مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند الجمع بين معاني القرب والاستواء والإحاطة في حق ذات الله تعالى
[المفتاح الأول]:
عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة والكون في المكان، (الاستواء): استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، كما أن (القرب): في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن (المعية): في قوله تعالى {وهو معكم أيننما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، فالله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا مكان ولا زمان، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد.
ويجب العلم بانّ الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، ويجب العلم بانّ القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، ويجب العلم بانّ الإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات، ويجب العلم بانّ الله تعالى وتقدس موجود بلا كيف، تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف، فلا كيف ولا مكان ولا زمان، ولا صورة ولا شكل ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال، ولا يقال أنه داخل الكون ولا يقال انه خارج الكون، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون، والدخول والخروج، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك ادراك.
لقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات – اهم وأصعب أقسام العقيدة – أنّ شرط التكلم في (الإلهيات) المسائل المتعلقة بجناب الذات الإلهي: معرفة الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، وتصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد جناب الذات.
إنّ (جناب الذات الإلهي) تعالى وتقدس: غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، أما العلم بالله وتقديسه وتنزيه والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله وكماله المطلق، فهذا أشرف العلوم، وأحمد العلوم، وأحسن العلوم، لأنه العلم المتعلق بالله، إذ هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومن معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات، وهذه المعرفة من اعظم العلم، أما (المعرفة المستحيلة): هي الإحاطة علما بالحق سبحانه، والإنسان مهما أوتي من علم، علمه محدود لأنه محدود، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود.
لقد ذكر الاستواء في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية، أما جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، فعند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يفعل اهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعم به اهل الحشو من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن، (فإن قالوا): فأين الله، قلنا إنّ الله لا يغيب، هو على العرش استوى وهو بكل شيء محيط وهو من كل خلقه قريب، كل ذلك بصفاته وافعاله، اما جناب الذات فلا يحق لنا الحديث عنه ولا تكييف وجوده في مكان دون مكان، لأنّه غيب الغيوب لا تدركه الابصار، ولا نحيط به علما، والعجز عن الإدراك مقصود الإدراك، وأما تلاعب أهل الحشو والتجسيم فتأولوا القرب بالعلم وتأولوا المعية بالعلم وتأولوا الإحاطة بالعلم ثم عند الاستواء قالوا بذاته، فمن أين أتوا بلفظ (بذاته) ولم يرد لا في كتاب ولا في سنّة، وإنما بما فهموه بعقولهم السقيمة التي لا تصلح إلا للتجسيم والتكييف ولا تصلح لاستيعاب التقديس ولا علم التقديس ولا قواعد التقديس.
[المفتاح الثاني]: آيات القرب والمعنى المراد منها: جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، وقوله تعالى: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود: 61]،، وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50]،، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85] وما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفا ولا نهبط واديا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير فدنا منا فقال: (يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) ([1]) ، وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
[المفتاح الثالث]: آيات الإحاطة والمعنى المراد منها: قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}.
[المفتاح الرابع]: آيات الاستواء والمعنى المراد منها: الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، لقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء. وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته.
(مفتاح فهم الآية الأولى التي ذكر فيها الاستواء): والمعنى المراد به: قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف 54-55]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية.
(مفتاح فهم الآية الثانية التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والاتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير.
(مفتاح فهم الآية الثالثة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد 2]، المفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى: {يدبر الأمر}، وقوله تعالى بلقاء ربكم فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير لا استواء مكان والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة ويكون المراد من ذكر الاستواء هو بيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت.
(مفتاح فهم الآية الرابعة التي ذكر فيها الاستواء): قوله تعالى: {تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه 4،5، 6]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الخلق في قوله ممن خلق الأرض والسموات، وقوله تعالى (له ما في السموات وما في الأرض) للدلالة على استواء الملك والتدبير أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته.
أما ما يزعمونه من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى عما يقولون علوا كبيراً، ومثال ذلك تسمية الكعبة ببيت الله والمساجد بيوت الله والعقلاء فهموا من هذه التسمية أن له بيتاً يجب على عباده حجة وبيوتاً هي المساجد يجب أن يعمروها وفهموا منها أنه سبحانه نصب لهم مواضعاً يقصدونها لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه، وإنه لم يجعل ذلك البيت مسكناً لنفسه.
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ولا مدافع، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش، أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد، فكان قوله: (ثم استوى على العرش) أي بعد أن خلقها استوى على عرش الملك والجلال، فإن قيل: فإذا حمل قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) على أن المراد: استوى على الملك بالقهر والتدبير وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً استواء ملك وربوبية وتدبير قبل خلق السموات والأرض. قلنا: إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها، وما كان مكوناً ولا موجداً لها بأعيانها بالفعل، لأن إحياء زيد، وإماتة عمرو، وإطعام هذا و إرواء ذلك لا يحصل إلا عند هذه الأحوال، فإذا فسرنا العرش بالملك والملك بهذه الأحوال، صح أن يقال: إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره وقهره لها بعد خلق السموات والأرض، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع، ثم لا ننسى قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) [الحاقة: 17] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان المعبود كما يتوهم المخطئون، فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله. والحاصل أن الاستواء المقصود هو استواء على الملك بالقهر والتدبير.
(مفتاح فهم الآية الخامسة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان 59]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما فهو الخالق بالكون بما فيه وهو ربه ومدبره فسأل بذلك خبيرا، وثم تدل على التراخي والتأخر عن الفعل وتعلق الاستواء هاهنا واضح بالربوبية وما تستحقه من عبودية الخلائق فالله عز وجل خلق الخلق وأوجدهم من العدم ثم استوى استواء الرب لعباده ويدلنا على ذلك قوله تعالى في الآيات التالية وعباد الرحمن الذين يمشون هونا.
(مفتاح فهم الآية السادسة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة 4 إلى 7]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع).
(مفتاح فهم الآية السابعة التي ذكر فيها الاستواء): قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]، والمفتاح: الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض.
ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون، أولا: فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان ثانيا: قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء، ثالثا: قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شيء، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون ، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف.
والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء.
والحاصل أن القول الفصل في الاستواء أنه على منهاج أهل السنة والجماعة، لا يخرج عن ثلاثة أقوال جميعها عند أهل السنة صحيحة، هي: (أولا): أنه من باب الاستعارة (وهي أعلى مراتب البلاغة عند العرب) كالملك إذا كان ذا هيبة ومكانة عظيمة في بلده يعبرون عن علو قدره بأنه على كرسي الملك استوى وإلا فالاستواء بمعنى الجلوس ليس فيه أي إشارة إلى الكمال لأن الجلوس يتقنه كل أحد، وعلى ذلك فالمقصود من الاستواء الدلالة على الاستعلاء والقهر وعلو الربوبية والتدبير بقرينة (يدبر الأمر)، والتي تعقب ذكر الاستواء عادة والله تعالى أعلم.
وفي بيان تلك الاستعارة جاء في فتح الباري: ” قال الحافظ صلاح الدين العلائي: ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية وهي ان يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفا فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيء آخر فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في اثبات المشترك قال وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسيم ” أ هـ ([2]) .
و(الثاني): أنه (استواء) على مراد الله تعالى ومراد رسوله، ليس كمثل استوائه استواء، كما أنه ليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات.
و(الثالث): معاملة صفات القرب والإحاطة والاستواء معاملة واحدة، فإذا أثبتنا الاستواء أثبتنا القرب، وأثبتنا الإحاطة، وآنذاك، يمتنع التكييف لأنه جمع بين الأضداد.
(فائدة): رأي المشبهة والجهمية في آية سورة الحديد والرد عليهم:
استدلت المشبهة من الآيات في سورة الحديد: على أنّ الاستواء استواء جلوس على العرش، واختلفوا هل بمماسة أو من غير مماسة، وهل بحد ونهاية أم من غير حد ونهاية، وهل إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أم لا، وكل هذه المصائب العقائدية أتت عليهم من تكييف الاستواء، وأنه يشبه جلوس الملك على كرسيه، وتناسوا أنه ليس كمثله شيء.
واستدلت الجهمية من هذه الآيات: على أن الله تعالى موجود بذاته في كل مكان، فأنتصب العلماء أهل الأصول للرد على هذه بدعة وأوضحوا أن كلمة بذاته زيادة شنيعة زادتها زادتها الجهمية في دين الله، وأن الله تعالى قريب لا يغيب عنه مكان ولا يبعد عنه مخلوق ولكنه منزه عن الحلول بذاته في أي مكان، ثم ظهرت الحشوية وقالوا أن الله موجود في مكان دون مكان ومكانه العرش وقال بعضهم أن العرش مكانه وأنه أكبر من ذات الرحمن بمقدار أربعة أصابع استدلوا له بحديث لا يصح ولا يجوز أن نأخذ من مثله حكما في الوضوء والطهارة فضلاً عن حكم يتعلق بذات الرحمن فانتصب الأصوليون من هذه الأمة لهذه البدعة وفندوا أخطاءها وأظهروا عوارها وبينوا أن الأماكن كلها محدودة والله لا حد له وأن الله كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان تنزه عن الحاجة إلى العرش وما دونه من المخلوقات حي قيوم قائم بنفسه قائم على حاجات خلقه ليس كمثله شيء له كمال الغنى سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو سبحانه كما أثنى على نفسه.
و(نحن): نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء كون الذات العلية مستوية مكاناً على العرش قد ورد في الصحيح أن رسول الله قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له رواه البخاري ومسلم وغيرهما فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما يقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يماري فيه إلا جاهل مأفون.
و(نقول) لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء إلى السماء أنه الانتقال من الأرض إلى السماء وذلك في قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم} [البقرة 29] أن تصورهم الاستواء بهذه الصورة محض باطل وجهل عظيم ووقاحة في الاعتقاد ومشابهة لليهود في التجسيم والنصارى في الإتحاد والحلول لأنه يدل على حدوث العلو بعد السفل تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا والمعنى الصحيح الذي عليه الأئمة المفسرون أنه سبحانه قصد إلى خلق السماء وليس صعد من الأرض إلى السماء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
[المفتاح الخامس]: استواء الله على العرش استواء صفات لا استواء ذات، لأن جناب الذات غيب لا يُدرك: الله تعالى غيب الغيوب لا يدرك، موجود بلا كيف، لا يجوز تكييف الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي، لا يغيب عنه شيء، وهو أقرب إلى كل شيء من نفسه وذاته، مقدس عن الغايات والحدود، وعن الكون في المكان المحدود، استواؤه استواء صفات، وقربه قرب صفات، وإحاطته إحاطة صفات، وأهل التكييف متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى (والله بكل شيء محيط) وقوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطا) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى (فإني قريب) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته (سبحانه) إنّ المنهج العلمي في معاملة النصوص يستوجب التساوي في فهم الآيات، فلم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، كما أنّ الإحاطة احاطة صفات العلم والسمع والبصر، وجناب الذات لا يدرك ليس كمثله شيء.
[المفتاح السادس]: درر من أقوال العلماء في تقديس الله عن الاستواء بالذات:
(1) وقال ابن كثير في تفسيره: (وأما قوله تعالى “ثم استوى على العرش” فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه و”ليس كمثله شيء وهو السميع البصير “أهـ، ([3])
(2) وقال عبد الباقي بن إبراهيم الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه ” أهـ، ([4])
(3) وقال شيخ محدثي زمانه الإمام البيهقي: (وفي الجملة يجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف بلا أين بائن من جميع خلقه وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان وأن مجيئه ليس بحركة وأن نزوله ليس بنقلة وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة وأن يده ليست بجارحة وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف فقد قال {ليس كمثله شيء} وقال {ولم يكن له كفوا أحد} وقال {هل تعلم له سميا} ” أ هـ ([5])
(4) وقال العلامة ابن الجوزي وهو يبين مذهب السلف في الاستواء: (ومنها قوله تعالي: ” ثم استوي علي العرش ” قلت: وجميع السلف علي امرار هذه الآية كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل . قال عبد الله بن وهب: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله ” الرحمن علي العرش استوي ” كيف استوي ؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال: الرحمن علي العرش استوي كما وصف نفسه ولا يقال له كيف وكيف عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة فأخرجوه فأخرج، ثم تكلم عن حشوية الحنابلة أبي حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى الذين يظنون أنهم على مذهب السلف والسلف بريئون منهم فقال: وقد حمل قوم من المتأخرين هذه الصفة علي مقتضي الحس فقالوا: ” استوي علي العرش بذاته “، وهي زيادة لم تنقل، إنما فهموها من احساسهم، وهو أن المستوي علي الشيء إنما تستوي عليه ذاته، قال أبو حامد: الاستواء مماسته وصف لذاته، والمراد به القعود، قال: وقد ذهبت طائفة من أصحابنا إلي أن الله سبحانه وتعالي علي عرشه ما ملأ، وانه يقعد فيه، ويقعد نبيه الله صلى الله عليه وسلم معه علي العرش، قال أبو حامد: والنزول انتقال، (قلت) (القائل ابن الجوزي): وعلي ما حكي تكون ذاته أصغر من العرش فالعجب من قول هذا، ما نحن مجسمة ..؟ وقيل لابن الزاغوني: هل تجدون له صفة لم تكن له بعد خلق العرش ..؟ قال: لا إنما خلق العالم بصفة التحت، فصار العالم بالإضافة إليه أسفل فإذا ثبت لإحدى الذاتين صفة التحت تثبت لأخري صفة استحقاق الفوق قال: وقد ثبت أن الأماكن ليست في ذاته، ولا ذاته فيها، فثبت انفصاله عنها، ولا بد من شيء يحصل به الفصل، فلما قال: ” ثم استوي ” علمنا اختصاصه بتلك الجهة، قال بن الزاغوني: ولابد أن تكون لذاته نهاية وغاية نعلمها، (قلت) (القائل ابن الجوزي): وهذا رجل لا يدري ما يقول لأنه إذا قدر غاية وفصلا بين الخالق والمخلوق فقد حدده، وأقر بأنه جسم، وهو يقول في كتابه أنه ليس بجوهر، لأن الجوهر ما تحيز ثم يثبت له مكانا يتحيز فيه . قلت (القائل ابن الجوزي): وهنا كلام جهل من قائله، وتشبيه محض، فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق، وما يستحيل عليه . فإن وجوده تعالي ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لابد لها من حيز، والتحت والفوق إنما يكون فيما يقابل ويحازي، ومن ضرورة المحاذي أن يكون أكبر من المحازى أو أصغر أو مثله، وإن هذا ومثله إنما يكون في الأجسام، وكل ما يحازي الأجسام يجوز أن يمسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث، وإذا ثبت أن الدليل علي حدوث الجواهر قبولها للمباينة والمماسة. فإذا أجازوا هذا عليه، قالوا بجواز حدوثه، وإن منعوا جواز هذا عليه، لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر، .. والحق سبحانه وتعالي لا يوصف بالتحيز، لأنه لو كان متحيزا لم يخل إما أن يكون ساكنا في حيزه، أو متحركا عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة أو سكون، ولا اجتماع ولا افتراق، وما جاور أو باين، فقد تناهي ذاتيا، والمتناهي إذا خص بمقدار، استدعي مخصصا، وكذا ينبغي أن لا يقال، ليس بداخل العالم، وليس بخارج منه لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات وهما كالحركة والسكون كسائر الأعراض التي تختص بالأجرام. وأما قولهم خلق الأماكن لا في ذاته، فثبت انفصاله عنها، (قلنا) (القائل ابن الجوزي): ذاته تعالي لا يقبل أن يخلق منها شيء، ولا أن يحل فيها شيء، (والفصل من حيث الحس يوجب عليه ما يوجب علي الجواهر، ومعني الحيز أن الذي يختص به يمنع مثله أن يوجد، وكلام هؤلاء كله مبني علي الحس، وقد حملهم الحس علي التشبيه والتخليط حتي قال بعضهم: إنما ذكر الاستواء علي العرش لأنه أقرب الموجودات إليه. وهذا جهل أيضا. لأن قرب المساحة لا يتصور إلا في حق الجسم، وقال بعضهم: جهة العرش تحازي ما يقابله من الذات ولا تحازي جميع الذات وهذا صريح في التجسيم والتبعيض)، ويعز علينا كيف هذا القائل ينسب إلي مذهبنا ؟ واحتج بعضهم بأنه علي العرش بقوله تعالي: ” إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ” وبقوله تعالي ” وهو القاهر فوق عباده ” وجعلوا ذلك فوقيه حسية، ونسوا أن الفوقية الحسية إنما تكون لجسم أو جوهر وأن الفوقية قد تطلق لعلو المرتبة فيقال: فلان فوق فلان، ثم أنه كما قال: {فوق عباده} قال: {وهو معكم}، فمن حملها علي العلم، حمل خصمه الاستواء علي القهر… قال ابن حامد: الحق يختص بمكان دون مكان ومكانه الذي هو فيه وجود ذاته علي عرشه وقال: وذهبت طائفة أن الاستواء علي عرشه قد ملأ، والأشبه أنه مماس للعرش الكرسي بوضع قدميه . قلت المماسة إنما تقع بين جسمين، وما أبقي هذا في التجسيم بقية ..؟ فصل: واعلم أن من يتصور وجود الحق سبحانه وجودا مكانيا طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده وجودا زمانيا طلب له مده في تقدمه علي العالم بأزمنة وكلا التخيلين باطل. وقد ثبت أن جميع الجهات تتساوي بالإضافة إلي القائل بالجهة فاختصاصه ببعضها ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلي مخصص يخصصه ويكون الاختصاص بذلك المعني زائدا علي ذاته وما تطرق الجواز إليه استحال قدمه لأن القديم هو الواجب الوجود من جميع الجهات . ثم إن كل من هو في جهة يكون مقدرا محدودا وهو يتعالى عن ذلك وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلي جهة والجهة ليست في جهة وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان ويوضحه أن المكان إذا كان يحيط بمن فيه والخالق لا يحويه شيء ولا تحدث له صفة، … فإن قيل نفي الجهات يحيل وجوده، قلنا إن كان الوجود يقبل الاتصال والانفصال فقد صدقت، فاما إذا لم يقبلها فليس خلوه من طرق النقيض بمحال، فإن قيل أنتم تلزموننا أن نقر بما لا يدخل تحت الفهم، قلنا: أن أردت بالفهم التخيل والتصور فإن الخالق لا يدخل تحت ذلك إذ ليس بمحس ولا يدخل تحت ذلك إلا جسم له لون وقدر فإن الخيال قد أنس بالمبصرات فهو لا يتوهم شيء إلا علي وفق ما رآه لأن الوهم من نتائج الحس، وإن أردت أنه لا يعلم بالعقل فقد دللنا أنه ثابت بالعقل لأن العقل مضطر إلي التصديق بموجب الدليل، واعلم أنك لما لم تجد إلا حسا أو عرضا وعلمت تنزيه الخالق عن ذلك بدليل العقل الذي صرفك عن ذلك فينبغي أن يصرفك عن كونه متحيزا أو متحركا أو متنقلا، ولما كان مثل هذا الكلام لا يفهمه العامي قلنا: لا تسمعوه ما لا يفهمه ودعوا اعتقاده لا تحركوه بل يسروه أن لا يساكن الجبال، ويقال إن الله تعالي استوي علي عرشه كما يليق به ” أهـ ([6]) .
(5) وقال رحمه الله _ في شرحه لحديث ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول: من يدعوني فأستجيب له_ ” قلت: وقد روى حديث النزول عشرون صحابيا، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير، فيبقى الناس رجلين: أحدهما المتأول له بمعنى: أنه يقرب رحمته . وقد ذكر أشياء بالنزول فقال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}، وإن كان معدنه بالأرض وقال: {وأنزلنا لكم من الأنعام ثمانية أزواج} ومن لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل ..؟، والثاني: الساكت عن الكلام في ذلك . روي أبو عيسي الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك انهم قالوا: أمروا هذه الأحاديث بلا كيف قلت: وواجب علي الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلي مكان يفتقر إلي ثلاثة أجسام: جسم عالي، وهو مكان الساكن، وجسم سافل، وجسم ينتقل من علو إلي أسفل، وهذا لا يجوز علي الله تعالي قطعا .. قال ابن حامد: هو علي العرش بذاته، مماس له، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل . قلت: وهذا رجل لا يعرف ما يجوز علي الله تعالي، وقال القاضي: النزول صفة ذاتية، ولا نقول نزوله انتقال . قلت وهذا مغالطة، ومنهم من قال: يتحرك إذا نزل، ولا يدري أن الحركة لا تجوز علي الخالق. وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه . ولو كان النزول صفة لذاته، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة . ” أهـ، ([7]) .
(6) وقال القاضي بدر الدين بن جماعة: ” واتفق السلف وأهل التأويل على أن ما لا يليق من ذلك بجلال الرب تعالى غير مراد كالقعود والاعتدال واختلفوا في تعيين ما يليق بجلاله من المعاني المحتملة كالقصد والاستيلاء فسكت السلف عنه وأوله المؤولون على الاستيلاء والقهر لتعالي الرب عن سمات الأجسام من الحاجة إلى الحيز والمكان وكذلك لا يوصف بحركة أو سكون أو اجتماع وافتراق لأن ذلك كله من سمات المحدثات وعروض الأعراض والرب تعالى مقدس عنه ” أهـ ([8]) .
(7) وقال الزرقاني ({الرحمن على العرش استوى}: فنقول يتفق الجميع من سلف وخلف على أن ظاهر الاستواء على العرش وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل لأن الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شيء منه سواء أكان مكانا يحل فيه أم غيره وكذلك اتفق السلف والخلف على أن هذا الظاهر غير مراد لله قطعا لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه وأثبت لنفسه الغنى عنهم فقال ليس كمثله شيء وقال هو الغني الحميد فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضا، … إلى أن قال: لقد أسرف بعض الناس في هذا العصر فخاضوا في متشابه الصفات بغير حق وأتوا في حديثهم عنها وتعليقهم عليها بما لم يأذن به الله ولهم فيها كلمات غامضة تحتمل التشبيه والتنزيه وتحتمل الكفر والإيمان حتى باتت هذه الكلمات نفسها من المتشابهات ومن المؤسف أنهم يواجهون العامة وأشباههم بهذا ومن المحزن أنهم ينسبون ما يقولون إلى سلفنا الصالح ويخيلون إلى الناس أنهم سلفيون من ذلك قولهم إن الله تعالى يشار إليه بالإشارة الحسية وله من الجهات الست جهة الفوق ويقولون إنه استوى على عرشه بذاته استواء حقيقا بمعنى أنه استقر فوقه استقرارا حقيقيا غير أنهم يعودون فيقولون ليس كاستقرارنا وليس على ما نعرف وهكذا يتناولون أمثال هذه الآية وليس لهم مستند فيما نعلم إلا التشبث بالظواهر ولقد تجلى لك مذهب السلف والخلف فلا نطيل بإعادته ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة أما نحن معاشر المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول {ليس كمثله شيء} ويقول {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} ويقول {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم}ويقول {يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف ” أهـ،([9]).
([4]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر ص 34.
([5]) الاعتقاد للبيهقي: 1: 114/ 117