(الفصل السادس) قواعد الإنصاف المتعلقة بمعرفة مذهب السادة الأحناف والماتريدية في مسائل الإيمان والكفر وبيان كونهم فيها فقهاء أهل السنّة الجماعـة
المفتاح الأول: منطلقات صحيحة تعين على معرفة مذهب السادة الأحناف.
المفتاح الثاني: تحقيق مسألة زيادة الإيمان ونقصانه عند الأحناف.
المفتاح الثالث: تحقيق مسألة الاستثناء في الإيمـان عنـد الأحنـاف.
المفتاح الرابع: الأدلة من كتب الأحناف على براءة الأحناف من سبّة الإرجاء.
المفتاح الخامس: الحنفية هم أهل الفقه في الدين وهم أحد أركان أهل السنّة والجماعة.
المفتاح السادس: الإمام أبو حنيفة يؤسس لمدرسة عقائدية فقهية يتبعها ثلث الامة تقريبا.
[المفتاح الأول]: منطلقات صحيحة تُعين على معرفة قول السادة الأحناف والماتريدية في مسائل الإيمان:
السادة الأحناف ثلث الامة الإسلامية تقريبا، وهم أهل الفقه في الدين، الفقه الأكبر (العقيدة)، والفقه الكبير(الفقه)، ولولا الهجمة التي تشنها الحشوية القديمة والتي تتسمى في زماننا بالسلفية، بين الحين والآخر على السادة الاحناف واتهامهم بالإرجاء، لما احتجنا إلى هذا المفتاح لأنه بمثابة تحصيل الحاصل، ومن نكون حتى نتكلم على السادة الاحناف والسادة الماتريدية الذين ملئوا الأرض علما وفقها، وبالتالي فإنّ المقصود من هذا المفتاح بيان المنطلقات التي تعيننا على الوصول إلى فهم كلام أولئك الاكابر في باب الإيمان والكفر.
[المنطلق الأول]: التزام مبدأ العدل والإنصاف في الحكم على أهل العلم : الشرع الحنيف يدعونا إلى التزام مبدأ العدل والإنصاف وعدم الغلو والشطط في الحكم على أهل العلم المنتسبين إلى أهل السنّة والجماعة وإنما ترجيح جانب حسن الظن بهم وحمل أقوالهم على المحامل الحسنة التي تقرب من الصواب ويؤيد هذا المنطلق أحاديث عده عن الرسول صلى الله عليه وسلم: منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين)) ([1]).
والغلو والإفراط في مسألة تصفية منهج أهل السنّة ما هو إلا سبيل أهل الحشو والتنطع، وما هو إلاّ هلاك لأصحابه كما دلّ بذلك الحديث وتفتيت لوحدة أهل السنّة والجماعة، والتي سميت بالسنّة لحرصها على السنّة وبالجماعة لحرصها على الجماعة، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((هـلك المتنطعـون)) قالها ثلاثاً ([2]). والمتنطعون هم المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم، ولاشك كذلك في أنه يدخل في هؤلاء المغالون المجاوزون الحد في معتقداتهم أو عباداتهم وفيه جاء حديثه صلى الله عليه وسلم للثلاثة نفر الذين استغلوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ((فمن رغب عن سنتي فليس مني)) ([3]).
والمقصود هنا نفس المقصود السابق، وهو أنّ المغالاة والتنطع في تصفية المنهج بتبديع كل مخالف دون تفريق بين أصول وفروع وبين بدع وأخطاء مآله إلى هلاك أصحابه وتشرزم أهل السنّة إلى طوائف متناحرة، لأنه ليس من عالم إلاّ وله زلة، وليس من إمام إلاّ وله أخطاء وليس من معصوم إلاّ الرسول صلى الله عليه وسلم فوجب توسيع الصدر للخلاف الداخل ضمن أطار أهل الحق، وليس أدل على ضرورة هذه السعة من قوله صلى الله عليه وسلم في حق الحاكم: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) ([4]).
ففي كل الحالات لا يُحرم الأجر وإن كان مخطئاً في رأيه، أيسعه الشرع الحكيم ولا نسعه نحن باجتهاداتنا فنخرجه من إطار أهل السنّة لمجرد أنه اجتهد، وهو قد بلغ رتبة الاجتهاد وحق له أن يجتهد ـ بعلة وبُغية تصفية المنهاج، أخشى أن يكون هذا من الغلو والتنطع الذي نهانا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وإلاّ آل بنا إلى الهلاك، نعم لا حرج في بيان الحق وردّ المخطئ ببيان أدلة الكتاب والسنّة وأقوال السلف مع حفظ حُرمة المجتهد فلا يُبدع ولا يُضلل لمجرد مخالفات فرعية وسعتها صدور كافة الأئمة العلماء على مرّ عصور الإسلام السابقة، والحق يقوله كل منصف: أنّ المسلمين جميعاً عالة على الأحناف في باب الفقه في الدين، سواءً في الفقه الاكبر الذي سماه العلماء (علم العقيدة)، او في علم الفقه بأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام، وكل فقيه في الدين إلى يوم القيامة ففي عنقه جميل لهؤلاء، نسأل لله تعالى أن يجزيهم عن أهل الإسلام خير الجزاء.
[المنطلق الثاني]: أهل السنّة والجماعة أجمعوا على أنّ الإيمان قول وعمل وأنه أصل وفرع واتفق علماؤهم المحققون على أنّ الأصل يتناول قول القلب (التصديـق) وعمله (الانقيـاد) وقول اللسان (الإقـرار)، وأنّ أعمال الجوارح تدخل في فرع الإيمان (ما زاد على أصل الإيمان وهو الإيمان الواجب) . وقد ذكرت الأدلة على صحة ما نقلته عنهم في المباحث السابقة من هذا المؤلف. وإذا علمنا أنّ الإيمان عند الأحناف قول وعمل ويشمل قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار) وأنهم ينصّون على أنّ مقصودهم من هذا التعريف أصل الإيمان المنجي من الكفر فالحاصل أنه لا خلاف البته بينهم وبين علماء أهل السنّة في هذه المسألة إطلاقاً، ومن الأدلة على دخول التصديق والانقياد والإقرار في أصل الإيمان عند السادة الأحناف: يقول صاحب المسامرة: ” الإيمان تصديق القلب واللسان ويُعبر عنه بأنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وهو منقول عن أبي حنيفة – رحمه الله – ومشهور عن أصحابه “([5]).ويقول الإمام الطحاوي في عقيدته التي نسبها إلى الإمام أبي حنيفة وأصحابه:” والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق ” ([6]). ويقول كذلك: ” ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين “([7]).
ويقول ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية: ” وذهب كثير من أصحابنا ـ أي الحنفية ـ إلى ما ذكره الطحاوي رحمه الله: أنه الإقرار باللسان والتصديق بالجنان ([8]).
” قلت ” هذه الأقوال تؤكد أنّ مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه في الإيمان هو أنه إقرار باللسان وتصديق بالقلب، فإذا علمنا أنّ مقصدهم بالتصديق، التصديق الانقيادي المشتمل على قول القلب وعمله صار الإيمان عنده وعند أصحابه عبارة عن قول اللسان وقول القلب وعمله وهي الأركان الثلاثة التي قرر فقهاء أهل السنّة أنها أصل الإيمان.
ومن الأقوال التي تدل على أنّ هذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه: جاء في كتاب المسامرة شرح المسايرة: ” والإيمان لمّا كان عبارة عن تصديق الله تعالى فيما أخبر على لسان رسله فإنما يتحقق ذلك بقبول أوامره ونواهيه “([9]).
وجاء فيه أيضاً: ” فلابد في تحقيق الإيمان من المعرفة .. ومن أمر آخر هو الاستسلام الباطن والانقياد لقبول الأوامر والنواهي المستلزم ذلك الاستسلام والانقياد للإجلال أي لإجلال الإله تعالى وعدم الاستخفاف بأوامره ونواهيه “([10]). وجاء فيه أيضاً: ” ثم جعل بعض أهل العلم الاستسلام والانقياد ـ الذي هو معنى الاستسلام ـ داخلاً في معنى التصديق “([11]).
وجاء فيه كذلك: ” قال العلامة سعد الدين: ليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى المخبر والخبر عن غير إذعان وقبول… قلت: تقدم أنه لا يكون العلم بدون إذعان تصديقاً “([12]).
وعلى ذلك فالإيمان عندهم قول وعمل يدخل فيه انقياد القلب، وليس التصديق المجرد إيماناً حتى يجتمع إليه الانقياد، وهذا هو ما قال به جميع أهل السنّة.
وخلاصة الأمر: أنّ الإيمان عند الأحناف هو ثلاثة عناصر لا غنى لأي منها عن الآخر إقرار اللسان وتصديق القلب، وانقياد القلب فإذا علمنا أنّ مقصودهم بذلك هو أصل الإيمان وحدّه الأدنى المنجي من الكفر علمنا يقيناً أنه لا خلاف بينهم وبين أهل السنّة في هذه المسألة البالغة الأهمية لأنها رأس مسائل الأسماء والأحكام وأهم قاعدة بها تُميز بين من تجري عليه أحكام الإيمان ومن تجري عليه أحكام الكفر، يقول الكشميري الحنفي في كتابه فيض الباري:” الإمام أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ تعرض لأمر لم يتعرض له السلف فإنه تكلم في مرتبة محفوظة وهي التي يدور عليها أمر النجاة وليس بعده إلاّ الكفر… فجعل للإيمان أصلاً… وهو الذي لو إنحط عنه الإيمان لجاء الكفر مكانه، وأبقى التفاضل في أمور تتعلق بالإيمان من الخشية وغيرها، والإيمان ـ أي عنده الذي ـ بمعنى التقوى والخشية يزيد وينقص والناس يتفاضلون فيه “([13]).
” قلت “: وهذا النقل الرصين عن الإمام أبي حنيفة يدل يقيناً أنه كان يبحث في أصل الإيمان وهو المرتبة التي يدور عليها أمر النجاة وليس بعدها إلاّ الكفر، وبهذا يزول الإشكال في تلك المسألة ونعلم أن الأحناف كفقهاء أهل السنّة والجماعة متفقون على أنّ أصل الإيمان: إقرار اللســان، وتصديق القلب (قول القلب)، وانقياد القلب (عمل القلب).
[المنطلق الثالث]: الخلاف بين جمهور أهل السنّة والجماعة وبين الإمام أبي حنيفة، هو في جزئية واحدة، ألا وهي دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان بعد اتفاقهم جميعاً على أصل الإيمان الذي ليس قبله إلاّ الكفر الأكبر. وجمهور علماء أهل السنّة يقولون بدخول أعمال الجوارح حقيقة في مسمى الإيمان والأحناف يقولون أنها تدخل على سبيل المجاز وليس الحقيقة لأن مسمى الإيمان عندهم مرادف لأصل الإيمان وما زاد عن الأصل فهو تقوى وبرّ ولا يدخل في الإيمان إلاّ على سبيل المجاز، ومع هذا الخلاف في مسمى الإيمان إلا أنه صوري محض لا حقيقة له وذلك لأن الأحناف يجعلون للعمل منـزلة كبيرة وأهمية عظيمة وجميعهم يقول بأن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحق للذم والعقاب، ويقولون بأن أهل الذنوب داخلون تحت الذمّ والوعيد، ويقولون بأن بعض أهل الكبائر يدخلون النار ويعذبون فيها، ويقولون بأن مرتكب الكبيرة فاسق داخل تحت الوعيد، وفي هذه الأصول جميعها يوافقون أهل السنّة والجماعة ويُخالفون أهل الإرجاء قلباً وقالباً، فأهل الإرجاء يقولون بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفـر طاعـة وأنّ أهل (لا إله إلاّ الله) جميعهم يدخلون الجنة ابتداءً فلا يلج النار منهم أحد مهما كثرت ذنوبه، ويقولون أن صاحب الكبائر إيمانه كإيمان الملائكة والنبيين، وعلى ذلك فأصول الأحناف توافق أصول أهل السنّة وتفارق أصول المرجئة وتخالفها مخالفة جوهرية.
والذي يؤكد صورية هذا الخلاف ما جاء في كتب الأحناف أنفسهم يقول صاحب فيض الباري ” وهاهنا إشكال يرد على الفقهاء والمتكلمين وهو أن بعض أفعال الكفر قد توجد من المصدق، كالسجود للصنم والاستخفاف بالمصحف. فإن قلنا: إنه كافر. ناقص قولنا: أن الإيمان هو التصديق … فالحق في الجواب ما ذكره ابن الهمام ـ رحمه الله تعالى ـ وحاصله أن بعض الأفعال تقوم مقام الجحود، نحو العلائم المختصة بالكفر، وإنما يجب في الإيمان التبرؤ عن مثلها أيضاً، كما يجب التبرؤ عن نفس الكفر، ولذا قال تعالى: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ..} [التوبة: 66] في جواب قولهم: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ..} [التوبة: 65] لم يقل: إنكم كذبتم في قولكم. بل أخبرهم بأنه بهذا اللعب والخوض الذين من أخص علائم الكفر، خلعوا رقبة الإسلام عن أعناقهم، وخرجوا عن حماه إلى الكفر. فدل على أن مثل تلك الأفعال إذا توجد في رجل يُحكم عليه بالكفر ولا يُنظر إلى تصديقه في قلبه، ولا يلتفت إلى أنها كانت منه خوضاً وهزؤا فقط أو كانت عقيدة. ومن هاهنا تسمعهم يقولون: إن التأويل في ضروريات الدين غير مقبول، وذلك لأن التأويل فيها يساوي الجحود وبالجملة: إن التصديق الجامع مع أخص أفعال الكفر لم يعتبره الشـرع تصديقاً “([14]).
فكلامه رحمه الله يدل على أنّ الاحناف من أبعد الناس عن الإرجاء وأهله، وأنهم يقول بكافة ما يقول به علماء أهل السنّة في مسائل الإيمان والكفر، ولو نظرنا إلى كتاب مثل شرح الملا على القارئ على الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة ووجدنا ما فيه من ضوابط الإيمان وتأثير الأعمال على كليهما علمنا يقيناً أنه لا خلاف البتة بين الأحناف وبقية أهل السنّة في مسائل الإيمان، وإن كان هناك خلاف فهو في اللفظ فقط دون الجوهر والأصل.
[المنطلق الرابع]: ينبني على معرفة حقيقة الإرجاء وأصوله الضالة، ومع معرفتها نوقن أن الخلاف بين الأحناف والمرجئة حقيقي وفي الأصول، والخلاف بينهم وبين أهل السنّة صوري محض لا أثر له في الواقع، فأصول الضلال عند المرجئة تتمثل في تلك الأصول:
الأصل الأول: لا يضر مع الإيمان (شهادة التوحيد) معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والمعاصي والآثام لا تؤثر على الإيمان ولا على صاحبه، والأصل الثاني: صاحب الكبيرة لا يدخل ضمن إطار الوعيد، ومهما كان على الكبائر والمعاصي فجسده محرم على النار فلا يدخلها لأنه مؤمن تام الإيمان، والأصل الثالث: لا أثر للعمل على الإيمان والمرء يكون مؤمناً كامل الإيمان، إيمانه كإيمان جبريل والملائكة والأنبياء وإن كان لا يعمل خيراً قط بل كان واقعاً على كافة الكبائر والآثام، والأصل الرابع: ما دام الإيمان في القلب فلا يكفر صاحبه مهما أتى من أعمال الكفر الدالة على انتفاء الانقياد القلبي وهو عمل القلب، فلا سب الأنبياء كفر ولا الاستهزاء بالدين كفر ولا السجود للأصنام كفر ما كان في القلب المعرفة والتصديق، فهذه الأصول الأربعة هي التي تفصل بين أهل السنّة وأهل الإرجاء وعند تدبرها بتمعن نجد أن الأحناف يخالفون أهل الإرجاء في كل هذه الأصول مخالفة جذرية، ويوافقون في جميعها ما قاله علماء أهل السنّة والجماعة، فهم يقولون أن أصل الإيمان قول وعمل وأنه إقرار باللسان وتصديق بالقلب وانقياد بالقلب فمتى انتفي شيء منها لا يُحكم على صاحبه بالإيمان، بل متى ظهر من أعماله ما يدل على انتفاء انقياد القلب فهو كافر لما بدا عليه من الاستخفاف والإباء، وهم يقولون أن أهل الكبائر داخلون تحت الوعيد، وأنهم تحت المشيئة وبعضهم يدخل النار بذنوبه وتقصيره، وهم يقولون بأن العمل له منـزلة عالية وأن العمل بكل ما جاء به الشرع حق واجب على المؤمنين وبالتالي فهم على أصول أهل السنّة بعيدون عن أصول المرجئة أهل الضلال.
[المنطلق الخامس]: إذا علمنا أن هذه هي حقيقة حال السادة الأحناف في مسألة الإيمان كان من الظلم والإجحاف نسبتهم إلى الإرجاء، وكان من العدل والإنصاف معرفة مدى الفقه والتأصيل الذي هم عليه إذ يتكلمون في مرتبة أصل الإيمان، لا عموم مرتبة الإيمان الكلية، ومعلوم أن الأصل لا يقبل النقصان إذ لو نقص لدخل المرء في الكفر الأكبر الناقض لأصل الإيمان، ولو زاد لدخلت الزيادة في فرع الإيمان الواجب، ولم تعد من الأصل.
[المنطلق السادس]: في إطار الرد على الطائفة المغالية التي تحاول تصنيف الأحناف على أنهم مرجئه حقيقية، لا أنسى في إطار هذا المنطلق أن أذكر بأن هناك شك كبير في نسبة كتاب السنّة إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، كما أنّ النقول التي نقلها عبد الله ابن الإمام أحمد أو الخطيب البغدادي في ذمّ الإمام أبي حنيفة جميعها لا يخلو من مقال ولا تخلو في عمومها من كذب وتجنّي على هذا الإمام الذي انطبق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجل من أبناء فارس حتى يتناوله) ([15]).
واكثر أهل العلم على انّ أحق من يوصف بهذا الوصف الإمام الأعظم أبي حنيفة الذي سبق الأمة بتقرير الفقه الأكبر والأصغر، وتحرير مسائل الأصول والفروع، وسلّمت له الأمة جمعاء في الفقهين، (الفقه الأكبر وعلم العقيدة وأصول الدين) وهل العقيدة الطحاوية التي كتبها الطحاوي واجتمعت الأمة عليها إلا حسنة من حسنات الإمام الأعظم رحمه الله، وقد أشار الطحاوي إلى قريب من ذلك في مقدمة عقيدته، و (الفقه الأصغر) علم الفقه والشريعة، وكل طلبة العلم النابهين يعلمون أن الفقهاء جميعهم عيال عليه في مسائله وأن له المنتهى في غوامضه ودقائقه، وقد أحسن العلامة محمد بن زاهد في كتابه (تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب) حيث فنّد هذه الروايات بسعة علمه، وأحسن كذلك في ردّه على اليماني في كتابه الترحيب بنقد التأنيب حيث أنّه قد تواتر عن الأئمة خلفاً عن سلف ما للإمام أبي حنيفة وأصحاب من فضل على الفقه بل وعلى كافة علوم الدين ومن لم يشكر هؤلاء فلا نفع الله به.
[المفتاح الثاني]: تحقيق مسألة زيادة الإيمان ونقصانه عند الأحناف:
هذه المسألة تكمن فيما اشتهر عن الأحناف من نفي الزيادة والنقصان في الإيمان وقولهم إن أهل الإيمان في أصله سواء، ومما يزيل الإشكال في المسألة بين الأحناف وبقية أهل السنّة والجماعة في المسألة، مع تحرير النـزاع بل وفضه في المسألة حيث يقوم على تلك الأسس:
(1) الثابت عن الإمام أبي حنيفة هو ما نقله الإمام الطحاوي عنه بقوله ” وأهله في أصله سواء ” أهــ أما نفي زيادة الإيمان ونقصانه لم تثبت عن الإمام أبي حنيفة البتة، بل كثير من علماء الحنفية يصرحون بزيادة الإيمان ونقصانه.
(2) أما عبارة “أهله في أصله سواء ” والتي ثبتت عن الإمام أبي حنيفة فهي صحيحة مائة بالمائة إذا فُهمت على وجهها الذي قصده الإمام فأهل الإيمان في أصله سواء وإن كان الإيمان يزيد وينقص والمسلمون متفاوتون فيه كما هو معتقد أهل السنّة والجماعة الصحيح، فالعبارة عندما أطلقها الأحناف فإنهم قد تعرضوا لأمر دقيق ومسألة محددة هي أصل الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار، أي أدنى ما يطلق عليه لفظ الإيمان، وأقل الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه، وهذا الأصل عامل مشترك موجود ولا شك عند كل مسلم، فكل مسلم لله سواء أكان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو صديقاً أو مؤمناً صادق الإيمان من الذين وصفهم الله تعالى بقوله {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا..} [الأنفال: 4] أو مسلماً معتقداً مقراً وإن كان ظالماً لنفسه بتقصيره في حق الله، كل هؤلاء حتماً عندهم هذا القدر الأدنى المشترك الذي لا يصح إيمان أحد إلا به ثم بعد ذلك تتفاوت درجاتهم بعد ثبوت هذا الأصل تفاوتاً عظيماً. ومن ليس عنده هذا الأصل فليس بمؤمن ولا يصح تسميته بالإيمان حتى يستوفي هذا القدر الأدنى الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه وهذا الأصل يتمثل في أدنى ما يصح به الإيمان من عناصره الثلاثة التصديق والإقرار والانقياد، فإذا جاء المرء بأدنى ما يصح به التصديق وينتفي منه الاستكبار والعناد، وأدنى ما يصح به الإقرار وينتفي منه الإعراض فهو مؤمن له اسم الإيمان وحكمه.
وهذا الأصل بهذه الصفة إن نقص منه ذرة لم ينفع وصار صاحبه إلى الكفر وإن زاد فالزيادة ليست في الأصل وإنما هي داخلة في إطار الإيمان الواجب، وعلى ذلك صار الأصل جملة دقيقة لا تنقص وإلاّ ذهب الإيمان من أساسه وصار كفراً وإن زادت فالزيادة ليست في الأصل وإنما في الإيمان الواجب وهو قسم ثان غير القسـم الأول. فقول الأحناف “وأهله في أصله سواء ” لا يُقصد به البتة نفي زيادة الإيمان ونقصانه بالنسبة لأهله ولكن المؤمنون عندهم وعند كافة أهل السنّة متفاوتون في إيمانهم وإلاّ لتساوت درجاتهم في الجنة وهذا مُحال، إذ تفاوت درجات الجنة مبني على تفاوت درجات الإيمان عند المؤمنين، وإنما القصد بها الكلام على مسألة عقيدية نظرية محضة وهي تحديد الأصل الذي يصح به اسم الإيمان، والمؤمنون مشتركون جميعاً في هذا الأصل وإلاّ لما كانوا مؤمنين ثم هم بعد ذلك متفاوتون.
وقد ضرب العلامة المعلمي لهذا الذي قلته مثلاً عجيباً قال فيه: ” وبالجملة فلا أرى عاقلاً لقوله يقول إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إلاّ.. أن يكون يخص لفظ الإيمان القلبي بالتصديق الذي لا يعتد به دونه، فهو بمنـزلة النصاب فكما أنّ نصاب الذهب في حق الأغنياء بالذهب واحد لا يزيد ولا ينقص، وإن تفاوتوا في الغنى بالذهب فكذلك يقول هذا: إن الإيمان الذي هو نصاب التصديق لا يزيد ولا ينقص وإن تفاوت الخلق في التصديق، أو قل: إنه بمنـزلة زكاة الفطر وهي صاع لا يزيد ولا ينقص وإن كان من الناس من يعطي صاعين أو مائة ألفاً أو أكثر من ذلك “([16]).
” قلت ” فيمكننا في إطار هذا المثال الذي ضربه العلامة اليماني أن نفهم القصد من عبـارة “وأهله في أصله سواء ” أي في النصاب الأدنى الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه وهذا لابد وأن يوجد عند كل مسلم سواءً أكان محسنا مقرباً أو مؤمناً عاصياً لأن لكليهما اسم الإيمان وحكمه وقد اكتسبه بسبب ما عنده من أصل الإيمان ونصابه الأدنى الذي يصح به اسم الإيمان. ومع فهم المثال السابق نعلم أنّ الأحناف لا ينفون تفاوت الناس في درجات الإيمان ولا ينفون زيادة الإيمان ونقصانه بالنسبة للأشخاص وهم يقولون ويصرحون أنّ المؤمنين متفاوتون في ثمرات الإيمان ونتائجه ومتعلقاته، وإنما نفيهم للزيادة والنقصان إنما هو في مرتبة محفوظة مقصودة هي مرتبة الأصل الذي توقف عليه النجاة من الخلود الأبدي في النار والذي ليس بعده إلاّ الكفر الأكبر، ومن هنا أستطيع أن أقول: عندما أتعرض لعبارة الطحاوي: “وأهله في أصله سواء والتفاضل في الخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة التقوى ” أ هـ: ([17]).
إن أهل الإيمان في نصاب الحدّ الأدنى من الإيمان سواء ولو انحط أحد عنه درجة لانتفى النصاب الإيماني وحلّ محله الكفر، والتفاضل بعد ذلك فيما يدخل في الإيمان الواجب من الخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة التقوى وهكذا. ويؤيد ذلك ما قاله شارح الفقه الأكبر الملا على القارئ الحنفي بقوله ” الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان من حيث أصل التصديق لا من جهة اليقين فإن مراتب أهلها مختلفة في الدين) أهـــ([18]). فهذا يؤيد ما ذهبت إليه من أنّ مقصودهم هو الحديث عن أصل الإيمان الأدنى الذي ليس قبله إلاّ الكفر وما جاء بعده فهو في إطار الإيمان الواجب وهو غيره من حيث التقسيم.
وقال البدر العيني الحنفي كذلك: “فكل ما قام من الدليل على أنّ الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفاً إلى أصل الإيمان “([19]).
وعلى ذلك، فمع تحقيق المسألة وتحرر موضع النـزاع يمكنني القول بيقين: أنّ الخلاف بين الأحناف وبين بقية أهل السنّة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه ليس على إطلاقها كما فهمها البعض وظنها خلاف حقيقياً وإنما بتحرير موضع النـزاع نعلم أنه عند معرفة قصد كليهما أنه لا خلاف البتة بينهم وأن حاصله لفظي محض ونظري مجرد لا يترتب عليه أي خلل في فهم الإيمان بمختلف مراتبه وهو لا شك يزيد وينقص عند الجميع بما فيهم الأحناف، والأحناف تكلموا عن نصاب الأصل الذي لا يصح الإيمان إلاّ به وهو لا شك عامل مشترك عند كل مسلم ونصاب ثابت عند الجميع إن نقص صار شكاً وكفراً وإن زاد دخلت الزيادة في إطار الإيمان الواجب ومن هذا نفهم قول من قال بأن التصديق يتفاوت وأن تصديق الصديق رضي الله عنه ليس كتصديق فسّاق أهل القبلة نقول نعم، وإن اشتركا في تصديق معين هو أدنى ما يصح به التصديق ويزول به الشك وما زاد على ذلك دخل في إطار الواجب ومعلوم أن تصديق الصديق رضي الله عنه هو تصديق يقيني عظيم لم يبلغه أحد بعد الأنبياء إلا هو، فالتصديق متفاوت من هذه الجهة وأصله واحد من جهة أخرى وبه يزول الإشكال ولله الحمد.
[المفتاح الثالث]: تحقيق مسألة الاستثناء في الإيمان عند الأحنـاف:
تقدم قولنا في مبحث: الاستثناء في الإيمان أنّ أهل السنّة والجماعة عند الاستثناء على ثلاثة أقوال صحيحة: فمنهم من يوجبه باعتبار صحيح شرعاً، ومنهم من يمنعه باعتبار صحيح شرعاً، ومنهم من يجوزه باعتبار صحيح شرعاً، وجميع هذه الأقوال بالنظر إلى اعتباراتها صحيحة مع أنّ أسعدها هو القول الثالث بالجواز لاعتبارات صحيحة شرعاً.
وفيه يقول شارح الطحاوية: (مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول ـ أي الرجل ـ: أنا مؤمن إن شاء الله. والناس فيه ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم مـن يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال… وأما من يجوز الاستثناء وتركه، فهم أسعد بالدليل من الفريقين، وخير الأمور أوسطها، فإن أراد المستثني الشك في أصل إيمانه منع من الاستثناء، وهذا مما لا خلاف فيه، وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم الله في قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2 – 4] وفي قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15]، فالاستثناء حينئذ جائز، وكذلك من استثنى وأراد عدم علمه بالعاقبة، وكذلك من استثنى تعليقاً للأمر بمشيئة الله، لا شكاً في إيمانه) أهـ،([20]).
” قلت ” والأحناف يمنعون من الاستثناء باعتبار صحيح وهم كذلك يجيزونه باعتبار صحيح أيضاً، وهم في هذه المسألة على الجادة سائرون ضمن إطار الأقوال الثلاثة المعتبرة في إطار أهل السنّة والجماعة. واعتبارهم الصحيح عند المنع من الاستثناء هو أنهم يتحدثون عن أصل الإيمان وحدّه الأدنى الذي متى نقص آل صاحبه إلى الكفر الأكبر، وبالتالي فكل مؤمن يوجد عنده هذا الإيمان وليس في الاتصاف به أي نوع من التزكية بل هو إثبات لاسم الإيمان وحكمه وإلاّ فصاحبه في عداد المسلمين تحت الوعد والوعيد وفق أعماله. واعتبارهم الصحيح لجواز الاستثناء هو عدم العلم بالخاتمة والمآل عند الله فإن الأعمال بالخواتيم والمسلم لا يدري خاتمته لذا جاز له الاستثناء على هذا الاعتبار ويسمونه اعتبار الموافاة، وفي بيان ذلك جاء في المسامرة ـ وهو من كتب الحنفية المعتمدة ـ ” ترك الاستثناء أبعد عن التهمة بعدم الجزم بالإيمان في الحال الذي هو كفر، فكان تركه واجباً لذلك، ولمّا كان هذا إنما يتمشى عند إطلاق اللفظ دون قصد إلى إيمان الموافاة المقتضي للتبرك بالمشيئة خوفاً من سوء الخاتمة مع الجزم في الحال، أمّا من علم قصده بقرائن ظاهرة فلا وجه لمنعه “([21]).
وحاصل الأمر أنّ الأحناف يمنعون الاستثناء إذا كان على سبيل الشك في أصل الإيمان مع التصديق والانقياد، وذلك لأن هذه المرتبة الأدنى لا تحتمل سوى الإثبات لأن على مدارها إثبات اسم الإيمان وحكمه وهي في هذا مثلها مثل قولهم (أنا مسلم) ومعلوم أن المرء إذا قال على سبيل الإخبار عن نفسه بالإسلام أن يقول أنا مسلم على سبيل الحزم، كما أنهم يجيزون الاستثناء بمعنى أنه لا يعلم خاتمة العبد إلاّ الله والأعمال بالخواتيم فمن هذه الوجهة يجيزون الاستثناء وقد تقدم بيان ذلك في مبحث الاستثناء، إلاّ أنه يبين أنّ قول الأحناف لا يخرج عن إطار السنّة في المسألة والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحـات.
[المفتاح الرابع]: الأدلة من أقوال السادة الأحناف على براءتهم من سبّة الإرجاء: من الأدلة اليقينية من أقوال الأحناف على براءتهم الجلـيّة من سبّة الإرجاء الحقيقي:
وقد سبق وأشرت إلى تلك الأدلة في مبحث المرجئة وضلالات المرجئة في باب الإيمان، واشير إليها هاهنا باختصار: (أ) اعتبار الأحناف لقيمة أعمال الجوارح بما يجعلهم ضمن إطار أهل السنّة والجماعة وأبعد ما يكونون عن إطار أهل الإرجاء الحقيقي، (ب) إقرار الأحناف بدخول العصاة تحت الوعيد ودخول بعضهم النار يُعذبون فيها بقدر ذنوبهم، (ج) أقوال علماء الحنفية في بيان المكفرات العملية بما يدل على براءتهم جملةً وتفصيلاً من الإرجاء الحقيقي الذي نقلنا صوره وأقوال أهله في مبحث المرجئة وبيان ضلالاتهم.
قـال الطحاوي في عقيدته الطحاويـة ـ والتي نسبها إلى الأئمـة وأبي يوسف ومحمـد ” وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يُخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر عز وجل في كتابه {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.}[النساء: 48] وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولّى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته ([22]).
وجاء في شرح الفقه الأكبر للملا على القارئ الحنفي: ” إنّ استحلال المعصية صغيرة كانت أو كبيرة كفر ـ إذا ثبت كونها معصية بدلالة قطعية، وكذا الاستهانة بها كفر بأن يعدها هينة ويرتكبها من غير مبالاة بها ويجريها مجرى المباحثات في ارتكابها.. وكذا الاستهزاء على الشريعة الغرّاء كفر لأن ذلك من امارات تكذيب الأنبيـاء.. وكالسجود لصنم وقتل نبي أو الاستخفاف به أو بالمصحف أو الكعبة وقد كفّر الحنفية من واظب على ترك سنّة استخفافاً بها بسبب أنها فعلها النبي صلى الله عليه وسلم زيادة أو استقباحها ومن وصف الله بما لا يليق به أو سخر باسم من أسمائه أو بأمر من أوامره أو أنكر وعده أو وعيده يكفر.. وكذا لو تمنى أن لا يكون نبي من الأنبياء على قصد استخفاف أو عداوة.. وكذا لو جلس على مكان مرتفع وحوله جماعة يسألون مسائل ويضحكون ويضربونه بالوسائد يكفرون جميعاً وذلك لأن هذه الجماعة يجعلون ذلك الشخص مثل النبي صلى الله عليه وسلم وينـزلون الغير منـزلة أصحابه الكرام ثم السؤال بالمسائل والأحكام استهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نعوذ بالله من ذلك ” ” ([23]).
وجاء في رسالة البدر الرشيد في الألفاظ المكفرات ـ وهو من فقهاء الأحناف ـ” في الخلاصة من قرأ القرآن على ضرب الدفّ والقضيب يكفر.
وفي يتيمة الفتاوي: من استخف بالقرآن أو المسجد أو بنحوه مما يعظم في الشرع كفر.
وفي الفتاوي الظهيرية: من قرأ آية من القرآن على وجه الهزل يكفر ” أهـ ([24]).
(قلت): فأين أقوال هؤلاء السادة الفقهاء لله درهم، وأين الإرجاء، سبحانك هذا بهتان عظيم.
[ المفتاح الخامس]: الإمام أبو حنيفة رحمه الله يؤسس لمدرسة عقائدية وفقهيه رصينة يتبعها ثلث أهل السنّة الجماعة في العالم الإسلامي:
(1) أخرج مسلم في صحيحه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجل من أبناء فارس حتى يتناوله)) ([25]).
وليس أحق بهذا الوصف من الإمام الأعظم أبي حنيفة الذي سبق الأمة بتقرير الفقه الأكبر (علم العقيدة) والأصغر (علم الفقه)، وتحرير مسائل الأصول والفروع، وسلّمت له الأمة جمعاء في الفقهين، (الفقه الأكبر وعلم العقيدة وأصول الدين) وهل العقيدة الطحاوية التي كتبها الطحاوي واجتمعت الأمة عليها إلا حسنة من حسنات الإمام الأعظم رحمه الله، وقد أشار الطحاوي إلى قريب من ذلك في مقدمة عقيدته، وهل المذهب الماتريدي في العقيدة وأصول الدين إلا ثمرة من ثمار علمه، و (الفقه الأصغر) علم الفقه والشريعة، وكل طلبة العلم النابهين يعلمون أن الفقهاء جميعهم عيال عليه في مسائله وأن له المنتهى في غوامضه ودقائقه.
(2) ترجمة الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان (ولد في الكوفة سنة 80هـ)، وأدرك زمن أربعة من الصحابة رضي الله عنهم لكنه لم يرهم على الصحيح، وهم: أنس بن مالك بالبصرة، وعبدالله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولذا فهو معدود في طبقة أتباع التابعين، من أبرز شيوخه: حماد بن أبي سليمان، انتهت إليه رياسة الفقه في العراق بعد إبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، ونافع مولى ابن عمر، وجعفر الصادق، ولما مات شيخه حماد سنة 119هـ، حل محله في التدريس والافتاء، لقد برع أبو حنيفة في الفقه حتى غدا إماما فيه، وكان يتميز بدقة النظر وحسن الاعتبار والقياس.. قال ابن المبارك: أفقه الناس أبو حنيفة. كما كان كثير العبادة صوّاماً قوّاماً ورعاً زاهداً، وكان فطناً ذكياً قوي الحجة، أريد على قضاء الكوفة زمن الأمويين فأبى وامتُحن في ذلك حتى جُلد أكثر من مئة سوط، فلما رأى الوالي إصراره خلّى سبيله. وأراده المنصور فأبى فحبسه ثم أطلقه، أخذ الإمام أبو حنيفة الفقه عن شيخه حماد بن أبي سليمان الذي لازمه نحواً من ثماني عشرة سنة، وقد أخذ حماد العلم عن إبراهيم النخعي والشعبي اللذين نقلا فقه شريح القاضي، وعلقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع الذين تلقوا العلم عن عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وقد أخذ العلم عن أبي حنيفة خلق كثيرون، ربما بلغ عددهم أربعة آلاف شخص، (توفى سنة 150هـ) رحمه الله رحمة واسعة.
(3) ثناء العلماء على الإمام أبي حنيفة: جاء في تذكرة الحفاظ في ترجمة الإمام أبي حنيفة رحمه الله: ” أبو حنيفة الإمام الأعظم فقيه العراق النعمان بن ثابت… كان إماما ورعا عالما عاملا متعبدا كبير الشأن لا يقبل جوائز السلطان بل يتجر ويتكسب قال ضرار بن صرد سئل يزيد بن هارون أيما أفقه الثوري أو أبو حنيفة فقال أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث وقال بن المبارك أبو حنيفة أفقه الناس وقال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة وقال يزيد ما رأيت أحد أورع ولا أعقل من أبي حنيفة ” أهـ،([26]).
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: ” وقال يحيى بن معين: كان ثقة، وكان من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضياً، وقد كان يحيى بن سعيد يختار قوله في الفتوى، وكان يحيى يقول: لا نكذب الله ! ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله، وقال عبد الله بن المبارك: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس، وقال الشافعي: من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، وقال عبد الله بن داود الحريبي: ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة، لحفظه الفقه والسنن عليهم، وقال سفيان الثوري وابن المبارك: كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه، وقال أبو نعيم: كان صاحب غوص في المسائل، وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل الأرض، وروى الخطيب بسنده، عن أسد بن عمرو: أن أبا حنيفة كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن كل ليلة، ويبكي حتى يرحمه جيرانه، ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة، وكانت وفاته في رجب من هذه السنّة – أعني: سنة خمسين ومائة -، وعن ابن معين: سنة إحدى وخمسين، وقال غيره: سنة ثلاث وخمسين، والصحيح الأول، وكان مولده في سنة ثمانين فتم له من العمر سبعون سنة، وصلي عليه ببغداد ست مرات لكثرة الزحام، وقبره هناك رحمه الله ” أهـ، ([27]).
(4) الإمام الأعظم أبو حنيفة: يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم له منهج واضح، وقواعد رصينة، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه حتى قال عنه الإمام الشافعي:(الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه)، وأبو حنيفة -رحمه الله- ضرب مثلا عظيما في العلم بكتاب الله تعالى وسعة الاطلاع على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تتلمذ على كبار أئمة التابعين، فهضم علمهم، واستوعب فقههم، ووضع أصولا لمنهجه، وقد حدَّد رحمه الله تعالى بنفسه مصادر فقهه ومنهجه في الإفتاء بقوله: (آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول مَن شئتُ منهم، وأَدَعُ مَن شئتُ منهم، ولا أَخْرُج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا ما انتهى الأمر، أو جاء إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب.. فقومٌ اجتهدوا، فأَجْتَهِدُ كما اجتهدوا) ([28]).
وقد تميَّز رحمه الله بطريقة خاصة في استنباط الأحكام التي لا تقف عند ظاهر النصوص، بل تغوص إلى المعاني التي تُشير إليها، وتتعمَّق في مقاصدها وغاياتها، كما أنه لا يعني اشتهار الإمام أبي حنيفة بالقول بالرأي والإكثار من القياس أنه يُهْمِل الأخذ بالأحاديث والآثار، أو أنه قليل البضاعة فيها، بل كان يشترط في قَبُول الحديث شروطًا متشدِّدة، مُبَالَغَة في التحرِّي والضبط، والتأكُّد من صحَّة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التشدُّد في قَبول الحديث هو ما حمله على التوسُّع في تفسير ما صحَّ عنده منها، والإكثار من القياس عليها، حتى يُوَاجه النوازل والمشكلات المتجدِّدة.
(5) السادة الماتريدية الأحناف هم أحدى مدارس أهل السنّة والجماعة المتحصصة في باب العقيدة، (الأولى): المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، و (الثانية): الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، و (الثالثة): الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، والإمام أبى منصور الماتريدي: هو كما لقبه أهل السنّة والجماعة: إمام الهدى وإمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين ورئيس أهل السنّة والجماعة وناصر السنّة وقامع البدعة، كان الإمام الماتريدي والإمام أبو الحسن الأشعري الإمامين الجليلين اللذين حررا عقيدة أهل السنّة والجماعة بالأدلة النقلية والعقلية، وعلم الإمام الماتريدي يصل سنده إلى الإمام الجليل أبي حنيفة النعمان، وقد درس العلوم العقلية، كما درس العلوم النقلية درسًا متقنًا عميقًا، ووقف على دقائقها حتى صار إمامًا مبرزًا في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان لأنصاره رحمه الله الدور المهم في رفع راية الحق راية أهل السنّة والجماعة في وجه المعتزلة والمجسمة والحشوية، ولا ننسى أن الإمام أبا جعفر الطحاوي (ت: 321 هــ)، وهو من هو في العلم والفقه والعقيدة، وقد لاقت عقيدته المعروفة بالعقيدة الطحاوية قبولا عند الامة نادرا ما نجد توافقا مثله في مجال العقيدة، وهو يقول في مقدمتها: ((هذا ذكر بيان اعتقاد أهل السنّة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رحمة الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين)) أهــ ([29]) .
***
([1]) مسند أحمد 5/298 ح 3248، سنن ابن ماجة 4/228 ح3029.
([2]) صحيح مسلم 4/2055 ح 2670.
([3]) صحيح البخاري7/2 ح5063، صحيح مسلم 2/1020 ح 1401.
([4]) صحيح البخاري 9/108 ح7352، صحيح مسلم 3/411 ح 1716.
([5]) المسامرة للكمال بن أبي شريف على المسايرة للكمال بن الهمام الحنفي ص786.
([6]) شرح العقيدة الطحاوية ص331.
([9]) المسامرة شرح المسايرة ص297.
([13]) فيض الباري نقلاً عن حقيقة الإيمان لمحمد عبد الهادي المصري ص212.
([15]) صحيج مسلم 4/1972 ح 2546.
([16]) التنكيل للمعلمي اليماني 2/364.
([17]) العقيدة الطحاوية ص 313.
([20]) شرح العقيدة الطحاوية ص395 – 398.
([22]) شرح العقيدة الطحاوية ص369 – 370.
([23]) شرح كتاب الفقه الأكبر للملا على القارئ ص 225 – 229.
([24]) تهذيب رسالة البدر الرشيد في الألفاظ المكفرات ص22 – 23.
([26]) تذكرة الحفاظ للذهبي 1/126.
([27]) البداية والنهاية 13/418.