعلم أنّ مسمى العبادة شرعاً لا يدخل فيه شيء مما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة وغيرهما، فعدُّ ذلك من الشرك المخرج عن الملة إنما يجر إليه الجهل بمعنى الشرك والعبادة) أهـ ([8]) .
[المفتاح السادس]: التعريف الضابط لفهم توحيد العبادة: إنّ التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة هو إفراد الله تعالى باعتقاد الربوبية والألوهية، وافراد الله تعالى بأفعال العبد من سائر مفردات العبادة من صلاة وصيام ودعاء وذبح، ومن سائر أعمال القلوب كالتوكل والاستعانة واليقين، وقد شاب تعريف (العبادة) قصور عند بعض العلماء، ومن ذلك قول ابن تيمية رحمه الله في تعريف العبادة: (العبادة اسم جامع لكلّ ما يحبّه اللّه و يرضاه من الاَقوال والاَعمال الباطنية والظاهرية كالصلاة والزكاة والصيام، والحجّ، و صدق الحديث و أداء الاَمانة، و برّ الوالدين و صلة الاَرحام) ([9]) .
وهذا التعريف إن كان يُقصد به تعريف العبادات، فهو تعريف صحيح، أما إن كان القصد منه تعريف العبادة فهو تعريفٌ فيه قصور شديد لأنّه لم يبين الضابط الذي يفرق العبادة عن غيرها من الاعمال التي قد تشابه العبادة في الصورة ولكنها ليس المقصد منها العبادة، وقد مر بنا مثال السجود لآدم عليه السلام، وأنّه لم يكن عبادة لأنّه خلا منه الاعتقاد بربوبية وألوهية المسجود له، والمقصود أن ليس كل ما صرف لغير الله تعالى مما يشبه العبادة يكون شركاً بالله تعالى حتى يصاحبه اعتقاد ربوبية وألوهية من يصرف إليه العبادة، فإن خلا من الاعتقاد كان شيئاً آخر غير الشرك بالله.
[المفتاح السابع]: التعريف الضابط لفهم معنى الشرك الأكبر المناقض لتوحيد الألوهية: إنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية هو اتخاذ إلها مع الله، قال تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } [النحل: 51]، أو هو اتخاذ آلهة مع الله، كما حكى القرآن الكريم عن كفار قريش: {{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5، 6]، أو هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء من مفردات الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في عبوديته لله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه، وعلى ذلك فالضابط الأوحد في مسألة العبادة هو الاعتقاد القلبي، أما العمل العبادي المجرد عن الاعتقاد، فلا يكون فعله لغير الله عبادة أبدا، وفي قصة سجود الملائكة لآدم أكبر دليل على ذلك، وكذلك إلا لما جاز ان يسجد نبي الله يعقوب وبنيه ليوسف عليهم السلام.
[المفتاح الثامن]: الفقه في مفهوم مفردات العبادة التي من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر: ذكرنا أنّ العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقادي لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، ولكل مفردة من هذه العبادات ركنان: الركن الأول: الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة، والركن الثاني: العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة أو البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
[المفتاح التاسع]: الفقه في مفهوم (السجود) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له – كأن فعله تكريماً أو تعظيماً فلا يكون عبادة، وقد مر بنا سجود الملائكة لآدم عليه السلام، ولو كان شركاً لما أمر الله تعالى به فإنّ الله تعالى لا يأمر بما هو شرك، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، ومر بنا أنّ إخوة نبي الله يوسف عليه السلام خروا له سجدا، وكان ذلك جائز في شريعتهم ولو كان شركاً لما جاز في أي شريعة ربانية، قال الطبري: (وكان سجود الملائكة تكرمة لآدم وطاعة لله لا عبادة لآدم كما حدثنا به بشر.. عن قتادة قوله (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ) فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته) أهـ ([10]) .
وقال القرطبي: (واختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة، فقال الجمهور: كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض كالسجود المعتاد في الصلاة) أهـ ([11]) . وقال ابن كثير:(قال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكراما قال تعالى {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا } وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا)([12]) .
وقد أخرج ابن ماجة في سننه: (أنّه لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فلا تفعلوا،) ([13]) .
والحديث يدل على أن السجود بغير نية العبادة لا يكون كفراً بمجرده وإلا لبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكمه لمعاذ رضي الله عنه، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة السجود تبعاً للنية، ومن ذلك قول الشوكاني في السيل الجرار: (اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار.. فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشر لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر، وأما قوله (ومنها السجود لغير الله) فلا بد من تقييده بأن يكون سجوده هذا قاصداً لربوبية من سجد له، فإنه بهذا السجود قد أشرك بالله عز وجل وأثبت معه إلهاً آخر، وأما إذا لم يقصد إلا مجرد التعظيم كما يقع كثيراً لمن دخل على ملوك الأعاجم أنه يقبل الأرض تعظيماً له، فليس هذا من الكفر في شيء، وقد علم كل من كان من الأعلام أن التكفير بالإلزام من أعظم مزالق الأقدام فمن أراد المخاطرة بدينه فعلى نفسه جنى) أهـ ([14]) .
[المفتاح العاشر]: الفقه في مفهوم (الدعاء) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الدعاء تبعاً للعقيدة، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله، كما أنّه ليس كل دعاء عبادة، فهناك الدعاء بمعنى النداء، كما في قوله تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25]، وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} [نوح: 5]، هذا أمر، والأمر الثاني أنّه ليس كل دعاء مسأله يكون دعاء عبادة، لأنّ دعاء العبادة من شرطه أن يدعو الداعي وهو يعتقد بألوهية وربوبية المستعان به على اجابة الدعاء، كأن يعتقد قدرته المستقلة على اجابة الدعاء، أو قدرته الذاتية على افادة الداعي من دون الله، ولأجل هذا المعنى كان دعاء عبدة الاَصنام عبادة لاعتقادهم بأُلوهيتها، كما قال تعالى: {فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الّتي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ شَيْءٍ} [هود: 101]، وقوله تعالى: {إِنَّ الّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ} [الاَعراف: 194]، وقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْويلاً * أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الاِسراء: 56، 57] وقوله تعالى: {وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ} [يونس: 106].
فهذا هو الدعاء المساوي للعبادة، والذي صرفه لغير الله تعالى يكون شركاً بالله، لأنه مصاحب لاعتقاد ألوهية وربوبية المستعان به على اجابة الدعاء، فلو كان الداعي يعتقد فيمن يدعوه أحد صفات الربوبية والألوهية كالتصريف والتدبير من دون الله، فهذا الدعاء عبادة، وإن كان يتوسل به إلى الله فهذا توسل له حكم التوسل، وسيأتي بين حكم التوسل بتفصيل في كتاب التجديد في التوحيد، أما التفريق بين الحي والميت في الدعاء، فهو ضعيف فقهياً، ولا ينضبط بضابط صحيح، لانّ الخلاف موجود، في اعتبار الميت جماد لا يسمع أم هو حي حياة خاصة به، ولا تمنع من سماعه للحي، بأدلة عديدة من السنّة، مثل حديث ((أهل قليب بدر)) في الصحيح ([15]) .
وحديث: ((سماع الميت لقرع النعال))، ([16]) وحديث ((السلام على الأموات عند الزيارة)) ([17]) .
وغيرها كثير، فهذه أدلة قوية على سماع الاموات للأحياء، وأما الاستدلال بقوله تعالى {وما أنت بمسمع من في القبور} على أنه نفي لسماع الأموات للأحياء فليس المقصود ذلك، بل المقصود سمع إجابة وإيمان لا مجرد السمع الحسي لأنّ سياق الآيات في بيان أنّ الكافر لا يستجيب لدعوة الإسلام كما لا يستطيع الميت أن يستجيب لدعوة الإسلام، كما أنّ التفريق في الدعاء بين ما يقدر المرء عليه وما لا يقدر عليه، فهو ضعيف أيضاً، وليس له ضابط عام، وذلك لأنّ كل شيء يتم في اعتقاد كل مسلم بقدرة الله، فلا علاقة لقدرة المخلوق بالأمر، وأما الضابط الذي تنضبط له كل أطراف المسالة، هو ربط الدعاء بالاعتقاد، فمن يدعو الحي أو الميت، الضعيف أو القوي، ويناديه وهو يعتقد أنّه متصرف بالأمر استقلالاً أو أنّه شريك لله تعالى فهذا شرك أكبر يناقض توحيد الألوهية، ومن يدعو الميت ويناديه على أنه وسيلة إلى الله لا حول لها ولا قوة إلا بالله، يتقرب إلى الله تعالى بصلاحه، فهذا ليس بشرك ولا يناقض التوحيد، وإنما هو خلاف فقهي بين طوائف أهل السنة والجماعة، والخلاف الفقهي لا ينشأ عنه تبديع ولا تفسيق.
[المفتاح الحادي عشر]: الفقه في مفهوم (الذبح) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في السجود يقال مثله في الذبح، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الذبح تبعاً للعقيدة، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام، أو بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له، فهذا من المحرمات ولكن لا يدخل في باب الشرك الاكبر، قال النووي: (قال الرافعي: واعلم أن الذبح للمعبود وباسمه نازل منزلة السجود، وكل واحد منهما من أنواع التعظيم والعبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة، فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحل ذبيحته، وكان فعله كفرا، كمن يسجد لغير الله تعالى سجدة عبادة، وكذا لو ذبح له أو لغيره على هذا الوجه، فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيما لها لكونها بيت الله تعالى أو لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكونه رسول الله فهو لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة) أهـ ([18]) .
[المفتاح الثاني عشر]:الفقه في مفهوم (النذر) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر:
ما قيل في السجود يقال مثله في النذر، فمن نذر لمن يعتقد فيه الربوبية وصفاتها، فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة، قال في (البحر الرائق):(وأما النذر الذي ينذره أكثر العوام.. إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقاده ذلك كفر اللهم إلا إن قال يا الله إني نذرت لك إن شفيت مريضي أو رددت غائبي أو قضيت حاجتي أن أطعم الفقراء، فيجوز بهذا الاعتبار) أهـ([19]) .
[المفتاح الثالث عشر]: الفقه في مفهوم (الشفاعة) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر:
ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، السجود يقال مثله في الذبح، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الشفاعة تبعاً للعقيدة، فمن صرفها لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها كالشراكة في التدبير أو الشفاعة لللازمة على الله تعالى، فهذا الشرك الاكبر، والآيات التي تثبت الشفاعة تستثني من شاء الله تعالى، كقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} [طه: 109]، وقوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، قال القاضي عياض: (مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلا ووجوبها بصريح قوله تعالى: {لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ}، وقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}، وأمثالها، وبخبر الصادق سمعا، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحتها في الآخرة لمذنبي المؤمنين وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة عليها، ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها وتأولت الأحاديث الواردة فيها، واعتصموا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار واحتجوا بقوله {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} وبقوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}،وهذه الآيات في الكفار، وتأولوا أحاديث الشفاعة في زيادة الدرجات وإجزال الثواب، وألفاظ الأحاديث التي في الكتاب وغيره تدل على خلاف ما ذهبوا إليه، وأنها في المذنبين وفي إخراج من استوجب) ([20]) .
[المفتاح الرابع عشر]: الفقه في مفهوم (الاستعانة) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية أو بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده، والقصد على وجه الاستقلال، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو، وكما علمنا القرآن الكريم توحيد الاستعانة بالله تعالى، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [البقرة: 153].
وضابط الاستعانة، أنّ من اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله، وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله، وإن خلت من النية والاعتقاد، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب.
***
المبحث الخامس مفاتيح العلم في باب العلم بالشرك ونواقض لتوحيد
[المفتاح الأول]: معنى الشرك ومفردات الشرك في عقائد المشركين
(1) معنى الشرك: الشرك هو اتخاذ آلهة مع الله ويشمل الشرك اعتقاد الشريك في ذات الله تعالى أو في أسمائه الحسنى أو في صفاته العلا أو في أفعاله الحكيمة أو في ربوبيته لخلقه أو في استحقاقه وحده للتأله والعبادة.
(2) مفردات الشرك في عقائد المشركين: اعتقاد الشريك في الذات، واعتقاد الشريك في الملك والتدبير، واعتقاد الند لله، واعتقاد المشاركة بين الله وبين معبوداتهم في الربوبية والألوهية، واعتقاد الولد والبنت لله، واعتقاد الشريك في الربوبية ومفرداتها من التصريف والتدبير، واعتقاد القدرة الذاتية لشركائهم على النفع والضر والإعزاز والنصر، واعتقادهم استحقاق معبوداتهم للعبادة من دون الله.
(أ) اعتقاد الشريك في الذات كشرك من جعل مع الله إلهاً آخر، وهذا كقول النصارى إن الله ثالث ثلاثة، وشرك عبّاد الأصنام والكواكب الذين جعلوها مع الله آلهة أخرى، ومن ذلك قوله تعالى – في حق النصارى -: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73]، وقوله تعالى – في حق عباد الشمس والقمر والكواكب -: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فُصِّلَت: 37]، وقوله تعالى – في حق مشركي العرب -: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5، 6].
(ب) اعتقاد الشريك في الملك: كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وقوله تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].
(ت) اعتقاد الند لله: والند كما جاء في معاجم اللعة هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير ويدل عليه قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ: 33]، وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: 8]، وقوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30].
(ث) اعتقاد التسوية بين الله وبين معبوداتهم في الربوبية والألوهية: كما في قوله تعالى: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98]، فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين وهي أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات الربوبية والألوهية.
(ج) اعتقاد الولد والبنت لله: كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88 إلى 95]، ولأنّه لا يجوز على الله تعالى الولد لأنّ الولد صنو أبيه والله تعالى ليس كمثله شيء، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى – آمراً رسوله صلى الله عليه وآله وسلم – بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 81، 82]، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس، وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص]، وقد نسب النصارى واليهود الولد إلى الله، كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30]، وقد نسب مشركو العرب البنت إلى الله تعالى، كما في قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57]، وقوله تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} [الصافات: 149]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} [الطور: 39]، وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 19 إلى 22].
(ح) اعتقاد الشريك في الربوبية ومفرداتها من التصريف والتدبير: كما في قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [سورة الأنعام: 164]، وقوله تعالى: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [آل عمران: 64]، وقوله تعالى: {والذين هم بربهم لا يشركون} [المؤمنون: 59]، وقوله تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا} [آل عمران: 80] وقوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31]، وقوله تعالى: {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39].
(خ) اعتقاد القدرة الذاتية على النفع والضر والإعزاز والنصر: كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء: 43]وقوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ} [هود: 101]، والمعنى أنّهم كانوا يدعونهم ويعبدونهم وهم ينتظرون أن يغنوا عنهم من الاله شيئا، وقد كان الكفار يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36] قال البغوي في تفسير الآية: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ}: ” وذلك أنهم خوفوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معرة معاداة الأوثان، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ” أهـ ([21]) .
والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون.
(د) اتخاذهم أولياء ينصرونهم من دون الله: كما في قوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9]، وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41]، وقوله تعالى: {وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 173]، وقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الانعام: 14].
(ذ) اعتقادهم استحقاق معبوداتهم للعبادة من دون الله: كما في قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، و قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الْأَنْبياء: 25]، وقوله تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، و وقوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31].
[المفتاح الثاني]: أنواع الشرك وأحكام كل نوع: الشرك أنواع، فمنه الشرك الأكبر، وهو المخرج من الملة، والموجب للخلود الأبدي في النار وهو شرك اعتقاد يوجب اعتقاد شريك مع الله تعالى في ذاته أو اسمائه أو صفاته أو أفعاله أو في ربوبيته أو في ألوهيته أو في هذه الأقسام جميعها، ومنه الشرك الأصغر، وهو شرك العمل بغير اعتقاد الشريك مع الله، ومنه الشرك الخفي وهو تعلق القلب بغير الله تعالى من سائر الأسباب.
و(حكم الشرك الأكبر): الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة، وصاحبه مخلد في النار، وهو محبط لجميع الأعمال مبيح للدم والمال، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزُّمَر: 65].
و(حكم الشرك الأصغر): الشرك الأصغر لا يخرج من الملة، لكنه ينقص التوحيد، ولا يخلد صاحبه في النار، بل يعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج من النار، وقد يتوب الله عليه فلا يدخل النار، والشرك الأصغر لا يحبط جميع الأعمال، وإنما يحبط العمل الذي خالطه، ولا يبيح الدم والمال كالأكبر، وحكم فاعله حكم عصاة الموحدين، وقد يكون الأصغر أكبراً بحسب ما يقوم في قلب صاحبه، فيجب على المسلم الحذر من الشرك مطلقاً.
و(حكم الشرك الخفي): سمي بالخفي لأنه أخفى على القلب من دبيب النمل، وتخفى دقائقه على أهل التوحيد، ولهذا لا ينجو منه إلا الأنبياء والمرسلين، ومحاربة هذا النوع من الشرك هو من كمال التوحيد، ومثاله، تعلق القلب بالأسباب، وتعلق المحبة بالأبناء والأموال، وهكذا، وقد علمنا الرسول الكريم الاستعاذة من هذا الشرك بقوله صلى الله عليه وسلم ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم واستغفرك لما لا أعلم)) ([22]) .
[المفتاح الثالث]: أحكام المشرك – الشرك الأكبر – في الدنيا: المشرك لا يُقبل منه أي عمل مع الشرك، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزُّمَر: 65]، والمشرك لا تحل مناكحته،: قال الله تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221]، والمشرك حلال الدم والمال: قال الله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، والمشرك نجس لا يحل له دخول المسجد الحرام: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 28]، والمشرك لا يرث المسلم وعكسه،: فعَنْ أسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلا الكَافِرُ المُسْلِمَ»، ([23]) .
وتحرم ذكاة المشرك، وتسقط ولايته، ويسقط حقه في الحضانة، لأنه كافر، وإذا مات المشرك على الشرك فإنه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدعى له بالرحمة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث، لأنه كافر.
[المفتاح الرابع]: أحكام المشرك – الشرك الأكبر – في الآخرة: إذا مات المشرك على الشرك فإن الله لا يغفر له، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [48]} [النساء: 48]، وإذا مات المشرك على الشرك فإنها تحرم عليه الجنة تحريماً مؤبداً، قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72]، وإذا مات المشرك على الشرك فمأواه جهنم خالداً فيها أبداً، قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 68]، وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَاهُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة: 161، 162]، وَعَنْ عَبْدِالله بنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدّاً دَخَلَ النَّارَ»، ([24]) .
[ المفتاح الخامس]: ضابط الشرك الأكبر المحبط للعمل:
(1) الشرك قسمان: أكبر يتعلق بالقلب والاعتقاد، وأصغر يتعلق بالعمل والجوارح، وهذا من أعظم الفقه في دين الله تعالى ومن الموازين الربانية لضبط مسائل وأحكام الشرك، وإلا دخلت الأمة في فوضى التشريك والتكفير واستحلال دماء وأموال وحرمات أهل القبلة، واتهام أهل الجهل والبدعة بالشرك الأكبر المخرج من الملة والعياذ بالله.
(2) شرك العبادة الأكبر شرك اعتقاد: ويتناول اعتقاد استحقاق غير الله تعالى للعبادة والنسك، أو استحقاق غير الله تعالى للحكم والتشريع، أو استحقاق غير الله تعالى للطاعة والاتباع، أو استحقاق غير الله تعالى للولاء والبراء، فمن اعتقد أنّ غير الله تعالى يستحق العبادة ومفرداتها من صلاة وسجود وركوع وخشوع وعبادات القلب من خوف ورجاء ورهبة ورغبة، ومن اعتقد أنّ غير الله تعالى يستحق الحكم والتشريع فيحرم ويحلل كيفما أراد لا يسأل عما يحكم أو يأمر به مهما خالف دين الله تعالى، ومن اعتقد أنّ غير الله تعالى يستحق الطاعة المطلقة في كل ما يأمر أو ينهى ولو خالف شرع الله، وعلى ذلك فمناط الشرك الأكبر هو صرف تلك العبادات والطاعات لغير الله وهو يعتقد ألوهية من يصرف إليه العبادة، كما أنّ مناط الشرك الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة: هو موالاة الكافرين الموالاة القلبية الاعتقادية على الدين أو المعاداة القلبية الاعتقادية على الدين، فموالاة الكافرين لا تبلغ بصاحبها نقض التوحيد، والبلوغ بالردّة والكفر الأكبر حتى تكون موالاة قلبية متعلقة بكفرهم ودينهم، فمن والى الكفّار وشايعهم على الدُنيا لرحم أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فهذا كفر في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإذا وجد في المسلمين من يوالي الكافرين بنوع من أنواع الولاء ثم أعلن بلسانه أنّ عقده سليم وقلبه سليم وأنه بريء منهم ومن كفرهم وأنه ما والاهم إلاّ مداراة أو مصادفة لرحم عندهم أو حاجة أو مصلحة فهذا لا تبلغ به الموالاة إلى الكفر الأكبر لسلامة قلبه وعقده وموالاته كفر في إطار الملة وصاحب الكفر دون الكفر عموماً على خطر عظيم لقربه من هاوية الكفر الأكبر.
ومعاداة المؤمنين كذلك لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون معاداة قلبه متعلقة بإسلامهم وإيمانهم، فمن عادى المؤمنين على دُنيا أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فكفره في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر، وعلى ذلك فمناط الشرك الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة: هو موالاة الكافر ظاهراً وباطناً على الكفر و معاداة المؤمن ظاهراً وباطنـاً على الإسـلام، فإذا تخلف هذا الضابط أو أحد شروطه وجوانبه كأن كانت الموالاة ظاهراً دون الباطن أو كانت لدُنيا وليست لدين فهي كفر في إطار الملة وليست كفراً أكبر، وليس بالأمر الهين لفظ الكفر ولا بالأمر السهل أن يوصف المرء بالكفر في إطار الملة فهو أشد وأخطر من الكبائر عامة، والمحرمات كافة لأنه قريب من الكفر الأكبر وصاحبه على خطر عظيم إن لم تتداركه رحمة الله بالتثبيت.
(3) شرك العبادة الأصغر شرك عمل: ويتناول صرف بعض مفردات العبادة إلى غير الله تعالى مع سلامة الاعتقاد، أو الحكم العملي بغير ما انزل الله تعالى مع سلامة الاعتقاد بأن الله تعالى هو وحده الحكم المشرع، أو طاعة غير الله تعالى في معصية الله مع سلامة الاعتقاد بأنّ ما يفعله معصية تغضب الله تعالى لا يستحلها، أو موالاة الكافرين الموالاة العملية لأجل الدنيا، مع سلامة العقد والقلب على الدين، أو معاداة المؤمن ظاهراً على الدنيا، وعقد القلب سليم على موالاة كل مسلم على الدين.
(4) ضابط الشرك في ألوهية الله تعالى: إن الاضطراب الحاصل في تحديد حقيقة الشرك الأكبر في العبادة والألوهية أوقع الكثير من المنتسبين للعلم في اتهام المسلمين بالشرك، بمجرد البدعة التي ظنوها شركاً أكبر، وضابط الشرك في الألوهية يكون باعتقاد استحقاق غير الله تعالى للعبادة، وهو يكون بصرف العبادة أو بعض مفرداتها إلى غير الله بنية العبادة لمن يعتقد ألوهيته، وهذا الضابط هاهنا هام جداً كضابط لمسائل الشرك في الألوهية، فمن صرف العبادة أو مفرده منها كالسجود لغير الله بنية العبادة لمن يعتقد ألوهيته فقد أشرك بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وأنا هنا أنبه لهذا الضابط، وذلك لأن السجود بنية الإكرام أو التعظيم وليس العبادة لا يكون شركاً أكبر بالله البته، وهذا بحمد الله لا خلاف فيه بين علماء المسلمين المحققين.
(5) قاعدة عظيمة في ضبط مسائل الشرك: الشرك الأكبر اعتقادي والشرك الأصغر عملي: فلا يكون العمل الشركي دالا على الشرك الأكبر إلا باعتقاد ألوهية غير الله واستحقاق غيره للعبادة، وهذا الضابط هو العاصم من التكفير واتهام المسام بالشرك الاكبر المخرج من الملة، بمعنى أنه كل من يقول أنا لا أعبد إلا الله وما أقوم به ليس عبادة لغير الله، لا يمكن أن يقال له: لا بل أنت مشرك، أنت تعبد غير الله لأننا نحن نعرف معنى العبادة وأنت لم تعرفها، هو مسلم بمجرد اعتقاده بأن العبادة لا تكون إلا لله ولم يقصد غير الله بالأعمال العبادية، وكل مقر بلسانه بكلمة التوحيد مسلم ليس لنا أن تتهمه بالشرك ما دام يأبى الشرك بالله، والاتهام بالشرك أخطر أنواع التكفير والمقر بلسانه بكلمة التوحيد(لا إله إلا الله) مسلم، ليس لنا أن تتهمه بغير ذلك، ما كان مقرا بأن الله هو الخالق المدبر المعبود وحده لا شريك ولا يمكن أن نحكم بكفره إلا إذا أنكر ما هو ضروري من الدين مع انتفاء الشبهة في حقه، وقد ردع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتهام اي مسلم بالشرك او الكفر، ففي صحيح مسلم: ((إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما)) ([25]) .
***
المبحث السادس مفاتيح أخطاء الوهابيين في باب الشرك
[المفتاح الأول]: خطأ المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين: المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء، والموحد يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله، ويقول: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، والمسلم يعتقد أنّ: {اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، والمشرك ينسب إليه الولد والوالد والصاحبة والبنات، والمسلم يوحد الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، ولا يرى له مثيلاً ولا نظيراً في الأسماء والصفات والاَفعال فهو المتفرِّد في أسمائه وصفاته وأفعاله، والمشرك يلحد في أسمائه ويشتق منها أسماء لآلهته، كالعزى من العزيز، ويلحد في صفاته وأفعاله، وينسب إلى آلهته صفات القدرة والنفع والضر والإعزاز والإذلال، ويسوي الاَصنامَ بربّ العالمين كما في قوله تعالى – وهم يتعاتبون في النار -: {تَاللّه ِإِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين} [الشعراء: 97، 98].
والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا، لقوله تعالى: {قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً}[الزمر: 44] وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله، وإنما لمن ارتضى، لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة – على اعتقادهم الباطل – مع الله، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94]، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى: {فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً} (فاطر: 10) والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى: {وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81]، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) معتقدين لها، والمشرك لا يؤمن بالرسول، ويقول – كما حكاه عنه القرآن الكريم -: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 4 إلى 8].
ولذلك لا يصح مقارنة أفعال جهلاء المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال، كالطواف حول القبور والتبرك بالصخور، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية والربوبية أو شيء من صورهما.
ومنه يتبين خطأ إمام الدعوة النجدية الشيخ محمد ابن عبدالوهاب عندما قال: (فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين: أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا}.. الأمر الثاني: إن الأولين يدعون مع الله أناسا مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة أو يدعون أشجارا أو أحجارا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك “ ([26]) .
ومن المعلوم أن شرك الاولين اعتقادي فهم يأبون الانقياد للإسلام ويأنفون من قول لا إله إلا الله ومن الاعتراف بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وينكرون البعث والنشور فكيف نقارنهم بمن اتى بالشهادتين واعتقدهما وأقر بهما ورضي بالإسلام دينا، وقد أدى هذا الاعتقاد إلى تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر، واستحلال دمائهم وأموالهم، وما ذاك إلا بسبب عدم تحرير الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله، وهذا لا يكون من مسلم أبدا.
[المفتاح الثاني]: الخلط بين عقيدة المسلمين في الشفاعة وعقيدة المشركين في الشفاعة: (الشفاعة): معتقد صحيح في دين الله ولا علاقة لشفاعة المسلمين بالشرك: هناك فرق أصيل بين عقيدة المسلمين في الشفاعة وعقيدة المشركين في الشفاعة، فالمسلم يعتقد أنّ الشفاعة تكون للصالحين فيما يأذن به الله ويرضاه سبحانه، كما في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109]، وقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، وقوله تعالى {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3]، واعتقاد الشفاعة بهذه الضوابط لا يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر، بل هو على النقيض من ذلك توحيد وطاعة ووسيلة إلى رضا الله تعالى، أما المشركون فيعتقدون شفاعة آلهتهم ومعبوداتهم إلزاما على الله تعالى بموجب شراكتهم لله تعالى في ملكه وربوبيته وألوهيته، فهذه شفاعة شرك وكفران، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94]، فالمشركون – كما تدل الآية -: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} يزعمون أن شفاعة معبوداتهم واجبة بما لها من شراكة مع الله، تعالى الله عما يشركون، ومنه يتبين خطأ من استدل بآية الزمر على اتهام المسلمين بالشرك لاتخاذهم بعض الصالحين شفعاء عند الله، وكما مر بنا شتان بين عقيدة المسلمين في الشفاعة وعقيدة المشركين في الشفاعة، فالمسلم يعتقد أنّ الشفاعة تكون للصالحين فيما يأذن به الله ويرضاه سبحانه، أما المشركون فيعتقدون شفاعة آلهتهم إلزاما على الله تعالى بموجب شراكتهم لله تعالى في ربوبيته وألوهيته.
[المفتاح الثالث]: خطأ اعتقاد أنّ الشفاعة يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر: استدل بعض المتعجلين بالآية: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 43، 44] على اعتبار اعتقاد الشفاعة المجردة موجب مستقل للشرك الأكبر، وقد تقدم أنّ هناك فرق بين اعتقاد الشفاعة عتد المسلمين والمشركين، وكذلك فإن اعتقاد المشركين لم يكن بمجرد الشفاعة بمعنى الواسطة ولكن اعتقادهم كان بالشفاعة الجبرية بما لها من شراكة في الملك والتدبير، ومن تدبر آية الأنعام علم ذلك، قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94]، فجمع الله تعالى بين اعتقادهم الشفاعة وزعمهم أن لها الشراكة في الربوبية والملك والتدبير {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}.
[المفتاح الرابع]: خطأ الاستدلال بآية الزمر للتوصل إلى اتهام جهلاء المسلمين بالشرك: قال تعالى {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}[سورة الزمر: 3]، تبدأ الآية بذكر الدين الخالص الذي هو (التوحيد) ويشمل كافة أقسام التوحيد من توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال ويشمل توحيد الربوبية بكافة مفرداتها وتوحيد الإلوهية بكافة مفرداتها، ثم قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء}، الولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}[مريم: 81]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}[يس: 74]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}[سورة هود] وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية والألوهية (ما نعبدهم)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك بالله، وقوله تعالى: {كَاذِبٌ كَفَّارٌ} صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته وكذبوا على الله ورسوله.
[المفتاح الخامس]: خطأ جعلهم ضابط الشرك الأكبر هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء: أخطأ من ظن أن اتخاذ الوسائط المجرد بدون أن يصاحبه اعتقاد ألوهية الوسيط هو الموجب لشرك العبادة الشرك الأكبر المخرج من الملة، وسبب هذا الخطأ هو عدم تحديد الضابط للشرك الأكبر في آيتين من كتاب الله هما: قوله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، وقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]، وقد مر بنا بيان الفقه المتعلق بالآية الأولى، وأهم ذلك: أنّ المشركين أقروا بعبادتهم لأصنامهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ}، وهذا لا يقر به مسلم أنه يعبد غير الله، والثاني: نجد أن الله تعالى قد كذبهم في ادعائهم بأن الغرض من عبادتهم هو التقرب إلى الله سبحانه ولهذا ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، الثالث: ضابط الشرك الأكبر في الآيات هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، أما الآية الثانية فالمتدبر لها يفقه منها أمور ضرورية: الأول: الإقرار بعبادة غير الله {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، والثاني: اعتقاد شركاء مع الله في ألوهيته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، والثالث: تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم بأنهم يتخذون هذه الأصنام مجرد شفعاء لهم عند الله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، والرابع: ضابط الشرك الأكبر في الآيات هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، ومما سبق يعلم خطا من جعل ضابط الشرك الأكبر في الآيتين هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء.
وهذا كما جاء في كشف الشبهات: يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (فإن قال (أي المسلم): الكفار يريدون منهم (أي الأصنام) وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم، فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواء، وأقرأ عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وقوله تعالى (وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} ([27])
وقال أيضا: (وبعد فهذه أربع قواعد من قواعد الدين يميز بهن المسلم دينه من دين المشركين..، القاعدة الثانية: إن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ما أرادوا من قصدوا إلا قربة وشفاعة ودليل القربة قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} ودليل الشفاعة قوله تعالى {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} ([28]) .
قلت: يفهم من كلامه أن ما يفعله المسلمون عند أصحاب القبور هو من جنس ما يفعله المشركون عند أصنامهم من عبادتها واعتبارها شفعاء إلى الله وهيهات فالفارق بينهم شديد، فالمسلمون لا يعتقدون أن مع الله آلهة أخرى، ويأنفون من صرف العبادة لغير الله، قد يكون فيهم جهل وبدعة، ولكن أن نتهم بالشرك الأكبر ونستحل دماءهم وأموالهم بذلك، فهذا من الغلو في باب التوحيد والشرك،بما لا يخضع لضابط الفقه الذي يجعل لكل حكم قدرا، ولكل مسألة ضابطا.
[المفتاح السادس]: الخلط بين مفهوم التوسل ومفهوم الشرك بالله وهذا إجرام في حق أمة التوحيد: إذ هناك فارق عظيم بين مفهوم التوسل وبين مفاهيم الشرك بالله:
(أ) التوسل هو التقرب إلى الله، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل، وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57]، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض كذلك لبيان الوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، تصرّح الآية الكريمة بأن التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستشفاع به إلى الله عز وجل والاستغفار منه لمغفرة المعاصي، مؤثر وموجب للتوبة والرحمة الإلهية، والآية الكريمة مطلقة لم تحدد الاستغفار بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حياته فقط، أو أنها صالحة إلى يوم القيامة، قال المانعون للتوسل بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الآية تتعلق بحياته دون موته لأنه لا إدراك له بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فكيف يتوسل إلى الله تعالى لمغفرة ذنوبهم.
وقال المجيزون للتوسل – وهم جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة) إن هذه الآية صالحة إلى يوم القيامة سواء في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد وفاته، لاسيما وقد جاءت الأدلة التي تدل على إدراك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبره لحال أمته – سياتي بيان أدلتهم -، وبالتالي فلا فرق بين حياته وموته، ومن فرق بين حياته وموته صلى الله عليه وآله وسلم فعليه أن يأتي بدليل مقيد للإطلاق الذي عليه الآية الكريمة.
(ب) الخطأ في فهم المقصود من التوسل: ظن البعض أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا، وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا، وهذا هو السر في الخلاف الحاصل بين بعض طوائف أهل السنة والجماعة، فلو حررنا موضع النزاع في فهم التوسل، ونظرنا إلى الوسائل المشروعة للتوسل، فما أجازه الشرع من معاني التوسل أجزناه، وما منعه الشرع من معاني التوسل منعناه، لا نفتئت على الشرع ولا نتقدم عليه برأي دون دليل.
قال الشوكاني رحمه الله – وهو يحاول تصحيح هذا الخطأ -: (وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ونحو قوله تعالى {فلا تدعوا مع الله أحداً} ونحو قوله تعالى {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النـزاع بما هو أجنبي عنه، فإن قولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} مصرح بأنهم عبدوهم لذلك، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك، وكذلك قوله {ولا تدعوا مع الله أحداً} فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم وكذلك قوله {والذين يدعون من دونه} الآية فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه، وإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النـزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه كاستدلالهم بقوله تعالى {وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله} فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله {ليس لك من الأمر شيء} {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً} فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره، وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل قوله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} يا فلان بن فلان لا أملك لك من الله شيئاً، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئا ً، فإن هذا ليس فيه إلا التصريح بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يستطيع نفع من أراد الله ضره ولا ضر من أراد الله تعالى نفعه، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله، وهذا معلوم لكل مسلم وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين)) أهـ ([29]) .
ويمكن القول بأن الذين يفسرون الشرك بالتعلق والتوسل بغير الله، إنما يصح كلامهم هذا إذا اعتقد الانسان بتأثير الوسائل والاسباب على نحو الاستقلال والاصالة، أما إذا اعتقد بأنها تؤثر بإذن الله فإنه لاشك لا علاقة له بالشرك، لاسيما إذا اتخذ الوسائل المشروعة للقربى من الله.
(ت) تحرير المعنى المقصود من التوسل: التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، والمتوسِّلُ المسلم الموحد لا يعبد إلا الله، ولا يرجو سوى الله، ولا يدع إلا الله وحده، فالله وحده – في عقيدة كل مسلم – هو المالك القادر المهيمن، وهو وحده المعطي والمانع، وهو وحده المعز والمذل وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة – رجاء قبول مبتغاه عند الله، وليس التوسل – أبداً – اتخاذ واسطة بين العبد وربه، كما كان يفعل المشركون بقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان، ويشهد بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، عن يقين واعتقاد، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان، ويزعم أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ساحر كذاب، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: آية 4 إلى آية 8]، فهل من العدل والإنصاف في دين الله تعالى أن نساوي بين توسل المسلم الذي أقر بالتوحيد والإسلام والإيمان، وبين اتخاذ المشرك وسائط إلى الله على زعمه الكاذب الذي كذبه القرآن الكريم، وجعله كاذب كفار حرمه الله تعالى من الهداية، قال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام، وفي الباب السابع تفصيل لمسألة التوسل بما يشفي الغليل ويمثل القول الفصل في التوسل ضمن إطار أهل السنة والجماعة إن شاء الله تعالى.
المبحث السابع أخطاء الوهابيين في تقسيم علم التوحيد
[المفتاح الأول]: بيان أخطاء أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تقسيم التوحيد: جعلوا للتوحيد ثلاثة أقسام هي توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، (العبادة) وتوحيد الأسماء والصفات، ولا مشاحة في التقسيم كما ذكرت ولكن هناك خلل في هذا التقسيم، ويتمثل الخلل في خمسة نقاط رئيسة:
(النقطة الأولى): إهمال أهم قسم من أقسام التوحيد ألا وهو توحيد جناب الذات مما آل بهم إلى الوقوع في بدعة التجسيم وإن زعموا غير ذلك.
(النقطة الثانية): الخلل في فهم توحيد الربوبية، حتى زعموا أن المشركين زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا على توحيد الربوبية ولم يكونوا كذلك.
(النقطة الثالثة): الخلل في فهم توحيد الألوهية (العبودية) فلم يحددوا أركان هذا التوحيد فآل بهم الحال إلى تكفير اهل القبلة واستحلال حرماتهم ودمائهم وأموالهم بغير حق.
(النقطة الرابعة): أنهم فرقوا بين الربوبية والألوهية مع أنّه لا يمكن الفصل بينهما أبدا، بل التلازم بينهما جعل معاني الرب ندخل في معاني الإله، فالرب هو الإله، والإله هو الرب، والرب هو المعبود والمعبود هو الرب.
و(النقطة الخامسة): الخلل في فهم توحيد الأسماء والصفات، مما أدى بهم إلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس وأدى بهم إلى الغلو في التبديع وتبديع طوائف أهل السنة والجماعة القائمين على ثغور العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية.
(النقطة الأولى من نقاط الخلل في تقسيم التوحيد): إهمال أهم قسم من أقسام التوحيد ألا وهو توحيد جناب الذات: مما آل بهم إلى الوقوع في بدعة التجسيم وإن زعموا غير ذلك، لقد أهملت الوهابية قسم توحيد الذات بكامله من تقسيمات علم التوحيد فوقعوا في بدع التجسيم والتكييف وإن لم يشعروا بذلك، (توحيد الذات): وهو علم التقديس والتنزيه: وهو أعظم أقسام التوحيد،، وهو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد، والمقصود من (توحيد الذات) هو اعتقاد الكمال المطلق لله تعالى في ذاته، والتنزيه لجناب ذاته عن كل نقص، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد وتقديس ذات المعبود سبحانه، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد الذات، وقد حجب الله تعالى عن الخلق كنه ذاته ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، لذلك فإن (توحيد الذات) لا معنى له إلا تقديس الذات وهو يتمثل في تنزيه ذات الله تعالى عن كل مثيل أو ند أو شريك والاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن معرفة الذات والتوقف عن التفكير في تكييف ذات الله تعالى، وإنما المقصود من هذا الباب _ بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها _ هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص لله تعالى، إنّ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى، والمسمى هو ذات الله، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات، ومن هنا كان توحيد الذات هو أهم وأشرف أقسام التوحيد، كما أنّه أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد، وإنّ الذهول عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد، سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بجوانبه.
إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين الموحدين المقدسين، والذهول عن هذا القسم (قسم توحيد الذات) يؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، ولذلك فإن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات الإلهي، أو أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة، وهو لا يعرف قواعد هذا العلم الراسخ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة، والفقه في التوحيد والتقديس، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به.
(النقطة الثانية من نقاط الخلل في تقسيم الوهابية للتوحيد): الخلل في فهم توحيد الربوبية، حتى زعموا أن المشركين زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا على توحيد الربوبية ولم يكونوا كذلك، لقد اعتقد هؤلاء أنّ مجرد اعتراف المشركين بأنّ الله خالقهم ورازقهم أنّهم هكذا على توحيد الربوبية، وهذا خطأ، لأنّ تخصيص الربوبية بالخالقية قصور في فهم معاني الربوبية التي تشمل كل خصائص الربوبية والإلهية وهي الصفات التي من أجلها استحق الرب أن يكون معبودا من خلق العالم وتدبيره وتصريفه وحق التشريع والغنى المطلق عن غيره، فـــ (الربوبية): مصطلح واسع من أوسع مصطلحات الإلهيات، يحمل معاني الخلق والإيجاد والامداد لكافة الوجود بمن فيه وما فيه، والله تعالى هو رب العالمين، و (الربوبية) تحمل كل معاني التربية من التنشئة والرعاية والتعهد والاستصلاح ثم كل معاني الملك والتصرف والتدبير والتصريف ثم كل معاني العلو والسيادة والحكم والأمر ثم كل معاني الهيمنة من العز والذل والنفع والضر فمن ذلك كله تنشأ معاني الربوبية، ولا تصح الربوبية إلا بإفراد الله تعالى بها، و(توحيد الربوبية) مصطلح شامل يحمل اعتقاد افراد الرب تعالى بكل معاني الربوبية، لا يصح مصطلح توحيد الربوبية إلا باعتقادها جميعا، لقد ظن الوهابية أن البشرية كلها على توحيد الربوبية وان المشكلة تكمن في توحيد العبودية وهذا من القصور في فهم معاني توحيد الربوبية خاصة والتوحيد بصورة عامة، فإنّ المشركون كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية، فقد كانوا على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الإلهية والربوبية في اعتقادهم، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله، كما لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الإلهية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة، والمشركون في كل زمان وفي زمان الرسول كانوا على الشرك في الربوبية كما كانوا على الشرك في الإلهية، وذلك لأنهم ظنوا في آلهتهم التي عبدوها من دون الله النفع والضر والعز من دون الله، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، (إذن) المشركون كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون.
ونستفيد منه أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً، وأنّ من ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن على صواب في ذلك، استدل الوهابيون بقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنْكبوت] وقال تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف] وقال تعالى {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس].
وعند تدبر هذه الآيات التي تتحدث عن حال الكفار والمشركين نجد فيها إقرار بخالقية الله وتدبيره للكون ولكنه ليس بتوحيد الربوبية، لأنهم يعتقدون بوجود آلهة صغيرة تشارك الله في تدبير شئون الكون فالمشركون يقرون بأن الله هو الخالق والمدبر لكن لا على أنه الأوحد في ذلك بل هو الخالق والمدبر الأكبر باعتبار أن الله كبير الأرباب والآلهة في عقيدتهم، ولكن معه أرباب وآلهة آخرون لهم دخل في بعض شئون الخلق والتدبير، ولذلك كثيرا ما يعترض القرآن عليهم الحاجة لاختلاق أرباب متفرقين {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف].
(النقطة الثالثة من نقاط الخلل في تقسيم الوهابية للتوحيد): الخلل في فهم توحيد الألوهية (العبودية) فلم يحددوا أركان هذا التوحيد ولم يفرقوا بين أصله وصوره فآل بهم الحال إلى تكفير اهل القبلة واستحلال حرماتهم ودمائهم وأموالهم بغير حق، وأصل (العبودية) هو الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق، أو المعبودات الباطلة من دون الله، إنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة، ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء: 24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة.
(إذن) لابد من القول بأنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة، إنّ من الفقه في فهم معنى العبادة: أن نعلم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، و(للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال.
إنّ الذهول عن ضابط العبادة (اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود) آل بالوهابية إلى تكفير أهل القبلة واتهامهم بالشرك لمظاهر شركية تنم عن الجهل عند بعض المسلمين وليس الشرك واستحلوا بها دماءهم وأموالهم.
وأهم الأسس وركائز التي تُعين على فهم توحيد العبودية فهما صحيحا:
(أ) التفريق بين أصل العبادة وهو اعتقاد الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية لمن تصرف له العبادة وبين صور العبادة من السجود والدعاء وغيره.
(ب) الاعتقاد هو ضابط الحكم في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر.
(ت) الاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة، العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقادي لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة.
(ث) لكل مفردة من هذه العبادات ركنان: الركن الأول: الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة، والركن الثاني: العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة أو البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
(ج) كمثال (السجود) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له – كأن فعله تكريماً أو تعظيماً فلا يكون عبادة، وقد مر بنا سجود الملائكة لآدم عليه السلام، ولو كان شركاً لما أمر الله تعالى به فإنّ الله تعالى لا يأمر بما هو شرك، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، ومر بنا أنّ إخوة نبي الله يوسف عليه السلام خروا له سجدا، وكان ذلك جائز في شريعتهم ولو كان شركاً لما جاز في أي شريعة ربانية.
(ح) والتعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة: هو إفراد الله تعالى باعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية وحده، وافراد الله تعالى بأفعال العبد من سائر مفردات العبادة من صلاة وصيام ودعاء وذبح، ومن سائر أعمال القلوب كالتوكل والاستعانة واليقين، وقد مر بنا مثال السجود لآدم عليه السلام، وأنّه لم يكن عبادة لأنّه خلا منه الاعتقاد بربوبية وألوهية المسجود له، والمقصود أن ليس كل ما صرف لغير الله تعالى مما يشبه العبادة يكون شركاً بالله تعالى حتى يصاحبه اعتقاد ربوبية وألوهية من يصرف إليه العبادة، فإن خلا من الاعتقاد كان شيئاً آخر غير الشرك بالله.
(خ) تعريف (الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية) الصحيح: هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في عبوديته لله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه.
(النقطة الرابعة من نقاط الخلل في تقسيم التوحيد): أنهم فرقوا بين الربوبية والألوهية مع أنّه لا يمكن الفصل بينهما أبدا، بل التلازم بينهما جعل معاني الرب ندخل في معاني الإله، فالرب هو الإله، والإله هو الرب، والرب هو المعبود والمعبود هو الرب، فمن أقر بأن الرب سبحانه لا يوجد معه رب سواه فلن يعبد غيره، ولن يتخذ إلها سواه، ولهذا جاء الحديث بانّ كل ميت سواء اكان مسلما ام كافرا سيسأل في قبره ثلاثة أسئلة، من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فلا فرق بين قول من ربك وقول من إلهك لأنهما متلازمان، وتوحيد الإلهية متفرع عن توحيد الربوبية وملازم له، فالناس إنما يعبدون من يعتقدون فيه الربوبية سواء اعتقدوا فيه ربوبية مطلقة، وهذا ما أثبته المسلمون لله تعالى، إنّ الآيات الدالة على التلازم بين معاني الربوبية ومعاني الألوهية في القرآن الكريم: كثيرة جدا لان الرب هو الإله، والإله هو الرب، والرب هو المعبود والمعبود هو الرب، فمن أقر بأن الرب سبحانه لا يوجد معه رب سواه فلن يعبد غيره، ولن يتخذ إلها سواه، ومن أمثلة هذا التلازم: قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، فالكلمة السواء كلمة التوحيد تشمل توحيد الألوهية (ألا نعبد إلا الله) وتوحيد الربوبية (ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله) الرب هو الإله والإله هو الرب، وقوله تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80]، فالمعنى آلهة يعبدون من دون الله، لأنّ الرب هو الإله والإله هو الرب.
وفي قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: {قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء: 53 إلى 56]، فالرب هو المعبود والمعبود هو الرب لا انفكاك في ذلك.
وفي ذكر محاجة سيدنا موسى لفرعون قال الله تعالى: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 26 إلى 29]، فالرب هو الإله ولا فرق في ذلك، وفي قصة سيدنا يوسف عليه السلام: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39] والمعنى أألهة متعددون خير أم الله الواحد القهار، فالرب هو الإله والإله هو الرب.
وفي القرآن الكريم حكاية عن فرعون: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] هنا ادّعى فرعون الربوبية، وفي آية أخرى يدّعي الألوهية: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، فلا تناقض لأنّ الرب هو الإله والإله هو الرب، فمن ادّعى الربوبية فقد ادّعى الألوهية، ومن ادّعى الألوهية فقد ادّعى الربوبية، ولا فرق بينهما في إفادة هذا المعنى، وفي السنّة كذلك، ففي صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وآله وسلم (ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا)، ([30]) .
فالرب هو الإله وإلا لكان الأولى (من رضي بالله إلها) لأنّ الإلهية ثمرة الربوبية، وفي سنن أبي داود حديث الملكين فيسألانه (مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟)، والمعنى من إلهك الذي تعبد.
(النقطة الخامسة من نقاط الخلل في تقسيم التوحيد): الخلل في فهم توحيد الأسماء والصفات، فإنّ ما سماه أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب توحيد الأسماء والصفات هو التشبيه والتجسيم عند جماهير العلماء الراسخين في العلم.
لقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أنه تعالى خلق الأشياء وخصصها بماهي عليه من قدر معين في أحجامها وأجزائها وشكلها ومكانها وزمانها وصفاتها وغير ذلك من خصائص المادة والجسم، قال تعالى: {جعل الله لكل شيء قدرا}، وقال تعالى: {وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم} فهذه الآيات تعطيك أن كل مقدر بقدر محدود هو مخلوق، وتجعل ذلك التقدير سمة من سمات حدوثه، وبرهانا على كونه مخلوقا، وأن موجده ومخصصه بقدرة الذي هو عليه هو الله تعالى .
فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته أو أن يوصف تعالى بما هو من خصائص الأجسام ولوازمها كالتركيب والأجزاء والصورة والشكل والمكان والجهة والقرب والبعد والصعود والنزول والحركة والسكون، فاحتج الله على خلق الإنسان بتركيبه وصورته إذ قال: {في أي صورة ما شاء ركبك}.
وإمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام الذي قال فيه ربه سبحانه: {وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه}، احتج على قومه لإبطال ألوهية الكواكب بحركتها ونقلتها لدلالتها على حدوث المتحرك ومخلوقيته وخص هذا النوع من الحركة لأنه أظهر للمخاطبين في الاستدلال على المقصود، فيتعالى عن الجسمية ولوازمها: كالتركيب والأجزاء والصورة والمكان والجهة والقرب والبعد والحركة والسكون، وقد قال تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هذه الآيةُ، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بالسميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بالسميع البصير، قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، يمكن أن تكون هناك مثلية في بعض معاني الصفات، ولكن النفي المطلق للمثلية إنما هو في جناب الذات.
ولذلك فإن هذه الآية تقضي على كل أوهام اهل الحشو، فأهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كانت أجزاء من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، ولذلك قال علماء الأصول: يجب تقديس الله عن كل معاني المثلية، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، والاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، كما أن القرب في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن المعية في قوله تعالى {وهو معكم أسنما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما}.
أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، فمن جوز الحركة والنقلة والسكون والانتقال ومن جوز الصور والأشكال ومن جوز التغير والحدوث ومن جوز الجسمية ولوازمها على الله فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [ البقرة:130]، ولذلك أطبق الصحابة ومن بعدهم من محققي سلف الأمة وخلفها على أن ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة مما يوهم التشبيه بخلقه تعالى مصروف عن ظاهره الحسي المتعارف، فلا يفسر الاستواء بالجلوس والاستقرار على العرش،ولا يفسر الوجه والعين والقدم واليد والساق وسواها من الجوارح والأعضاء، وحسبك أنهم سموها صفات ولم يسموها أعضاء، ولا يفسر العلو والنزول والانتقال على المعنى الظاهر الحسي الذي هو من لوازم الأجسام، وبعد اتفاق سواد العلماء سلفهم وخلفهم على أن المعنى الظاهر الحسي الذي هو من لوازم الأجسام غير مراد، فهذا يعني اتفاق السلف والخلف على التنزيه، وعلى أنّ آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة التي توهم تشبيها مصروفات عن كل ما يخطر في أوهام الواهمين،وما يرد على قلوب أولي التشبيه والتجسيم، غير أن غالب أحوال السلف بعد هذا التنزيه هو عدم تعيين المراد بل اكتفوا بقراءة ألفاظها كما وردت لا يبدلون لفظا بمقاربة ولا يتبعون ذلك بزيادة ولا تفسير، وذلك هو معنى قولهم: ” أمروها كما جاءت” وتسميتهما الوجه واليد ونحوهما صفات لا أجزاء ولا أعضاء مع ما أثر عنهم من قولهم، ” قراءتها تفسيرها ” صريح في براءة ساحة أئمة الدين مما ألصقه بهم أهل التشبيه والتجسيم، وتوقفهم في بيان المعنى المراد منها لم يكن عن جهل منهم بما يصح أن يراد بها في المعاني اللائقة به تعالى، وإنما لأن باب اللغة فقد يكون للفظ معنيان صحيحان فكان الحذر عندهم من تعيين المراد أسلم، على أنهم في كثير من الحالات قد أوضحوا فيها لمعاني اللائقة به تعالى دفعاً للتشبيه، وهذا هو أحد منهجي السلف في معاملة المتشابهات، وهو ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: كتأويله للساق في قول الله تعالى {يوم يُكشف عن ساق} بالكرب شديـد ([31]) .وتأويله للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله ([32]). وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال : (بمرأى منا) ([33]) .
وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([34]) .وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي ([35]) .
فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
لكن أهل الحشو عموما لا يقبلون بالتقديس، فأضافوا إلى صفات الله تعالى ما سموها الصفات الخبرية ومنها الوجه واليد والعين والساق، وسماها ابن تيمية صفات أعيان وليس للأعيان معنى سوى الأبعاض والأجزاء وكأنه لم يفهم مقصد الأحدية في قوله تعالى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فهي بمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع لهذه للمتشابهات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، فهذا ما آل إليه معتقد الوهابية في قسم توحيد الأسماء والصفات، ألا وهو الحشو والتشبيه واعتقاد التجسيم، وإن أنكروا ذلك بألسنتهم، فالاعتقاد لا محالة هو الحشو والتجسيم.
***
([2]) انظر: تهذيب اللغة 11/313 و المفردات ص 503.
([4]) مجموعة التوحيد ص 15 – 16.
([6]) فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الاَكوان: 111 _ 114.
([8]) السلفية المعاصرة ص 36، 37.
([9]) كتاب العبودية لابن تيمية ص 44.
([11]) الجامع لأحكام القرآن 1/293.
([13]) سنن ابن ماجة 3/59 ح 1853.
([14]) السيل الجرار للشوكاني ص 979.
([15]) عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «وَقَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ، فَقَالَ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا. ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُمُ الْآنَ يَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ. فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُمُ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الْحَقُّ. ثُمَّ قَرَأَتْ: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} حَتَّى قَرَأَتِ الْآيَةَ.» صحيح البخاري 5/77 ح 3980.
([16]) عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ…) صحيح البخاري 2/90 ح 1338.
([17]) عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَقَالَ: “السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، بِكُمْ لَاحِقُونَ” صحيح مسلم 1/218 ح 249.
([19]) البحر الرائق 2/ 320 -321.
([23]) صحيح البخاري 8/156 ح 6764.صحيح مسلم 3/1233 ح 1614.
([24]) صحيح البخاري 6/23 ح 4497.
([26]) كشف الشبهات ص 100- 107.