(الفصل الخامس) مفاتيح العلوم الإسلامية الغائبة عن بعض الفرق الإسلامية والتي تخفف من الفرقة والاختلاف بين أهل القبلة
وقد اشتمل هذا الفصل، على تلك المباحث:
المبحث الأول: مفاتيح تتعلق بعلم التقديس لحماية الامة من بدع الحشو والتجسيم.
المبحث الثاني: مفاتيح تتعلق بعلم الإيمان والكفر لحماية الامة من بدع الغلو في التكفير.
المبحث الثالث: مفاتيح تتعلق بعلم التوحيد والشرك لحماية الامة من بدع الغلو في التشريك.
المبحث الرابع: مفاتيح تتعلق بعلم السنّة والبدعة لحماية الامة من هوس الغلو في التبديع والتضليل.
المبحث الخامس: مفاتيح تتعلق بإطار الفرقة الناجية، واحترام التخصص العلمي الإسلامي.
المبحث السادس مفاتيح تتعلق بعلم السياسة الشرعية لحماية الامة من الخروج والهرج والمرج.
المبحث السابع: احترام مدارس التخصص الإسلامي في علوم العقيدة والفقه والتصوف
المبحث الأول مفاتيح تتعلق بعلم التقديس لحماية الامة من بدع الحشو والتجسيم
[المفتاح الأول]: الله تعالى هو (القدوس) المنزه عن العيوب والنقائص، والمنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضي به تفكير، وقد ورد اسم الله (القدوس) في موضعين من القرآن، الأول في قوله تعالى: {هُوَ اللهُ الذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الحشر: 23]، والثاني في قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ} [الجمعة: 1]، وكذلك فإنّ الله تعالى هو: (السبوح)، وهو من أسماء الله تعالى الثابتة من في السنة النبوية المشرفة، ففي صحيح مسلم من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ)) ([1]) . و(السُبُّوح): سبحانه هو الذي يُسبَّح ويُقدس وينزه، و (التسبيح) تنزيه الله عن كل ما لا ينبغي له وعن كل ما لا يليق به، و (التسبيح) هو تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله، و (التسبيح) هو التعظيم، تعظيم الله في كل كمالاته، وما أكثر الآيات القرآنية الدالة على التسبيح، فمنها ما هو تنزيه الله تعالى لجناب ذاته: كقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، وقوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}، ومنها ما هو إخبار عن تسبيح السموات والأرض وجميع المخلوقات لله تعالى: كقوله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}، وقوله تعالى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، ومنها ما هو إخبار عن تسبيح الملائكة: كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ}، ومنها ما هو أمر بالتسبيح والتنزيه: كقوله تعالى {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ}، وقوله تعالى {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}، وقوله تعالى:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}.
كما أن الصلاة لا تخلو من التسبيح في الركوع: (سبحان ربي العظيم)، وفي السجود: (سبحان ربي الاعلى)، ومن أعظم الأذكار قولنا: (سبحان الله)، ومعناه : أنزه الله تعالى وأنفي عنه كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، وهو منصوب على صيغة المصدر كأن قائله يقول : أنزه الله تعالى وأنفي عنه كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، وعلى ذلك فإن (التسبيح) عقيدة بالقلب وقول باللسان، أهم ما تشمل عليه هو: تنزيه الله تعالى في جناب ذاته بنفي الشريك والشبيه والمثيل والند، وتنزيه جناب ذات الله تعالى عن كل نقص وعيب وعجز، وتنزيه جناب ذات الله تعالى عن كل وصف لا يليق بجلاله وعظمته، إذن العلم الأول الذي ينبغي التنبه إلى التركيز عليه هو علم التسبيح، وهو علم التقديس، وهو علم توحيد جناب الذات أولى وأهم علوم التوحيد، سبحانه هو السبوح وهو القدوس المتصف بالكمال المطلق، والمنزه عن العيوب والنقائص، والمنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضي به تفكير، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد.
[المفتاح الثاني]: علم التقديس يتناول التنزيه المطلق لله تعالى، وإفراده بالوحدانية: في جناب ذاته ليس كمثل جناب ذاته ذات، وفي أسمائه الحسنى وفي صفاته العلا وفي أفعاله وفي ربوبيته لخلقه وفي استحقاقه للعبودية وحده، وفي إلهيته لجميع خلقه، هو (السبوح) سبحانه، وهو القدوس تعالى وتقدس، وهو المستحق للتقديس والتنزيه والتسبيح لا نحصي ثناءً عليه، سبحانه كما أثنى على نفسه، وعلى ذلك فإن علم التقديس يتناول ستة أقسام لابد وان يعلمها المسلم، وهي التقديس في جناب ذاته، والتقديس في جناب أسمائه، والتقديس في جناب صفاته، والتقديس في جناب أفعاله، والتقديس في جناب ربوبيته لخلقه، والتقديس في جناب استحقاقه للإلهية والعبودية، لا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه.
[المفتاح الثالث]: المقصود من علم التقديس المتعلق بجناب ذات الله تعالى وتقدس: المقصود الأول: هو الإقرار بالعجز والقصور عن معرفة جناب ذات الله تعالى ومنع التكييف والتوقف عن التفكير في الكيفية لأنّ العجز عن درك الإدراك إدراك، والخوض في معرفة كنه ذات الله كفر وإشراك، والمقصود الثاني بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص والتسبيح الدائم، والمقصود الثالث: الحذر من المتشابهات في هذا الباب والتي يؤول اعتقاد ظواهرها إلى الحشو والتشبيه والتمثيل والتكييف، وقد حذرنا الله تعالى من تتبعها بقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7]، لقد انقطع علم الخلائق عن إدراك حقائق جناب ذات الله تعالى وتقدس، وأنى للمخلوق المحدث، أن يحيط علما بالقديم في جناب ذاته وأسمائه وصفاته، وأنى للمخلوق المحدود أن يحيط علما بالمنزه عن الغايات والنهايات والحدود، ليس كمثل وجوده وجود، وليس كمثل جناب ذاته ذات، ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد، لا مجال لمخلوق أن يعرف حقيقة جناب ذات الله تعالى ولا أن يحيط به (سبحانه وتعالى) علما لأنه سبحانه نفى عن نفسه كل مثيل فقال جل شأنه: {ليس كمثله شيء}، وقال تعالى: {ولا يحيطون به علما}، وقال تعالى: {سبحانه وتعالى عما يصفون}، وقال تعالى: {هل تعلم له سميا}، أي مثيلا وقال تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد}، فالإيمان بذات الله تعالى، و (توحيد الذات) يتمثل في تنزيه ذات الله تعالى عن كل مثيل والاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن معرفة الذات والتوقف عن التفكير في تكييف ذات الله تعالى لأنه كما هو مقرر في الأصول فيما يتعلق بذات الله تعالى (العجز عن درك الإدراك إدراك والخوض في معرفة كنه ذات الله كفر وإشراك) وإنما المقصود من هذا الباب بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص والتسبيح الدائم.
[المفتاح الرابع]: علم التقديس هو قسم توحيد جناب الذات من أقسام التوحيد، وهذا القسم هو أساس التوحيد وأصله، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى، والمسمى هو ذات الله، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد ذات المعبود سبحانه، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد ذات الله تعالى،ومن هنا كان توحيد الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد.
[المفتاح الخامس]: توحيد جناب الذات تعالى وتقدس هو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد: وذلك لان دراسة علم التقديس والتنزيه يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله تعالى، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي، حيث جاء في [طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 42]: (وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا) أهـ، فهذا هو الأثر المرجو من تعلم علم التقديس، فعندما يفقه المسلم قواعد التقديس المستمدة من أدلة الكتاب والسنة، يصل إلى ذروة سنام الفهم الواسع الصحيح الصافي لعقيدة أهل الإسلام عقيدة التقديس والتنزيه والتسبيح، وهذا الفهم هو وحده المؤهل لأن يكون حجر الأساس لوحدة إسلامية صحيحة قوية أصلها ثابت وفرعها في السماء، تقوم على التسبيح والتقديس الخالص لله تعالى كما هو حال الملائكة الكرام، وقد جاء في القرآن الكريم على لسانهم قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30].
[المفتاح السادس]: خطورة الذهول عن علم التقديس: إنّ الذهول عن دراسة علم التقديس، وهو نفسه الذهول عن إضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد، سيؤدي ذلك ولا شك إلى الوقوع في بدعة الحشو على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم، وسيؤدي إلى خلل في معرفة إطار أهل السنة والجماعة الصحيح في باب العقيدة، وإلى خلل في تقييم طوائف وفرق أهل الإسلام، وإلى الانحياز إلى جهة التشبيه على حساب علم التقديس، وإلى تلميع أهل الحشو والتجسيم على حساب علماء أهل الحق والجماعة الناجية، وإلى خلل شديد في باب السنة والبدعة حيث سيؤدي الجهل بهذا العلم وقواعده الربانية إلى تبديع وتضليل المذاهب العقائدية الصحيحة التي تمثل إطار أهل السنة والجماعة في باب العقيدة (الأثرية والأشعرية والماتريدية)، وإلى نسبة مذهب أهل السنة والجماعة زورا وبهتانا إلى أئمة بدعة الحشو والتجسيم والجهل المركب في هذا القسم من أقسام العقيدة، ويؤول الأمر بأهل الجهل بهذا العلم إلى أن يصبحوا قطاع طريق على علم التقديس والتنزيه والتسبيح، وقطاع طريق على علمائه وأهله والمذاهب العلمية المعبرة عنه، يعادون أهل الحق والرسوخ في العلم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
إنّ أهل الجهل بعلم التقديس يسميهم علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في أصول الدين والعقيدة بالحشوية، و(الحشوية): هم الذين اعتقدوا بلوازم التجسيم من الحد والصورة والتغير والحدوث وقبول الحوادث والكون في المكان وأنه بذاته على العرش، والفرق بينهم وبين المجسمة، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى، أمّا الحشوية، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم، والحشوية لهم مواصفات معينة، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى، يعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، ويتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه في المخلوق المحدث فيقيسون جناب جلال ذات الله تعالى وتقدس القديم بذاته وأسمائه وصفاته على المحدث المخلوق، وهم لا يحترمون تخصص المذاهب العقائدية المنتسبة إلى اهل السنّة والجماعة، ويهجمون على كل أبواب العلم، لا سيما الأصول، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، يعتقدون بظواهر النصوص المتشابهات، يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، مصداقا لقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7].
وقد سماهم أهل العلم بالحشوية: لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية، وبكل ما يخالف صريح العقل، وهم أبعد الناس عن العقل وأدلته القطعية، ينسبون الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله الأحد الصمد المنزه عن كل ما يعارض الأحدية المطلقة من الانقسام والجزئية والبعضية والجارحة، وينسبون الحد والمقدار إلى جناب ذات الله الواحد القهار، ولو عقلوا أنّ المحدود المقهور بحده لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون علي الله تعالى الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، كيفوا وجود الله تعالى، واعتقدوا أنه لا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش العظيم، يزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة، وهؤلاء الحشوية ذهلوا عن قواعد التقديس والتنزيه المتعلقة بذات الله تعالى، والمستمدة من الكتاب والسنة، وأدى ذلك إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، فنسبوا إلى جناب ذات الله تعالى وتقدس المحال، يأتي أحدهم بجمع الآيات والاحاديث المتشابهات التي تتعلق بجناب ذات الله تعالى وتقدس، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، ويكفر ويبدع ويضلل من يخالفه في حشوه وتشبيهه، وينسب مذهبه إلى السلف الكرام، وقد كان السلف الأوائل منزهون مقدسون يحجمون عن تتبع تلك المتشابهات فضلا عن الخوض فيها، وهم يوقنون باستحالة ما تدل عليه ظواهر تلك المتشابهات من التجزؤ والتبعض والمحدودية والتناهي والحدوث أو قبول المحدثات، لأنها معارضة بالأدلة القطعية على أنّ الله تعالى واحد لا شريك له أحد لا جزء له صمد لا ند له، هو الغني فلا احتياج له، له كمال الغنى والحمد، هو القديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته لا يقبل الحدوث ولا الحوادث، هو القدوس لا مثل له ولا كفء له، وهو السلام الذي له الكمال والجلال والإكرام سلم جناب ذاته وصفاته عن كل نقص أو عيب، ما أشد حاجة المسلمين إلى دراسة علم التقديس وفهم قواعده المستمدة من الكتاب والسنة لأن ذلك هو العلاج لما فيه أهل الضلالة من بدع الحشو والتجسيم، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[المفتاح السابع]: الله تعالى خالق كل شيء هو الواحد القهار، خلق الخلق أجمعين، ثم قهرهم بالحد والمقدار، والكون في المكان وأن يجري عليهم زمان، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وقال تعالى: {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الزمر: 4]، قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار، قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً}، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار، لا تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه، وهو خالق الحدود والمقادير، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، لا يشوبه نقص، ولا يحده حد، ولا يقدره مقدار، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان.
[المفتاح الثامن]: الله تعالى: هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، لقوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، وعند تدبر الآية: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، مع قوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء)) ([2]) .
نعلم يقيناً أن الله تعالى منزه عن أن يجري عليه زمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا (أي له بداية) فهو أبدي (أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة، ولو كان الزمان يجري عليه لما صح أن يوصف بأنه الآخر حتى يفني جنته وأهل جنته وناره وأهل ناره وملائكته وجميع خلقه وهذا لن يحدث لأنه سبحانه أخبر بخلود أهل الجنة والنار، وكذلك فإن لله كمال الوجود المنزه من المكان، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فوجوده قبل المكان، إذ هو خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، وإذا لم يكن قبل [الله] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء، وهو بكل شيء محيط، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته، وعلى ذلك: فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه.
[المفتاح التاسع]: الله تعالى: هو (الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) منزه عن كل ما ينافي الأحدية من الأجزاء والأبعاض والجوارح والأركان، (الأحدية) تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية والانقسام في ذاته، وهو توحيد في نفس الذات، لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا، ولا حتى تصورها والفكر فيها، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد، و (الصمدية) تعني كمال الغنى والحمد والتنزه عن الحاجة، وهي تنفي عن جناب الله تعالى التركيب، فلا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، منزه عن التغير والحدوث {وَلَمْ يُولَدْ}، لا نظير له بوجه من الوجوه، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وقد سبق تفصيل ذلك في (مبحث سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ومن اهم معانيها تقديس عن الجسمية ولوازم الجسمية) (المفتاح الخامس).
[المفتاح العاشر]: سورة الإخلاص: سُميت بذلك لأن الله أخلصها لنفسه فليس فيها إلا الكلام عن جناب الذات تعالى وتقدس، وقد ورد في الحديث: إنها تعدل ثلث القرآن، ولذلك فإن العلم بها علم بثلث الدين، اذ الدين ثلاثة مراتب الإسلام والإيمان والإحسان ولكل مرتبة علم، فالعلم المختص بمرتبة الإسلام هو الفقه ويتناول العبادات والمعاملات والحلال والحرام، والعلم المختص بمرتبة الإيمان هو علم العقيدة ويتناول الإيمان بالله وتقديسه وتوحيده في جناب ذاته واسمائه وصفاته وأفعاله، والمرتبة الثالثة هي الإحسان والعلم المختص بها هو علم التزكية ويتناول الآداب الربانية والأخلاق العظيمة والسلوك إلى رب العزة سبحانه، وسورة الإخلاص تتناول القسم الثاني، فمن عرف معناها، وتدبر ما جاء فيها حق التدبر، علم أن ما جاء فيها يعدل ثلث الدين (الثلث الثاني): ثلث الاعتقاد وما فيه من إيمان وتوحيد وتقديس وتسبيح وتنزيه، وبالتالي فمن قرآها فكأنما قرأ ثلث القران ومن فهمها فكأنما فهم ثلث القرآن ومن تحقق بها فقد تحقق بثلث القرآن، أخرج مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ((أَيعجِزُ أحدُكم أن يقرأ في ليلةٍ ثُلث القرآن ؟ قالوا: وكيف يقرأ ثُلث القرآن قال: فل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)) ([3]) . فسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن المتعلق بالعقيدة والمتعلق بالتوحيد والتقديس والإيمان بالله وما يجب له من الكمال المطلق والجلال والإكرام، والتقديس عن كل معاني النقص والعجز التي تضاد الإلهية
[المفتاح الحادي عشر]: أصول التنزيه والتقديس وتوحيد جناب الذات في سورة الإخلاص أربعة: بعدد آيات السورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)}، {اللَّهُ أَحَدٌ} وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، {اللَّهُ الصَّمَدُ} وصف لله تعالى بالصمدية المطلقة والكمال المطلق لله، له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وصف لله تعالى بالقدم الذاتي الأزلي (أول بلا ابتداء) وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال.
وقد سبق تفصيل ذلك في مبحث سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ومن اهم معانيها تقديس عن الجسمية ولوازم الجسمية (المفتاح الثالث).
[المفتاح الثاني عشر]: [قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص]: لقد استنبط العلماء من سورة الإخلاص حزمة من قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه التي جعلتها تعدل ثلث القرآن ومن هذه القواعد:
[القاعدة الأولى] جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والحد ينافي الأحدية لأن الحد يعني النهاية في جهة من الجهات وهذا يوجب الكثرة والانقسام والأحد منزه عن الكثرة والانقسام فلزم التنزيه عن الحد كما أنّ التناهي في جناب ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف الله تعالى به، والشيء المحدود يمكن تصور ما هو أكبر منه والله تعالى أكبر من كل تصور وأكبر من كل حد وأكبر من كل نهاية وهو الكبير المتعال على الحدود والنهايات، والكمال المطلق أن لا يكون هناك حد ونهاية ينتهي إليها جناب ذاته وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه كيف وهو الكبير المتعال على الحدود والنهايات كيف وهو الواحد القهار القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته وكتب النهايات على كل محدود ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، والقاعدة تقول كل ما يقبل الحد فهو محدود والمحدود متناهي الذات وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لجناب ذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق، وكل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص وتعالى الخالق عن أن يكون لذاته مخصص لأنه الخالق المقدر لجميع المخلوقات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء.
[القاعدة الثانية]: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان وذلك لان المكان محدود والله منزه عن الحدود والمكان محدث مخلوق والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته سبحانه خلق المكان وقهر جميع خلقه بالكون في المكان أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان.
[القاعدة الثالثة]: تقديس الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً وكلا الحالين على الله محال كما أن ذات المخلوق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت وهي إلى الفناء سائرة قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ولا المخلوق للخالق الباري، قال تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، أي لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر بالبال فهو باطل سبحان الله عما يصفون.
[القاعدة الرابعة]: تنزيه جناب ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق والجسم هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره قال تعالى وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ.
[القاعدة الخامسة]: تنزيه ذات الله تعالى عن الصور والأشكال الذي تتصف به ذوات المخلوقات لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا
[القاعدة السادسة]: تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل أن كل جسم فهو مركب وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا.
[القاعدة السابعة]: تنزيه الله تعالى عن الوالد والولد تقدس سبحانه عن اتخاذ الصاحبة والابناء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أحد لا نظير له صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء سبحانه ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، قال المتخصصون: نفت سورة الإخلاص أنواع الكفر الثمانية ولهذا سميت بسورة الإخلاص: فقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} نفي الكثرة والعدد، فهو متوحد في ذاته متفرد بصفاته، وقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ} الصمد هو الذي يقصد في الحوائج، المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد، وهنا نفي للقلة والنقص، وقوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} نفى أن يكون تعالى علة لغيره، أو أن يكون معلولاً، أي ليس هو سبحانه بمحل للحوادث ولا بحادث، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} نفى الشبيه والنظير، أي ليس له أحد مماثلاً أو مجانساً أو مشابهاً، فهي تقديس عن الكثرة والعدد وعن القلة والنقص وعن أن يكون تعالى علة لغيره، أو أن يكون معلولاً بغيره، وعن الحدوث وعن قبول الحوادث، وعن الشبيه والنظير والكفء والمثيل.
[المفتاح الثالث عشر]: جناب ذات الله تعالى وتقدس: أزلي لا ابتداء لوجوده، وأبدي لا انتهاء لوجوده، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، وأجراه، ولو شاء أوقفه وأفناه، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء.
[المفتاح الرابع عشر]: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الحد والمقدار: فلا انتهاء لجناب ذاته، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية، والقاعدة تقول: كل ما يقبل الحد فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق.
[المفتاح الخامس عشر]: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان: المكان محدود، والله منزه عن الحدود، والمكان محدث مخلوق، والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، خلق المكان، وقهر جميع خلقه بالكون في المكان، أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان، والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن، والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، الله تعالى موجود بلا كيف، والله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان، ليس كمثله شيء، له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان.
[المفتاح السادس عشر]: جناب ذات الله تعالى وتقدس: منزه عن أي مثيل أو كفء أو شبيه: لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً، وكلا الحالين على الله محال، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت، وهي إلى الفناء سائرة، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27]، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي، ولا المخلوق للخالق الباري، قال سبحانه {ليس كمثلِه شيء} [الشورى: 11]، نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين، وقال تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقال تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقال تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه،، وقال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وقال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، ولا له كفء ولا شبيه، وليس له مثال يقاس عليه، ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون.
[المفتاح السابع عشر]: جناب ذات الله تعالى وتقدس: منزه عن الحدوث أو الفناء، وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق: الله تعالى منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء، له سبحانه كمال الحياة، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء ((الاول فليس قبلك شيء))، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء ((الآخر فليس بعدك شيء))، وتنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب.
[المفتاح الثامن عشر]: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق: لانّ (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، والجسمية تناقض الأحدية، والله تعالى هو (الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)]، الله تعالى [أحد] لا جزء له، و (الأحدية المطلقة)، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض، والله تعالى: [صمد] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، كما أنّ من خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، والجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه، والجسمية تعني قابلية الانقسام والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها.
[المفتاح التاسع عشر]: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق: أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء، قوله تعالى (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) قوله تعالى (أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية، وقوله تعالى (الله الصمد) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله. وقد سبق تفصيل ذلك في مبحث سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ومن اهم معانيها تقديس عن الجسمية ولوازم الجسمية (المفتاح الثالث عشر) .
[المفتاح العشرون]: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الصور الأشكال التي تتصف بها ذوات المخلوقات: لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، ولأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، ولان الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 8].
[المفتاح الحادي والعشرون]: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الاتحاد بشيء من خلقه، وعن الحلول بشيء من خلقه، وعن الاتصال أو الانفصال بشيء من خلقه، لأنّ ذلك صفات المخلوق: وبيان ذلك أنه ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر، والحلول في المواضع والأماكن عرض لا يقوم به إلا من يقبل الحوادث، وقبول الحوادث لا يليق بقديم الذات والصفات، كما أن الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية، وقد أجمع علماء أهل السنة من الأصوليين على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين.
[المفتاح الثاني والعشرون]: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق: الأعراض من الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح وغيرها من الأعراض، والكيفيات الحسية كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والحركة والسكون والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، فإن الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء، وغير ذلك مما يوحي بالتغير والحدوث إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا نتقول على الله بغير علم، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن سبحانه.
[المفتاح الثالث والعشرون]: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق: سبحانه منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك، وعن كل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث.
[المفتاح الرابع والعشرون]: خطأ اعتماد ظواهر النصوص المتشابهات في فهم علم التقديس والتنزيه: لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7}، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وعلى ذلك فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم، ومنه الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم، وحتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والصور والأشكال والكون في المكان إلى جناب ذات الله تعالى، ولا يمكن اعتماد ظواهر النصوص المتشابهات لبناء العقيدة، وذلك لأن هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، لأنّ علم الله تعالى قديم، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، والمعنى: {سنفرغ لكم} أي سنحاسبكم، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء والمعنى: أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر ضلال، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه، ومنزه عن القرب الحسي بالذات، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما أنّ هناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى مستوٍ على عرشه بذاته، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء , وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه والمكان محدود مهما كبر والله تعالى لا حد لجناب ذاته، ولا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن.
[المفتاح الخامس والعشرون]: رد المتشابهات إلى المحكمات فيما يتعلق بقواعد تنزيه ذات الله عن مماثلة الذوات: من الآيات المتشابهة ما يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، ومنها ما يوحي ما يوحي بالجلوس والاستقرار كالاستواء، ومنها ما يوحي بالحركة والانتقال كالنزول والمجيء، ومنها ما يوحي بالانفعال كالغضب والفرح والسرور والضحك، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم، ومثال ذلك (الوجه) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم، وهي أحدى ثلاث طرق لا رابع لها: (الطريق الأول) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة، (والطريق الثاني) حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات، (والطريق الثالث) تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها (الذي هو الجزء من الذات) مع تنزيه الله تعالى عن الجارحة والجزء.
[المفتاح السادس والعشرون]: الرسوخ في علم التقديس، وحل اشكاليات الظواهر الموهمة للتشبيه: وذلك في عشرة أمثلة تصلح كقانون عام لحل المتشابهات وردها إلى أمهاتها من المحكمات، (أولاً) حل إشكالية الوجه في مثل قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}، (ثانياً) حل إشكالية اليد في مثل قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، (ثالثاً) حل إشكالية العين في مثل قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، (رابعاً) حل إشكالية كل ما يوحي بالجوارح من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كالساق والقدم واليمين والأصابع، (خامساً) حل إشكالية الاستواء في سبعة آيات ذكر فيها الاستواء في القرآن الكريم، (سادساً) حل إشكالية نسبة المكان إلى الله تعالى في مثل قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}، (سابعاً) حل اشكالية المكان في مثل قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}، (ثامناً) حل إشكالية نسبة المكان إلى الله تعالى في حديث: ((أين الله))، (تاسعاً) حل اشكالية الصورة في حديث: ((خلق الله آدم على صورته))، (عاشراً) حل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث: ((ينزل ربنا كل ليلة)).
[المفتاح السابع والعشرون]: حل إشكالية الوجه، في مثل قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، ورد متشابهه إلى المحكم من قوله تعالى: {قل هو الله أحد}، المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها: قوله تعالى {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]، فهل للنهار وجه على الحقيقة، والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة، وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار وكذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا}[المائدة: 108]، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه، وقد سبق تفصيل ذلك في مفاتيح فهم الآيات التي ورد فيها ذكر الوجه واليد والعين والساق (المفتاح الثاني)
[المفتاح الثامن والعشرون]: حل إشكالية اليد، في مثل قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] ورد متشابهه إلى المحكم من قوله تعالى: {قل هو الله أحد}: المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة ؟، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}، هل للرحمة يدين ؟، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه، وقوله تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، هل للعذاب يدين ؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}، هل للنجوى يدين ؟، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم سبق توضيح ذلك في مفاتيح فهم الآيات التي ورد فيها ذكر الوجه واليد والعين والساق( المفتاح الثالث).
[المفتاح التاسع والعشرون]: حل إشكالية العين في مثل قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]، ورد متشابهه إلى المحكم من قوله تعالى: {قل هو الله أحد}: المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، تجري مجرى المجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته.
[المفتاح االثلاثون]: حل إشكالية كل ما يوحي بالجوارح من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كالساق والقدم واليمين والأصابع، لم يقل أحدٌ من أهل السنة والجماعة أنها جوارح لله، حاش لله تعالى من هذا الظن والوصف سبحانه، وإنما صفات على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وليست جوارح، ومن جعلها من باب الأجزاء والجوارح، فهو مجسم خارج عن إطار أهل السنة والجماعة إلى الفرق الضالة التي تستحق الوعيد بالنار، ومن جعلها على معناها الظاهر المستعمل في اللغة، وفوض كيفيتها إلى الله تعالى، فهو حشوي لا يدري شيئا عن قانون المتشابه في القرآن ووجوب تفويض علمه إلى الله تعالى، أو رده إلى المحكم من الكتاب والسنة، والمعنى الظاهر لهذه الألفاظ كالوجه واليد والعين، هي الأجزاء من الذات والجزئية معارضة بالأحدية التي تعدل ثلث القرآن، والرسوخ في العلم، فيما يتعلق بما يوهم الأجزاء والجوارح: أنّ كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها، وهذا الوجه مقبول ضمناً، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم، قال تعالى {لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه {وما يعلم تأويله إلا الله} {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة ((الجارحة)) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل.
[المفتاح الحادي والثلاثون]: حل إشكالية الاستواء في سبعة آيات ذكر فيها الاستواء في القرآن الكريم، عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة ومنزه عن الوهم والخيال، فقد جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، ، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وجاء في الاحاطة آيات عديدة منها قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر، وقد حمل علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، ، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء أهل السنة المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها أهل الحشو والتجسيم على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته، ولم لا يكون استواء صفات من الربوبية والقهر والتدبير والتصريف كما أن القرب قرب صفاته من علم وسمع وبصر وقدرة، وقد قال الله تعالى مرشدا عباده أن الأماكن كلها ملك لله: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم}، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء صفاته من الملك والقهر والتدبير والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء سبق ذكر هذه المسالة في (ب) مفاتيح فهم الآيات التي ورد فيها الاستواء (المفتاح الثالث). ص 285.
[المفتاح الثاني والثلاثون]: حل إشكالية نسبة المكان إلى الله تعالى في مثل قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سـبأ: 23] , وقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]، والله تعالى له العلو المطلق المنزه عن التقيد بالمكان، فلا يحصره مكان، وهو المنزه عن الحد والتناهي، ولا يحيط به مكان، وهو بكل شيء محيط، سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق، كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان، والعلو المطلق لا يتقيد بالمكان لقوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، والمقصود هو علو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع، ومثله قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام: {قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى}، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة، والمسلم حين يقول وهو ساجد . {سبحان رَبِّيَ الأعلَى}، معناه: سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً، سبق توضيح هذه المسالة في مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي ورد فيها السماء والفوقية والعلو والعروج والصعود والتنزيل (المفتاح السادس). ص 310.
وأما قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، فهي فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم بالربوبية، بقرائن ذكر القهر والعبودية، وهناك شبهة أخرى يستدلون بالمتشابه من قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، والمعنى المراد: مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم، وصعود الكلم إليه تعالى مجاز بتشبيه القبول بالصعود، سبق توضيح هذه المسالة في مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي ورد فيها السماء والفوقية والعلو والعروج والصعود والتنزيل (المفتاح الرابع). ص 309.
[المفتاح الثالث والثلاثون]: حل إشكالية نسبة المكان إلى الله تعالى في مثل قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، والآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في العلو إشارة إلى علو الرتبة والعظمة والقدرة , لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى الرتبة، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي من في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، سبق توضيح هذه المسالة في مفاتيح فهم الآيات المتشابهات التي ورد فيها السماء والفوقية والعلو والعروج والصعود والتنزيل (المفتاح التاسع).
[المفتاح الرابع والثلاثون]: حل اشكالية المكان في حديث: ((أين الله)) والقضاء على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحد والجهة والمقدار، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث: (المفتاح الأول): اضطراب روايات حديث الجارية، فقد جاءت بثلاثة ألفاظ مختلفة، الأولى بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله والثانية جاء بلفظ (من ربك) والرواية الثالثة بلفظ (أين الله)، أخرجها الإمام مسلم، والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها، إذن قد يكون اللفظ (أين الله) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، إضافة إلى أن لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم، (المفتاح الثاني) أنه من المتشابه الذي يجب الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن الكون في المكان، و (المفتاح الثالث) يحمل السؤال: (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم.
[المفتاح الخامس والثلاثون]:حل اشكالية الصورة في حديث🙁خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا) ([4]) . و(المفتاح الأول): قوله صلى الله عليه وسلم: ((خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا)) ([5]) .معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا، وهذا يدل على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم ((على صورته)) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم.
و(المفتاح الثاني): قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)) ([6]) . معناه عدم اهانة الوجه، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم ((على صورته)) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام، وهذا قول الحافظين: ابن حجر وابن خزيمة.
و(المفتاح الثالث): إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 72]، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف.
و(المفتاح الرابع): وهو حمل المتشابه على المحكم، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. مفاتيح فهم الأحاديث المتشابهات التي استدل بها المجسمة على مذهبهم الباطل (المفتاح الأول والثاني والثالث)
[المفتاح السادس والثلاثون]: حل اشكالية الصورة في حديث القيامة الطويل في صحيح البخاري في جمع الله الناس إلى قوله: ((فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا)) الحديث إلى قوله: ((فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا)) ([7]) .
فهم لا يعرفون صورة مسبقة، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال: فيكشف عن ساق أي ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له، جاء في مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة): ” وفي رواية أبي هريرة فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) أي يتجلى علينا بوجه نعرفه (فإذا جاء ربنا) أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة وأمثالها) أهـ ([8]) .
[المفتاح السابع والثلاثون]: حل اشكالية الحركة والسكون والانتقال في حديث: ((ينزل ربنا كل ليلة)) ([9]) .، للنزول الحقيقي لوازم فاسدة: منها أنه يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها، ومنها الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ويلزم منه وصف الله تعالى بالسفل وهو كفر وضلال، ومنها: أن النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، وللحديث مفاتيح:
(المفتاح الاول) أن الحديث أخرجه النسائي بلفظ: ((إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى) ([10]) .، وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله، (المفتاح الثاني): أنه من المتشابه الذي يجب الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن التغير والحدوث وعن الحد والتناهي وعن الكون في المكان.
و(المفتاح الثالث): أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر، وبعد فهذه امثلة عشرة لبيان الرسوخ في علم العقيدة والتقديس، حل إشكالية تتبع المتشابهات، مما يؤول إلى الزيغ والبدعة والضلالة.
[المفتاح الثامن والثلاثون]: حاجتنا إلى علم التقديس: الموجودات ثلاثة: (الأول): أزلي أبدي: وهو الله تعالى فقط، لا بداية ولا نهاية لوجوده، لأنه الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء، و (الثاني) أبدي لا أزلي: له بداية ولا نهاية له وهو الجنة والنار فهما مخلوقتان، أي لهما بداية إلاّ أنه لا نهاية لهما أي أبديتان فلا يطرأ عليهما خراب أو فناء لمشيئة الله بقاءهما، و (الثالث) لا أزلي ولا أبدي: محدث فان له بداية وله نهاية وهو كل ما في هذه الدنيا الفانية، كما أنّ أحكام العقل ثلاثة: (الأول): الواجب العقلي: هو ما لا يتصور في العقل عدمه أو ما لا يقبل الانتفاء لذاته وهو وجود الله تعالى بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، و (الثاني) المستحيل العقلي: هو ما لا يتصور في العقل وجوده كوجود الشريك لله تعالى، و (الثالث) الجائز العقلي: وهو ما يقبل الوجود والعدم، وهو سائر الخلق، والصفات الواجبة في حقه تعالى ثلاث عشرة صفة، الوُجود، والقِدَم، والمخالفة للحوادث، والبقاء، وقيامه بنفسه، والحياة، والوحدانية، والقدرة، والعِلْم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والصفات المستحيلة في حق الله تعالى أضدادها، واجب الوجود فيستحيل في حقه العدم، قديم الذات والأسماء والصفات فيستحيل عليه الحدوث أو التغير أو الأفول أو قبول الحوادث، ليس كمثله شيء فيستحيل في حقه مشابهة الحوادث، هو الباقي فيستحيل في حقه الفناء، وهو القيوم، قائم بذاته فيستحيل في حقه الاحتياج، له كمال الحياة فيستحيل في حقه السنة والنوم والموت، إله واحد لا شريك له فيستحيل في حقه الشريك، وهو على كل شيء قدير فيستحيل في حقه العجز، وهو بكل شيء عليم فيستحيل في حقه الجهل والنسيان، له سبحانه كمال الإرادة والمشيئة فيستحيل في حقه القهر والجبر، سميع له كمال السمع فيستحيل في حقه الصمم أو اختلاط الأصوات، بصير له كمال البصر فيستحيل في حقه العمى واختلاط المبصرات، متكلم له صفة الكلام، وهي صفة ذاتية قديمة فيستحيل في حقه العي والبكم وانتهاء الكلمات، سبحانه: {أحد} لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح، لا جزء له، ولا كل، إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية المطلقة، والله تعالى أحد: لا يمين له ولا يسار له، ولا فوق له، ولا تحت، ولا أمام له ولا وراء، لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، {صمد} يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه ؛ لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، لا يوصف بالصمدية، ولا بكمال الغنى والقيومية، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}، لا ينفصل منه شيء، ولم ينفصل من شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه، بائن من خلقه، كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان، لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، تقدس أن يكون له مثيل او شبيه، هو الخالق ومن عداه مخلوق، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق، هو القديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، تقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث أو الفناء، وتقدس عن قبول الحوادث، ولو قبل الحوادث لم يكن قديما، ولو قبل الحوادث لكان جزء منه حادث، ولو قبل الحوادث لقبل الفناء، وكيف يقبل شيء وهو الاحد المنزه عن الانقسام وقبول الاجزاء والأبعاض، تعالى منزه عن الحدود.
وتقدس أن يقهره حد أو يحده مقدار، وهو الذي قهر خلقه بالحدود والمقادير، تقدس المحدد أن يكون محددا، وتنزه المقدر أن يكون مقدرا، وجل القاهر أن يكون مقهورا، وهو القاهر لكل شيء، ومن عداه مقهور لحكمه وقضائه،، تقدس أن يكون له مثيل، ليس كمثله شيء، من عداه متماثل في الخلق والحدوث والفناء، ليس كمثل وجوده وجود، موجود بلا كيف وبلا مكان ولا يجرى عليه زمان، كيف وهو الموجود في الأزل قبل المكان والزمان، كيف وهو القاهر للمكان والزمان، كيف وهو الخالق لقوانين المكان والزمان، والمكان محدود، والله منزه عن الحدود، فهل يحل المنزه عن الحدود في المحدود، وهو سبحانه منزه عن الاتحاد والحلول، إذ تقدس الخالق أن يحل في شيء من خلقه، وأنى للقديم الباقي أن يحل في المحدث الفاني، سبحانه رب العالمين، ومن عداه عبد مربوب، إله غني قادر قاهر ومن عداه عبد ضعيف فقير مقهور، هو الخالق البارئ المصور، ومن عداه مخلوق مصور، تقدس المصور أن يكون مصورا، يستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، ويستحيل عليه الحد والمقدار، ويستحيل عليه الحدوث أو الفناء، ويستحيل عليه الجهل وما في معناه كالظن والشك والوهم والغفلة والذهول والنسيان، ويستحيل عليه العمى والصمم والبكم، ويستحيل عليه العجز والضعف، ويستحيل عليه الظلم وخلف الوعد، ويستحيل عليه السنة والنوم، ويستحيل عليه المكان والزمان فلا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان،، ويستحيل عليه الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازمها من الصورة والشكل والجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق.
ويستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات، ويستحيل عليه التغير والحدوث، ويستحيل عليه حلول الحوادث في ذاته لأنها صفات المخلوق، ويستحيل عليه الاتحاد والحلول في خلقه، ويستحيل عليه الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق،، ويستحيل عليه الأعراض التي تتصف به ذات المخلوق، ويستحيل عليه الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق،، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له لم يزل اولا سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الاحياء وانه القديم وحده لا قديم غيره ولا اله سواه ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ولا معين على انشاء ما انشأ وخلق ما خلق لم يخلق الخلق على مثال سبق وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شىء اخر ولا بأصعب عليه منه لا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضر ولا يناله السرور واللذات ولا يصل اليه الاذى والآلام ليس بذى غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء، لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ولا إله إلا هو،.
ما أشد حاجة المسلمين إلى دراسة (علم التقديس) أو (علم توحيد الذات) أو (علم التنزيه) أو قل إن شئت (علم التسبيح): وذلك بجمع قواعد التقديس والتوحيد والتنزيه، التي تمنع من الخلل في علم العقيدة، والتي تمنع من الاعتزال والتجهم والتعطيل، وفي نفس الوقت تمنع من الحشو والتشبيه والتجسيم، قواعد رصينة مستنبطة من الكتاب والسنة تؤهل دارسها للعلم الراسخ بما يجب وبما يجوز وبما يستحيل نسبته إلى جناب ذات الله تعالى وتقدس، فإن العامة بمعزل عن تصور هذا العلم يجهلونه الجهل البسيط، وأهل الحشو أهل جهل مركب، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس، والعامة يجهلونه الجهل البسيط، لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج إلى مكان، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليها زمان، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها، لأنّهم لم يروا مثل ذلك، فينفونه، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ، أما التعمق في علم التقديس والتنزيه، فإنه يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع جناب ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم، ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان، ولأن المكان يحيط بمن فيه، والله تعالى بكل شيء محيط، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن جناب ذات الله، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية، والكمال يضاد التناهي، الذي هو صفة المخلوق المحدود، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات، وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة، ومن ذلك نفي الحلول، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء،، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها.
إن المقصود الرئيسي من علم التنزيه والتقديس هو قطع الطمع عن إدراك حقيقة جناب ذات الله تعالى وتصفية الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى – على لسان الملائكة – {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، وأهل الحشو أهل جهل مركب، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس، ويتصدرون للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله، ويتصدرون للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة، والفقه في التوحيد والتقديس، وهذا هو الفقه الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به.
[المفتاح التاسع والثلاثون]: وجوب تدريس قواعد التنزيه والتقديس المستمدة من الكتاب والسنة: يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس: لأنها تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، وقوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [آية الكرسي]، وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص].
وقد أكرمني الله تعالى بجمع وشرح قواعد التقديس في الكتاب الأول من هذه المجموعة: (مفاتيح علم التقديس)، وهو موجود بحمد الله تعالى على موقع: دار الإصلاح والتجديد على شبكة النت.
[خاتمة علم التقديس]: رؤية جناب ذات الله تعالى في الآخرة: اتفق أهل السنّة والجماعة على رؤية ذات الله تعالى في الآخرة، وأنها رؤية بغير احاطة، وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة، وقولهم هو القول الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الصريح، فمن الأدلة على رؤية الله سبحانه من كتاب الله تعالى: قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23]، وقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]، و تفسير الزيادة ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرؤية، كما أخرج مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}، ([11]) .
وقوله تعالى: {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] والمزيد في هذه الآية هو النظر إلى الله تعالى، وقوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15]، لّما حجب الرؤية عن أعداءه في حال السخط دل على أن رؤية أولياءه في حال الرضا أمر حاصل إذ لو كان الحجب عن الجميع لما كان الحجب عقوبة للكافرين، وقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143]، والدليل على جواز الرؤية أنّ نبي الله موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل، لأنّ الأنبياء أعلم الناس بما يجوز وما يمتنع على الله، ولا شك أنّ نبي الله موسى عليه السلام أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل في حقه من المعتزلة والإمامية والأباضية الذين منعوا من رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، كما أن الله تعالى أجابه بقوله {لَن تَرَانِي} وهذا دليل على الجواز، فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لقال: (لست بمرئي)، أو (لا تجوز رؤيتي) أو (إن الرؤية تستحيل في حقي) ولكان آنذاك تصحيحاً واجبا للعقيدة وللخطأ في طلب الرؤية التي لا تجوز في حق الإله، وكل هذا لم يحدث، فدل على جواز المبدأ (إمكانية رؤية الله)، كما أنّ الله تعالى علق الرؤية على أمر جائز، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية جائزة، وقد تواترت الأدلة من السنّة على رؤية الله تعالى في الآخرة منها: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، قالوا: لا، يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب، قالوا: لا، يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك)) ([12]) . وأخرج البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم سترون ربكم عيانا)) ([13]) . وأخرج مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة})) ([14]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)) ([15]) .
كما أنّ رؤية الله تعالى غير ممتنعة عقلاً، لأن الله تعالى موجود، وكل موجود تصح رؤيته، لأنّ المصحح للرؤية الوجود، وكما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك للناس في قلوبهم يسمى العلم يتعلق به تعالى، كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم في أعينهم يسمى ذلك الإدراك رؤية تتعلق به تعالى على ما يليق به، فهذه لا يحيلها العقل وقد جاء الشرع بإثباتها، فوجب اثباتها والايمان بها، وقد اتفقت كلمة مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة (المدرسة الأثرية والمدرسة الأشعرية والمدرسة الماتريدية) على رؤية الله تعالى في الآخرة، ومنع منها المعتزلة والإمامية والإباضية، وحججهم في الباب واهية لا تقوى على معارضة الأدلة من الكتاب والسنة والعقل، وأبرز أدلتهم: أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء منزه عن المكان وسائر الأمكنة والجهات إليه سواء، والرؤية لا تكون إلا في جهة ومكان، والمكان مستحيل على الله لأنّ الله تعالى خالق المكان، ولا يحل الخالق في المخلوق، نقول نعم للتنزيه، ولكن ما علاقة الرؤية بالمكان والجهة، لأننا نقول رؤيته – سبحانه – لا في جهة ولا في مكان، لأنّ جميع المؤمنين لا يضامون في رؤيته والمعنى لا يتزاحمون لرؤيته، فالكل يراه لا في جهة ولا في مكان، قال تعالى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115]، فالأماكن كلها عند الله تعالى سواء، كما أنهم يقولون: أنّ الرؤية لا تكون إلا بشعاع متصل بين العين والشيء المرئي، وهذا محال على الله لأنّه منزه عن قوانين المادة والجسم، ونقول: الرؤية ممكنة بغير تلك الأسباب، والله تعالى خالق الأسباب والمسببات، وعلى ذلك نؤمن بالرؤية بلا مقابلة، ولا اتصال أشعة البصر، ولا إحاطة بصر، و المانعون من الرؤية يستدلون بقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، فقالوا ما لا تدركه الأبصار فليس بمرئي، وهذا فهم خاطئ للآية لأنّه لو كان المقصود نفي الرؤية لجاءت الآية (لا تراه الأبصار)، ولكن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} ونحن نقول بجواز الرؤية ولكن بغير احاطة، إذ كيف يحيط المخلوق المحدود برؤية المنزه عن الحدود، ورؤية الله ناشئة عن تجلى الرب الرحمن، وناشئة عن كشف الحجب عن الأبصار، لأنّ الحجب تحجب رؤيتنا للعلي الجبار، وهي تحجب المخلوق عن رؤية خالقه، و إلا فذات الله تعالى ظاهرة لا يحجبها شيء أبدا، إذ لا يحجب الحجاب المخلوق خالقة المنزه عن الحدود، وإنما هي حُجُب تحجب أبصار المخلوقين المحدودة عن رؤية الخالق الجليل الكبير المتعال، فإذا كانت الآخرة تجلى الرحمن للمؤمنين وقد أعطاهم قوة التحمل لرؤية الكريم، كما تجلى للجبل في الدنيا فجعله دكا، فيرونه وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية، ولا مسافة، نراه بقدرته بلا كيف، سبحانه ليس كمثله شيء، نسأل الله الكريم أن يتفضل علينا برؤيته في دار النعيم.
***
المبحث الثاني مفاتيح تتعلق بعلم الإيمان والكفر لحماية الامة من بدع الغلو في التكفير
[المفتاح الأول] أكرم الله تعالى أهل العلم بالفهم الصحيح لعلم الإيمان، وفقه مسائله وأحكامه، دونما إفراط أو تفريط، هداهم الله تعالى إلى القول العدل الوسط في كافة مسائل الإيمان، فلم يغالوا ولم يقصروا، وردوا المتشابه إلى امهاته من المحكم، وفرقوا بين ثلاثة أنواع من الإيمان، النوع الأول (أصل لا يصح الإيمان إلا به)، ونقصانه يعني زوال الإيمان بالكلية والوقوع في الكفر الأكبر، وهذا الإيمان لا يمنع من دخول النار لأنّ صاحبه مقصر في واجبات الإيمان، ولكنه يمنع من الخلود الأبدي في النار، وعناصر هذا الأصل ثلاثة لا رابع لها وهي قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) و إقرار اللسان، ولا يصلح الاصل إلا بتلك العناصر، فإن انتفى التصديق حل محله التكذيب أو الجحود أو النفاق، أو الشك وجميعها من انواع الكفر الاكبر، وإن انتفى الانقياد القلبي حل محله العناد والإباء والاستكبار أو الاستهزاء وجميعها من انواع الكفر الاكبر، وانتفاء عنصر الانقياد القلبي هو كفر إبليس الرجيم فهو مصدق بالله ومقر بإلهيته ولكنه أبى واستكبر وكان من الكافرين، وإن انتفى إقرار اللسان فلن يحكم المسلمون بإسلامه.
وعلى ذلك: فإن عناصر أصل الإيمان المنجي من الخلود الابدي في النار ثلاثة: هي: قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) و إقرار اللسان، والنوع الثاني من الإيمان (واجب لا يتم الإيمان إلا به)، ونقصانه يعني نقصان الإيمان ولكنه لا يزول بالكلية , وعناصره – إضافة إلى عناصر النوع السابق – أداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات، وهذا النوع من الإيمان يؤهل صاحبة لدخول الجنة ابتداءً، والنوع الثالث من الإيمان: الإيمان الكامل المستحب) الذي يتم به الكمال , وهذا النوع من الإيمان يؤهل لصاحبة لنيل الدرجات العلى من الجنة، وعناصر الإيمان الكامل – إضافة إلى عناصر النوعين السابقين – أداء السنن والمندوبات والكف عن المكروهات، والمقصر في هذا الإيمان ينزل منه إلى الإيمان الأقل وهو الإيمان الواجب، لقد أكرم الله تعالى العلماء الذين هم ورثة الانبياء بالتحديد الدقيق لعناصر كل قسم من أقسام الإيمان الثلاثة الخاصة به، فلا تداخل بين عناصر الأصل وبين عناصر الواجب وبين عناصر المستحب، فمن لم يحقق عناصر أصل الإيمان فهو كافر الكفر الأكبر المستحق للخلود الأبدي في النار، ومن حقق عناصر الأصل واقتصر عليها فهو مؤمن ولكن إيمانه ناقص يستحق بسبب نقص إيمانه دخول النار إلا أنه لا يخلد فيها خلود الكافرين، ويخرج من النار إلى الجنة بشفاعة الرحمن، وهم أصحاب القبضة، الذين جاء الحديث أنهم دخلوا الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ومن زاد على عناصر الإيمان الأصل ولكنه لم يبلغ الإيمان الواجب فهو ظالم لنفسه، لعدم بلوغه الإيمان الواجب، إلا أنه تحت المشيئة إن شاء الله تعالى أدخله النار وإن شاء عفى عنه، ولكنه إن دخل النار فلا يخلد فيها، ولكن يخرج منها متى شاء الله تعالى بشفاعة الشافعين من الأنبياء والعلماء والشهداء والصالحين، وإن حقق عناصر الإيمان الواجب فإنه في مأمن من دخول النار، ويدخل الجنة ابتداء، بما حقق من عناصر الإيمان الواجب، فإن اجتهد وزاد ودخل في عناصر الإيمان المستحب وما أكثرها ترقى في درجات الجنة وفق ما أتى من أعمال الإيمان المستحب، وهكذا فإن دراسة الإيمان على تلك الطريقة من الدقة والوضوح، يتم من خلالها ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً، دونما أدنى خلل بالإفراط أو التفريط.
[المفتاح الثاني]: إنّ أهم قاعدة من قواعد أهل العلم في ضبط باب الإيمان والكفر، هي تلك القاعدة التي تتعلق بمعرفة أصل الإيمان وعناصره التي من أتى بها فلا يجوز تكفيره الكفر الأكبر الموجب لاستحلال دمه وماله، وهي في حقيقة أمرها حصيلة فقه المحققين الأئمة من أهل العلم لضبط باب الإيمان والكفر وفقه مسائلهما وأحكامهما، ألا وهي: الإيمان قول وعمل , والإيمان أصل وفرع والأصل قول وعمل والفرع قول وعمل , وعمل الأصل يختلف عن عمل الفرع، فإن عمل الأصل هو عمل القلب من الانقياد والاذعان والتعظيم، وعمل الفرع هو كافة أعمال الجوارح التي تدخل في مسمى الإيمان، وعناصر أصل الإيمان في الشرع ثلاثة (قول القلب وعمل القلب وإقرار اللسان) وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الأصـل داخلة في مسمى الإيمان.
إنّ فقه مسائل واحكام الإيمان على هدي الكتاب والسنة جعل العلماء يقسمون العمل إلى قسمين عمل القلب وهو القبول والانقياد القلبي والاذعان، وعمل الجوارح من صلاة وصيام وزكاة وحج وسائر العبادات والطاعات، وأدخلوا القسم الأول (عمل القلب) في أصل الإيمان، وأدخلوا القسم الثاني (عمل الجوارح) فيما زاد عن الأصل من الإيمان الواجب والمستحب، وهذا الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يتميزون عن كافة الفرق الضالة في مسائل واحكام الإيمان سواء بالتفريط أو الافراط، فهم تميزوا عن المرجئة المفرطة في مسائل الإيمان فأدخلوا العمل (عمل القلب) في أصل الإيمان، لأنّ المرجئة لا يدخلون أي عمل في الإيمان الأصل، وتميزوا عن الخوارج والمعتزلة الغالية في مسائل وأحكام الإيمان بإدخال عمل الجارحة في الأصل وبالتالى غالوا في تكفير المسلمين بغير حق، (رابعا): إذن عناصر الأصل ثلاثة هي: (1) إقرار اللسان، (2) قول القلب (التصديق)، (3) عمل القلب (الانقياد)، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الأصـل داخلة في مسمى الإيمان , وبعضها يدخل في الإيمان الواجب وهو أداء الفرائض والكف عن المحرمات، وبعضها يدخل ضمن عناصر الإيمان المستحب وهو أداء النوافل والكف عن المكروهات، وبالرجوع إلى كتاب الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم سنجد الكتاب والسنة يؤكدان على صحة تلكم القاعدة التي تعتبر بحق أهم الفقه في ضبط باب الإيمان والكفر.
[المفتاح الثالث]: من الأدلة من كتاب الله عز وجل على إخراج عمل الجوارح من أصل الإيمان: أنّ الإيمان جاء مقروناً بالعمل الصالح في أكثر من خمسين موضعاً في كتاب الله عز وجل: منها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7]، فهذه الآيات التي فيها عطف العمل على الإيمان , والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما، وكثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة، فدل ذلك الحرص على الفصل بين لفظ الإيمان ولفظ العمل الصالح في القرآن الكريم على التغاير بين دلالة الإيمان ودلالة العمل الصالح، فالإيمان هاهنا المقصود به الإيمان الأصل الذي يعطي لصاحبه اسم الإسلام وحكمه ويمنع من دخوله في الكفر الأكبر وأحكامه، والمقصود بالعمل الصالح هو الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات ذلك الإيمان الذي تتحقق به النجاة من الكفر في إطار الملة ومن لقب الفسوق ومن دخول النار ابتداء، ويستحق به صاحبه الحمد والثناء.
ومن الأدلة على ذلك أيضاً: الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وجل الدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب: كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}، وكقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، فدلت الآيات على أن مقر الإيمان هو القلب، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (التقوى هاهنا)، ويشير إلى صدره ثلاثاً، وكقوله صلى الله عليه وسلم(ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ([16]).
وكقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله عز وجل: (أخرجوا من النار من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان) ([17]) . فهذه الأدلة من الكتاب والسنة تدلنا على أن أهم الإيمان وأصله هو ما وقر في القلب وأن هذا الأصل هو الفاروق بين الخلود الأبدي في النار وعدم الخلود فيها، ومن الأدلة على ذلك أيضاً: الأدلة من الكتاب والسنة على أن أصل الكفر ومنبعه أيضاً هو القلب: ومن ذلك قوله تعالى: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}وقوله تعالى:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى:{لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ .. إلى قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} فهذه الآيات تدلنا على أن محل الكفر الأكبر هو القلب وأنه ضد لأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، ومن الأدلة على ذلك أيضاً: أنّ الإيمان جاء في كتاب الله عز وجل مقروناً بالعمل الصالح وجاء أيضاً مقروناً بضده: ومثاله قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] فعبر القرآن الكريم عن المقتتلين بلفظ الإيمان مع أن الحديث الصحيح مفاده (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) فعلينا عند الجمع بين الآية والحديث أن المقتتلين من المسلمين لهم مسمى الإيمان بما أتوا به من الأصل وأن كفرهم في إطار الملة وليس خارجها، ومثاله أيضاً قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ..} [البقرة: 178] فجاء التعبير القرآني بإثبات أخوة القاتل لولي الدم ولا شك أنه قد أتى بضد العمل الصالح الذي هو من قبيل الإيمان الواجب وهذا بخلاف من انتفى عنه التصديق ـ مثلاً ـ فأولئك قال عنهم الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8 – 9] وحكم عليهم القرآن الكريم بالنفاق وجعل الدرك الأسفل من النار مأواهم يوم القيامة، ومن الأدلة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم على صحة هذه القاعدة: ما أخرجه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة) ([18]) ..والحديث يدل على أن الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما سبب لدخول الجنة وإن دخل النار بذنوبه فإنه لا يخلد فيهما خلود الجاحدين لأن مآله إلى الجنة، وما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار) ([19]) .
فمن أقر بالشهادتين واعتقد بهما حرم الله عز وجل عليه الخلود الأبدي في النار وهذا ما يجب حمل الحديث عليه إذ هو مذهب أهل السنة والجماعة لا يعرفون غيره فيقولون بأن أصحاب الكبائر في المشيئة، وقد دلت الأخبار الصحيحة على أن بعضهم يدخل النار بقدر ذنوبه ثم يخرج بالشفاعة أو ضمن قبضة الرحمن الذين لم يعملوا خيراً قط، وما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة ([20]) .
. ففي الحديث دلالة على أن كل من شهد الشهادتين معتقداً لهما ومات على ذلك فإن مآله إلى الجنة، و ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار، قال (أي معاذ) يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا قال: ” إذا يتكلوا ” فأخبر بها معاذ عند موته تأثما) ([21]) . وما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ” قلت – أي راوي الحديث وهو أبو ذر – رضي الله عنه – وإن زنى وإن سرق قال: (وإن زنى وإن سرق) ثلاثاً ثم قال في الرابعة على رغم أنف أبي ذر فخرج أبو ذر وهو يقول وإن رغم أنف أبي ذر) ([22])
وبعد: فهذه بعض الأحاديث التي تدل على صحة ما ذكرناه من كون أصل الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار الإقرار بالشهادة مع اعتقادها، واعتقادها يشمل قول القلب أي تصديقه وعمل القلب بالانقياد لها إذ لا تصح الشهادة إلا بذاك، ومن الأدلة على ذلك أيضاً: [أحاديث الشفاعة]: فإنها تبين الحد الأدنى من الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه، لأنها تتحدث عن آخر أهل الجنة دخولاً للجنة، والجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، وما دام هؤلاء قد دخلوا الجنة فقد حازوا مسمى الإيمان، ولما كان هؤلاء آخر أهل الجنة دخولاً للجنة كان عندهم أدنى الإيمان الذي يأخذ به اسم الإيمان وحكمه وكان عندهم أصل الإيمان الذي أتاح له دخول الجنة، لذلك ذهب الفقهاء إلى جمع هذه الأحاديث من كتب الصحاح والسنن وتتبعها والتوفيق بينها لبيان الحد الواضح لأدنى الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار، وقد بينت هذه الأحاديث أن للشفاعة مراحل عدة: المرحلة الأولى:شفاعات المؤمنين وهذه للمصلين يعرفونهم بأثر السجود فالنار لا تأكل منهم أثر السجود، والمرحلة الثانية: شفاعات الملائكة لمن بقي من المصلين لا يعرفهم المؤمنون فيخرجونهم أيضاً ويعرفونهم بأثر السجود، والمرحلة الثالثة: شفاعات النبيين وهي ولا شك لمن كان حالهم أدنى وأسوأ من سابقيهم ممن أخرجهم المؤمنون والملائكة، والمرحلة الرابعة: شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم وهي ثلاث تنال آخرها من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجهم من النار، والمرحلة الأخيرة: وفيها يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل الشفاعة الرابعة له وهي في حق من اقتصر على قول لا إله إلا الله معتقداً لها مجردة عن الأعمال، فيقـول الله عـز وجـل كما جاء في الحديث: (لـيس ذاك إليـك وعزتي وكبريـائي وعظمـتي وجبريائي لأخرجـن مـن قال لا إله إلا الله)، ([23]) . وما أخرجه البخاري– رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه وفيه: ” يشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا، فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه) ([24]) .وما أخرجه مسلم– رحمه الله – في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أيضاً وفيه: ” فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومـاً لم يعملوا خـيراً قـط ,, يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه “ ([25]) . فالشفاعة الرابعة تدل على خروج الأعمال عن حد إيمان أصحاب القبضة ويؤكد ذلك حديث مسلم رحمه الله: (فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط).
فالحديث صريح الدلالة على أن إيمان أصحاب القبضة كان مجرداً عن الأعمال لقوله صلى الله عليه وسلم (لم يعملوا خيراً قط) وفيه نفي مؤكد بلفظ (قط) بمعنى لم يعملوا خيراً أبداً، ويؤيد ذلك ويؤكده مجموع الأدلة المأخوذة من الأحاديث السابقة لهذا الحديث، فكلها قد تضافرت على إثبات إيمان مجرد من الأعمال لأصحاب القبضة الذين هم أقل الخلق إيماناً وآخر أهل الجنة دخولاً، وما أقوله من الاستدلال بهذه الأحاديث على هذا النحو ليس بدعاً من القول بل هو ما قاله العلماء منذ تعرضهم لشرح أحاديث الشفاعة والاستدلال بها، إذن حصيلة فقه المحققين الأئمة من علماء أهل السنّة لضبط باب الإيمان والكفر وفقه مسائلهما وأحكامهما، ألا وهي: الإيمان قول وعمل , والإيمان أصل وفرع والأصل قول وعمل والفرع قول وعمل , وعمل الأصل يختلف عن عمل الفرع، فإن عمل الأصل هو عمل القلب من الانقياد والاذعان والتعظيم، وعمل الفرع هو كافة أعمال الجوارح التي تدخل في مسمى الإيمان، وعناصر أصل الإيمان في الشرع ثلاثة (قول القلب وعمل القلب وإقرار اللسان) وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الأصـل داخلة في مسمى الإيمان , فمما يدل على أنه لا يصح الإقرار إلا بالتصديق: قوله عز وجل {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}[البقرة: 8 – 9]، وقوله جل شأنه: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}[المنافقون: 1]، ومما يدل على أنه لا يصح الإقرار والتصديق إلا بالانقياد القلبي: ما جاء في كتاب الله تعالى عن كفر إبليس الرجيم مع أنه يقيناً كان مصدقاً وإنما أتى كفره من قبل عدم الانقياد وليس من قبل التكذيب كما ذكر ذلك المولى تعالى في سورة البقرة بقوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] وفي سورة الإسراء نجد قول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 61 – 62] . في الآيات دلالة واضحة على أن كفر إبليس إنما هو لمعاندة أمر الله تعالى وليس لتكذيبه والمعاندة واضحة في قوله (أأسجد لمن خلقت طيناً)، فهذا معاندة للأمر واستكبار عن اتباعه وليس هو من باب التكذيب أبداً، وفي سورة ص نجد قول الله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}[ وفي هذه الآيات دلالات عديدة على تصديق إبليس وأنه إنما أُتي من قبل انتفاء عمل القلب وهو انقياده وإذعانه لأمر الله، وبالتالي استكباره عن طاعة الله وهذا هو كفر إبليس الحقيقي، ومعصية إبليس لم تكن في ترك السجود وإلا فقد أكل آدم من الشجرة بعد أن نهاه الله تعالى عنها ولكنه عصى الله بجوارحه وقلبه منقاد لأمر الله يعلم أنه ما كان ينبغي له مخالفة أمر الله في شيء ولذلك لما تاب وأناب تاب الله تعالى عليه، أما إبليس فلم يكن تركه للسجود معصية جارحة وإنما هو استكبار القلب وعناده وخلوه عن الانقياد لأمر الله فاستحق الكفر والرجم، ولو نظرنا إلى الآيات لوجدناه يخاطب الله عز وجــل بقوله ” رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ” فهو مصدق بالله بربوبيته له وللعالمين أجمعين، ولم يكن مكذباً بشيء من ذلك أبداً بل هو يحلف بعزة الله ويعلم أنها صفة جليلة للرحمن سبحانه فيقول ” فبعزتك لأغوينهم أجمعين ” ومن ذلك كله نعلم يقيناً أن التصديق المجرد لا ينفع بشيء حتى يضاف إليه انقياد القلب وإذعانه وخضوعه لأمر الله، وعلى ذلك: فعناصر الأصل ثلاثة هي: (1) إقرار اللسان، (2) قول القلب (التصديق)، (3) عمل القلب (الانقياد)، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الإيمان الأصل داخلة في الإيمان الواجب، فلا مجال لتكفير المسلم الكفر الأكبر إلا بما ينقض أصل الإيمان من التصديق والانقياد والإقرار، وهذه من أعظم ضوابط العلم في باب الإيمان.
[المفتاح الرابع]: العاصي والفاسق من أهل القبلة لا ينفي عنه مطلق الإيمان (أصل الإيمان) بعصيانه وفسوقه ولا يوصف بالإيمان المطلق (الإيمان الواجب)، ولكن هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم، و (الإيمان المطلق) يدخل صاحبه في مثل قوله تعالى: {والله ولي المؤمنين} و قوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون}، وقـوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، فالإيمان المطلق يستحق أهله به الثواب بلا عقاب، و (مطلق الإيمان) يدخــل صاحبه في مثل قوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة}، وقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل مؤمن بكافر) وأمثال ذلك مما يثبت مجرد الإيمان وإن استحق أهله الوعيد بالعقاب، وقد يُنف الإيمان المطلق عن قوم مسلمين لهم مطلق الإيمان كما في قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} إلى قوله تعالى {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} فالأعراب مسلمون جفاة نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاءً لا نفاقاً وكفراً أمرهم الله تعالى بحسن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ووعدهم خيرا إن أطاعوا الله والرسول، قال تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم}، ومثاله من السنة نفى النبي صلى الله عليه وسلم ” الإيمان المطلق ” عن الزاني وشارب الخمر والسارق وإن لم ينف عنه ” مطلق الإيمان ” في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) ([26]) . فالزاني وشارب الخمر والسارق مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ؛ فلا يعطى الإيمان المطلق، ولا يسلب مطلق الإيمان، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا ومن حمل السلاح علينا فليس منا) ([27]) . فهذا كله نفي للإيمان المطلق وليس نفيا لمطلق الإيمان، وصاحب (مطلق الإيمان) يصح أن يقال: هو مؤمن باعتبار ما أتى به من أصل الإيمان، ويصح أن يقال ليس مؤمناً باعتبار تفريطه في الإيمان الواجب، وهذا من أجل فوائد التفريق بين الإيمانين الإيمان المطلق و مطلق الإيمان: أنّه إذا نفى الشرع الإيمان عن أحد فهل المقصود به كفره الكفر الأكبر المخرج من الإسلام أم المقصود به الكفر دون كفر والفسوق والعصيان، فتجري عليه أحكام المسلمين، ولا يجوز بحال استحلال دمنه ومحارمه، ومعرفة هذا من الفقه الراسخ في دين الله تعالى.
[المفتاح الخامس] من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ الإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، وإنما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم (بالكفر) ليدلنا على وخامة هذا الفعل وخطورة عاقبته التي قد تؤول بصاحبه إلي خذلان الله عز وجل له فيضرب على قلبه قبل الموت، فيموت كافراً، نسأل الله السلامة وحسن الختامة، وليس بعد هذا التحذير النبوي البليغ من تحذير، وليس بعد ترهيبه من هذا الفعـل مـن ترهيب، إلا أن الكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية.
[المفتاح السادس] من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر، ف (الكفر الأكبر): هو الكفر المناقض لأصل الإيمان (الإقرار والتصديق والانقياد)، ولهذا كان ستة أنواع منها ما يضاد الإقرار ومنها ما يضاد التصديق ومنها ما يضاد الانقياد: فكفر التكذيب يضاد الإقرار والتصديق، وكفر الجحود يضاد الإقرار، وكفر العناد ومنه الاستكبار والإباء يضاد الانقياد، وكفر الشك يضاد التصديق، وكفر النفاق يضاد التصديق، وكفر الإعراض يضاد الإقرار والتصديق، وكل ما يناقض أصل الإيمان فهو كفر أكبر مخرج من الملة ومآله إلى أحد أنواع هذه الستة الذي ذكرها العلماء في أنواع الكفر الأكبر، والكفر الأكبر: يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فيجب تفريق زوجته المسلمة عنه ولا يحل لها البقاء تحت سلطانه، ويجب تفريق أولاده القصر عنه لأنه لا يؤتمن عليهم ويخشى أن يؤثر عليم بكفره، ويجب أن يحاكم إلى قضاء المسلمين وتقام عليه الحجة فإن تاب وإلا قتل رٍدّة، إذا مات أو قتل رٍدّة فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين ولا يورث كما أنه لا يرث إذا مات مورث له، والكفر الأكبر يوجب الخلود الأبدي في النار ـ فصاحبه من أصحاب النار الذين لهم الخلود الأبدي في النار فلا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ولا هم منها بمخرجين، وهم في النار لا يجوز لهم شفاعة ولا تنفعهم شفاعة ولا هم تحت المشيئة بل هم أصحاب النار خالدون فيها أبداً وبئس المصير. وأما (الكفر دون الكفر الأكبر): وهو ما يسميه بعض العلماء بالكفر داخل إطار الملة أو بالكفر الأصغر، وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان، ولهذا كانت خطورته في أنه يفتح طريقاً عريضاً نحو الكفر الأكبر ويخشى على صاحبه بسوء الخاتمة، وذلك لأن الإيمان من شأنه الزيادة والنقصان، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وصاحب الكفر دون الكفر الأكبر مفرط في الإيمان الواجب من أصل الإيمان فهو يكاد ويوشك أن يقع فيما ينقض أصل الإيمان، ومن أمثلة هذا الكفر قتل المسلمين وقتالهم لأنه قريب من اعتياد ذلك واستحلاله، واستحلاله كفر أكبر، ومن أمثلته النياحة على الميت لأنه قريب من اعتياد الاعتراض على قضاء الله وقدره، والظن السيئ بالله، وهو بذلك قريب من الكفر الأكبر، ومن أمثلته تكفير المسلم لأخيه المسلم بغير وجه حق لأنه قريب إلى استحلال دمه وماله وعرضه بغير وجه حق، وهكذا فكل ما حكم الشرع بكونه كفر دون كفر، فهو دلالة على قربه من الكفر الأكبر وأنّ اعتياده طريق إلى الكفر الأكبر المضاد لأصل الإيمان والموجب للخلود الأبدي في النار، ” قلت “، ومن أمثلته أيضاً عند جمهور السلف والخلف وغالب الفقهاء ترك الصلاة لأنّه قريب من اعتياد ذلك وجحوده فيختم لهم بسوء الخاتمة، نسأل الله عز وجل التثبيت وحسن الخاتمة.
[المفتاح السابع]: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ الكفر الأكبر: كفر اعتقاد وجحود، والكفر دون كفر: كفر عمل مجرد عن الاعتقاد: هذه القاعدة: (الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله) قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف وسب الدين، وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله،.
[المفتاح الثامن] من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ الكفر الأكبر هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة (الإقرار و التصديق و الانقياد)، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة، فما كان ضد الإقرار فهو كفر أكبر: ومنه عدم الإقرار بالشهادتين أصلاً أو التلفظ بكلمة الكفر الناقضة للإقرار أو إقرار الكفر المناقض للإيمان أو جحود شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتواترة، ويدخل فيه سبّ الله أو سب رسوله أو دينه أو كتابه لأن ذلك ناقض لأصل الإقرار إذ الإقرار ينبئ عن التصديق والانقياد والسب ينبئ عن التكذيب أو الاستكبار أو كليهما، ويدخل فيه أيضاً الاستهزاء بالله أو برسوله أو بدينه أو بكتابه إذ الإقرار ينبئ عن التعظيم والاحترام والاستهزاء ينبئ عن الاستخفاف وعدم الاحترام فلذا كان ناقضاً للإقرار، وكل ما كان ناقضاً للتصديق فهو كفر أكبر: ومنه الشك وهو عدم التصديق الجازم بل التردد بين التصديق والتكذيب ومنه التكذيب ومنه النفاق وهو إظهار التصديق باللسان مع تبطن الكفر، وكل ما كان ناقضاً للانقياد كان كفراً أكبر: ومنه العناد والكبر والإباء والاستكبار، وكـل ما كـان مصاحبـاً بانتفـاء عناصـر الإيمـان الثلاثـة كـان كفـراً أكبـر، ومنه كفر الجهل بجهل الإقرار والتصديق والانقياد، وكفر الإعراض وهو الإعراض عن الإقرار والتصديق والانقياد والفرق بينهمـا أن الأول لم يسمـع بالرسالـة فهـو جاهـل والثاني سمع عنها فأعرض، وهكذا فالكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها: كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء ومنه السب، وأعمال الجوارح لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب، وبعضها أقرب من بعض إلى أصل الإيمان، وأقربها إلى أصل الإيمان إقامة الصلاة، ولهذا غلّظ الشرع في تركها ووصف تاركها بالكفر وهو عند جمهور المحققين – وغيره من أعمال الجوارح من باب الأولى – داخل في إطار كفر دون كفر وصاحبه لا يخرج من الملة بالكلية وإن كان يُخشى عليه ذلك لكونه على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر، وكل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق فلا يخرج من الملة بالكلية، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين.
[المفتاح التاسع]: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ الأعمال الكفرية كإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب، لأنه لولا انتفاء عمل القلب من التعظيم والانقياد لما أقدم المرء على تلك الأعمال التي لا تصدر من مؤمن ابدا في قلبه انقياد وتعظيم لأمر الله تعالى وامر رسوله صلى الله عليه وسلم.
[المفتاح العاشر]: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط: وهذه أيضاً قاعدة رصينة قال بها العلماء، فإنّ المأمور به إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار إبتداءً، وله – أيضاً – كلام طيب ممتلئ حكمة يؤكد صحة هذه القاعدة، ذكر في بدايته أن نفي الإيمان في كتاب الله يتناول نفي الإيمان الواجب وأن صاحبه وإن نفي عنه الإيمان الواجب إلاّ أن له اسم الإيمان وحكمه وما ذلك إلاّ لأنه لم يتول بالكلية عن الطاعة مادام قد أتى بطاعة الاعتقاد وبالتالي فهو في إطار الملة ولكنه من أهل الوعيد.
[المفتاح الحادي عشر]: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ كفر تارك الحكم بما أنزل الله، كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المنقاد بقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان(الإقرار)، وتفريطه في عمل الجارحة فقط، وقوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]،من أقر بلسانه واعتقد بقلبه وجوب الحكم بما أنزل الله، فقد حكم بقبله بما أنزل الله، ولم يترك حكم الله بالكلية فلا ينطبق عليه الكفر الأكبر، وإنما هو كفر عملي لا يخرج من الملة، ومن جحد حكم الله بقلبه، فقد كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة، ولذلك اتفقت كلمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم على التفصيل في المسألة، قال حبر الأمة عبد الله بن عباس قوله {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به فهو ظالم فاسق ([28]) .
[المفتاح الثاني عشر]: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه، ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب (جحد الصلاة)، وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة، و كل ما قيل في مسألة (ترك الحكم بما أنزل الله) من التفريق بين التارك الجاحد والتارك المقر، وجعل الأول من الكفر الأكبر المخرج من الملة، والثاني من الكفر العملي الذي هو دون الكفر الأكبر يصح حمله على تارك الصلاة، بل هو في مسألة (تارك الصلاة) أظهر وأولى، وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني والنووي في المجموع والشوكاني في نيل الأوطار ([29]) .
وهو أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية لأن به يحصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن، ومنه الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) ([30]) . وبين قوله – صلى الله عليه وسلم – (خمس صلوات افترضهن الله على العباد … من أتى بهن … ومن لم يأت بهم لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة) ([31]) . ولا يكون تحت المشيئة إلا مؤمن، ولهذا قال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر: (ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث)، انتهي، ([32]) .
[المفتاح الثالث عشر]: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ موالاة الكافرين على المؤمنين كفر لنص الشرع عليه، قال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، ولكنه كفر أكبر إذا كانت الموالاة على دينهم، وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد والإقرار واقتصرت الموالاة على الظاهر، ودليله ما أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (ما هذا يا حاطب؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت ام رأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال (إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم) ([33]) . فموالاة الكافرين: يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات،
[المفتاح الرابع عشر]: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر، (الكفر الأكبر): يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه لا اسم الإسلام ولا حكمه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما (الكفر دون الكفر الأكبر): فهو داخل إطار الملة وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان، وصاحبه له اسم الإيمان وحكمه، والكفر دون كفر عند الفقهاء هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة، وبالتالي لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة شهد بالشهادتين: مقرا لهما بلسانه، معتقدا لهما بقلبه، هذا المسلم: لا يجوز تكفيره الكفر الاكبر بعمل حتى يأتي على أصل إيمانه واعتقاده، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته) ([34]) . ولا يصح تفريغ الحديث من معناه، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ) ([35]) .
[المفتاح الخامس عشر]: من أهم ضوابط التكفير التي تتعلق بحفظ حرمات المسلم (دمه وماله وعرضه): أن نعلم أنّ أصل الإيمان محله القلب وهو قول وعمل ولا يصح أصل الإيمان الذي وقر في القلب حتى يظهر أثره على جارحة اللسان بالإقرار، وعناصر الأصل ثلاثة لا رابع لها، هي: إقرار اللسان، وقول القلب (التصديق)، وعمل القلب (الانقياد)، ولا يمكن أن يستغني الأصل عن أحد تلك العناصر الثلاث، لأنه إذا انتفى إقرار اللسان لم نعلم بإيمان المرء، وهذا هو كفر الجحود، وإذا انتفى قول القلب (التصديق) حل محله كفر التكذيب، أو الشك، أو النفاق، وإذا انتفى عمل القلب (الانقياد) حل محله كفر الاستكبار والإباء، وهو كفر ابليس الرجيم، أما عمل الجارحة فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الفرع فإن كان واجبا دخل في الفرع الواجب وإن كان مستحبا دخل في الفرع المستحب، والادلة على ذلك من كتاب الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جدا، سبق ذكرها في الأساس الثالث، وجميعها يدل على أنّ أصل الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار، والذي به يصير المرء مسلماً معصوم الدم، هو: الإقرار بالشهادة مع اعتقادها، واعتقادها يشمل قول القلب أي تصديقه وعمل القلب بالانقياد لها إذ لا تصح الشهادة إلا بذاك، ومن أهم ضوابط التكفير التي تتعلق بحفظ حرمات المسلم (دمه وماله وعرضه): أن نعلم أنّ نعلم أنّ الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة (الإقرار – التصديق – الانقياد القلبي)، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة، وأعمال الجوارح كما حققناها عند فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب، وبعضها أقرب من بعض إلى أصل الإيمان، وأقر بها إلى أصل الإيمان إقامة الصلاة، ولهذا غلّظ الشرع في تركها ووصف تاركها بالكفر وهو عند جمهور المحققين داخل في إطار كفر دون كفر، وصاحبه لا يخرج من الملة بالكلية وإن كان يُخشى عليه ذلك لكونه على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر، وكل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق، فلا يخرج من الملة بالكلية، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين.
ومن أهم ضوابط التكفير التي تتعلق بحفظ حرمات المسلم (دمه وماله وعرضه): أن نعلم أنّ أنّ الإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، الكفر الأكبر: كفر اعتقاد وجحود، والكفر دون كفر: كفر عمل مجرد عن الاعتقاد، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف وسب الدين، وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله، ونستفيد من كل ما سبق: أنه لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة شهد بالشهادتين، لا بذنب ولا بخطأ ولا بجهل ولا بتأويل ولا بلازم قول، ولا ببدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، فمن نطق بالشهادتين بلسانه فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر.
هذه ضوابط التكفير التي تمنع من تغول التكفيرين على أهل القبلة، وهي ضوابط تسهم في وضع إطار التسامح والتراحم بين المسلمين، ولنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة حيث قال: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته) ولا يصح تفريغ الحديث من معناه، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، وفي هذا المسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُه)
***
المبحث الثالث مفاتيح تتعلق بعلم التوحيد والشرك لحماية الامة من بدعة الغلو في اتهام الأمة الإسلامية بالشرك
[المفتاح الأول]: لقد انحرف أهل الغلو في باب التوحيد بسبب الفهم المغلوط لآيات نزلت في حق المشركين الأصليين فأنزلوها على المسلمين، وما دروا حقيقة الإسلام، ولا ما هو إطاره الصحيح الذي يدخل فيه كل مسلم، اصطفاه الله تعالى للإسلام، وما هي حقوق المسلم على المسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته)، ولا يصح تفريغ الحديث من معناه، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ)، المسلم: هو كل من قال (لا إله إلا الله * محمد رسول الله): مقرا لها بلسانه، معتقدا لها بقلبه، والاعتقاد القلبي له ركنان، (قول القلب وهو التصديق القلبي للشهادة، وعمل القلب، وهو الانقياد القلبي لها، هذا المسلم: لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، أما أهل الغلو في باب التوحيد والشرك: فأتوا بآيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين، وما دروا حقيقة الشرك، ولا حقائق التوحيد، ويصدق فيهم قول ابن عمر رضي الله عنهما في صنيع الخوارج: (إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين) [علقه البخاري بصيغة الجزم في باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين]، لقد تسبب الذهول عن معنى العبادة وعن ضابط العبودية وعن الفريق بين أصل العبادة وصور العبادة خلل خطير آل إلى الغلو في تقييم الشرك، لأنّ الفقيه ينبغي أن يفرق بين أصل العبادة الذي هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، وبين صور العبادة التي تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام.
هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال، إنّ التعريف الصحيح للعبادة: هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
لقد أخطأ أهل الغلو في باب التوحيد والشرك في تفسير العبادة، ففسروها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهلوا عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله، أو لمن يعتقده رباً له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، وهو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، أو اعتقاد أُلوهيتهم من دون الله، وقد كانوا يسمونها آلهة ويعبدونها ويظنون فيها النصر والعزة، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) } [يس: 74]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقال تعالى حكاية عن اعتقادهم {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، إنّ من أعظم الخلل في باب التوحيد والشرك المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين، (المسلم) يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله، و (المشرك) يتخذ من دون الله أندادا وشركاء، و (المسلم) يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله، و (المشرك) يعتقد بوجود آلهة مع الله، ويقول: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، و (المسلم) يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا، لقوله تعالى: {قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً}[الزمر: 44] وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله، وإنما لمن ارتضى، لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، و (المشرك) يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة – على اعتقادهم الباطل – مع الله، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94]، و (المسلم) يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى: {فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً} [فاطر: 10]، و (المشرك) يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى: {وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81]، و (المسلم) يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين، و (المشرك) يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، و (المسلم) يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) معتقدين لها، و (المشرك) لا يؤمن بالرسول، ويقول – كما حكاه عنه القرآن الكريم -: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 4 إلى 8].
ولذلك لا يصح مقارنة أفعال المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً قد تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال، كالطواف حول القبور، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية والربوبية أو شيء من صورهما، ومنه يتبين خطأ من أقدم على تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر، واستحلال دمائهم وأموالهم، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريره الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله، وهذا لا يكون من مسلم أبدا.
[المفتاح الثاني]: الفهم الصحيح لتوحيد الألوهية: شهادة (لا إله إلا الله) هي عنوان التوحيد، وتوحيد الألوهية هو العلم الشارح لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله)، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب المعبود الحق الذي له الكمال في كل شيء والذي له التفرد في كل شيء والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، سوى كلمة (الإله)، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد (لا إله إلا الله) شيء سواها، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا (لا رب إلا الله)، ولا قولنا (لا معبود إلا الله)، ولا قولنا (لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله)، وما ذاك إلا لأنّ قول المسلم (لا إله إلا الله) يشمل ذلك كله، ويزيد عليه، ف (لا إله إلا الله) يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال فلا خالق إلا الله، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو.
لقد أكرم الله تعالى أهل السنة بجمع تلك المباحث وصياغتها بحيث تستوعب جميع الاقسام دون أن تهمل أي قسم منها، ودون أن يكون هناك خلل بسبب إهمال أحد تلك الأقسام، ووضعوا لكل قسم ضوابطه التي تمنع من الغلو فيه، وبهذا يخرج دارس علم التوحيد على علم راسخ للتوحيد يحيط بكافة جوانبه العظيمة، بلا غلو ولا تقصير، وبلا إفراط ولا تفريط، إن استيعاب علم التوحيد وفقه مسائله وأحكامه على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة من أهم العلوم التي يؤدي غيابها إلى وجود خلل الفكري والعقدي عند بعض فرق المسلمين، وهو علم بالغ الأهمية للقضاء على فوضى الغلو في اتهام الامة بالشرك الأكبر ومن ثم استحلال حرمات ومحارم أهل الإسلام، وإنّ فقه مسائل وأحكام التوحيد على المنهاج الحق يحتم علينا استيعاب عدة معان تستوفيها شهادة التوحيد (لا إله إلا الله): أولها: توحيد الله تعالى في جناب ذاته ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وثانيها: توحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى، وثالثها: توحيد الله تعالى في صفاته، ورابعها: توحيد الله تعالى في أفعاله، وخامسها: توحيد الله تعالى في ربوبيته لخلقه، فلا رب للعالمين سواه، وسادسها: توحيد الله تعالى في عبوديته، فلا معبود بحق إلا إياه، وسابعها: البراءة من الشرك في الإلهية بأقسامها الستة: توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية، وذلك بالبراءة من الشرك فيما يتعلق بجناب الذات والأسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية، فهذه المعاني جميعها يدخل في توحيد الإلهية، الذي يشهد به كل مسلم عند قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله).
[المفتاح الثالث]: لقد تسبب الذهول عن اضافة قسم توحيد جناب الذات إلى أقسام التوحيد عند بعض أهل الغلو إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بأهم جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين الموحدين المنزهين المقدسين، والذهول عن هذا القسم (قسم توحيد جناب الذات) أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وأدى إلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس عند بعض طوائف المسلمين، بل واعتقاد التجسيم وإن لم يشعروا بذلك، إنّ دراسة علم التقديس هي عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف، وذلك لأنّ دراسة هذا العلم يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى، ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق جناب ذات الله سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103].
وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث، فكذلك فإن هذا العلم يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس، لغلبة الحس عليهم، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجودها لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه، ولهذا دائما ما يوسوس لهم الشيطان بقوله: (هذا خلق الله، فمن خلق الله)، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج إلى مكان، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليها زمان، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها، لأنّهم لم يروا مثل ذلك، فينفونه، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ، أما التعمق في علم التقديس والتنزيه، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم.
[المفتاح الرابع]: أسس وركائز تمنع من الغلو في توحيد الربوبية: المشركون كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية: مفردات الربوبية كثيرة تشمل الخلق والرزق والتدبير والتصريف والرعاية والهداية والحفظ والسيادة والقهر والحكم والأمر، وتوحيد الربوبية لا يطلق إلا على من اعتقدها خالصة لله ليس له فيها شريك ولا معين، وقد كان المشركون على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الألوهية والربوبية في اعتقادهم، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله، كما أنه لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد العبودية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة، وقد أشار القرآن الكريم إلى الشرك الواقع في الربوبية عند الأمم السابقة في العديد من الآيات منها قوله تعالى {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [آل عمران: 64]، وقوله تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا} [آل عمران:80]، وقوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) [التوبة: 31،]، وقوله تعالى: {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]، والأدلة على كون المشركين في كل زمان وفي زمان الرسول كانوا على الشرك في الربوبية كثيرة (منها): اعتقادهم بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا يعني ربوبيتها وهذا شرك في توحيد الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله، في مثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وقوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ} [هود: 101]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء: 43]، وقد كانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36]، وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرة معاداة الأوثان، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون، و (منها): اعتقاد المشركين بوجود الشريك الذي له تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير، و(منها): اعتقاد المشركين بوجود الند لله:، والند هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير، والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله، قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30]، وقال تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، وقال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9]، و(منها): أنهم كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الإلهية والربوبية: قال تعالى واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98] فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه، ونستفيد مما سبق أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً، وأنّ من ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن على صواب في ذلك.
[المفتاح الخامس]: ما هو معنى العبودية وما هو المقصود من توحيد العبودية: العبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية واستحقاق العبودية، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق، أو المعبودات الباطلة من دون الله، إن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء:24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، إذ قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} لم يكن سجود عبادة لآدم وإنما سجود تكريم له لما أكرمه الله تعالى به من العلم، فشتان ما بين السجود للتكريم، والسجود بنية العبادة، كذلك: الفرق بين سجود نبي الله يعقوب وبنيه لله وسجودهم ليوسف عليه السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف في قوله تعالى: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}، وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة فشتان ما بين السجود للتكريم، والسجود بنية العبادة، ومن سجد بنية العبادة، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده إلها وربا ومعبودا، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة.
[المفتاح السادس]: خطورة الذهول عن فقه ضابط العبادة (اعتقاد مفردات الربوبية والألوهية أو بعضها للمعبود): العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، ولها (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال.
[المفتاح السابع]: خلاصة الأمر في تعريف العبادة: التعريف الصحيح للعبادة ينبغي أن يشتمل على الضابط الذي يمنع من اتهام المسلم بالشرك الاكبر وهو لم يتخذ مع الله تعالى إلهاً آخر، ويكون التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الألوهية والربوبية واستحقاق العبودية في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد.
[المفتاح الثامن]: أسس وركائز مهمة تمنع من الغلو في توحيد العبودية: (أ) الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، (ب) الفقه في مفهوم مفردات العبادة التي من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر: العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، ولكل مفردة من هذه العبادات ركنان: الركن الأول: الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة، والركن الثاني: العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد، (ت) الفقه في مفهوم (السجود) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له – كأن فعله تكريماً أو تعظيماً فلا يكون عبادة، (ث) الفقه في مفهوم (الدعاء) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله، (ج) الفقه في مفهوم (الذبح) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في السجود يقال مثله في الذبح، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الذبح تبعاً للعقيدة، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام، وكذلك كل من ذبح بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له، فهذا كله لا يدخل في باب الشرك الاكبر،، (ح) الفقه في مفهوم (النذر) ومتى يكون صرفه لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في السجود يقال مثله في النذر، فمن نذر لمن يعتقد فيه الربوبية وصفاتها، فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر، وإن كان النذر خاليا من ذلك الاعتقاد فليس بعبادة، (خ) الفقه في مفهوم (الشفاعة) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم، السجود يقال مثله في الذبح، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الشفاعة تبعاً للعقيدة، فمن صرفها لمن يعتقد فيه صفات الربوبية او بعضها كالشراكة في التدبير أو الشفاعة لللازمة على الله تعالى، فهذا الشرك الاكبر، (د) الفقه في مفهوم (الاستعانة) ومتى يكون اعتقادها لغير الله تعالى الشرك الأكبر: ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية او بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده، والقصد على وجه الاستقلال، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو، وكما علمنا القرآن الكريم توحيد الاستعانة بالله تعالى، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [البقرة: 153].
وضابط الاستعانة، أنّ من اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله، وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله، وصرفها لمن نعتقد فيه الربوبية والالوهية (لأنهما متلازمان) أو بعض صفاتهما فهو كفر وشرك بالله، وإن خلت من النية والاعتقاد، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب، (ذ) التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة: إنّ التعريف الصحيح الضابط لفهم توحيد العبادة هو إفراد الله تعالى باعتقاد الربوبية والألوهية، وافراد الله تعالى بأفعال العبد من سائر مفردات العبادة من صلاة وصيام ودعاء وذبح، ومن سائر أعمال القلوب كالتوكل والاستعانة واليقين، وقد شاب تعريف (العبادة) قصور عند بعض العلماء، ولهذا لابد من تصحيح هذا التعريف لما يترتب عليه من آثار تتعلق بالتوحيد والشرك، ومتى يكون المرء موحداً، ومتى يكون مشركا.
[المفتاح التاسع]: التعريف الصحيح الضابط لفهم معنى الشرك الأكبر المناقض لتوحيد الألوهية: إنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في عبوديته لله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه.
[المفتاح العاشر]: ضابط الشرك الأكبر المحبط للعمل: الشرك قسمان: أكبر يتعلق بالقلب والاعتقاد، وأصغر يتعلق بالعمل والجوارح، وهذا من أعظم الفقه في دين الله تعالى ومن الموازين الربانية لضبط مسائل وأحكام الشرك، وإلا دخلت الأمة في فوضى التشريك والتكفير واستحلال دماء وأموال وحرمات أهل القبلة، واتهام أهل الجهل والبدعة بالشرك الأكبر المخرج من الملة والعياذ بالله، وشرك العبادة الأكبر شرك اعتقاد: ويتناول اعتقاد إلوهية أو ربيوبية أو استحقاق عبودية غير الله، وعلى ذلك فمناط الشرك الأكبر هو الاعتقاد القلبي، وإن الاضطراب الحاصل في تحديد حقيقة الشرك الأكبر أوقع الكثير من المنتسبين للعلم في اتهام المسلمين بالشرك الأكبر في مسائل لا تبلغ بهم هذا المبلغ لأنها خالية من اعتقاد شريك مع الله في ألوهيته أو ربوبيته أو استحقاقه للعبودية، ومن أعظم قواعد أهل السنة والجماعة في ضبط مسائل الشرك: قولهم أنّ: الشرك الأكبر اعتقادي والشرك الأصغر عملي: فلا يكون العمل الشركي دالا على الشرك الأكبر إلا باعتقاد ألوهية غير الله أو ربوبيته أو استحقاق غيره للعبادة، وهذا الضابط هو العاصم من التكفير واتهام المسلم بالشرك الاكبر المخرج من الملة، بمعنى أنه كل من يقول أنا لا أعبد إلا الله وما أقوم به ليس عبادة لغير الله، لا يمكن أن يقال له: لا بل أنت مشرك، أنت تعبد غير الله لأننا نحن نعرف معنى العبادة وأنت لم تعرفها، هو مسلم بمجرد اعتقاده بأن العبادة لا تكون إلا لله ولم يقصد غير الله بالأعمال العبادية، وكل مقر بلسانه بكلمة التوحيد مسلم ليس لنا أن تتهمه بالشرك ما دام يأبى الشرك بالله، والاتهام بالشرك أخطر أنواع التكفير والمقر بلسانه بكلمة التوحيد(لا إله إلا الله) مسلم، ليس لنا أن تتهمه بغير ذلك، ما كان مقرا بأن الله هو الخالق المدبر المعبود وحده لا شريك ولا يمكن أن نحكم بكفره إلا إذا أنكر ما هو ضروري من الدين مع انتفاء الشبهة في حقه، وقد ردع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتهام اي مسلم بالشرك او الكفر . ففي صحيح مسلم: (إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما) ([36]) .
[المفتاح الحادي عشر]: من الأخطاء الجسيمة في باب الشرك: الخطأ في تقرير حقيقة الشرك الأكبر: إذا كان الخطأ في تقرير العبادة مهلكة لأهل القبلة، كذلك كان الخطأ في تقرير الشرك، مدعاة لاتهام الامة بالشرك، في أمور لا تحمل معاني الشرك مطلقا، وإذا كانت العبودية التي صرفها لله توحيد ولغير الله شرك، هي عبودية القلب باعتقاد الإلهية والربوبية واستحقاق العبودية لغير الله ومن ثم عبودية الجوارح، إذ ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى شرك أكبر، ولكنه يُشترط لها الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن تُصرف إليه صور العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الاكبر، ومن ذلك الخطأ في فهم آية الزمر، ومعرفة حقيقة اعتقاد المشركين بربوبية معبوداتهم: قال تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}[سورة الزمر: 3]، والولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}[مريم: 81]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز،وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}[يس: 74]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}[سورة هود] وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية والألوهية (ما نعبدهم)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده، وفي الحديث (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك)، وقوله تعالى: {كَاذِبٌ كَفَّارٌ} صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته وكذبوا على الله ورسوله.
[المفتاح الثاني عشر]: من الأخطاء الجسيمة في باب الشرك: خطأ المقارنة بين جهل المسلمين وبين شرك المشركين الأصليين: المسلم يعتقد أنّه لا معبود بحق سوى الله، والمشرك يتخذ من دون الله أندادا وشركاء، والموحد يقر ويعتقد أنّه لا إله إلا الله، والمشرك يعتقد بوجود آلهة مع الله، ويقول: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، والمسلم يعتقد أنّ: {اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، والمشرك ينسب إليه الولد والوالد والصاحبة والبنات، والمسلم يوحد الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، ولا يرى له مثيلاً ولا نظيراً في الأسماء والصفات والاَفعال فهو المتفرِّد في أسمائه وصفاته وأفعاله، والمشرك يلحد في أسمائه ويشتق منها أسماء لآلهته، كالعزى من العزيز، ويلحد في صفاته وأفعاله، وينسب إلى آلهته صفات القدرة والنفع والضر والإعزاز والإذلال، ويسوي الاَصنامَ بربّ العالمين كما في قوله تعالى – وهم يتعاتبون في النار -: {تَاللّه ِإِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين} [الشعراء: 97، 98]، والموحد يعتقد أنّ الشفاعة لله جميعا، لقوله تعالى: {قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً}[الزمر: 44] وأنّ شفاعة الخلائق لا تكون قسراً على الله، وإنما لمن ارتضى، لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28].
والمشرك يعتقد وجود الشافعين إلزاما على الله بما لهم من شراكة – على اعتقادهم الباطل – مع الله، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94]، والمسلم يرى أنّ العزّة بيد اللّه سبحانه كما في قوله تعالى: {فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَميعاً} (فاطر: 10) والمشرك يرى أنّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان بدليل قوله تعالى: {وَاتّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81]، والمسلم يرى النصر من عند الله تعالى وحده فهو الناصر وهو المعين، والمشرك يتخذ من دون الله آلهة لعلهم ينصرونه لقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، والمسلم يقر ويعتقد بنبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) معتقدين لها، والمشرك لا يؤمن بالرسول، ويقول – كما حكاه عنه القرآن الكريم -: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 4 إلى 8]، ولذلك لا يصح مقارنة أفعال جهلاء المسلمين ممن يتوسلون إلى الله تعالى بالصالحين من عباده ويفعلون أموراً تنسب إلى الجهل والبدعة ولا تنسب إلى الشرك في حق المسلم بحال، كالطواف حول القبور والتبرك بالصخور، وذلك لأنّ العقد سليم بأنّه لا إله إلا إله الله وأنّه لا معبود بحق سواه، وتلبسهم بصرف بعض العبادات جهلاً إلى غير الله لا يخول اتهامهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة لأنّ ضابط الشرك الأكبر هو صرف العبادة بنية العبادة لمن تعتقد فيه الألوهية والربوبية أو شيء من صورهما، ومنه يتبين خطأ من أقدم على تكفير طائفة عريضة من جهال المسلمين واتهامهم بالشرك الأكبر، واستحلال دمائهم وأموالهم، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريره الضابط للتفريق بين الشرك الأكبر والأصغر، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله، وهذا لا يكون من مسلم أبدا.
[المفتاح الثالث عشر]: من الأخطاء الجسيمة في باب الشرك: خطأ من اعتقد أن الشفاعة الإسلامية لها علاقة بالشرك: الشفاعة معتقد صحيح في دين الله ولا علاقة لشفاعة المسلمين بالشرك: هناك فرق أصيل بين عقيدة المسلمين في الشفاعة وعقيدة المشركين في الشفاعة، فالمسلم يعتقد أنّ الشفاعة تكون للصالحين فيما يأذن به الله ويرضاه سبحانه، كما في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109]، وقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، وقوله تعالى {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3]، واعتقاد الشفاعة بهذه الضوابط لا يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر، بل هو على النقيض من ذلك توحيد وطاعة ووسيلة إلى رضا الله تعالى، أما المشركون فيعتقدون شفاعة آلهتهم ومعبوداتهم إلزاما على الله تعالى بموجب شراكتهم لله تعالى في ملكه وربوبيته وألوهيته، فهذه شفاعة شرك وكفران، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94]، فالمشركون – كما تدل الآية -: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} يزعمون أن شفاعة معبوداتهم واجبة بما لها من شراكة مع الله، تعالى الله عما يشركون، مما سبق يعلم خطا من جعل ضابط الشرك الأكبر في الآية هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء.
[المفتاح الرابع عشر]: من الأخطاء الجسيمة في باب الشرك: خطأ المقارنة بين التوسل وبين الشرك بالله: (أ) التوسل هو التقرب إلى الله، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57]، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض كذلك لبيان الوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، تصرّح الآية الكريمة بأن التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم والاستشفاع به إلى الله عز وجل والاستغفار منه لمغفرة المعاصي، مؤثر وموجب للتوبة والرحمة الإلهية، والآية الكريمة مطلقة لم تحدد الاستغفار بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فقط، أو أنها صالحة إلى يوم القيامة، قال المانعون للتوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أن الآية تتعلق بحياته دون موته لأنه لا إدراك له بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فكيف يتوسل إلى الله تعالى لمغفرة ذنوبهم، وقال المجيزون للتوسل – وهم جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية ومتأخرو الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة): إن هذه الآية صالحة إلى يوم القيامة سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته، لاسيما وقد جاءت الأدلة التي تدل على إدراك النبي صلى الله عليه وسلم في قبره لحال أمته، وبالتالي فلا فرق بين حياته وموته، ومن فرق بين حياته وموته صلى الله عليه وسلم فعليه أن يأتي بدليل مقيد للإطلاق الذي عليه الآية الكريمة.
(ب) الخطأ في فهم المقصود من التوسل: ظن البعض أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا، وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا، وهذا هو السر في الخلاف الحاصل في المسالة، فلو حررنا موضع النزاع في فهم التوسل، ونظرنا إلى الوسائل المشروعة للتوسل، فما أجازه الشرع من معاني التوسل أجزناه، وما منعه الشرع من معاني التوسل منعناه، لا نفتئت على الشرع ولا نتقدم عليه برأي دون دليل، والمسألة فقهية بابها الفقه وليس العقيدة والتوحيد والشرك، والمعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام.
[المفتاح الخامس عشر]: من الأخطاء الجسيمة في باب الشرك: الخطأ في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وليس المقصد من الدعاء إلى تحقيق تلك المسائل هو الانتصار لرأي فقهي على حساب آخر، فليس هذا مجال تلك الرسالة، وإنما المقصد الأساس من ذلك هو بيان أنّ هذه المسائل تتبع الفقه ولا تتبع التوحيد، وتتبع الصواب والخطأ ولا تتبع الإيمان والكفر لأنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – مهما بلغ الجهل منهم مبلغه، فلم يعبدوا إلا الله ولم يصرفوا العبادة إلا إلى الله، كيف وشعارهم هو (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، والهدف هاهنا تهذيب مسائل التوحيد والشرك، فلا يشوبها شائبة الغلو والجفاء، واتهام المسلمين بالشرك الأكبر وهم منه برآء، وإن كان هناك جهل من البعض او خلل من البعض، فإن علاج الخلل لا يكون بالخلل، وعلاج الخطأ لا يكون بالخطأ، وعلاج التفريط لا يكون بالإفراط، ودين الله تعالى عدل بين ظلمين، ووسط بين طرفين.
***
المبحث الرابع أسس تتعلق بعلم السنّة والبدعة لحماية الامة من بدعة الغلو في التبديع
[المفتاح الأول]: إن فقه مسائل الإتباع والإبتداع باب عظيم ومهم في حفظ الدين وحفظ حرمات المسلمين لأن التهاون في هذا الباب يؤدي إلى ضياع معالم الدين ولأن التنطع فيه يؤدي إلى إنتهاك حرمات المسلمين وتبديع من ليس بمبتدع، والتبديع سلاح خطير، وإذا كان الخوارج قديما قد سلوا سيف التكفير على أمة الإسلام فإن هناك طوائف عديدة ممن إبتلوا بهوس البدعة ولم يشموا رائحة الفقه في الدين وخلطوا بين أمور الإبتداع وأمور الخلاف في الإجتهادات الفقهية بسبب أصول ضيقة أصلوها بأفهامهم السقيمة، حتى صار كل منهم يبدع الأخرين على أقل الخلاف وأيسره، وفي المقابل أبتليت الأمة بطوائف عديدة من الجهلاء تساهلوا في أمر الإتباع والإبتداع حتى تقرب بعضهم إلى الله ببدع الضلالة والعياذ بالله، ولهذا كان لزاما على الفقيه الحريص على أمة الأسلام أن يستخلص من أدلة الكتاب والسنة ومن جهود الفقهاء على مر العصور الأسس والضوابط التي تضبط مسائل الإتباع والإبتداع مراعيا الإعتدال والإنصاف بعيدا عن التنطع الممقوت والتساهل المفرط المرذول، تلك الأسس التي تمثل العلم الصحيح الراسخ الذي تحلى به المحققون من الراسخون في العلم في باب الاتباع والابتداع ومباحث السنّة والبدعة، والتي تكون قادرة على علاج فوضى التبديع والرمي بالبدعة بين طوائف المسلمين بغير هدى ولا كتاب منير، لقد عانى المسلمون كثيرا من أهل التكفير الذين يرمون المسلمين بالكفر الأكبر.
وكما عانى المسلمون كثيرا من أهل التشريك الذين يرمون المسلمين بالشرك الأكبر في أمور لا تبلغ بالمسلمين هذا المبلغ، كذلك عانى المسلمون كثيرا من أهل التبديع الذين يرمون المسلمين بالبدعة والضلالة، قد تجرؤوا على تبديع المسلمين بأقل المخالفات وأهون الاختلافات، والبدعة مصطلح شرعي خطير يسقط عدالة من يُتهم به، ويظل هذا العار في عنقه إلى يوم القيامة، ولهذا كان التحذير من الولوج فيه عظيما، وكان خطر الولوج فيه جسيما، والمفترض أنّه لا يملك حق وصم المسلم به إلا العلماء الفقهاء أهل التخصص الفقهي الذين بلغوا الغاية في الفقه في الدين، حتى يتمكن أحدهم من انزال حكم البدعة على المبتدع انزالاً صحيحا، فإنها من مسائل الدين الوعرة الخطيرة، لا يحسنها أي أحد، بل تحتاج عند انزالها على المسلمين إلى معرفة واسعة بالدين واحاطة بجوانبه، كما تحتاج إلى معرفة تامة بضوابط التبديع وشروطه وموانعه، كما تحتاج إلى معرفة أقسام البدعة، وحكم كل قسم منها، كما تحتاج إلى معرفة الفرق بين البدعة الكلية والبدعة الجزئية، ومعرفة الحكم الشرعي لكل منهما، كما تحتاج إلى معرفة الفرق بين البدعة العقائدية والبدعة العملية ومعرفة الحكم الشرعي لكل منهما، كما تحتاج إلى معرفة الفرق بين البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية ومعرفة الحكم الشرعي لكل منهما، كما تحتاج إلى معرفة الفرق بين بدعة الضلالة التي تفرق المسلمين إلى فرق، وبين المحدثة الحسنة التي لا تعارض شيئا من أصول الدين، كما تحتاج إلى معرفة الفرق بين البدعة في الدين ومسائل الخلاف الفقهي بين الفقهاء، كما تحتاج إلى معرفة ضوابط بدعة الضلالة عند من قال بها من الفقهاء، وشروط البدعة الحسنة عند من قال بها من الفقهاء، وغير ذلك كثير مما يتعلق بهذا العلم الواسع من علوم الأسماء والأحكام، وكل هذا لا يقوى عليه الكثير من العلماء فضلاً عن طلبة العلم والمتعلمين، فالحذر الحذر من اطلاق لفظ المبتدع على أحد من المسلمين إلا بدليل واضح كالشمس لا يختلف عليه عالمان من أهل السنّة والجماعة الناجية، أما المشتبهات فالسكوت فيها أولى من حمل ورز تبديع من لا يستحق التبديع.
إن البدعة خطرها عظيم وضررها جسيم فهي قرينة الكفر والشرك، وإنه من الخطر أن يتجرأ أحد ويبادر بالتبديع ويرمي المسلمين بالضلالة، لقد اُبتليت الأمة الإسلامية بأغرار متكلفين، يستهينون بما يؤول إليه غلوهم في التبديع والرمي بالبدعة والضلالة، فما أسهل وما أهون وما أيسر أن يتهموا أكابر العلماء الذين جعل الله تعالى لهم لسان صدق واتباع في الامة على مر عصورها بالبدعة، وما اهون ان يتهموا طوائف تمثل سواد الامة الاعظم بالضلالة، بدّعوا غالب أهل الإسلام، وشككوا في مناهج المذاهب العريقة المتخصصة في علوم الدين، فبدلا من أن يطلبوا العلم الصحيح على أيدي تلك المذاهب الممتدة في عمق التاريخ الإسلامي، صاروا بمثابة قطاع طريق على طلب العلم الصحيح من خلال أولئك المتخصصين، وضربوا مرجعية الأمة العلمية التي بُنيت على مر عصور الإسلام في مقتل، وهم لا يدرون مغبة صنيعهم، إن الغلو في مسائل التبديع قرين الغلو في مسائل التكفير، وهو خطر عظيم على وحدة الأمة المسلمة، وعلى دينها، والمسرف في التبديع كما المسرف في التكفير لن ينجو من حساب الله يوم القيامة، وما أعظمه حساب لأنّه يتعلق بحق المسلم، وقد يتعلق بحق طائفة من المسلمين.
وقد أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا يرمي رجل رجلاً بالفسـوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كـذلك) ([37]) . إنّ فقه علم الاتباع والابتداع (السنّة والبدعة) يستلزم فقه الآيات والاحاديث الواردة في مسألة البدعة، ومعرفة أقوال الفقهاء حولها، وحقيقة مذاهب أهل العلم فيها، ومعرفة ضوابط بدعة الضلالة عند الفريق المانع للبدعة الحسنة، ومعرفة شروط البدعة الحسنة عند الفريق المجيز لها، بما يضبط قواعد البدع عند الفريقين، وبما يهيئ علاج جوانب الغلو في تقدير البدعة في الجانب المانع للبدعة الحسنة، وعلاج جوانب التفريط في تقدير البدعة في الجانب المجيز للبدعة الحسنة، والتوسط في تقدير البدعة مع تفعيل ضوابط البدعة عند كلا الطرفين بما يضبط مسائل البدعة وأحكامها وبما يساهم في تصحيح مفاهيم السنّة والبدعة على هدي من فقه الكتاب والسنّة، وبالتالي بلوغ الاعتدال الشرعي في هذا العلم، وتعظيم حُرمة أهل (لا إله إلاّ الله محمـد رسول الله) وحفظ حقوقهم الشرعية دون تعدي على أحد منهم بتبديع لا يستحقه أو ظلم لا يُـناسبه، وتتبع جذور الغلّو في مسائل التبديع واجتثاثها من أصولها، ومنع الغلّو في تبديع أهل القبلة أو التعجل فيه دون اتباع ضوابط أهل العلم الصحيحة في مسائل وأحكام البدعة، وتتبع شبهات أهل الغلو في التبديع بما يدرأ فتنتهم ويُعالج غلوهم، ويساهم في التنزيل الصحيح لقواعد هذا العلم على الواقع الذي نعيشه بغير إفراط ولا تفريط.
[المفتاح الثاني]: قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة الآية 3]، وفي الآية يمتن الله تعالى على عباده المسلمين بكمال الدين وتمام النعمة به، ولكن الآية الكريمة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} لا يُفهم منها أن نصوص الكتاب والسنة قد أحاطت بكل الجزئيات، وإنما أحاطت بالأصول، فهذا مما اتفق عليه فقهاء أهل السنة والجماعة أن نصوص الكتاب والسنة أحاطت بأصول المسائل وطرق الاستنباط بل وكثير من الجزئيات ولذلك اعتمدوا القياس كأصل رابع للاجتهاد بعد الكتاب والسنة والإجماع، وعلى أهل العلم أن يستنبطوا من نصوص الكتاب والسنة ما يحقق مقاصدهما بما يتفق وروحَ هذين المصدرين الكتاب والسنة، ومن الأدلة على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله فرض فرائض وفيه: (وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان) ([38]) .إذن معنى الآية الصحيح أن الله تعالى أكمل لنا قواعد الدين وأصوله ومبادئه، وترك لفقهاء الإمة المجتهدين أن يستنبطوا منها الحكم الشرعي الذي يلائم كل محدثة تجد على حياة المسلمين، وهذا يدل على صواب من استدل بالآية على تبديع وتضليل كل محدثة في الدين ليس لها أصل في دين الله، وخطـأ من استدل بالآية على تبديع كل محدثة في الدين ولو كانت مستمدة من أصول الدين وقواعدة لأنه باتفاق علماء أهل السنة أن من شروط البدعة أن لا يكون لها أصل من كتاب الله لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد ([39]) . معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فهو مردود عليه، إذن معنى الآية الصحيح أن الله تعالى أكمل لنا قواعد الدين وأصوله ومبادئه، وترك لفقهاء الإمة المجتهدين أن يستنبطوا منها الحكم الشرعي الذي يلائم كل محدثة تجد على حياة المسلمين.
[المفتاح الثالث]: قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد: 27)، استدل به بعض المفسرين والكثير من العلماء على وجود البدعة الحسنة، فالآية تعبّـر عن الرهبانية بأنّها كانت من مبتدعات الرهبان ولم تكن مفروضة عليهم من قبل {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم ابتغاء مرضاة الله {إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ}، ودلت الآية على أنّ الله تعالى قد تقبل منهم هذه البدعة وألزمهم به، وآتى الذين راعوها حق رعايتها اجرهم، وإنما ذم وعاب على أولئك الذين جاءوا من بعدهم فلم يراعوها حق رعايتها {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}.
[المفتاح الرابع]: قوله صلى الله عليه وسلم: (أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة) ([40]) . هذا الحديث العظيم يستدل به البعض على ضلال كل محدثة في الدين وعلى أنه لا توجد بدعة في الدين تكون حسنة، ووجه الدلالة فيه: أن لفظ (كل) في الحديث يفيد العموم فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، ولكن هل من الممكن أن تأتي (كل) على معنى الغالب والأكثر وليس جميع مفردات البدع والمحدثات، وبالتالي يكون التحذير من بدع الضلالة التي تمثل غالب المحدثات والكثرة الكاثرة منها، ولا يمنع ذلك من وجود محدثات لها أصل من الشرع وتدل على خير لا خلاف لأحد فيه، فإنّ الذي يتدبر آيات الكتاب العزيز يدرك أن كلمة (كل) قد تأتي والمراد بها التعميم الشامل فيما دخلت عليه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقد تأتي (كل) والمراد بها تعميم هو دون التعميم الشامل لكل ما يصدق عليه اللفظ، ومن ذلك قوله تعالى: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ}، أي تدمر كل شيء أرسلت بهلاكه، لأنها لم تدمر هوداً عليه السلام ومن كان آمن به، ولم تدمر مساكنهم، ومن ذلك قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}، (وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء) أي من الأمور التي يحتاج إليها الملك في تدبير أمور المملكة، ومن ذلك قوله تعالى: {يأخذ كل سفينة عصبا}، والمعنى كل سفينة سليمة عصبا بدليل أنه لم يأخذ سفينة الخضر، ومن ذلك قوله تعالى عن ملكة سبأ: {وأوتيت من كل شيء}، ولم تؤت ملك السموات ولا الأرض، وإنما المعنى وأوتيت من كل شيء يحتاج إليه أهل الملك، وعلى هذا يمكن أن نفهم من قوله صلى الله عليه وسلم (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) هو الغالب أو العام المخصوص، والمعنى أن كل محدثة مما لا يندرج تحت نص من نصوص الكتاب أو السنة ولا يتفق مع مقاصدهما فهو بدعة مذمومة شرعاً، وكل بدعة بهذا المعنى فهي ضلالة، فإن قال قائل: لم لا نحمل هذا اللفظ الوارد في الحديث الشريف على العموم؟ ! فالجواب: أنه إذا حملناه على العموم الشامل بإطلاق فإن هذا يؤدي إلى مخالفة ما كان عليه الهدي النبوي كما سيأتي عند بيان فقه قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) ([41]) . وقال النووي في شرح الحديث: ” وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كُلّ مُحْدَثَة بِدْعَة وَكُلّ بِدْعَة ضَلَالَة) , وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُحْدَثَات الْبَاطِلَة وَالْبِدَع الْمَذْمُومَة ” أهـ ([42]) . وما فعله النووي هو الفقه في دين الله حتى لا تتعارض النصوص ويضرب بعضها بعضا، والقاعدة الأصولية تنص على أن الجمع بين الادلة مقدم على الترجيح بينها.
[المفتاح الخامس]: قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) [سبق تخريجه]، ومفهوم لحديث: أنّ من أحدث في أمرنا هذا ما هو منه فهو مقبول غير مردود، والشاهد على ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم (في أمرنا هذا)، وذلك يعني أن الإحداث في غير الدين من العادات ومما لا تعبد فيه لا يوصف في اصطلاح الشرع بكونه بدعة هدى أو بدعة ضلالة، فإن أحداً من العقلاء لا يقول مثلا: إن ما أحدث بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ركوب الطائرات والسيارات وغيرها من البدع، سواء في ذلك الحسنة والقبيحة، ومما يستفاد من الحديث الشريف معرفة شرطين للبدعة: الأول: أن ينسب إلى الدين، والثاني: أن لا يكون له أصل من دين الله يشهد له الحديث، فقوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين، وقوله صلى الله عليه وسلم (ما ليس منه) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم (فهو رد)، قال ابن رجب ” وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء وقال ابن حجر ” وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده , فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه ” ([43]) .
[المفتاح السادس]: من الأحاديث الدالة على إمكانية وجود البدعة الحسنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) قال النووي: في شرح الحديث: ” وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) , وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة ” أهـ، وقال أيضا: ” قوله صلى الله عليه وسلم: (من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة) الحديث وفي الحديث الآخر (من دعا إلى الهدى ومن دعا إلى الضلالة)، هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة , وتحريم سن الأمور السيئة , وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة , ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة , وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه , أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه , سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه , أم كان مسبوقا إليه , وأخرج البخاري في صحيحه ومالك في الموطأ: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب خرج ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر نعم البدعة هذه) ([44]) . فهذا نص صحيح عن عمر، بوجود بدعة محمودة شرعا، تقابل البدعة المذمومة شرعا، قال بن حجر في شرح الحديث: (والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق , وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة , والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة) أهـ. ([45]) . وأخرج البخاري في صحيحه: عن رِفاعة بن رافع قال: (كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: ” سمع الله لمن حمده”، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: ” من المتكلم” قال: أنا، قال: ” رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول”) ([46]) .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: ” واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور” اهـ ([47]) .
[المفتاح السابع]: موقف فقهاء الأمة من أدلة الكتاب والسنة في باب السنة والبدعة: (الفريق الأول من الفقهاء): يرى بأنّ كل المحدثات الدينية بدعة وأنها جميعها ضلالات، وأنه لا توجد بدعة حسنة، ولكنّهم لفقههم في الدين جعلوا لكون المحدثة بدعة ضلالة ضابطان: (الاول): أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، و (الثاني): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة، فإما ان تكون سنة أو مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة، أو فعل خير يؤجر عليه، وممن نُسب إليه هذا القول: إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله وعدد من المالكية والحنابلة والمحدثين منهم الطرطوشي والشاطبي، وهؤلاء جعلوا لفظ البدعة يتعلق بالدين فقط، ويحمل معنى الذم والضلال، وفي المقابل وسعوا في معنى المصالح المرسلة ووضعوا القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة ضلالة إلا بشروطها الربانية الهادية التي استنبطوها من فقه الكتاب والسنة، الشرط الأول: أن تكون في الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى، والشرط الثاني: أن تخالف الشرع، والشرط الثالث: ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست, أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف، و (الفريق الثاني من الفقهاء، وهم جمهور الفقهاء): يثبت وجود البدعة الحسنة، ويجزم بأن الدين تام كامل بأصوله وقواعده ولكن هذه الأصول والقواعد أشارت إلى وجود المحدث النافع والبدعة الحسنة التي تعود على المسلمين بالخير والأجر، واستدلوا لمذهبهم بالكثير من الأيات والأحاديث وأقوال الصحابة وأعمالهم، وهؤلاء فهموا من أدلة الشرع ما يدل على تقسيم المحدث إلى حسن يوافق الكتاب والسنة وقبيح يخالف الكتاب والسنة، وقالوا: أن الدليل الأول على تقسيم البدعة هو تقسيم الرسول صلى الله عليه وسلم لها بقوله (من سن في الإسلام سنة حسنة …. ومن سن في الإسلام سنة سيئة)، ويؤيده ما جاء عن فقيه قريش الإمام الشافعي الذي ملأ الأرض علما رحمه الله: حيث روى الحافظ البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل: قال الشافعي رحمه الله ” البدعة بدعتان بدعة خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم فهذه بدعه ضلاله وبدعه لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة هذه هذا الكلام أو نحوه ” أهـ، ([48]) .
ومن أكابر العلماء الذين نصروا هذا الرأي: الإمام الشافعي، وبه قال عامة الشافعية والأحناف والمالكية وعدد من فقهاء الحنابلة، وقد نقل بعض المالكية إجماع المالكية عليه، ونص عليه الكثير من علماء الأمة والمحدثين، منهم على سبيل المثال: الإمام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي وسلطان العلماء الإمام العز بن عبدالسلام والإمام القرافي والفقيه الرباني الإمام النووي وأمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي والإمام الزرقاني والأمام الكرماني وابن عابدين الشامي والإمام الحافظ ابن العربي المالكي والعلامة ابن الأثير الجزري والإمام شهاب الدين أبو شامة وغيرهم كثير وهؤلاء هم ورثة النبوة وأركان العلم عند أهل السنة والجماعة فمن بدع هؤلاء الفقهاء في فهمهم لتقسيم البدعة فليراجع عقله أو يراجع دينه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهؤلاء العلماء الربانيون وضعوا القيود الهادية في المسالة فلا يُطلق على المحدثة في الدين لفظ الحسنة إلا بشروط ربانية هادية استنبطوها من فقه الكتاب والسنة، الشرط الاول: أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه، والشرط الثاني: أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة، والشرط الثالث: أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، وسيأتي تباعا بيان أقوال الجميع وأدلتهم على ما قالوا وما استنبطوا به شروطهم الضابطة لباب الاتباع والابتداع، والفريق الأول حق بضوابطه، والفريق الثاني حق بضوابطه، ولكن الخلل في المعاصرين من الأتباع، وذلك في عدم تطبيق القيود والضوابط فينفرط عقد البدعة ويحدث التشدد عند المتشددين، ويحدث التساهل عند المتهاونين.
[المفتاح الثامن]: يمكننا القول بأنّ القواعد والضوابط الجامعة لفقه مسائل البدعة عند أهل السنّة والجماعة تتمثل في بيان والتزام وتفعيل شروط وضوابط بدعة الضلالة عند القائلين بها، وتتمثل في: (الشرط الأول): (الاول): أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، و (الثاني): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة، فإما ان تكون سنة أو مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة، أو فعل خير يؤجر عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد) [سبق تخريجه]، يُستفاد منه معرفة الشرطين لبدعة الضلالة: الأول: أن ينسب إلى الدين، والثاني: أن لا يكون له أصل من دين الله يشهد له الحديث، فقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرِنا هذا) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما ليس منه) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وسلم: (فهو رد)، وتتمثل في بيان والتزام وتفعيل شروط وضوابط بدعة الهدى (السنّة الحسنة) عند القائلين بها، وتتمثل في: (الشرط الأول): أن تكون البدعة في أمر من أمور الدين التعبدية، لا في العادات والأمور المعاشية التي لا تعبد فيها، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقد سبق أن قلنا: إن مفهوم هذا الحديث: من أحدث في أمرنا هذا ما هو منه فهو مقبول غير مردود. وشاهدنا هنا قوله صلى الله عليه وسلم (في أمرنا هذا)، وذلك يعني أن الإحداث في غير الدين من العادات ومما لا تعبد فيه لا يوصف في اصطلاح الشرع بكونه بدعة هدى أو بدعة ضلالة، فإن أحداً من العقلاء لا يقول مثلا: إن ما أحدث بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ركوب الطائرات والسيارات وغيرها من البدع، سواء في ذلك الحسنة والقبيحة، (الشرط الثاني): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مما تكاد تجمع كلمة كل عالم أثبت البدعة الحسنة على اشتراطه، وقد رأينا ذلك في ما سقناه من كلامهم، مثال ذلك: جمع سيدنا عمر رضي الله عنه الناس على عشرين ركعة في صلاة التراويح في رمضان، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه أنه صلى التراويح عشرين ركعة، لكن ذلك يندرج تحت أصل عام، ألا وهو صلاة قيام الليل التي لم يرد في شأنها تخصيص بعدد معين، بل ورد إنّه صلى الله عليه وسلم صلاها بأعداد متفاوتة مما يؤذن بصحة صلاتها بأي عدد كان، (الشرط الثالث): أن لا تصادم البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، فإنّ البدعة المذمومة هي ما تصادم السنة أو تفضي إلى تغييرها، (الشرط الرابع): أن يراها المسلمون أمراً حسناً، بعد أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع، فإنّ ما رآه المسلمون حسناً، لا يختلف اثنان أنّه من الخير، لا يكون من بدع الضلالة.
[المفتاح التاسع]: الخلل التبديعي يكمن في أنصاف المتفيقهين ممن لم يشموا رائحة الفقه في هذا الباب، ولم يفهموا ضوابط البدعة، أو لم يفعلوا تلك الضوابط، وإنما يكمن العلاج في أمرين: أولهما: تفعيل الضوابط الفقهية السديدة للبدعة عند الطرفين وحينها ينتظم الأمر للجميع بوحدة علمية عملية صحيحة في مجال البدعة، والثاني: حمل ذم الفريق الأول للبدعة على أنها بدعة الضلالة (على المعنى الشرعي) التي يكون مجالها في الدين، ولا يكون لها أصل معتبر في الشرع، وحمل مدح الفريق الثاني للبدعة الحسنة (على المعنى اللغوي) أو اسمها الحقيقي السنّة الحسنة (على معناها الشرعي) وذلك للحديث (من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها) بشروطها الصحيحة المعتبرة،وهي أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وأن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، وأن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، فإن تم لنا ذلك صار الخلاف لفظيا.
[المفتاح العاشر]: كل ما ورد في الشرع أو جاء عن السلف في التحذير عن البدع، فإنّ المقصود به إنما هو بدع الاعتقاد الكلية تشق صف الأمة الواحدة، وتؤول بأصحابها إلى تكوين فرق ضلالة تنفصل عن الجماعة الأم، ولا يُحمل أبدا على الخلافات الفقهية، وأصول تلك البدع الضالة التي تُخرج من إطار أهل السنّة والجماعة الناجية تتمثل في بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والحشوية والمرجئة والجهمية الجبرية، وفيها جاءت أحاديث الافتراق، ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) [سبق تخريجه]، وكل ما ورد في الشرع أو جاء عن السلف في التحذير عن البدع المقصود به بدع الاعتقاد التي تشق صف الأمة، ولا يُحمل على الخلافات الفقهية أبدا.
[المفتاح الحادي عشر]: لا يجوز التبديع بعمل ورد فيه حديث ضعيف: إن الفقه السديد في مسألة العمل بالحديث الضعيف له دور عظيم في ضبط مفهوم السنة والبدعة، والحديث الضعيف: هو ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول أو من شروط الحديث المقبول، وهذا يعني أن نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نسبة ضعيفة، وليس معنى حكم العلماء على الحديث بالضعف أنَّ النبي لم يقله، فهذا ما لا يستطيع أحدٌ أن يجزم به، نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى في كثيرٍ من كتبه كالروضة والأذكار والإرشاد والتقريب، اتفاق المحدثين والفقهاء على جواز الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب ما لم يكن موضوعا، (ب) شروط الحديث الضعيف الذي أجاز الفقهاء والمحدثون العمل به: (أحدها): أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه، (الثاني): أن يندرج تحت أصل معمول به، (الثالث): أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط، وقد اتفق الفقهاء من المذاهب الأربعة المتخصصة في الشريعة على العمل بالحديث الضعيف بشروطه، وعلى أنه لا يُعمل بالحديث الضعيف في الأحكام والعقائد، ولكن يُعمل به في فضائل لأعمال والترغيب والترهيب والتفسير والمغازي والسير بشروط اعتمدها الأئمة الثقات، ولا يجوز التبديع بعمل ورد فيه حديث ضعيف: لعدة أسباب منها: (أ) احتمال ثبوته بوجه من الوجوه، (ب) أن العمل بالضعيف مستحب عند بعض الأئمة احتياطاً حتى لو اشتدّ ضعفه، (ت) إثبات الأئمة هذه الأحاديث بأسانيدهم فما من كتاب إلا فيه ضعيف عدا الصحيحين والموطأ على خلاف في الموطأ، (ث) دخول الضعيف في مسائل الاجتهاد وليس في المحدثات.
[المفتاح الثاني عشر]: لا يجوز التبديع بما يسمى السنة التركية: إن الفقه السديد في مسألة الترك له دور عظيم في ضبط مفهوم السنة والبدعة: (أ) فالسّنة عند أهل الأصول، تعني ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو عمل أو تقرير، وعلى ذلك فهي ثلاثة أقسام: السنن القولية، والسنن الفعلية، والسنن التقريرية، وأما الترك المجرد من القرائن فهو عدم فعل، والعدم ليس بشيء، ولا يصلح دليلاً لجواز شيء أو حرمته، وقد حذرنا الله تعالى من التشريع والتحريم بغير هدى من الله وبما لم يأذن به الله، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، فكيف إذا كان تحريم المباح يعقبه الاتهام بالبدعة والضلالة لانّ كل بدعة ضلالة، إن هذا لهو من أسوأ التقول على دين الله تعالى بما ليس فيه، فالزعم بأن الترك المجرد سنّة فهذا ادخال في الدين ما ليس فيه، ولم يقل به أحد من الأئمة المجتهدين المقتدى بهم في الدين، وهو تقول على دين الله بغير علم، وبما لم يأذن به الله، وهو في حد ذاته بدعة بإدخال ما ليس من الدين إليه، (ب) الدليل على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي، ما جاء في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) ([49]) . دليل على أنّ الترك لا يدل على أمر أو نهي أو تشريع، وإلا لما أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم)، ففرق بين الترك والنهي والأمر، ففي الترك قال: (دعوني ما تركتكم) وفي النهي قال: (فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، وفي الامر قال: (وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)، (ت) من الأدلة على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي، ما أخرجه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) ([50]) .
(ذروني ما تركتكم) دليل على أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) أهـ، (ج) ترك النبي صلى الله عليه وسلم أفعالاً كثيرة تعد من المستحبات والطاعات عمداً لاعتبارات عديدة، فقد كان يترك بعض العبادات والطاعات خشية أن تفرض على الناس فيعجزوا عنها، مع أنها من الطاعات وعمل الخير، وهذه الامور تركها الرسول، ولكنها في شرع الله تعالى من الطاعات والقربات.
(ح) ترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض العبادات والطاعات التي ثبتت فضيلتها حتى لا يشق على المسلمين، رفقاً بهم، ومن ذلك تركه للخروج في جميع السرايا للجهاد في سبيل الله، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة: قوله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده: لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده: لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل) ([51]) .
(خ) ترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض العبادات والطاعات التي ثبت أنها أفضل الطاعات رفقاً بالمسلمين أن يقتدوا به فيشق ذلك عليهم، ومن ذلك صيام يوم وافطار يوم، وقد نص حديثه صلى الله عليه وسلم على أن أفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. ومع ذلك تركه النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينقل عنه قط أنه كان يصوم هكذا، مع أنّه أفضل الصيام بنص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، (د) ترك النبي صلى الله عليه وسلم الخلوة التي كان يواظب على فعلها قبل البعثة، مع أنّه أجازها للمسلم عند فساد الزمان، فهل تركه لها يدل على بطلانها وأنها لا تجوز، أم أنّ الترك في هذه الحالة لا يدل إلا على أن الفعل المتروك لم يعد مستحباً، فيعود جائزاً مباحاً، إلا أن يأتي دليل على الكراهية أو التحريم، (ز) قد يترك النبي بعض العمل لاعتبارات كثيرة أخرى منها ما نعلم سببه، ومنها ما لا نعلم سببه، والترك في جميع الأحوال عدم فعل، والعدم لا يصلح دليلاً على شيء في الشرع مطلقاً، إلا أن يصاحبه نهي أو أمر من الشارع بشيء، (س) لقد تسبب اعتماد مبدأ (السنة التركية) كدليل على التبديع إلى غلو شنيع في مسائل التبديع، أخرجها عن إطار التوسط والاعتدال إلى مجال الغلو والتنطع، (ط) خلاصة الأمر أنّ مسألة ترك النبي صلى الله عليه وسلم، هو على الإباحة الأصلية المطلقة، حتى يأتي دليل من دين الله تعالى بترجيح الترك أو الفعل، ولا يجوز أبداً استعمال هذا الأمر (السنّة التركية) للتبديع والتفسيق ورمي الناس بالبدعة والضلالة.
[المفتاح الثالث عشر]: لا يجوز التبديع بشيء ما ثبت عن أحد الصحابة أو بعضهم فعله أو قوله: لأن الصحابة كلهم ثقات عدول لا يجوز إطلاق البدعة على أفعالهم لاقترابهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهم من الفهم ما لا تدركه مفاهيمنا، وثبت عندهم ما لم يصلنا، نعم قد يخالفه صحابة آخرون ولكن ما دام الصحابي متمسكاً برأيه ولم يرجع عنه فليس لأحد أن يعتبر فعله خارجاً عن السنة ما لم يرد فيه دليل على تخطئة صاحب هذا الفعل كحديث الفئة الباغية وحديث إسرائيل قد يكون فعل الصحابي مرجوحاً ولكن وسمه بالبدعة أو من يفعل فعله جريمة وشناعة، اشتهر بها الرافضة والخوارج.
[المفتاح الرابع عشر]: لا يجوز التبديع بعمل يكون منتسباً إلى أصل من الكتاب أو السنة أو متفرعاً عنهما أو نابعاً منهما أو منطلقاً من مقاصدهما: من هذا المنطق رأينا الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ينطلقون دون حرج في ذلك وهو يقرّهم على ذلك كالصحابي الذي حمد الله بعد الرفع من الركوع بثناء جاء به من عنده منطلقاً من أصل الحمد في هذا الموضع من الصلاة فامتدح الرسول فعله وأخبره بأن الملائكة نزلت لترفعها، وكما فعل بلال رضي الله عنه يوم كان يصلي لكل وضوء ركعتين فسمع الرسول خشخشة نعليه في الجنة وأمثلة لا تحصى في هذا الباب.
[المفتاح الخامس عشر]: لا يجوز التبديع بكل ما جاز فيه وجه من وجوه الاجتهاد، فكل دليل ظني في ثبوته أو دلالته أو ما لم يرد فيه دليل جاز الاجتهاد فيه إلا ما ورد التحريم من الخوض فيه أو التعرض إليه، ولك أن تعجب ممن يرى اجتهاده حقاً واجتهاد غيره جهلاً وضلالاً، ومن أهم القواعد التي تضبط عمليا باب التبديع بين طوائف المسلمين: قاعدة: (لا تبديع ولا تفسيق ولا إنكار في المسائل الخلافية) لاسيما ما بين المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة لأنها مدارس متخصصة في الفقه الإسلامي، فلا يجوز التبديع ولا التفسيق ولا يجوز الانكار عليها فيما اتت به من أمور الاجتهاد، ومن صنع شيئاً من ذلك فهو متنطع، نعم يجوز بيان ما يراه المجتهد أنه راجحا وله أن يبين أن قول معارضه مرجوح، ولكن في ظل احترام رأي الآخرين، بدون تبديع ولا تفسيق، كما لا يجوز له مهما بلغ علمه واجتهاده، أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده، وهذه القاعدة (لا إنكار ولا تبديع ولا تفسيق في مسائل الخلاف الفرعية) تعتبر من أهم القواعد الفقهية التي تصبغ المجتمع المسلم بالتراحم والألفة والتراضي، وهي تتعلق بالأساس بالمذاهب السنية المتخصصة سواء في العقيدة أو في الفقه أو في التزكية، لأنّها مدارس مؤصلة روجعت آراؤها على أيدي آلاف المجتهدين الأئمة العلماء فكانت في مأمن من البدعة والضلالة والخطأ الجسيم، وتعددها رحمة بالأمة واستيعاب لجميع الاجتهادات الصحيحة التي تخضع لقواعد اللغة والشريعة، كما أن الاختلاف في تلك المسائل الفرعية سعة ورحمة، لأنه لو كان قولاً واحداً كان الناس في ضيق، وما دام المختلفون أئمة يقتدى بهم، فلا بأس بالاقتداء بأحدهم، وأولى المذاهب بذلك مدارس العقيدة الثلاث على منهاج أهل السنة والجماعة (الأثرية والأشعرية والماتريدية) فهي متفقة في الأصول، والخلاف بينها في فروع لا توجب تبديعا ولا تفسيقا، وأولى المذاهب بذلك مدارس الفقه الأربعة، وهي متفقة في الأصول، والخلاف بينها في فروع لا توجب تبديعا ولا تفسيقا، وهذا ما جعل الإمام النووي، رحمه الله يقول: (إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأنه على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه) ([52]) .
كما أنّه لا مناص من الاختلاف في فروع العلم: لأسباب عديدة، منها: التفاوت والتباين الذي فطر الله تعالى عليه البشر من حيث تفاوتهم في القدرة على الإدراك والاستيعاب، بما فضل الله به بعضهم على بعض من الفهم والعلم والحفظ وسَعة الاطلاع، ومنها: الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته وذلك تبعاً للاختلاف في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم , ومنها: الاختلاف في فهم النص: بسبب كونه مشتركا بين معانٍ كثيرة، أو مجملاً لم يبين معناه، وإذا كان هذا هو حال الاختلاف والتنوّع في المذاهب الفقهية، فلا يوجد أي داع لتبديع المخالف ولا تفسيقه، والخلافات الفرعية بين علماء المذاهب الأربعة هي من باب الاجتهاد وليست من باب البدع، ولا يبدع بها إلا حشو ضال وقع في الغلو في باب السنة والبدعة بسبب جهله بضوابط أهل الحق في هذا الباب، والمجتهد في هذه الأمور الفرعية مأجور في كل حال، سواء أخطأ أو أصاب ما كان مالكا لأدوات الاجتهاد، المصيب له فيها أجران والمجتهد المخطئ له اجر واحد، وهذا الاختلاف يُحمل على الحديث: (إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) ([53]) .
والمذاهب الأربعة مذاهب مؤصلة جمعت علوم الفقه الإسلامي، وهذه المذاهب معروفة، وأقوال منضبطة مدونة محررة منتشرة، تخرج من خلالها آلاف الفقهاء، وقد صارت هذه المذاهب – بفضل الجهود الجماعية لعلمائها – بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في العلم، أقوالها منضبطة مؤصلة، مصححة مرت على مئات العلماء المجتهدين، لقد كان وراء بناء تلك المذاهب ألف حسيب ورقيب، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها، ولهذا اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز الاحتساب ولا التبديع في مسائل الفقه المختلف عليها عند تلك المذاهب إذ لكل فقيه أدلته، أمور فقهية اجتهادية مجالها الفقه وليس باب السنة والبدعة ما كانت ضمن إطار الخلاف المعتبر، والمجتهد في هذه الأمور الفرعية مأجور في كل حال، سواء أخطأ أو أصاب ما كان مالكا لأدوات الاجتهاد، المصيب له فيها أجران والمجتهد المخطئ له اجر واحد، وهذا الاختلاف يُحمل على الحديث: (إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) ([54]) .
[المفتاح السادس عشر]: لابد من التفريق بين البدعة الإضافية و البدعة الحقيقية، [البدعة الحقيقية]: هي البدعة التي أُحدثت بأصلها ووصفها، لذا فهي تُعارض السنّة من كل وجه، وينطبق عليها تعريف بدعة الضلالة من كل وجه كما تنطبق عليها ضوابط البدعة التي لا تكون إلا بدعة ضلالة، ألا وهي: الأول: أن يكون مجالها في الدين، والثاني: أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة، ومثال تلك البدعة غالب البدع العقائدية كبدع التشيع والخروج والاعتزال والتجسيم والتشبيه والقدر والتجهم والجبر، فإنّها بدع من جميع وجوهها، خارجة عن الشرع من كل وجه، وهي بدع ضلالة تستحق الوعيد بالنار، [أما البدعة الإضافية]: فهي البدعة التي لها أصل في الدين ترجع إليه ولكنها تزيد على الأصل بتخصيص وصف معين، وذلك كتخصيصها بوقت محدد أو هيئة محددة، وعلى ذلك فهي بدعة في وصفها لا أصلها، لأنها مستندة إلى دليل، وشتان ما بين البدعة الحقيقية التي لا اصل لها في الدين بل تُعارضه وتضاد سننه، وما بين البدعة الإضافية التي لها أصل في الدين، وخلاصة الفقه فيها: أنّ ما كان أقرب إلى التشريع منه إلى التنظيم والترتيب والتزام الأوراد، فهذا لا يجوز ولا يصح فعله، ومثال ذلك: الأذان للعيدين، وأمّا ما كان اقرب إلى التنظيم والترتيب والتزام الأوراد، فهذا لا يكون بدعة ضلالة بحال ومثاله التزام أذكار مخصوصة بصفة منتظمة على سبيل الاجتهاد في العبادة كمن يجعل له ورداً بختم جزء قرآن مثلاً بعد صلاة الفجر، أو يجعل له ورد تسبيح ألف تسبيحة بعد صلاة العصر مثلاً، فهذا لا حرج منه البتة، لأنّه ليس من باب التشريع وإنّما من باب تنظيم العبادة والاجتهاد فيها، هذا حتى لو كان له أتباع يقلدونه فيما يفعل ويلتزمون به، فإنّه لما جاز له جاز لغيره، ومنه أيضاً الاجتماع للذكر أو للعلم في وقت معين يتفق عليه الجميع، ويُلحق به الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم عقب الآذان، فإنّه في أصله سنّة ولكن اختلفت الهيئة من السر إلى الجهر، فإن كان فاصل يفصل بين الآذان والصلاة على الرسول فلا بأس ولا حرج لأنّها تذكر الناسي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الآذان.
[المفتاح السابع عشر]: من القواعد التي تضبط باب السنة والبدعة وتمنع من الغلو فيه: التحذير من التوسع في باب سد الذرائع، فإنه لا يجوز تحريم المباح بزعم سد الذرائع إلى البدعة، لأنّ الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3]، فالقول إن شيئاً مما أحله الله لا يجوز، مثل القول: إن شيئاً مما حرمه الله يجوز، وهذا من القول على الله بغير علم، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، والأصل في الأشياء الإباحة: لقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [سورة البقرة: 29]، وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [سورة الجاثية: 13]، وكل قضية سكت عنها الدين قضية مباحة: فلا حرام إلا ما ورد فيه نص صحيح صريح، وكل قضية سكت عنها الدين مباحة، ما لم يرد في تحريمها نص شرعي، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته) ([55]) وقال صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) ([56]) .إذ تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر، والمتنطعون هم الذين يسارعون أن يقولوا كلمة ” حرام ” على ما أحله الله، وقد قال الفقهاء: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار.
[المفتاح الثامن عشر]: من القواعد التي تضبط باب السنة والبدعة وتمنع من الغلو فيه: التفريق بين الأعمال العادية والأعمال التعبدية، الأمر العادي: هو ما يجرى بين الناس من تصرفات لتحقيق المصلحة فيها مما لا يقصد به التـــقرب إلى الله تعالى ولكنها تحقق المقاصد التي يراعيها الشرع، وهو بخلاف الأمر التعبدي القائم على أســاس الانقيـــاد والخضوع لدين الله تعالى والسير وفق ما أمر به شرع الله , وقد وضع بذاته للتقرب إلى الله تعالى, كالذكر, والصلاة، والابتـــداع المنهى عنه هو مـــا يدخل في الأمور التعبدية , وأما الأمور غير التعبدية, أي العادية , المحدثة لتحقيق منفعة لا ينهى عنها الشرع فــلا حرج منها , فما دام الأمر العادي لا ينهى عنه الشرع، ولا يضر بالمصلحة , ولا يخرج على مقاصد الشرع، ولا يُعد تشبهاً منهيا عنه بالكفار.
[المفتاح التاسع عشر]: الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة: ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (كلها في النار إلا واحدة) كون الفرق الضالة في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها: (الشرط الأول): أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة، (الشرط الثاني): أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة في تكفير المعين، وذلك أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة: أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه، (الشرط الثالث): قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء،
[المفتاح العشرون]: أحكام فقهية مهمة تتعلق بالمبتدع: (أ) (مسألة تكفير المبتدع): (ب) (مسالة قتل المبتدع): ، (ت) (مسألة بغض المبتدع, (ث) (مسألة معاداة أهل البدع): ، (ج) (مسألة البراءة من أهل البدع): (ح) (مسألة الصلاة على أهل البدع): (خ) (مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة): (د) (مسألة السلام على أهل البدع): (ذ) (مسالة هجر المبتدع): (ر) (مسألة الصلاة خلف المبتدع): (ز) (مسألة حكم غيبة المبتدع): ، (س) (مسالة مجالسة أهل البدع).
سبق تفصيل ذلك في (المبحث الرابع) أحكام الفرق الإسلامية التي تنتمي إلى الإسلام
(المفتاح الثامن).
المبحث الخامس أسس تتعلق بإطار الفرقة الناجية وبيان ضرورة احترام مدارسها العلمية المعبرة عن علوم الدين لحماية الامة في مرجعيتها العلمية
[المفتاح الأول] تفرق الامة إلى فرق ضالة وواحدة ناجية: صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) وأخرج الترمذي: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) سبق ذكر ذلك في (المبحث الرابع): أحكام الفرق الإسلامية التي تنتمي إلى الإسلام (المفتاح الأول).
[المفتاح الثاني] معرفة الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة: ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (كلها في النار إلا واحدة) كون الفرق الضالة في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام.
[المفتاح الثالث]: الفرقة الناجية من فرق المسلمين هي أهل السنة والجماعة سواد أهل الإسلام الأعظم: جميع الفرق الإسلامية ترى نفسها الفرقة الناجية، ولكن لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب سبعة عريضة:
[السبب الأول]: أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته،، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ القرآن غضا طريا كما أُنزل، فأسسوا مدرسة القرآن، وتتلمذ على أيديهم نوابغ القراء من التابعين، وكان من بركتها ظهور القراءات المتواترة المعروفة، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة التي تنتسب إلى قراء أهل السنة والجماعة، [السبب الثاني]: أهل السنة والجماعة هم أهل الحديث وخاصته، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة ومعرفة السنّة.
[السبب الثالث]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين، هم أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع.
[السبب الرابع]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي، لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنة والجماعة، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان، فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي، وبهذا التخصص العلمي الرصين: صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم.
[السبب الخامس]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض، ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون راية النجاة سوى راية أهل السنّة والجماعة، أهل التوسط والاعتدال.
[السبب السادس]: هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، قال صلى الله عليه وسلم: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال.
[السبب السابع]: أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ” إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم “، وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنة والجماعة)، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية النجاة سوى راية أهل السنة والجماعة.
[المفتاح الرابع] ضرورة احترام المدارس العلمية المتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل الحق والعدل، أهل الرسوخ في العلم، أهل السنة والجماعة الناجية، إنّ احترام التخصص العلمي والرد في علوم الشريعة إلى أهلها المتخصصين، ضرورة علمية، وطلب العلم بالدين لا يتأتى أبداً إلا باحترام التخصص العلمي، واتباع أحسن ما أنتجه المتخصصون في علومهم، وقد أمرنا الله تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه، ومظانه عند أهل التخصص فيه، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها، وهكذا، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه، لقد تطرق القرآن الكريم إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات، ثم ترك جمع القواعد والأصول لكافة علوم الدين للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى، اتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص، فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه.
[المفتاح الخامس] المدرسة الأثرية هم الامتداد الحقيقي والصحيح لمذهب السلف: الأثرية: هي النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله: التفريق بين المحكم والمتشابه، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه، عدم الخوض بالحشو والتجسيم، والأثرية هم الامتداد الصحيح والحقيقي للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله.
[المفتاح السادس] تنبيهات مهمة جدا تتعلق بالتفريق بين الأثرية والحشوية:
[التنبيه أول]: هناك فرق دقيق بين الأثرية والسلفية: فالسلفية التي برزت كمصطلح ومنهج له سماته ومفرداته العلمية على يد ابن تيمية في القرن الثامن الهجري، حيث كادت الامة الإسلامية أن تسلم لها مرجعيتها العلمية متمثلة في احترام المذاهب العلمية المؤصلة والاجتهاد من خلالها ومن خلال قواعدها الربانية العلمية السديدة، فتفرغ ابن تيمية لإعادة صياغة مفاهيم الدين وعلومه بناءً على ضعف فهمه، واعتماده على نفسه، وعدم اكتمال آلة التخصص لديه، إذ لا يتيسر التخصص العام الدقيق في كافة علوم الدين لأحد بمفرده، ولم يكن ذلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عدا الخلفاء الراشدين، وكانت النتيجة أن رسم لأهل السنة والجماعة إطارا مغايرا للحقيقة، وعادى من أجله وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، نصحه علماء أهل السنّة والجماعة في زمانه، فلم يرعوى، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق، وقد تأثر به عدد من تلامذته أبرزهم ابن القيم، ولكن لغلبة أهل العلم في زمانه انطفأت الفتنة حتى جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر، فأحيى تلك المفردات من جديد، وتبنى نشرها بقوة السيف والسنان، أضف إلى ذلك أنه: كانت له اجتهادات خاطئة ومفاهيم مغلوطة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا.
وقد أدى هذا الخلل إلى غلو الدعوة الوهابية في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم، ومرت على المسلمين سنوات عصيبة بسبب سلهم السيف على أغلب طوائف المسلمين، وما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة واحدة غير متخصصة على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية الإسلامية، والفارق بين الأثرية والسلفية: أنّ الأثرية يرون تفويض علم المتشابه إلى الله، والسلفية التي تنتسب إلى ابن تيمية ترى اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله، وكلاهما يتنازعان الانتساب إلى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله، وقد جزم الحافظ ابن الجوزي أحد أكبر أعلام الحنابلة في القرن الخامس، وهو الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري ينتهي نسبه إلى الصديق ابي بكر رضي الله عنه: أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان على تفويض علم المتشابه إلى الله، وهو على ذلك كان أثرياً، وهاجم كل من خالف ذلك من الحنابلة، واتهمهم بالإساءة إلى الإمام أحمد وإلى مذهبه، ودعا عليهم، وانظر كتابة دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، وذكر أنّ هؤلاء يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، ولكن كلامهم صريح في التشبيه، قال ابن الجوزي: وقد تبعهم خلق من العوام، وقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: .. إياكم أن تبتدعوا في مذهبه – أي مذهب الإمام أحمد رحمه الله – ما ليس فيه.
[التنبيه الثاني]: مذهب الأثرية من تفويض معنى المتشابه ليس معناه الجهل بالمراد من الآيات: لقد فهم البعض من السلفية بالخطأ أنّ معنى تفويض المعنى هو الجهل العريض بآيات الصفات، وهذه سقطة عظيمة وزلة، لا يصح تتبعها لأنّ حقيقة مذهب السلف ومذهب الاثرية في المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، من مثل النصوص التي توهم الجارحة كالوجه والعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد، أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة، – حاش لله من هذا الظن السيئ بهم – بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، وقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وقوله تعالى: {هل تعلم له سميا}، وقوله تعالى: {ولا يحيطون به علما}، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس، ومثال على هذا قوله تعالى(بل يداه مبسوطتان) يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود المطلق والعطاء الذي لا ينقطع اللائق بصفة الرب تعالى، أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية، فيدل ظاهره على إثبات الجارحة والجزء – حاش لله تعالى من ذلك – والله تعالى منزه عن الجارحة والجزء لأمور كثيرة يجمعها علم التقديس، منها أنه سبحانه (الأحد) وصفة الأحدية المطلقة تمنع من الكثرة، وبالتالي تمنع من التركيب، ومنع التركيب يمنع وجود الأجزاء، كما أنه سبحانه صمد، والصمدية المطلقة تعني كمال الغى، وكمال الغنى يمنع من الاحتياج للجوارح في تصريف الأمور، ومنها نفي المثلية في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وجميع الخلق تتكون أجسامهم من أجزاء والله تعالى ليس كمثله، ولهذه الأسباب وغيرها – مما حواه علم التقديس – توقف السلف عن الخوض في المتشابه، واكتفوا بالمعنى الإجمالي المفهوم من الآيات، هذا هو اللائق بمقامات السلف في العلم، إذ لا يعقل أنهم كانوا يسمعون مثلاً قول الله تعالـى: {يد الله فوق أيديهم} أو {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} أو {الرحمن على العرش استوى} أو {ثم استوى إلى السماء} أو {يوم يكشف عن ساق}، أو قول رسول الله: (يضحك ربنا) أو (ينزل ربنا) أو (يعجب ربنا) الخ، ثم لا يفهمون من كل ذلك أي معنى، كما هو الحال مع الحروف التي في فواتح السور، كلا، فإن هذه الألفاظ لها في لغة العرب معانٍ مجازيةٌ معروفةٌ ومشهورةٌ لا شك أن السلف فهموها إجمالاً، ولكنهم لفرط تقواهم وخشيتهم لله تعالى وتهيبهم لذلك المقام الأقدس أحجموا عن التعيين والتصريح، واكتفوا بهذا الفهم الإجمالي لها.
[التنبيه الثالث]: الأثرية يعرفون من قواعد التقديس ما يمنعهم من نسبة النقص إلى ذات الله تعالى: الأثرية يعرفون الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، ولذلك فهم منزهون لله تعالى عن المكان والزمان وحلول الحوادث، فقد جاء في متن العقيدة السفارينية: (ويعلم الواجب والمحالا … كجائز في حقه تعالى … وليس ربنا بجوهر ولا … عرض ولا جسم تعالى ذو العلا) أهـ، ([57]) .
وجاء في كتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر للمؤلف عبدالباقي بن عبد القادر الحنبلي: (ويجب الجزم بأنه تعالى واحد لا يتجزأ ولا ينقسم أحد لا من عدد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وبأنه تعالى عالم بعلم واحد قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد علمه بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها ليس بضروري ولا كسبي ولا استدلالي، وبأنه قادر بقدرة واحدة وجودية باقية قديمة ذاتية متعلقة بكل ممكن فلم يوجد شيء في الماضي ولا يوجد في المستقبل إلا بها، وبأنه مريد بإرادة واحدة وجودية قديمة ذاتية باقية متعلقة بكل ممكن، (الحياة): وبأنه تعالى حي بحياة واحدة وجودية قديمة ذاتية باقية، وبأنه تعالى سميع بصير بسمع وبصر قديمين ذاتيين وجوديين متعلقين بكل مسموع ومبصر، (الكلام): وبأنه تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم ذاتي وجودي غير مخلوق ولا محدث ولا حادث بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، .. فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال) أهـ ([58]) .
[التنبيه الرابع]: الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة: الأثرية والأشاعرة والماتريدية: مذهبهم في العقيدة واحد يقوم في المتشابهات على تفويض معنى المتشابهات على مراد الله تعالى وعلى مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كامل التقديس والتنزيه، ثم قالت الأثرية لا نزيد على ذلك لأنّا لا نعلم مراد الله تعالى على وجه الحقيقة من تلك المتشابهات، وقالت الأشاعرة والماتريدية، ونحن لا نعلم مراد الله تعالى على وجه الحقيقة من المتشابهات، ولكن يمكن بعد التفويض والتقديس، حمل المتشابه على أصله من المحكم الذي سيقت الآيات من أجله، مع عدم الجزم بمراد الله تعالى من المتشابه، وذلك بقصد صرف العامة عن اعتقاد ظواهر المتشابه التي تؤول بأصحابها إلى التجسيم والتشبيه والتمثيل، أو وبقصد الرد على المبتدعة من المجسمة والمشبهة وأمثالهم، ولذلك يذكر المحققون من العلماء أن هذه الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى [إتحاف السادة المتقين 2: 6]: (اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك، أو في لِميّة ما هنالك، وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف: (الأولى): أهل الحديث ومعتمد مباديهم الأدلة السمعية، أعني الكتاب والسنة والإجماع، (الثانية): أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي … (الثالثة): أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومباديهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية) اهـ، وقال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: (الأثرية)، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، و (الأشعرية)، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، و (الماتريدية)، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ ([59]) .
[التنبيه الخامس]: من هم المعبرون عن الأثرية: (أولاً): المعبرون عن الأثرية من أهل الحديث: في مقدمتهم الإمام مالك بن أنس رحمه الله، فقد ذكر القاضي عياض في كتابه الشفا: أنّه كان ينهى عن التحديث بالأحاديث المتشابهات التي توهم التشبيه، وكان يمنع من السؤال عنها، وكان مجرد السؤال عن المتشابه أمامه موجباً لغضبه على السائل وطرده من المجلس كما هو مشهور عنه في طرد السائل عن معنى الاستواء وتبديعه، وفي مقدمتهم: الإمام أحمد بن حنبل الذي ثبت عنه تفويض معنى المتشابهات، كما ثبت عنه التأويل عند الضرورة رداً على أصحاب البدع بسند صحيح أخرجه البيهقي، والأثرية من أهل الحديث هم كل من سار على نهج الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل، و(الأثرية) من أهل الحديث هم أهل التقديس والتنزيه الذين كانوا على وفاق مع الأشاعرة والماتريدية في مباحث العقيدة، واهمهم من علماء أهل الحديث، فخر الحديث وأهله الإمام البيهقي، وله رسالة (الأسماء والصفات) تدل على رسوخ قدمه في علم العقيدة والتنزيه والتقديس، وهي من أهم مراجع العقيدة الأثرية، والإمام النووي شارح صحيح مسلم، ومن تتبع مباحث العقيدة في كتابه القيم المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، والمشهور بشرح النووي على صحيح مسلم، جمع من علم الأثر ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً لعقيدة أهل الأثر، وأمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني، صاحب كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري، ومن تتبع مباحث العقيدة فيه جمع منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً كاملاً لعقيدة أهل الأثر، (ثانياً): المعبرون عن الأثرية من الحنابلة: من أفضل علماء الحنابلة الذين تكلموا في العقيدة على منهاج المتخصصين الإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي القرشي التيمي البكري، (ت 597 هـ) في كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، رد فيه على حشوية الحنابلة، وهو من خير الكتب التي ردت على بدعة الحشو، ومن الكتب المعبرة عن مذهب الأثرية كتاب أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشبهات، صنفه العلامة مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي (ت: 1033 هـ)، وكتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية وكلاهما – أي المتن والشرح – للشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي.
[التنبيه السادس]: الفرق كبير بين الأثرية والحشوية: فالأثرية طائفة من طوائف أهل السنّة والجماعة أمّا الحشوية فهي فرقة ضالة، بل لا تصح المقارنة أصلاً، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، ولذلك نجدهم عند متشابهات الصفات يرون تفويض علم هذا المتشابه إلى الله، لأنّ ظاهره يوحي بما هو محال على الله تعالى من نسبة الأجزاء والأبعاض والجوارح إلى ذات الله تعالى، أو نسبة الحوادث من الحركة والسكون إلى الله تعالى القديم المنزه عن الحوادث، وأما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، وهم لا يفرقون بين المحكم والمتشابه، وهم يرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله،
[التنبيه السابع]: الحشوية طائفة موجودة معروفة ولا سبيل إلى إنكار وجودها، وهم أكبر خطراً على أمة الإسلام من المجسمة، والسبب في ذلك أنّهم ينتسبون إلى السلف زورا وبهتانا، والسلف من زيغ عقائدهم براء، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، ومن أبرز صفات الحشوية: أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى، لا يجدون حرجا من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى ذات الله، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، وهم لا يحترمون تخصص العلماء، ويهجمون على كل أبواب العلم، لا سيما الأصول، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، ويشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص، ومن أهم مشاكل هؤلاء، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة، وعلومهم القاصرة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، والغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وإلى الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها، والغلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، وهم ينتسبون إلى السلف، والسلف برآء منهم، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيون – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم، وبعد فتلك بعض مفردات مذهب الحشوية، والتي يسعى الحشوية في كل زمان إلى نسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث، وجعلها بديل لكافة التخصصات العلمية.
وقد سماهم أهل العلم بالحشوية: لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية، لا يتحرجون من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى، ونسبة الحد والمقدار إلى جناب ذات الله تعالى، ونسبة الحوادث إلى جناب ذات الله، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ولو عقلوا أنّ من قبل الحوادث لا يكون قديم الذات والأسماء والصفات، ولا يكون إلهاً البتة لما تفوهوا بهذا الجرم، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، كما أنهم أهل التناقض، فهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان، والملك والملكوت، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ويقولون ” لا يعقل ” وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول.
ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات، وهم حشوية كذلك لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة، في أبواب العقيدة وما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم والتشبيه والتمثيل ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف، وهم حشوية كذلك لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة.
[التنبيه الثامن]: تسرب أفكار الحشوية إلى ابن تيمية: إذ أنّ الكثير من أفكار الحشوية قد تسربت إلى ابن تيمية لحسن ظنه في رواد الحشو الاوائل، والمسلمون على زمان ابن تيمية كادوا يستقرون عقدياً، على مدارس الأصول من الأثرية والأشعرية والماتريدية، الذين هذبوا العقائد وصفوها من شوائب الاعتزال والتجسيم والحشو، وكادوا يستقرون فقهياً على المذاهب الأربعة وقد نقوا الفقه وصفوه من شذوذات ابن حزم والظاهرية وأنصاف الفقهاء، وكادوا يستقرون في التزكية على أرقى وسائل التزكية والتصوف والإحسان، في مدارس التربية التي تلائم العامة والخاصة، والمسلمين والمحسنين، وآنذاك يتفرغ المسلمون لنشر دينهم على أرقى وأحسن ما يكون التخصص العلمي المطلوب، فبزغ نجمه وهاجم الأصول والفروع والوسائل، وأخذ يهوش على المتخصصين، فنصحوه ووعظوه، فلما خافوا من فتنته للعامة والجهلاء سجنوه وخافوا الله تعالى فيه فلم يقتلوه، إنّ كثيرا من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية تعجل هو في تبنيها ونشرها، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة، فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك، أحد قبل ابن تيمية، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه، وكيف تكون سلفية في مسالة نُخالف فيها السلف، إنّ السلف الصالح في حياة النبي وبعده كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم، لما له من كرامة عند اللّه، ولم يخطر ببال أحد أن التوسل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم شرك أو ذريعة إلى الشرك، وكان هذا ديدن السلف في جميع العصور، فهل لمنكر التوسل أن يصف نفسه بالسلفية، ثم يتطاول على بقية المسلمين باللقب، فيرميهم بالشرك والضلالة والبدعة والكفران، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[التنبيه التاسع]: تسرب أفكار الحشو إلى الدعوة الوهابية: حيث تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الشيخ ابن تيمية بقوة السيف والسنان، ولكنه أيضاً: كانت له اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، وقد أدى هذا الخلل إلى غلو الدعوة الوهابية في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم، ومرت على المسلمين سنوات عصيبة بسبب سلهم السيف على أغلب طوائف المسلمين، ولقد مرت تلك المحنة وانتهت والحمد لله، والجميع اليوم يأبى ذلك الغلو ويرفضه، ولكن لابد من تصفية المنهج واعتماد التخصص العلمي لأنّه ما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة علمية واحدة غير متخصصة على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية الإسلامية.
[التنبيه العاشر]: خطورة تجديد أفكار الحشوية في الفكر الإسلامي المعاصر تحت مسمى السلفية: الكثير من المعاصرين ممن تبنوا مذهب الحشو، أسرفوا في ذم جمهور أهل السنة وأكابرها من المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة من الأثرية والأشاعرة والماتريدية، واهتموا بإعادة نشر ما صنفه بعض المتقدمين من كتب الحشو التي جمعت الأخبار المتشابهة والمتون المنكرة في ما يسمونه كتبَ التوحيد والسنةَ والردَ على الجهمية، ويمكننا القول بيقين: أنّ متسلفة اليوم ليسوا على منهج السلف الصافي وأنّ انتساب الحشوية إلى السلف هي نسبة خاطئة، وقد أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق، وذلك بموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون، ثم هم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق، وأعظم به من منهاج، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه جناب الذات من الكتاب والسنة، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال، بل ويجيزون عليه قبول الحوادث، وهو لا يعلمون ان من قبل الحوادث كان حادثا، ومن قبل الحوادث لم يكن قديما ومن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه الفناء، ومن قبل الحوادث صار جزء منه حادث، ومن قبل الجزئية لم يكن احدا ولا صمدا ولا غنيا ولا حميدا، وهم لا يعلمون أن هذا كله من طوام البدع والضلالات.
[التنبيه الحادي عشر]: أدق مرجعية علمية ترفع الخلاف: هي مرجعية الرد إلى مدارس العلم المتخصصة على منهاج أهل السنّة والجماعة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، أوضحت الآية الكريمة أنّ المرجعية الأساسية عند النزاع والخلاف هي الكتاب والسنّة، ولما كانت الأفهام قد تختلف أيضا في فهم أدلة الكتاب والسنّة، جاء قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، أوضحت الآية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون، ونحمد الله تعالى أنّ جعل المذاهب العلمية العريقة الممتدة في عمق التاريخ الإسلامي دليلاً على التخصص العلمي الإسلامي وقد استقر لهم للمسلمين على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، والثانية: الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري، والثالثة: الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي، ولا يمكن فصل إحداها بحال، والخلاف بينها في فروع العقيدة لا أصولها، واستقر لهم في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تؤصل، ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، ولهم في التزكية والأخلاق والتصوف طرق ومدارس على منهاج أهل السنّة والجماعة، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لسواد المسلمين الأعظم (اهل السنة والجماعة الحقة)، وتشمل مرجعيتهم تلك المدارس العلمية المؤصلة، فنأخذ ما اجتمعت عليه المدارس العلمية السنّية، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في الامور الاجتهادية والفرعيات الدقيقة التي تخضع للوجوه المتعددة والاحتمالات المختلفة، وتلك الامور يستحيل جمع الناس فيها على قول واحد لاحتمالات النصوص واختلاف المدارك بين العلماء.
[التنبيه الثاني عشر]: قد أكثر البعض المقال والبيان حول مقولة: (الرد إلى الكتاب والسنّة بفهم السلف الصالح) وهي مقولة حق، لكن قد يؤول التطبيق الخاطئ لمعناها إلى وقوع الأمة في حيرة وشتات، وذلك لأنّ اصطلاح السلف الصالح هو اصطلاح يشمل فترة زمنية مباركة فاضلة، هي فترة (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين)، باعتبارهم خير قرون الإسلام كما جاء في الحديث: (خيرُ الناسِ قَرْنِي، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثم الَّذِينَ يَلُونَهم، ثُمَّ يَجِيءُ قومٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمينَهُ، ويَمينَهُ شَهَادَتَهُ) ([60]) . وهم ولا شك خير قرون الإسلام علما وعملاً وأخلاقا وقد كانوا بحق النواة العلمية الصالحة لظهور التخصصات العلمية بعد ذلك، فإنّ أصحاب المذاهب التخصصية سواء في العقيدة او الفقه أو التزكية، هم من السلف أو هم امتداد للسلف وهم من حسنات السلف، ولم يخرجوا عن هدى السلف، بل هم النابغين من تلاميذ السلف الذين تخصصوا في علوم الدين، وقد منحهم هذا التخصص العلمي الدقيق أن يجمعوا أدلة كل باب من أبواب العلم ويرجحوا بينها في تمحيص شديد ويوفقوا بينها في تناسق بديع، وهم عدول أهل العلم من أتباع السلف ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فالسلف كانوا خير الأمة ولكن لم تكن المدارس العلمية المتخصصة قد ظهرت بعد، ولم تكن أقوالهم قد تمحصت بعد وحمل متشابهها على محكمها ومطلقها على مقيدها وعامها على خاصها وهكذا كما فعل أهل التخصص بعد ذلك، والدليل على ذلك ما يُنقل من الخلافات العلمية الواسعة في تلك الحقبة الزمنية المباركة في كافة أبواب العلم، فكيف تجعل الرد إلى أفهامهم وهي في ذاتها مختلفة متعددة وغير منضبطة، ولا يحق لأحد بعينه – مهما بلغ من العلم – أن ينصب نفسه المتحدث الرسمي عن السلف، لأنّه آنذاك يتحدث عن فهمه هو لما يظن أنّه قول السلف وقد يكون هو مخطئاً فيما ينسبه إلى السلف، وبالتالي فإن مصطلح السلف لا ينضبط علمياً، وهذا بخلاف المدارس العلمية المتخصصة في باب من العلم كالعقائد أو الفقه أو التزكية، فهؤلاء يجمعون كل أدلة العلم المتعلقة بمباحث علمهم، ثم يوفقون بينها بما يمنع تعارضها وفق منهج مدروس مؤصل، ثم تخرج أقوالهم في إطار منهجية كلية ترد المتشابه إلى محكمه، والعام إلى خاصه، والمطلق إلى مقيده، علاوة على كون تلك المدارس العلمية المتخصصة مذاهب مؤصلة ومدارس معروفة والقول فيها منضبط معروف محدد يمكن الرجوع إليه دون نزاع، وعليه فإنّ الرد إلى فهم السلف ليس دقيقا ولا منضبطا ولا نعرف من المقصود منهم عند اختلافهم، ولا ومن هو المتخصص في الفقه ومن هو المتخصص في العقيدة وهكذا، ولا يُعقل أنّ الرد يكون إلى أفرادهم عشوائيا في شتى التخصصات العلمية، أما الرد إلى مدارس العلم المتخصصة فيه، فهو الذي يرفع النزاع، فالأمر الذي اتفقت عليه مدارس العلم المتخصصة فيه نأخذه رأياً واحداً، وما اختلفوا فيه وسعنا ما وسعهم من الاختلاف، دون تنازع أو شقاق، ومثال ذلك الرد المنضبط الدقيق: إذا حدث خلاف في قضية فقهية مثلاً (النقاب) فيكفينا أنّ نرجع إلى أقوال المذاهب الأربعة فيسعنا ما وسعهم من الخلاف فيها ولا معنى لحمل الناس على رأي اختلف فيه الفقهاء المتخصصون ووسعهم الخلاف فيه ثم لا يسعنا، وإذا حدث خلاف في قضية عقدية مثلاً (تنزيه ذات الله تعالى عن الحد او الجارحة أو المكان) فالقول فيها ما قالت المدارس المتخصصة الأشعرية أو الماتريدية أو الأثرية وجميعها مجمع على تنزيه الله تعالى عن تلك النقائص التي تضاد الكمال الواجب لله تعالى والتي هي سمات المخلوقات والمحدثات التي تنزه الله تعالى عنها {ليس كمثله شيء}.
ولا عبرة لمن خالف تلك المدارس المتخصصة من الحشوية والمجسمة والمشبهة وأصحاب الجهل المركب من الموتورين الصائلين على الكتاب والسنّة وما فيهما من التنزيه وهم يدعون الصولة لهما والانتفاض لنصرتهما، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا، وهكذا كل علم له أهله المتخصصون وله مدارسه المتأصلة العريقة، قال تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلاٌ قليلا}، فالرد لا يكون لكل المسلمين وإلا ٌ لكان الامر فوضى وقال الناس في دين الله بغير علم ولكن الرد يكون لأولي العلم المتخصصين القادرين على الاستنباط، وليس هناك أدق من مدارس علمية سنية متخصصة ممتدة في عمق التاريخ الإسلامي تخرج من خلالها آلاف العلماء المجتهدين الراسخين في العلم.
إنّ ما يتشدق به البعض بمقولة: (الرد إلى الكتاب والسنّة بفهم السلف الصالح) فإن التطبيق الخاطئ لمعناها إلى وقوع الأمة في حيرة وشتات، وذلك لأنّ اصطلاح السلف الصالح هو اصطلاح يشمل فترة زمنية مباركة فاضلة، هي فترة (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين)، باعتبارهم خير قرون الإسلام كما جاء في الحديث: (خيرُ الناسِ قَرْنِي، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثم الَّذِينَ يَلُونَهم، ثُمَّ يَجِيءُ قومٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمينَهُ، ويَمينَهُ شَهَادَتَهُ) وهم ولا شك خير قرون الإسلام علما وعملاً وأخلاقا وقد كانوا بحق النواة العلمية الصالحة لظهور التخصصات العلمية بعد ذلك، فإنّ أصحاب المذاهب التخصصية سواء في العقيدة او الفقه أو التزكية، هم من السلف أو هم امتداد للسلف وهم من حسنات السلف، ولم يخرجوا عن هدى السلف، بل هم النابغون من تلاميذ السلف الذين تخصصوا في علوم الدين، وقد منحهم هذا التخصص العلمي الدقيق أن يجمعوا أدلة كل باب من أبواب العلم ويرجحوا بينها في تمحيص شديد ويوفقوا بينها في تناسق بديع، وهم عدول أهل العلم من أتباع السلف ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، لقد حمل السلف لواء الدين بكافة جوانبه وكانوا هم العلماء والدعاة والمجاهدين من أجل هذا الدين، فكانوا خير الناس وخير المسلمين، وكان من بركة إخلاصهم أن جاء أتباعهم فتخصصوا في فروع العلم وفتح الله تعالى عليهم ببركة التخصص في مجال علومهم، ثم رزقهم الله تعالى الأتباع الذين ساروا على منهاجهم فظهرت المدارس التخصصية التي تعتبر بحق مفخرة أهل السنّة وأهل العلم.
فالسلف كانوا خير الأمة ولكن لم تكن المدارس العلمية المتخصصة قد ظهرت بعد، ولم تكن أقوالهم قد تمحصت بعد وحمل متشابهها على محكمها ومطلقها على مقيدها وعامها على خاصها وهكذا كما فعل أهل التخصص بعد ذلك، والدليل على ذلك ما يُنقل من الخلافات العلمية الواسعة في تلك الحقبة الزمنية المباركة في كافة أبواب العلم، فكيف تجعل الرد إلى أفهامهم وهي في ذاتها مختلفة متعددة وغير منضبطة، ولا يحق لأحد بعينه – مهما بلغ من العلم – أن ينصب نفسه المتحدث الرسمي عن السلف، لأنّه آنذاك يتحدث عن فهمه هو لما يظن أنّه قول السلف وقد يكون هو مخطئاً فيما ينسبه إلى السلف،، ثم لا ننسى أنّ رؤوس الفرق الضالة قد أطلت برؤسها في زمان السلف كالقدرية والحشوية والمجسمة والرافضة والخوارج وغيرهم، وعليه فإنّ للخوارج سلف وللروافض سلف وللمجسمة سلف وللحشوية سلف كل ذلك في القرون الأولى، وبالتالي فإن استعمال هذا المصطلح كمنهجية لرد الخلاف لا يكون صحيحا ولا دقيقا، لأنّ لكل صاحب فكر ولو كان مبتدعا سلف، وبالتالي صار (اصطلاح السلف) اصطلاح متنازع على معناه وما هو المقصود منه، بل والأفراد الداخلين فيه باستثناء الصحابة رضي الله عنهم، فإنّ من يراهم البعض من أئمة السلف الصالح، يراهم الآخرون ليسوا كذلك، وليست حجة هؤلاء بأولى من هؤلاء وهو بالتالي مصطلح غير محدد ولا منضبط علمياً، وهذا بخلاف المدارس العلمية المتخصصة في باب من العلم كالعقائد أو الفقه أو التزكية، فهؤلاء يجمعون كل أدلة العلم المتعلقة بمباحث علمهم، ثم يوفقون بينها بما يمنع تعارضها وفق منهج مدروس مؤصل، ثم تخرج أقوالهم في إطار منهجية كلية ترد المتشابه إلى محكمه، والعام إلى خاصه، والمطلق إلى مقيده، علاوة على كون تلك المدارس العلمية المتخصصة مذاهب مؤصلة ومدارس معروفة والقول فيها منضبط معروف محدد يمكن الرجوع إليه دون نزاع، وعليه فإنّ الرد إلى فهم السلف ليس دقيقا ولا منضبطا ولا نعرف من المقصود منهم عند اختلافهم، ولا ومن هو المتخصص في الفقه ومن هو المتخصص في العقيدة وهكذا، ولا يُعقل أنّ الرد يكون إلى أفرادهم عشوائيا في شتى التخصصات العلمية، أما الرد إلى مدارس العلم المتخصصة فيه، فهو الذي يرفع النزاع، فالأمر الذي اتفقت عليه مدارس العلم المتخصصة فيه نأخذه رأياً واحداً، وما اختلفوا فيه وسعنا ما وسعهم من الاختلاف، دون تنازع أو شقاق، لقد حاول الإمام ابن تيمية – بحسن نية – تطبيق مبدأ الرد إلى أفهام السلف، إلا أنّ جهوده أدت إلى ضرب المنهجية والمرجعية السنّية في مقتل، لأنّ التنازع قبله كان يرجع إلى الرد إلى الكتاب والسنّة بفهم المذاهب السنّية المتخصصة، إذن هنا ننظر إلى المرجعية الصحيحة المتخصصة، وبهذا يُفض الخلاف فإنّ اتفقت المذاهب السنّة المتخصصة في مسألة في مجال تخصصها فلا مجال للخلاف، وإن اختلفت وسعنا ما وسع المتخصصين من ذلكم الخلاف.
ولكن عند الرد إلى غير المدارس المتخصصة للأسف، رأينا الغلو في التكفير والغلو في التبديع والغلو والحشو في باب التقديس والحشو في باب الفقة والجفاء على المسلمين في باب التزكية، وعليه فإنّ الرد العلمي الصحيح والمنهجية العلمية السديدة لا تكون إلا إلى مدارس العلم المتخصصة فيه، فهو الذي يرفع النزاع، فالأمر الذي اتفقت عليه مدارس العلم المتخصصة فيه نأخذه رأياً واحداً، وما اختلفوا فيه وسعنا ما وسعهم من الاختلاف، دون تنازع أو شقاق، ولو ذهبنا نُقارن بين المرجعيتين، مرجعية الرد إلى المدارس المتخصصة، وبين مرجعية الرد ألى السلف، لوجدنا أننا في الحالة الأولى نرد إلى آلاف العلماء المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية كلٌ في مجال اختصاصة، وفي الثانية نرد إلى عالم واحد هو الامام ابن تيمية ثم ثلة من اتباعة في كل ابواب العلم،، عند الرد إلى مرجعية المذاهب وجدنا الدقة في المرجعية، فلم نسمع منهم أحدا يكفر أخاه إلا بضوابط دونها العلم الراسخ، ولا استحل دمه وماله وعرضه إلا بضوابط وضعها المتخصصون، ولم نسمع عن موجات التبديع والتفسيق التي اُبتلينا بها في هذا الزمان.
ومثال الرد المنضبط الدقيق: أنه إذا حدث خلاف في قضية فقهية مثلاً يكفينا أنّ نرجع إلى أقوال المذاهب الأربعة فيسعنا ما وسعهم من الخلاف فيها ولا معنى لحمل الناس على رأي اختلف فيه الشافعي وأحمد ووسعهم الخلاف فيه ثم لا يسعنا، لا شك أنّ الذي لا يسعه خلافهم متهم في عقله أو دينه أو هو مصاب بمرض نفسي عضال علاجه في مكان معروف بعيدا عن المجتمع الإسلامي لنقي المجتمع من سمومه وسخافاته، وإذا حدث خلاف في قضية عقدية مثلاً (تنزيه ذات الله تعالى عن الحد او الجارحة أو المكان) فالقول فيها ما قالت المدارس المتخصصة الأشعرية أو الماتريدية أو الأثرية وجميعها مجمع على تنزيه الله تعالى عن تلك النقائص التي تضاد الكمال الواجب لله تعالى والتي هي سمات المخلوقات والمحدثات التي تنزه الله تعالى عنها {ليس كمثله شيء}، ولا عبرة لمن خالف تلك المدارس المتخصصة من الحشوية والمجسمة والمشبهة وأنصاف الجهلاء وأصحاب الجهل المركب من الموتورين الصائلين على الكتاب والسنّة وما فيهما من التنزيه وهم يدعون – خطأً – الصولة لهما والانتفاض لنصرتهما، وهكذا كل علم له أهله المتخصصون وله مدارسه السنّية المتأصلة العريقة.
[التنبيه الثالث عشر]: التحذير من كتب حديثية كُتبت على منهج أهل الحشو ونُسبت إلى أهل السنّة والجماعة: إنّ من الأمانة العلمية أمام الله تعالى وأمام الرسول صلى الله عليه وسلم وأمام المؤمنين تقتضي التحذير من كتب تلبس مسوح أهل السنّة، والسنّة منها برآء، وهي في الحقيقة لا تنتمي إلى العقيدة الأثرية، ولا إلى عقائد أهل السنّة والجماعة القائمة على التقديس والتنزيه، بل هي إلى عقيدة الحشو والتجسيم أقرب، ومن ذلك:
(1) كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد: لعثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ): وقد تقدم ذكر مخازيه.
(2) كتاب السنة لابن أبي عاصم: وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك. (3) كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (290هـ): وقلت: المنسوب لأنّ الغالب بل اليقين عندي أنّه لا تصح نسبته إليه، لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه، ولكونه اشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، بل في بعضها تكفيره، وأنه أُخِذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من الكفر أكثر من مرة، وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير، وفيه نقلٌ عن الإمام مالك أنه ذكره بسوء، وقال: كاد الدين ومن كاد الدين فليس من الدين وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها الأبدان، وقد كان أبوه الإمام أحمد يُجل الإمام أبي حنيفة وتتلمذ على تلامذته كمحمد بن الحسن الشيباني، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك من الحشو الذي يؤول بصاحبه إلى التجسيم، ومما اشتمل عليه في حق الإمام أحمد أنه نقل عنه تصحيح الأخبار التي تثبت جلوسَه عز وجل على العرش وحصولَ الأطيط من هذا الجلوس، وأنه واضع رجليه على الكرسي وأن الكرسي موضع قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع، ويعلم المحققون أنّ هذه الأخبار مكذوبة على الإمام أحمد وابنه عبد الله، بل الكتاب كله مكذوب عليه، فإن كان هو واضعه فالله حسيبه، والحق أحق أن يُتبع، والكتاب عند المتخصصين في العقيدة لا يمثل سوى طائفة الحشوية وحسب.
(4) كتاب السنة للخلال: وفيه أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام، وفيه أيضاً الكذب على الإمام أحمد وأنه تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو، والكتاب تقرير لعقائد أهل الحشو لا أهل السنّة.
(5) كتاب التوحيد لا بن خزيمة: تأثر – على علمه بالحديث – بابن كرام، صنف كتابه على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، ولكنه تاب عنه وندم فقد أخرج البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه قال: (ما لأبي بكر والكلام؟ إنما الأولى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نتعلمه ..، ثم قال البيهقي: والقصة فيه طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال والله أعلم ” ……واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه لا يحسن الكلام فقد نقل البيهقي عنه أنه قال: (ما تنكرون على فقيه راوي حديث لا يحسن الكلام ” أهـ ([61]) .
وكتاب التوحيد أخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو.
(6) كتاب الصفات المنسوب للدارقطني: وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه، وإنما يصلح أن يكون من صنيع من رواه عنه، فلا تصح نسبته إلى الدارقطني كما نبه عليه الكوثري في [تبديد الظلام المخيم 206]، لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) قال الذهبي في ترجمته في (أقر بوضع حديث وتاب وأناب)([62]) .
ولا يخفى أن هذه التوبة لا تعني قبول روايته لأمرين: الأول: أن من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت طريقته، حكاه السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين ([63]) .
الثاني: أنه حتى على مذهب من يقبل توبته لا يلزم قبولُ روايته لأنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده. نقل ابن حجر في ترجمته أنه كان كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال ([64]) .
ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري قال الذهبي في ترجمته: (شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي، وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال – فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل) ([65]) . وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن.
(7) كتاب التوحيد لابن منده: وله أيضا كتاب الرد على الجهمية، وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه، وعزاه إلى البخاري ومسلم، مع أنه ليس في أحدهما، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من أخبار أهل الحشو لا أهل التخصص والعلم بالعقيدة.
(8) كتاب العرش وما روي فيه: لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وحال الكتاب من حال مؤلفه الذي نقل الذهبي تضعيفه عن الجمهور وتكذيبَه عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، وعن غيره الاتهام بالوضع، وفي هذا الكتاب أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في روضة خضراء.
(9) كتاب الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي (ت 481 هـ): والهروي هو الذي كان المجسمة بهراة يلقبونه شيخ الإسلام نكاية بمن سمى به الحافظ أبا عثمان الصابوني الإمام المتقن، ومن مصنفاته التي أضرت بعقيدة أهل الإسلام الصافية الصحيحة، كتاب ذم الكلام وكتاب الفاروق في الصفات وكتاب الأربعين، وهذه الكتب الثلاثة أبان فيها عن اعتقاد التشبيه، وفي كتاب الأربعين ذكر أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، وأهم أغلاط هؤلاء المصنفين على وجه الإجمال أنّهم: (أولاً): جمعوا فيها أخباراً متفرقة فأحدث هذا الجمع في دلالتها تقوية لظاهرها الموهم كما سبق في الكلام على التفويض، (ثانياً): لم يفرقوا فيها بين النصوص التي تتفاوت دلالة وثبوتاً فمثلاً جعلوا قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} مع الأخبار المنكرة التي تتحدث عن القعود على العرش وأطيط العرش من ثقل الجبار فوقه، وجعلوا هذين المتفاوتين من أدلة الاستواء على العرش، (ثالثاً): أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا، بل ربما عارضوا ما هو مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرويات عن أحد التابعين. ومثال ذلك تفسير المقام المحمود بالإقعاد على العرش. بل لم يفرقوا بين حديث نبوي وخبر إسرائيلي، فربما جعلوا ما لقول الرسول صلى الله عليه وسلم من القدسية والمكانة ثابتاً لقول أهل الكتاب. ومثال ذلك ما ذكروه في الاستلقاء على العرش ووضع إحدى رجليه على الأخرى وغير ذلك مما هو مبسوط في الشبه السمعية، (رابعاً): أنهم لم يفرقوا بين منقول بالتواتر من الكتاب والسنة وخبر لم يصح سنده فأثبتوا بالثاني ما أثبتوه بالأول.
[المفتاح السابع]: الأشعرية والماتريدية امتداد السلف وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج محكم الكتاب وصحيح السنّة: (الأشاعرة): هم المتخصصون في العقيدة، أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله (270 ه إلى 330 ه)، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة، نصر الحديث، وكسر هجمة المعتزلة والمجسمة على الدين، هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم، وإبطال شبههم، فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم، وعظماء أمة النبي صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة، كالباقلاني، والقشيري، وأبي إسحاق الشيرازي، وأبي محمد الجويني، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي، والقاضي أبي بكر بن العربي، والإمام فخر الدين الرازي، والحافظ ابن عساكر، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، والإمام الرافعي، والإمام النووي، والإمام السبكي، والحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام الفقيه ابن حجر الهيتمي، والحافظ السيوطي، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس، ويضيق بعده القرطاس، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا، ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين، والأشاعرة لم يبتدعوا مذهباً، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان، والأشاعرة مدرسة أصولية متكاملة: أنقذ الله تعالى بهم الأمة من الاعتزال والحشو، صاغوا المنهج الحق، القائم على الكتاب والسنّة، بعيداً عن بدع الخروج والتشيع، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة، في باب الإيمان والكفر، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد، وباب السنّة والبدعة، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات، بما لا مزيد عليه، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً، وكان منهاج هؤلاء يقوم على محاور: أهمها: الأول: دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة، والمحور الثاني: الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة، الثالث: قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم، (والماتريدية): ينتسبون إلى الإمام أبو منصور الماتريدي، وهو إمام الهدى وإمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين ورئيس أهل السنة والجماعة وناصر السنة وقامع البدعة، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، مضيف النّبي الأكرم صلَّى الله عليه و سلَّم في دار الهجرة، وتعتمد أسس الماتريدية على المذهب الحنفي في العقائد والفقه، وكان لأنصار أبي منصور الماتريدي الدور المهم في انضاج المذهب ونصرته ونشره وإشاعته، فقد كافحوا المعتزلة والمجسمة والحشوية.
والحاصل هو أن الأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي، والأشاعرة والماتريدية هما جناحا أهل السنة والجماعة في باب العقيدة، وهما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية، قال الإمام المرتضى الزبيدي: (وليعلم أنّ كلاًّ من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور – رضي الله عنهما – وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله … ناظَرَ كلٌّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين) اهـ. ([66]) .
[المفتاح الثامن]: المرجعية الفقهية للامة: استقر لأهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، لقد جمع الله تعالى علوم الفقه كلها في مذاهب الأئمة الأربعة: فالإمام أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه، ويملأ طباق الأرض علما وفقها، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة، على أنّ هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة: وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالعراق، والليث بن سعد بمصر، وسفيان بن عيينة بمكة، إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع، وعلى ذلك: فإنّه يمكن القول بأنّ علوم الفقه كلها اجتمعت في مذاهب الأئمة الأربعة، وهي مذاهب منضبطة مدونة محررة معروفة، تخرج من خلالها آلاف الفقهاء.
[المفتاح التاسع]: إشارة إلى المذاهب الفقهية العريقة المؤصلة، (المذهب الحنفي): وإمام المذهب هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت، (ولد في الكوفة سنة 80هـ)، برع في الفقه حتى صار من بعده عيالاً عليه، قال ابن المبارك: أفقه الناس أبو حنيفة، وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، والإمام الأعظم أبو حنيفة: يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم له منهج واضح، وقواعد رصينة، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه، (المذهب المالكي): وإمام المذهب: هو إمام دار الهجرة أبو عبدالله مالك بن أنس، هو إمام أهل الحديث وإمام أهل الفقه، وإذا ذكر عالم المدينة فليس ثمة غيره، اشتُهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي وتثبُّته فيه، جمع فقه علماء مدرسة أهل الأثر بالمدينة جميعهم، وجمع فقه مدرسة أهل الرأي عن طريق الإمام الفقيه ربيعة الرأي، فكان آية في الفقه والعلم، وصدق فيه حديث النبي صلى الله عليه، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة)، قال الشافعي: مالك حجة الله على خلقه، وقال أيضا: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، (المذهب الشافعي): وإمام المذهب: هو أبو عبدالله محمد بن إدريس شافع القرشي المطلبي، تلقى العلم بادئ الأمر في مكة على يد مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة (ت179هـ)، ثم رحل إلى مالك في المدينة، وقرأ عليه الموطأ وأخذ عنه الحديث والعلم، ولزمه حتى مات، ثم خرج إلى العراق فلقي محمد بن الحسن وأخذ منه فقه العراق، فاجتمع له فقه الحجاز (مكة والمدينة) والعراق، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، ووضع للفقه أصولاً تضمنتها (الرسالة)، وإليه ينسب علم أصول الفقه، ثم استقر بمصر ومنها ملأ طباق الأرض علما وفقها، اعترف الجميع للشافعي بالرفعة والجلالة والتميُّز، والفقهاء بعده عيال عليه في الفقه وأصول الفقه لأنه هو الذي فتح هذا الباب، وصدق فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً) ([67]) .أخرجه أبو نعيم فى الحلية، وقال أبو نعيم: هذه الصفة لا تنطبق إلا على الشافعي، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً، قلت فيها بقول الشافعي، لأنه إمامٌ عالمٌ من قريش، وقال عنه أيضا: كان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال أيضا: ما أحد مس محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في عنقه منة، وقال أبو داود ما أعلم للشافعي حديثا خطأ، (المذهب الحنبلي): إمام المذهب: أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل، عُرف بولعه وشغفه بالعلم منذ صباه، أخذ عن كل علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، وجمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها، جمع فقه أهل العراق ثم لازم الشافعي وتتلمذ على يديه في الفقه، وجمع الله تعالى له الحديث والفقه، قال عنه الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة.
[المفتاح العاشر]: المرجعية الإسلامية في التزكية والسلوك: لقد كان من ثمرة التخصص في علم التزكية ظهور أقطاب التصوف الصديقين العارفين الذين رزقهم الله تعالى لسان الصدق في الأمة على مر العصور، وقد سميت اجتهادات هؤلاء الربانيين ومن ذهب مذهبهم السالكين المجتهدين (طرق) أي طرق متعددة صحيحة للوصول إلى مرتبة الإحسان، تعددت الطرق والغاية واحدة، رضا المولى تبارك وتعالى ونيل رضاه، لقد أكرم الله تعالى الأمة بأهل التصوف والزهد والمعرفة الذين قاموا على علم بتزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وبيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين، وكان لكل منهم طريقة في السلوك لها أورادها ولها اجتهاداتها التي تميزت بها عن غيرها، وإنّ احترام التخصص التزكوي والرد في علم التزكية إلى تلك المدارس الصوفية المتخصصة، ضرورة علمية وأخلاقية وتربوية، وذلك لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، قال حجة الإسلام الإمام الغزالي: (الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) اهـ، قال الإمام الجنيد: (إذا وفق الله المريدَ ألقاهُ إلى الصُّوفيَّة) اهـ، وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي: (من لم يغلغل في علمنا هذا، مات مُصراً على الكبائر وهو لا يشعر) اهـ، وهذا حق لأنهم هم الذين جمعوا علوم الإحسان ووسائل التزكية، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، فإن علوم الدين الثلاثة التي اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و (التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، و (التصوف) هو المرادف لمصطلح (التزكية) المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وكذلك فإن (التصوف) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”) [أخرجه مسلم]، وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل (التصوف) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان، وذلك كشأن بقية العلوم، وهو علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها، (تنبيه) مع احترام التخصص لابد من الإصلاح والتجديد، وإذا كان الدين نفسه يحتاج إلى إصلاح وتجديد كل مائة عام، فإن التصوف القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين يحتاج أيضا إلى إصلاح وتجديد، وذلك بإصلاح جوانب الخلل التي أصابت التصوف بفعل عوامل طول الزمان ووجود الجهلاء والأدعياء، مع التنبيه على وجوب أخذه من اهله المتخصصين.
[المفتاح الحادي عشر]: الطرق الصوفية: هي مدارس في التزكية والتربية مرتبطة بواسطة السند المتصل، وجميعها تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من الأثرية أو الأشاعرة أو الماتريدية، وتتبع أحد المذاهب الأربعة السنية، والاختلاف بينها إنما هو في طريقة التربية والسلوك إلى الله، حيث تختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها، وكل هذه الأساليب لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله، بل هي من باب الاجتهاد المفتوح للأمة، فقد يسلك بعض المشايخ طريق الشدة في تربية المريدين فيأخذونهم بالرياضات العنيفة ومنها كثرة الصيام والسهر وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس وكثرة الذكر والفكر، وقد يسلك بعض المشايخ طريقة اللين في تربية المريدين فيأمرونهم بممارسة شيء من الصيام وقيام مقدار من الليل وكثرة الذكر، ولكن لا يلزمونهم بالخلوة والابتعاد عن الناس إلا قليلا، ومن المشايخ من يتخذ طريقة وسطى بين الشدة واللين في تربية المريدين، كما توجد ثلاثة أنواع من الطرق وهي: طريقة التبرك، وطريقة الإرشاد، وطريقة التربية والترقية، وذلك حسب مستوى شيخ الطريقة، فشيخ التبرك هو الذي يبلغ أوراد الذكر لمن يطلبها بإذن مسند صحيح، ويقف دوره عند هذا التبليغ، وينال الآخذ عنه بركة النسبة لسلسلة الشيوخ الصالحين المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ينال ثواب وأنوار الأذكار التي يلتزم بها، وأما شيخ الإرشاد فزيادة على تبليغ الأوراد كشيخ التبرك، يسعى لإرشاد تلاميذه إلى مكارم الأخلاق ودوام الذكر وصفاء الباطن وينفث في قلوب أهل الاستعداد منهم عوارف معارف وأنوار مقامات. فشيخ التبرك يدل على مقام الإسلام وغايته علم اليقين والإشراف على النفس المطمئنة. وشيخ الإرشاد يرشد إلى مقام الإيمان وغايته عين اليقين والإشراف على مقامات القلب الراضي المرضي المستنير بدوام الذكر، وأما شيخ التربية والترقية فيرفع إلى مقام الإحسان مشاهدة في مقام (أن تعبد الله كأنك تراه)، إن التصوف الإسلامي الأصيل قد ابتلي بالأدعياء شأنه شأن غيره من علوم الإسلام، وأهل التصوف الحق يعلمون أنّه: ليس من التصوف الإسلامي: القول بمخالفة الشريعة للحقيقة، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف، وليس من التصوف الإسلامي: القول بالحلول أو الاتحاد، وليس من التصوف الإسلامي: الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت، وليس من التصوف الإسلامي: تحريف أسماء الله والرقص بها مع وجود آلات اللهو والغناء، إن الأدعياء شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من أفعال منكرة، وليس من التصوف الإسلامي: البطالة ولا الجهالة بدين الله، ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات، وليس منه: ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن والشياطين، إنّ التصوف بريء من ذلك كله، إن الإصلاح الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بسرعة وتجرد وإتقان.
[المفتاح الثاني عشر]: التفريق بين التعددية المحمودة بين المسلمين وبين الطائفية المذمومة: من الضروري لضبط باب السنة والبدعة ومنع الغلو فيه: التفريق بين التعددية المحمودة متمثلة في المذاهب الإسلامية المتعددة في شتى التخصصات العلمية والسلوكية، وما بين الطائفية المذمومة لدى أهل التعصب والغلو، إنّ التعددية علامة السعة والرحمة واليسر ورفع الحرج في كافة الأحكام الشرعية، وقد تعمدت الشريعة وجود هذا الحيز العريض من السعة عن طريق الأدلة الظنية التي تحتمل الاوجه المتعددة، لتغطية التنوّعَ الطبيعيَّ في مناهج النظر الفكري الإنساني، إنّ التعدد سعة ورحمة، وما دام المختلفون أئمة مجهدون يقتدى بهم، فلا بأس بالاقتداء بأحدهم، طالما أنهم متمسكون بالأصول والثوابت الشرعية التي وردت في صريح الكتاب والسنة النبوية لا يضرهم الاختلاف الاجتهادي في الفروع ونحوها، فإنّ الله تعالى جعل هذه الأمة تنقسم إلى قسمين: أهل السنة، وهم الجماعة والسواد الأعظم، وأهل أهواء وبدعة، وهم من شذ عن سنن الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين.
***
المبحث السادس أسس تتعلق بعلم السياسة الشرعية لحماية الامة من وقوع الهرج والمرج والفوضى وسفك الدماء
[المفتاح الأول]: يجب تأصيل وتقعيد علم السياسة الشرعية، وبيان القواعد الشرعية السديدة لتنظيم العلاقة بين الحاكم والرعية في ضوء الكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الراسخين في العلم، لأن الفقه الصحيح لهذا العلم يؤدي إلى تصحيح جميع المسارات الدعوية والحسبية والسياسية العاملة لدين الله تعالى، ذلك العلم الذي يضبط حقوق الحكام كما حفظها لهم الإسلام، فيطمئن الحكام إلى حفظ الرعية لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الافتئات عليها، فيتفرغ العالم والداعية وكل مسلم لأداء مهامه، بما يوافق شرع الله، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين، دونما غلو أو تفريط، لذا لابد من الفقه السديد للآيات الكريمة التي تتناول العلاقة بين أولياء الأمور والرعية، والفقه السديد للأحاديث النبوية الشريفة في بيان العلاقة بين الأنظمة الحاكمة والشعوب المسلمة، وبيان الفقه السديد لحدود طاعة الحاكم المسلم، وحدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم، وفقه الدعوة في إنكار المنكر على ولاة الأمور، ومعرفة ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام، وبيان القواعد الشرعية السديدة التي تضبط حقوق الحكام كما حفظها لهم الإسلام، والتي منها وجوب السمع والطاعة في غير معصية، مع مراعاة توقير الأمراء واحترامهم، وبذل النصيحة لهم، والصبر على جورهم، وعدم نزع اليد من بيعتهم وطاعتهم.
[المفتاح الثاني] اقتضت إرادة الله تعالى وحكمته أن يكون أمر الناس إلى سلطان يحكمهم لا يصلحون إلا بذاك، ولهذا قال العارفون بأمور الناس أن ستين سنة في حكم سلطان جائر أهون من ساعة ليس للناس فيها سلطان يحكمهم، لأن البديل آنذاك الهرج والمرج والفتنة والفوضى ونهب الاموال وانتهاك الحرمات وسفك الدماء، لهذا أوجب الشرع على المسلمين نصب الإمام وجعل في عنقهم له بيعة وطاعة، وأوجب عليهم احترامه وتعظيمه، وحرم عليهم نزع اليد من طاعته وحرم عليهم إهانته، لهذا جاءت الآيات والأحاديث تدعو إلى طاعته وتحذر من التمرد عليه لأنه بمثابة ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ أَكْرَمَهُ أَكْرَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَهَانَهُ أَهَانَهُ اللَّهُ، ومن مات وليس في عنقه بيعة له مات ميتة جاهلية، وتعددت الادلة التي تأمر بالصبر على جوره وظلمه وعدم نزع اليد من طاعته، لما في ذلك من ترجيح للمصالح المتوقعة بوجوده على المفاسد المترتبة على محاولات إزالته، ثم إنّ الله تعالى جعل اختيار الحكام إليه، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، كما في قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، فهو مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وكذلك قوله تعالى – على لسان نبي الله يوسف عليه السلام -: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ}، فدل على أن الملك هبة من الله، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ}، فكلها أدلة تدل على أن الله تعالى هو من يؤتي الملك من يشاء وهو من ينزع الملك ممن يشاء، وهو في ذلك كله رحيم بعباده بيده الخير علم انهم لا يستطيعون العيش إلا في ظل منظومة حكم وسلطة تضبط الامور بين الناس، فلا يصلح الناس فوضى لا حاكم لهم، وأهل الحكمة من الناس يرون في ملوكهم مظاهر معاملة الله تعالى لهم، فإن استقاموا على دين الله، ألان الله تعالى لهم قلوب حكامهم، وإن عصوا الله تعالى أدبهم بحكامهم، هو وحده المدبر والمصرف، قلوب العباد جميعا بيده، وبيده الخير ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولهذا قال بعض العارفين: ” منكم يول عليكم “، أي من حالكم مع الله يختار لكم من الحكام من يلائم حالكم، وليس معنى ذلك تعطيل الحسبة عليهم بل هي من أعظم الجهاد ولكن وفق ضوابطها وأحكامها التي قررتها شريعة الرحمن، أما إهانة السلطان، ونزع اليد من بيعته ومنازعته باسم الدين فهو من البدع المضلة التي تفتح باب الهرج والمرج والفوضى وسفك الدماء، ومن طالب حكام اليوم بالعدل الذي كان عليه غمر رضي الله عنه فقد ظلم، لان العالم اليوم قد تحول إلى قرية صغيرة تحكمه قوى عالمية رهيبة والحكام في بلادنا قد يكرهون على أشياء ليس لهم فيها اختيار، والاكراه من الاعذار الشرعية المعتبرة، والمقصد أن أمور الحكم لها أهلها وهم أعلم بها ولا يصح الافتئات عليهم فيها، وقد امرنا الله تعالى أن نؤدي لهم حقوقهم ونسال الله تعالى ما لنا.
[المفتاح الثالث] العلاقة بين الحاكم والمحكوم في القرآن الكريم:
(أ) من الآيات التي تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً} [النساء: 59]، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في طاعة الله، فإن حصل بينهم نزاع فمرجعه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم، {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، أي إلى كتاب الله وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وقد جعلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم: طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) ([68]) . وأخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) ([69]) . وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ) ([70]) . ولا شك أنّ هذه الطاعة فيما لا يدخل في معصية الله، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([71]) . فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة لأحاديث عديدة للنبي صلى الله عليه وسلم، منها: ما أخرجه الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([72]) . وما أخرجه مسلم أيضا عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([73]) .
إذن، ونحن نتناول فقه آيات من كتاب الله تعالى تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم، نجد الأمر الرباني: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59]، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في كل ما يأمرون به إلا أن يأمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة، فعدم الطاعة مقصور على المعصية.
(ب) ومن الآيات التي تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم: قوله تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]، ويؤيده قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ ى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}[النازعات: 17 إلى 19]، فليس هناك أكفر من فرعون ولا أظلم منه فقد جعل أهل مصر شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، وليس هناك أعظم جاها وكرامة آنذاك عند الله تعالى من موسى وهارون، ومع هذا فقد أمرهما الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق والقول اللين لعله يتذكر أو يخشى، وهذا هو بيان المنهج الرباني في نصح الحكام والأدب في محادثتهم، وذلك لأنّه الاقرب إلى استجابة الحاكم للنصيحة والعمل بها، وليس مقصود النصيحة سوى ذلك، والشدة والغلظة في القول مع الحاكم لا تؤتي ثمارها، لأنّ السلطة بيده، فالشدة لا تناسبه، وقد يفهم منها تهديده ووعيده، وهذا يصرفه عن سماع النصيحة إلى البطش بالناصح أو على أقل تقدير عدم الاستفادة من نصيحته.
[المفتاح الرابع]: العلاقة بين الحاكم والمحكوم في السنّة النبوية المشرفة: تواترت الأحاديث النبوية التي تأمر بالصبر على جور الحكام المسلمين وعدم نزع اليد من طاعتهم، ومن ذلك:
[الـحديث الأول]: أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([74]) .
وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال (السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا) – إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية -، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ)، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه، فهذا معنى البواح، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط، (إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ).
[الـحديث الثاني]: أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([75]) . وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا، ما كانوا مسلمين.
[الـحديث الثالث]: أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة). ([76]) . يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط، (قَالَ: لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ)، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة)،
[الحديث الرابع]: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) [سبق تخريجه]، وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث السابق: (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([77]) .
[الـحديث الخامس]: أخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا) ([78]) .
وهذا الحديث يدلنا على فقه انكار المنكر المتعلق بالحكام المسلمين الجائرين، فمن كره مناكرهم ولم يتابعهم عليها فقد برئت ذمته (فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ)، ومن ناصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فقد سلم من غضب الله تعالى على مرتكبي المنكر (وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ)، ومن رضي بمنكرهم وتابعهم على ظلمهم وفسادهم فعليه ما عليهم من السخط والعذاب (وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ)، ثم وضح الحديث الشريف ضابط الخروج عليهم ومقاتلتهم، ألا وهو ترك الصلاة، لأنها صلة العبد المسلم بربه، فمن تركها فقد كفر، وترك الصلاة وإن كان عند جماهير الفقهاء كفر دون كفر، إلا أنّ تركها يدل على مبلغ الفساد والفسوق والظلم الذي لا يصلح معه المرء أن يكون حاكما للمسلمين، ولكن لا يكون الخروج إلا مع استيفاء شروط القدرة ووجود الإمام البديل الذي يجتمع عليه أهل الحل والعقد من المسلمين، وإلا فالصبر مع الجهر بالحق وانكار المنكر أولى من المجازفة بالمسلمين وإيرادهم المهالك.
[الـحديث السادس]: أخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([79]) .والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم، (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)،
[الـحديث السابع]: أخرج البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) ([80]) . وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم، (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر)، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية، (مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً)،
[الـحديث الثامن]: أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) ([81]) .يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم، (وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ).
[الـحديث التاسع]: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ) ([82]) . وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً.
[الـحديث العاشر]: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) ([83]) .وفيه دليل على أنّ طاعة أولى الأمر من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعصية أولى الأمر من معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الطاعة مقيدة بما إذا لم يأمروا بمعصية الله تعالي لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد شهدت السنة بهذا القيد في أحاديث عديدة يأتي إن شاء الله ذكرها.
[الحديث الحادي عشر]: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) ([84]) .
وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة، مبالغة في الأمر بالطاعة، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا،
[الـحديث الثاني عشر]: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([85]) . وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا.
[الـحديث الثالث عشر]: أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) ([86]) . وفيه اولوية التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام.
[الـحديث الرابع عشر]: أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) ([87]) .والحديث يدل على خطورة الأمر وأنّه لا هزل فيه، وأنّ سفك دم الخارج على الحاكم أولى من اختلاف الكلمة واضطراب الأمور والهرج والمرج.
[الـحديث الخامس عشر]: أخرج مسلم عن عرفجه بن شريح رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان) ([88]) . والحديث فيه الأمر بقتال من خرج على الحاكم المسلم، أو أراد تفريق كلمة المسلمين.
[الحديث السادس عشر]: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم) ([89]) .
صوالحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان، فإن منعونا حقنا فنسأل الله تعالى حقنا ولا نخرج عليهم، والله تعالى سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم.
[الحديث السابع عشر]: أخرج مسلم عن أم الحصين الأحمسية قالت سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أُمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا) ([90]) .
والمراد هاهنا كما ذكر النووي في شرح الحديث: (فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى، يعني له اسم الاسلام وحكمه، فله حق السمع والطاعة، يقول النووي: قال العلماء: معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم، ولا يشق عليهم العصا، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا) أهـ ([91]) . وقال السندي رحمه الله: (يقودكم بكتاب الله: فيه إشارة إلى أنه لا طاعة له فيما يخالف حكم الله تعالى والله تعالى أعلم) ([92]) .
فمعنى الحديث إن قادكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا، وإن لم يقدكم بكتاب الله؛ أي: إن أمركم بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة، قلت: وقد فهم البعض خطأً أنّ المقصود من الحديث الخروج على الحكام إن لم يحكموا بكتاب الله، وهذا خطأ لأنّ المقصود هو الالتزام المجمل بالإسلام وبكتاب الله تعالى واعتقادهما، وإلا فكل جائر أو ظالم أو فاسق فإنه لم يحكم بكتاب الله، فهل يجوز الخروج عليه بمجرد جوره ومخالفته لكتاب الله تعالى، والتفصيل في الأمر: أنّ عدم الحكم بما أنزل الله قد يرجع إلى الكفر به، والكافر قد سقطت ولايته بالكلية لقوله تعالى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، ف (منكم) تدل على أنّه لا يكون إلا مسلما، وإلا لم يعد ولياً للأمر ووجب الخروج عليه عند توافر القدرة، وقد يرجع عدم الحكم بكتاب الله تعالى إلى جور أو ظلم أو فسوق، والجائر والظالم والفاسق هم من المسلمين ما اعتقدوا كتاب الله تعالى بقلوبهم وحكموا بغيره، وهنا لهم الطاعة في كل ما ليس بمعصية، فإن خالف كتاب الله، فلا سمع ولا طاعة له فيما خالف فيه كتاب الله تعالى، ولا ننزع اليد من طاعته فيما سوى ذلك، مع النصح والصدع بالحق وإنكار المنكر في اطار الاعتراف بولايته،
[الحديث الثامن عشر]: عن الزبير بن عدي قال: (أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ، فقال: اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ([93]) . وفيه الأمر بالصبر على جور الحكام.
[الحديث التاسع عشر]: أخرج مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: (قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِها، أو يُميتونَ الصلاةَ عن وقتِها؟ قال قلتُ: فما تأمرني؟ قال صَلِّ الصلاةَ لوقتِها، فإن أدركتَها معهم فصلِّ، فإنها لكَ نافلةً) ([94]) . وفيه الحرص على ملازمة الحكام، حتى في الهيئة والصورة العامة (فإن أدركتَها معهم فصلِّ)، وذلك حتى لا تختلف الكلمة عليهم،
[الحديث العشرون]: عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدِّينُ النَّصيحةُ قلنا: لمن؟ قال: للَّهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم) ([95]) . وفيه الامر بإخلاص النصيحة للحكام والحرص على مصالحهم.
(تنبيه) ليس الهدف من ذكر تلك الأحاديث مداهنة الحكام، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم، ودونما تتبع للزلات والأخطاء الشخصية واشاعتها بين الناس، أما ما يتعلق بدين الله تعالى، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين، أمّا ما يتعلق بفعل البعض من اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم، فهذا ما حرصت الشريعة على بيان ضوابطه أتم بيان ونهت عن ذلك إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان، فإن معاداة الحكام لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين.
[المفتاح الخامس]: أحاديث يُفهم منها الإنكار على الحكام وعدم السكوت على أخطائهم، وبيان فقه تلك الأحاديث وفق السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة:
[الحديث الأول]: قوله صلى الله عليه وسلم: (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) ([96]) .
والفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط: (الضابط الأول): أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات، (الضابط الثاني): الهدي القرآني في معاملة الحكام، قال تعالى – آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]، (الضابط الثالث): منطوق الحديث وفيه (كلمة عدل عند) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب، وتقويض دعائم الحكم وهيبته، (الضابط الرابع): أن تكون كلمة حق صادقة، فكم من كلمة حق أريد بها باطل، فكل من له طمع بالملك لا ينبغي له أن يأمر أو ينهى حتى يعلم الحاكم أن ليس له طمع في كرسي الملك وأنّ الآمر الناهي القائل بكلمة الحق لم يخلع يداً من طاعة، وإنما قالها انتصاراً لدين الله تعالى، خالصاً لله وحده، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته، (الضابط الخامس): منطوق الحديث (كلمة عدل) أو في الرواية الثانية (كلمة حق)، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله، ولا أن يتعداها إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات فكل ذلك افتيات على هيبة الحاكم وسلطته، (الضابط السادس): قائل الحق المجرد من أهواء النفس إن سلمت له الضوابط السابقة فإما أن يكون آمنا على نفسه فيجب عليه الإنكار انتصارا لدين الله تعالى، وإما أن يكون غير آمن على نفسه، وآنذاك فإن كان قتله أو أذاه سوف يعود على الدين بالعزة والنصر، فهذا هو الذي يُشرع له ذلك، وإما أنه لن يعود على الدين بنفع ولا ضر، فله أن يجهر بالحق، وإما أن يلحق بالدين او بالمسلمين غيره مفاسد عظيمة، كأن ينتقم الحاكم من طائفة من المسلمين بسببه، وآنذاك لا يكون جهره بالحق جائزا، بل له أن يُسر النصيحة إلى الحاكم دون الجهر بها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ) ([97]) . دون قوله: من أراد أن يَنْصَحَ لسلطان بأمرِ .. فحسن لغيره]، وكما أخرج البخاري ومسلم عن أبي وائل، قال قيل لأسامة رضي الله عنه: (أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ) ([98]) .
[الحديث الثاني]: أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) ([99]) . قال ابن رجب في شرح الحديث: (هذا يدل على جهاد الأمراء باليد وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود وقال هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور الأئمة، ([100]) .
[قلت]: يحتاج هذا الحديث إلى عدة مفاتيح تبين المراد منه، (الأول): الحديث لم يذكر جهاد الأمراء صراحة، فهو يتناول جهاد الفرق الضالة كالخوارج وغيرهم، ويتناول الطوائف المنحرفة كالمنافقين والزنادقة، (الثاني): الحديث يتعارض معارضة صريحة مع حديث مسلم أيضا: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([101]) .وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا، ما كانوا مسلمين، وهذا الحديث صحيح ولم يغمز فيه العلماء بضعف، وهو صريح في الحديث عن أولياء الامر، أما حديثنا فلم يصرح بمجاهدة الحكام ولكن بمجاهدة الطوائف الخارجة على شرع الإسلام، كالخوارج وغيرهم، (الثالث) الحديث يتناول الأمم السابقة كما يدل على ذلك نصه، ولا يمنع دخول أمة الإسلام في الخطاب، بخصوصية معاملة حكام المسلمين لأنّ الأحاديث الصحاح الكثيرة – وقد تقدم جزء منها – على ضرورة الصبر على جور الحكام وعدم الخروج عليهم بالسلاح ما أقاموا الصلاة وما لم نر منهم كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان، (الرابع) هذا الحديث بالرغم من وجوده في صحيح مسلم إلا أنّ الإمام أحمد ابن حنبل تكلم فيه،، فقد جاء في مسائل الإمام أحمد: أنّه سئل عن هذا الحديث فقال: (الحارث بن فضيل – وهو من رواة الحديث – ليس بمحمود الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود , ابن مسعود يقول قال رسول الله: (اصبروا حتى تلقوني)، ([102]) .
(قلت): وقد أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ولم يخرجه في الصحيح، ولعله لتلك العلة ترك تخريجه في الصحيح، قال ابن الصلاح: إن هذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاري وقد أنكره أحمد بن حنبل فيما بلغنا عن أبي داود السجستاني في مسائله عن أحمد قال: الحارث بن فضيل ليس بمحفوظ الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود وذكر أحمد قوله صلى الله عليه وسلم (اصبروا حتى تلقوني) ([103]) .
(الخامس): لابد من التفريق بين نوعين من الإنكار، فأما الإنكار بمعنى الخروج عليهم وخلع بيعتهم ؛ ففي هذه الحالة لا يجوز الإنكار عليهم إلا بشرطين: (أولهما): أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل، و (الثاني): أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق ؛ لما يُفضي على الأمة من الشرور، ولما يولد من المفاسد، ولما ينتج عنه من محو لرسوم الدين، قال النووي: (وأما الخروج عليهم، وقتالهم ؛ فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين؛ فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه) أهـ ([104]) .
وهنا نلحظ إشارة الإمام النووي إلى (الإجماع)، فلا يصح مخالفة الإجماع، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالصبر، وتنهى عن الخروج، وقد تقدم ذكرها، وأما الإنكار الثاني، فهو الإنكار في ظل احترام البيعة له، والتزام السمع والطاعة له في غير معصية، ويتمثل في: الإنكار بصورة اسداء النصيحة له بإخلاص، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته وعدم نزع اليد من طاعته، بعيدا عن التشهير والتأليب، قال الحافظ أبو عَمْرو ابن الصلاح: “وما ورد في هذا الحديث مِن الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان: فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة، على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، وليس في لفظه ذِكر هذه الأمة. والله أعلم” اهـ ([105]) .
[الحديث الثالث]: حديث أبي سعيد الخدري: قال صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ([106]) .
وهذا الحديث عام في بيان مراتب إنكار المنكر، ويدخله التخصيص، فإن التغيير باليد يكون فيمن لك عليهم ولاية كالابن والزوجة، فإن ارتكب منكرا يكون التغيير باليد، لأن لك الولاية عليه، قال تعالى: {قو أنفسكم وأهليكم نارا} أما إن انعكس الحال، كالوالدين، فلا يجوز ابدا تغيير المنكر معهما باليد، ولا حتى اغلاظ القول باللسان، والله تعالى يقول: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [ الاسراء: 23]، بل لو رآهما على الكفر وليس بعد الكفر ذنب ولا منكر فليس له ان يغيره بيده، قال تعالى: { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15]، هذا في حق الوالد فما بالنا في حق السلطان حيث أمن العباد والبلاد منوط بيده، فلا يجوز أبدا تغيير مناكره باليد، وفقهاء أهل السنّة والجماعة لهم تفصيل كبير في باب الإنكار على الأمراء، فلا يكون أبدا بالتحزب وحمل السلاح، وأنّه لا يجوز أن يتعدى الإنكار بالقول اللين حتى لا يؤول إلى منكر أكبر، فليس الواعظ بخير من موسى عليه السلام وليس الموعوظ بأشر من فرعون، وقد قال تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44].
ومن أهم تلك الضوابط التي دلت عليها السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة، ، أن يكون التغيير مشوبا بالنصح والرفق، بعيدا عن التشهير والتأليب، كما أنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً، لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجرئتهم على الخروج عليه وتخريب البلاد، وضياع الأمن ومصالح المسلمين، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين، وحديث (من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فهذا حديث الخطاب فيه لجميع الأمة، وعموم الحديث يقضي بمشروعية الإنكار باليد لمن قدر عليه، ولكن هذا مشروط بشروط منها: ألا يفضي إنكاره هذا إلي منكر اشد منه، وأن لا يكون الإنكار باليد مما اختص السلطان به شرعاً كإقامة حد، أو شهر سيف، ونحو ذلك، وهذا كله فيما إذا كان صاحب المنكر غير السلطان، فإن كان السلطان، قال ابن النحاس في تنبيه الغافلين (فليس لأحد منعه بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجريهم على الخروج عليه وتخريب البلاد، وغير ذلك مما لا يخفي)، ([107]) . وقد قال الإمام أحمد – رحمه الله -: (لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول …قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: (ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك. ذكره القاضي، وغيره، والمراد: ولم يخف منه بالتخويف والتحذير وإلا سقط وكان حكم ذلك كغيره، والمراد: ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط المنكر مع السلاطين: التعريف والوعظ فأما تخشين القول نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء، قال: والذي أراه المنع من ذلك) ([108]) .
وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمه سراً ونصحه خفية من غير ثالث لهما) اهـ، ([109]) .
[الحديث الرابع]: حديث أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تقرؤون هَذِهِ الْآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ) ([110]) .
(قلت): الحديث عام في كل ظالم (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ)، ولكنه مخصوص في الحاكم الظالم، فيستثنى من عموم الحديث، وسبب ذلك هو عموم الأحاديث التي تأمر بالصبر على الحاكم الظالم وتنهى من الخروج عليه، ومن ذلك حديث: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) ([111]) .
وحديث: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) [سبق تخريجه]، وحديث: وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) [سبق تخريجه] فهذه الاحاديث تخصص عام احاديث انكار المنكر إذا كان يخص الامراء، فإنّ انكار منكر الأمراء له أحكام تختلف عن عامة الرعية، وله ضوابط عديدة لا ينبغي تجاوزها وإلا آل الامر إلى الفتنة ووقوع مناكر أشد من المنكر المراد تغييره.
[الحديث الخامس]: قوله صلى الله عليه وسلم: (لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم) ([112]) .
(قلت): الحديث عام في إنكار المنكر على كل ظالم، وهذا على وجه العموم، ولكن إن تعلق الأمر بولاة الأمور، فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالكَف، والصبر، وتنهى عن الخروج، وأنّه لا يجوز إلا بشرطين: (أولهما): أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل، و (الثاني): أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق ؛ لما يُفضي على الأمة من الشرور، قال النووي: (وأما الخروج عليهم، وقتالهم ؛ فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين؛ فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه) أهـ ([113]) .
فهذه هي السياسة الشرعية التي تعلمنا تقديم مصلحة الأمة على مصلحة الأفراد، وكل تلك الأحاديث النبوية التي تأمر بالصبر على جور الحكام وظلمهم، قالها النبي صلى الله عليه وسلم لترسيخ مفهوم السياسة الشرعية التي تقدم مصلحة المجتمع عند التعارض على مصلحة الأفراد، والتي تقدم مصلحة الأمة على مصلحة بعض طوائفها عند التعارض بين تلك المصالح، والمتدبر للسياسة الشرعية النبوية يعلم يقينا مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ابعاد الأمة عن كل ما يجلب الفتنة وسفك دماء المسلمين واستحلال محارمهم، إذن ليس الهدف من ذكر هذه الضوابط في معاملة أولياء الأمور تبرير أخطاء الحكام، أو تمحل المعاذير لهم فيما يأتونه مما يُخالف الدين، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والرعية وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم، إذ لا بد للناس من حاكم، وستون سنة في حكم حاكم ظلوم غشوم أهون من ساعة بلا ولي أمر فيؤول الأمر إلى الهرج والمرج وسفك الدماء واستحلال المحارم، أما ما يتعلق بدين الله تعالى، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين، أمّا اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم، فهذا ما نهت عنه الشريعة إلا بضوابطه السديدة: إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان، فإن معاداة الحكام المسلمين لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين،
(تنبيه) من الفقه في علم السياسة الشرعية معرفة القواعد الشرعية السديدة التي تضبط حقوق الحكام كما حفظها لهم الإسلام، والتي منها معرفة: مكانة ولي الأمر في الشرع إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن، وأن نصب الإمام فرض واجب على المسلمين، ووجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة والترهيب من نقضها، وأن المسلم إذا غلب فتولي الحكم واستتب له الأمر فهو إمام تجب بيعته وطاعته، وتحرم منازعته ومعصيته، وأنه يصح عند الاضطرار سدا لذريعة سفك دماء المسلمين تعدد الأئمة عند الضرورة، ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم، وأن الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون، الذين لهم سلطان وقدرة، وأنه يجب السمع والطاعة للحاكم المسلم في غير معصية، مع مراعاة الشرع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم، وبيان أن من أهم حقوق الحاكم المسلم: بذل الطاعة له في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية، وبذل النصيحة له سراً وعلانية، والقيام بنصرته وإعانته، ومعرفة حقه وما يجب من تعظيم قدره وإكرامه واحترامه، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، والدفاع عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، والجهاد في سبيل الله تحت رايته، والصبر على جور الحكام، والنهي عن سبهم، والدعاء لهم بصلاح الأحوال.
[المفتاح السادس]: حدود طاعة الحاكم المسلم، إنّ حدود طاعة الحاكم المسلم متعلقة بالاستطاعة وبالطاعة في غير معصية، والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر وحتى في حالة الأثرة والظلم تجب طاعة الحاكم فيما ليس من معصية الله، واسداء النصيحة له بإخلاص، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في إطار احترامه وحفظ هيبته:
(أ) الاستطاعة: لقوله تعالي: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، ولما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع) ([114]) .
(ب) الطاعة في غير معصية: لما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة، ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث الذي أخرجه مسلم: (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة)
(ت) الصبر على المكروه: للحديث المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتة جاهلية) ([115]) .
(ث) الطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وحتى في حالة الأثرة عليه وظلمه وأخذ ماله وجلد ظهره، للحديث المتفق عليه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ).
وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال (السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا) – إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية -، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ)، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه، فهذا معنى البواح، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط، (إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ)، ولحديث مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) .
وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا، ما كانوا مسلمين.
(ج) اسداء النصيحة له بإخلاص، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته وعدم نزع اليد من طاعته، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق، بعيدا عن التشهير والتأليب، وقد جعلت الشريعة بحكمة سياستها الشرعية، أنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً، لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجرئتهم على الخروج عليه وتخريب البلاد، وضياع الأمن ومصالح المسلمين، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين.
[المفتاح السابع]: حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم: إنّ من الفقه في الدين أن يعلم المسلم حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم، فإذا كان إنكار منكر من جعلك الله تعالى ولياً لأمرهم كالأبناء ومن تعول يختلف عن إنكار منكر من لا تعول ومن ليس لك عليهم ولاية، وهذا كذلك يختلف عن إنكار منكر أحد الوالدين مثلاً، فإن لكل مقام مقال، وقد جعلت الشريعة الحكيمة لكل عمل حكمه الخاص به، والسياسة الشرعية الحكيمة جعلت اسداء النصيحة للحاكم بإخلاص، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته وعدم نزع اليد من طاعته، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق، بعيدا عن التشهير والتأليب، وأنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً، قال ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية: (ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة، ويحرم بغير ذلك، فأما تخشين القول نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء، قال القاضي: والذي أراه المنع من ذلك) أهـ ([116]) .
وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لهما) اهـ ([117]) .
، إنّ الفقه السديد في إنكار المنكر على ولاة الأمور يستلزم أمورا: الأمر الأول: (الابتعاد عن الإنكار باليد): لأن ذلك مخالف للسياسة الشرعية التي أمر بها الله ورسوله، في قوله تعالى {فقولا له قولا لينا}، وقوله صلى الله عليه وسلم: (تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)، ونظراً لما يترتب على ذلك من الضرر الكثير للمسلمين حكاما ومحكومين، الأمر الثاني: (إنكار العلماء يكون باللسان) ويكون باللين وبالحكمة والموعظة الحسنة، وأن تكون النصيحة في إطار إظهار البيعة وعدم نزع اليد من الطاعة، وإظهار الحرص على مصلحة الحاكم والرعية، الأمر الثالث: (ترك النصيحة في الملأ): وهو أصل عظيم، وقاعدة جليلة في الإنكار على أصحاب النفوذ، وإذا كانت النصيحة أو الإنكار في الملأ من الأمور المكروهة عند عامة الناس، فهي أشد كراهة في حق أصحاب النفوذ، وهى أكثر شدة عليهم ممن عداهم، فلا ينبغي النصح في الملأ، ولا أن تطول النصيحة، ولابد وأن تكون بألين عبارة، وأوجز خطاب وأحسن أسلوب، الأمر الرابع: ترك التخشين في الموعظة: فإن الواعظ لن يكون خيرا من موسى وهارون، والموعوظ لن يكون شرا من فرعون، ومع ذلك لما بعثهما إلى فرعون قال لهما: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر و يخشى}، الأمر الخامس: اختصار الموعظة: لأنه يستحسن مع الرؤساء الإيجاز والاختصار ؛ لأن الإكثار يضجرهم، وذلك بسبب كثرة انشغالهم بأمور الرعية، وما يتهددهم من مخاطر.
[المفتاح الثامن]: جمهور علماء أهل السنّة والجماعة لا يرون الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر: نسب النووي إلى أهل السنّة والجماعة الإجماع على تحريم الخروج على الحكام، وإن كانوا فسقة ظالمين، قال النووي في شرح حديث (إلا أن تروا كفراً بواحاً): (ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن واراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه، إلى أن قال: قال القاضي وقيل إن هذا الخلاف كان أولا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم والله أعلم) أهـ ([118]) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: – في شرح حديث حذيفة في لزوم الجماعة – (وقال بن بطال فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم دعاة على أبواب جهنم ولم يقل فيهم تعرف وتنكر كما قال في الأولين وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة) أهـ ([119]) .
وقال في ترجمة الحسن بن صالح: (وقولهم (كان يرى السيف) يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن أستقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه؛ ففي وقعة الحرة ووقعة بن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر”. ([120]) .
(قلت): مستند الفقه في ذلك كتاب الله تعالى، والكثير من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد سبق ذكر مستند أدلتهم من كتاب الله تعالى، ومنها: قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، قال ابن عطية في تفسير هذه الآية: (لما تقدم إلي الولاة في الآية المتقدمة – يشير إلي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أهلها وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} تقدم في هذه إلي الرعية فأمر بطاعته – عز وجل -، وهي امتثال أوامره ونواهيه وطاعة رسوله وطاعة الأمراء على قول الجمهور، أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم …) أهـ ([121]) .
وقال النووي – رحمه الله تعالي -: (المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء والعلماء) أهـ ([122]) .
واختلف أهل العلم – رحمهم الله تعالي – في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية فذهب جماهير أهل العلم – كما تقدم – إلي أنها في الأمراء وذهب بعض أهل العلم إلي أنها في أهل العلم والفقه وقال آخرون: هي عامة تشمل الصنفين، قال ابن جرير الطبري – رحمه الله تعالي – في تفسيره: (وأولي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة، وللمسلمين مصلحة .. إلي أن قال: فإذا كان معلوماً أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} بطاعة ذي أمرنا كان معلوماً أن الذين أمر بطاعتهم – تعالي ذكره – من ذوي أمرنا هم الأئمة من ولاة المسلمين دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضاً القبول من كل من أمر بترك معصية ودعا إلي طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيها أمر ونهي فيما لم تقم حجة وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعية فإن على من أمروا بذلك طاعتهم وكذلك في كل ما لم يكن لله فيه معصية. وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماًً بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره) أهـ ([123]) . وهذا الذي رجحه ابن جرير هو اختيار البيهقي – رحمه لله – وقد احتج له بحجة أخري، فقال: (الحديث الذي ورد في نزول هذه الآية دليل على أنها في الأمراء) أهـ ([124]) .
وقد نقل الحافظ ابن حجر عن الشافعي قوله: (كان من حول مكة من العرب لم يكن يعرف الإمارة وكانت تأنف أن تعطي بعضها بعضاً طاعة الإمارة، فلما دانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالطاعة لم تكن تري ذلك يصلح لغير النبي صلى الله عليه وسلم، فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر)([125]) .
وقد أخرج البخاري عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) [سبق تخريجه]، وأخرج مسلم من حديث عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) [سبق تخريجه]، وأخرج مسلم من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) [سبق تخريجه]، وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ). ([126]) .
[المفتاح التاسع] الرد على شبهات من رأى جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر: يستدل البعض على جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر ذلك بعدة شبهات:
[الشبهة الأولى]: استدلالهم بقول ابن حزم في الفصل: (إنّ سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك .. وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير، وكل من كان معهم من الصحابة، وقول معاوية وعمرو والنعمان بن بشير، وغيرهم ممن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهو قول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم، كأنس بن مالك، وكل من كان ممن ذكرنا من أفاضل التابعين .. ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين، ومن بعدهم كعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن عجلان، ومن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن، وهاشم بن بشر، ومطر الوراق، ومن خرج مع إبراهيم بن عبد الله، فإن كل من ذكرنا من قديم أو حديث إما ناطق بذلك في فتواه، وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا) ([127]) .
انتهى كلام ابن حزم في مسألة الخروج على الحاكم، وهو من شذوذات ابن الحزم الفقهية التي حذر منها الفقهاء الأئمة، ومعلوم عند أكثر الفقهاء أن مخالفات ابن حزم لا تخرق الإجماع في الفقه لأنّه ظاهري لا يدرك القياس ولا الفقه، هذا في الفقه فكيف في أمور السياسة الشرعية التي ينشأ عن أدنى خطأ فيها سفك الدماء واستحلال الحرمات مع الويلات والفوضى مما يغيظ القريب ويرضي العدو، وأيضا كلامه كله مجمل مبهم يحتاج إلى تفصيل وإيضاح، فإن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، كان هو الأمير، فكيف يستدل بفعله على جواز الخروج على الأمير، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير رضي الله عنهما لم يخرجا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بقصد ابطال امامته، وإنما كانوا يطالبون بدم عثمان رضي الله عنه، ولم يبدؤا قتالا، وكذلك كان حال معاوية وعمرو بن العاص والنعمان بن بشير، فلا يصح الاستدلال بعمل هؤلاء الصحابة على جواز الخروج على الحاكم المسلم، وهل كان أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه جائرا، وحاشاه، حتى يسوغ الخروج عليه، بل يمكن الاستدلال بالعكس وهو أنّه يجوز للإمام الخروج بالجيش لتأديب الفئة الباغية المتحزبة على خلاف ما يأمر به، وهذا ما فعله أمير المؤمنين على رضي الله عنه.
والحاصل أنّ استدلال ابن حزم بفعل بعض الصحابة وتابعيهم على وجوب الخروج على الحكام بمجرد الجور والظلم كل هذا من غرائب ابن حزم ومن سار على قوله، ومخالفاته لا تخرق إجماع الفقهاء لأنّه – مع علمه الواسع – ظاهري لا يدرك القياس ولا الفقه، هذا في الفقه فكيف في أمور السياسة الشرعية التي ينشأ عن أدنى خطأ فيها سفك الدماء واستحلال الحرمات مع الويلات والفوضى مما يغيظ القريب ويرضي العدو، ثم استدلاله بخروج الحسين رضي الله عنه على يزيد، وهل في الدنيا آنذاك وبعده مثل الحسين سيد شباب أهل الجنّة حتى يخرج على الحاكم الجائر، ثم نظرنا إلى نتيجة خروجه وما أعقبها من مآسي على آل البيت رضي الله عنهم والمسلمين جميعا، وسيأتي الرد على تلك الشبهة ردا مستقلا عند الحديث على الشبهة السادسة، ثم هل خروج العباسيون على الأمويين كان خيرا مع ما كان فيه من سفك لدماء الكثير من المسلمين، ونحن نعلم أنهم انقلبوا بعد ذلك على آل البيت بأشد مما فعل الأمويون، إنّ التاريخ لهو خير عبرة على نتائج الخروج المسلح على حكام المسلمين على مر عصور التاريخ، وقد مر بنا نهي الرسول صلى الله عليه وسلم الشديد من الخروج على ولاة أمر المسلمين ما أقاموا فيهم الصلاة وكانوا مسلمين لم يأتوا بكفر بواح لا يختلف عليه أحد من علماء أهل السنّة والجماعة كاستحلال ما حرّم الله، أو جحد ما فرض الله من فرائض، هذا ما تعلق بدليله الأول.
[الشبهة الثانية]: استدلالهم بقول الله تعالى: {فَقَاتِلوُا التّيِ تَبْغِي حَتىّ تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ}، يقولون: قد أمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية، وقد علق الحكم على وصف البغي، وهو دليل بيـّن على أن السلطة إن تحقق فيها هذا الوصف يجــب أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله، وقالوا بأن عموم الآية يتناول سلطة البغي، المنحاز إليها طائفة البغي، الظالمة لبقية المسلمين، فهي طائفة بلا ريب، وهي باغية بلا شك، فوجب الانقياد للأمر الإلهي بقتالها، عملا بظاهر القـــــرآن، وهذا تعسف في الاستدلال لأنّ الأمر موجه في الآية إلى أولي الامر بالأولوية، وهم المكلفون بقتال الفئة الباغية، كما أنهم المكلفون بإقامة الحدود والحكم بين المسلمين، ثم كيف يستقيم لعامة المسلمين مقاتلة أولى الأمر بغير إمام يقودهم، وكيف يأتي هذا الإمام، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) [سبق تخريجه]، ومعلوم أنّ البيعة لا تكون إلا لولي أمر المسلمين، يبايعه أهل الحل والعقد، فإذا بايعوه ثبتت ولايته، وبعدها يجب على عامة الناس أن يلتزموا طاعته في غير معصية الله تعالى، فكيف يتسنى تنزيل الآية على قتال حكام المسلمين ما كانوا على الإسلام،
[الشبهة الثالثة]: استدلالهم بقول الله تعالى: {قالَ إنيّ جاعِلُك للنّاسِ إِمَاما قاَل لاَ يَنالُ عَهْدِي الظّالميِن}، وهذا استدلال بعيد، إذ المقصود من عهد الله تعالى في قوله تعالى: {لاَ يَنالُ عَهْدِي} قد يكون (النبوة) كما جاء عن ابن عباس، وقد يكون المراد به في الآخرة وليس في الدنيا كما جاء عن قتادة، وقد يكون المقصود بها الإمامة التي يصح الاقتداء بها، وقد يكون المقصود بالظالمين في قوله تعالى: {لاَ يَنالُ عَهْدِي الظّالميِن} أي الكافرون والمشركون، كما جاء عن سعيد بن جبير قال: (لا ينال عهدي الظالمين: المراد به المشرك، لا يكون إمام ظالم، يقول: لا يكون إمام مشرك، وعلى ذلك فالاستدلال بالآية على جواز الخروج على الحاكم المسلم الجائر لا يستقيم، لاسيما مع النصوص النبوية الدالة على تحريم الخروج على الحاكم المسلم ولو كان ظالمًا جائرا فاسقا ما دام في دائرة الإسلام، ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّهَا سَتَكُونُ بَـعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُـنْــكِرُونَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الْـحَقَّ الَّذِي عَـلَيْـكُمْ وَتَسْأَلُونَ الله الَّذِي لَــــكُمْ) ) ([128]) .و ما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) وما أخرجه مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: (يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ) وما أخرجه مسلم عَنْ حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) وما أخرجه مسلم عَنْ عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ) [سبق تخريجه]، وما أخرجه البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً)
[الشبهة الرابعة]: استدلالهم بالنصوص النبوية التي أمرت بالأخذ على يد الظالمين، فمن ذلك: حديث: (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ)، وحديث: (إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم)، وحديث: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)، وحديث: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، وحديث: (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ)، وحديث: (لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم)، وقد تقدم بيان فقه هذه الأحاديث، وأنّها تُفهم في إطار إنكار المنكر العام، ولكن إذا تعلق الأمر بالحكام وولاة الأمور، فلابد من فهم الحديث في إطار أحكام إنكار المنكر على الولاة والتي قررها الفقهاء، من خلال فهم قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، وقوله تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44]، ومن خلال الأحاديث الصحيحة المحكمة، والتي تدعو إلى الصبر على جور الحكام، مراعاة للمصالح العامة للمسلمين، كحديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَان) [سبق تخريجه]، وحديث حذيفة رضي الله عنه: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) وحديث عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه: (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) وحديث وائل بن حجر رضي الله عنه: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) وفي ظل الطاعة في المعروف والاحترام الذي فرضه الله تعالى على المسلم لمن ولاه الله تعالى أمر المسلمين، ولا ينبغي أن يتعدى إلى تهديد أو حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة،، أو إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله، وكل ذلك افتيات على هيبة ولي الأمر وسلطته، ثم لا ينبغي أن ننسى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية، مما يؤول إلى الفوضى والهرج والمرج، وقد نقل النووي إجماع أهل السنّة والجماعة على تحريم الخروج على الحكام، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تقدم.
[الشبهة الخامسة]: استدلالهم بأقوال بعض الفقهاء في وجوب خلع الحاكم إن طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة، ومن ذلك قول القاضي عياض: (فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخلعُه ونصبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه) أهـ ([129]) .
(قلت) القاضي عياض لم يتحدث عن الحاكم الظالم أو الجائر، وإنما تحدث عن قضية أخرى، ألا وهي الحاكم الكافر والحاكم المبتدع، فأما قضية الكفر فعند الكفر البواح تسقط الطاعة ويجب الخروج والخلع فإن تحقق العجز وجبت الهجرة والفرار بالدين، وعند البدعة، وقضية المبتدع كأن يحكمنا شيعي أو خارجي أو مجسم، فهذه لا يجوز الخروج فيها إلا بشرط تحقق القدرة، أما قضية الحاكم الظالم أو الجائر فقد تواترت النصوص على وجوب الصبر وعدم الخروج، فهذا ما يتعلق بقول القاضي عياض، أما النقل الثاني: فاستدلالهم بقول إمام الحرمين الجويني – عن الحاكم الجائر: (فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفاً ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور، وتعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم فإنْ أمكنَ كفُّ يدِه , وتوليةِ غيرِه بالصفاتِ المعتبَرَةِ , فالبِدارَ البِدارَ , وإن لَم يُمكن ذلك لاستظهارِه بالشوكةِ إلا بإراقةِ الدماءِ , ومصادمةِ الأهوالِ , فالوجهُ أن يقاسَ ما الناسُ مندفعون إليه , مُبْتَلُونَ به بما يعرضُ وقوعُه , فإنْ كانَ الواقعُ الناجزُ أكثرَ مما يُتَوقَّعُ , فيجبُ احتمالُ المتوقَّعِ , وإلا فلا يَسُوغُ التشاغلُ بالدّفع , بل يتعيَّنُ الصبرُ والابتهالُ إلى الله تعالى .. وإن علمنا أنه لا يتأتَّى نصب إمام دون اقتحامِ داهية وإراقةِ دماء، ومصادمةِ أحوال جمَّة الأهوال، وأهلاكِ أنفسٍ ونزفِ أموال، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلَون به بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدَّر وقوعه في روم الدفع، فيجب احتمال المتوَّقع له لدفع البلاء الناجز وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه، فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع، ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وكثرت عاديته، وفشا احتكامه واهتضامه، وبدت فضحاته، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة، وتبدُّد دعائم الإسلام، ولم نجد مَنْ ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة، فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا، فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل مطاعٌ ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسباً؛ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فَلْيمضِ في ذلك قُدُماً. والله نصيره على الشرط المقدَّم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح، وموازنة ما يدفع، ويرتفع بما يتوقع) أهـ ([130]) .
أقول: الإمام الجويني فصل في الأمر، وفرق بين الحاكم الجائر الذي يجب الصبر على جوره، وبين الحاكم الذي ازداد جوره وفساده بحيث عرّض الدين والبلاد والعباد لخطر لا يمكن السكوت عليه، فهاهنا يجب الموازنة بين عزله والخروج عليه، وبين بقائه وتحمل مصائبه، من حيث المصالح والمفاسد، ولأنّ الأمر جد خطير، والتعرض للحاكم شر مستطير، استدرك الجويني بقوله: (فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا؛ فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن)، ومنه نعلم خطورة ترك آحاد الناس يثورون على الحاكم ” فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن “، وأما قول الإمام الجويني بعد ذلك: (ولكن إن اتفق رجل مطاعٌ ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسباً؛ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فَلْيمضِ في ذلك قُدُماً. والله نصيره على الشرط المقدَّم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح، وموازنة ما يدفع، ويرتفع بما يتوقع) فإن هذا الكلام مع ضوابطه مخطور محظور، وهو الكلام الذي رد عليه النووي سدا للذرائع وغلقا لباب الفتنة بقوله عند شرح حديث (إلا أن تروا كفراً بواحاً): قال: (ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن واراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه، إلى أن قال: قال القاضي وقيل إن هذا الخلاف كان أولا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم والله أعلم) أه ([131]) . وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: في ترجمة الحسن بن صالح:(وقولهم (كان يرى السيف) يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن أستقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه؛ ففي وقعة الحرة ووقعة بن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر([132]) [الشبهة السادسة]: استدلالهم بخروج سيدنا الحسينَ بنَ عليٍّ رضي الله عنهما، وخروج سيدنا عبد الله ابن الزبير رضي الله عنهما ومَن تابعهما من خيار المسلمين على يزيد، وعلى بني أمية زمان الحجاج , والرد على هذه الشبهة يكون من عدة أوجه: (الوجه الأول): أن الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم تمنع من الخروج على الحكام بسبب الجور أو الظلم أو الفسوق أو العصيان، ولم تستثنِ إلا الكفر البواح الذي لا خلاف عليه، وقد تقدم ذكر عشرين حديثاً صحيحا في هذا الباب تدعو إلى الصبر على جور الحكام، والسمع والطاعة لهم فيما ليس من معصية الله، وعدم مفارقة جماعتهم، وعدم الخروج عليهم إلا في حالة الكفر البواح الذي لا يختلف عليه عالمان.
و(الوجه الثاني): أن سيد شباب أهل الجنة الحسين رضي الله عنه، وعبد الله ابن الزبير رضي الله عنهما، قد خالفهم جمع من الصحابةُ في ذلك , فقد أخرج البخاري عن نافع , قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة) وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله , وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجلٌ على بيع الله ورسوله ثم ينصب لـه القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه) ([133]) .
وذكر ابن كثير آثاراً عديدة تدل على نصيحة الصحابة للحسين رضي الله عنه بعدم الخروج، منها، قول عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما: (استشارني الحسين بن علي – رضي الله عنهما – في الخروج فقلت: لولا أن يزري بي الناس وبك، لنشبت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب) أهـ ([134]) .
وقول ابن عمر رضي الله عنهما له ولابن الزبير رضي الله عنهما: (اتقيا الله، ولا تفرقا بين جماعة المسلمين) ([135]) . وقال لـه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (اتق الله والزم بيتك ولا تخرج على إمامك) أهـ ([136]) وقال أبو واقد الليثي رضي الله عنه: (بلغني خروج الحسين بن علي رضي الله عنهما فأدركته بملل فناشدته بالله ألاّ يخرج فإنه يخرج في غير وجه خروج إنما خرج يقتل نفسه , فقال: لا أرجع) ([137])
و(الوجه الثالث): أن الإجماع استقرّ بعد ذلك على منع الخروج على الحاكم ؛ إلا في حالة الكفر الصريح فقط، قال النووي – بعد الكلام عن خروج الحسين وابن الزبير رضي الله عنهما وخروج بعض التابعين -: (قال القاضي: وقيل إن هذا الخلاف كان أولاً ؛ ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم) أهـ ([138]) .ثم أمر مهم وهو عدم القياس على عمل سيد شباب اهل الجنة، الحسين رضي الله عنه، فمن مثل الحسين رضي الله عنه حتى نقيس عليه وهو خير المسلمين في زمانه.
[الشبهة السابعة]: استدلالات عقلية تتمثل في (قولهم): العجب ممن يحرمون خلع السلطة الجائرة، فيكونون سببا لبقاء الظلم الذي كتب الله تعالى تعجيل عقوبته، وتستفيد السلطة الظالمة المستبدة من توقيعاتهم على جورها، ليبقى ويزداد كما وكيفا، ويتخـذ أشكالا وألوانا، والرد على هذا الاستدلال العقلي من جانبين: (الأول): شرعي يتمثل في أمر الشريعة الحكيمة بالصبر على جور الحكام المسلمين والنهي عن الخروج عليهم بالسلاح وغيره لغاية عظيمة هي حقن الدماء ومنع الفوضى واعانة الحكام على تولي مهامهم الجسام، وحتى لا يكون الخروج عليهم عون للشيطان عليهم فيسفكون الدماء، ويؤدي انكار المنكر عليهم إلى وقوع مناكر عظيمة ما أغنانا عنها لو التزمنا الشريعة الحكيمة، والحاصل أن من اعظم احتياطات السياسة الشرعية النبوية الحكيمة أنها وضعت الشروط السديدة للخروج، وهي كما ذكرها علماء أهل السنة والجماعة: الشرط الأول: أن يكون الحاكم قد كفر كفراً بواحاً، ولا يحتمل التأويل وكفرا واضحا جليا مثل الشمس وهذا يبينه أهل العلم، والشرط الثاني: أن يكون عند الخارجين عليه القدرة على إزالته، الشرط الثالث: أن لا يتضرر المسلمون من هذا الخروج، الضرر البالغ لأنه إن تضرروا ستكون المفسدة أكبر من المصلحة، والترجيح بين المفاسد والمصالح من مهمات العلماء الربانيين الحريصين كل الحرص على ما يحقق لأمة النبي صلى الله عليه وسلم الأمن والأمان والصلاح والفلاح، والجانب الثاني في الرد على هؤلاء عقلي واقعي: يتمثل في النظر على مر تاريخ الإسلام لم يؤد الخروج إلا إلى سفك الدماء واستحلال الحرمات والهرج والمرج والفشل الذريع في غالب الأحيان، ومن استقرأ التاريخ بإنصاف علم ذلك يقيناً، ثم إنّ من شروط الخروج القدرة، وهل تتيسر القدرة اليوم في ظل اقتصار احتكار الأسلحة الثقيلة والفتاكة في أيدي الحكام وأنظمتهم، وآنذاك فإنّ القول بجواز الخروج عليهم ما هو إلا تغرير بأهل الإسلام وأمة النبي صلى الله عليه وسلم، والله من وراء القصد وهو سبحانه يهدي إلى أرشد السبيل.
[المفتاح العاشر] من القواعد الشرعية التي تضبط حقوق الحكام كما حفظها لهم الإسلام:
(القاعدة الأولي): نصب الإمام فرض واجب على المسلمين: وقد حكى الإجماع على ذلك أبو الحسن الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية، قال: (وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب – بالإجماع -،)، ومن الأدلة على وجوب نصبه: أن الشرع علق أحكاماً كثيرة بالإمام منها قوله- تعالي – {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية).
(القاعدة الثانية): وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم، والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة والترهيب من نقضها: أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية)،.
(القاعدة الثالثة): من غلب فتولي الحكم واستتب له الأمر فهو إمام تجب بيعته وطاعته، وتحرم منازعته ومعصيته: وهذه قاعدة رصينة تمنع من الهرج واستحلال الدماء، قال الإمام أحمد في العقيدة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: (ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً) اهـ ([139]) .
وروى البيهقي في مناقب الشافعي عن حرملة قال: (سمعت الشافعي يقول: كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمي خليفة، ويجمع الناس عليه، فهو خليفة انتهى، ([140]) .
وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظ ابن حجر، فقال: (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء) انتهى، ([141]) .
(القاعدة الرابعة): إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة وتم له التمكين واستتب له الأمر، فهو ولي أمر وجبت طاعته، وحرمت معصيته: قال الغزالي: (لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة – بأن يغلب عليها جاهل بالأحكام، أو فاسق – وكان في صرفه عنها إثارة فتنة لا تطاق، حكمنا بانعقاد إمامته، لأنا بين أن نحرك فتنة بالاستبدال، فما يلقي المسلمون فيه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة، فلا يهدم أصل المصلحة شغفاً بمزاياها، كالذي يبني قصر ويهدم مصراً، وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام، وبفساد الأقضية وذلك محال، ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة؟ ! اهـ ([142]) .
وجاء في الاعتصام للشاطبي ]: (أما إذا انعقدت الإمامة بالبيعة، أو تولية العهد لمنفك عن رتبة الاجتهاد وقامت له الشوكة، وأذعنت له الرقاب، بأن خلا الزمان عن قرشي مجتهد مستجمع جميع الشروط وجب الاستمرار على إمامته، وإن قدر حضور قرشي مجتهد مستجمع للورع والكفاية وجميع شرائط الإمامة واحتاج المسلمون في خلع الأول إلي تعرض لإثارة فتن، واضطراب الأمور، لم يجز لهم خلعه والاستبدال به، بل تجب عليهم الطاعة له، والحكم بنفوذ ولايته وصحة إمامته) أهـ، ([143]) .
(القاعدة الخامسة): يصح في الاضطرار تعدد الأئمة، ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم: وهذه من القواعد الرصينة التي تمنع من الهرج والمرج واستحلال الدماء، قال الصنعاني في شرح حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – مرفوعاً: (من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات، فميتته ميتة جاهلية) [أخرجه مسلم]، قوله: عن الطاعة، أي: طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه، وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذ لم يجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم، إذ لو حمل الحديث على خليفة أجتمع عليه أهل الإسلام، لقلت فائدته، وقوله: (وفارق الجماعة)، أي: خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم وحاطهم عن عدوهم) أهـ ([144]) .
وقال الشوكاني في شرح قول صاحب الأزهار: ولا يصح إمامان، قال: (وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه، فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار – الولاية إلي إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبت فيه ولايته، وبايعه أهله، كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته، لتباعد الأقطار، فأنه قد لا يبلغ إلي ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذا تكيف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له إطلاع على أحوال العباد والبلاد …. فاعرف هذا، فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا، فهو مباهت ولا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها) أهـ ([145]) .
وقال المازري في [المعلم بفوائد مسلم:(العقد لإمامين في عصر واحد لا يجوز وقد أشار بعض المتأخرين من أهل الأصول إلي أن ديار المسلمين إذا اتسعت وتباعدت، وكان بعض الأطراف لا يصل إليه خبر الإمام ولا تدبيره حتى يضطروا إلي إقامة إمام بدبرهم، فإن ذلك يسوغ لهم) ([146]) .
، وبهذه النقول الواضحة يتجلى ما عليه بعض المحققين من أهل العلم من جواز تعدد الأئمة للضرورة والحاجة، وعليه يثبت شرعاً لهؤلاء الأئمة المتعددين ما يثبت للإمام الأعظم يوم أن كان موجوداً فيقيمون الحدود ونحوها ويسمع ويطاع لهم، ويحرم الخروج عليهم،
(القاعدة السادسة): الأئمة الذين أمر النبي بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون، الذين لهم سلطان وقدرة: إن مقاصد الإمامة التي جاء الشرع بها من إقامة العدل بين الناس وإظهار شعائر الله وإقامة الحدود ونحو ذلك لا يمكن أن يقوم بها إلا الأئمة الموجودون الذين لهم قدرة على إنفاذ مقاصد الإمامة، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أمرت بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين، الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس، ولم تأمر بطاعة معدوم ولا مجهول ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلاً، ولذلك فإنّ الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون الذين لهم سلطان وقدرة.
(القاعدة السابعة): وجوب السمع والطاعة للحاكم في غير معصية: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة لأحاديث عديدة للنبي صلى الله عليه وسلم، منها: ما أخرجه الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) [سبق تخريجه]، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) وقوله صلى الله عليه وسلم: (أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ)
(القاعدة الثامنة): النهي عن سب الأمراء والوقيعة في اعراضهم وذكر معايبهم: من قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة النهي عن سب الحكام حتى ولو كانوا جائرين، وعن الوقيعة في أعراضهم، الاشتغال بذكر معايبهم، وهذا الأمر هو السبب الأول لتوغير الصدور، وإذكاء نار الفتن، وفتح أبواب الشرور على الأمة وتهيئة الأجواء للهرج والمرج، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت) ([147]) . أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسي الأشعري رضي الله عنه: (قالوا يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده) ([148]) . وأخرج الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين) ([149]) . وقد ورد النهي عن سب الأمراء على الخصوص، فقد أخرج الترمذي عن زياد بن كسيب العدوى قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر – وهو يخطب وعليه ثياب رقاق – فقال أبو بلال: أنظروا إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق، فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله) [أخرجه الترمذي]، وقد وردت آثار عديدة بذلك، منها ما أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ، عن أنس بن مالك، قال: نهانا كبراؤنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا، فإن الأمر قريب) ([150]) . وما أخرجه ابن حبان في الثقات عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوننا عن سب الأمراء)، ([151]) . ولما أخرجه البيهقي في كتابه الجامع لشعب الإيمان عن أنس بن مالك، قال: (أمرنا أكابرنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نسب أمراءنا) ([152]) .ولما أخرجه ابن أبي عاصم في السنة عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (إياكم ولعن الولاة، فإن لعنهم الحالقة، وبغضهم العاقرة، قيل: يا أبا الدرداء ! فكيف نصنع إذا رأينا منهم ما لا نحب؟ قال: اصبروا، فإن الله إذا رأي ذلك منهم حبسهم عنكم بالموت)، ([153]) .
ففي هذه الآثار وما جاء في معناها دليل على صحة هذه القاعدة، بل قد ورد في عموم الشريعة وادلتها: أنّ المثبط عن ولي الأمر والمثير عليه يستحق العقوبة الشرعية: وذلك لأنّ التثبيط والإثارة من أعظم مقدمات الخروج، والخروج يؤدي إلى الهرج والمرج والفتنة، ولهذا تضمنت الشريعة الحكمية جواز التعزير الرادع لمن قام بإثارة الشغب على الحاكم المسلم، قال ابن فرحون في تبصرة الحكام (من تكلم بكلمة لغير موجب في أمير من أمراء المسلمين لزمته العقوبة الشديدة، ويسجن شهراً، ومن خالف أميراً، وقد كرر دعوته، لزمته العقوبة الشديدة بقدر اجتهاد الإمام) أهـ ([154]) .
(القاعدة التاسعة): مشروعية الدعاء لولاة الأمر بالصلاح: لأنّ ذلك يؤلف بين الحاكم والمحكوم، وقد قال بعض الصالحين: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان، لأنّ بصلاحه تصلح الرعية، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أعلموا أن الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم ولاتهم وهداتهم) ([155]) .
إنّ صلاح الولاة إلي الله تعالي يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم، فكان حقا على كل مؤمن بالله تعالى واليوم الآخر أن يدعوا لهم بالهداية والتوفيق إلي طاعة الله تعالي، ذكر ابن المنير المالكي في الانتصاف : (أنه نقل عن بعض السلف أنه دعا لسلطان ظالم فقيل له: أتدعوا له وهو ظالم؟ فقال: إي – والله -، أدعو له إن ما يدفع الله ببقائه أعظم مما يدفع بزواله) اهـ ([156]) .
، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي عثمان سعيد ابن إسماعيل الواعظ الزاهد أنه قال – بعد روايته لحديث (الدين النصيحة)، قال: فانصح للسلطان، وأكثر له من الدعاء بالصلاح والرشاد بالقول والعمل والحكم، فإنهم إذا صلحوا، صلح العباد بصلاحهم. وإياك أن تدعوا عليهم بالعنة، فيزدادوا شراً ويزداد البلاء علي المسلمين، ولكن أدعو لهم بالتوبة، فيتركوا الشر، فيرتفع البلاء عن المؤمنين) انتهى، ([157]) .
وأقول: إنّ الدعاء من باب النصيحة، وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، ومن أكبر النصيحة لأئمة المسلمين أن تكون بالدعاء لهم بالهداية والرشاد
(القاعدة العاشرة): الصبر على جور الأئمة درئاً للفتنة وحفظا لحرمات أهل الإسلام: جاءت الأحاديث تترا تأمر بالصبر على جورهم واعطائهم حقوقهم كاملة دونما نقصان، ومن تلك الأحاديث: قوله صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) وقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) [وقوله صلى الله عليه وسلم: (عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) .
[المفتاح الحادي عشر] جعل الشرع الحكيم للحاكم عشرة حقوق، ويجب على الرعية أداء حقوق ولي الأمر كاملة، فإن قصر في بعض واجباته فإننا نعطيهم حقهم كاملا ونسال الله تعالى حقنا، وحقوق الحاكم العشرة تتمثل في: (الحق الأول): بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية، و (الحق الثاني): بذل النصيحة له سراً وعلانية، و (الحق الثالث): القيام بنصرتهم باطناً وظاهراً ببذل المجهود في ذلك لما فيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين وكف أيدي المعتدين، و (الحق الرابع): أن يعرف له حقه وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالي له من الإعظام، و (الحق الخامس): إيقاظه عند غفلته، وإرشاده عند هفوته، شفقة عليه، وحفظاً لدينه وعرضه، وصيانة لما جعله الله إليه من الخطأ فيه، و (الحق السادس): تحذيره من عدو يقصده بسوء، و (الحق السابع): إعلامه بسيرة عماله الذين هو مطالب بهم ومشغول الذمة بسببهم، لينظر لنفسه في خلاص ذمته، وللأمة في مصالح ملكه ورعيته، و (الحق الثامن): إعانته على ما تحمله من أعباء الأمة ومساعدته على ذلك بقدر المكنة، و (الحق التاسع): رد القلوب النافرة عنه إليه وجمع محبة الناس عليه لما في ذلك من مصالح الأمة وانتظام أمور الملة، و (الحق العاشر): الذب عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل، في الظاهر والباطن والسر والعلانية، ويجب على الرعية أداء حقوق ولي الأمر كاملة، فإن قصر في بعض واجباته فإننا نعطيهم حقهم كاملا ونسال الله تعالى حقنا، للحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ، وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا، وللحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم) والحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان، فإن منعونا حقنا فنسأل الله تعالى حقنا ولا نخرج عليهم، فإنّ الله تعالى سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم.
[المفتاح الثاني عشر] من اهم القواعد الضابطة لباب الإيمان والكفر عند أهل السنة والجماعة: قاعدة: كفر تارك الحكم بما أنزل الله، كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المنقاد بقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، وتفريطه في عمل الجارحة فقط، وقوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، من أقر بلسانه واعتقد بقلبه وجوب الحكم بما أنزل الله، فقد حكم بقبله بما أنزل الله، ولم يترك حكم الله بالكلية فلا ينطبق عليه الكفر الأكبر، وإنما هو كفر عملي لا يخرج من الملة، ومن جحد حكم الله بقلبه، فقد كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة، ولذلك اتفقت كلمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم على التفصيل في المسألة، فقد أخرج الطبـري بسنـده عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في المائدة {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ليس في أهل الإسلام منها شيء، هي في الكفار….وأخرج مسلم عن البراء بن عازب رضى الله عنه الحديث وفيه قال (قوله تعالى: {و وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، قـال: في اليهـود إلى قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، قال: في الكفار كلها [صحيح مسلم]، وأخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال هي به كفر وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسلـه… وأخرج أيضاَ بسنده عن ابن طـاوس عـن أبيه قال: قال رجل لابن عباس في هذه الآيات {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} فمن فعل هذا فقد كفر، قال ابن عباس إذا فعل ذلك فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا}….وأخرج أيضا عن ابن طاوس عن أبيه قال: سُئل ابن عباس عن قوله {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: هي به كفر، قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله … وأخرج أيضاً عن طاوس {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: ليس بكفر ينقل عن الملة… وأخرج أيضاَ عنه {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: كفر لا ينقل عن الملة . قال: وقال عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق ….. وأخرج أيضاً عن عطاء قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}{فأولئك هم الظالمون}{فأولئك هم الفاسقون} قال كفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم} أهـ([158]) . وقد نقل بعض هذه الآثار الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان وهو يتحدث عن الكفر في إطار الملة فقال: (وأما الفرقان الشاهد عليه ـ أي الكفر دون الكفر ـ في التنزيل فقول الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وقال ابن عباس ” ليس بكفر ينقل عن الملة ” وقال عطاء بن أبي رباح (كفر دون كفر) فقد تبين لنا أنه كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا خلاف الكفار الحكم بغير ما أنزل الله ([159]) . ، وأخرج ابن جرير الطبري عن على بن أبي طلحة عن بنعباس قوله {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به فهو ظالم فاسق ([160]) .
وذكر ابن حبان في تفسيره (وقال عكرمة: إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أماً من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلاً أنه أتى بما يضاد، فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية ([161]) .
وهذا القول هو غاية الجمع بين الأقوال جميعها وخلاصة الفقه في التوفيق الصحيح بينهما وتفصيل البيان في أحوالها، فخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ، ومن كانت من المسلمين حاله كحال اليهود في جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره أو اختراع حكم ونسبه إلى الله على أنه حكم الله، فهذا جميعه كفر أكبر مخرج من الملة وصاحبه كافر الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين والكافرين، وأما من كان مقرا للحكم معتقداً له كما أمر الله تعالى، ولكن غلبت عليه شهوته أو نفسه الأمارة بالسوء أو أكره فحكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بحكم الله معتقد له مقر بتقصيره في الحكم بغير ما أنزل الله فهذا كفره في إطار الملة، ومن أقوال العلماء الراسخين في العلم في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، قال الطبري رحمه الله: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبراً عنهم أولى . فإن قال قائل: فإن الله ـ تعالى ذكره ـ قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصاً؟ . قيل: إن الله تعالى عمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس ([162]) .
وقال الواحدي رحمه الله في تفسيره: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في من غير حكم الله من اليهود وليس في أهل الاسلام منها ومن اللتين بعدها شيء ([163]) .
وقال الطحاوي رحمه الله في بيان الكفر دون الكفر الأكبر بالله حين شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم (قتاله كفر) قال: (ومثل ذلك ما قد روي عن ابن عباس في تأويله قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} على ما تأوله فعن ابن طاوس عن أبيه قال قيل لابن عباس {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال هي كفر وليس كمن كفر بالله تعالى واليوم الآخر . و عن طاوس قال: قلت لابن عباس: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر قال: هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر) ([164]) . وقال أبو جعفر النحاس رحمه الله: (هم اليهود إن حكم غيرهم كحكمهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله جاحدا له كما غير اليهود فهو كافر ظالم فاسق) ([165]) . وقال الثعالبي رحمه الله: (قالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنها في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان وهذا تأويل حسن ” ([166]) . وقال ابن عبد البر رحمه الله ” وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون نزلت في أهل الكتاب قال حذيفة وابن عباس وهي عامة فينا قالوا ليس كفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء ([167]) .
وقال في حديثه عن الخوارج ” وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . . ونحو هذا وروي عن ابن عباس في قول الله عز وجل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر “ ([168]) .
وقال الغزالي رحمه الله: قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة قلنا المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له ([169]) .
وقال ابن العربي رحمه الله: (قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} اختلف فيه المفسرون ; فمنهم من قال: الكافرون والظالمون والفاسقون كله لليهود , ومنهم من قال: الكافرون للمشركين , والظالمون لليهود , والفاسقون للنصارى , وبه أقول ; لأنه ظاهر الآيات , وهو اختيار ابن عباس , وجابر بن زيد , وابن أبي زائدة , وابن شبرمة . قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة , ولكنه كفر دون كفر . وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ; فهو تبديل له يوجب الكفر , وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين . ([170]) .
وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله: قال أبو بكر قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة ([171]) .
وقال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون} نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلى هذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة وقيل فيه إضمار أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد فالآية عامة على هذا، قال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ([172]) . وقال النسفي رحمه الله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله}مستهينا به {فأولئك هم الكافرون} .. وقيل {ومن لم يحكم بما أنزل الله}فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله ([173]) .
وقال البغوي رحمه الله: ” وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات فقال إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات وقال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا “ ([174]) .
وقال البيضاوي رحمه الله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} مستهيناً به منكراً له {فأولئك هم الكافرون} لاستهانتهم به، وتمردهم بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم بقولـه {الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون}، فكفرهم لإنكاره، وظلمهم بالحكم على خلاقه، وفسقهم بالخروج عنه ([175]) .
وقال ابن كثير رحمه الله: ({ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً) أهــ ([176]) .
ومن تلك النقول يتبين ان مناط الكفر الاكبر في الآيات هو الجحود والاستحلال وليس مجرد الحكم،
***
المبحث السابع مفاتيح تتعلق باحترام المدارس العلمية العريقة واحترام علوم التخصص الإسلامي في كافة علوم الدين واخذ علوم الدين من بابها الصحيح
(1) احترام التخصص في علم العقيدة وأخذ العقيدة من أهلها المتخصصين فيها.
(2) احترام التخصص في علم الفقه وأخذ الفقه من أهله المتخصصين فيه.
(3) احترام التخصص في علم التصوف وأخذ التزكية من أهلها المتخصصين فيها.
(4) احترام التخصص في كافة علوم الدين وجوانبه.
(1)احترام التخصص في علم العقيدة وأخذ العقيدة من مدارسها المعروفة ومن أهلها المتخصصين فيها
[المفتاح الأول]: إنّ الصحة والصواب في علم العقيدة يكون باستمداد قواعده من مدارسه المتخصصة، وتوجيه طالب علم العقيدة إلى الطريق القويم نحو طلب علم العقيدة على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والاعتقاد، وعلى أهله المتخصصين فيه، وعلى مدارسه التي تأصلت واحترفت علم العقيدة واحترفت تدريسها على أفضل الطرق التعليمية، في أقصر وقت وبأقل جهد دونما ضياع للأعمار في تجارب قد لا تؤدي إلى الرسوخ في علم العقيدة، وفي الإحاطة بمباحثه ومسائله وقواعده وأحكامه.
[المفتاح الثاني]: افتراق الأمة من جهة الاعتقاد إلى فرق ضالة عديدة منها واحدة ناجية من جهة الاعتقاد: صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ،
[المفتاح الثالث]: الفرقة الناجية من فرق المسلمين هي أهل السنة والجماعة: لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب سبعة عريضة سبق ذكرها في المبحث السابع الجماعة الام أهل السنّة والجماعة هم سواد الامة الأعظم وهم الامة الوسط بين أهل القبلة( المفتاح الاول.
[المفتاح الرابع]: الإطار العلمي الدقيق للفرقة الناجية: يمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وهي (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، وهذا الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار.
[المفتاح الخامس]: بداية ظهور التخصص في العقيدة: استفحل أمر الفرق الضالة، وأصول تلك الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي أربعة هم (الخوارج) و (الروافض) و (المعتزلة) و (الحشوية)، والتي كان أهم أسباب ظهورها هو تتبع المتشابه الذي حذر منه القرآن الكريم ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان، فإنّ تتبع المتشابه فيها أدى إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم، وحتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والصور والأشكال والكون في المكان إلى جناب ذات الله تعالى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال، سبق ذكرها في المبحث السابع الجماعة الام أهل السنّة والجماعة هم سواد الامة الأعظم وهم الامة الوسط بين أهل القبلة ( المفتاح الرابع).
[المفتاح السادس]: المدرسة الأثرية هم الامتداد الحقيقي والصحيح لمذهب السلف: الأثرية: هي النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله: التفريق بين المحكم والمتشابه، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه، عدم الخوض بالحشو والتجسيم، والأثرية هم الامتداد الصحيح والحقيقي للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله.
[المفتاح السابع]: الأشعرية والماتريدية امتداد السلف وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة: (الأشاعرة): هم المتخصصون في العقيدة، أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله (270 ه إلى 330 ه)، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة، (والماتريدية): ينتسبون إلى الإمام أبو منصور الماتريدي، وهو إمام الهدى وإمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين ورئيس أهل السنة والجماعة وناصر السنة وقامع البدعة، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، مضيف النّبي الأكرم صلَّى الله عليه و سلَّم في دار الهجرة، ، والحاصل هو أن الأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي، والأشاعرة والماتريدية هما جناحا أهل السنة والجماعة في باب العقيدة، وهما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية.
[المفتاح الثامن]: الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة: لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة: ثلاث مذاهب لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وهي (المذهب الأثري) وعليه غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (المذهب الأشعري) وعليه غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (المذهب الماتريدي) وعليه غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وجميع تلك المذاهب يعبر عن الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة، ما اتفقوا عليه من أصول الدين والعقيدة نجتمع عليه، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في فروع العقيدة، وهذه المذاهب الثلاث المؤصلة هي المرجعية العقائدية الصحيحة لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة.
[المفتاح التاسع]: الفرق الضالة في العقيدة والخارجة عن إطار أهل السنة والجماعة: هي شراذم قليلة لا تمثل أغلبية وأكثر من ينطوي بداخل تلك الفرق عوام لا يعلمون جوانب البدعة والضلال في تلك الفرق، وهذه الفرق استحقت لضلالها الوعيد بالنار، وأفرادها إلى مشيئة الله، كحال كل مسلم عاصي إن شاء عفى عنه وإن شاء عذبه لبدعته، ولكن لا يخلد في النار احد من أهل الإسلام، وأضر تلك الفرق على امة الإسلام أربعة: الخوارج والشيعة والمعتزلة والحشوية، وذلك لكثرة تشغيبها على الجماعة الناجية، ويلي تلك الأربعة الجهمية الجبرية والمرجئة والمجسمة لأنها أقل عددا.
[المفتاح العاشر]: أبرز الفرق الضالة في زماننا المعاصر: خمسة: (الأولى) الصفوية الخمينية التي تنتسب إلى الشيعة الإمامية وقد غالت زيادة على غلو الشيعة حتى صارت خطرا على المسلمين، و (الثانية) الإباضية من الخوارج والتي تدعو إلى عودة الامة إلى مذاهب الخوارج الضالين، و (الثالثة) أدعياء السلفية الذين يحاربون التخصص العلمي الإسلامي وينتسبون زورا وبهتانا إلى السل ف الكرام والسلفية الحقة منهم برآء، و (الرابعة) التمية والوهابية والدين الموازي، (الخامسة): أدعياء الصوفية المنتسبين زورا وبهتانا إلى أهل التصوف والصوفية الحقة منهم برآء،
(1) الصفوية الخمينية وأصول الضلال عندهم: هذه الطائفة زادت في غلوها، ونقلت مذهب الشيعة الإمامية إلى مرحلة خطيرة من العداء للمسلمين وحربهم، وقد دعم الصليبيون هذه الفرقة وأمدوها بالمال والعتاد لتكون رأس حربة على أهل الإسلام، وأبرز أصول البدع الضالة عند هؤلاء: المغالاة في الإمامة الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم، ومن لا يعترف بأئمتهم الاثني عشر فليس بمسلم، ومن أصول الضلال عندهم: تكفير الصحابة وسبهم ولعنهم والبراءة منهم، ومن أصول الضلال عندهم: التشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم، حيث يقوم مذهبهم الضال على تكفير الصحابة والبرآة منهم، والصحابة هم الذين جمعوا القرآن الكريم، والقرآن تمتلئ آياته بالثناء عليهم والترضي عليهم، كان هؤلاء في مأزق عسير: إما أن يجزموا بصحة القرآن وصيانته ويترضوا عمن ترضى عنهم القرآن وعمن حملوا لنا القرآن وحفظوه وجمعوه وبالتالي ينسفوا مذهبهم الباطل من أساسه، وإما أن يكفروا الكفر البواح ويعلنوا أن القرآن الذي جمعه الصحابة وحفظوه وقد حرف وزيد فيه ونقص وحذفت منه آيات تنص على الولاية لسيدنا علي رضي الله عنه وحذفت منه آيات تفضح أولئك الذين قام المذهب على سبهم ولعنهم وتكفيرهم، ومن أصول الضلال عندهم: عدم اعترافهم بدواوين السنّة المشرفة، وقد دعاهم إلى إنكار السنة التي جمعها أئمة الحديث عند أهل السنّة والجماعة أسباب أهمها: أنّهم يكفرون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك فهم ينكرون كل حديث حمله أولئك الأصحاب عن النبي صلى الله عليه وسلم إلينا، والنتيجة الحتمية لهذا الأمر أنهم ألغوا السنة النبوية بكاملها وألغوا كافة أثارها إذ لم يحمل إلينا السنة سوى الأصحاب الكرام البررة رضي الله عنهم، والسبب الثاني: أنّهم يضللون كل من يقدم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على الإمام علي رضي الله عنه، ولذلك فهم يضللون الحفاظ المحدثين الذين سجلوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وحفظوه، ولذلك نجدهم يكذبون حديث النبي صلى الله عليه وسلم الموجود في كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول لاسيما ما وجد منها في الصحيحين البخاري ومسلم ثم ما تلاهما من كتب الحديث كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وما تلاها من المستدركات على الصحيحين والمسانيد والجوامع، وهم ينكرون كل هذه الأحاديث، ولذلك لم يبق لهم من علم الحديث شيء وصار واقعهم العملي الحقيقي هو إنكار سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبها، ومن أصول الضلال عندهم: وقوعهم في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق، وأسباب ذلك: استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الكرام البررة، واستحلالهم دماء وأموال وأعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة السائرين على هدي النبي صلى الله عليه وأصحابه الكرام البررة، واستحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان، واستحلالهم الزنا في صورة المتعة حتى أنهم من خلالها أعاروا الفروج وغرقوا في الفاحشة، نسأل الله العافية.
(2) الإباضية وأصول الضلال عندهم: المذهب الإباضي مذهب من مذاهب الخوارج يقدح في عدالة الصحابة، ويخلط في عقائده ما بين عقائد الخوارج وعقائد المعتزلة، ويحاولون جاهدين ترميم مذهب الخوارج ليعود من جديد، وهؤلاء يقولون بأن صاحب الكبيرة إذا لم يتب ومات فهو كافر مخلد في النار، ويقدحون في جمع من الصحابة منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن عوام، ومعاوية بن أبي سفيان، و عمرو بن العاص رضي الله عنهم، ويصححون موقف خوارج النهروان في خروجهم على الإمام علي رضي الله عنه، وعلى ذلك فهم فرقة من فرق الخوارج، وهم يقولون بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يُرى في الآخرة وهذه من عقائد المعتزلة، والإباضية ينتسبون زورا إلى التابعي الجليل جابر بن زيد، وهو منهم براء، ذكر ابن حجر في التهذيب أن جابر بن زيد تبرأ منهم، والإباضية لهم كتاب واحد اسمه (مسند الربيع بن حبيب) والربيع نفسه مجهول، لم تترجم له كتب الرجال المعروفة، وترجمته مقصورة على كتب الأباضية، وهو غير الربيع بن حبيب الذي ترجم له البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل والإمام أحمد في العلل، ومن المآخذ التي حفل بها المسند: إنكار رؤية الله عز وجل يوم القيامة، وتكفيرهم لأهل الكبائر، كما أن هناك جملة من الملاحظات تثير مزيدا من الشكوك في صحة وجود هذا المسند تاريخيا: منها الغموض المريب الذي يلف تاريخ هذا المسند حيث لم تشير إلى ذكره المراجع والأمهات المعتبرة، كما أن أكثر رجاله مجاهيل، لم تتعرض لهم كتب الرجال المعروفة والموثوق بها بالذكر، كما أن الكثير من أحاديثه غير مسندة، أضف إلى ذلك ما تضمنه من انحرافات في العقيدة والشريعة، وبناء عليه يزيد الشك في أن يكون هذا المسند من وضع بعض رجال المذهب الأباضي، والخلاصة أنه مسند لا تتوفر فيه شروط الصحة التي أجمع عليها علماء الحديث من القديم والحديث فلا يجوز الاعتماد ولا التعويل عليه،
(3) أدعياء السلفية وأصول الضلال عندهم: السلفية نسبة كريمة لأنها نسبة إلى السلف الكرام، وهم أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية في الحديث الصحيح: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فالسلفية الحقة تنتمي إلى هذا السلف، والسلفيون الصادقون ينتمون إلى هذه السلفية، ولكن السلفية الحقة الأصيلة قد ابتليت بالأدعياء، نسبوا أنفسهم إليها وهي منهم براء، شوَّهوا جمال عقائدها بما أدخلوا عليها من بدع ضالة، إنّ السلفية انتسب إليها المحق والمدعي، والمحقون هم السادة الأثرية أهل التقديس والتنزيه وعدم الخوض بالحشو فيما يتعلق بجناب ذات الله تعالى وصفاته وهؤلاء على وفاق في أصول العقيدة مع مذاهب التخصص العقدي على منهاج أهل السنة والجماعة (السادة الأشعرية والماتريدية)، والمدعون لها هم أهل الحشو الجاهلون بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى جناب ذات الله، ومن أبرز هؤلاء: التيمية المغالون في الشيخ ابن تيمية – وعلامة هؤلاء حتى نفرق بينهم وبين الأثرية – أنهم يتبعونه حتى في أخطائه المخالفة للشرع، فإن هناك فرق بين من ينظر إليه على أنه عالم يصيب ويخطئ، فيتبعه في صوابه ويخالفه في أخطائه التي تسربت إليه بسبب جهله بقواعد التقديس وحسن ظنه برواد بدعة الحشو الاوائل ممن تدثروا بلباس السلف والسلف منهم برآء، وبين من يرى أنه المتحدث الرسمي عن الدين وأصوله وفروعه وعن السلف والسلفية، وعن السنة وأهل ها، فمن أثنى عليهم فهم من أهل السنة ومن لمزهم فهم من أهل البدعة، ويطرح علمه على أنه البديل لكافة المؤسسات والمدارس والمذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية التي أسسها الآلاف من علماء أهل السنة والجماعة، كل في مجال تخصصه على مر عصور الإسلام وقرونه، فهؤلاء المغالون فيه يشقون وحدة أهل السنة ويضربون مرجعيتها وتخصصاتها العلمية في مقتل وهم حجر عثرة أمام الإصلاح والتجديد، ومن أبرز هؤلاء أيضا: الوهابية المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذين يتبعونه حتى في أخطائه الجسيمة المخالفة للشرع لاسيما في مفاهيمه المغلوطة في باب التوحيد والشرك وما آل به ذلك إلى الغلو في باب التكفير واتهام الأمة الإسلامية بالشرك والتبديع، واستحلال دماء المسلمين وحرماتهم وأموالهم، هؤلاء المغالون عند أهل التخصص ضمن فرق الحشوية ثم زادوا عليها غلوا في تكفير المسلمين وتبديعهم واتهامهم بالشرك الأكبر في مسائل فقهية خلافية.
(4) التيمية المغالون في الشيخ ابن تيمية: اهتم ابن تيمية رحمه الله بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول – على سبيل المثال – ليس الهدف منه اثبات الحركة والنزول من علو إلى سفل، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب السلف الصحيح، والذي ليس لهم مذهب سواه، وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من جهة تحت، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، فقد قال (وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته)، وعلى هذا المذهب فإنّه سبحانه يبقى نازلاً أبداً، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها، كما حام حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، كما حام حول الجسمية والتجسيم، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية، وحام حول حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبا الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، ومن الغريب أنّه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق، وقد تأثر به عدد قليل من تلامذته، ولكن لكثرة مؤلفاتهم ودندنتهم حول ما تسرب إليهم من مفردات الحشوية، سحبوا أهل السنّة والجماعة نحو بعض مفردات الحشو والخلاف.
إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف جدد بناء المدرسة الحشوية ببعض مفرداتها، من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد، هاجم الأصول والفروع والوسائل، وأخذ يهوش على المتخصصين، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول، وهو لا يدرك المعقول ولم تتهيأ له الفرصة في تعلمه على يد المتخصصين، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام في نفوس الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله، ثم جازف وغامر بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل الأعمال، فهل كانت الأمة في زمانه على ضلال مبين، حتى انتشلها من الظلام، ثم تجاسر بتخطئة أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وتكلم في حقه بما لا ينبغي، إذ لكل مقام مقال، وهل الرد على الشيعة يُجيز له رفع الحشمة والادب مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم تكلم عن الطاهر المطهر سيدنا الحسين، بكلام لا ينبغي.
وهل التمحل في الدفاع عن يزيد يُجير سوء الأدب مع السادة الكرام، فهذه كلها من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية، فتعجل بتبنيها ونشرها، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة، فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك، أحد قبل ابن تيمية، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه، لقد ظن ابن تيمية أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا، وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا.
ولو تتبعنا أخطاء ابن تيمية نجد أنه وقع في أخطاء أبرزها: (أ) أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين، (ب) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك، ولو كان له معنى لما كان متشابها، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض – وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي – من شر مذاهب الفرق الضالة، (ت) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنّه متعذر في كل الصفات (ث) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض، (ج) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، (ح) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء، (خ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة، (د) نسب علم (التقديس وقواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة) إلى علوم اليونان وفلسفتهم، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، قال تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 84]، ولأنهم متخصصون علموه، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين، (ذ) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا، ودمّر تخصصاتهم، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم أهل التجهيل، وأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة لعلم المتشابه، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة، (ر) لم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير، (ز) لم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك، (س) لم يضبط مسائل البدعة والسنّة على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في التبديع، (ش) كما انفرد عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة، ومن ذلك إنكاره المجاز في القرآن، ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين، وليس يفيده بحال، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى، كما تورط في الحديث حول قدم بعض المخلوقات ووجودها مع الله كالعرش، وهذا يضاهي الفلاسفة بقدم العالم، وأجاز التسلسل إلى ما لا بداية، كما أجاز العقلاء التسلسل إلى ما لا نهاية، مع أنّ الفرق بينهما عظيم، والاول مستحيل لأنّه يؤول إلى قدم العالم، والثاني جائز كبقاء أهل الجنّة وأهل النار إلى ما لا نهاية، وتورط في القول بحدوث صفة الكلام، وصرح بأن الكلام صفة فعلية يخضع للمشيئة قياساً على صفة الكلام عند البشر، كما صرح بقيام الحوادث بذات الله تعالى، وذهل عن الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب ألا وهو الأفول.
وحام حول فعل الأسباب بقوة جعلها الله تعالى في طبعها، وهو قول يجرح توحيد الأفعال عند من يفهم أبعاده، وحام حول الصلاح والعدل من مبادئ المعتزلة، وهي أقوالٌ لا يرضى بها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، كما حام حول عدم عصمة الانبياء من الذنوب، واقتراف بعضهم للذنوب والتوبة منها، ينقل في ذلك الخلاف بما لا ينبغي حفظا لمقام الأنبياء، كما تورط في الحديث حول فناء عذاب أهل النار هو وتلميذه ابن القيم مع ورود الخلود فيها في قريب من أربعين آية من آيات الذكر الحكيم منها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 64، 65]، و كان يشن بين الحين والآخر حروبا على المذاهب الأربعة المتخصصة في الفقه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا أضعاف أضعاف ما بلغه ابن تيمية في الفقه والعلم والورع، واتباع الكتاب والسنّة، وفي مجال التزكية والتصوف: أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف، مع أنّ الاولى كان ترشيدها بالنصح والإرشاد واللين والرفق لا محاربتها وتجريح أكابرها، لقد أفنى ابن تيمية عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة، وهو لم يستوعب علمهم ولم يصل إلى شيء من رسوخهم في علم العقيدة والأصول، كما أفنى عمره وجهده في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث، إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف جدد بناء المدرسة الحشوية بأخطر مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد، ولا يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي عن السلفية والسلف.
(5) الوهابية المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب: لقد تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الإمام ابن تيمية بقوة السيف والسنان، ولكن أيضاً: كانت له كذلك تصورات مغلوطة، واجتهادات خاطئة خالف فيها أهل العلم المتخصصين فيه، وذلك في بعض مباحث توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، (أ) ففي مجال توحيد الألوهية: أخطأ في تفسير العبادة، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله، وكان هذا الغلط في تفسير العبادة هو المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، التي أُستحِلت بها دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، وتقاطعت فيه أرحام أمر اللّه بها أن توصل، عياذاً باللّه من المزالق والفتن، (ب) وفي مجال توحيد الربوبية: نسب إلى المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم توحيد الربوبية، مع أن هؤلاء المشركين اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا شرك في الربوبية، ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وكانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36]، (ت) والخطأ في تقرير حقيقة الشرك الأكبر: كما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الاكبر، (ث) والخطأ في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، (ج) والخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، وإخراجهم من دين المسلمين أو من اطار أهل السنّة والجماعة بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة، (ح) الغلو في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم، فقد استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام، نعلم كيف كانت (الغزوات) ! على أعراب نجد والحجاز، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان، لا مسلمين يقولون (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ويعتقدون أنّه لا إله ولا رب لهذا الكون إلا الله، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون به لله، لقد مرت تلك المحنة والحمد لله، ولكن لابد من تصفية المنهج واعتماد التخصص العلمي لأنّه ما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة واحدة تسربت إليها مفردات الحشو على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية (العقدية والفقهية والتزكوية) الإسلامية.
(6) أدعياء الصوفية وأصول الضلال عندهم: إن التصوف الإسلامي الأصيل قد ابتلي بالأدعياء شأنه شأن غيره من علوم الإسلام، وأهل التصوف الحق يعلمون أنّه: ليس من التصوف الإسلامي: القول بمخالفة الشريعة للحقيقة، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف، وليس من التصوف الإسلامي: القول بالحلول أو الاتحاد، وليس من التصوف الإسلامي: الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت، وليس من التصوف الإسلامي: تحريف أسماء الله والرقص بها مع وجود آلات اللهو والغناء، إن الأدعياء شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من أفعال منكرة، وليس من التصوف الإسلامي: البطالة ولا الجهالة بدين الله، ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات، وليس منه: ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن والشياطين، إنّ التصوف بريء من ذلك كله، إن الإصلاح الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بسرعة وصدق وتجرد، و((التصوف)) السنّي الصافي ليس منه: القول بمخالفة الشريعة للحقيقة، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف، وكل هذا باطل، لأن من أشهر قواعد أهل الطريق قولهم: (كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة)، قال الإمام الغزالي: ((من قال: إن الحقيقة تخالف الشريعة، أو الباطن يناقض الظاهر، فهو إلى الكفر أقرب إلى الإيمان)) ([177]) .
وقال لسان الطائفة الإمام الجنيد: (قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا، وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة، إلا أن يحال بي دونها، وإنه لأوكد في معرفتي وأقوى في حالي)أهـ ([178]) .
وليس من ((التصوف)): القول بالحلول أو الاتحاد، وما جاء مما يوهم ذلك على لسان بعضهم إما هو مدسوس على القائل، أو هو مما قاله في حالة الفناء والغيبوبة على لسان الحق عز وجل، ونحن نحسن الظن بكل مسلم فما بالنا بالأولياء والصديقين، والصوفية ككل الطوائف الإسلامية انتسب إليها المحق والمدعي، والصادق والمغرض، ورحم الله الإمام الشعراني رحمه الله تعالى حيث يقول – وهو يتعجب من إلصاق هذه التهمة الشنيعة بأهل التصوف الحق أهل المعرفة بالله -: (ولعمري إذا كان عُباد الأوثان لم يتجرؤوا أن يجعلوا آلهتهم عين الله بل قالوا: {ما نبعدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، فكيف يظن بأولياء الله تعالى أنهم يدعون الاتحاد بالحق على حد ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله عنهم إذ ما من ولي إلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق وأنها الخارجة عن جميع معلومات الخلائق لأن الله بكل شيء محيط) ([179]) .
[وقال الشيخ محي الدين بن عربي في عقيدته الصغرى: (تعالى الحق أن تحله الحوادث أو يحلها)، وقال في عقيدته الوسطى: (اعلم أن الله تعالى واحد بالإجماع ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء أو يحل في شيء أو يتحد في شيء)، وقال في الباب التاسع والستين والمائة: (القديم لا يكون قط محلا للحوادث ولا يكون حالا في المحدث)، وقال في الباب الثاني والستين ومئتين: (من أعظم دليل على نفي الحلول والاتحاد الذي يتوهمه بعضهم أن تعلم عقلا أن القمر ليس فيه من نور الشمس شيء وأن الشمس ما انتقلت إليه بذاته وإنما كان القمر محلا لها فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه)، وقال في الباب الرابع عشر وثلاثمائة: (لو صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته وذلك عن ملكيته ويتحد بخالقه تعالى لصح انقلاب الحقائق وخرج الإله عن كونه إلها وصار الحق خلقا والخلق حقا وما وثق أحد بعلم وصار المحال واجبا فلا سبيل إلى قلب الحقائق أبدا)، وقال في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة: (وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق ولا حل فيه الحق إذ لو كان عين الحق أو حل فيه لما كان تعالى قديما ولا بديعا)، وقال في باب الأسرار: (لا يجوز لعارف أن يقول: أنا الله ولو بلغ أقصى درجات القرب وحاشا العارف من هذا القول حاشاه إنما يقول: أنا العبد الذليل في المسير والمقيل)، وقال في باب الأسرار أيضا: (من قال بالحلول فهو معلول فإن القول بالحلول مرض لا يزول وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول)، وقال في باب الأسرار أيضا: (الحادث لا يخلو عن الحوادث ولو حل بالحادث القديم لصح قول أهل التجسيم فالقديم لا يحل ولا يكون محلا) أهـ ([180]) .إن إصلاح أمر التصوف يبدأ أول ما يبدأ بإصلاح ما أفسده الأدعياء، ويكون ذلك بتصفية الاعتقاد من كل دعاوى الاتحاد والحلول والوحدة المطلقة على معناها الفلسفي المرفوض، ورفض كل دعاوى الشطح لأنها نقص ورعونه، ورفض كل دعاوى مخالفة الحقيقة للشريعة، ومخالفة الظاهر للباطن، وانكار تلك الدعاوى الباطلة، فلولا الظاهر ما حفظ الباطن، ورفض كل دعاوى سقوط التكاليف عن الواصل، لأنه بذلك واصلٌ إلى جهنم وسقر، وتصفية السلوك من المخالفات الشرعية، والبراءة من الممارسات الخاطئة، والتحذير من المخالفات الشائعة بين مدعي التصوف، واعتماد مبدأ التصفية للتراث الصوفي العريض مما علق به من أخطاء، ومما نسب إليه زوراً وبهتاناً من أعدائه، ومما نسب إلي الاولياء الصالحين زوراً وبهتاناً، وهم أجل الناس عن النطق به، واعتماد مبدأ التصفية للتراث الصوفي العريض مما علق به من مخالفات عقائدية وشرعية، واعتماد مبدأ الإحياء للتصوف الإسلامي الصحيح الصافي القائم على الكتاب والسنة، وطرحه نموذجاً لمرتبة الإحسان أعلى مراتب الإسلام، وكما أنّ التصوف الإسلامي الأصيل ابتلي بالأدعياء، فإنه كذلك قد ابتلي بالجهلاء، فأضروا بسمعته كما أضر به أعداؤه، والتصوف السنّي الصافي ليس منه ما نراه من البعض من تحريف أسماء الله والرقص بها، مع القفز كما يفعله أهل الجهل، وكل ما نراه من ذلك من بعض الاشخاص فهو ليس من التصوف الأصيل، وهناك جماعة من الجهلاء، نسبوا أنفسهم إلي التصوف، شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من أفعال منكرة، كاستعمال آلات الطرب المحظورة، فلم يَعُدْ وسيلةً عملية لتطهير القلب من أدرانه، وصلته بالله تعالى، بل صار لتسلية النفوس الغافلة، والتصوف السنّي الصافي أيضا ليس منه البطالة، ولا الجهالة بدين الله، ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات، ولا ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن والشياطين والسحر، فهذه أخطاء شرعية يحمل وزرها الجهلاء والدخلاء ولابد من ردها إلى صوابها دون تجريح بالطائفة ورموزها.
((التصوف)) السنّي الصافي الرشيد ليس منه: الذكر على الطبل والزمر، (اما الدف ففي الاناشيد والقصائد والمدائح فقد أجازه الفقهاء)، إن ذكر الله تعالى هو أعظم القربات، ولكنه مشروع بشروطه وآدابه التي قررها العلماء، ومن أهمها: السكينة والوقار والخشوع والاحترام، ولكن الذكر الذى يقوم به بعض الناس، بحركات موزونة مرتبة، وترنيمات متصنعة بأصوات مطربة، وقفز ووثب، ونط وجذب، وانحناء للأمام ورفع، والتفات عنيف ودفع، ودوران بالحلقات، وضرب للأقدام على إيقاع الكف والنغمات، فالفطرة السليمة تنبو عنه، والقلب الخاشع يتبرأ منه، فإن كان التمايل بسبب وجد صحيح ووارد قوي، أفقد صاحبه التماسك فلا إثم عليه ولا لوم ولا محذور، ولكن الحاصل غير ذلك، لأنه لا يُعقل أن الجميع يحدث لهم ذلك في نفس الوقت بحث يؤول إلى حركات جماعية موزونة معلومة، أشبه ما تكون بالرقص، فإن الشرع يمنع من هذا ويلزم الوقوف عند الأدب الشرعي الإسلامي مع الذكر، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : ((قال القرطبي – هو المحدث أبو العباس أحمد بن عمر شيخ القرطبي صاحب التفسير – وأما ما ابتدعته الصوفية في ذلك [يقصد الرقص]، فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلا كالمجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب الُقرب وصالح الأعمال، وأن ذلك يثمر سنى الأحوال) انتهى ([181]) . قال الحافظ ابن حجر عقبة: ((وينبغى أن يعكس مرادهم، ويقرأ: (يثمر سيء الأحوال عوض سني الأحوال). انتهى، ([182]) .
إن الرقص في الذكر والاهتزاز يمينا ويسارا خصوصًا إذا صاحبته الطبول والمزامير بأنواعها خطا جسيم، وقد عمت به البلوى، ولم يفعل ذلك أحد من الأولياء، وجمهور الفقهاء والأولياء على تحريم ذلك، وهو مناف للمرؤة والوقار، ولابد من تنزيه الذكر عن هذه الترهات، ومن تذكر وجوب خشية الله عند ذكره، لا يمكن أن يرضى بذلك، ومن تصور وقار الصحابة ومن بعدهم من الرجال الكمل الصادقين أهل المرؤة والعقل والحكمة، لا يتصور أنه يقع منهم هذا الرقص المنافي للأدب بين يدي الله تعالى ولا الطبل والزمر، في الذكر، ولكن ماذا يفعل الربانيون وقد صارت هذه موروثات عند أهل الجهل والرعونة ينسبونها إلى أهل الطريق، وأهل الطريق والأولياء والمربون الربانيون ينكرون ذلك، ولكن إصلاح تلك الامور يحتاج إلى قومة لمجموع أهل الطريق لنفي تلك الموروثات التي أضرت بالطريق وأهله.
((التصوف)) السنّي الصافي صدق وأمانة وليس منه الشعوذة والدجل، ما علاقة التصوف بأكل الزجاج والمسامير والثعابين، بعض المنتسبين إلى التصوف يأتون بأمور لا علاقة لها بالشرع ولا بالدين، يأكلون الزجاج والصبار والثعابين، ويلحسون النار، ويدفعون الدبابيس والمسامير في أجسامهم، فهذا إما ان يكون دجلا وغشا، وإما أن يكون كرامات، فإن أحسنا الظن وقلنا كرامات، فإن أهل الطريق الخلص قالوا: الكرامات لا تكون إلا عند الضرورات، والولي الكامل مخفى الكرامة، وكان أحدهم يخفي الكرامة كما يخفي أحدنا ذنوبه، فما هي الفائدة الدينية العائدة من جراء تلك الأعمال، سوى تشويه صورة التصوف الصافي النقي، وإلصاق التهمة به، وكأننا حواة وسحرة ودجالين، وليس حملة رسالة ودين، ودعاة إلى الله على بصيرة من الحكمة والموعظة الحسنة.
لا مناص من تصفية التصوف السني الصحيح الصافي من رعونة البطالين، ورفض دعاوى الشطح الزائدة عن حد الاضطرار، لأنها نقص ورعونه، ولابد من تصفية السلوك من المخالفات الشرعية، وتنزيه الذكر عن المعازف، ولابد من احترام جناب الشريعة عند الأضرحة والقباب، ولابد من البراءة مما يحدث في بعض الاحتفالات من المنكرات والمخالفات، وينبغي اعتماد مبدأ التصفية للتراث الصوفي العريض مما علق به من مخالفات شرعية، واعتماد مبدأ التجديد والإحياء للتصوف الإسلامي الصحيح الصافي القائم على الكتاب والسنة، فإن التصوف الصافي سلوك وعمل وليس مصطلحات وشطحات، والتصوف الصافي جد وكد وليس بطالة وتكاسل، والتصوف الصافي خلق وزهد وليس تحاسد وجشع، والتصوف الصافي فتوة ورجولة وإيثار، وليس رعونة وتخنث وطمع، والتصوف الحق علم وعمل، وليس جهل وخرافة، والتصوف الحق صدق وأمانة وليس شعوذة ودجل، والتصوف الحق حقائق وأحوال ومجاهدات، وليس دعاوى عريضة وترهات، ورحم الله تعالى القائل: ” ليس التصوف لبس الصوف ترقعه … ولا بكاءك إن غنى المغنونا … ولا صياح ولا رقص ولا طرب … ولا تغاش كأن قد صرت مجنونا … بل التصوف أن تصفو بلا كدر … وتتبع الحق والقرآن والدينا … وأن تُرى خائفا لله ذا ندم … على ذنوبك طول الدهر محزونا “، إنّه لا غنى لأمة الإسلام عن التصوف الصحيح الصافي: كما أنه لا غنى للأمة عن علم الفقه وعن الفقهاء، و كما أنه لا غنى للأمة عن العقيدة وعلماء الأصول، فلا غنى لها عن التصوف وأهل الطريق الاولياء، ولا غنى للتصوف السني الرشيد عن إصلاحه وتصفيته وتنقيته مما ادخله الادعياء فإنهم اشد ضررا على التصوف ثالث مراتب الدين من أعدائه ومبغضيه.
***
(2) احترام التخصص في علم الفقهوذلك للقضاء على الشذوذ الفقهي وتصحيح المسار الفقهي عند المسلمين وأخذ الفقه من بابه الصحيح وأهل ه المتخصصين فيه
[المفتاح الأول]: مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في علم الفقه والشريعة، والتي ينبغي تحصيل علم الفقه من خلالها، أربعة مذاهب متخصصة معروفة (الأحناف) و (المالكية) و (الشافعية) و (الحنابلة)، ينبغي رد الأمور الفقهية المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم تلك المدارس الفقهية المتخصصة، فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف، وهذه المرجعية تمثل ولا شك احترام التخصص العلمي الذي يؤدى حتماً إلى الوحدة والتكامل، وقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، فقد أوضحت الآية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة، وقد استقر لهم (أهل السنة والجماعة) على مر عصور الإسلام السابقة في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل، وهذه المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا.
[المفتاح الثاني]: ما هي أهم أسباب اختلاف الفقهاء؟: أسباب عديدة: منها ما يعود إلى طبيعة المجتهد وقد خلق الله تعالى البشر بطبائع متفاوته فمنهم من يميل إلى الاحتياط والأخذ بالعزائم ومنهم من يميل إلى الانتفاع بالسعة في الشريعة ورخصها، والفقه لابد وأن يستوعب جميع الطبائع، ومنها ما يعود إلى بيئته، ومنها ما يعود إلى الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته، وذلك بسبب تشدد البعض وتساهل آخرين في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم , ومنها ما يعود إلى الاختلاف في فهم النص، ومنها ما يعود إلى الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة، ومنها ما يعود إلى الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط.
[المفتاح الثالث]: خصائص الخلاف في الفقه الإسلامي: (1) الخلاف في الفروع يختلف عن الخلاف في الأصول: فأمّا الخلاف الذي يتعلق بأصول الدين وأصول العقيدة فهو خلاف بين حق وباطل وبين هدى وضلال، وهو الخلاف الذي ينشأ عنه فرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار، وفي هذا الخلاف أشارت إليه روايات حديث تفرق الامة، والتي منها: حديث: (وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) [أخرجه الترمذي، وحسنه الألباني]، وأما الخلاف في الفروق فإنّه خلاف بين صواب وخطأ، والمجتهد فيه له أجر سواء أصاب أم أخطأ، ولهذا تواترت أقوال الفقهاء بأنّه خلاف رحمة وسعة، فشتان بين خلاف الأصول الذي ينشأ عن الخطأ فيه الضلال واستحقاق النار، وبين خلاف الفروع الذي للمصيب وللمخطئ فيه اجر ما كان خالص النية مستوف لشروط الاجتهاد.
(2) إذن الاختلاف الفقهي نوعان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد، واختلاف التنوع: (لا يمثل في حقيقته أي اختلاف) لأن منه ما يكون كل واحد من القولين صحيح شرعا، كما هو الحال في اختلاف القراءات، واختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه، ومن الاختلاف ما يكون كل من القولين هو في معنى قول الآخر ؛ لكن العبارتان مختلفتان، ومنه ما يكون المعنيان متغايرين، لكن لا يتنافيان؛ فهذا قول صحيح، وهذا قول صحيح وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان، فيجوز سلوك أحدهما أو الآخر كما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة، وأما اختلاف التضاد: فيكون فيه القولان متنافيين، وهذا الاختلاف هو اختلاف الرحمة والسعة، وللمجتهد المصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد، وهو خلاف بين راجح ومرجوح، وإن كان المصيب واحد، فلا بأس بتمحيص الصواب وينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، وعلى هذا الأمر اتفقت كلمة الفقهاء المقتدى بهم من كافة المذاهب الفقهية الإسلامية التي تنتمي إلى الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة، وابرزها مذاهب الأئمة الأربعة: (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)، فهذه الاختلافات الفقهية، قد مثلت سعةً ورحمةً وغنًى وثراءً في الاجتهاد، مجسدة بذلك التنوّعَ الطبيعيَّ في مناهج النظر الفقهي، والاستجابة المناسبة لتنوّع واقع الأمة ومصالحها عبر الزمان والمكان، وعلى ذلك فإن اختلاف هؤلاء في الفروع لا يعد بحال اختلافا مذموما، ومن كان في مثل علم هؤلاء – وهيهات – فله أن يجتهد مثلهم، ومن لم يصل إلى علمهم فليتتلمذ على فقههم، حتى يصل إلى فقههم، ومحاولة جمع الجميع على رأي فرعي واحد، فهو مخطئ يضيع جهده ويصرف الأمة عن مهامها الثقيلة إلى ما هو دونه.
(3) إذا كان هذا هو حال الاختلاف والتنوّع في المذاهب الفقهية، فلا يوجد أي داع للتعصب الفقهي المذهبي، ولا ينبغي ضياع الأعمار والجهود في المفاضلة بين المذاهب القائم على التعصب لأحدها على أنه قد جمع الحق في الفقه كله، بل الحق متوزع بينها وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة المرحومة.
(4) إنّ الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة، على اختلاف مذاهب هذا الفقه: لا يوجد فيها أدنى مشكلة بين هذه المذاهب المتأصلة العريقة، بل إنّها علامة على صلاحية الشريعة الربانية لكل زمان ولكل مكان ولجميع أجناس البشر الصعب منهم والسهل، وهي لا تزال تمثل مظهراً من مظاهر السعة والرحمة والغنى والثراء في ميدان الاجتهادات الفقهية، والأحكام الشرعية. (5) من أهم مميزات الاختلافات الفقهية أنّها لا تضعف أبداً الكيان الواحد للأمة الإسلامية الواحدة، لأن ميدانها هو الفروع، الذي لا يزال الناس فيه مختلفين، فاختلافاتها سنة وقانون إلهيّ لا تبديل له ولا تحويل، وهي اختلافات تعدد وتنوع في إطار الشريعة الإسلامية الواحدة، أي تنوع في الاجتهاد الفقهي في إطار الشريعة الواحدة، التي هي وضع إلهي ثابت.
(6) تجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية أمر مستحيل، لتعدد الأدلة والاحتمالات والأفهام، ومحاولة جمعها على قول واحد من أكبر الخطأ، لأنه يضر بالميزة التي حبا الله تعالى بها الفقه ألا وهي (السعة والرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان)، فيتجه به إلى الضيق وضياع الجهد فيما لا يمكن تحقيقه أبدا، ورحم الله تعالى مالكاً وقد عرض الخليفة العباسي أن يحمل الناسَ على الموطأ فأبى، وما ذاك إلا لأنّه يعلم أنّ اختلاف الأمة في الفقه وفي الفروع رحمة بالغة وسعة تغطي الزمان والمكان.
(7) الذي نحتاجه في ميدان الفقه، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان.
[المفتاح الرابع]: أهمية وضرورة احترام التخصص في الفقه: كل علم يحترم أهله مجال التخصص فيه يثمر المعرفة والصواب، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وإنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في: الفوضى العلمية، والخطأ في اصدار الأحكام، كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم، ومن المسلمات في دين الله تعالى أنه لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 12]، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، لقد كان من ثمرة التخصص في الفقه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع: وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا، والاختلاف فيها لا يدخل في الاختلاف المذموم، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، وهل يستطيع طالب علم – اليوم – أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة، لقد كان لكثير من علماء السلف الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة، ولكن آراء الصحابي أو العالم لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه، كما أنها لم تخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة، مع العلم بأنّها (المذاهب الفقهية) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة.
إنّ احترام التخصص الفقهي والرد في علم الفقه إلى تلك المدارس، ضرورة علمية، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه، ومظانه عند أهل التخصص فيه، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها، وهكذا، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه، إن عدم احترام التخصص يؤول بالأمة إلى الفوضى العلمية والتبديع والتضليل وضياع الأسس العلمية التي قام عليها الصرح العلمي لأهل السنّة والجماعة، وإنّ دعوى الأخذ المباشر من الكتاب والسنّة مباشرة دون العروج على أقوال أهل العلم المتخصصين في العلم، هي دعوى حق ولكن ليست لكل من هب ودب، إنها دعوى حق في حق من يمتلك أدوات الاجتهاد في مجال تخصصه، إنّ الشر كل الشر في ان يصبح الإفتاء في الدين كلأً مباحًا لكل من أراد من غير المختصين، وأن تتم محاربة المتخصصين بدعوى الأخذ من الكتاب والسنّة مباشرة، فإنها كلمة حق مآلها إلى الباطل، تشبه إلى حد كبير مقولة الخوارج: إن الحكم إلا لله، وهي كلمة حق ولكن لابد من وجود من يحكم بما أنزل الله، وهاهنا لابد من وجود المجتهد المتخصص الذي يستنبط من الكتاب والسنة، إن المرجعية الفقهية الصحيحة، ومعرفة المدارس الفقهية المتخصصة في علم الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة، أمر مطلوب، وهناك أربعة مذاهب متخصصة معروفة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)، ينبغي رد الأمور الفقهية المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم تلك المدارس الفقهية المتخصصة، فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف في الامور الاجتهادية والفرعيات الدقيقة التي تخضع للوجوه المتعددة والاحتمالات المختلفة، وتلك الامور يستحيل جمع الناس فيها على قول واحد لاحتمالات النصوص واختلاف المدارك بين العلماء، ولا عبرة لمن خالف تلك المدارس المتخصصة من الحشوية وأنصاف الجهلاء وأصحاب الجهل المركب من الموتورين الصائلين على الكتاب والسنّة وما فيهما من الدعوة إلى احترام التخصص وأهل ه، وقد علمنا أن لكل علم شرعي له أهله المتخصصون وله مدارسه السنّية المتأصلة العريقة حتى التزكية والاحسان والأخلاق كذلك لها مدارسها المتخصصة التي تنتسب إلى الصديقين المربين من العلماء العارفين الربانيين، وكل أمة لا تحترم علماءها النابغين والمتخصصين فلا حق لها في النبوغ أو الازدهار.
[المفتاح الخامس]: أصالة المذاهب الفقهية الاربعة وضرورة طلب الفقه من خلالها: ذكرنا أنّ لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ولا يجوز التهجم على علومهم دون الرجوع إليهم قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، إن مذاهب الفقهاء الأربعة هي المذاهب المتخصصة في علم الفقه الإسلامي، والأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة جمعوا بحمد الله تعالى علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار، فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه، ويملأ طباق الأرض علما وفقها، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه، ويتخرج على هؤلاء أكابر الفقهاء، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة، أضف إلى ذلك أن المتدبر لمسيرة تطور علوم الفقه وبناء المذاهب الفقهية ذلك البناء الشامخ، يجد أنّ أقوال وآراء أكثر الأئمة المجتهدين على مر عصور الإسلام السابقة لعصر بناء المذاهب الفقهية الكبرى يجد أنّها جميعا قد دخلت في إطار أقوال المذاهب الأربعة، فقد جمع مالك في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كالصديق والفاروق وفقه زيد بن ثابت، وتلامذتهم من الفقهاء السبعة فقهاء المدينة، وجمع أبو حنيفة في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة ممن عاشوا بالعراق كعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وتلامذتهما، وجمع الشافعي في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كعبد الله بن عباس ومدرسته الفقهية في مكة المكرمة، وجمع أحمد في مذهبه الأقوال الفقهية والموسوعة الحديثية لأكابر الصحابة ممن رووا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشروا العلم في سائر الأمصار، كما دخل في أقوالهم الفقهية علوم الليث بن سعد عالم مصر وعلوم الأوزاعي عالم الشام وعلوم الثوري عالم العراق، فلا تكاد ترى قولاً لعلماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة إلا وهو مدون في المذاهب الأربعة.
نعم هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة: وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي (ت157هـ) بالشام ؛ وسفيان الثوري (ت161هـ) بالعراق ؛ والليث بن سعد (ت175هـ) بمصر، وسفيان بن عيينة (ت198هـ) بمكة ؛ وإسحاق بن راهويه (ت238هـ) بنيسابور ؛ إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع، وعلى ذلك: فأولى المجتهدين بالإتباع: من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهل يته للاجتهاد من كلّ الجوانب، وصار له مذهب معروف، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة.
إن أصل العلوم جميعا كتاب الله تعالى ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد تعبد الله تبارك وتعالى كل مسلم بإتباع الكتاب والسنة، والناس تجاه الكتاب والسنة صنفان: مجتهد وعامي، و(المجتهد) فقط له الحقّ في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ؛ و (العامّي) _ وهو كلّ من لم يبلغ رتبة الاجتهاد _ يأخذ الأحكام من المجتهد، ولا يجوز له استنباط الأحكام ؛ فإن فعل ذلك فقد عصى الله ورسوله ولو أصاب في اجتهاده فضلاً عن خطئه، لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} أي: إن كنتم لا تعلمون الحكم، أو الوسائل الواجبة لاستنباط الأحكام والتي يتوقف فهم الأحكام على مراد الله عليها، وأولى المجتهدين بالإتباع: من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهل يته للاجتهاد من كلّ الجوانب، وصار له مذهب معروف، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، وهل يستطيع طالب علم – اليوم – أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة، إنّ من أهم الطرق العلمية الناجحة في تحصيل علم الفقه دونما أخطاء جسيمة في الفقه والفتوى، هو ما تفعله تلك المدارس الفقهية المتخصصة من دراسة (أحد المتون العلمية) المختصرة الجامعة لأبواب الفقه، والتي تعطي طالبها الخلفية الأساسية الراسخة لعلم الفقه، ثم التدرج في طلب الفقه بدراسة الشروح على تلك المتون ثم التوسع ببيان الأدلة التفصيلية والحواشي على تلك الشروح، وهكذا يكون طالب العلم الفقهي على أرض صلبة صحيحة راسخة يتوسع من خلالها في سلوك دروب الاجتهاد لمعالجة الحوادث النازلة على حياة المسلمين، ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها، لقد كان لكثير من علماء المسلمين الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة، ولكن آراء الصحابي أو العالم لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه، كما أنها لم تخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام.
لقد حظيت المذاهب الأربعة بقبول واسع لدى المسلمين وجاء فترات للأمة لا تكاد تجد فيها أحدا إلا وهو ينتسب لمذهب منها، بل استحوذ كل مذهب في غالب الأحيان على مناطق شاسعة، فيقال مثلا بلاد كذا جميعها حنفية، أو مالكية، أو شافعية، أو حنبلية، وذلك له عدة عوامل أهمها نبوغ جماعات من العلماء الذين تبنوا نشر هذه المذاهب والتأصيل لها والإفتاء بموجبها، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه، فمن أراد من المسلمين أن يسلك الطريق الصواب في الفقه، فعليه أن يلتزم مذهباً من هذه المذاهب الأربعة، وأن يحرص على استفتاء أئمتها وعلماءها، ومن أراد طلب علم الفقه – من طلاب العلم الشرعي – من بابه الصحيح فعليه أن يطلبه من خلال الوسائل التعليمية التي قررتها إحدى تلك المدارس الفقهية الأربعة ثم يتوسع بعد ذلك كيفما شاء طلبا للاجتهاد، والحذر الحذر من الدعوة إلى الخروج على فقه المذاهب الأربعة، فإن الدعوة للخروج عن المذاهب الأربعة يلزم منها: إما أن يرجع كلّ فرد من الأمة إلى الأدلة الشرعية ويستنبط منها الأحكام، وهذا بدوره يزيد المذاهب، ويفرق الأمة، ويحرِّف الدِّين، وإما أن يرجع الناس إلى مجتهد ما، فنقول: وهل هؤلاء أولى بالاتباع ممن عُرِف اكتمال علمه وفقهه وتقواه، وذهب مذهبه الآلاف من المجتهدين المهتدين، إنّ الأمر بالرد إلى الكتاب والسنّة هو عمل المجتهدين، أمّا عامة المسلمين، فالأمر هو الرد إلى أهل العلم والذكر الحكيم، والله تعالى يقول – في موضعين من القرآن الكريم -:{فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، [الأنبياء: 7]، إن واجب المجتهد: أن يبحث عن الدليل الصحيح وصفات النصوص لاستنباط الحكم منها ؛ وواجب عامة المسلمين أن يبحثوا عن العالم الصحيح، وهل هناك أعلم في الفقه من مدارس الفقه المتخصصة فيه، والتي تضم خيرة فقهاء وعلماء أهل السنّة والجماعة الأئمة المهديين المُتبعين.
[المفتاح السادس]: أسباب ميل فقهاء علماء أهل السنة والجماعة إلى الاكتفاء بالمذاهب الأربعة: أسباب عديدة منها: (السبب الأول): بلوغ الأئمة الأربعة إلى مستوى فقهي لا يسهل الوصول إليه، فقد حباهم الله تعالى بقدر عظيم من العلم والفقه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مع الإلمام الكبير بآلات الاجتهاد والفقه، (السبب الثاني): صعوبة شروط التأهل لمرتبة الاجتهاد. حيث تقصر الهمم عن بلوغ رتبة الاجتهاد، وقد بين العلماء الضوابط والشروط التي يصل بها الفقيه إلى مرتبة الاجتهاد المطلق، (السبب الثالث): وضع أصول الفقه للمذاهب الأربعة والذي يشمل جميع الطرق الموصلة إلى الرأي الفقهي، ولهذا فمن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق (وما أعسرها) فلابد أن يسير وفق أصول الفقه لأحد المذاهب الأربعة، وبالتالي فلا داعي للاجتهاد خارج المذاهب الأربعة، ويمكنه الاجتهاد في إطارها، (السبب الرابع): تجرؤ كثير من مدّعي العلم على الفتيا، وقولهم هؤلاء رجال ونحن رجال مثلهم، وهذا ما أجبر العلماء على الاحتياط وضبط الأمور، وسد الذرائع لئلا يدخل في باب الاجتهاد من ليس من أهله، (السبب الخامس): الخبرة الجماعية التي اكتسبتها المذاهب الفقهية من خلال تضافر جهود علماء المذاهب على بلورة الطريقة المثلى لتدريس الفقه بأيسر الطرق وأحكمها، وضمان تأهل دارسيها بالإلمام الفقهي بجميع جوانب الفقه وأبوابه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية الجامعة، فقد صارت هذه المذاهب الأربعة – بفضل الجهود الجماعية لعلمائها – بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، من أهم الطرق العلمية الناجحة في تحصيل علم الفقه دونما أخطاء جسيمة في الفقه والفتوى، هو ما تفعله تلك المدارس الفقهية المتخصصة من دراسة (أحد المتون العلمية) المختصرة الجامعة لأبواب الفقه، والتي تعطي طالبها الخلفية الأساسية الراسخة لعلم الفقه، ثم التدرج في طلب الفقه بدراسة الشروح على تلك المتون ثم التوسع ببيان الأدلة التفصيلية والحواشي على تلك الشروح، هذا في نفس الوقت الذي يتم فيه تدريس أصول الفقه والقواعد الفقهية المتعلقة بالمذهب، وهكذا يكون طالب العلم الفقهي على أرض صلبة راسخة يتوسع من خلالها في سلوك دروب الاجتهاد لمعالجة الحوادث النازلة على حياة المسلمين، ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها.
[المفتاح السابع]: ضوابط الانتساب للمذاهب الفقهية الأربعة: المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا، وقد كانت تلك المذاهب بمثابة المدارس المتخصصة في الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة، تخرج من خلالها آلاف من الفقهاء الائمة العلماء من المجتهدين في اطار مذاهبهم وأصول فقههم، ومن أهم ضوابط الانتساب إلى تلك المذاهب: (1) أنّه يجوز اتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ولكنه ليس واجبا شرعاً، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن، لأنّه من الصعب جدا أن يكون في الفقه مثل تلك المدارس التي شارك في بناء صرحها الآلاف من الأدمغة التي لا يتيسر جمعها مرة أخرى، (2) التزام مذهب بعينه من المذاهب الأربعة ليس واجبا ألزمنا الله به، وإنما هو من باب أخذ العلم من طريقه الصحيح وأهل ه المتخصصين فيه، (3) المذاهب الأربعة متكافئة، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة فكلهم على خير، (4) من التزم مذهبا من تلك المذاهب لا يجوز له انتقاء الأقوال – وفق الهوى – من تلك المذاهب فيختار الأيسر مثلاً، بل عليه أن يلتزم بمذهب إمامه في شروطه وضوابطه، لأنّ الأئمة الفقهاء ربانيون راسخون في العلم فإن تشدد أحدهم في شرط يسّر في آخر، حتى يكون الضبط مع التيسير سمة الفقه، فمن تتبع رخص المذاهب ضل وأضل، ومن التزم بمذهب واحد ضبطت مسائله على منوال واحد عدل وسط، فلا يجوز الانتقاء بين أقوال المذاهب إلا عند الضرورة الملحة، أو وجود الدليل الراجح، ولا يملك ذلك إلا من بلغ مرتبة الاجتهاد في الفقه واستوفى شروطها، والحذر الحذر من التلفيق بين الأقوال، لأنّ التلفيق بينها قد يؤدي إلى إسقاط تكاليف أو تضييع حقوق العباد، أو فوضى في معاملات البشر وهذا لا يجوز شرعا، وفتح باب التنقل بين الأقوال شره أكثر من نفعه، وليس كل الناس علماء، ولا كل من تصدر للفقه أتقياء، (5) يجوز لمن التزم مذهبا أن يتركه بكامله إلى التزام غيره من المذاهب بجملة أقواله، فجميع تلك المذاهب متكافئة والحمد لله، ويصعب، بل ويستحيل تفضيل أحداها على الأخرى بصورة الجزم، وقد حبا الله تعالى كل مذهب بخيرة الفقهاء والعلماء الذين شاركوا في بناء صرح المذهب الفقهي، (6) من اتبع مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة لا يجوز له الطعن بغيره من المذاهب، ولا يجوز له التعصب من أجله، بمعنى أنّه الصواب ومن عداه خطأ، فهذا من التعصب المقيت الذى نهى عنه الشرع، (7) لا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله، والأدلة محتملة، ولا يقوى على الترجيح إلا من اكتملت له آلة الاجتهاد، وملكة الفقه والترجيح، وهي لا تتيسر إلا لأقل القليل من العلماء، فهل يُفتح باب الانكار على مصراعية لأجل النادر الذي له حكم العدم، ولذلك فلا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة، (8) الأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ بل يخطئون ويصيبون، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة، وكان اختلافهم رحمة.
[المفتاح الثامن]: دعوى البعض بطلب الفقه عن طريق دراسة الحديث، دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة تنكب عن طريق الفقهاء وعودة بالعلم إلى الوراء، وهل سيلغ في علم الحديث معشار أحدهم، وهل سيبلغ في الفقه معشار معشار أحدهم، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أربعة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الفقهية الغير مؤصلة، بعدد كل ناعق مذهب، وينفرط عقد الفقه، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب، إنّ العلماء عندما قصروا طلب الفقه على المذاهب الأربعة علموا أنه قد كان وراء الأئمة الأربعة ألف فقيه وفقيه، وألف حسيب وحسيب، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها، ألا يعلم هذا المتغول على الامة في باب الفقه لكونه حفظ أو قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب، ألا يعلم أن مجلس الإمام أبي حنيفة كان يضم أربعين فقيها كلهم من حفاظ الكتاب والسنة يراجعون الإمام في مسائله، أقلهم في العلم قد يكون أعلم من علماء زماننا مجتمعين، فهيهات من دعاوى الحمقى والسفهاء والمتغولين التي ما جرت على الأمة سوى التنازع والتفرق والشذوذ الفقهي والتقعر والتنطع، وللأسف فهناك موتورون كلما اتفقت الأمة على قضية نخروا في أساسها يبغون الخلاف، وكلما بني الفقهاء صرحا علميا شامخاً أرادوا تشويه صورته ولا أدري لمصلحة مَن مِن أمة الإسلام ينعق هؤلاء، فإن زعموا أنّه الانتصار للكتاب والسنّة فهل كان الفقهاء على خلاف مع الكتاب والسنّة ام كانوا على جهل بهما وحاشاهم من ذلك، أم أنّه حب الظهور وداء الكبر وبطر الحق وغمط الناس، وغالب هؤلاء يذب الذباب عن وجه الآخرين وفي قلوبهم الحنوش الموتورة، تتحكم فيهم أمراض نفسية قاتلة تتمثل في عدم احترام التخصص الفقهي، ومحاولة لفت الانظار تتجارى الأهواء في دمائهم نسأل الله تعالى السلامة.
[المفتاح التاسع]: يفهم البعض من قول الأئمة الفقهاء (إذا صح الحديث فهو مذهبي) الفهم الخاطئ، فهم بهذا القول يظنون أنّه لا حرج من تخطئة الأئمة الفقهاء المجتهدين، بكل حديث ظنوا أنّه يُخالف ما ذهبوا إليه، ومن ثم يريدون الزام الناس بما فهموه، ويؤثمون أتباع الفقهاء في ترك الحديث من أجل قول فلان وفلان، وقد يبلغ بهم الحال إلى اتهام الناس في دينهم واخلاصهم لأنّهم ردوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل قول فلان وفلان، وهم لضيق أفقهم ومحدودية علمهم لا يعلمون أنّ الحديث قد يُعارضه حديث آخر أًصح منه، وقد صحت أحاديث عديدة عند الإمام مالك رحمه الله ورواها في الموطأ ولم يعمل بها لأنه عارضها حسب وجهة نظره ما هو أقوى منها، كما أنّ للفقهاء شروطا معينة للعمل بالحديث قد لا يستوعبها المحدث غير الفقيه، كما أنّ كل حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه فلا يلزم العمل به إلا عند من يعتقد صحته فقط، وكم رأينا محدثين يصححون اليوم حديثا ثم يتراجعون عن تصحيحه لعلة علموها من الحديث، فهل ننتظر في ديننا حتى يستقر رأى هؤلاء على التصحيح والتضعيف، إذن كلام البعض بان أخطاء أئمة الفقه الأربعة في الفقه لا يجوز متابعتهم عليها، وأن أحدهم إذا أخطأ في حكم مسألة ما فلا يجوز تقليده فيها، هذا كله في حكم الفرضية النظرية المستحيلة، لأنّه انتسب إلى تلك المذاهب آلاف الفقهاء فكيف سهى الجميع عن هذا الخطأ، وإن كان عمداً فهل نتهم فقهاء الأمة على التمالؤ على كتم الحق، والخلاصة أنّ الله تعالى جعل هذه الأمة خير الأمم وجعل فقهاءها خير الفقهاء، وقد كفانا الأئمة المجتهدون مؤونة أكثر الفقه، على أمل أن تتفرغ الأمة لغايتها من نشر الدين ونصرته وتحقيق أهدافه على أرض الله تعالى وبين عباده، لقد استوفت مسائل العبادات في باب الفقه بحثاً بما لا مزيد عليه، ومع تكرار البحث فيها والتقعر في مباحثها تضخمت وتورمت، وفي المقابل ضمرت مباحث المعاملات وتقلصت، مع أنّ مجال المعاملات واسع وكل يوم تأتي معاملة جديدة تبحث عن حكم شرعي، ناهيك عن احتاج الدول الإسلامية إلى مباحث علوم الاقتصاد الإسلامي والسياسة الشرعية الإسلامية، والعلاقات الدولية، والمعاهدات الجائزة في السلم والحرب والأمن والخوف، فالفحولة ها هنا تكون في الاجتهاد في تلك الأبواب لا أن نجتر كل يوم مسائل الخلاف في العبادات مع اتفاقنا أن الفقهاء الأربعة مجتهدون مأجورون في كل حال، من أصاب منهم له أجران ومن أخطأ منهم فله أجر، وليس معنى ذلك الزام المحدثين بقول الفقهاء، فليس لنا الزامهم، ولكننا نطلب منهم عدم تصدير الخلاف إلى أمة الإسلام وعدم استعمال معاول الهدم لشرخ جدران الصرح الفقهي الذي بناه الفقهاء، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وليس معنى ذلك ادعاء عصمة الأئمة الأربعة، فإنهم يقينا ليسوا معصومين عن الخطأ بل يخطئون ويصيبون، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة، وكان اختلافهم رحمة.
***
(3) احترام التخصص في علم التصوف وأخذ التزكية من رجالها الأتقياء الأنقياء وليس من أهل الحشو ولا من الأدعياء
[المفتاح الأول]: عُرفت مدارس التزكية والإحسان بمدارس التصوف، والتصوف يحمل في معانيه التزكية والتربية والأخلاق والسوك والإحسان، ولا مشاحة في الاصطلاح، فقد عُرف المتخصصون في هذا الجانب باسم الصوفية منذ ما يزيد على ألف عام، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و (التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، وعلى ذلك، وقد تعارف العلماء على ذلك منذ مئات السنين، وجميعها مدارس علمية وسلوكية متخصصة، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين، وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية)، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الْأَعلى: 14]، وأيا كانت التسمية، (التزكية أو التصوف) فإن المقصود هو ثلث الدين الأعلى، ثلث (الإحسان)، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”) [أخرجه مسلم]، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، ومن أشهرها عند أهل السنة الطريقة القادرية والطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية وغيرها من الطرق الفاضلة التي تدل على طريق الله تعالى ضمن إطار منهج الحق، وبهذا التخصص الإسلامي الواسع الاصيل، وبهذه المذاهب العقدية والفقهية والسلوكية المتخصصة يتضح الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة، سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم.
[المفتاح الثاني]: بداية ظهور التصوف كعلم للتزكية: القرآن الكريم شمل أصول وقواعد العلوم جميعا ومنها: (علم الفقه وعلم العقيدة وعلم التزكية) وكان الصحابة والتابعون على دراية بهذه العلوم ينقلونها للناس يعلمونها لهم دون فصل بينها، وبعد انقضاء عهد الصحابة والتابعين، ودخول الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى، اتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص؛ فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه، احتاج الناس إلى ضبط القرآن وعدم اللحن فيه، فنشأ علم النحو، وعلم أحكام التلاوة، ثم احتاج الناس إلى معرفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم تدوين الحديث، انتشر الحديث وخاف العلماء من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم الجرح والتعديل وبقية علوم الحديث، واحتاج الناس إلى معرفة معاني آيات القرآن فنشأ علم التفسير، واحتاج الناس إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام فنشأ تدوين علم الفقه،، ثم احتاج الناس إلى معرفة أدلة الفقه الأساسية فنشأ تدوين علم أصول الفقه، ظهرت الآراء الضالة في العقيدة واحتاج الناس إلى معرفة أصول الدين وعقائده فنشأ تدوين علم التوحيد (علم العقيدة وأصول الدين)، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، قال ابن خلدون في مقدمته: ” وهذا العلم – يعني التصوف – من العلوم الشرعية الحادثة في الملَّة ؛ وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق، والخلوة للعبادة، وكان ذلك عامَّاً في الصحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية) أهـ ([183]) .
[المفتاح الثالث]: التصوف هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام: كما هو معلوم لكل طالب علم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعلى مر العصور تتبلور العلوم، وتتخصص المدارس العلمية، ويتقن كل فريق من العلماء ما تخصصوا فيه من العلوم، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام.
[المفتاح الرابع]: التصوف هو المرادف للتزكية في اصطلاح القران الكريم، وهو المرادف للإحسان في اصطلاح الحديث الشريف: التصوف هو المرادف لمصطلح (التزكية) المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) } [الْأَعلى: 14]، وقوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه: 76]، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2]، وكذلك فإن (التصوف) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”) وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل (التصوف) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية، و(التصوف) علم عظيم من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين.
[المفتاح الخامس]: لماذا إذن استعمال مصطلح التصوف وليس التزكية أو الإحسان: إن مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و (التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، وعلى ذلك، فما الداعي إلى تغيير اسم مصطلح لن يغير من المعنى شيئا، ثم من يملك تغيير اسم الفقه أو العقيدة أو التصوف، وقد تعارف عليها منذ مئات السنين، وهي مدارس علمية متخصصة، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين، وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية)، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الْأَعلى: 14]، وأيا كانت التسمية، (التزكية أو التصوف) فإن المقصود هو تجديد المضمون وتصحيح المسار لجانب يمثل ثلث الدين الأعلى، ثلث (الإحسان)، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”) ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، ولا ينبغي تضييع الوقت والجهد في تغيير مسمى قد عُرف على ما يزيد من ألف عام، فلنركز الجهد على تجديد التصوف وإصلاح الصوفية، حتى يتم بتجديدها تجديد مرتبة الإحسان ثلث الدين الأعلى، والله المستعان، يقول العلامة عبد القادر عيسى في كتابه القيم (حقائق عن التصوف): التصوف أشهر من أن يحتاج في تعريفه إلى قياس لفظٍ، واحتياج اشتقاق، وإنكار بعض الناس على هذا اللفظ بأنه لم يُسمع في عهد الصحابة والتابعين مردود، إذ كثيرٌ من الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة، واستُعملت ولم تُنكَر، كالنحو والفقه والمنطق، وعلى كلٌّ فإننا لا نهتم بالتعابير والألفاظ، بقَدْرِ اهتمامنا بالحقائق والأسس. ونحن إذ ندعو إلى التصوف إنما نقصد به تزكية النفوس وصفاء القلوب، وإصلاح الأخلاق، والوصول إلى مرتبة الإحسان، نحن نسمي ذلك تصوفاً. وإن شئت فسمه الجانب الروحي في الإسلام، أو الجانب الإحساني، أو الجانب الأخلاقي، أو سمه ما شئت مما يتفق مع حقيقته وجوهره؛ إلاَّ أن علماء الأمة قد توارثوا اسم التصوف وحقيقته عن أسلافهم من المرشدين منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا، فصار عُرفاً فيهم.
[المفتاح السادس]: تعريف التصوف وبيان ما هو المقصود بالتصوف: (أ) تعريف التصوف من حيث اللغة: لا يهمنا ها هنا المعنى اللغوي للتصوف، بقدر أهمية المقصود به، المعنى اللغوي قد يكون اشتق من لبس الصوف لأن أوائل السادة الصوفية كانوا أئمة الزهد في الدنيا فكانوا يلبسون الصوف فكان علامة لهم، ولكن المعنى الحقيقي له هو: أنه علم إسلامي يستمد أصوله من الكتاب والسنة، يتعلق بتحقيق التزكية القلبية وتحقيق مرتبة الإحسان، ونظرا لسعة علم التصوف واتساع جوانبه، لذلك كثرت الأقوال في تعريف التصوف، كل منها يشير إلى جانب رئيسي في التصوف، قال الشيخ العلامة أحمد زروق رحمه الله: (وقد حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين، مرجعها كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى) ([184]) . ألفي تعريف وكل تعريف منها يشيـر إلـى جانب من جوانب التصوف: منها على سبيل المثال: قال سيد الطائفة الإمام الجنيد رحمه الله (ت: سنة 297ه): (التصوف استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني) ([185]) . وقال القاضي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله (ت: سنة 929ه) ـ: (التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية) ([186]) .
[المفتاح السابع]: نشأة علم التصوف وبداية ظهور مصطلح الصوفية: يقول القشيري رحمه الله: ” اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم “الصحابة”، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين “الزهاد” و”العُبَّاد”، ثم ظهرت البدعة، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادًا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم “التصوف”، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة ” أهـ ([187]) .
[المفتاح الثامن]: أركان علم التصوف: أركان علم التصوف أربعة: (الأول) معرفة جناب ذات الله تعالى وتقدس وما يجب له من التسبيح والتقديس والتنزيه والتعظيم، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتوحيده سبحانه في إلهيته ربوبيته وعبوديته لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو، (الثاني) معرفة النفوس وشرورها ودواعيها والطريق إلى تخليتها عن دسائسها وتحليتها بتزكيتها، قال تعالى: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}، و (الثالث) معرفة وساوس العدو ومكائده ومضاله وكيفية التغلب على مكائده، قال تعالى {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}، و(الرابع) ومعرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها، وكيف الاحتراز منها والتجافي عنها وضرورة الزهد فيها، قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، وقال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}، ثم ألزموا أنفسهم بعد توطئة هذه الأركان: دوام المجاهدة، وشدة المكابدة، وحفظ الأوقات، واغتنام الطاعات، ومفارقة الراحات، والزهد في الدنيا الفانية، وإيثار الآخرة الباقية، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام وأهل ه خير الجزاء، (تنبيه) مع احترام التخصص لابد من الإصلاح والتجديد، وإذا كان الدين نفسه يحتاج إلى إصلاح وتجديد كل مائة عام، فإن التصوف القائم على مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين يحتاج أيضا إلى إصلاح وتجديد، وذلك بإصلاح جوانب الخلل التي أصابت التصوف بفعل عوامل طول الزمان ووجود الجهلاء والأدعياء، مع التنبيه على وجوب أخذه من اهله المتخصصين.
[المفتاح التاسع]: (تاريخ التصوف الاسلامي): ويمكن اختصاره إلى ثلاث مراحل: (المرحلة الأولى): كانت بداية التصوف كعلم ومدرسة تربوية مستقلة عن علمي الفقه والعقيدة، في بدايات القرن الثاني، أي بعد نشأة الفقه كعلم ومدرسة علمية بشيء يسير، وكان الناس ينظرون إلى التصوف على أنه زهد وتقشف وعبادة في الفترة التي عاش فيها صوفية: من أمثال الحسن البصري (ت ١١٠ هـ)، وإبراهيم بن أدهم البلخي (ت ١١6 هـ)، ورابعة العدوية (185هـ)، والفضيل بن عياض الخراساني (ت ١87 هـ)، ومعروف الكرخي، (ت 201 هـ)، وأبو سليمان الداراني (ت205هـ)، وبشر بن الحارث الحافي (ت 227 هـ)، والحارث بن أسد المحاسبي (ت 243 هـ)، وذي النون المصري (ت 245 هـ)، وسري بن المغلس السقطي (ت 257 هـ)، ويحيى بن معاذ الرازي الواعظ (ت 258 هـ)، وأبو اليزيد البسطامي (ت263هـ)، وأحمد بن عيسى الخراز (ت 277 هـ)، وسهل بن عبدالله التستري (ت 283 هـ)، وأبي القاسم الجنيد البغدادي (ت 297 هـ)، ورويم بن أحمد البغدادي (ت 303 هـ)، وكان أهم ما يميز تلك المرحلة الاهتمام بتأسيس مصطلحات علم التصوف، وأحواله ومقاماته كالمحبة والخوف والرجاء والزهد، وبداية التمييز عن علماء الفقه، بعلم التزكية والتصوف.
(المرحلة الثانية): وهي المرحلة التي ظهر فيها عباقرة التصوف الذين كتبوا أعظم كتب التصوف، أبو نصر السرّاج الطوسي (ت378هـ) في كتابه اللمع في التصوف ” و” أبو بكر محمد الكلاباذي (ت380هـ) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف” و” أبو طالب المكي (ت386هـ) في كتابه قوت القلوب” و” أبو القاسم القشيري (ت465هـ) في الرسالة القشيرية” وهي من أهم الكتب في التصوف و” الغزالي (ت505هـ) في كتابه إحياء علوم الدين.
(المرحلة الثالثة): وهي مرحلة تأسيس الطرق الصوفية، ومدارس التصوف والتربية والتزكية في العالم الإسلامي، على يد الربانيين من أهل التصوف، ومن أشهر تلك الطرق التربوية: الطريقة القادرية التي أسّسها الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت561هـ)، والطريقة الرُفاعية التي أسسها الشيخ أحمد الرفاعي (ت 578هـ)، والطريقة الشاذلية التي أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت656هـ)، والطريقة الأحمدية أو البدوية التي أسسها الشيخ أحمد البدوي (ت 634 هـ)، والطريقة المولوية التي أسسها الشيخ جلال الدين الرومي (ت672هـ)، والطريقة البرهامية أو الطريقة الدسوقية التي اسسها الشيخ إبراهيم الدسوقي (ت 676هـ)، والطريقة النَقشبندية التي أسسها الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي (ت791هـ)، والطريقة الخلوتية التي أسسها الشيخ محمد بن أحمد بن محمد كريم الدين الخلوتي، (ت 986 هـ)، والطريقة السنوسية التي أسسها الشيخ محمد بن على السنوسي (ت 1202 هـ)، والطريقة التيجانية التي أسسها الشيخ أحمد التيجاني (ت1230ه)، الطريقة المرغنية التي أسسها الشيخ محمد بن عثمان المرغني السوداني (ت 1267 هـ).
[المفتاح العاشر]: (الطرق الصوفية): هي مدارس في التزكية والتربية مرتبطة بواسطة السند المتصل، وجميعها تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من الأثرية أو الأشاعرة أو الماتريدية، وتتبع أحد المذاهب الأربعة السنية، والاختلاف بينها إنما هو في طريقة التربية والسلوك إلى الله، حيث تختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها، وكل هذه الأساليب لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله، بل هي من باب الاجتهاد المفتوح للأمة، فقد يسلك بعض المشايخ طريق الشدة في تربية المريدين فيأخذونهم بالرياضات العنيفة ومنها كثرة الصيام والسهر وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس وكثرة الذكر والفكر، وقد يسلك بعض المشايخ طريقة اللين في تربية المريدين فيأمرونهم بممارسة شيء من الصيام وقيام مقدار من الليل وكثرة الذكر، ولكن لا يلزمونهم بالخلوة والابتعاد عن الناس إلا قليلا، ومن المشايخ من يتخذ طريقة وسطى بين الشدة واللين في تربية المريدين، (أنواع الطرق): توجد ثلاثة أنواع من الطرق وهي: طريقة التبرك، وطريقة الإرشاد، وطريقة التربية والترقية، وذلك حسب مستوى شيخ الطريقة، فشيخ التبرك هو الذي يبلغ أوراد الذكر لمن يطلبها بإذن مسند صحيح، ويقف دوره عند هذا التبليغ، وينال الآخذ عنه بركة النسبة لسلسلة الشيوخ الصالحين المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ينال ثواب وأنوار الأذكار التي يلتزم بها، وأما شيخ الإرشاد فزيادة على تبليغ الأوراد كشيخ التبرك، يسعى لإرشاد تلاميذه إلى مكارم الأخلاق ودوام الذكر وصفاء الباطن وينفث في قلوب أهل الاستعداد منهم عوارف معارف وأنوار مقامات. فشيخ التبرك يدل على مقام الإسلام وغايته علم اليقين والإشراف على النفس المطمئنة. وشيخ الإرشاد يرشد إلى مقام الإيمان وغايته عين اليقين والإشراف على مقامات القلب الراضي المرضي المستنير بدوام الذكر، وأما شيخ التربية والترقية فيرفع إلى مقام الإحسان مشاهدة في مقام (أن تعبد الله كأنك تراه).
[المفتاح الحادي عشر]: أصالة علم التصوف وانتسابه إلى الكتاب والسنة: التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه، فلقد اهتم القرآن الكريم بعلم التصوف اهتماماً كبيرا، وأولى له ولاية عظيمة، بما حوى من أسس التزكية المتمثلة في الكم الكبير من الآيات التي تأمر بمقامات التزكية القلبية، تلك الآيات التي تأمر بالخوف والرجاء والمحبة والتوكل والرضا، وتلك الآيات التي تأمر بالتوبة والمراقبة والتقوى والإحسان، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تطهير النفس عن دسائس الأخلاق كالكذب والنفاق والظلم والعدوان والحسد والكبر والغرور، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تحلية القلب بعظيم الأخلاق كالتواضع والبر والصدق وغيرها من تعظيم الأخلاق، أضف إلى ذلك أن جميع العبادات التي أمر بها القرآن من صلاة وصيام وزكاة وذكر وتلاوة للقرآن إنما هي كذلك لأنها طريق إلى تزكية القلوب وطهارتها، كما أن أحد أكبر مهمات الرسول بين المسلمين هي تزكيتهم كما جاء في قوله تعالى: {ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}، وقد رسم الرسول صلى الله عليه وسلم المنهاج المتكامل لأصول وقواعد ما سيسمى بعد ذلك بعلم التصوف، كما أن مبادئ هذا العلم كانت في عهد السلف الكرام، حيث ضربوا أروع الأمثلة على التزكية والصفاء والزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله، وصفاء النفس وسلامة الضمير، وتصفية النفوس من طبائعها الرديئة، وتخليصها من شهواتها الطاغية واتصافها بمكارم الأخلاق وسني الآداب، وهل التصوف سوى هذه الأخلاق العظام.
[المفتاح الثاني عشر]: برآءة التصوف الإسلامي من الانتساب إلى الأديان الأُخرى: التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه، أما الزعم الفاجر بان التصوف يستمد أصوله وأسسه من الديانات الأخرى المحرفة والنحل الباطلة المزيفة، فهذا ظلم بين لعلم التصوف، وجحود واضح لأهله الصادقين المخلصين، والله تعالى أمرنا بالإنصاف مع الكافرين في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، فكيف بالإنصاف مع عباده الصالحين وأوليائه المحسنين، وفي الحديث الصحيح: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه) ([188]) . وقد علم القاصي والداني أن القوم أقرب الناس تحقيقاً لهذا الحديث، يقول الشيخ حسني حسن الشريف في كتابه القيم (الدلالة النورانية): ” (سؤال): يُتَّهم التصوف من بعض الجهلة وأدعياء العلم بأنه مستقى من أصول غير إسلامية كالفارسية والهندوسية والبراهمية، كما أَطلق بعض أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم اسم التصوف على الرهبنة والبوذية والكهانة النصرانية والشعوذة الهندية، فقالوا هناك تصوف بوذي وهندي ونصراني وفارسي؛ أين التصوف من كل هذا، وأين هو من الشرع الإسلامي؟، (جواب): إن علم التصوف مستمد من الكتاب والسنة النبوية جملةً وتفصيلاً، ومما سبق من نصوص يتبين لنا أن التصوف ليس أمراً مستحدثاً جديداً، ولكنه مأخوذ من الكتاب والسنة وحياة الصحابة الكرام، ومن إلهامات الصالحين الربانيين وفتوحات العارفين الصديقين. وعلى القارئ إذا أراد أن يتبحر في ذلك أن يعود إلى كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، وأن يقرأ في أربعة كتب منه وهي: «كتاب العبادات» و «كتاب العادات» و «كتاب المهلكات» و «كتاب المنجيات» ليعرف السالك أن التصوف هو التطبيق العملي للإسلام وأنه يستمد فكره من الكتاب والسنة، وأنه ليس هناك فعلاً إلا التصوف الإسلامي فقط. وإنما أُريدَ بتلك التهم تشويه اسم التصوف باتهامه بأنه يرجع في نشأته إلى تلك الأصول القديمة والفلسفات الضالة، ومن ثَم إبعاد المسلمين عن حقيقة وجوهر وروح دينهم، حتى يكونوا مجردين من الروح والخلق، حافظين لنصوص دينهم دون عمل وفهم وتذوق، إن مصدر علوم التصوف هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل الخلق بالإجماع. وقد جاءت هذه العلوم لتحقيق الكمالات علماً وعملاً وحالاً، ولتكميل العقائد وتطهير النفوس وتحسين الأخلاق. وهذه رسالته صلى الله عليه وسلم، أما ثبوت شرف التصوف، فلا شك أن الكتاب والسنة وإجماع الأئمة وردت بمدح جزيئات التصوف ودعائمه، كالتوبة والتقوى والإحسان والاستقامة والصدق والإخلاص والطمأنينة والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والمراقبة والصبر والشكر وغير ذلك من المسائل. وهذه ليست جديده ولا مبتدعة، وليست قديمة من فلسفات الفرس والهندوس وغيرها، إنما هي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما ربطنا بها إلا حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالصوفية أتبع الناس وأكثرهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ودل ذلك على أنهم أحب الخلق إلى الله. قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] وروى البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين) وعلامة المحبة الإتّباع، أما حكم الشرع في التصوف فقد قال الغزالي: (إنه فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم السلام) على اعتبار أن التصوف هو المدخل إلى تزكية الأنفس. وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله: (من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مُصِرّاً على الكبائر من حيث لا يشعر ولا يدري ” أهـ [الدلالة النورانية]
[المفتاح الثالث عشر]: التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين، ولابد من إنصافه:
(أ) دين الإسلام جاء بتزكية الظاهر والباطن، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَعراف: 33]، وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَنعام: 151]، وقد تكفل علم التصوف بتزكية الباطن، لأن من تعريفات التصوف أنه (العلم الذي يعرف به كيفية تصفية الباطن وتخلية القلب عن صفاته الذميمة، حتى يتوصل إلى تزكيته وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق) وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وقد قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88-89]، والتصوف – كما هو معلوم لأهله – يتخصص في تزكية القلب بطهارته من الكفر والشرك والنفاق والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء …، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق ..، وهذا القسم الذي تخصص فيه التصوف هو القسم الأهم لقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ([189]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ([190]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (… التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) ([191]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه) ([192]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم) ([193]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) ([194]) .
وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، والحق يقال أنه على مر عصور الإسلام فإن للسادة الصوفية الحظ الأوفر من الوراثة النبوية في تحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والورع والتوكل والرضا والأدب والتسليم والمحبة والذكر والمراقبة.
(ب) التصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق الحقيقي العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، ولذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي: بعد أن اختبر طريق التصوف ولمس نتائجه وذاق ثمراته (ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.. ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم: وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله) ([195]) .
(ت) إن التكاليف الشرعية المتعلقة بالقلب أهم من التكاليف الشرعية المتعلقة بالبدن – وإن كان الكل مُهمَّاً – وذلك لأن الباطن أساس الظاهر ومصدره، وأعماله مبدأ أعمال الظاهر، ففي فساده إخلال بقيمة الأعمال الظاهرة، وفي الحديث ما يدل على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحتْ صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” [متفق عليه]، وقوله صلى الله عليه وسلم (إن الله لا ينظرُ إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم) [أخرجه مسلم]، وما دام صلاح الإنسان مربوطاً بصلاح قلبه الذي هو مصدر أعماله الظاهرة، تعيَّن عليه العمل على إصلاحه بتخليته من الصفات المذمومة التي نهانا الله عنها، وتحليته بالصفات الحسنة التي أمرنا الله بها، وعندئذٍ يكون القلب سليماً صحيحاً، ويكون صاحبه من الفائزين الناجين {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [الشعراء: 88 – 89]، قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله: (وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها، فقال الغزالي: إنها فرض عين) ([196]) .
ويقول العلامة ابن عابدين في حاشيته الشهيرة: (إن علمَ الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرضُ عين، ومثلها غيرها من آفات النفوس، كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة، والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل، ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من “الإحياء”. قال فيه: ولا ينفك عنها بشر، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجاً إليه، وإزالتها فرض عين، ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه) ([197]) .
(ث) إن التصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة الأمراض القلبية، وتزكية النفس والتخلص من صفاتها الناقصة، قال ابن زكوان في فائدة التصوف وأهميته: ” علمٌ به تصفيةُ البواطنْ … مِن كدَرَات النفس في المواطنْ “، قال العلامة المنجوري في شرح هذا البيت: ” التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدرات النفس، أي عيوبها وصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وحب الثناء والكبر والرياء والغضب والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء، لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته، فبعلم التصوف يُتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى، وتحليته بذكر الله سبحانه وتعالى) ([198]) .
(ج) إن التصوف هو العلم الذي اختص بتحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والأدب والمحبة والذكر والمراقبة، وللصوفية في هذا المجال الحظ الأوفر من الوراثة النبوية.
(ح) التصوف هو العلم الذي اهتم برسم الطريق العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى درجات الكمال الإيماني والخُلُقي، وليس كما يظن بعض الناس أنه مجرد اجتماع لذكر الله وقراءة الأوراد وحسب، بل نقول (التصوف) منهج عملي كامل، يحقق صلاح المسلم وتهذيب أخلاقه وتحوله إلى شخصية مسلمة مثالية متكاملة، تعيش في درجات الإحسان، ومن هنا تظهر أهمية التصوف وفائدته، ويتجلى لنا بوضوح، أنه علم إسلامي قيم، لا غنى عنه لكل مسلم، كما لا غنى له عن علوم العقيدة التي تصلح الاعتقاد وعلوم الفقه التي تصلح العبادات والمعاملات، وأنه (علم التصوف) العلم الذي يصلح القلوب والأخلاق وبه يصل العبد إلى مرضاة الله.
(خ) علم التصوف من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة ولابد من إنصافه، لان (التصوف) هو مقام الاحسان من الاسلام الذي ورد في حديث جبريل المشهور حيث ينتقل العبد من مقام الايمان بالغيب إلى مقام شهود الغيب (أن تعبد الله كأنك تراه)، وهذا لا يتأتى إلا بتصفية القلب وتخليصه من كثير من السحب المتلبدة عليه، و (التصوف) مرتبة عالية تتمثل في إصلاح القلب بالوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا، وهو مبني على الكتاب والسنة وذلك باتباع شرع الله تعالى والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأحوال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأفعال، وتسليم الامور كلها لله من غير إهمال في واجب ولا مقاربة محظور، وحاصله اتصاف بجميع المحامد وترك لجميع الأوصاف الذميمة، وهو مسلك قائم على العلم والعمل، وله منازل أعلاها المشاهدة (أن تعبد الله كأنك تراه) وأولها المراقبة (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وله مقامات عديدة شريفة منها التوبة والمحاسبة والخوف والرجاء والصدق والإخلاص والصبر والورع والزهد والرضا والتوكل والشكر، و (التصوف) هو الطريق المؤدي إلى أرقى درجات الكمال الإيماني والإحساني الذي به يتحقق مقام الشهود وحق اليقين، وهو الطريق إلى مدارج السالكين ومراقي الصاعدين إلى مرضاة رب العالمين.
(د) علم التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة علم من أجَّلِ العلوم الإسلامية، ولابد وأن ينصف، ولو رجعنا إلى علماء الأمة الأفاضل العلماء الأبرار الأخيار لوجدنا أكثرهم ينتمي إلى التصوف أو يثني عليه خيرا،ولكن التصوف كغيره من علوم الإسلام قد يدخل فيه من ليس من أهله من الأدعياء والدخلاء والجهلاء، وهؤلاء لا يمكن أن يضروا التصوف، بل ضررهم على أنفسهم، ولا زال العلماء يتكلمون على أخطاء المتصوفين، ويصححون مسار التصوف، وهم يفرقون بين الصوفية الحقة وأدعياء التصوف.
(ذ) هناك فريق يدعي الإصلاح يسعى لاقتلاع التصوف من جذوره، وهؤلاء يريدون ان يأخذوا التصوف ببعض أدعيائه؟ وهم يبذلون كل الوسائل المتاحة لمحاربته، ويصرون على إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال، ثم تراهم يكفرون الصوفية كلها بمقولة وجدها في كتاب ما مدسوسة على احدهم، أو قالها في ساعة ذهول لا يقصدها، _ كالذي أخطأ من شدة الفرح فقال: اللهم انت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح _ إن الأصل في ديننا أنه ما من معصوم في هذه الأمة سوى الرسول صلى الله عليه وسلم، وجميع العلماء بعده والطوائف كذلك يؤخذ منها ويرد عليها وهم غير معصومين عن الخطأ، أخطاؤهم غير مقبولة كدين، ونغض الطرف عن عثرات علمائهم لأنه الأدب مع العلماء الذين لهم فضل ننظر إلى محاسنهم ونترك المساوئ والعثرات.
(ر) إن كلمة (صوفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء، وصفة مدح، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى، هل يعقل اليوم أن ينادي بعض من يزعمون الإصلاح إلى اقتلاع التصوف من جذوره، وابادة التصوف وأهل ه، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا التنطع من تنطع، وأين يذهب تسعة أعشار أهل السنة في العالم اليوم في مصر والسودان ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين، هذا اليوم، فما بالنا بهم على مر عصور الإسلام السابقة، وقد كان جمهورهم ينتسب إلى مدارس التصوف، وأين يذهب الجنيد وأصحابه، وحجة الإسلام الغزالي وأتباعه، وعبد القادر الجيلاني والرفاعي والشاذلي وأمثالهم من الربانيين والملايين من أتباعهم، إن هؤلاء هم سادة التزكية وأقطاب التصوف ودعائم الأخلاق، ولا يكابر في إنكار فضلهم إلا مجازف بدينه مخاطر بأمته، وهل انتشر الإسلام في أقاصي الشرق والغرب إلا بأخلاق هؤلاء وجهودهم في الدعوة إلى الإسلام.
(ز) ليس معنى ذلك أن نبرأ الصوفية من كل خطأ وأنهم معصومون، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف، ولابد من التصحيح حتى يسير التصوف في إتمام مهمته من تزكية النفس وبناء أمة الأخلاق في خضم زمان لا يعرف أهله سوى الماديات.
[المفتاح الرابع عشر]: التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين، ولابد من تصفيته من الدخن والخلل: (أ) لابد من تصفية التصوف من الدخن والخلل، والعودة به إلى تزكية الكتاب والسنة، لقد أساء – على مر عصور الإسلام – أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه وادِّعائهم له مع خيانة مبادئه ومخالفة أوامره، وأساء آخرون باعتراضهم عليه جملة وتفصيلا، إن واجبنا نحو التصوف اليوم هو التزام المبادئ الإيجابية التي جاء بها التصوف الإسلامي، مع إصلاحه و تجديد أمره وإعادته إلى تزكية القرآن والسنة وتأكيد ارتباطه بالكتاب والسنة، لأنه – بحق – علم رباني من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة، (ب) لابد من تجديد أمر التصوف وتصفيته من الدخن والخلل: فإن (الصوفية) طائفة إسلامية كبيرة من طوائف أهل السنة والجماعة، تنتشر في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وهي مثل بقية الطوائف الإسلامية كالمحدثين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين، فيهم الصالح والطالح، والصحيح والفاسد والمصيب والمخطئ ولا يصح أن ننسب إلى أي طائفة من هؤلاء الطالح والفاسد والمخطئ فقط. فعندما يقال (الصوفية) فإننا نعرف أن المراد بهم أمثال الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي وعبد القادر الجيلاني والجنيد وغيرهم كثير من الأولياء والصالحين على مر عصور الإسلام، ولا يراد بالصوفية أولئك الدجالون المخرفون المخالفون للكتاب والسنة، الذين دخلوا على التصوف فأفسدوه، لذلك وجب عدم خلط الأوراق بعضها من بعض فالعدل مطلوب مع العدو الكافر، فضلاً عن كل المسلم، فضلا عن من انتسب إلى إطار الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، أما إلقاء التهم اعتباطا ليس من خلق المسلم، والصوفية أسم جامع لطائفة عظيمة من المسلمين، نخص منهم أولئك الصالحين المتمسكون بالكتاب والسنة والقائمون على ثغور مهمة التزكية التي هي إحدى مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه الطائفة هي المقصودة بالتصوف الصافي النقي الصحيح الذي قام على صفاء النفس من الكدر، وامتلائها من الفكر والذكر والخلق العظيم، وتحقيق مرتبة الإحسان أعلى مراتب دين الإسلام، إن من الإنصاف أن نذكر فضل التصوف الصحيح الذي نهض برسالته منذ فجر الدعوة الإسلامية، في التزكية والإحسان وبناء المؤمن الحق، وكان رجال التصوف السابقون مدارس التربية والتزكية داخل المجتمع الإسلامي، وكان بهم يتحقق تكامل العلم والسلوك، وكانوا في الجهاد في مقدمة صفوف المجاهدين يحثونهم على التعلق بالآخرة، والشوق إلى لقاء الله، وكانوا ينشئون الرباطات على أطراف المدن الإسلامية وثغورها المتاخمة للأعداء، فكانوا يشتغلون فيها بذكر الله حتى إذا ما دعاهم داعي الجهاد، كانوا خيل الله السابقة، وكانوا هم أئمة الدعوة إلى الله، يصلون بدعوة الإسلام إلى المواقع التي لم تكن تبلغها جيوش الفتح العسكري، فكان الدعاة من رجال التصوف يتكفلون بهذه الرسالة، ينشرون الإسلام في مختلف أنحاء الأرض، هذا هو التصوف الحق المستمد من قواعد الكتاب والسنة وأحوال السلف الصالح، وهو التصوف الصافي الذي كان الفقهاء يعتبرون أنه من الشرف الانتساب إليه وانه بنقائه جزء مهم في تكوين شخصية كل مسلم، ولكننا – اليوم – نرى التصوف قد اختلط بصفائه بعض الأخطاء مما جعل الكثيرين لا ينظرون إليه بعين الرضا والقبول، بل بعين الشك والريبة، فلابد من تجديد التصوف، حتى نزيل عنه ما ليس منه، وننقيه من العثرات والهفوات، ونعيده إلى ثوب الكتاب والسنة، حتى يتبوأ مكانه الحقيقي في مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، وما أحوجنا إلى منهاج تجديدي صحيح نقي صافي، يقوم على أكتاف رجال التزكية المخلصين، لا أشباه الرجال من الأدعياء والمنتسبين، منهاج يعود بالصوفية إلى قمة منازل الصالحين من أهل السنة والجماعة، وما أشد حاجة المسلمين إلى قيم التصوف المثلى وحضارته الروحية الطاهرة الزكية، لقد أساء أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه، وادِّعائهم له، وأساء آخرون باعتراضهم عليه، وردِّهم له جُملةً وتفصيلاً ؛ وذلك لأنهم لم يفقهوا حقيقته التي كان عليها السَّلف الصالح، ولم يفرِّقوا بين الحقِّ الذي هُدِيَ إليه الصوفية الصادقون، وبين الباطل الذي أُلصق بهم وأُدخل على طريقتهم، وهم منه براء، ولاشك أن هناك عوامل عديدة يجب إصلاحها بسرعة وإتقان داخل (التصوف) حتى يعود التيار الصوفي إلى الوسطية التي حبا الله تعالى بها الفرقة الناجية – وأنا هنا لا أعمم تلك العوامل على جميع التيار الصوفي فالمنصفون يعلمون أن هناك صوفية أولياء في عداد الصديقين والأصفياء، وهناك أدعياء للتصوف متمصلحون منه يأخذون منه عرض الحياة الدنيا، وهناك جهلاء، وهناك غلاة مبتدعون، وهناك منحرفون، وهناك مغرضون تزيّوا بزيه، وانتسبوا إليه، لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم، والتصوف منهم براء، ولذلك كان لا بد من التفريق بين أدعياء التصوف المنحرفين، وبين الصوفية الصادقين، أصحاب السلوك، ممن لهم درجات عليا في التزكية والإيمان والورع والتقوى واليقين، وآثار كبرى في نشر الأخلاق والدين، والدعوة إلى الله تعالى في سائر أزمان المسلمين، والحاصل أن الإنصاف تجاه القوم مطلوب شرعي، وفضل التصوف الصحيح الذي هو ضرورة لإحياء القلوب، وتهذيب النفوس، لا ينكره منصف أضاء الله تعالى بصيرته بأهمية الحفاظ على طوائف أهل السنة والجماعة القائمين على ثغور الإسلام، والإصلاح واجب شرعي.
[المفتاح الخامس عشر]: إن التصوف الإسلامي الأصيل قد ابتلي بالأدعياء شأنه شأن غيره من علوم الإسلام، وأهل التصوف الحق يعلمون أنّه: ليس من التصوف الإسلامي: القول بمخالفة الشريعة للحقيقة، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف، وليس من التصوف الإسلامي: القول بالحلول أو الاتحاد، وليس من التصوف الإسلامي: الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت، وليس من التصوف الإسلامي: تحريف أسماء الله والرقص بها مع وجود آلات اللهو والغناء، إن الأدعياء شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من أفعال منكرة، وليس من التصوف الإسلامي: البطالة ولا الجهالة بدين الله، ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات، وليس منه: ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن، إنّ التصوف بريء من ذلك، والإصلاح الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بتجرد وإتقان.
[المفتاح السادس عشر]: معالم الإصلاح والتجديد في مجال التصوف السني الصحيح: تتمثل في: (أولا): تأكيد وتجديد مبدأ ارتباط التصوف بالكتاب والسنة، (ثانيا): التأكيد على أهمية التصوف كمنهج أصيل للإصلاح والتربية، (ثالثا): تصحيح التصورات الخاطئة عن التصوف لدى عامة المسلمين، فإن السادة الصوفية هم خواص أهل السنة والجماعة، لم يقل أحد من المعتبرين منهم إن الصوفية فرقة مختلفة عن أهل السنة، لأن عقيدة الصوفية هي عقيدة أهل السنة، كما أن جميع طوائف الاتحادية والحلولية والإباحية والباطنية والمادية طوائف ليست من الصوفية في شيء، والصوفية منهم برآء كما أنّ الإسلام منهم برآء، (رابعا): تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتصوفة، سواء كانت هذه المفاهيم محدثة من قبل المنحرفين، أو أن لها أصلا صحيحا وتعرضت للتحريف من قبل الجهال والمبدِّلين، (خامسا): التمييز بين التعددية المحمودة والطائفية المذمومة، فإنّ حديث افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، لا يتناول طوائف أهل السنّة والجماعة لأنّها كلها فرقة واحدة تضمها أصول عقدية واحدة، كما أنّ الاختلاف الوارد في حديث افتراق الأمة لا يعني الاختلاف في مسائل الفروع أو تعدد المذاهب أو الاختلاف في مناهج السلوك والعبادة، أو تعدد الطرق التي يتخذها الأولياء في توصيل المريدين إلى الله تعالى، بل إن السواد الأعظم من المسلمين داخلون بحمد الله في عداد الفرقة الناجية، طالما أنهم متمسكون بالأصول والثوابت الشرعية التي وردت في صريح الكتاب والسنة النبوية لا يضرهم الاختلاف الاجتهادي في الفروع.
[المفتاح السابع عشر]: عوامل الإصلاح في باب التصوف: لا غنى للدين عن التصوف فهو القائم على مرتبة الإحسان، أعلى مراتب الدين، ولا غنى للمسلمين عن التصوف كوسيلة للتزكية كما لا غنى لهم عن العقيدة لمعرفة أصول الدين، وكما لا غنى لهم عن الفقه لمعرفة العبادات والمعاملات، ومن اهم العوامل التي ينبغي علاجها:
(1) إهمال العلم الظاهر، حتى آل ذلك ببعضهم إلى ممارسات خارجة عن الشريعة، وخروقات تخدش جناب التوحيد وتخرق حصونه، ومن ذلك الطواف حول القبور والأضرحة، ومع أن الطواف عبادة، وهو مخصوص بالكعبة المشرفة، والطواف على قبور الصالحين لا تقره الشريعة المطهرة، ولا نقول أنه شرك بالله كما يقوله البعض، وذلك لأن مناط الشرك في الطواف اعتقاد إلهية المطاف به وربوبيته، وهذا لا يفعله مسلم أبداً، وإنما نقول أنه من أعظم البدع والجهل بدين الله تعالى.
(2) الإسراف في اعتقاد الصالحين، حتى وصل الأمر إلى النذر لهم، والتمسح بأعتابهم، والسجود عند أضرحتهم، وحتى شكوا إليهم أحوالهم، وطلبوا منهم شفاء المرضى وعودة الغائبين، ونجاح الأولاد وصلاح الأحوال، وإغناء الفقير وإسعاد الزوجات ودفع المصائب والبلايا، وإصلاح شئون البلاد والعباد، وغير ذلك مما يعتبر إسرافاً في اعتقاد الصالحين، وممارسات خارجة عن حد الشريعة، ونحن لا نقول أنهم عبدوهم من دون الله، وذلك لان ضابط العبودية هو اعتقاد الإلوهية والربوبية لمن نصرف له العبادة، وهؤلاء إنما توسلوا بهم عند الله لأجل صلاحهم، وإن كان هذا النوع من التوسل جائزا عند جمهور الفقهاء ولكن وضعوا له ضوابط عديدة، فلا ينبغي أن يخرج من حد التوسل إلى التوكل عليهم كأن لهم حق عند الله – تعالى وتقدس عن ذلك -، وقد قال الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
(3) الغلو في علاقة المريد بالشيخ، والوصول بها إلى حد التقديس أحيانا، لدرجة إلغاء الحسبة على الدين معه، والتحذير كل التحذير من الاعتراض على أخطائه، ولو كانت كبائر، ولاشك أن احترام الشيخ مطلوب، لأنه وارث علم الرسول وسبب الهداية، ولكن لاشك أن الحسبة على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة وحق على كل مسلم في حدود الأدب والاحترام، إنّ من الغلو ظنّ بعض جهلة المتصوفة أنّ الشيخ يجل عن الخطأ وهذا مخالف لكلام الصوفية الصادقين، كقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله: (إذا علم المريد من الشيخ خطأ فلينبهه، فان رجع فذاك الأمر وإلا فليترك خطأه وليتبع الشّرع) قال ذلك في أدب المريد، وقال الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله: (سلم للقوم أحوالهم ما لم يخالفوا الشرع فاذا خالفوا فكن مع الشرع)، وكتب الصوفية طافحة بمثل هذا.
(5) التوسع والتساهل في مسائل الإتباع والابتداع إلى حد أدى إلى انتشار المحدثات والبدع والمنكرات، وحتى صار (السماع) – بدلا من سماع القرآن – سماعاً للألحان، وصار الذكر – ولا حول ولا قوة إلا بالله – مضبوطاً بالحركات، ورقصاً على نغمات الألحان، وحتى صارت الموالد والاحتفالات والمهرجانات على مدار العام، وكأن الإسلام قد اكتملت فرائضه وطبقت أحكامه ووثقت عراه ولم يبق إلا الاحتفال بمناسباته، وما أكثرها عندهم،
(6) أخطاء تتعلق بمناهج التزكية مثل جعل همة الصوفي تجري وراء الكشف والكرامة، والأصل أن همته تبحث عن تحقيق كمال العبودية لله رب العالمين، والكشف ما هو إلا أثر وثمرة من ثمرات التزكية، والكمال الصوفي يتمثل في عدم البحث عن الكشف والكرامة التي ما هي إلا مثبتات لغير الكمل من سالكي الطريق.
(8) هناك أقوام منهم غلب عليهم الكسل والتواكل والبطالة، وصفهم العارف بالله الشيخ أحمد زروق بقوله: ” هناك قوم غلب عليهم الكسل والبطالة، وجمحت نفوسهم للانتساب للقوم، فعدلوا لرخص المذهب من السماع والاجتماع، وإيثار التزيي من المرقعات المزينة، والسبحات المزخرفة، والسجادات المزوقة، والعكاكيز الملفقة، وتباهوا في ذلك مباهات النسوان في الثياب، وتضاهوا فيه تضاهي أبناء الدنيا في الأسباب، فإذا عوتبوا في ذلك قالوا: يكفينا من اتباع القوم التشبه بهم، فإن من تشبه بقوم فهو منهم، فإن قيل: هذا منكم قلة همة، قالوا: أنتم في بركة الحال، ونحن في بركة الزِّي، وقد قنعنا بالتزي، وما هو إلا الركون للبطالة وحب الشهوة بالباطل، ([199]) .
(9) الشطح التي تصدر عن بعضهم وقت ورود الوارد الثقيل، الذي لا يقوى على تحمله، فيشطح بما لا يمكن تأويله بحال، كقول بعضهم (ولجنا بحرا وقف الأنبياء بساحله)، والأصل في الشطح أنها زلات لسان لا ينبغي محاسبة قائلها عليها وقت الذهول، كمثل الذي أخطأ من شدة الفرح فقال: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح)) ([200]) . ولكن سيف الشريعة يمنع من التمادي في تلك الأقوال التي لا يحسن تأويلها، لاسيما مع تشنيع الخصوم بها.
(10) الفساد والجهل المتفشي في العديد من المؤسسات والطرق الصوفية بسبب التكالب على الدنيا وكثرة الأتباع، وذلك غالبا ما يكون بين أدعياء التصوف أو أنصاف المشايخ ممن ورثوا هذا الأمر وراثة، دون الوصول إلى حقائق التصوف، وصار هم هؤلاء كثرة الأتباع ولو على حساب التزكية، وكثرة الأموال ولو على حساب الدين، والتكالب على الشبهات وأموال الحكام والرؤساء، فما أبعد هؤلاء عن التصوف الصافي، وهل التصوف إلا الزهد في الدنيا، وفيما بين الناس، وهل التصوف إلا الخلق، وقد لخص العارفون معنى التصوف في الخلق الحسن، وقالوا ((التصوف كله أخلاق، فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في التصوف)).
(11) لقد دس أعداء الاسلام علي التصوف من يشوه صورته فسار وراء بعضهم العوام والجهلة، وإن التصوف الإسلامي الأصيل يبرأ من كل ما يُخالف الدين، فليس من التصوف الإسلامي: القول بمخالفة الشريعة للحقيقة، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف، وليس من التصوف الإسلامي: القول بالحلول أو الاتحاد، أو الوحدة التي تزعم أن الكون هو الله، والله هو الكون، وما جاء مما يوهم ذلك على لسان بعضهم فله معاني توافق دين الله ولكن لا يعلمها إلا العارفون، وصدم العوام بها تحميل لهم بما لا يطيقون، وبعضه مدسوس على القائل، وبعضه مما قاله في حالة الفناء والغيبوبة على لسان الحق عز وجل، ونحن نحسن الظن بالأولياء لانهم أوتاد الأرض، وليس من التصوف الإسلامي: الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت (اما الدف ففي الاناشيد والقصائد والمدائح فجائز)، وليس من التصوف الإسلامي: تحريف أسماء الله والرقص بها، رقصاً سخيفاً مع القفز والنط كما يفعل الجهلة، ولا يجوز وجود أدوات وآلات اللهو والغناء، وكل ما نراه من ذلك من بعض الاشخاص فهو ليس من التصوف والتصوف منهم براء، أن هناك جماعة من الدخلاء على الصوفية ـ نسبوا أنفسهم إليهم وهم منهم براء ـ شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من بدع ضالة، وأفعال منكرة، تحرمها الشريعة الغراء ؛ كاستعمال آلات الطرب المحظورة، والغناء الفاحش، فلم يَعُدْ وسيلةً عملية لتطهير القلب من أدرانه، وصلته بالله تعالى، بل صار لتسلية النفوس الغافلة، وتحقيق الأغراض الدنيئة، وليس من التصوف الإسلامي: القذارة، ولا البلادة، ولا البطالة، ولا الجهالة بدين الله، ولا المتاجرة بالكرامات.
(12) إنّ التصوف مرتبة عالية: تتمثل في إصلاح القلب بالوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا، وهو مبني على الكتاب والسنة في الأخلاق والأحوال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأفعال، وتسليم الامور كلها لله من غير إهمال في واجب ولا مقاربة محظور، وحاصله اتصاف بالمحامد وترك للأوصاف الذميمة ، وهو مسلك قائم على العلم والعمل، أعلاه علم التوحيد وأداء الواجبات قبل النوافل ثم عمل البر والخير و الزهد والتحلي بالأخلاق الحسنة ، قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16، 17]، لقد قال العارف الرباني الشيخ الرفاعي عن أهل زمانه وهو في القرن السادس الهجري: (أي بُنيّ أكثَرُ مَن يَدّعِي التّصوّفَ اليومَ زَنادقةٌ وحُلُوليّة ومُبتَدِعة)، وكانوا أهل العزوف عن الدنيا وزينتها، فكيف لو رأى صوفية اليوم وما هم فيه من تنعم وترف، وتمسك بالدنيا وعزوف عن الآخرة إلا ما رحم الله من الصادقين الخالصين المخلصين من أهل التزكية والإحسان، وبعد: وبعد فتلك هي العوامل التي لابد من إصلاحها لإصلاح التصوف، ذلك الجبل الواقف على ثغور التزكية والمقامات، ومناهج التربية والأخلاق، وما أحسن قول السيوطي رحمه الله فيه إذ يقول عن التصوف: ” علم شريف رفيع قدره سني أمره، لم تزل أئمة الإسلام وهداة الأنام قديما وحديثا يرفعون مناره ويجلون مقداره ويعظمون أصحابه، ويعتقدون أربابه، فإنهم أولياء الله وخاصته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، غير أنه دخل فيهم قديما وحديثا دخلاء تشبهوا بهم وليسوا منهم، وتكلموا بغير علم وتحقيق فزلوا وضلوا وأضلوا، فمنهم من اقتصر على الاسم وتوسل بذلك إلى حطام الدنيا، ومنهم من لم يتحقق فقال بالحول وما شابهه، فأدّى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع، وقد نبّه المعتبرون منهم على هذا الخطب الجليل ونصوا على أن هذه الأمور السيئة من ذلك الدخيل ” أهـ ([201]) .
إنّ التجديد الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بسرعة وتجرد وإتقان حتى تعود الصوفية إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وإن التجديد الإسلامي المنشود يفرض على أهل التصوف أن يتحملوا واجباتهم في تصحيح المسار والاجتهاد الصادق في إزالة الحواجز والعقبات بين أهل التصوف وبين الطوائف الأخرى من أهل السنة والجماعة وذلك بالتقارب والتكامل مع بقية الطوائف، من خلال الهدف المشترك بالعودة إلى الكتاب والسنة والاقتداء الكامل برسول الله صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً وإخلاصاً، وعند ذلك تتآلف القلوب وتنتفي الخصومات والعداوات ونكون يداً واحدةً في العمل على الدفاع عن دين الإسلام وتجديد أمره،
(13) واجبنا نحو التصوف اليوم: هو طرحه نموذجاً لمرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، وأن نعكس صورة التصوف الإسلامي الصحيح من خلال أخلاقنا وآدابنا والتزامنا بالشرع الشريف فحال الإنسان يغني عن مقاله، واجبنا نحو التصوف اليوم: أتباع أسس التصوف الأولى: صفاء النفس، وقصد وجه الله، والتمسك بالفقر والافتقار، وتوطين القلب على الرحمة والمحبة، والتجمل بمكارم الأخلاق التي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها، واجبنا نحو التصوف اليوم: نشر التصوف الصحيح والبراءة من أدعياء التصوف من الجهلة والمرتزقة والدجالين المنسوبين زورا الى التصوف، واجبنا نحو التصوف اليوم: إعطاء النموذج الحي الصحيح للصوفي الرباني، وذلك بالتمسك بأخلاق الصوفية الاكابر، وإن التجديد الإسلامي المنشود يفرض على أهل التصوف وقياداته أن يتحملوا واجباتهم في تصحيح المسار، وذلك بالتأكيد على عدة حقائق: (الحقيقة الأولى): بيان كون منزلة الطريقة في التصوف كمنزلة المذهب في الفقه، فكما أنّ طلب الفقه الراسخ يتطلب التخصص على إحدى مذاهب الفقه الأربعة، فكذلك فإن طلب التصوف الراسخ ينبغي أن يكون عبر إحدى طرق التصوف الموصولة السند والمتأصلة في تاريخ التصوف الإسلامي، و (الحقيقة الثانية) التفريق بين أنواع الطرق الصوفية ثلاث: طريقة التبرك، وطريقة الإرشاد، وطريقة التربية والترقية، وهذا يختلف باختلاف مستوى شيخ الطريقة، و(الحقيقة الثالثة): أهمية ذكر الله، فإن الذكر منشور الولاية وعمدة الطريق الصوفي: كما أنّ الذكر هو قوام التصوف الذى هو روح الإسلام، والذكر له المكانة الرفيعة فهو في ذروة العبادات والطاعات (الحقيقة الرابعة) أهمية الأوراد في حياة المسلم فضلا عن الصوفي السالك لطريق الإحسان، فينبغي لكل مسلم أن تكون له أوراد يومية لا يقصر عنها، وهذا الورد اليومي الذي يرتبه المسلم على نفسه ينبغي أن يلاحظ فيه أن يجعل له حداً أدنى لا بد أن يؤديه ثم بعد ذلك إن وجد فراغاً أو إقبالاً من النفس زاد، (الحقيقة الخامسة) تصحيح الأخطاء، تلك الأخطاء التي يتحمل وزرها أدعياء التصوف المتمصلحون، أو الجهلاء، أو المنحرفون، أو المغرضون الذين تزيّوا بزي التصوف وانتسبوا إليه لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم، والتصوف منهم براء، إنّ التصوف يمثل المرتبة الثالثة من مراتب الدين وهي مرتبة الإحسان التي تلي مرتبتي الإسلام والإيمان، وعلى الغيورين على أخلاق الإسلام والمسلمين أن ينبروا للدفاع عن قيم الإحسان، إننا إذا جردنا التصوف من الصورة القاتمة التي رسمها أعداء التصوف ندرك أننا أمام جوهر نقي خالص لابد منه في عملية الإصلاح والتجديد، وأرى لزاماً على العلماء ومشايخ الطرق والأتباع الراشدين أن يهبوا هم قبل غيرهم لتخليص التصوف من كل الشوائب التي علقت به مع تقادم العهد، وأن يتخلصوا من كل الشكليات التي حطت من قدر التصوف ليعود إلى نقائه ودوره وأصوله وجوهره وعند ذلك يكون قادراً على أداء دوره المنوط به في الإصلاح والتجديد.
(4) احترام التخصص في أقسام علوم الدين وجوانبه وذلك للقضاء على جانب الخلل والقصور في فهم الدين والبلوغ بالمسلم إلى ذروة سنام الفهم المحيط بكافة جوانب الدين
[المفتاح الأول]: العلوم الشرعية المتعلقة بدين الإسلام: هي تلك العلوم التي تتناول دين الإسلام، ومعرفة ما يجب على المسلم المكلف من أمر دينه في عقائده وعباداته ومعاملاته وأخلاقه، ويطلق لفظ العَالِم الشرعي على كل متخصص في علوم الدين كالمتخصص في العقيدة أو الفقه أو التزكية أو التفسير أو الحديث أو السيرة أو الدعوة، والعلماء الشرعيون هم ورثة الانبياء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن العُلَماء ورَثةُ الأنبياَء، إن الأنبياَء لم يورثُوا درهمًا ولا دينارًا وإنما ورثُوا العِلمَ فمَن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ) ([202]) .
وجاء في فضل العِلم والثّناء على أهله في الكثير من آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، منها قوله تعالى::{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب} [الزمر: 11]، وقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} [المجادلة: 11]، ولم يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، فقال تعالى:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].
ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على فضل العلم وأهله، قوله صلى الله عليه وسلم: (فَضلُ العَالِم على العَابِد كفضلِي على أدناكُم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن اللَّه وملائكتهُ وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جُحرها وحتى الحوت لَيصلُون على مُعَلِمي النّاس الخير) ([203]) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ) ([204]) .
[المفتاح الثاني]: وجوب احترام التخصص العلمي في العلوم الشرعية: العلوم الإسلامية ما أوسعها وما أكثر تخصصاتها، ولهذا نجد أنّه على مر عصور الإسلام ظهرت المدارس المتخصصة في كل فن وعلم من علوم الدين وانتسب إليها الآلاف من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، ظهر المتخصصون في علم القرآن والقراءات والتفسير وكافة علوم القرآن التي بلغ بها السيوطي ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه: الاتقان في علوم القرآن، وظهر المتخصصون في علم الحديث، علم المتن وعلم السند وعلم مصطلح الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل، وعلم شرح الحديث وبيان معناه، وغيرها من علوم الحديث وقد بلغ بها ابن الصلاح خمسة وستين نوعا من علوم الحديث في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن الصلاح، وظهر المتخصصون في الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهذه المذاهب الأربعة بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام صارت بمثابة جامعات علمية متخصصة في علم الفقه، خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، ثم ظهرت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وانتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وبعد ظهور الأئمة الثلاث صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه، ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، ثم عندما اتسعت الفتوحات وبدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، وقد عُرف المتخصصون في هذا الجانب (بالصوفية)، وأصبح علم التصوف هو المتكفل ببيان تزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وبيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين، فهذا اختصار موجز لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، ويجب الرجوع إلى المتخصصين في أبواب العلم الشرعي، ولا يجوز الإفتاء بغير علم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]، وقال سبحانه: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، وقال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168، 169].
[المفتاح الثالث]: التصور المحيط لأقسام العلوم الشرعية: لاشك أن العلوم التي حواها شرع الإسلام كثيرة جداً، ومتنوعة تنوعاً عظيماً، وهذا يجعلنا نحرص على أن نضع تصوراً جامعاً شاملاً لتلك العلوم الإسلامية ذات الصلة بالدين من قريب أو بعيد، يسهم في تصور محيط لتلك العلوم، وأول تلك العلوم: العلوم الأصلية: وهي الكتاب والسنّة ومسائل الإجماع، وثانيها: العلوم المتعلقة بأسماء وأحكام الدين وتشمل: علم الإيمان والكفر، وعلم التوحيد والشرك، وعلم التقديس والتنزيه، وعلم الإتباع والابتداع، وعلم الانتساب إلى الفرقة الناجية، وثالثها: العلوم المستنبطة من الدين، وتشمل علم العقيدة (أصول الدين)، وعلم الفقه وأصوله، وعلم التزكية والأخلاق، ورابعها: علوم الوسائل اللازمة لفهم القرآن والسنّة فهما صحيحا لا خلل ولا قصور فيه، وهي أربعة علوم، الأول: علوم القرآن لفهم القرآن، والثاني: علوم الحديث لبيان درجة ثبوت الحديث، وفهم الحديث، والثالث: علوم اللغة العربية لفهم القرآن والسنّة، وعلوم اللغة العربية عديدة منها النحو والصرف والبلاغة واللغة والمعاني والأدب، وهي ضرورية لفهم معاني الكتاب والسنّة، والرابع: علوم الأصول، وهما علمان: علم المنطق الإسلامي الصحيح: لمعرفة ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى، وعلم أصول الفقه: لمعرفة أدلة الأحكام وقوتها ومدى حجيتها، ومعرفة طرق الاستنباط من الأدلة، وخامسها: العلوم المتعلقة بأعمال الدين: وتشمل علوم الدعوة وعلوم الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلوم الجهاد في سبيل الله تعالى، وعلوم السياسة الشرعية، وعلوم العمل الجماعي من أجل نصرة الدين وتحقيق أهدافه، وسادسها: العلوم المتعلقة بأنظمة الدين الربانية المتكاملة التي فيها صلاح الفرد والمجتمع والدولة والعالم، وتتناول أنظمة الدين السياسية والاقتصادية والإعلامية والتربوية والتعليمية والحسبية والأخلاقية والعسكرية، تلك الأنظمة العادلة التي بها رضا الله تعالى وفلاح المجتمع، وسابعها: العلوم المتممة والمكملة وتشمل علوم السيرة والغزوات، وعلم التاريخ الإسلامي لاسيما حياة الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأعلام العارفين والعلماء والدعاة والمحتسبين والمجاهدين والصالحين من أمة الإسلام، إذن حاصل التقسيم المعاصر لعلوم الدين سبعة أقسام، يُرجع في تفصيل كل علم إلى أهله المتخصصين.
[المفتاح الرابع]: المصدر الأول من مصادر العلم الشرعي هو كتاب الله تعالى القرآن الكريم: وهو كلام الله تعالى المنزل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باللفظ العربي المعجز، والمنقول إلينا متوترا بلا أدنى شبهة، والمحفوظ في المصاحف، والمتعبد بتلاوته، والمبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس، والقرآن الكريم معجزة ربانية لا تضاهيها معجزة، والدليل على ذلك أن للمعجزة ثلاثة شروط هي: التحدي ووجود المقتضي وانتفاء المانع، و (التحـدي): وقد تحقق التحدي، في آيات عديدة من آيات القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23]، وأي تحد أشد من هذا التحدي، أمّا (وجود المقتضى) فيتمثل في أن يكون أمام الخصم دافع لمضاهاتها والإتيان بمثلها، وهذا متأكد أيضاً يدل عليه رغبة المشركين الأكيدة في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإظهار عجزه، لما جاء به من نقض لمبادئهم وعقائدهم الفاسدة، والأمر الثالث (انتفاء المانع)، وقد نزل القرآن بلغتهم، وهم العرب الأقحاح مضرب المثل في البلاغة والفصاحة، فلما عجزوا عن مضاهاته، دل ذلك على عجزهم، وإذا كان القرآن الكريم معجزا للبشر كان معنى ذلك أنه من الله تعالى، بالتالي كان هو الحجة الأساس، والمصدر الأول من مصادر العلم الشرعي، وقد أجمع أهل العلم من المسلمين على أن القرآن الكريم هو المصدر الأول والأساس من مصادر التشريع، وأن أحكامه واجبة الاتباع، ولكن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية وقد تكون ظنية، تكون قطعية إذا كان اللفظ الوارد فيه يدل على معنى واحد ولا يحتمل غيره، وتكون ظنية إذا كان لفظه يحتمل الدلالة على أكثر من معنى، وطالب العلم الشرعي لا غنى له عن حفظ القرآن الكريم: القرآن الكريم أساس العلم الشرعي، وطالب العلم الشرعي لا غنى له عن حفظ القرآن، ومعرفة معانيه واستيعاب مقاصده، ومن أفضل التفاسير المعينة على فهم القرآن: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) لأبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ)، وهو من أجل التفاسير، يتوسع في بيان الأحكام، والثاني (تفسير القرآن العظيم) للحافظ ابن كثير (ت 774 هـ)، وهو من كتب التفسير بالمأثور، وهو قائم على تفسير ابن جرير الطبري، وتفسير ابن أبي حاتم الرازي، وغيرهما، ومن أكثر المطالعة فيهما فقد استمسك بزبدة التفسير، وخلاصة العلم بالقرآن الكريم.
[المفتاح الخامس]: المصدر الثاني من مصادر العلم الشرعي هو سنّة النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أحال القرآن الكريم إحالة عامة على السنة النبوية في أكثر تفصيلات العلم بقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، ومن ثم كانت السنة متممة الكتاب، وشارحة لنصوصه، ومفصلة لمجمله، و السنة الشريفة في الاصطلاح: هي كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير القرآن الكريم من قول أو فعل أو تقرير، فالسنة القولية: هي كل ما نقل لنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله الشريفة، والسنة الفعلية: هي كل ما رواه الصحابة رضي الله عنهم عن أفعاله صلى الله عليه وسلم، والسنة التقريرية: هي أن يقال قول أو يفعل فعل أمام النبي صلى الله عليه وسلم أو أمام غيره فيراه أو يسمع به، فيقره بالقول أو السكوت عنه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مشرِع لا يجوز سكوته على خطأ، ولذلك يعتبر سكوته عن هذا الفعل أو القول إقرارا بمشروعيته.
ومراتب السنة الشريفة من حيث ثبوتها: ذهب جمهور العلماء إلى أنها من حيث ثبوتها على مرتبتين: السنة المتواترة، والسنة الأحادية، وذهب الحنفية إلى أنها على ثلاث مراتب، هي: السنة المتواترة، والسنة الأحادية، والسنة المشهورة، وهي مرتبة ثالثة وسط بين التواتر والآحاد، و (السنّة المتواترة): هي السنّة التي وردت إلينا مستوفية شروط التواتر، رواها قوم عن قوم يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، والسنة المتواترة قليلة بشكل إجمالي، وهي في أفعاله أكثر منها في أقواله صلى الله عليه وسلم، و (السنّة الأحادية): هي ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد أو أكثر لم يبلغوا حد التواتر في كل القرون، والقسم الثالث – وهو عند الحنفية – هو (السنّة المشهورة): وهي: ما لم يبلغ حد التواتر، وهو فوق الحديث الآحادي من حيث الثبوت، أما الجمهور فإنهم يدخلونه في حديث الآحاد، ومراتب العلم المستفاد من السنة الشريفة: فقد قسّم جمهور العلماء السنة الصحيحة بحسب طرق ثبوتها إلى مرتبتين وهما: التواتر والآحاد، وقالوا: الحديث المتواتر يفيد القطع أي العلم اليقيني والعمل، أما السنة الأحادية فإنها تفيد الظن والعمل ولا تبلغ اليقين لاسيما عند وجود المعارض، لاحتمال أن تكون قد رويت بالمعنى وليس باللفظ، ولاحتمال الوهم والسهو عند راويها، وكل من له خبرة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك، ولا عبرة بتشغيب أهل الحشو في كونها تفيد اليقين، لاحتمال أن تكون قد رويت بالمعنى وليس باللفظ، ولاحتمال الوهم والسهو عند راويها، وذهب الحنفية إلى زيادة الحديث المشهور بين المتواتر والأحادي وقالوا إنه يفيد طمأنينة الظن وهي مرتبة فوق الظن ودون اليقين، هذا من حيث الثبوت فقط، أما من ناحية الدلالة فإنّ الحديث المتواتر قد يفيد الظن فقط دون اليقين إذا كان ظني الدلالة، بمعنى إذا كان لفظه يحتمل الدلالة على أكثر من معنى.
[المفتاح السادس]: أهم دواوين السنّة المشرفة: إنّ أهم دواوين السنّة المشرفة وأولاها بالدراسة صحيح البخاري ثم صحيح مسلم، وأعظم ما كتب في شرحهما، بل في شروح السنّة قاطبة، فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر، وشرح النووي على صحيح مسلم، ثم كتب السنن الأربعة، وهي سنن الترمذي وسنن أبي داود وسنن النسائي وسنن ابن ماجة، ثم الموطأ للإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، وهذا بيان موجز لها،
[أولاً: (صحيح البخاري)]: هو أصح كتب الحديث النبوي عند أهل السنة والجماعة، جمعه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأسماه ” الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه”. هو أول مصنف في الحديث الصحيح المجرد، جاء مبوباً على الموضوعات الفقهية، وقد نقل النووي إجماع الأمة على صحة الكتاب هذا ووجوب العمل بأحاديثه، وقد بلغت أحاديث البخاري بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي لأحاديث البخاري (7593) حديثـًا، وفي البخاري أحاديث معلقة وجملتها (1341)، وعدد أحاديث البخاري المتصلة من غير المكررات قرابة أربعة آلاف، وقد تصدى لشرحه عدد كبير جدا من علماء المسلمين، ولكن أشهر شروحه وأكثرها اعتمادا هو شرح الإمام ابن حجر العسقلاني فتح الباري،
[ثانياً: (صحيح مسلم)]: هو ثاني أهم كتب الحديث النبوي بعد صحيح البخاري عند أهل السنة والجماعة، جمعه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، وقد تصدى لشرحه عديدون ولكن أشهر شروحه وأكثرها اعتمادا هو شرح الإمام النووي، وعدد أحاديث صحيح مسلم بالمكرر وفق ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي (5770) حديثاً، دون المتابعات والشواهد، وفد تتبّع عددها الشيخ مشهور فبلغت 1615 حديثاً فيكون عدد أحاديث الكتاب بالمكرر ومع الشواهد والمتابعات 7385 حديثاً، بدون أحاديث المقدّمة وعددها 10 أحاديث، قد أوضح ابن الصلاح إن في كتابه قريب من أربعة آلاف حديث هي أصول الكتاب دون المكررات.
[ثالثاً: (سنن الترمذي)]: هو أحد كتب الحديث الستة قام بجمعه الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَةَ الترمذي (ت 279 هـ)، وسماه ” الجامع المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم “، وقال عن كتابه هذا: (من كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته نبي يتكلم)، قسم الحديث إلى ثلاثة أنواع: صحيح، وضعيف، وحسن، وهو أول من شهر الحديث الحسن، ولا يكتفي الترمذي بإيراد الأحاديث، بل يتكلم على درجتها من حيث الصحة أو الضعف، وكتابه هو أولى الكتب الحديثية بعد الصحيحين بعناية طالب العلم، وقد قسمه الشيخ الألباني إلى صحيح الترمذي وضعيف الترمذي وفق اجتهاده في تصحيح وتضعيف الحديث.
[رابعاً: (سنن أبي داود)]: جمع فيه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275) جملة من الأحاديث بلغت (5274) حديثـاً، وكتابه السنن صنفه وانتقاه من خمسمائة ألف حديث، وقد وجه أبو داود همه في هذا الكتاب إلى جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء، ودارت بينهم، وبنى عليها علماء الأمصار الأحكام، وكتاب السنن لأبي داود يوازي كتاب السنن للترمذي، وهو أيسر في دراسته وذلك لأنه اقْتَصَرَ علَى أحاديثِ الأحكام ولم يُكْثِر فيه مِن ذِكْرِ الخلافَات المذْهَبِيَّةِ كما صَنعَ الترمذي، وقد قام الألباني بتحقيق أحاديث سنن أبي داوود، فقسم الكتاب إلى كتابين: صحيح سنن أبي داوود، ووضع فيه الأحاديث الصحيحة، وضعيف سنن أبي داوود، ووضع فيه الأحاديث الضعيفة وفقا لاجتهاده.
[خامساً: (سنن النسائي)]: المعروف باسم ” السنن الصغرى ” أو ” المجتبى من السنن الكبرى “، وهو أحد كتب الحديث الستة قام بجمعه الإمام أحمد بن شعيب النسائي (ت 303 هـ)، صنَّف النسائي في البداية “سننه الكبرى”، ثم استخلص منه “السنن الصغرى” وهو أقل السنن حديثاً ضعيفاً وعدد أحاديثه: (5761) حديثاً، اقتصر في سننه على أحاديث الأحكام، وتكلم على الأحاديث وعللها، وبين ما فيها من الزيادات والاختلاف.
[سادساً: (سنن ابن ماجه)]: هو أدنى كتب الحديث الستة، جمع فيه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه (ت 273 هـ) ما يزيد على أربعة آلاف حديث وقد رتب الأحاديث على الكتب والأبواب، وسنن ابن ماجه فيه من الأحاديث الصحيح، والحسن، والضعيف، ولهذا يُعتبَر هذا الكتاب أدنى الكتب الستة في الرتبة، وقد قسمه الشيخ الألباني إلى صحيح ابن ماجة وضعيف ابن ماجة وفق اجتهاده.
[سابعاً: (موطأ الإمام مالك)]: وهو أجلّ كتب الحديث المتقدمة عليه وأعظمها نفعاً بلا شك، فيه الأحاديث الصحيحة المسندة، وفيه البلاغات والمنقطعات والمراسيل، وهذه البلاغات وصلها ابن عبد البر في التمهيد سوى أربعة أحاديث، قال الإمام مالك نفسه عن كتابه هذا: “عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ) أهـ ([205]) .
وقال الإمام الشافعي: (ما كتاب بعد كتاب الله أنفع من كتاب مالك بن أنس) أهـ ([206]) .
وهذا القول قبل ظهور صحيح البخاري، فلما ظهر صحيح الإمام البخاري قدمه المسلمون على الموطأ في الصحة وذلك لأن الإمام البخاري جرد صلب الكتاب من البلاغات والمراسيل وإنما ذكرها في تراجم الأبواب على سبيل الاستشهاد بها لا أكثر، والمعول في كتابه على أحاديث الصلب لا التراجم، ومع تقدم صحيحي البخاري ومسلم في الصحة , لم يفقد الموطأ تلك المكانة كمصدر من مصادر السنة المشهورة ذات المكانة المرموقة، وقد ذهب إلى القول بأن كل ما في الموطأ صحيح جمع من الأئمة في المشرق والمغرب وقد أشار إلى ذلك ابن الصلاح وابن حجر في آخر باب الصحيح من أنواع علوم الحديث،
[ثامناً: (مسند الإمام أحمد بن حنبل)] من أشهر كتب الحديث وأوسعها، يحتوي على ما يزيد على (26 ألف حديث نبوي)، وفيه الكثير من الأحاديث الصحيحة التي لا توجد في الصحيحين، ومؤلفه هو الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) إمام المذهب الحنبلي، وقد وضع الإمام أحمد هذا الكتاب ليكون مرجعًا للمسلمين وإمامًا وجعله مرتبًا على أسماء الصحابة الذين يروون الأحاديث كما هي طريقة المسانيد، وعدد الصحابة الذين لهم مسانيد في مسند الإمام أحمد (904) صحابي، وقد كان الإمام أحمد يحفظ ألف ألف حديث عن ظهر قلب، وقد انتقى المسند من هذا العدد الهائل من محفوظه، ولم يدخل فيه إلاَّ ما يحتج به، وقد ألف الحافظ ابن حجر كتابًا سماه ” القول المسدد في الذب عن المسند ” حقق فيه نفي الوضع عن أحاديث المسند وظهر من بحثه أن غالبها جياد وأنه لا يتأتى القطع بالوضع في شيء منها بل ولا الحكم بكون واحد منها موضوعًا إلا الفرد النادر مع الاحتمال القوي في دفع ذلك، وقال السيوطي في خطبة كتابه الجامع الكبير ما لفظه: (وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف فيه يقرب من الحسن) أهـ، ([207]) .
[تاسعاً: موسوعة السنّة وسائر علوم الإسلام فتح الباري شرح صحيح البخاري] ألفه الحافظ ابن حجر العسقلاني وهو من أعظم كتب تفسير الحديث وأجمعها في شرح صحيح البخاري، لا يستغني عنه طالب علم، ولا فقيه، ولا محدث، ولا مفتٍ، ولا مجتهد، وأهم ما يميز فتح الباري شرح صحيح البخاري أنّه يجمع في كل باب بالإضافة إلى ما رواه البخاري أهم الأحاديث المتعلقة بالباب التي وردت في دواوين السنة الأخرى من بقية الكتب الستة والمسانيد وغيرها، كما يجمع فيه شروح العلماء قبله على صحيح البخاري، وينقل عن شراح كتب السنة الأخرى كشرح النووي على صحيح مسلم وشرح الخطابي لسنن أبي داود وكلام البغوي في شرح السنة وغيرهم، وهو يُعَّد بحق أحد أعظم دواوين الإسلام المعتبرة، وأحد أعظم مصادره العلمية المهمة،
[عاشراً: ثاني أهم شروح كتب السنّة: شرح النووي على صحيح مسلم]: واسمه المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ومؤلفه هو العالم الرباني يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، صاحب التصانيف الكثيرة النافعة في الفقه والحديث، وشرحه على صحيح مسلم هو أهم الشروح وأنفعها على صحيح مسلم بن الحجاج،
[المفتاح السابع]: العلوم المتعلقة بأسماء وأحكام الدين والملة، وتشمل: علم التقديس والتنزيه، وعلم الإيمان والكفر، وعلم التوحيد والشرك، وعلم الإتباع والابتداع، وعلم الانتساب إلى أصول الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة) بعيدا عن الفرق الضالة المستحقة الوعيد بالنار،
[(أولاً) (علم التقديس)]: وهو ما يسميه البعض (علم توحيد الذات) وهو العلم الضروري الذي يمثل حلقة الوصل المفقودة في علم العقيدة التي من خلالها يمكن الوصول إلى ذروة الفقه لعقائد الإسلام العظيمة الصافية، والتي يمكن من خلالها تحقيق التقارب الشرعي الصحيح بين مختلف طوائف المسلمين، وهذا العلم هو أشرف علوم الإسلام وأعلاها: ويشتمل هذا العلم على معرفة: قواعد التنزيه: التي ساهم في إظهارها أهل الأصول المتخصصون من علماء أهل السنة، هذه القواعد التي نتعلم من خلالها المستحيل في حق الله تعالى فيكون المرء على بينه من دينه وعلى فقه فيه وهو يتكلم في باب جناب الذات لقد انقسمت الأمة بسبب الجهل بقواعد التقديس إلى: (حشوية) خاضت في تكييف الذات وتفسير الصفات والأخبار خوضا زائغا، وإلى (معتزلة) خاضت في نفي الأخبار الصحيحة الثابتة نفياً زائغا، وبقيت طائفة أهل السنّة والجماعة تعض على معتقدها بالنواجذ تتمسك بالتوازن الرباني بين الإثبات والتنزيه في ظل قواعد للتقديس تمنع من التشبيه والتجسيم والحشو.
[(ثانياً) علم وفقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر]: هذا العلم هو أهم علوم الأسماء والأحكام: ويشتمل هذا العلم على معرفة: (أ) أصل الإيمان ومطلقه وحدّه الأدنى الذي يصح لحامله اسم الإيمان وحكمه والدخول به في عداد المؤمنين المخاطبين بالنداء القرآني الكريم: {يا أيها الذين آمنوا}، وبيان الأحكام الشرعية المتعلقة بصاحب هذا الأصل من كون له اسم الإيمان وحكمه وأنه في مأمن من الكفر الأكبر ما كان محتفظاً بهذا الأصل لا ينقضه بناقض، وبيان أنّه إن مات على هذا الأصل فلا يخلد في النار خلوداً أبدياً خلود الجاحدين، وبيان ضد هذا الأصل وناقضه: الكفر الأكبر المخرج من الملة والموجب لصاحبه الخلود في النار خلود الجاحدين، (ب) بيان الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى على كافة المؤمنين، وتناوله لأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات . وبيان أهمية هذا الإيمان – الواجب – وكونه أدنى الإيمان الذي أثنى الله تعالى على أصحابه وبشرهم به الجنة ودخولها ابتداء ً. وبيان خطورة التفريط في هذا الإيمان الذي يمنع من دخول النار ابتداءً ودخول المقصر فيه تحت الوعيد بالعذاب والعقاب، (ت) بيان الإيمان الكامل المستحب وبيان أنّ هذا الإيمان يتناول أداء المندوبات والمستحبات والكف والتنـزه عن المكروهات فضلاً عن أداء الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى من أداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات، (ث) وفقه هذه المراتب وفقه حدودها من أعظم الفقه في دين الله تعالى، وذلك لأنه الضابط لمسائل الإيمان والكفر أهم مسائل أسماء الملة وأحكامها ومن خلاله يُعلم من هو المؤمن الداخل في إطار الملة وتُعلم مرتبته، ومن هو الكافر الخارج عن الملة والخالد في النار خلوداً أبدياً خلود الجاحدين المكذبين.
[(ثالثاً) علم التوحيد الشامل وفقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك]: يشمل هذا العلم على: (أ) بيان أهمية التوحيد وبيان أصله وفرعه، وبيان أركانه وأقسامه وأنواعه وبيان الضابط الفقهي لكل نوع، دونما إفراط يدخل في التوحيد ما ليس منه أو تفريط يخدش جناب التوحيد ويعرضه للخطر، (ب) بيان توحيد الذات وما يحمله من معاني التقديس والتنزيه والتوحيد ونفي الشريك، ونفي الند والكفء والشبيه والمثيل عن ذاته سبحانه، (ب) بيان توحيد الأسماء الحسنى وما يحمله من معاني الإيمان بالأسماء الحسنى وإفراد الله تعالى بها وعدم الإلحاد فيها، (ت) بيان توحيد الصفات وما يحمله من معاني التوحيد والتنزيه والتقديس والإيمان، (ث) بيان توحيد الأفعال وما يحمله من معاني إفراد الله تعالى بالخلق والإيجاد والتصريف والتدبير، (ج) بيان توحيد الربوبية وما يحمله من معاني إفراد الله تعالى بالخلق والإيجاد، وإفراد الله تعالى بالرزق والإمداد، وإفراد الله تعالى بالسيادة والحاكمية والتشريع، وإفراد الله تعالى بالتصريف والتدبير، (ح) بيان توحيد العبودية وما يحمله من معاني إفراد الله تعالى بالعبادة والطاعة والولاء، (خ) بيان الأخطاء التي وقعت – بالإفراط أو التفريط – في باب توحيد الذات، وتوحيد الأسماء، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، (د) بيان أنّ فقه هذه المسائل عن التوحيد والشرك وفقه حدودها من أعظم الفقه في دين الله تعالى لأنها تحقق وحدة الكلمة حول علم التوحيد، وتعمل على تحقيق التوحيد وحماية جنابه، إنّ فقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك على المنهاج الحق لعلماء أهل السنة والجماعة يجعلنا نفرق بين أصل العبادة الذي هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، ولها (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال.
إنّ التعريف الصحيح للعبادة هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل او القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومنه يتبين أنّ للعبادة ركن ركين، لا تكون عبادة بدونه ألا وهو العقيدة التي تدفع الإنسان إلى عبادة المعبود، فإن صرفها لله وحده كان عابدا موحدا لله، وإن صرف شيئاً منها لغير الله فقد عبده من دون الله، وأمّا الفعل أو القول كالسجود والذبح والدعاء فهذه مفردات للعبادة وصورٌ لها، فمن صرفها بغير اعتقاد ربوبية وألوهية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة او البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد، لقد أخطأ أهل الغلو في باب التوحيد والشرك في تفسير العبادة، ففسروها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهلوا عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله، أو لمن يعتقده رباً له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله، وكان من نتائج هذا الخلل أنّ جاءوا إلى آيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين، واتهموهم بالشرك الأكبر واستحلوا دماءهم وحرماتهم، وما ذاك إلا بسبب عدم تحريرهم للضابط الذي يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر، وأنّ الأول اعتقادي والثاني عملي، والمسلم لا يشرك الشرك الأكبر إلا باعتقاد آلهة مع الله وأنداد من دون الله يصرفون إليهم العبادة من دون الله، وهذا لا يكون من مسلم أبدا.
[(رابعاً) علم الإتباع وتجديد فقه مسائل وأحكام السنة والبدعة]: إن فقه مسائل الإتباع والإبتداع باب عظيم ومهم في حفظ الدين وحفظ حرمات المسلمين لأن التهاون في هذا الباب يؤدي إلى ضياع معالم الدين ولأن التنطع فيه يؤدي إلى إنتهاك حرمات المسلمين وتبديع من ليس بمبتدع، وإذا كان الخوارج قديما قد سلوا سيف التكفير على أمة الإسلام فإن هناك طوائف عديدة ممن إبتلوا بهوس البدعة ولم يشموا رائحة الفقه في الدين وخلطوا بين أمور الإبتداع وأمور الخلاف في الإجتهادات الفقهية بسبب أصول ضيقة أصلوها بأفهامهم السقيمة، حتى صار كل منهم يبدع الأخرين على أقل الخلاف وأيسره، وفي المقابل أبتليت الأمة بطوائف عديدة من الجهلاء تساهلوا في أمر الإتباع والإبتداع حتى تقرب بعضهم إلى الله ببدع الضلالة والعياذ بالله، ولهذا كان لزاما على الفقيه الحريص على أمة الأسلام أن يستخلص من أدلة الكتاب والسنة ومن جهود الفقهاء على مر العصور القواعد والضوابط التي تضبط مسائل الإتباع والإبتداع مراعيا الإعتدال والإنصاف بعيدا عن التنطع الممقوت والتساهل المفرط المرذول، وأهم الثمرات المرجوة من دراسة هذا العلم: القضاء على فوضى التبديع والرمي بالبدعة بين طوائف أهل السنّة والجماعة، فإن الغلو في مسائل التبديع قرين الغلو في مسائل التكفير، وهو خطر عظيم على وحدة الأمة المسلمة، وعلى دينها، والمسرف في التبديع كما المسرف في التكفير لن ينجو من حساب الله يوم القيامة، وما أعظمه حساب لأنّه يتعلق بحق المسلم، وقد يتعلق بحق طائفة من المسلمين، وقد أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا يرمي رجل رجلاً بالفسـوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كـذلك) ([208]) .
[(خامساً) علم الانتساب إلى أصول الفرقة الناجية والبراءة من الفرق الضالة]: يشمل هذا العلم على: (أ) بيان أنّ أهل السنة والجماعة هم أهل الحق وهم سواد أهل الإسلام الأعظم، (ب) وبيان أهم مدارس أهل السنة في العقيدة والفقه والتزكية، (ت) وبيان أهم طوائف أهل السنة والجماعة المعاصرة، (ج) وبيان رؤوس الفرق الضالة عن منهاج أهل الحق وأصول الضلال عندها، (ح) وسطية واعتدال أهل السنّة والجماعة في أصول الدين وفروعه بين الفرق الضالة، ومن أهم ثمرات هذا العلم: جمع شتات المسلمين تحت راية واحدة ومنهاج صحيح واسع واحد، هو منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية بغير افراط ولا تفريط، وبيان إطار تلك الفرقة الناجية الصحيح الخالص الذي علية الخلص من أتباع السلف وإطارها الواسع الذي يحوى بداخله السواد الأعظم من أهل القبلة ممن لم ينتسب إلى فرقة ضالة أو إلى بدعه كلية مخرجه عن الإطار كله، وبيان أصول أهل السنة والجماعة العامة وقواعدهم الربانية التي تمثل الوسطية الصحيحة بين أهل الإسلام، وإعادة ترتيب المكتبة العلمية لدى المسلمين، وذلك ببيان أهمية مؤلفات مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة، وفي الفقه، وفي التزكية، والتي يُعد ما عداها حشو يضاد التخصص ويضر بالصرح العلمي الإسلامي الذي بناه الأئمة المتبعون المُقتدى بهم في علوم الدين.
[المفتاح الثامن]: العلوم المستنبطة من علوم الدين الأصلية، وتشمل علم العقيدة (أصول الدين) وعلم الفقه، وعلم التزكية والأخلاق:
[(أولاً) علم العقيدة وأصول الدين]: إنّ الصحة والصواب في علوم العقيدة يكون باستمداد قواعده من مدارسه المتخصصة، وتوجيه طالب علم العقيدة إلى الطريق القويم نحو طلب علم العقيدة على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والاعتقاد، وعلى أهله المتخصصين فيه، وعلى مدارسه التي تأصلت واحترفت علم العقيدة واحترفت تدريسها على أفضل الطرق التعليمية، في أقصر وقت وبأقل جهد دونما ضياع للأعمار في تجارب قد لا تؤدي إلى الرسوخ في علم العقيدة، وفي الإحاطة بمباحثه ومسائله وقواعده وأحكامه، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وهي (المدرسة الأثرية) وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، و الثانية: (المدرسة الأشعرية) وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، و الثالثة: (المدرسة الماتريدية) وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ولا يمكن فصل إحداها بحال، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة.
[(ثانياً) (علم الفقه)]: يمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، إن مذاهب الفقهاء الأربعة هي المذاهب المتخصصة في علم الفقه الإسلامي، والأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة جمعوا بحمد الله تعالى علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار، فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه، ويملأ طباق الأرض علما وفقها، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه، ويتخرج على هؤلاء أكابر الفقهاء، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة، أضف إلى ذلك أن المتدبر لمسيرة تطور علوم الفقه وبناء المذاهب الفقهية ذلك البناء الشامخ، يجد أنّ أقوال وآراء أكثر الأئمة المجتهدين على مر عصور الإسلام السابقة لعصر بناء المذاهب الفقهية الكبرى يجد أنّها جميعا قد دخلت في إطار أقوال المذاهب الأربعة، نعم هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة: وهم كثيرون إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع، وعلى ذلك: فأولى المجتهدين بالإتباع: من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهل يته للاجتهاد من كلّ الجوانب، وصار له مذهب معروف، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، إنّ دعوى البعض بطلب الفقه عن طريق دراسة الحديث، دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة تنكب عن طريق الفقهاء وعودة بالعلم إلى الوراء، وهل سيلغ في علم الحديث معشار أحدهم، وهل سيبلغ في الفقه معشار معشار أحدهم، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أربعة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الفقهية الغير مؤصلة، بعدد كل ناعق مذهب، وينفرط عقد الفقه، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب، ولا حسيب عليه، لقد كان وراء الأئمة الأربعة ألف حسيب وحسيب، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها، واتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ليس واجبا شرعاً، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن، والمذاهب الأربعة متكافئة، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة فكلهم على خير، ولا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله، والأدلة محتملة، والأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ بل يخطئون ويصيبون، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة، وكان اختلافهم رحمة، وتجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية أمر مستحيل، لتعدد الأدلة والاحتمالات والأفهام، ومحاولة جمعها على قول واحد من أكبر الخطأ، لأنه يضر بالميزة التي حبا الله تعالى بها الفقه ألا وهي (السعة والرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان)، فيتجه به إلى الضيق وضياع الجهد فيما لا يمكن تحقيقه أبدا، والذي نحتاجه في ميدان الفقه، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان.
[(ثالثاً): علم التزكية والأخلاق]: عُرفت مدارس التزكية والإحسان بمدارس التصوف، والتصوف يحمل في معانيه التزكية والتربية والأخلاق والسوك والإحسان، ولا مشاحة في الاصطلاح، فقد عُرف المتخصصون في هذا الجانب باسم الصوفية منذ ما يزيد على ألف عام، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و (التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، وعلى ذلك، وقد تعارف العلماء على ذلك منذ مئات السنين، وجميعها مدارس علمية وسلوكية متخصصة، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين، وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية)، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الْأَعلى: 14]، وأيا كانت التسمية، (التزكية أو التصوف) فإن المقصود هو ثلث الدين الأعلى، ثلث (الإحسان)، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”) [أخرجه مسلم]، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، ومن أشهرها عند أهل السنة الطريقة القادرية والطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية وغيرها من الطرق الفاضلة التي تدل على طريق الله تعالى ضمن إطار منهج الحق، وبهذه المذاهب العقدية والفقهية والسلوكية المتخصصة يتضح الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة، سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم.
[المفتاح التاسع]: علوم الوسائل لفهم الدين: وتشمل علوم القرآن، وعلوم السنة، وعلوم اللغة العربية، وعلوم أصول الفقه.
[(أولاً): علوم القرآن]: والمقصود بها علوم الوسائل التي تعين على تلاوة كتاب الله تعالى وفهمه فهماً صحيحاً، ومن أهمها التجويد والتفسير وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وقد أوصلها السيوطي إلى ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه الاتقان في علوم القرآن، وأهم ذلك: (1) علم التجويد وآداب التلاوة: والمقصود من تعلم التجويد: أن يقرأ المسلم القرآن قراءة صحيحة كما كان يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما تلقاه عن جبريل عليه السلام عن الله تعالى، وفائدة علم التجويد: صيانة كلام الله تعالى عن تطرّق التحريف والتغيير إليه، والمقصود من تعلم آداب التلاوة بيان آداب قارئ القرآن وبيان آداب حملة القرآن: وخير مؤلف في معرفتها كتاب (التبيـان في آداب حملة القرآن) للنووي، (2) علوم القرآن عامة: ومن المؤلفات المعينة على معرفتها: كتابان جامعان في علوم القرآن وهما، كتاب (الاتقـان في علـوم القــرآن) للحافظ السيوطي 911 هـ، وكتاب (مناهــل العــرفان في علـوم القـرآن) للشيخ محمد عبدالعظيم الزرقاني، (3) علوم القرآن المتخصصة في أحد فروع علوم القرآن: مع أنّ هذه المسائل تذكرها كتب التفسير في مواضعها من سور القرآن، إلا أنّ هناك كتب أفردتها بالتأليف، ومنها: في علم أسباب النزول: كتاب (أسباب النزول) لأبي الحسن الواحدي النيسابوري، وفي علم الناسخ والمنسوخ: الناسخ والمنسوخ لأبي بكر بن العربي، وفي علم أحكام القرآن: كتاب البرهان في علوم القرآن، للزركشي، وكتاب أحكام القرآن لابن العربي، وكتاب أحكام القرآن للسيوطي، وكتاب أحكام القرآن للرازي الجصاص، وكتاب روائع البيان تفسير آيات الأحكام لمحمد علي الصابوني، (4) علم التفسير وأصوله: هو العلم الأساس من علوم القرآن اللازم لفهم القرآن ومعرفة معانيه والعمل بما يدعو إليه، وقد برع علماء أهل السنّة والجماعة في تفسير القرآن، وتركوا لنا تراثاً عظيما من تفسير القرآن سواءً أكان بالمأثور من التفسير أو بالاجتهاد والرأي، وأعظم ما كتب في تفسير القرآن على طريقة التفسير بالمأثور تفسير الطبري، والثاني تفسير ابن كثير، وأعظم ما كتب في تفسير القرآن على طريقة التفسير بالرأي تفسير (الجامع لأحكام القرآن) لأبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي،
[(ثانياً): علوم السنّة]: وعلوم السنّة كثيرة جداً: أوصلها ابن الصلاح في (مقدمته) إلى خمسة وستين علماً من علوم الحديث، وقال السيوطي في (تدريب الراوي) إنها يمكن أن تكثر كثيرا بالتفريعات، ولكن أهم تلك العلوم ثلاثة: الأول: علم رواية الحديث وهو علم يختص بمعرفة متون الحديث من دواوين السنّة، والثاني: علم الدراية بمصطلح الحديث بمعرفة درجة الحديث من حيث الصحة والضعف والقبول والرد، والثالث: علم الدراية بإسناد الحديث من حيث معرفة الرواة، ودرجة ضبطهم وحفظهم وصدقهم، وهو ما يعرف بعلم الجرح والتعديل، وعلم الحديث علم فريد اختص الله تعالى به أهل السنّة من المسلمين لحفظ سنّة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك كانت تسميتهم الموفقة: أهل السنّة والجماعة، وما ذاك إلا لحرصهم على السنّة وحرصهم على الجماعة، وأهم دواوين أهل السنّة والجماعة في علم رواية الحديث: وأهم ذلك: الكتب الستة: الصحيحان: صحيح البخاري وصحيح مسلم، والسنن الأربعة: سنن الترمذي وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وموطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد ابن حنبل، وقد تقدم عند الحديث على العلوم الأصلية الإشارة إليها، وأهم دواوين أهل السنّة والجماعة في علم شرح الحديث: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين محمود بن أحمد العيني، وإرشاد الساري شرح صحيح البخاري لأحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني، والمنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي وهو أهم شروح صحيح مسلم، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي، والمعلم بفوائد مسلم، لمحمد بن علي بن عمر التميمي المازري، وإكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض بن موسى بن عياض، وإكمال إكمال المعلم لفوائد كتاب مسلم لمحمد بن خلفة بن عمر الآبي، ومعالم السنن شرح سنن أبي داود لأبي سليمان حمد بن سليمان الخطابي، وعارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي لأبي بكر ابن العربي، وهو أعظم وأهم شروح سنن الترمذي، وحاشية السندي على سنن النسائي، وحاشية السندي على سن ابن ماجه، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر.
[(ثالثاً): علوم اللغة العربية]: القرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 إلى 195]، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أفصح العرب، وأفصح من نطق بلغة الضاد، ولهذا كان الكتاب والسنّة هما مصدرا اللغة العربية الذي لا ينضب، وطالب العلم الشرعي المسلم مهما كانت لغته لا غنى له عن دراسة اللغة العربية لأنّها لغة القرآن والحديث، وهي لغة دينه الإسلام الذي لا يقبل الله تعالى من العباد جميعا دينا سواه، واللغة العربية وسيلة لفهم النصوص الشرعية، وتعلمها واجب على طالب العلوم الشرعية، لأن الوسائل لها نفس أحكام المقاصد، وعلوم العربية المشهورة كثيرة تشمل: النحو والصرف والعروض والقافية واللغة والقرض والإنشاء والخط والبيان والمعاني والمحاضرة والاشتقاق والآداب، ولكن بعد إدخال بعضها في بعض، أصبحت أهم علوم اللغة العربية ثلاثة علوم وهى: علم النحو، وعلم البلاغة، وعلم الأدب، الأول: علم النحو ويدخل فيه الصرف، فالنحو يختص بأحوال الإعراب والبناء، ينظر في إعراب الكلمة بما يؤدي إلى فهم الخطاب العربي بحسب إعرابه، فيعرف الفاعل من المفعول، وغير ذلك مما يؤدي إهماله إلى قلب المعاني، والصرف ينظر في بنية الكلمة العربية وتصريفها، والعلم الثاني: علم البلاغة: وينظر في بلاغة الكلام في إيصال المعاني ويشتمل على ثلاثة علوم هي: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، وعلم المعاني الذي ينظر في معنى الكلمة نفسها، وعلم البيان الذي ينظر في معنى الكلام المركب من أكثر من كلمة، وعلم البديع ينظر في جهات تحسين الكلام، أما العلم الثالث: هو علم الأدب ويتمثل في جمع الجيد من كلام العرب المنظوم (الشعر) والمنثور (النثر) والذي به تحصل ملكة الإجادة في أساليب العرب ومناحيهم في الحديث.
[(رابعاً) علم أصول الفقه]: وهو العلــم بالقواعـد والأدلـة الإجماليـة التـي تستنبط منها الأحكـام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، والأدلة التفصيلية هي: أدلة الأحكام من نصوص الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأول من تكلم في علم أصول الفقه الشافعي رحمه الله، وأهم ما كتبه الشافعي في أصول الفقه كتابه: (الرسالة) تكلم فيها في الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وحجية كل منها، وتكلم في الأوامر والنواهي والبيان والنسخ وخبر الآحاد وحكم قول الصحابي وغيرها من مسائل أصول الفقه، وبعد الشافعي ظهرت طريقتان لتدوين هذا العلم: الأولى طريقة فقهاء الحنفية، وهى تعتمد على تدوين أصول الفقه بالتبعية للفقه،والثانية طريقة جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة)، وهى تعتمد على التدوين المستقل لأصول الفقه اعتماداً على الأدلة الشرعية والقواعد اللغوية والبراهين النظرية.
[المفتاح العاشر]: علوم العمل لدين الله تعالى: تتمثل في: علوم الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، وعلوم البناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم الشرعي الراسخ، وعلوم الحسبة على الدين بالأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر، وعلوم الجهاد في سبيل الله من أجل نشر الدين وإظهار أمره وإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله، والعمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين.
[(أولاً): الدعوة إلى الله تعالى]: هي اشرف رسالة وأعظم قربة إلى الله تعالى فهي عمل الأنبياء ومهمة المرسلين، وهي أفضل الأعمال لأنها وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولولا الدعوة إلى الله لما قام لله على الأرض دين، ولا انتشر توحيد وإسلام، ولهذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغها إلى الناس كاملة، والدعـوة إلى الله فرض كفاية على الأمة الإسلامية جميعها، إذا قام بها من يكفي للقيام بأعبائها سقط الإثم عن الباقين، وذلك لقوله تعالى: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]،
[(ثانيا): البناء على الدعوة]: ويقصد به تربية المسلم على مبادئ الإسلام العقائدية والشرعية والأخلاقية، وصبغه بمحتوى رسالة دين الإسلام حتى يتحقق فيه إسلام الوجه لله والمتابعة الحقة لرسول الله عز وجل صلى الله عليه وسلم، والبناء على الدعوة هو المتمم لأثر الدعوة وهو يقوم على التربية الإسلامية الحقة والتزكية الإسلامية الخالصة والتعليم الشرعي الصحيح الراسخ، وتكمن أهمية البناء على الدعوة: في انه السبيل إلى إيجاد المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام (عقيدة وفقها وتزكية وعملا من أجل نصرته)، ولذلك فالبناء على الدعوة غاية في الأهمية والضرورة، وقد كان هو غالب جهد النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى يأمره بالصبر عليه، قال تعالى {واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}.
[(ثالثا): الاحتساب على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أوجب الواجبات وأعظم القربات وابرز صفات المؤمنين، وفيه مصلحة الأمة ونجاتها وبه يحافظ على الدين نقيا ظاهرا بعقائده وأركانه وشرائعه وأخلاقه وفي إهماله الخطر العظيم والفساد الكبير حيث تضيع العقائد والأركان وتُهمل الشرائع وتنتهك المحرمات وتنتشر الفواحش والرذائل، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب خيرية أمة النبي صلى الله عليه وسلم على كافة الأمم، والأمة التي تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستحق اللعن من الله تعالى،
[(رابعاً): الجهاد في سبيل الله تعالى]: والجهاد في سبيل الله تعالى أعلى الواجبات وذروة سنام الإسلام، والجهاد في سبيل الله تعالى يكون بالنفس والمال واللسان، والجهاد له مراتب عديدة: تبدأ جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وتشمل جهاد الكفار، وجهاد المنافقين، وجهاد البغاة المعتدين، وجهاد المبتدعة المارقين، وجهاد الظالمين والعاصين، أمرنا الله تعالى بجهادها جميعاً بقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78]، أما جهاد النفس فيكون على الإيمان والعمل الصالح، وإتباع الحق، والصبر على الطاعة، وجهاد الشيطان على ما يلقي إليه من الشهوات والشبهات، والمعاصي والذنوب، وجهاد الكفار بالمال والنفس، وجهاد المنافقين بالمال واللسان واليد، وجهاد المبتدعة والظالمين والعاصين، يكون بنشر العلم الصحيح والدعــوة إلى الله تعالى، وبالأمر بالمعـروف، والنـهي عن المنـكر، فجميع ذلك أنواع من الجهاد، وأكمل الخلق جهادا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كمّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده.
[(خامساً): العمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين]، قال الله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد، وقال الله تعالى: {وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..}[المائدة: 2]، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة، وما أحوج الدين إلى تعاون المسلمين على نصرته.
[(سادساً) علم السيرة والغزوات]: وهو ذلك العلم الذي يتناول الواقع العملي لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الدين، وفي الحسبة عليه، وفي الجهاد في سبيل الله تعالى من أجل نشره وحفظه وتحقيق رسالته العملية على أرض الله تعالى وبين عباده، وهو كذلك العلم الذي يتناول حياته وشخصيته من جميع الجوانب الأخلاقية والتربوية والعبادية والقيادية والسياسية والدعوية والحسبية والجهادية والإعلامية وغيرها من جوانب حياة النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنّها تتناول صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وهديه، ودلائل نبوته، وخصائصه وحقوقه على الأمة الإسلامية وعلى سائر الأمم، والسيرة النبوية تعين على فهم الأصلين (الكتاب والسنّة)، وتعين على فهم كافة الجوانب المتعلقة بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعين على فهم كافة جوانب الدين،
[(سابعاً): علم سير الصحابة خير الناس بعد الأنبياء]: ولدراسة سيرة الصحابة أهمية كبيرة تتمثل في معرفة ما هم عليه من الفضل والعمل لدين الله تعالى، وضرورة الاقتداء بهم، لأن نهجهم رضي الله عنهم واجب الاتباع، كما تفيدنا في فهم الدين كما فهموه والعمل به كما عملوا وحمل أمانته كما حملوا، والدعوة إليه والحسبة عليه والجهاد في سبيل الله من أجل رفع رايته، كما تفيدنا في تهذيب الأخلاق والسلوكِ بالاقتداءِ بِهم , كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (من كان منكم متأسيًا فليتأسَّ بأصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبرَّ هذهِ الأمة قلوباً , و أعمقها علمًا , وأقلَّها تكلفًا , و أقومها هديًا , وأحسنها حالاً , اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم , وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) [تفسير القرطبي 95/1]، ومن أهم المؤلفات في تاريخ الصحابة: كتاب أسد الغابة لابن الأثير (ت 630 هـ)،، وكتاب الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر أحمد بن علي العسقلانِي (ت 852 هـ)،، وكتاب حياة الصحابة لمحمد يوسف الكاندهلوي.
[(ثامناً): علم سنن الله تعالى التي لا تتبدل]: ومن أهم تلك السنن: سنن التغيير وسنن الفلاح والغلبة وسنن النصر والتمكين وسنة الابتلاء والتمحيص، وتكمن أهمية تلك السنن: في أن التاريخ يتبدل والشعوب تتبدل والدول تتبدل ولا تدوم على حال، إلا أن سنن الله عز وعلا في كونه وفي خلقه لا تتبدل ولا تتحول ولا تتغير، قال تعالى:{فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43]، ولذلك فمن أهم ما علوم العمل الإسلامي اللازمة اليوم هو دراسة تلك السنن حتى يتعامل معها المسلمون على بصيرة وعلى دراية وعلى علم تام بها، والعارف لتلك السنن لا يعاندها لأنها غلابة لا تتحول ولا تتبدل فيكون عمله لدين الإسلام في تقدم مستمر وفي طريقه نحو تحقيق أهدافه.
[(تاسعاً): علم التاريخ الإسلامي]: تكمن دراسة التاريخ: في معرفة الحقائق والسنن الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير، ولهذا دعا الله تعالى الناس إلى تدبره في العديد من آيات القرآن الكريم لأنّها سنن الله تعالى في الكون والتي لا تتحول ولا تتبدل، منها قوله تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [فاطر: 43، 44]، ودراسة التاريخ يفيد في معرفة وتتبع السنن والقوانين الربانية التي تحكم هذا الكون، تلك السنن والقوانين التي أوجدها الله تعالى بحكمته، وجعلها لا تجامل أحدا، ولا تتبدل ولا تتغير لهوى أحد، ولا تنحرف عن مسارها من أجل أحد، وإلا فسد نظام الكون، والذين يتقنون فقه هذه السنن وفقه الاستفادة منها وفقه تطبيقها هم الذين يستمرون في الحياة ويتفوقون في ميادينها، ودراسة التاريخ يفيد في الاتعاظ والاعتبار بأحداثه، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ}[يوسف: 111]، وإذا كان التاريخ يعيد نفسه ويكرر أحداثه، لأنّ أحداث التاريخ هي سنن الله الكونية القدرية الثابتة التي لا تتبدل، فلذلك يتحتم علينا دراسة تاريخ أمة الإسلام منذ نشأتها وظهورها في الأرض وانتشارها وسيطرتها على أكثر من نصف الكرة الأرضية، وما هي العوامل التي أدت إلى قوتها وعزتها آنذاك، وما هي العوامل التي أدت بعد ذلك إلى ضعفها وهوانها، وهزيمتها، فبدراسة التاريخ يمكننا أن نعرف أسباب النصر وأسباب الهزيمة في حياة المسلمين، وذلك لأخذ العبرة والعظة، ودراسة عوامل النصر ومقوماته، ثم أسباب الهزيمة ونتائجها، واستخراج الدروس والعبر من كل ذلك.
[(عاشراً): علم فقه الواقع المعاصر]: وهذا العلم يتكون من شقين (فهم الواقع) و (كيفية إصلاح الواقع)، فالشق الأول: معرفة واقع الأمة الإسلامية المعاصر: ويشمل المعرفة الدقيقة والفهم العميق للواقع الإسلامي المعاصر، ومقارنته بغيره من واقع الأمم من حيث القوة والضعف، ويتناول معرفة أعدائه الحقيقيين، وما يكيدون له من مكائد وما يدبرون له من خطط، ومعرفة أشد الناس له عداوة، وأقربهم إليه مودة، ومعرفة القوى الحقيقية المهيمنة على الوضع العالمي، ومعرفة مخططاتها الخبيثة لحرب الإسلام والمسلمين، ومعرفة ما عندها من إمكانات لتحقيق مخططاتها، و (الجانب الثاني): معرفة الطريق إلى تغيير الواقع الإسلامي من الاستضعاف إلى التمكين: ويتناول معرفة السبل المشروعة لحماية الأمة من أعدائها، وإفشال مخططاتهم، ومن ثم تفوقها عليهم والسير قدما نحو تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية العالمية على أرض الله تعالى وبين عباده، لقد حدثت تطورات عالمية هامة وكبيرة في التاريخ الدولي الحديث غيرت مفاهيم القوي والحروب والصراعات، وزادت الفجوة العسكرية بين أهل الكفر والشرك وبين المسلمين، بما يستحيل معه دخول صراعات معها دون سابق إعداد هائل يكافئ موازين القوي والصراع، وأي تغرير بالمسلمين اكبر من شد الامة الإسلامية نحو مواجهة غير متكافئة مع هؤلاء، إنّ القوة هي الأساس الذي يحكم العلاقات بين الدول، فإنّ القوي يفرض شروطه على الضعيف، ولذلك وجدنا كل مقدرات وممتلكات الدول الإسلامية شبه مسروقة قسرا من أولئك إما بالتهديد المباشر أو بفرض شروط القوي على الضعيف، أو بمجرد التلويح باستخدام القوة، تعلم الغرب من الماضي ولم يتعلم المسلمون، فإنهم لأجل الاحتفـاظ بالتفوق المادي والعسكري حرصوا على تفتييت الدول الإسلامية إلى دويلات، ومنعوا المسلمين من امتلاك المعرفة العسكرية والقوة العسكرية والتقنية العسكرية حتى يظل المسلمون في ضعف وهوان وحاجة دائمة ذليلة للغرب، إنّ هؤلاء لا يزالون على مر العصور والأيام على مكرهم وكيدهم وعدائهم للإسلام وأهل ه، قال تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}، ولهذا كان العلاج الرباني بقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60]، فالإعداد أقصى استطاعة هو السبيل لتكافئ القوى، وقد أوجب الله تعالى على أمة الإسلام الإعداد الدائم، وبغير الإعداد تتفاوت الموازيين، ويصعب مواجهة الاعداء، إن من أهم أسباب تخلف المسلمين في عصرها الحاضر هو الجهل بالواقع، وغفلتهم عن الحجم الرهيب من الكيد الذي يكيده الأعداء ويخططون له، والمسلمون – اليوم – لا بديل لهم عن فقه الواقع واستيعابه، ودراسة مخططات الأعداء ضد الأمة، ومن ثم بناء الخطط الملائمة للنهوض بذلك الواقع.
[المفتاح الحادي عشر]: العلوم المتعلقة بأنظمة الدين: أنظمة الدين ربانية متكاملة تتناول كافة جوانب الحياة، النظام السياسي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يحرس الإسلام ويسوس الدنيا به، والنظام الاجتماعي في الإسلام وهو نظام رباني يسمو بالمجتمع إلى أعلى مراتب الفضيلة، ونِظامُ الحِسْبَة على المجتمع في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يحرس الدين ويحفظه، والنظام المالي الاقتصادي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يحقق التكافل والعدالة، والنظام التشريعي والجزائي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يحقق العدل والأمن والأمان، والنظام النظام التربوي والتعليمي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل ينشر الربانية والعلم النافع، والنظام الجهادي افي الإسلام وهو نظام رباني متكامل له عقيدة جهادية ربانية واضحة، والنظام الإعلامي في الإسلام وهو نظام رباني متكامل يبلغ رسالة الإسلام إلى الناس كافة.
[فائدة]: في بيان جوانب الكمال والشمول والحسن في دين الإسلام: فمن جوانب الكمال في دين الإسلام: أنه إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، وأنه الدين الوحيد المقبول عند الله، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}، وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وأنه كله من عند الله لا دخل للبشر في شيء من قواعده وأصوله، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] فإنّ كل ما فيه من عقائد وشرائع وقيم واخلاق مصدرها الخالص هو الله الحكيم العليم، وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التلقي والحفظ {سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى} [الأعلى: 6]، ثم التبليغ والدعوة {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67]، ثم التفسير والبيان {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل.: 44]، ثم تولى الله تعالى حفظه على مر العصور، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، ومن جوانب الشمول والتكامل في دين الإسلام أنه تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة، على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، ففيه كافة الأنظمة التي يحتاج إليها الناس في مجالات الحياة الدنيا وأنشطتها بما يحقق العدل والأمن والفلاح، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، ومن جوانب الحسن في دين الإسلام أنه دين اليسر والرحمة ورفع الحرج، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فهذه بعض جوانب ذلك الدين القيم بكل ما يحمله ذلك الوصف من معاني كريمة ومبادئ سامية وقيم عالية، وأخلاق عظيمة، قال تعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]،
***
([2]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([8]) مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة).8/3550.
([13]) صحيح البخاري 9/127 ح 7435.
([14]) صحيح البخاري 6/145 ح 4878، صحيح مسلم 1/163 ح 180.
([16]) صحيح البخاري 1/20 ح 52.
([17]) صحيح البخاري 9/129 ح 7439.
([20]) المصدر السابق 1/59 ح 31.
([21]) المصدر السابق 1/61 ح 32.
([24]) صحيح البخاري 9/121 ح 7439.
([26]) صحيح البخاري 8/157 ح 6772، صحيح مسلم 1/77 ح 57.
([29]) المغني لابن قدامة 2/157، المجموع للنووي 3/14، نيل الاوطار للشوكاني 1/291.
([30]) مسند أحمد 38/20 ح 22937.
([31]) مسند أحمد 37/377 ح 22704.سنن ابن ماجة 2/408 ح 1400.
([33]) صحيح البخاري 6/149 ح 4890.
([34]) صحيح البخاري 1/87 ح 391.
([35]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([37]) صحيح البخاري 8/15 ح 6040.
([38]) سنن الدار قطني 5/325 ح 4396.
([39]) صحيح البخاري 3/184 ح 2697، صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.
([41]) صحيح مسلم 2/704 ح 1017.
([42]) شرح النووي علي مسلم 7/104.
([43]) ” جامع العلوم والحكم ص 81، فتح الباري 5/302.
([44]) صحيح البخاري 3/45 ح 2010.
([45]) صحيح البخاري مع الفتح 5: 155-156.
([46]) المصدر السابق 1/159 ح 799.
([47]) فتح الباري: كتاب الصلاة 312: 8.
([48]) المدخل الي السنن الكبرى للبيهقي 2/633.
([49]) صحيح البخاري 9/94 ح 7288، صحيح مسلم 2/975 ح 1337.
([50]) صحيح مسلم 2/975 ح 1337.
([51]) المصدر السابق 3/1497 ح 1876.
([52]) شرح النووي على مسلم،2/ 23.
([53]) صحيح البخاري 9/108 ح 7352، صحيح مسلم 3/1342 ح 1716.
([55]) المستدرك للحاكم 4/128 ح 7113.
([56]) صحيح مسلم 4/2055 ح 2670
([57]) العقيدة السفارينية ص 54.
([58]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر ص 30.
([59]) لوامع الأنوار البهية 1: 73.
([60]) صحيح البخاري 3/171 ح 2652، صحيح مسلم 4/1963 ح 2533.
([61]) الأسماء والصفات 2/23، و 2/21.
([63]) تدريب الراوي ج 1 / 393.
([66]) إتحاف السادة المتقين 2/7.
([68]) صحيح البخاري 4/50 ح 2957.
([69]) المصدر السابق 9/62 ح7142.
([70]) صحيح مسلم 3/1467 ح (1837).
([71]) صحيح البخاري 4/49 ح ح (2955)، صحيح مسلم 3/1333 ح (1709).
([72]) صحيح مسلم 3/1482 ح 1855.
([73]) صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([74]) صحيح البخاري 9/47 ح7055.
([76]) صحيح مسلم 3/1481 ح 1855.
([78]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1854.
([79]) صحيح مسلم 3/1474 ح1846.
([80]) صحيح البخاري 9/47 ح 7053.
([81]) صحيح مسلم 3/1467 ح 1836.
([82]) صحيح مسلم 3/1467ح 1837.
([85]) صحيح البخاري 9/47 ح 7052.
([86]) صحيح البخاري 4/199ح 3606، صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([87]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1853.
([88]) صحيح مسلم 3/1479 ح1852.
([89]) صحيح البخاري 4/169 ح 3455، صحيح مسلم 3/1471 ح 1842.
([90]) صحيح مسلم 2/944 ح 1298.
([91]) شرح النووي على مسلم ج 9 /47.
([92]) حاشية السندي على النسائي ج 7/154.
([93]) صحيح البخاري 9/49 ح 7068.
([96]) سنن ابي داود 6/400 ح 4343، سنن ابن ماجة 5/144 ح 4011.
([97]) مسند أحمد 24/49 ح15333. قال الأرناؤوط: صحيح لغيره
([98]) صحيح البخاري 4/121 ح 3267، صحيح مسلم4/2290 ح 2989.
([100]) جامع العلوم والحكم 3/954.
([102]) التاريخ الكبير 1/246، مسائل الإمام أحمد صـ 419.
([104]) شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 229
([105]) صيانة صحيح مسلم صـ 209.
([107]) تنبيه الغافلين لابن النحاس ص 59.
([108]) الآداب الشرعية (1/176،177.
([109]) تنبيه الغافلين لابن النحاس ص76.
([110]) سنن ابي داود 6/394 ح4338، سنن الترمذي 4/467 ح 2168.
([111]) صحيح البخاري 9/47 ح 7053.
([112]) سنن ابي داود 6/392 ح 4337. المعجم الكبير 10/146 ح 10267.السنن الكبرى للبيهقي 20/262.
([113]) شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 229.
([114]) صحيح مسلم 3/1472 ح 1844.
([115]) صحيح البخاري 9/47 ح 7054. صحيح مسلم 3/1477 ح 1849.
([116]) الآداب الشرعية 1/176، 177.
([117]) تنبيه الغافلين لابن النحاس ص 76.
([118]) شرح النووي على صحيح مسلم: ج 12: 229.
([121]) تفسير ابن عطية المحرر الوجيز: 2/70.
([122]) شرح النووي على مسلم: 12/223
([124]) الجامع لشعب الإيمان للبيهقي: 13/41.
([125]) العجاب في بيان الأسباب لابن حجر: 2/898.
([127]) الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/132.
([128]) صحيح مسلم 4/199 ح 3603، صحيح مسلم 3/1472 ح 1843.
([129]) شرح النووي على صحيح مسلم: 12/229.
([130]) غياث الأمم في التياث الظلم، ص 115 – 116.
([131]) شرح النووي على صحيح مسلم: ج 12: 229.
([133]) صحيح البخاري 1/159 ح7111.
([134]) البداية والنهاية 11/494.
([137]) البداية والنهاية 11/504.
([138]) شرح النووي على صحيح مسلم: ج 11، ص 433، ح: 4748.
([139]) الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص 20.
([140]) مناقب الشافعي للبيهقي 1/448.
([142]) إحياء علوم الدين 1/115.
([143]) الاعتصام للشاطبي 3/32.
([146]) المعلم بفوائد مسلم 3/55.
([147]) صحيح البخاري 8/32 ح 6136، صحيح مسلم 1/68 ح 47.
([148]) صحيح البخاري1/11 ح 10 ، صحيح مسلم 1/65 ح 45.
([149]) مسند أحمد 21 /60 ح 13349.
([150]) السنة لابن ابي عاصم 2/488 ح 65.
([151]) الثقات لابن حبان (5/314-315)
([152]) شعب الإيمان 6/64 ح 7505.
([153]) السنة لابن ابي عاصم 2/488 ح 1015.
([155]) السنن الكبرى للبيهقي 16/580 ح 16728.
([156]) الانتصاف لابن منير المالكي (4/106)
([158]) تفسير الطبري 8/465، 466.
([159]) كتاب الإيمان لأبي عبيد ص45 ط . المكتب الإسلامي
([160]) تفسير الطبري 8/465، 466.
([161]) البحر المحيط لابن حبان 4/270
([162]) تفسير الطبري 8/465، 466.
([165]) الناسخ والمنسوخ للنحاس:ج1 / 402.
([167]) التمهيد لابن عبد البر 3/496.
([170]) أحكام القرآن لابن العربي ج2 / 127.
([172]) تفسير القرطبي ج6 /190.
([177]) إحياء علوم الدين 1: 100.
([178]) الرسالة القشيرية 1/79.
([179]) اليواقيت والجواهر للامام الشعراني: 1: 83]،
([180]) اليواقيت والجواهر نقلاً عن الفتوحات المكية: 1/80 و 81.
([183]) مقدمة ابن خلدون ص 329.
([184]) “قواعد التصوف للشيخ أحمد زروق” ص2.
([185]) “النصرة النبوية” للشيخ مصطفى المدني ص22.
([186]) على هامش “الرسالة القشيرية” ص7.
([187]) الرسالة القشيرية” 1/131.
([188]) صحيح البخاري 8/105 ح 6502.
([189]) صحيح البخاري 1/20 ح 52.
([190]) صحيح مسلم 4/1987 ح 2564.
([191]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([192]) السنن الكبرى للنسائي 4/286 ح 4333.
([193]) مسند أحمد 41/470 ح 25012.
([194]) سنن الترمذي 4/355 ح 1987. مسند أحمد 35/319 ح 21404.
([195]) المنقذ من الضلال ص 178.
([196]) “الأشباه والنظائر” للسيوطي ص416.
([197]) حاشية ابن عابدين” المسماة رد المحتار على الدر المختار 1/43.
([198]) النصرة النبوية” للشيخ مصطفى إسماعيل المدني على هامش شرح الرائية للفاسي ص 26.
([199]) عدة المريد الصادق للشيخ احمد زروق: ص: 65.
([200]) صحيح مسلم 4/2104 ح 2747.
([201]) تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية، لجلال الدين السيوطي، ص: 4.
([202]) سنن أبي داود 5/485 ح 3641، سنن الترمذي 5/48 ح 2682.
([203]) سنن الترمذي 5/50 ح2685.
([204]) صحيح البخاري 1/25 ح 71، صحيح مسلم 2/719 ح 1037.
([206]) حلية الأولياء، لأبي نعيم 9/70.