مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند وجود ظواهر للنصوص مخالفة لقواعد علم التقديس
[تنبيه]:قال القرطبي رحمه الله – في درة من كلامه -: ” اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته (المجسمة) الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك ” أهـ([1])
[المفتاح الأول]: هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات المتشابهات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ}، وقوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، قال الطبري في تفسير قوله تعالى: {إلا لنعلم من يتبع الرسول} ” معنى: يعلم أوليائي وحزبي ” أهـ،([2]) .وقال البيضاوي ” ليعلم رسوله والمؤمنون لكنه أسنده إلى نفسه لأنهم خواصه ” أهـ،([3]) . وقال القرطبي: ” المعنى إلا لتعلموا أننا نعلم فإن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها .. وقيل المعنى إلا ليعلم النبي وأتباعه وأخبر تعالى بذلك عن نفسه كما يقال فعل الأمير كذا وإنما فعله أتباعه ” أهـ،([4]) .وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} ” ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ويكون ذلك كقوله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}، وكقوله تعالى: {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين}، إلى أمثال ذلك من العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لامحالة ولهذا قال بعد هذا، {وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} ” أهـ ([5]) .
[المفتاح الثاني]: هناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، وقوله تعالى: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة: 14]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى،قال القرطبي: (نسوا الله فنسيهم أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب) أهـ([6]). وقال البيضاوي:(نسوا الله غفلوا عن ذكر الله وتركوا طاعته فنسيهم فتركهم من لطفه وفضله) أهـ([7]). وقال البغوي: (نسوا الله فنسيهم تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته في الآخرة وتركهم في عذابه) أهـ([8]).وقال السيوطي: (فنسيهم: تركهم من ثوابه وكرامته) ([9]).
[المفتاح الثالث]: هناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى: لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى.
قال الطبري في تفسيره: (وأما تأويله فإنه وعيد من الله لعباده وتهدد كقول القائل الذي يتهدد غيره ويتوعده ولا شغل له يشغله عن عقابه لأتفرغن لك وسأتفرغ لك بمعنى سأجد في أمرك وأعاقبك وقد يقول القائل للذي لا شغل له قد فرغت لي وقد فرغت لشتمي أي أخذت فيه وأقبلت عليه وكذلك قوله جل ثناؤه سنفرغ لكم سنحاسبكم ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجن فنعاقب أهل المعاصي ونثيب أهل الطاعة) أهـ([10]) .
وقال القرطبي: (قوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان}، يقال فرغت من الشغل أفرغ فروغا وفراغا وتفرغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته، والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه وإنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول القائل لمن يريد تهديده إذا أتفرغ لك أي أقصدك وفرغ بمعنى قصد) أهـ ([11]) .
وجاء في البرهان في علوم القرآن: (قوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} فرغ يأتي بمعنى قطع شغلا أتفرغ لك أي أقصد قصدك والآية منه أي سنقصد لعقوبتكم ونحكم جزاءكم) أهـ ([12]) .
[ المفتاح الرابع]: وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، وقوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، قال القرطبي: (المعنى أن الإعادة أهون عليه أي على الله من البداية أي أيسر وإن كان جميعه على الله تعالى هينا وقاله ابن عباس ووجهه أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء) أهـ ([13]) .
وقال الواحدي: (وهو أهون عليه أي هين عليه وقيل هو أهون عليه عندكم وفيما بينكم لأن الإعادة عندنا أيسر من الابتداء) أهـ ([14])
وجاء في تفسير الجلالين: (وهو أهون عليه من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطبين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه وإلا فهما عند الله تعالى سواء في السهولة) أهـ ([15]) .
وقال الألوسي: (وأهون للتفضيل أي والإعادة أسهل على الله تعالى من المبدأ والأسهلية على طريقة التمثيل بالنسبة لما يفعله البشر مما يقدرون عليه فإن إعادة شيء من مادته الأولى أهون عليهم من إيجاده ابتداء والمراد التقريب لعقول الجهلة المنكرين للبعث وإلا فكل الممكنات بالنسبة إلى قدرته تعالى عز وجل سواء فكأنه قيل وهو أهون عليه بالإضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم) أهـ([16]) . فلا يظن مسلم أن الأمر بالنسبة لله تعالى فيه شيء هَيِّن وشيء أَهْوَن، وشيء شاقّ، فالمراد بهذه الألفاظ تقريب المعنى إلى أذهاننا، والله تعالى لا يعجزه شيء ولا يعييه خلق، بل يقول للشيء كُنْ فيكون: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82]، وظاهر الآيات محال على الله تعالى.
[المفتاح الخامس]: هناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ العالم كله محاط بالرحمن وأنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)} [النساء: 126]، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)} [فصلت: 54].
وهذه الادلة ظاهرها يفيد إحاطة الله تعالى الذاتية بكل شيء، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى تقدس وتنزه عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه.
وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وسع ربي كل شيء علما.
[المفتاح السادس]: هناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه، ومنزه عن القرب الحسي بالذات، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
[المفتاح السابع]: هناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى استوى على عرشه بذاته، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله.
وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها كما ذكرتها في االمبحث السادس (فقه العلم بالقرب مع الاستواء مع الإحاطة في حق ذات الله تعالى)، بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن.
[المفتاح الثامن]: وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم، والمحكم هو اسم الله الأحد واسم الله الصمد وقد تقدم أخص معاني الاسمين في الفصل الأول وخلاصة الأمر أنّ الله مقدس عن الأجزاء والابعاض والجوارح وإذا كانت اليد والوجه والعين في اللغة استعملت على انها أجزاء وأبعاض وجوارح من الذات، فإنها إذا تعلقت بالأحد الصمد، فإنها ليست أبعاض ولا أجزاء ولا جوارح، وإنما نثبتها صفات على الوجه الذي يدل على الكمال، مع تنزيه الله تعالى عن معناها الحقيقي الذي جاء في اللغة وهو الجزء والبعض والجارحة، مع الاحتراس عن نفي ما أثبته الله تعالى.
ومثال ذلك (الوجه): فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجوارح والاجزاء غير مرادة، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم. وكذلك جاءت الآيات في العين مضافاً إلى الله تعالى: والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل في مجازات متعددة، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية، والرؤية هي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، فإذا جمعت العين دلت على كمال الحفظ والمبالغة فيه، وقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك.
وكذلك جاءت الآيات في اليد مضافاً إلى الله تعالى، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10]، فإن سياق الآية يدل على الرضا ببيعتهم، والآية لم ترد للإخبار عن الله بأن له يداً، وأن يده هذه فوق الصحابة المبايعين، وإنما وردت لبيان قضية أكبر من ذلك والإخبار عن مسألة أعظم، ألا وهي تأكيد هذه البيعة وتعظيم أمرها والإخبار عن شرفها وعلو مقامها، وربطها بالله سبحانه وتعالى مباشرة لتقوية روابطها وتوثيق عراها، ومنه قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة الملك: 1] وهاهنا التعبير القرآني (بِيَدِهِ الْمُلْكُ) كناية عن القدرة بقرينة ختم الآية بقوله تعالى {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ولا يقصد بهذا الأسلوب العربي البليغ إثبات جارحة اليد وهذا لا يفهمه إلا شخص بعيد عن جمال اللغة وبديعها.
ولو كان المراد إثبات اليد على حقيقتها المعروفة لنا كجارحة لجاء التعبير المحكم بقوله اعلموا أن لله يد، أو آمنوا بأن لله يد وهكذا كما جاءت الآيات المحكمات تترا بمثل قوله تعالى (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيد ٌ)، وقوله تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ}، وقوله تعالى: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}، واليد تجمع على أيد قال تعالى {ألهم أيد يبطشون بها} وقال تعالى {والسماء بنيناها بأيد} وعلى أيدي قال تعالى {مما عملت أيدينا}، فلا التفات إلى من زعم أن اليد لا تجمع على أيد لأن ذلك مما جاء في القرآن والقرآن نزل بلسان عربي مبين، والمراد بالآية هاهنا إثبات القوة والقدرة، مثالها في ذلك تماما قوله تعالى {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} وقوله تعالى {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}، فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح مع أن جميع البشر بما فيهم الكفار والفجار لهم أيدي وأبصار، أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو قوتهم في الطاعة وجدهم وتشميرهم للعبادة، واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل، فلا شك أن المعنى المقصود هو الثاني، وهاهنا في الآية {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} نفس المقصود إذ لم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه، وقوله تعالى {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ}، قوله تعالى (لما خلقت بيدي) كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين .هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد،